← Акыда

Акыда · id 36499

الإرشاد إلى توحيد رب العباد

عبد الرحمن بن حماد آل عمر

Полный текст (120 стр.). Показаны 106–120 · переход к 111.

стр. 106

«أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة حتى يكون كذا وكذا». وهذان يؤيدهما ما ثبت في الصحيحين من أنه ﷺ نهى النساء عن اتباع الجنائز. وأما قول أم عطية: ولم يعزم علينا. فقد يكون مرادها: لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظن غيره، وأيضا فقد علَّل النبي ﷺ الإذن للرجال بأنه يذكر الموت، ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنباحة؛ لما فيها من الضعف وكثرة الجزع وقلة الصبر، كما هو المعروف عن أكثر النساء، وأيضًا فإن ذلك سبب لتأذي الميت ببكائها، وسبب لافتتان الرجال بصوتها وصورتها، كما جاء في الحديث الآخر: «فإنَّكنَّ تفتنَّ الحيَّ وتؤذينَ الميت». وإذا كانت زيارة النساء مظنَّةً وسببًا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، والحكمة هنا غير مضبوطة - فإنه لا يمكن أن يُحَدَّ المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع. ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها؛ فيحرم هذا الباب سدًّا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة؛ لما في ذلك من الفتنة، وكما

стр. 107

حُرِّمَ الخلوة بالأجنبية وغير ذلك من النظر إليها، وليس في زيارة النساء للقبور من المصلحة ما يعارض مفسدة فتنة الحي وإيذاء الميت؛ إذ لم يبق من المصلحة إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها. ولهذا قال الفقهاء: إذا علمت المرأة من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل فزيارتها محرمة بلا نزاع. انتهى ملخصا. قلت: أما إذا مرت المرأة في طريقها بمقبرة من غير قصد لها فإنه لا مانع من سلامها على أهلها ودعائها لهم وتذكرها الآخرة دون لبث في المقبرة. وهي مأجورة بهذا القدر إن شاء الله. السفر لزيارة القبور: لم يشرع النبي ﷺ السفر لزيارة القبور مطلقا؛ سواء كانت قبور أنبياء أو صالحين أو غيرهم، ولم يسبق إلى ذلك الصحابة ﵃ وهم أعلم الناس بسنة النبي ﷺ وأشدهم تمسُّكًا بها، ولم يجز ذلك أحد من أئمة الدين الذين يعتد بهم، والثابت عن النبي ﷺ النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة؛ كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»؛ وذلك

стр. 108

لمضاعفة الحسنات بهذه المساجد الثلاثة، ولما لها من الفضل؛ كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا». أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وفي رواية أخرجها أحمد وابن ماجه: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». فلو كان شد الرحل لقصد قبر النبي ﷺ أو غيره جائزا لبيَّنه النبي ﷺ ، وزيارة المدينة ليست للقبر؛ وإنما هي للمسجد؛ فمن نوى بزيارته القبر لا المسجد فقد خالف قول الرسول ﷺ ورغب عن سنته، والقول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره ﷺ يفضي إلى اتخاذ عيدا ويوقع في المحذور الذي خالفه الرسول ﷺ من الغلو والإطراء؛ كما قد وقع الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره ﵇. وأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يَحْتَجُّ بها

стр. 109

من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره ﷺ فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد؛ بل موضوعة؛ كما قد نَبَّه على ضعفها الحافظ؛ كالدارقطني والبيهقي والحافظ ابن حجر وغيرهم؛ فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة. ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الباب حديث: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». وحديث: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». وحديث: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام ضمنت له على الله الجنة». وحديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ ؛ قال الحافظ ابن حجر في التلخيص بعد ما ذكر أكثر هذه الروايات: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، وقال الحافظ العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء. وجزم شيخ الإسلام: أن هذه الأحاديث موضوعة، ولو كان شيء منها ثابتًا لكان الصحابة ﵃ أسبق الناس إلى العمل به وبيانه للأمة. وقصة الأعرابي التي تروى عن العتبي؛ أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ

стр. 110

ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ... ﴾ الآية إلى آخر القصة. هذه القصة لا صحة لها، ولا يصح لها سند عن العتبي، ولا هي مما يحتجُّ به. قال ذلك صاحب الصارم المنكي في الردِّ على السُّبكي وغيره، ومثلها ما يروى عن مجيء بلال من الشام، وقصة قوله وفعله عند قبر النبي ﷺ هذه الحكايات وما شابهها أثبت المحققون من أهل العلم والفضل عدم صحتها، وأثبتوا تنزيه أصحاب رسول الله ﷺ من الإقدام على شيء من هذه الأمور المبتدعة المنهي عنها، ومن الأحاديث والحكايات المكذوبة التي اشتهرت على ألسنة بعض العوام الحديث: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم». هذا الحديث موضوع لا أصل له في جميع كتب السنة، وجاء في كتاب السنن والمبتدعات التأكيد الجازم بأنه موضوع مفترى لا أصل له قطعا، ومعلوم أن جاه النبي ﷺ عظيم عند الله، ولكن التوسل به لم يرد والخير والبركة والرضوان في الاتباع لا في الابتداع. ومن تلك الأحاديث المكذوبة: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور». وحديث: «لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه». وحديث: «إن الله يوكِّل ملكا على قبر كل ولي يقضي حوائج الناس». هذه الأحاديث ونحوها كلها مكذوبة لا وجود لها في كتب السنة المعتمدة، ولا يصدقها عاقل عالم

стр. 111

بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن الأكاذيب ما يحكى عن أهل القبور أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت حاجته، وفلانا نزل به فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند كثير من السدنة والمقابرة من ذلك ما يطول ذكره من الكذب على الأحياء والأموات، ومع هذا فإن الكثير من الجهلة ينخدعون بمثل هذه الحكايات الباطلة ويصدقونها فيقصدون صاحب ذلك القبر ويفعلون عنده مثل ما سمعوا، فيقعون بذلك في الشرك العظيم - والعياذ بالله، وقد تقدم في الكلام على الزيارة الشركية المحضة بيان لبعض حالات يجيب الله فيها الدعاء غير المشروع ابتلاء واستدراجًا للداعي، فليراجع.

стр. 112

في ذكر السلام على النبي ﷺ عند قبره والسلام على صاحبيه ليست زيارة قبر النبي ﷺ واجبةً ولا شرطًا في الحج ولا في غيره، كما يظنه بعض العامة وأشباههم؛ بل هي مستحبَّةٌ في حق من زار مسجد الرسول ﷺ ، أو كان قريبا منه من الرجال، والذي يستحب لزائر مسجد النبي ﷺ هو أن يقدم رجلَه اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد؛ إذ ليس لدخول مسجده ﷺ ودخول المسجد الحرام ذكر مخصوص، كما قال ذلك أهل التحقيق، ثم يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وإن صلَّاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل؛ لقوله ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». أما الفريضة فينبغي للزائر والمستوطن أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول فالأول، وإن كان في الزيادة القبْلية؛ لما جاء في

стр. 113

الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من الحث والترغيب في الصف الأول؛ مثل قوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». رواه البخاري ومسلم. ومثل قوله ﷺ لأصحابه: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله». أخرجه مسلم. والأحاديث في هذا كثيرة معلومة، وهي عامَّةٌ في مسجده ﷺ وغير مسجده، والدليل على عمومها: حثُّه ﷺ الصحابة على ميامن الصفوف، ومعلوم أن يمين الصف في مسجده ﷺ خارج عن الروضة، أما النساء فلا يجوز لهن التقدم؛ بل يتأخرون خلف الرجال، وكلما كانت المرأة بعيدة عن مشاهدة الرجال فذلك أفضل، ثم بعدما يصلي الزائر تحية المسجد يزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر، فيقف تجاه قبره ﷺ بأدب. وأبو حنيفة يرى أن يقف الزائر متوجها إلى القبلة، ثم يسلم عليه ﷺ ويغض صوته ويقول: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. والأحاديث الصحيحة الثابتة دالَّة على أنه ﷺ ميت كما دل على ذلك القرآن الكريم، وموته ﷺ أمر متفق عليه بين أهل العلم، ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية، كما

стр. 114

أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم المذكورة في القرآن الكريم، وكذلك جميع الأموات، كما تقدم ذكر ذلك في الكلام على الحياة البرزخية. ثم بعد السلام على النبي ﷺ يسلم على صاحبيه، والاقتصار على السلام هو المأثور عن الصحابة ﵃، وهو الذي يقول به الأئمة، وكان ابن عمر إذا سلم على رسول الله ﷺ وصاحبيه لايزيد غالبا على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف. وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو؛ ولكن يسلِّم ويمضي، وكان الصحابة لا يكثرون المجيء إلى القبر للسلام على النبي ﷺ ؛ لعلمهم بنهيه ﷺ عن اتخاذ قبره عيدا، ولعلمهم أن ما شرع من الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه وفي كل وقت وسؤال الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود له بعد الأذان تحصل به الفضيلة، ولعلمهم أن الصلاة والسلام عليه يَصِلان إليه من البعيد كما يصلان من القريب؛ كما قال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وكما قال: «إن لله ملائكة

