← Акыда

Акыда · id 36423

الفاضح لمذهب الشيعة الإمامية

حامد الإدريسي

Полный текст (160 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الفاضح لمذهب الشيعة الإمامية السيد حامد الإدريسي

стр. 2

مقدمة الحمد لله الغفور الحميد، ذي العرش المجيد، يهدي بهداه من يريد، ويضل من أعرض عن نهجه السديد. بين للناس طريق الهدى، وحذرهم من دروب الردى، ووعد من أطاع وأوعد من اعتدى، ولا يظلم ربك أحدا. والصلاة والسلام على رحمة العالمين، وإمام المتقين، فخر العرب وعزها، وعظيم البشرية كلها، وطبيب القلوب بل دوائها، وفرح الأرواح بل نعيمها: كالبدر في شرف والزهر في ترف ... والبحر في كرم والدهر في همم صلى الله عليه، وعلى آله الطيبين، الذين جعل الله مودتهم من الدين، وحبهم علامة المؤمنين، وعلى صحابته الذين امتازوا بشرف رؤيته، وفازوا بفضل صحبته،، وزكَوا بطيب رفقته، فأحبوه حب الأم وليدها، وذادوا عنه ذود الأسد عن آجامها، وافتدوا به الآباء والأمهات، وفارقوا لأجله البنين والبنات، واستسهلوا الصعب لنشر دعوته، واستطابوا الموت في سبيل خدمته، وآزروه حتى استغلظ فاستوى على سوقه، فمات وهو عنهم راض، وساروا على دربه بلا صدود أو إعراض، صلاة دائمة متصلة إلى يوم الدين.

стр. 3

أما بعد: فإن الافتراق السني الشيعي الذي غرسه اليهود، وسقته دماء كربلاء والجمل وصفين، لم يزده الزمن إلا تنافرا في طرفيه وتباعدا في شقيه، خصوصا من طرف الشيعة الذين ما فتئوا يغذون هذه الأحقاد ويربون عليها صغارهم، وما برحوا يقيمون المناوح والمنادب، يشقون الجيوب ويلطمون الصدور والخدود، ويتوعدون ويتهددون، ويحلقون ويصلقون، فيتربى صغيرهم وسط البكاء والعويل، ويألف مشهد الدماء، ويتغنى بالانتقام، ويحلم بالثأر، وتتشرب نفسه العداء. ولقد شاع في زماننا التشيع وذاع، وأجلب بخيله ورجله على المسلمين في جل البقاع، متخذا من التقية قناعا، ومن الانتساب لأهل البيت وشاحا ورداءً، فتعلق به من تعلق حبا في العترة الطيبة، أو تحت تأثير سحر وسائل الإعلام الخبيثة، ومكنت لهم دولتهم ما مكنت من الظروف، وهيأت لهم بعض القوى العالمية تسنم مقاليد الحكم في بعض الدول، واجتمع لهم ما لم يجتمع من الأسباب المادية والمعنوية من قبل، فتجرؤوا على نشر مذهبهم في أوساط المسلمين، وجاهروا بما كان مخفيا عبر الزمن بعقيدة التقية، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وشوشوا على المسلمين في دينهم، وشككوا بعضهم في كتابهم وسنة نبيهم، وخيرة قرن من قرونهم.

стр. 4

ولقد كنت أتوق كما يتوق كل مسلم، إلى أن تتوحد الكلمة، وتلتئم الفرقة، ونتغاضى عن ما مضى، ونغمض العين على القذى، لماًّ للشمل، وابتعادا عن الاختلاف المذموم، وأخذا بقوله تعالى «ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، فلم أكن أرتاح إذا سمعت أحدا يلمز الشيعة، أو ينسب إليهم أقوالا تقشعر من سماعها الجلود، وكنت أبادر بدافع من العاطفة الجياشة، والسذاجة الفطرية، للرد والاستنكار، وأردد ما يتردد من أن هذه الأقوال ملفقة، ومدسوسة مختلقة، دسها أعداء الأمة عن إخواننا الشيعة، وهم منها براء. لكني وبعد زيارة لإيران سنة ١٩٩٦، وزيارة مدنهم المقدسة، وبعد ما رأيت من طقوس العبادة الشيعية، وبعد ما تعرفت على الشيعة عن قرب، هزتني مظاهر الشرك والتعلق بغير الله، وأدركت أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هؤلاء العوام الملتصقون بشباك القبور من النساء والشيوخ، وراءهم من يضلهم ويفتنهم، وبدأت أعيد النظر في معلوماتي المسبقة، وزادت قناعتي بأن ما يتراكم لدى الإنسان من معلومات يتلقفها من هنا وهناك، لا تعدوا أن تكون سرابات عالقة في الذهن بعيدة عن المنهج العلمي السليم، والمعرفة الصحيحة، وأن ما أعرفه عن الشيعة إنما هو من هذا القبيل. فبدأت مسيرة البحث التي استمرت عشر سنوات، وكنت أول الأمر أقرأ كتب السنة التي كتبت حول الشيعة، لكني استنكرت ما قرأت، وبادرت لتوجيه التهمة للمغرضين، الذين يحرصون على الفرقة بين المسلمين،

стр. 5

ورأيت أنه من الإنصاف أن أقرأ كتبهم مباشرة، وأسائل صفحاتهم وأسطرهم عن هذه العقائد الباطلة، التي ينشرها عنهم كل من كتب عن الشيعة الاثني عشرية. لكنّ الوضع ازداد سوءا حينما اطلعت في كتبهم على ما هو أطم وأمر، فرأيت أنه من الإنصاف أكثر، أن أسائل الشيعة أنفسهم عن هذه الطوام، وأسمع منهم مباشرة. فقررت أن أزور مدينة قم، التي هي الحوزة العلمية، والتي يدرس فيها أربعون ألف طالب من مختلف البلدان، وفيها المئات من الآيات -أعلى درجة علمية قبل درجة المرجع-. وزرت مدينة قم، وجالست علماءهم وناقشتهم، فسمعت بأذني، ورأيت بعيني، وعرفت من هذا المذهب ظاهره وباطنه، وخفيه وجليه. لذا رأيت أنه من الواجب علي أن أبين لإخواني في العالم المسلم حقيقة الشيعة، وحقيقة مذهبهم، وحقيقة موقفهم تجاهنا. فعزمت على جمع كتاب يكون موضحا لهذا المذهب باختصار، معتمدا فيه على النقل من كتبهم المعتمدة عندهم، والمعتبرة في علم الحديث بينهم، مدعما ذلك بأقوال مدرسيهم وعلماء حوزتهم الحاليين، وكتابهم المعاصرين، مضيفا إليه شيئا من كلام عوامهم وكلام معمميهم، مما يجهرون به في القنوات والشبكات، كل ذلك حتى لا يبقى لقارئ كتابي ريب في أن ما أنقله عنهم هو ما يعتقدونه ويدينون الله به، وإن قالوا غير ذلك فإنما هو على مذهب التقية الذي سيفضحه لك هذا الفاضح.

