← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36503

التوبة إلى الله

صالح السدلان

Полный текст (67 стр.). Показаны 36–67 · переход к 41.

стр. 36

المشاعر المذبذبة والأخلاق المتخلخلة، وإخلاص الدين لله وتجريده من شوائب الرياء؛ وبذا يرتفع التائب إلى مصاف المؤمنين؛ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]. رابعًا: التوبة من الفسوق: وكل أنواع الفسوق تجب التوبة منها؛ سواءً كان فسوقًا في العمل مقرونًا بالعصيان أو مقرونًا بارتكاب ما نهى الله عنه وعصيان أمره، أو فسوقًا في الاعتقاد؛ كفسق أهل البدع والخرافات، وبتحقيق التقوى تصح التوبة؛ بأن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله، يرجو رحمته، ويخاف عقابه، ويهجر المعصية ويعتصم بالكتاب والسُنة، ويعصي دواعي الطبع والشهوة ويقهرها بسلطان الطاعة والخوف من الله. خامسًا: التوبة من البدع: والبدعة هي: «تلك الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتاب أو سنة أو ما استنبط منهما». وتوبة المبتدع تكون بأن يعلم أن ما هو عليه بدعة فيعترف بها ويرجع عنها، ويعتقد ضد ما كان يعتقد منها؛ أما إذا زُين له سوء عمله فرآه حسنًا فلا توبة له ما دام يرى ذلك حسنًا. والتوبة من البدع ممكنة على كل حال بأن

стр. 37

يهديه الله ويشرح صدره للحق، ويرشده لأحكام الشرع وقواعد الدين حتى يتبين له الحق فيستقيم عليه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦: ٦٨]. سادسًا: التوبة من الزنا والقذف: وتكون بأن يتوب إلى الله - تعالى - ويضم إلى التوبة إلى الله الإحسان إلى زوج المزني بها بالدعاء والاستغفار له، والتصدق عنه، ونحو ذلك مما يكون ذابًّا إيذاءه له في أهله. وكذا القذف يكون بالندم على قذفه له والإحسان إليه، والاستغفار له، وذكر المقذوف بضد ما قذفه به. سابعًا: التوبة من الربا: وتكون بأخذ رأس المال والتخلص من الأرباح الربوية والانتهاء من المعاملات الربوية بالكلية. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].

стр. 38

ثامنًا: التوبة من الظلم: والظلم نوعان: النوع الأول: ظلم النفس: ويكون بترك واجب أو فعل محرم، والتوبة والاستغفار يكون من ترك المأمور وفعل المحظور فإن كليهما من السيئات والخطايا والذنب فيتدارك المرء ما فاته من واجبات فيؤديها، ويقلع عن فعل المحرم أيا كان، وترك الإيمان والتوحيد والفرائض التي فرضها الله على القلب والبدن من الذنوب - أيضًا. فعلى التائب أن يرجع إلى حقيقة التوحيد والإيمان ويؤدي الفرائض التي فاتته من صلاة وصيام وزكاة وحج ونحوها، وإذا كان فعل الإنسان إما له أو عليه فهو يستغفر الله مما عليه، وقد يظن ظنون سوء باطلة، وإن لم يتكلم بها فإذا تبين له فيها استغفر الله وتاب من كل ما في النفس من الأمور التي لو قالها أو فعلها عذّب. النوع الثاني: ظلم الغير: يكون في دم أو مال أو عرض؛ فإنه لا بد من إيفاء الحق ما دام قادرًا على ذلك؛ فإن كان قد أخذ المال على سبيل الدَّين فهو مدين لصاحبه حتى يؤدي ما عليه؛ فإن مات فروحه مرهونة بدينه حتى يُقضى عنه، وإلا فالقضاء يوم القيامة من حسناته إن كانت له حسنات، وإلا

стр. 39

أُخذ من سيئات غريمه فطرحت عليه ثم طرح في النار. عن أبي هريرة -ر ضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ يومًا: «أتدرون ما المُفْلس»؟ قالوا: المُفْلس فينا من لا درهم له ولا متاع؛ قال: «إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم يطرح في النار» (١). وهذا مما يُحتم على المسلم الاهتمام بأمر التوبة وخاصة من حقوق العباد. ويجب على العبد أن يرجع إلى الحق ويتحراه، ويتبرأ من نوازع النفس وشوائب الهوى، وأن يستغفر الله ذاكرًا له في كل حين وآن، وألا يُصر على ما فعل، ويتبجح بالمعصية في غير حياء، وبذا يغفر الله له ذنبه، ويجبر زلته، وينظمه في سلك عباده المتقين، الذين قال في شأنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].