стр. 115

سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». رواه النسائي. وأما رفع الصوت عند قبره ﷺ وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع؛ لأن الله نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ ، وحثَّهم على غضِّ الصوت عنده؛ كما قال - سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]. والرسول ﷺ محترم حيًّا وميتًا؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي، وقد رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلين يرفعان أصواتهما في مسجده ﷺ ورآهما غريبين فقال: أما علمتما أن الأصوات لا تُرفع في مسجد رسول الله ﷺ ؟! لو أنكما من أهل البلد لأوجعتُكما ضربًا، وهكذا ما يفعله البعض من تحرِّي الدعاء عنده ﷺ مستقبلًا للقبر؛ فإنه خلاف ما كان عليه السف الصالح، وقد رأى عليٌّ بن الحسين زين العابدين ﵄ رجلا يدعو عند قبر النبي ﷺ فنهاه عن ذلك وقال: ألا أحدثك حديثا سمعتُه من

стр. 116

أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم». رواه أبو داود وخرجه الحافظ محمد المقدسي في المختارة. وهكذا ما يفعله البعض عند السلام عليه ﷺ من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند المخلوق حيًّا أو ميتا؛ لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله؛ كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر عن العلماء، وكذا ما يفعله بعض الجالسين في المسجد من استقبال القبر الشريف وتفضيل ذلك على استقبال القبلة، وربما حرك الواحد منهم شفتيه بالسلام والدعاء، وهذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة، وقد أنكر الإمام مالك - يرحمه الله - هذا العمل وأشباهه وقال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعه بإحسان. وقد تقدم الكلام على عدم جواز التمسح بالقبر أو بحائط الحجرة، والأئمة مجمعون على ذلك؛ روى يحيى بن معين قال: حدثنا

стр. 117

أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي ﷺ ، وممن ذكر هذا الشيخ علي بن عمر القزويني في أماليه، وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر. وما ذكره الفقهاء في بعض المناسك وكتب الفقه من استحسان قول الزائر حين سلامه على النبي ﷺ عند قبره: السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاد. فذلك لأنه من أوصافه ﷺ ؛ ولكنه لم يرد به سنة. وهذه الزيارة لقبر النبي ﷺ إنما تشرع في حق الرجال، أما النساء فإنه يترتب على زيارتهن له مزاحمة الرجال وفتنتهم والافتتان بهم، وهذا لا يجوز. وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول ﷺ والدعاء فيه ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع. والله أعلم.

стр. 118

بلاغ الناس وإتماما للفائدة أسوق بعضا مما أخبر عنه ﷺ إلى من أمنوا مكر الله فاستحبوا الربا والمحارم، وتهاونوا بها وتمادوا في ارتكاب الفواحش وإضاعة الواجبات، عسى أن يعودوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم قبل أن تقول نفس: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله. وعسى أن يستيقظ حكام المسلمين وكثير من علمائهم فيستغفروا ربهم عما أسلفوا من التقصير والتفريط، وإيثار الدنيا وزهرتها على الآخرة، ويبدؤوا حياة جديدة يجددون فيها إيمانهم بالله، فيحكِّمون كتابه وسنة نبيه ﷺ في شتى المجالات، ويمنعون الربا ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويأخذون على أيدي السفهاء؛ إذ لا سبيل إلى نجاتهم في الدنيا والآخرة إلا ذلك؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح: «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه». وروى البخاري في صحيحه عن أبي مالك أنه سمع النبي

стр. 119

- ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف وليزلن أقوام جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم بحاجة فيقولوا ارجع إلينا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة». وأخرج ابن ماجه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير». وقال ﷺ : «يا أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المسجد؛ فإن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى لبست نساؤهم الزينة وتبخترن في المساجد». رواه ابن ماجه، وعن أبي هريرة ﵁ في حديث طويل قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يرحن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». أخرجه مسلم. وقال ﷺ : «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». وفي حديث رواه البخاري عن حذيفة قال: قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال النبي ﷺ : «نعم دعاة على

стр. 120

أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». وروى البرقاني في صحيحه زيادة على ما رواه مسلم عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎». وختامًا أسأل الله - العلي القدير - أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم، وأن يهدي ولاة المسلمين ويرزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على التمسك بالكتاب والسنة، وأن يبعد عنهم بطانة السوء التي تزين لهم أعمال الكفرة باسم التطور الزائف، والله حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على خير خلقه نبينا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.