стр. 6

وقد أسميته بهذا الاسم، ليكون دوره بين يديك أن يفضح لك مذهبهم، وينشر لك عقائدهم، وينثر عندك كنانتهم، ويخرج لك خباياهم، ويسلط ضوءا ساطعا على ما تعودوا إخفاءه من مذهبهم، ليتوصلوا إلى استمالة الغافلين والغافلات، والطيبين والطيبات، من المؤمنين والمؤمنات، ممن لم يسبق له أن عرف حقيقتهم. ولن يعدوَ الفاضح عمله، ولن يجاوز قدره، فلم أعطه حق الحكم على أحد، ولم أجعل له غير العرض والسرد، ولست أحاول أخي أن أقحم نفسي حكما، أو ألزمك أفكارا، وحسبي أن دللتك على مواقع الداء، فأنت أنت القارئ، وأنت أنت الحكم، وإن من أبطل الباطل لما يكفي في رده عرضه، وفي استنكاره سماعه، (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وسأحاول أن أجيب عن أهم الأسئلة التي تتدافع أمامك عندما تسمع اسم الرافضة، أو اسم الشيعة الإمامية أو الاثني عشرية. ولقد ترجح بعد التفكير والتدبير أن أجمع لك شمل الموضوع، وأربط لك عناصره في أربعة مباحث، تكون كافية إن شاء الله في رسم صورة واضحة تغني طالب الحق، وتشبع حاجته، وتشفي السائل وتخرص أسئلته.

стр. 7

فكانت الخطة بعون الله ما يلي: مقدمة: وتتضمن ما يلي: - متى ظهر التشيع - فرق الشيعة المبحث الأول: عقائد الشيعة الاثني عشرية: أولا: الإمامة ا- مكانة الإمامة ب- من هم الأئمة الاثنا عشر ج- صفات الأئمة - عصمة الأئمة - علمهم الغيب - معجزات الأئمة ثانيا: المهدي ثالثا: عقيدة الرجعة رابعا: عقيدة البداء خامسا: عقيدة التقية المبحث الثاني: موقفهم من مصدري التشريع: أولا: موقفهم من القرآن الكريم ثانيا: موقفهم من السنة النبوية

стр. 8

المبحث الثالث: مظاهر الانحراف في الفكر الشيعي: أولا: الشرك في مذهب الشيعة أ- مفهوم الشرك عندهم ب- مظاهر الشرك في المجتمع الشيعي ثانيا: زواج المتعة في العقيدة الشيعية المبحث الرابع: موقفهم من المسلمين: أولا: موقفهم من الصحابة ثانيا: موقفهم من أبي بكر وعمر ثالثا: موقفهم من عائشة وحفصة رابعا: موقفهم من أهل السنة أ- تكفيرهم لأهل السنة واستحلال دمهم ب- استباحة أموالهم ج- حكم مناكحتهم هـ- الصلاة خلفهم و- الصلاة عليهم ز- نجاستهم ح- الحكم عليهم بالخلود في النار خامسا: شهادات تاريخية.

стр. 9

الخاتمة وقبل أن ندخل للمقدمة، ونأتي المباحث من أبوابها، ونطلق للحروف أعنتها، ونشحذ للأقلام أسنتها، نذكِّر أنفسنا بقوله تعالى (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله) فنعوذ بالله أن نتكلم على القوم بغير ما في كتبهم دونوه، أو ننسب إليهم ما لم يقولوه أو يعتقدوه، أو أن نقبل فيهم كلام عدو أو مخالف، وإنما نغرف لك من كتبهم، ونستقي لك من حياضهم، رافعين عنك عناء التفتيش، مسقطين عنك كلفة البحث والتقميش، راجين منك دعوة صالحة أو إعراضا جميلا، ومن الله مغفرة واسعة ونية صادقة وثوابا جزيلا، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 10

متى ظهر التشيع: لقد ظهر الاختلاف والتفرق في المسلمين، بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وكانت تلك الحادثة الأليمة، الشرارة الأولى للحروب الدامية التي اندلعت في الأمة الإسلامية ودارت رحاها على أبناءها، وتلاحق الشهداء من كلا الفريقين المتنازعين، إلى أن انتهت بتنازل الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄، حقنا للدماء وتوحيدا للكلمة، وأصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، وكان هذا هو المصداق لقول الرسول الكريم، حين نظر إليه فقال: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين» (١) فتوحدت كلمة الأمة الإسلامية، واجتمع أمرها، وانطفأت الفتنة، وسمي ذلك العام بعام الجماعة سنة ٣٢ للهجرة. وقد ألقت مسألة الخلافة بظلالها على هذا الصراع، فكان في عمقه صراعا دينيا وإن كان ظاهره سياسيا، فلم يكن صراعا على السلطة بقدر ما كان صراعا على مبادئ الشريعة وحرصا على تطبيق ما يراه كل فريق من الفريقين،

стр. 11

فكان معاوية يطالب بالثأر لعثمان بن عفان ابن عمه، ويعلن شعار الانتقام له من قتلته، والأخذ على يدي من اعتدى على حرمة الإسلام وخليفة المسلمين. وكان علي بن أبي طالب ﵁ يرى أن من الحكمة جمع الكلمة أولا، وأن يبايع معاوية وأهل الشام له كما بايع له المسلمون، ثم ينظر بعد ذلك في أمر قتلة عثمان ويأخذ بثأره، على حين اتفاق من الأمر، واجتماع من الكلمة. وقد كادت الأمور أن تصلح بين الفئتين، لولا سعي فريق من الماكرين ممن دبروا لقتل عثمان، في إشعال الحرب وإيقاد نار الفتنة حتى لا يؤخذوا بجريرة فعلهم، ويحاسبوا على جريمتهم إذا ما استقرت الأمور. ومن هنا انقسم المسلمون إلى طائفتين عظيمتين -كما أشار إلى ذلك رسول الله ﵌، طائفة ترى أحقية علي ﵁ بالخلافة وترى نصرته والجهاد معه، إعزازا للدين وقياما بواجبهم تجاه إمام المسلمين، فسموا بشيعة علي، أي حزبه وأتباعه. وفريق يرى أن قتلة عثمان ما زالوا أحياء، لم تطلهم يد الشريعة، ولم ينالوا جزاء فعلتهم الشنيعة، فنهضوا مع معاوية ﵁ وجاهدوا معه، نصرة للدين وانتقاما لذي النورين زوج ابنتي رسول الله ﵌. وآثر آخرون اعتزال هذه الفتنة ووضعَ السلاح، ولم يقاتلوا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وكل مصيب في اجتهاده وإن كان الحق مع علي بن