стр. 40

وسائل إزالة تعلق القلب بالذنب ينبغي على كل ذي لُبًّ وفطنة أن يحذر مغبة المعاصي وعواقب الذنوب؛ إذ أن الذنوب سموم مهلكة، ولها تأثيرات قبيحة، ومرارتها تزيد على حلاوتها أضعافًا مضاعفة، والعاقل من أعد لنفسه زادًا يتوصل به إلى ربه؛ فإنه ليس بين العبد وبين الله - تعالى - قرابة ولا رحم؛ وإنما هو - سبحانه - قائم بالقسط حاكم بالعدل؛ فمع أنه غفور رحيم، لكنه ذو عذاب أليم! فالحذر الحذر!! ومن الأسباب التي تزيل أثر تعلق القلب بالذنب ما يأتي: أولاً: اعلم أن الذنب إما أن يكون: بسبب الغفلة؛ فطريق علاجه العلم. فعلى التائب أن يسلك طريق الهداية من تَعَلُّم العلم، وتعليمه، والدعوة إليه، والعمل به، ويعتقد أن الذنوب مضرة يجب تركها، ويتذكر إنذارات القرآن الكريم ووعيده للعاصين، وما جرى للعصاة على اختلاف الأمم بسبب ذنوبهم. وإن كان الذنب بسبب غلبة الشهوة ونوازع النفس، فطريق

стр. 41

علاجه الصبر واحتساب الأجر عند الله - تعالى - وما أطفأ العبدُ جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة، فليتوضأ وليصل وليعمر أوقاته بتقوى الله، ويزكي نفسه بطاعته - تعالى - ويطهرها من خبائث الأخلاق وذميم الخصال. ثانيًا: أن يعتصم بالله: فمن اعتصم به - سبحانه - ولجأ إليه في كل أحواله تولاه ونصره على عدويه اللذين لا يفارقانه أبدًا، وهما النفس والشيطان الرجيم، ولم يخذله أبدًا؛ قال - تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وأن يعتصم بحبل الله: وهو القرآن الكريم ويعمل بأوامره وأحكامه، ويهتدي به ويداوم على تلاوته وتدبره والاتعاظ بأخباره. ثالثًا: أن يخاف تعجيل العقوبة في الدنيا؛ فقد يُحْرَمُ العبدُ الرزق بالذنب يصيبه، وكذلك يخاف الفقر والمرض إن هو أصرَّ على عصيانه. قال ﷺ : «إن العبد ليُحرَمُ الرزق بالذنب يصيبه» (١).

стр. 42

وقال ﷺ : «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم» (١). رابعًا: أن يطيب مطعمه ولا يأكل إلا حلالاً: فالعبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحر. قال رسول الله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٢]»، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذَّي بالحرام فأنى يستجاب لذلك (٢). خامسًا: أن يذكر العبد أنه قائم بين يدي الله غدًا يحاسبه على كل أعماله؛ فينظر إلى لذة المعصية التي نالها قد ولَّت، والعقوبة عليها قد حلَّت، فيزجر نفسه ويخاف

стр. 43

الذنوب التي عملها، ويقطع كل سبب يبعده عن الله - تعالى. سادسًا: أن يذكر سرعة لقاء ربه: فهو يتوقع في كل لحظة نزول الموت به؛ وما بعد الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار، ويتفكر في أمر المعاد وهول المطالع، وشدة بطش الله - تعالى - وأليم عذابه؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. سابعًا: البعد عن قرناء السوء، وتخير الأصحاب واستبدالهم بجليس صالح يذكره بالله ويدله عليه، والعلماء في كل عصر مصابيح الدُّجى، فعليه بمجالستهم، والتزود من علمهم وتوجيهاتهم، وسيجد بذلك الربح الوفير والخير الكثير إن شاء الله؛ قال ﷺ : «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير (١)، فحامل المسك إما أن يُحْذيكَ (٢)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن

стр. 44

تجد منه ريحًا خبيثة» (١). ثامنًا: أن يستعيذ بالله من شر وساوس الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. تاسعًا: الاستغفار من أكبر الحسنات؛ فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله، أو غلبه الهوى على نفسه، أو تغير حاله في رزق أو غيره، فعليه بالتوبة والاستغفار؛ ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص؛ ففي الاستغفار كل شيء، فمن أراد الولد فعليه بالاستغفار، ومن أراد الجنة فعليه بالاستغفار، قال الله تعالى حكاية عن نبيه نوح وقوله لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. عاشرًا: إمساك فضول النظر والكلام والطعام، وطاعة الله حيثما كان وأينما كان، وإتباع السيئة بالحسنة، وعدم الإصرار على الذنب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ

стр. 45

السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وقال ﷺ في وصيته لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (١). * * *

стр. 46

حكم توبة العاجز عن المعصية إذا حيل بين العاصي وبين أسباب المعصية وعجز عنها، بحيث يتعذر وقوعها منه هل تصح توبته؟ كالسارق إذا قُطِعَ، والزاني إذا جُبَّ، وشاهد الزور إذا قطع لسانه، وكل من وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها، فتوبته صحيحة، وتكون التوبة من عزمه على المعصية لو قدر عليها، ومن وساوس الشيطان له بالمعصية بأن لا يستحليها ويستعذبها، بل ينفر منها ويشمئز منها. وإن أحدث ورود الوساوس على قلبه بالمعصية توبة واستغفارًا كان ذلك أكمل وأتم في التوبة. * * *

стр. 47

الوسائل المعينة على التوبة التوبة فرض عين في حق كل شخص، ولا يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر؛ لأنه إن خلا عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنب بالقلب، وإن خلا فلا يخلو عن وساوس الشيطان بإيراد الخواطر الصارفة عن ذكر الله حتى وإن خلا منها فلا يخلو عن غفلة وقصور بالعلم بالله وبصفاته وأفعاله. لذا فكل إنسان مفتقر إلى التوبة والرجوع عن التعويج الذي وجد إلى سنن الطريق المستقيم؛ ولكن ما هي الوسائل المعينة للإنسان على التوبة إلى الله؟ إنها أمور كثيرة منها: ١ - أن يتدارك ما فاته من العبادات، كلما أمكن ذلك. ٢ - أن يقبل على الله ويعمل لطلب مرضاته ويتدبر عظيم قدر مولاه، وقدر رضاه وسخطه، وما وعد به الطائعين، وتوعد به العاصين، ويداوم على ذلك؛ حتى يستنير قلبه ويعود إلى أصله الذي فطره الله عليه. ٣ - البدار إلى محاسبة النفس؛ ويكون بالتوبة عن كل

стр. 48

معصية توبةً نصوحًا قبل الموت، ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله ، ورد المظالم إلى أهلها، واستحلال كل من تعرض له بلسانه ويده وسطوته بقلبه، وتذكر ما سلف من جناية نفسه عليه، ويُوقن أن في طاعتها هلاكه يوم معاده، وذله في حياته الدنيا، وأن في عصيانها نجاته في آخرته وعزه في حياته الدنيا كما قال الحسن في شأن العصاة: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إلا أن ذُل المعصية لا يجاوزهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه»! وقال بعض السلف: إني لأرى أثر المعصية في خُلُق دابتي وأهلي. فيعزم بقلبه على تأديبها، ويواظب على توقيفها والإلحاح على معاتبها ويداوم على موعظتها وتذكيرها بربها الذي لا بد لها من المصير إليه. ٤ - عز نفسه عن مواطن المعصية، ومفارقة قرناء السوء ومقاطعتهم، ما داموا على حالهم، واستبدالهم بصحبة أهل الخير، الذين يُذَكِّرونه إذا نسي ويعينونه إذا ذكر ويقومونه إذا اعوج، ويقودونه إلى الحق وإلى الطريق المستقيم.

стр. 49

٥ - أن يصدق النية مع الله في الرجوع إليه بإصلاح العمل ظاهرًا وباطنًا. ٦ - أن يطهر قلبه من الإصرار - وهو عقد القلب على شهوة الذنب حتى ولو أقلع عنه، والتطهير يكون بإدمان معاتبة النفس وتخويفها وتذكيرها بإنذارات القرآن وبأخبار العصاة، وحكايات من جرت عليهم المصائب بسبب ذنوبهم، وخوف تعجيل العقوبة في الدنيا وحرمان الرزق الحسي والمعنوي بسبب المعاصي. ٧ - أن ينهي كل ذنب بنوع من التوبة، ولا يتمادى في الذنوب اتكالاً على فضل الله - تعالى - ورجاء عفوه؛ فمع أنه - سبحانه - غفورٌ رحيم لكن عذابه هو العذاب الأليم!! قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وليرج المؤمن العون في الهداية إلى الخير من الله، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ويشعر بأن قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن .

стр. 50

٨ - أن يأخذ رأس ماله فقط إن كان قد رابى، ويتخلص مما ربحه فلا يأكله ولا يؤكله مسلمًا. ٩ - إن كان الذنب من مظالم العباد - كأن يكون قد أخذ مالاً بغير طريق شرعي أو غصبه من صاحبه - فلا بد من رده إليه والخروج عنه ما دام قادرًا على ذلك، وإلا فيعزم على رده إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه؛ عينًا كان أو غيره، وإن لم يعثر له على صاحب معين أو له صاحب وأيس من تحصيله صرفه في مصلحة للمسلمين على نية صاحبه، وهو بذلك مأجور - إن شاء الله تعالى. ١٠ - أن يعمل عملاً صالحًا خالصًا لله - تعالى - موافقًا لسنة رسوله ﷺ ، وأن يسلك طرق الهداية من تعلم العلم وتعليمه والدعوة إليه والعمل به، وأن يلزم طاعة الله - تعالى - في كل حركة وسكنة من حياته مع حسن الظن به، والوثوق برحمته، وعدم القنوط من عفوه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. * * *

стр. 51

الأسباب الصارفة عن التوبة إن النفس البشرية تنزع إلى الطبيعة البدنية وتُغْوى باللذات والشهوات الجسمية، والمعاصي تُضعف القلب عن إرادة الخير، وبذا تقوى فيه إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ منه بالكلية، والمعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضًا. وما ذاك إلا لعدة أسباب منها: أولاً: اعتماد العبد على سعة رحمة الله - تعالى - وكرمه وعفوه حتى إن بعض المذنبين من الناس إن كلَّمْتَه ناصحًا أو زاجرًا له عن الآثام رد عليك بأن رحمة الله واسعة وغفرانه يسع الذنوب كلها، ونسي هذا المسكين أن الله كما أنه واسع المغفرة؛ فهو ﵎ شديد العقاب!! وأنه لا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند المكابر. ثانيًا: أن الشهوة لذة ناجزة والنزوع عن هذه اللذة العاجلة لخوف فوت الآجلة شديد على النفس.

стр. 52

ثالثًا: التسويف والاغترار بالأماني، وقد حذَّر الله من ذلك في غير ما آية من كتابه الكريم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. رابعًا: الحرص على جمع المال، وصرف الجهد لتحصيله، وتركيز الفكر حوله، وانشغال القلب بموارد المال ومصادره مما قد يؤدي إلى الغفلة عن المصير المحتوم، ونسيان الاستعداد لما بعد الموت. قال ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (١). خامسًا: الغفلة والجهل اللذان يدفعان العبد إلى الفرح بشهوته المحرمة، وهذا الفرح دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها. سادسًا: استصغار الذنب مما يسبب عدم الخوف من الله. * * *

стр. 53

علامات صدق التائب لا يعتبر مجرد التلفظ بالتوبة دليلاً على الصدق فيها، ما لم يأت التائب بعلامات تكون ترجمة عملية للتوبة، وبما يحقق وجودها الفعلي الذي ترجى معه المغفرة والقبول، فمن قال قد تبتُ لا يُجتزأ بقوله، حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحققة للتوبة. ومن العلامات الدالة على صدق التائب: ١ - الإقلاع الفعلي عن الذنب، والأخذ في مقابله أعمال الطاعة، وهذا دليل حساسية القلب وانتفاضه وشعوره بالإثم، ورغبته في التوبة. ٢ - العزم والقصد لتدارك ما فات، وإصلاح ما يأتي، فإن كان الماضي تفريطًا في عبادة قضاها، أو مظلمة أدَّاها، أو خطيئة لا توجب غرامة حزن إذ تعاطاها، وهذا دليل على تعظيم الله في قلبه واشتداد خوفه منه، ورجائه إياه، وطمعه فيما عنده. ٣ - أن تضيق الأرض عليه كما ضاقت على كعب بن مالك وصاحبيه (١)؛ فيستولى عليه الحزن والبكاء، فيشغله