стр. 12

أبي طالب، بشهادة رسول الله ﵌، حين قال «تقتل عمار الفئة الباغية» وقد قتل ﵀ في صف علي. فبقي اسم الشيعة ملازما لأولئك الزمرة التي ناصرت علي بن أبي طالب وجاهدت معه، وكان أغلبهم من أهل العراق وإن كانوا قد خذلوه وعصوه ولم يقوموا بواجبهم حق قيام، حتى تذمر منهم، واشتهرت عنه أقوال كثيرة في ذمهم والتشكي من خذلانهم، خصوصا عندما رفضوا القتال، وطلبوا منه التحاكم إلى القرآن، حينما رفع جيش معاوية المصاحف لكي يتفادى الهزيمة التي كادت أن تلحقه وجيشه. ووقع ما وقع من قضية التحكيم، وقتل بعدها علي بن أبي طالب غيلة، من بعض من كان من شيعته وخرج عليه، وكانت فتنة شعواء، نسأل الله أن يحفظ منها ألسنتنا كما حفظ منها أيادينا، ولن نجاوز نحن ما أخبرنا الله به في القرآن، مما قد أعد من الحبور والرضوان، لصحابة رسول الله السابقين، من الأنصار والمهاجرين، ومن سار على نهجهم من التابعين ... فلم يكن اسم الشيعة في ذلك الوقت يعدو ما وصفت، ولم يكن التشيع سوى ادعاء أحقية علي بالخلافة، أو تفضيله في بعض الأحيان، على عثمان بن عفان، رضي الله عن الجميع. ولكن بدأت تظهر في جيش علي ﵁ مقالة غريبة، فبعد أن دخل رجل من اليمن اسمه عبد الله بن سبأ إلى الكوفة، مدعيا انتقاله من اليهودية إلى الإسلام، أخذ بعض أتباع هذا الرجل يغلون في علي، ووصل الأمر إلى قال له بعضهم وهو على المنبر «أنت أنت»، فقال

стр. 13

ويلكم من أنا؟ قالوا أنت ربنا -تعالى الله- فأمر بهم، فحفرت لهم حفر وألهبت فيها النيران، وعرضهم على تلك الحفر، وطلب منهم الرجوع ومن لم يرجع عن قوله ألقي فيها، فقالوا الآن تيقَّنا بأنك أنت الله، إذ لا يعذب بالنار إلا الله، وقال ﵁ في ذلك: فلما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا. وقنبر غلامه الذي كلفه بهذا الأمر. (١) ونفى علي ﵁ عبد الله بن سبأ من الكوفة بعدما بلغه أنه ينتقص الشيخين أبا بكر وعمر، لكنه بقي ينشر أفكاره وسط شيعة علي، فأدخل بعض الأفكار اليهودية إلى الإسلام، مثل القول بوصاية علي لمحمد ﵌ كوصاية موسى ليوشع بن نون، وكالقول بعقيدة البداء والرجعة، كما كان هذا الرجل أول من أظهر الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله. (٢) ومن هنا بدأ التشيع يأخذ منحىً جديداً، فلم يعد التشيع مجرد اختلاف حول أحقية علي في الخلافة، أو تفضيله على عثمان، بل أصبح يحمل في طياته عقائد باطلة، كان لليهود يد مباشرة في إقحامها في العقيدة الإسلامية، كما هي وظيفتهم عبر التاريخ «يحرفون الكلم عن مواضعه».

стр. 14

فرق الشيعة: لقد تفرقت الشيعة فرقا شتى، ولم يبق من هذه الفرق اليوم إلا الإسماعيلية والزيدية والاثني عشرية. ولست أقصد في كتابي هذا غير الشيعة الاثني عشرية، وذلك لأسباب: - أنهم أشهر هذه الفرق، والمعروفون باسم الشيعة اليوم، وشخصياتهم مشهورة في كل العالم كالخميني وغيره. - أنهم أكثر هذه الفرق عددا. - أنهم منتشرون في كثير من البلدان. - أنهم يسعون لتشييع أهل السنة، ويسخرون في ذلك القنوات الإذاعية كالمنار وغيرها. - في وقد سموا باسم الشيعة الاثني عشرية لاعتقادهم بإمامة اثنا عشر إماما بعد الرسول ﵌. ويسمون أيضا بالشيعة الإمامية، والجعفرية، ويسميهم أهل السنة بالروافض أو الرافضة لأنهم رفضوا خلافة أبي بكر وعمر. ويتواجدون بشكل أساسي في دولتهم إيران، ولهم تواجد كبير في العراق ولبنان والبحرين، ويشكلون أقلية في بعض البلدان، كالسعودية والكويت، ودعوتهم نشطة في بلدان أوربا وبعض بلدان المغرب العربي.

стр. 15

المبحث الأول: عقائد الشيعة الإمامية: ١ - عقيدة الإمامة ومكانتها عند الشيعة: إن وظيفة الإمام عند الشيعة، تتجاوز الوظيفة السياسية والقيادة الدنيوية كما هي وظيفته في منظور أهل السنة، بل هي استمرار للنبوة، ووظيفة الإمام عندهم كوظيفة النبي، وصفاته كصفاته، وتعيين الإمام كتعيين النبي لا يتم إلا باختيار إلهي. لذلك أوردوا روايات تصف أئمتهم بكل صفات الكمال التي في الرسل والأنبياء، فلا فرق عندهم بين الإمام والنبي، حتى قال المجلسي (١): «إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلوا من إشكال ... ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النبوة والإمامة» (٢)