стр. 54

عن اللهو والضحك. ٤ - أن يكون حاله بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها؛ قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. ٥ - أن لا يأمن مكر الله طرفة عين؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧ - ٢٨]؛ فيصحبه الخوف طيلة حياته، ويستمر على ذلك حتى يسمع قول الرسل لقبض روحه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ٦ - أن يتألم ويندم ويأسف على ما فرط منه، وخوفًا من سوء عاقبته. ٧ - أن يذكر دائمًا سرعة لقاء ربه ويترقب في كل لحظة نزول الموت به وأنه أقرب إليه من شراك نعله. قال رسول الله ﷺ : «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار

стр. 55

مثل ذلك» (١). ٨ - ومن أقوى علامات صدقه في التوبة: محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه والإتيان من العمل بما تقتضيه هذه المحبة. * * *

стр. 56

التوبة العامة والخاصة إن الإنسان قد يستحضر ذنبًا أو ذنوبًا معينة فيتوب منها، وقد يتوب توبة عامة ينوي بها الإقلاع عن جنس الذنوب كلها، وما يكرهه الله، والندم على ذلك والرجوع إلى الطاعة بالكلية. وتفصيل ذلك: أولاً: إذا تاب من ذنب وهو مُصرٌّ على آخر من نوعه؛ كأن يتوب من شرب الحشيشة وهو قائم على شرب الخمر، أو يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها - مثلاً - فتوبة مَنْ هذا حالُه غير صحيحة؛ لأنه لم يتب من الذنب؛ وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر منه - أيضًا - ولا يدخل في مسمى التائب. ثانيًا: أن يتوب عن ذنب بعينه مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه، مثل أن: يتوب عن بعض الذنوب دون بعض؛ كأن يتوب من قتل النفس وأكل أموال اليتامى، وهو مقيم على شرب الخمر وفعل الفاحشة، فهذه هي التوبة الخاصة، وحكمها أنها تصح فيما تاب منه، شريطة أن يكون المتروك ليس شرطًا في صحة المفعول؛ كالإيمان

стр. 57

المشروط في غيره من الأعمال؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. أما ما لم يتب منه فهو باقٍ عليه حتى يتوب منه. إذن: فكل ذنب له توبة تخصه، وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من الآخر، كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر؛ فلو أتى مثلاً بفرض وترك فرضًا آخر، استحق العقوبة على ما تركه وأُثيب على ما فعله، ولا يكون ما ترك موجبًا لبطلان ما فعل؛ كمن أتى بالصلاة والزكاة وترك الصوم أو الحج مثلاً. ثالثًا: أن ينتهي عن جميع الذنوب فينشيء توبة تستغرق كل ما رآه ذنبًا؛ فهذه هي التوبة العامة التي لم تُبق ذنبًا إلا تناولته؛ فمَنْ هذه حاله غُفرت ذنوبه كلها شريطة أن يلتزم بعد التوبة بفعل ما أمر الله به وترْك ما نهى عنه، ويندم على ما فرط في أي أمر أو ترك؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ويحقق بقية شروط التوبة. * * *

стр. 58

التوبة التامة إذا كانت التوبة واجبة على كل مكلف فإنه لابد وأن تكون كاملة تعم جميع الذنوب وتستغرقها بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناولته، ولا معصية إلا محت أثرها من القلب، كما يمحو ضوء النهار ظلام الليل؛ توبة يجمع العبد فيها كل عزمه وإرادته مبادرًا بها عازمًا على المضي فيها إلى آخر عمره، مُقلعًا عن الذنب وهو يحدث نفسه ألا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. توبة تبدأ بالندم، وتنتهي بالعمل الصالح والطاعة، وتظل تُذكِّر القلب بعدها وتُخلَّصه من رواسب المعاصي وعكارها، وتحضه على ألا يعود إلى الذنب أبدًا، وأن تكون لله، لا حفظًا للصحة أو المال، أو حرصًا على حظ من متاع الدنيا، أو خوفًا من عقاب أحد، أو سطوة قانون، أو عدم وجود ما يعينه على المعصية؛ لكنه يهجر الذنب لأنه يُغضب الله ورسوله. وأن تستغرق الذنوب كلها؛ فلا تصح من ذنب أصر على مثله؛ لأن قبول الله لأعمال البر من عبدٍ مقيم على

стр. 59

المعصية غير محقق، والنفش المسوقة بلذة المعصية قلما تخلص عمل الخير، والقلب الملوث بالشهوات يستحيل أن يخلص العمل الصالح إذا كثر عليه الرَّان من تتابع الذنوب وتشبعه بها، والعبد مطالب بترك الشر كله، وتركه الشر يدفعه إلى عمل الخير من تلقاء نفسه؛ فإذا تاب العبد من الكذب فلا يصح أن يقيم على الزنا أو الكِبْرِ مثلاً؛ بل عليه إذا تاب من هذه الخصلة أن ينجرَّ إلى غيرها، حتى يقتلع جميع الجذور الشريرة من قلبه. ثم اعلم - أرشدني الله وإياك إلى الخير - أن على كل عضو من أعضاء الإنسان توبة؛ فتوبة العين كفُّها عن النظر إلى المحارم، وتوبة اليد كفُّها عن تناول المحرَّم، وتوبة السمع كفُّه عن سماع المحرم، وتوبة الفرج كفُّه عن الزنا وهكذا. وأن يستدرك العبد ما فاته فيؤدي كل فرض ضيَّعه ويرد إلى كل ذي حق حقه من المظالم، ويشغل البدن الذي استعمله في السُّحت والحرام بطاعة الله تعالى وامتثال أوامره والتغذي بالحلال، والبُعْدِ عن مواطن الشُبهات والحرام. اللهم إنا نسألك توبةً صادقةً وإنابةً كاملةً وعملاً صالحًا متقبلاً يا رب العالمين. * * *

стр. 60

ما ينقض التوبة تقدَّم أن التوبة مقام ينبغي أن يستصحبه العبد من أول ما يدخل فيه إلى آخر حياته، فإذا كان التائب قد جمع همَّه وقصده وتاب توبةً نصوحًا، فعليه ألا يرجع إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع؛ فإن رجع إلى المعصية وعاود الذنب فقد نقض توبته؛ إذ إن صحة التوبة حينئذ مشروطة باستمرارها؛ فإذا تاب العبد من ذنب معين ثم عاود فعله فإنه حينئذ يُعَدُّ ناقضًا لتوبته بسبب معاودته ذلك الذنب. ولكن إذا تاب العبد من الذنب ثم عاوده، فهل يعود إليه إثم ذلك الذنب الذي قد تاب منه ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر وإن مات مُصِرًّا؟ أو أن ذلك قد بطل بالكلية، فلا يعود إليه إثمه، وإنما يعاقب على هذا الأخير؟ قلتُ: الصحيح أنه لا يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب منه بنقض التوبة؛ لأنه قد ارتفع بالتوبة، وصار بمنزلة من لم يعمله، وكأنه لم يكن؛ فلا يعود إليه إثمُه بعد ذلك، والعائد إثمه عليه هو المستأنف لا الماضي، ولأن التوبة

стр. 61

المتقدمة حسنة، ومعاودة الذنب سيئة، فلا تُبطل معاودة الذنب هذه الحسنة، كما لا تبطل السيئة الأخيرة ما قارنها من الحسنات. وللعلماء في هذه المسألة بحث أجمله في المسألة التالية:

стр. 62

هل العودة إلى الذنب مفسدٌ للتوبة بمعنى أن الشخص إذا تاب من ذنب ثم عاد إليه هل يعود إثم هذا الذنب عليه لأنه رجع إليه؟ تفصيل هذه المسألة على النحو التالي: ١ - إذا تاب واستمر على توبته، وكانت التوبة مستوفية للشروط خالية من الموانع، فهذه توبة صحيحة لا خلاف فيها بإجماع العلماء. ٢ - أن يتوب من الذنب، ثم يعود إليه، ثم يتوب منه، ثم يعود إليه؛ فإذا كانت كلُّ توبة مستوفية شروطها، فإن كل توبة صحيحة. ٣ - أن يتوب من الذنب، ثم يعود إليه، ويموت على ذلك، فهل يؤخذ بالأول والثاني، أم يؤخذ بالثاني وأما الأول فقد جبَّتْه التوبة ورُفع عنه الإثم؟ في ذلك قولان لأهل العلم: الأول: أنه يؤخذ بالأول والثاني، وتكون معاودته الذنب مرة أخرى ناقضة للتوبة السابقة؛ وذلك لأن التوبة مشروطة باستمرارها والموافاة عليها، وهذا لم يستمر عليها، ولقوله