стр. 16

فالإمامة عندهم منصب رباني له من القداسة ما للنبوة أو أكثر، بل قال الخميني «وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا محمودًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل». (١) يقول آية الله المظفر، وهو من أكابر علمائهم، وكتابه يدرس إلى اليوم في حوزاتهم: «نعتقد أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان رسوله أو لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه الله هاديا ومرشدا لعامة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه، لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعدادا لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب إلا يعرف إلا بتعريف الله ولا يعين إلا بتعيينه» (٢). فامتازت العقيدة الشيعية عن كل الفرق الإسلامية باعتمادها على هذا المبدأ وجعله ركنا أساسيا ينبني عليه الدخول في الإسلام أو الخروج منه، بل جعلوه أهم ركن من أركانه: فعن أبي جعفر قال: «بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع، وتركوا هذه» (٣)

стр. 17

وفي رواية «بني الإسلام على شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان والحج إلى البيت، وولاية علي بن أبي طالب» (١) كما جعلوا قبول أعمال العباد متوقف على اعترافهم بالأئمة. «عن جعفر بن محمد، عن أبيه «﵇» قال: نزل جبرئيل ﵇ على النبي ﵌، فقال: يامحمد السلام يقرئك السلام، ويقول: خلقت السماوات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما عليهن، وما خلقت موضعا أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبدا دعاني منذ خلقت السماوات والأرضين ثم لقيني جاحدا لولاية علي لأكببته في سقر». (٢) وسترى كيف تجرؤوا على أن كفروا أصحاب رسول الله ﵌، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر، وحكموا بردتهم، لا لشيء إلا أنهم لم يعترفوا بهذا الركن العظيم من أركان الدين.

стр. 18

لقد أنزل الله القرآن كتاب هداية وإرشاد، وبين فيه للناس ما نزل إليهم، لذا، جاء في القرآن نصوص كثيرة صريحة في وجوب الصلاة والأمر بها والحث عليها، وصرَف القول فيها وأعاده وأكده، ووعد مقيمها وأوعد تاركها، وكذلك الأمر بالنسبة للزكاة والصوم والأخلاق والمعاملات، بل إن أطول آية في القرآن جاءت لبيان أمر فرعي يتعلق بالدَّين وكتابته وأحوال الكاتب، وحكم الكتابة عن الصغير وغير العاقل، بكل تفصيل وتبيين، فكيف لم يعرض هذا الكتاب لمسألة الإمامة التي يتوقف عليها قبول الأعمال عند الله!!؟ ولم لم يذكر لنا هذا الركن الأساسي ويبينه ويفصله كسائر الأركان!!؟ فهل عندهم من علم فيخرجوه لنا؟ أم يتبعون الظن؟؟؟ وسترى مدى الحرج الذي لحق الشيعة من هذا السؤال، وكيف حاولوا الإجابة عنه بطرق سنعرض لها في مبحث موقفهم من القرآن الكريم. من هم الأئمة الاثنا عشر: يعتقد الشيعة بأن النبي لم يمت حتى أوصى بالأمر إلى علي بن أبي طالب، وعلي لم يمت حتى أوصى إلى ابنه من بعده، وهكذا كل إمام لا يموت حتى يوصي إلى واحد من أبناءه من بعده وينص عليه ويعينه. فالأمر عندهم بالوراثة، مع أن إبراهيم لما سأل الله أن يجعل الأمر في بنيه وذريته قال له «لا ينال عهدي الظالمين»،

стр. 19

لكن الثقافة الفارسية التي تقدس السلالة الساسانية، وترى بأنها مخلوقة للملك، تضفي بظلالها على هذه العقيدة، فتجعل الإمامة وراثة وليست تفاضلا. وهكذا روت الشيعة في كتبها نصوصا عن الرسول صلى الله عليه وآله، ينص فيها على إمامة كل إمام فمن يليه. وهؤلاء الأئمة حسب تسلسلهم، هم: ١ - علي بن أبي طالب المرتضى ٤٠هـ ٢ - الحسن بن علي الزكي ٤٩هـ ٣ - الحسين بن علي الشهيد ٦١هـ ٤ - علي بن الحسين زين العابدين ١١٠هـ ٥ - محمد بن علي أبو جعفر الباقر ١١٩هـ ٦ - جعفر بن محمد الصادق ١٤٨هـ ٧ - موسى بن جعفر الكاظم ١٦٤هـ ٨ - علي بن موسى الرضى ٢٠٣هـ ٩ - محمد بن علي النقي ٢٢٠هـ ١٠ - علي بن محمد التقي ٢٥٤هـ ١١ - الحسن بن علي العسكري الزكي ٢٦٠هـ ١٢ - محمد بن الحسن المهدي - ما زال على قيد الحياة وعمره الآن ١١٧١سنة، فيكون أطول عمرا من نوح ﵇-

стр. 20

وقد حصل إشكال في هذه الشجرة ثلاث مرات ... فقد كان إمامهم السادس جعفر الصادق قد عيّن ولده إسماعيل إماما من بعده، وأكد أنه حامل علمه ومعدن سره، وأن رسول الله ﵌ قد عينه وأوصى به، ويأبى الله إلا أن يفضح الكذابين، فاخترمت المنية إسماعيل قبل موت أبيه ... فكانت الفضيحة، واضطربت الأمور، وكثر الاستنكار، ورجع كثير منهم إلى مذهب أهل السنة، وأنكر فرقة من الشيعة موته، وادعوا بأنه غاب ولم يمت، وبأنه المهدي المنتظر، وانشقوا بمذهب جديد، وتسموا بالشيعة الإسماعيلية. لكن إمامهم أبا جعفر عين ولده موسى إماما جديدا من بعده، وأجابهم بجواب ستطلع عليه في باب عقيدة البداء إن شاء الله. وحصل إشكال مرة ثانية، في عصر إمامهم التاسع علي بن محمد التقي، إذ مات ولده الذي كان قد عينه إماما من بعده وأخبر أنه معين من قبل الله ورسوله، من قبل أن يموت أبوه، ولم يتحقق ما أخبر الله به، تعالى الله عما يقولون، ويجيب إمامهم هذه المرة أيضا بالبداء، ويعين ابنا آخر إماما. وفي المرة الثالثة كاد المذهب أن يهوي إلى الدقن، وتنهدَّ أركانه، ويذوبَ كالملح في الماء، حينما مات الحسن العسكري إمامهم الحادي عشر، قبل أن يولد له ولد، لتتلاشى عند ذلك الوصاية المزعومة، وتتلاشى معها الإمامة، وتتلاشى الرجعة والتقية والمتعة والخمس والبداء ...

стр. 21

وكل العقائد الشيعية التي أساسها ومربطها إنما هو الإمامة. لكن مدبرها عنده شيء من الحكمة، فقد اختلق عقيدة جديدة ترقع ما تمزق، وترأب ما انصدع، إذ زعم أن للحسن العسكري ولدا خبأه في سرداب، وسيرجع لشيعته قريبا جدا-سترى ما ورد من التوقيت لخروج المهدي وكيف كان قريبا في بداية الأمر- لتدور عجلة هذا المذهب بعد توقف، ويدفعَ الناس الخمس بعد تخوف، وتعودَ تلك الدنانير إلى أكياسها، وتستمرَّ حياة المعممين في ظل العقيدة الشيعية، ويكتب لهذا المذهب عمر جديد ... صفات الأئمة: لقد بالغ الشيعة في الرفع من أئمتهم، ووصفِهم بصفات الكمال والجلال، حتى قال الخميني: «وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا محمودًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل». أولا: عصمة الأئمة: ومن هذه الصفات أنهم معصومون عن الخطأ والسهو والنسيان يقول المجلسي: «جملة القول فيه - أي في مبحث العصمة- أن أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمدا وخطأ ونسيانا قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد قدس الله روحهما فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالى لا السهو الذي يكون من الشيطان في

стр. 22

غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام وقالوا: إن خروجهما لا يخل بالإجماع لكونهما معروفي النسب» (١) ويقول أحد علماء الحوزة الذين قابلتهم، في كتاب له بعنوان "العصمة" بعد أن ذكر تعريفها في اللغة والاصطلاح قال: «وإذا كان هذا تعريف العصمة، وأنها من اللطف والفضل والرحمة الإلهية بحق النبي، فنفس هذه العصمة يقول بها الإمامية للأئمة الاثني عشر ولفاطمة الزهراء سلام الله عليها» (٢) لذا جعلوا كلام أئمتهم ككلام الرسول صلى الله عليه وآله، وأعطوهم حق التشريع: «بل نعتقد أن أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه، وعدوهم عدوه، ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول والراد على الرسول كالراد على الله تعالى. فيجب التسليم لهم والانقياد لأمرهم والأخذ بقولهم. ولهذا نعتقد أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير مائهم ولا يصح أخذها إلا منهم» (٣)

стр. 23

ومن رواياتهم في هذا الباب: عن أبي عبد الله قال: «ما جاء به علي ﵇ آخذ به وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وآله ولمحمد صلى الله عليه وآله الفضل على جميع من خلق الله ، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله» (١) ويقول الخميني: «إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن لا تخص جيلا خاصًا، وإنما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومصر وإلى يوم القيامة، يجب تنفيذها واتباعها». (٢) وأشير هنا إلى أنه لا خلاف بين المسلمين في كفر من اعتقد هذا الاعتقاد، ونسب التشريع الديني إلى غير المشرع ، كما قال «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله»، وقال: «ألا له الخلق والأمر» فأثبت لنفسه الأمر والتشريع، كما أثبت لنفسه الخلق والتدبير، وقال «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر»، ولم يأمرنا بالرجوع إلى هؤلاء الأئمة الذين تزعم الشيعة أن الأحكام الشرعية تؤخذ منهم، وتستقى من نمير ماءهم.

стр. 24

واعلم أن هذا هو أساس الافتراق بين السنة والشيعة، فالمشرع عندنا واحد، والمشرعون عندهم ثلاثة عشر، وخروجهم عن هذا الإجماع الذي أجمع عليه المسلمون من أن المشرع هو الله ورسوله لا غيرهما، جعلهم يختلفون مع سائر المسلمين في كثير من الأحكام والفروع الفقهية، فهذا منشأ الخلاف، ومن هنا يعالج، وليس الحل بأن نلجأ إلى حل الخلافات الفرعية، ما دام الأصل مختلفا فيه، والمنبع متنازعا عليه. ثانيا: علمهم الغيب: إن من المجمع عليه بين أهل الإسلام، أن الله استأثر بعلم الغيب، فلا يُطلِع على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسله المبلغين عنه، قال تعالى «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا» وقال «قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله» وقال على لسان نبيه نوح «ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب» وعلى لسان محمد صلى الله عليه وآله «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير» فهؤلاء أولوا العزم من الرسل يتبرؤون من دعوى علم الغيب، لكن الشيعة تزعم أن أئمتها تعلم الغيب، وبالغت في ذلك كأشد ما تكون المبالغة، ووضعت في ذلك من الأحاديث ما يُتعب أقلام الكتبة، ويُكِل أنامل الحسبة.

стр. 25

فمن ذلك ما أورد الكليني في كتابه الكافي، الذي هو بمثابة صحيح البخاري عندهم، الذي خصص فيه أبوابا في علمهم الغيب، ذكر منها: باب أن الأئمة ﵈ يعلمون ما كان وما يكون، وأنهم لا يخفى عليهم الشيء (١) وباب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم (٢) وباب أن الأئمة ﵈ يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈ (٣) وتحت كل باب من هذه الأبواب عشرات الأحاديث، التي يجف القلم رهبة عند كتابتها، وترتعد الأصابع من هول ما فيها. كهذه الرواية التي ينسبون إلى علي ﵁ أنه يقول فيها: «ولقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي: علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، أبشر بإذن الله وأؤدي عنه، كل ذلك من الله مكنني فيه بعلمه» (٤). وفي رواية أخرى عن جعفر بن محمد، قال: «قال أمير المؤمنين ﵇: أعطيت تسعا لم يعط أحد قبلي سوى النبي صلى الله عليه وآله:

стр. 26

لقد فتحت لي السبل، وعلمت المنايا، والبلايا، والأنساب، وفصل الخطاب، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربي، فما غاب عني ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي، وإن بولايتي أكمل الله لهذه الأمة دينهم، وأتم عليهم النعم، ورضي لهم إسلامهم» (١) يقول إمامهم المظفر في علم الإمام: «أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله. وإذا استجد شيء لا بد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي، لا يخطئ فيه ولا يشتبه، ولا يحتاج في كل ذلك إلى البراهين العقلية ولا إلى تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلا للزيادة والاشتداد» (٢) بل يزعمون أن أئمتهم يطلعون على اللوح المحفوظ. يقول أحد معاصريهم وهو الشيخ غلام رضا: «يرى محققوا المفسرين أن الضمير في «لا يمسه» يعود إلى الكتاب المكنون وهو اللوح المحفوظ، فيستفاد حينئذ من الآية أن الأفراد الذين طهرهم الله قادرون على الاطلاع على اللوح المحفوظ وحقائقه وهي غيب السماوات والأرض» (٣)

стр. 27

يقصد بذلك ما ورد في قوله تعالى «لا يمسه إلا المطهرون» أي اللوح المحفوظ، وقد ناقشته في هذه المسألة حينما قابلته في مدينة قم، وأكد لي بأن اللمس في القرآن حسي ومعنوي، فهذا اللمس هنا لمس معنوي، والمقصد من الآية أن الأئمة يطلعون على اللوح المحفوظ لأنهم هم المطهرون المرادون في الآية. لذلك فهم يعلمون كل ما يحدث، كما ورد في رواياتهم «وما من ليلة تأتي علينا إلا وأخبار كل أرض عندنا وما يحدث فيها، وأخبار الجن وأخبار أهل الهوى من الملائكة، وما من ملك يموت في الأرض ويقوم غيره إلا أتانا خبره، وكيف سيرته في الذين قبله، وما من أرض من ستة أرضين إلى السابعة إلا ونحن نؤتى بخبرهم» (١). وهذا العلم التفصيلي للحوادث، هو مما اختص الله تعالى به، قال تعالى: «وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» فلا يعلم ما يحدث في الكون على التفصيل إلا خالق الكون سبحانه، وكما رأيت فإن الشيعة ينسبون لأئمتهم مثل هذا العلم، ومن رواياتهم أن عليا ﵁ -فيما يزعمون- قال لرجل: «أتدري ما حدث البارحة؟ وقع بيت بالصين، وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرنديب، وانهزم بطرق الروم بأرمينية، وفقد ديان اليهود بأبلة،

стр. 28

وهاج النمل بوادي النمل، وهلك ملك إفريقية، أكنت عالما بهذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فقال: البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم سبعون الفا، والليلة يموت مثلهم». (١) فانظر إلى بُعد المسافة ما بين الصين وإفريقية، بل إلى بُعد ما بين السماء والأرض، والإمام يعلم ما يحدث في هذه العوالم كلها، إن هذا يعني بأن نعيد النظر في دلالات كل الآيات التي قصرت علم الغيب على الله ، وجعلت هذا من خصائص ربوبيته، ومظاهر عظمته. بل إن هذا نقض صريح ومشاقة لكل تلك الآيات. وقد ناقشت أحد آياتهم وهو السيد علي مددي في بيته مدة ست ساعات في هذه القضية، وأكد لي أن علم الإمام الغيب مما أجمعت عليه الشيعة، ولم يخالف في ذلك إلا مرجعهم الخوئي، فإنه قال إنهم يعلمون إذا شاؤوا أن يعلموا، وليس على الإطلاق. وصدق الله «قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون، بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون»

стр. 29

ثالثا: معجزات الأئمة: لقد خص الله أنبياءه بمعجزات تكون حجتهم على الناس، ليعلموا أن ما جاءوا به هو من عند خالق الأرض والسماء، ومسير الدنيا بهذه السنن الكونية التي لا تنخرم إلا أن تتدخل القوة الإلهية فتخرمَها، فالنار تحرق إلا أن يشاء الله، والميت لا يرجع إلا أن يحييه الله، وهكذا سائر المعجزات، فإنها تكون خرقا لهذه السنن التي لا يقدر على خرقها إلا الذي سنها أول مرة، ليحصل اليقين بأنهم مبعوثون من عنده، فتقام بهم الحجة على الناس، ويُهدى بهم من شاء الله إلى صراطه المستقيم، ولا يدفع هذا اليقين الحاصل في النفوس من تلك المعجزات إلا الكبر والكفر. وبما أن الإمامة أخت النبوة، والنبي مثل الإمام، فإن الشيعة الإمامية تزعم أن الله أيد الأئمة بمعجزات تثبت حجيتهم، وتدل الناس عليهم. يقول عالمهم هاشم البحراني «اعلم أن المعجزات من الأنبياء والأئمة دليل على صدقهم على الله سبحانه في دعواهم النبوة والإمامة، لأن المعجز الخارق للعادة، فعله تعالى، وإقدارهم على ذلك منه ﷻ ، ومن المعاجز مثل كتابة أسمائهم على ساق العرش والحجب والشمس والقمر، وما شاكل مثل كتابتهم على الأشجار وغيرها» (١)

стр. 30

فلذلك يقررون في كتبهم هذه العقيدة «إن ظهور المعجز على يد النبي أو الإمام شاهد صدقه إذ لو كان كاذبا وجب على الحكيم المتعالي تكذيبه وإلا لزم الإغراء إلى الضلالة وهو لا يصدر منه تعالى» (١). فنسجوا لكل إمام معجزات تدل على إمامته، وتلجم من خالفه، وتكون حجة بين يديه، فالإمام زين العابدين حين نازعه عمه محمد بن الحنفية على الإمامة، احتكم معه إلى الحجر الأسود قالوا: «فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي ﵉ إلى علي بن الحسين بن علي، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه» (٢). وعندما نازع زيد بن الحسن الإمام الباقر في الإمامة أمر سكِّينة كانت مع زيد أن تنطق «فوثبت السكِّينة من يد زيد بن الحسن على الأرض، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أحق منك وأولى، ولئن لم تكف لأليَنَّ قتلك ... » ثم أمر صخرة فيما يزعمون: «فرجفت الصخرة التي مما يلي زيد، حتى كادت أن تفلق، ولم ترجف مما يلي أبي -أي الإمام الباقر لأن الراوي ولده- ثم قالت: يا زيد أنت ظالم، ومحمد أولى بالأمر

стр. 31

منك، فكف عنه وإلا وليت قتلك، فخر زيد مغشيا عليه، فأخذ أبي بيده وأقامه، ثم قال: يا زيد أرأيت إن أمرت هذه الشجرة تسير لي أتكف؟ قال: نعم فدعا أبي ﵇ الشجرة فأقبلت تخد الأرض حتى أظلتهم ثم قالت: يا زيد أنت ظالم ومحمد أحق بالأمر منك فكف عنه، وإلا قتلتك» إلى آخر الرواية، (١) وزيد هذا هو الذي اختلفت عنده الشيعة، ففرقة زعمت أنه هو الإمام، وفرقة زعمت أن الباقر هو الإمام، وتسمى أتباعه بالشيعة الزيدية، وهم موجودون إلى اليوم في بعض مدن اليمن، ولا يعتقدون بكثير من هذه العقائد الفاسدة، بل هم أقرب فرق الشيعة إلى السنة. كما جعل الشيعة لأئمتهم كمثل ما للأنبياء من المعجزات، فإذا كان نبي الله صالح قد أخرج لقومه ناقة من صخرة صماء، فإن عليا حين جاءه رجل يطلبه بدين ادعاه على رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته، أمر ابنه فخرج معه إلى صخرة صماء، فأمرها فتململت، وخرجت منها مائة ناقة تجر بعضها بخطام بعض. (٢) وإذا كان موسى قد أحيى ميتا قتله قومه، فإن عليا كذلك أحيى مقتولا فدل على قاتله بإذن الله (٣)، تعالى الله عما يقولون.

стр. 32

ومعجزات أئمتهم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وكتبهم في ذلك تزاحم كتب الفقه كثرة وتنوعا، وإني لأحاول جاهدا أن أنتقي مما أمامي من الروايات، ما يكون الأقرب إلى خيال البشر وليس إلى العقل، فما أبعد ما أمامي عن العقل، لأضع القارئ في السياق، ويحس بمكانة الإمام وقدراته في نفوسهم، ويرى مدى تغلغل الخرافة في هذه العقول، وبعد الاختيار والانتقاء، أورد هنا ما لا بد من إيراده من هذه الروايات التي نُنَزه عنها العقلاء فضلا عن الأنبياء ... فقد رووا بأسانيدهم، أن جنيا كان جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل أمير المؤمنين علي، فاستغاث الجني وقال: «أجرني يا رسول الله من هذا الشاب المقبل. قال: ما فعل بك؟ قال: تمردت على سليمان، فأرسل إلي نفرا من الجن، فطلت عليهم، فجاءني هذا الفارس، فأسرني وجرحني، وهذا مكان الضربة إلى الآن لم تندمل» (١) ورووا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله إذ دخل علي بن أبي طالب فقال رسول الله: «يا أبا الحسن أتحب أن نريك كرامتك على الله؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فإذا كان

стр. 33

غدا فانطلق إلى الشمس معي فإنها ستكلمك بإذن الله تعالى ... إلى أن قال: فقال علي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أيها الخلق السامع المطيع، فقالت الشمس: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا خير الأوصياء، لقد أعطيت في الدنيا والآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، فقال علي ﵇: ماذا أعطيت؟ فقالت: ولم يؤذن لي أن أخبرك فيفتتن الناس، ولكن هنيئا لك العلم والحكمة في الدنيا والآخرة» (١). وحسبي وحسبك هاتان الروايتان، وإلا صار هذا الكتاب من كتب القصص الهندية القديمة. المهدي: لقد أسست الشيعة مذهبها كما سبق على مبدأ الوصاية، وأن النبي لم يمت، حتى أوصى إلى وصيه، وأن عليا لم يمت حتى أوصى إلى الذي يليه، وهكذا سائر الأئمة، فلا يُعقل على حد قولهم، أن يموت الرسول دون أن يترك وصيا على أمته. لكن المذهب أوشك على الانهيار، بعدما توفي الحسن العسكري إمامهم الحادي عشر، ولم يوص، ولم يكن له أن يوصي، إذ لم يترك خلفا له، ولم يُعرف له ولد، حتى أن ماله قسم على أمه وأخيه جعفر، ولم يكن له وارث غيرهما. (٢)

стр. 34

وهذا أكبر دليل على أنه لم يعرف له ولد، وإلا لما ساغ تقسيم تركته على أمه وأخيه، فالولد يحجب الأخ من الميراث. لكن مفكري الشيعة سرعان ما تداركوا الموقف، وادعوا أن للحسن العسكري ولدا غيبه منذ ولادته في سرداب بمدينة سامراء، وكانت فكرة هذا الولد الغائب، هي الدعامة التي أسندت المذهب، فرقعت منه ما تمزق، وضمنت له الاستمرار، بعدما تلاشت نظرية الوصاية والإمامة، بانقطاع نسل الإمام الحادي عشر. فالشيعة يؤمنون بوجود إمام هو الثاني عشر، ويلقبونه بصاحب الزمان، ويعتقدون أنه مختف في سرداب بمدينة سامراء، وهم ينتظرون خروجه، ويزعمون أنه إمامهم الآن، وأنه حجة الله على الخلق، كما كان سائر الأئمة حجة على الخلق، ويروون بأنه من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، (١) بل يروون أنه لو بقيت الأرض بدون إمام لساخت بأهلها (٢). ولم يكن أمر هذا الغلام معروفا قبل هذه الحادثة المفجعة، وقبل أن يموت الحسن العسكري من دون أن يدركهم بإمام تتسلسل معه هذه النظرية، وتستمر به هذه الوصاية، ولم يكن أحد يروي أي خبر أو أثر عن هذا الوليد وغيبته، ولم يكن أحد يعرف أن المهدي هو هذا، بل قد اختلفت فرق الشيعة وتشتت بعد موت كل إمام، فكان التنازع يحصل على من هو

стр. 35

الإمام المعين بعده، فتتمسك فرقة منهم بالإمام الذي مات، ويزعمون أنه لم يمت وإنما غاب ليرجع في آخر الزمان، وأنه هو المهدي، وهذا ما حصل بعد وفاة الباقر، وبعد وفاة الصادق، وكذلك تفرقوا بعد وفاة الكاظم فوقف كثير منهم عنده وزعم أنه المهدي، وافترقوا بعد وفاة الرضا، وبعد وفاة الجواد وبعد الهادي وبعد العسكري. (١) وهذا آكد دليل على عدم وجود الأحاديث التي ذكروها عن هذا الوليد، وأن الرسول صلى الله عليه وآله، لم يخبر عنه ولا عن غيبته، فلو كان منصوصا عليه من قبل الرسول ﵌، لما تفرقوا وتنازعوا، ولما تناطحوا في أمر المهدي وتهارشوا، خصوصا أنهم قبل موت الإمام الذي يختلفون بعده يكونون فرقة واحدة، لهم نفس المصادر، ونفس الأحاديث، وقد جرد عالم الشيعة الاثني عشرية والمعروف بالطوسي، سيفه في كتابه "الغيبة"، على كل من زعم من فرق الشيعة مهديا قبل محمد بن الحسن ورد عليهم وأبطل دعاويهم، وفسقهم وضللهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «علماء الشيعة المتقدمون ليس فيهم من نقل هذا النص ولا ذكره في كتاب ولا احتج به في خطاب، وأخبارهم مشهورة متواترة، فعلم أن هذا من اختلاق المتأخرين، وإنما اختُلق هذا لما مات الحسن بن علي العسكري وقيل إن ابنه محمدا غائب، فحينئذ ظهر

стр. 36

هذا النص بعد موت النبي ﵌ بأكثر من مائتين وخمسين سنة». (١) لكن الاثني عشرية مصرة على ضرورة الاعتقاد بوجود هذا المهدي وغيبته، وهو من العقائد الأساسية عندهم، يقول مقرر عقائدهم آية الله المظفر: «غير أن الفرق بين الإمامية وغيرها هو أن الإمامية تعتقد أن هذا المصلح المهدي هو شخص معين معروف ولد سنة ٢٥٦ هجرية ولا يزال حيا، هو ابن الحسن العسكري واسمه محمد. وذلك بما ثبت عن النبي وآل البيت من الوعد به، وما تواتر عندنا من ولادته واحتجابه» (٢) لذا تراهم يدعون دائما عند ذكر اسمه بقولهم «عجل الله فرجه» ويكتبون أمام اسمه حرفي ع ج، ويلهجون في أدعيتهم بانتظار خروجه، وترقب موعده، ليملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا، كما ورد في رواياتهم، وكما تسمعه في تراتيلهم وأهازيجهم. ومن الطريف أنهم يُعرضون عن القرآن والسنة، ويعتمدون في دينهم وتشريعهم على نصوص أسموها الرقاع، أو تواقيع الإمام، وهي عبارة عن أوراق تأتي من الإمام المهدي، تأمرهم وتنهاهم، وتجيب عن تساؤلاتهم واستفساراتهم، ويجعلونها حجة على الخلق،

стр. 37

أذكر لك واحدا منها: فقد تساءل الناس ما فائدة هذا الإمام الغائب، وكيف تحصل به الحجة وإرشاد الخلق، وهو مختبئ عنهم، فخرج التوقيع عن الإمام: «أما وجه الانتفاع في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى». (١) وله توقيعات كثيرة في مختلف أحكام الفقه، وكلها تعد نصوصا قطعية في بابها، ولا يجوز محالفتها. وإسحاق بن يعقوب هذا، واحد من أبطال هذه المسرحية، فقد تولى أشخاص أمر هذه الصلة بين الناس والمهدي، فكانوا يوصلون إليه ما يدفعه الشيعة من أموال الخمس، ويلتقون به، وكانوا يسمون بالأبواب، أي أصحاب الباب، ويسلمونه رسائل الشيعة وأسئلتهم، ويتلقون منه هذه التوقيعات. ومن الطريف أيضا، أن أمر هذه البابية اضطرب، إذ أصبحت مصدراً للثراء وجمع الدنانير، فادعى كثير من الناس أنهم أبواب، وأخذوا يجمعون الأموال باسم المهدي، لكن المهدي فضح أمرهم وأصدر فيهم

стр. 38

تواقيعه بلعنهم والتبرؤ منهم، والأطرف أن كل باب كان يأتي بتواقيع يلعن فيها الباب الآخر ويتهمه. (١) وكان منهم الشلمغاني الذي فضح الأمر وكشف الحال، بعد أن لُعن ولم يحصل على شيء، فقال: «ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف». (٢) ولما تحول الأمر إلى صراع مقيت، بعد أن لعن بعضهم بعضا، وكفر بعضهم بعضا، وأصدر بعضهم التواقيع في بعض، وكادت اللعبة أن تنكشف، تقرر إنهاء أمر البابية، بعد سبعين سنة من جمع الأموال وإيصالها إلى المهدي، -وما أدري ما حاجته إلى هذه الأموال وهو لا يدفع إيجار الغار المختبئ فيه- وعندما حضرت الوفاة آخرهم، واسمه السمري، سُئل عن الوصي على الباب بعده، فقال: «لله أمر هو بالغه». (٣)

стр. 39

وأخرج التوقيع الذي أنهى الخلاف، حيث جاء فيه: «أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» (١).فجعل القسمة متساوية بين المراجع والعلماء، إذ أخذ كل نصيبه من أموال الخمس، وتلاشت الصراعات الطاحنة حول البابية. واصطلحوا بعد انقطاع الصلة بالمهدي على تسمية هذه المرحلة الجديدة بالغيبة الكبرى، وسموا التي قبلها الغيبة الصغرى، ورووا كالعادة في ذلك أحاديث، وأن الرسول صلى الله عليه وآله قد أخبر بأن للقائم غيبتان. ماذا يفعل المهدي عند خروجه؟ ولنستبق الزمان، ولنطو السنين والأعوام، لنصل إلى نهاية التاريخ، ونرى ما سيحدث عند خروج هذا القائم الذي سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا، وماذا بعد هذه الغيبة وهذا الانتظار الطويل؟! وماذا سيفعل هذا المصلح؟! وأقول: ماذا عساه أن يفعل، وهو مختبئ كل هذه القرون خوفا من القتل في جحر كجحر الضب أو أضيق. أريدك أخي أن تتوسم في هذه الروايات، وتقرأها بتأن، فلعل سيرة هذا المهدي أن تكشف لك الكثير عن شخصية واضع هذه الأسطورة، وتتلمح ملامح مؤلف هذه الخرافة.

стр. 40

فإذا كان أول عمل قام به رسولنا العظيم، حين قدم المدينة قائدا للمسلمين، أن آخى بين الأنصار والمهاجرين، جاعلا من الأخوّة شعار دولته، وعنوان سياسته، فلننظر إلى هذا الذي يزعمون أنه من أبناءه، كيف سيبتدئ مسيرة البناء والإصلاح، ليغير هذا العالم، ويملأ الأرض عدلا، بعد أن ملئت جورا وظلما، وما هو أول عمل يعمله، بعد أن يخرج من مخبأه ويطل من جحره: فعن أبي عبد الله قال: «هل تدري أول ما يبدء به القائم ﵇؟ قلت: لا، قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذريهما في الريح، ويكسر المسجد». (١) يقصدون أبا بكر وعمر ﵄. وعنه أيضا أنه قال: «إذا قدم القائم ﵇ وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر فيبعث الله تعالى ريحا شديدة وصواعق ورعودا حتى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد -وهذه عادتهم، تماما كما فعلوا مع الحسين بن علي حين دعوه إلى الكوفة فخذلوه وتفرقوا عنه وأسلموه للقتل-، فيأخذ المعول بيده، فيكون أول من يضرب بالمعول ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما ثم ينزلهما ويحرقهما ثم يذريهما في الريح». (٢)
следующие страницы →