стр. 63

تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. الثاني: أنه لا يؤخذ إلا بالثاني، وأما الأول فقد مَحَتْ أثره التوبة، وصار بمنزلة ما لم يعمله، ويدل لذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنه له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك» (١). وهو الموافق لسماحة دين الإسلام؛ لما فيه من الترغيب للتائبين والمقبلين على الاستقامة.

стр. 64

قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. والقول الثاني هو الراجح، وما ورد من أدلة للقول الأول فإنه محمولٌ على الموافاة بالكفر والموت عليه.

стр. 65

طبقات التائبين تختلف طبقات التائبين ورتبهم تبعًا لاختلاف أحوالهم وتباينهم في أعمالهم، واصطحابهم التوبة إلى آخر العمر، واستقامتهم عليها، وهناك أربع مراتب للتائبين: المرتبة الأولى: وهم الذين يستقيمون على التوبة إلى آخر لحظة في حياتهم، ولم تحدثهم أنفسهم بالعودة إلى الذنب، أو مقارفة الإثم، وهؤلاء هم أصحاب النفوس المطمئنة الذين اتصفوا بأعلى رتب التوبة؛ لأنهم سلكوا الطريق المستقيم، فلزموا طاعة الله، بالإتيان بما به أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وتخلوا عن كل معصية وخُلُقٍ لا يرضى عنه رب العزة والجلال، وهذه أعلى رتب التائبين. المرتبة الثانية: وهم الذين سلكوا طريق الاستقامة ولازموا التوبة طيلة حياتهم؛ إلا أنهم لا ينفكون عن ذنوب تعتريهم، أو سيئات تزينها لهم أنفسهم؛ لا عن قصدٍ وعمدٍ؛ بل كلما أقدموا على الذنوب لاموا أنفسهم

стр. 66

وجدَّدوا عزمهم وندموا على الشر؛ لِمَ فعلوه! وندموا على الخير، لِمَ لَمْ يستكثروا منه! وهذه رتبة عالية، وإن كانت دون الأولى، وهي أغلب أحوال التائبين. المرتبة الثالثة: وهم الذين يستمرون على التوبة مدة من الزمن ثم ينزعون إلى المعاصي وتغلبهم الشهوات، فيخلطون عملاً صالحًا وآخر سيئًا، ومع ذلك تؤنبهم أنفسهم على ما فرطوا، ويندمون على ما فعلوا، ويجدُّون في قهر أنفسهم؛ لكنما يغريهم التسويف في التوبة وطول الأمل، وهؤلاء على جانب عظيم من الخطورة؛ لاحتمال أن يوافيهم الأجل فيموتوا قبل أن يتوبوا، فيندموا ولات ساعة مندم. المرتبة الرابعة: وهم الذين استقاموا على التوبة مدة ثم مالت أنفسهم الأمَّارة بالسوء إلى الطبيعة البدنية، وأغوتهم بالشهوات الحسِّيَّة؛ فواقعوا الذنوب دون أن يُحدَّثوا أنفسهم بالتوبة، وهؤلاء يُخشى عليهم سوء الخاتمة إن هم تبعوا هوى أنفسهم وانقادوا لها غافلين عن المصير المحتوم؛ فالعاقل حسن الحظ من قمع نفسه عن غِيِّها، وردَّها إلى طاعة ربها، ورجع إلى الصِّراط السَّوِيِّ، واهتدى بنور الكتاب المبين، وهَدْيِ سيد المرسلين ﷺ .

стр. 67

ربنا آتِ أنفسنا تقواها، وزَكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها؛ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا اغفر وارحم، وتجاوز عما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت أعلم وغيرك لا يعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *