وقيل (دَسَّاهَا)
فأبدلت السين، كما قيل: تظني والفلاح: البقاء والخلود، وقيل: الفلاح: الفوز، وقيل: الفلاح: الملك.
* * *
قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥))
نصب (نَاقَةَ اللَّهِ) بإضمار فعل، أي: اتركوا ناقة الله وسقياها، أي: احذروا ناقة الله وسقياها، وربما قال بعض النحويين: نصب على التحذير، وأجاز الفراء: الرفع، على أنّ معنى التحذير باقٍ.
وعاقر الناقة أحمر ثمود واسمه (قدار)، قال الشاعر:
ولَكِنْ أَهْلَكَتْ لَواءٌ كَثِيراً ... وقَبْلَ اليَوْمِ عالجَها قُدارُ
والدمدمة: ترديد الحال المستنكرة، وقيل: أصله (دم) فضغف، وقيل: دَمٌ عقر.
قال الضحاك في قوله: (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) لم يخف الذي عقرها عقباها، وقيل المعنى: ولا يخاف الله عقبي ما فعل من الدمدمة.
وقيل (فَسَوَّاهَا) أي: سوى العقوبة لهم، وقيل: سوى أرضهم عليهم.
стр. 527
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم (وَلَا يَخَافُ) بالواو لأنها في [ ... ]، وقرأ نافع وابن عامر (فَلَا يَخَافُ) لأنها في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك.
فمن قرأ بالفاء جاز أن يقف على قوله: (فَسَوَّاهَا) ومن قرأ بالواو لم يجز له أن يقف؛ لأنَّها واو حالٍ، ولا يجوز الوقف دون الحال.
* * *
стр. 528
وَمِنْ سُورَةِ (اللَّيْلِ)
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)
(ما) بمعنى (مَن) وقيل: بمعنى (الذي)، وقيل: جاءت على لغة من يقول سبحان ما سبحت له.
وأجاز الفراء: الجر في (الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) على البدل من (ما)، وفي القراءة الأولى يكون (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) نصبًا ب (خلق)، والفاعل مضمر، أي: خلق هو، وإن شئت جعلت (ما) مصدرية، والتقدير: وخلقه الذكر والأنثي.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠))
يسأل عن نصب (ابْتِغَاءَ)؟
الجواب: أنّه استثناء منقطع، والمعنى لكن ابتغاء وجه ربِّك، قال الفراء: نصب الابتغاء في جهتين:
إحداهما: أن تجعل فيها نية إنفاقه.
والأخرى: على اختلاف ما قبل (إلا) وما بعدها، والمعنى: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربِّه، قال: والعرب تقول: ما في الدار أحد إلا كلبا. وهذا هو الاستثناء المنقطع، قال: وهذا مذهب أهل الحجاز، فأما بنو تميم فإنهم يجعلون الثاني بدلًا من الأول، وأنشد:
стр. 529
وبَلْدَةٍ ليسَ بها أنيسُ ... إلاَّ اليَعافيرُ وإلاَّ العِيْسُ
قال: ولو رفع رافع (ابتغاء) لم يكن خطأ؛ لأنَّك لو ألقيت (من) من (نعمة) لصار: وما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاءُ، فهذا يكون على البدل، كما تقول: ما أتاني من أحدٍ إلا أبوك.
* * *
стр. 530
وَمِنْ سُورَةِ (الضُّحَى)
قوله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣))
الضحى: صدر النهار، وقيل: الضُّحى [ ... ] الضُّحَاء ممدود مفتوح الأول، وهو قريبٌ من نصف النهار. وسجا: سكن، وقال الحسن: غشى بظلامه. والأوّل قول قتادة والضحاك. وودعك: تركك. وقلى: أبغض، والقِلى البغض إذا كسرت (القاف) وقصرت، وإذا فتحت مددت "، قال الشاعر:
عَلَيكِ سَلامٌ لَا مُلِلْتِ قَرِيبَةً ... وَمَا لَكِ عِنْدي، إِنْ نَأَيْتِ قَلاءُ
والتقدير: ما ودعك ربُّك وما قلاك، إلا أنّ (الكاف) حذفت اكتفاء بالأولى، ولتتفق رؤوس لآي، ومثله: أعطيتك وأحسنت، والمعنى إليك.
قال الفراء: الضحى النهار كله، وسجى أظلم وذلك في طوله.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨))
стр. 531
آوى: ضمَّ، وقيل في (ضال) ثلاثة أقوال:
أحدها: وجدك لا تعرف الحق. فهداك إليه.
والثاني: وجدك ضالًا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة فهداك إليه.
والثالث: وجدك في قوم ضُلَّال، أي: فكأنك منهم.
* * *
стр. 532
وَمِنْ سُورَةِ (أَلَمْ نَشْرَحْ)
قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦))
العسر الأول هو العسر الثاني، واليسر الأول غير اليسر الثانى، وقد جاء في الحديث: (لن يغلب عسر يسرين)، ووجه ذلك: أنّ العسر معروف، فهو واحد؛ لأنّه ذلك المعرف بعينه، واليسر منكر، ولو كان اليسر الثاني هو الأول لتكرر وفيه الألف واللام ليعرف ذكره، كما تقول: رأيت الرجل، إذا كررت (الرجل)، قال الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) عرّف الثاني لما كان هو الأول، وقال: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)، ومثل تكرير (العسر) وفيه الألف واللام والثاني هو الأول قول الشاعر:
لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيرا
والموت في ذلك كله شيء واحد.
* * *
стр. 533
وَمِنْ سُورَةِ (وَالتِّينِ)
قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢))
التِّين وَالزَّيْتُون: نوعان من الشجر نبه الله [ ... ]؛ بهما ونوّه بهما، فأقسم بهما، وقيل: التين والزيتون: جبلان. فالتين بدمشق والزيتون ببيت المقدس. وقال عبد الرحمن بن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس، وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة: التين هو الذي يؤكل، والزيتون هو الذي يعصر.
وطور سينين: جبل بين الحجاز والشام، وهو الذي كلم الله موسى بن عمران عليه، وهذا قول الحسن، يقال: طور سينين وطور سيناء بمعنى واحد، وقيل: سينين بمعنى: حسن؛ لأنَّه كثير النبات والشجر. وهو قول عكرمة، وقال مجاهد وقتادة: الطور الجبل. وسينين بمعنى: مبارك، وكأنه قيل: جبل الخير.
* * *
قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨))
قيل في قوله (غَيْرُ مَمْنُونٍ) ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ المعنى غير منقوص.
والثانى: أنّ المعنى غير مقطوع.
стр. 534
والثالث: أنّ المعنى غير محسوب، من قولك: مننت عليه بكذا. أي حسبته عليه، وهو قول مجاهد.
والهمزة في (أَلَيْسَ اللَّهُ) همزة تقرير. مثل الذي في قول جرير:
ألستُم خيرَ مَن ركبَ المَطايَا ... وأندَى العَالمينَ بُطُونَ راح
ودخلت (الباء) في خبر (أليس) وإن كان قد انتقض معنى النفي؛ لأنَّ الهمزة وإن نقلت النفي إلى الإيجاب. فإنها لم تنقل (ليس) عن حكمها. وقيل: المعنى: أليس الله بأحكم الحاكمين صنعاً وتقديراً؛ لأنّه لا خلل فيه ولا اضطراب ولا ما يخرج به عما تقتضيه الحكمة.
* * *
стр. 535
وَمِنْ سُورَةِ (الْعَلَقِ)
قوله تعالى: (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)
(أنّ) في موضع نصب. لأنّه مفعول له، والمعنى إنّ الإنسان ليطغى لأنّ رآه استغنى، ومن أجل أنّ رآه استغنى.
و (رأى) هاهنا بمعنى: علم؛ لأنّه لا يقال: زيد رآه، من رؤية العين، وإنما يقال: زيد رأى نفسه، ولكن من رؤية القلب يجوز، نحو: زيد رآه عالماً، ورآه استغنى. وكذا الأفعال المؤثرة، ولا يجوز أن يعمل في ضمائر ما يكون خبراً عنه، فأما قولهم: عدمتني وفقدتني، فلأنه جرى على المجاز، ألا ترى أنّه لا يصح أن يعدم نفسه ولا يفقدها، وإنما يعدمه غيره.
* * *
قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨))
السفع: أصله من سفعته النار إذا غيَّرته عن حاله.
والناصية: شعر مقدم الرأس، وهو من ناصى يناصي مناصاة إذا واصل.
والنادي: المجلس، يقال: نادي وندي، والجمع: أندية، قال سلامة بن جندل:
стр. 536
يومَانَ يَومُ مَقاماتٍ وأَنْدِيَةٍ ... ويَومُ سَيْرٍ إِلَى الأَعْداءِ تَاوِبُ
والزَّبَانِيَةَ: الأعوان، واحدها: زبينة، هذا قول أبي عبيدة، وقال الكسائي: زبني، وقيل:
هو جمع لا واحد له، واشتقاق الزبانية من الزبن: وهو الدفع، ومنه يقال: حرب زبون، قال الشاعر:
فواَرِسُ لا يملُّونَ المنَايَا ... إِذَا دَارتْ رَحَا الحربِ الزبُونِ
والزبانية هاهنا: الملائكة. هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك.
و (النون) في (لنسفعن): نون التوكيد الخفيفة، والاختيار عند البصريين أن تكتب بالألف؛ لأنّ الوقف عليها بالألف، واختار الكوفيون: أن تكتب بالنون، لأنها نونٌ في الحقيقة.
وخفض (ناصيةٍ) بدل من (الناصية) الأولى، وحكى الفراء: أنّ بعضهم قرأ (ناصيةً) بالنصب على تقدير: لنسفعًا بها ناصيةً. ينصبها على القطع.
стр. 537
وَمِنْ سُورَةِ (الْقَدْرِ)
قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)
(الهاء) للقرآن، وإن لم يجرِ له ذكر؛ لأنّه قد عرف المعنى.
وليلة القدر: ليلةٌ يغفر الله تعالى فيها السيئات، وقيل: ليلة الحكم بما يقضي الله تعالى في السنة من كل أمر، وهو قول الحسن ومجاهد، وقيل: هي في العشر الأواخر من شهر رمضان، لم يطلع عليها بعينها الناس، وقيل: إنما أخفاها الله تعالى عن العباد ليستكثروا من العبادة في سائر أيام العشر طلباً لموافقتها، وروي أنَّ النبي ﷺ قال: (أريتها وأنسيتها). وروي عنه: (التمسوها لثلاث أو لخمس أو لسبع) قال مالك: أراه أراد: لثلاث بقين وخمس بقين وسبع بقين، وقيل: هي في الأفراد من العشر الأواخر، وقال بعضهم: التمسوها في الشهر كله، وقال آخر: التمسوها في السنة، وهذا كله تحريض على كثرة العمل طلباً للموافقة، وقيل: قد فُسّرت ليلة القدر بقوله (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). وقيل: ليلة القدر ليلة عظيمة الشأن، من قولك: رجل له قدره.
* * *
قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥))
стр. 538
قيل الأصل في (تنزل): تتنزل، فحذفت (التاء) الثانية استثقالًا لاجتماع التاءين، وكانت الثانية أولى بالحذف؛ لأنّ الأولى دخلت لتدل على الاستقبال، وقيل: تنزل الملائكة بكل أمر في ليلة القدر [ ... ] حتى يعلمه أهل السماء الدنيا، وحتى يتصور العباد تنزل أمر الله تعالى إليها، فتنصرف آمالهم إلى ما يكون منها [ ... ] بما يتجدد من تفضل الله تعالى فيها.
والروح: جبريل ﵇. وقيل: ملك عظيم تقوم الملائكة يوم القيامة صفاً، ويقوم وحده صفاً.
وقيل (السلام) في ليلة القدر سلام الملائكة بعضهم على بعض، وقيل: نزولهم بالسلامة والخير والبركة، وقيل: سلام هي من الشر.
وهو قول قتادة.
وقرأ الكسائي (مَطْلِعِ) بكسر اللام، وفتح الباقون.
فمن كسر جعله للوقت، وأكثر ما يأتي ما كان على (فَعَل يفعُل) نحو: القتل والمنظر والمدخل والمخرج. إلا أنّه قد شذت أحرف فجاء الزمان والمكان فيها على (مفعِل) وهي: المطلِع والمشرِق والمغرِب والمنبِت: المجزِر والمسكِن والمسجد، وحكى الفراء: طلعت الشمس مطلِعاً على المصدر، فعلى هذا تستوي القراءتان، وكأنه اجتزأ بالاسم عن المصدر، كما قالوا: أعطيته عطاء وأكرمته كرامة، فأما قوله: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) فقيل: أتى على حذف الزيادة. وقيل: المعنى: أنبتكم فنبتم نباتاً، فنبات من غير (أنبت) على هذا القول.
стр. 539
و (حتى) بمعنى (إلى) والتقدير: إلى مطلع الفجر.
يجوز في (هي) وجهان:
أحدهما: أن تكون هي مبتدأة و (سلام) الخبر.
والثاني: أن يكون (سلام) مبتدأ و (هي) الخبر.
* * *
стр. 540
وَمِنْ سُورَةِ (لَمْ يَكُنِ) الْبَيِّنَة
قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ)
حركت (النون) من (لَمْ يَكُنِ) لالتقاء الساكنين، فإن قيل: لم لم ترجع (الواو) وهي إنما حُذِفت لسكون (النون) و (النون) قد تحركت؟ - قيل: حركة (النون) عارضة لا يعتد بها، فكأن السكون باقٍ.
وعطف (المشركين) على (أهل الكتاب)، والتقدير: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين، وقيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ المشركين كفار. وأهل الكتاب قد لا يكونون كفارًا، ولكنه مفعول معه. أي: مع المشركين، ويدل على صحة هذا التأويل: أنّ عبد الله بن مسعود قرأ: (لم يكُنِ المشركونَ وأهلُ الكِتابِ مُنفَكّين)، وقل: بل يجوز أن يعطف (المشركين) على (أهل الكتاب)؛ لأنَّ (من) لإبانة الجنس، كما تقول هذا ثوبٌ من خزٍّ؛ لأنّ الكفار قد يكونون من غير أهل الكتاب ومن غير المشركين، وهو كقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)؛ لأنَّ الرجس قد يكون غير الأوثان.
قال الفراء: يريد بقوله:. (مُنفكين) أي: لم يكونوا منتهين حتى تأتيهم البينة، وهي بعث محمد صلى الله عليه، قال: وقال آخرون: لم يكونوا تاركين صفته في كتابهم أنّه نبي حتى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا، ويصدق ذلك (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ).
стр. 541
والانفكاك هاهنا: التفرق. ومنفكين هاهنا: من قولهم: ما انفك زيد قائماً، وأجاز ذلك الفراء، وإذا كانت كذلك وجب أن يكون لها خبر، ولا خبر هاهنا، فلما كان كذلك وجب الوجه الأول.
و (رسول) بدل من (البينة)، وقال الفراء: هو مستأنف، والتقدير: هو رسول من الله، أو: هي. وفي قراءة أُبي (رسولًا من الله) بالنصب. على القطع، أي: الحال، والبينة: الحجة.
* * *
قوله تعالى: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)
فيه قولان:
أحدهما: أنّ المعنى: ذلك دين الملة القائمة أو الشريعة.
والثاني: أنّ المعنى: ذلك دين الأمة القائمة أو الفرقة القائمة، والقائمة والقيِّمة بمعنى واحد.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
стр. 542
يجوز في (المشركين) أن يكون معطوفاً على (الذين كفروا) وذلك على مذهب من جعله هنالك مفعولاً معه. ويجوز أن يكون معطوفاً على (الذين كفروا) كما كان فيما قبل.
* * *
стр. 543
وَمِنْ سُورَةِ (إِذَا زُلْزِلَتِ)
قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣))
الزلزلة: الحركة الشديدة، وهذه الزلزلة تكون يوم القيامة، والزِّلزال بالكسر: المصدر، والزَّلزال بالفتح؛ الاسم، ومثله: القَلقال والقِلقال، والوَسواس والوِسواس.
قرأ أبو جعفر (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زَلْزَالَهَا) بالفتح.
وأثقالها: كنوزها من الذهب والفضة، وقيل: أقواتها.
(وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا) أي: الكافر، يقول: أي شيء لها وما شأنها تغيَّرت عما كانت عليه.
وقيل: إن الأرض تتكلم يوم القيامة، قال علي بن عيسى: يكون ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقلبها الله حيواناً قادراً على الكلام.
والثاني: أن يحدث الله تعالى الكلام فيها.
والثالث: أنّ كلامها ببيان يقوم مقام الكلام.
وجواب (إذا) محذوف، والتقدير: إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها رأيت أمراً هائلًا، أو حُشِر الناس،
стр. 544
وهذا الجواب هو العامل في (إذا)، ولا يجوز أن يعمل فيها (زلزلت)؛ لأنَّها مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
* * *
стр. 545
وَمِنْ سُورَةِ (الْعَادِيَاتِ)
قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥))
العاديات: الخيل، والضبح: لهث يتردد من أنفاسها، وقيل: إن الضبح: حمحمة الخيل عند العدو، وقيل: شدة النفس عند العدو، قال ابن مسعود: العاديات هي: الإبل، والقول الأول أظهر، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء.
قيل: أقسم بالعاديات لعظم شأنها في الغارة [ ... ] الله من المشركين، وقيل التقدير: ورت العاديات، والموريات: التي توري النار، أي: تظهرها بسنابلها، تقول: أورى القادح النار، وتسمى النار التي تظهر تحت السنابك (نار الحباحب) لضعفها قال النابغة في صفة السيوف:
تَقُدُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ... وتُوْقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِبِ
والمغيرات: جمع مغيرة، من قولك: أغرت على العدو.
والنقع: الغبار، و (الهاء) في قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) يعود على
стр. 546
المكان الذي أغيرت عليه أو الوادي، وقيل: يعود على فرس المقداد بن الأسود؛ لأنّه كان أشد الخيل ذلك اليوم، وقيل لم يكن في تلك المغيرة إلا ثلاث من الخيل فرس المقداد أحدها، وهو ضميرٌ لم يجرِ له ذكر ولكنه قد عرف.
* * *
стр. 547
وَمِنْ سُورَةِ (الْقَارِعَةِ)
قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١))
قال الحسن: في الآخرة ميزان له كفتان توزن فيه أعمال العباد. وقال مجاهد: (ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) على جهة المثل، ويروى عن عيسى ﵇ أنّه سُئل فقيل له: ما بال الحسنة تثقل علينا والسيئة تخف علينا؟ فقال: لأنّ الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها، فلذلك ثقلت عليكم وعادت في مكروهكم، فلا يحملكم ثقلها على تركها، فإنّ بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة، والسيئة حضرت حلاوتها، وغابت مرارتها فلذلك خفت عليكم وعادت في محبوبكم، ولا يحملكم عليها خفتها فإنّ بذلك خفت الموازين يوم القيامة.
وراضية: في معنى مرضية.
وقيل في قوله: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) قولان:
أحدهما: أنّه يهوي على أم رأسه في النار، وهو قول قتادة وأبي صالح
وقيل: أمه هاوية أي: ضامته وكافلته هاوية، أي: النار شبهت له بالأم؛ لأنّ الأم تضمه إليها وتكفله، فصارت النار له كالأم.
* * *
стр. 548
وَمِنْ سُورَةِ (التَّكَاثُرِ)
قوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧))
(كَلَّا) زجر. و (عِلمُ اليَقينِ): العلم الذي [ ... ] بعد اضطراب الشك فيه، وتقديره في الإعراب: علم الخبر اليقين، فحذف المضاف. ومثله (حَبَّ الْحَصِيدِ)، وأهل الكوفة يقولون: هو إضافة الشيء إلى نفسه. وهذا لا يجوز عند البصريين.
وقوله: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) قيل: ترونها في الوقف، وهو قول الحسن.
وقرأ ابن عامر والكسائي (لَتُرَوُنَّ) بالضم على ما لم يسمّ فاعله، وقرأ الباقون بالفتح على ما سمي فاعله، إلا أنّ الكسائي وابن عامر [ ... ] في لترونها.
ولا يجوز همز هذه الواو على قياس: أثؤبٍ في أثوب وأعد في وعد؛ لأنّ الضمة هاهنا عارضة لالتقاء الساكنين.
стр. 549
وَمِنْ سُورَةِ (الْعَصْرِ)
قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)
العصر: الدهر، عن ابن عباس والكلبي، وقال الحسن وقتادة: هو صلاة العصر.
والإنسان: في موضع (الناس)، ولذلك جاز الاستثناء فيه.
والخسر: أصله إهلاك رأس المال، فالإنسان في هلاك نفسه وهو أكثر رأس ماله بمنزلة ذلك.
إلا المؤمن العامل بطاعة ربه الصابر على ذلك والمتواصي بالحق، وقيل: المراد بذلك (أبو بكر) و (عمر) ﵄.
* * *
стр. 550
وَمِنْ سُورَةِ (الْهُمَزَةِ)
قوله تعالى. (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١))
قال محمد بن إسحاق: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنّه رأى النبي ﷺ فهمزه ولمزه. فأنزل الله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ).
والهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، قال حسان:
هَمَزتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بذُلٍّ نفسٍ ... بقافِيَة تَأَجَّجُ كالشُّواظِ
واللمزة: الذي يصيب الناس سراً ويؤذيهم. قال رؤبة:
في ظِلّ عَصرِي بَاطِلي ولمزِي
وقيل: الهمزة: الكثير الطعن على غيره بغير حق، العائب لمن ليس فيه عيب، يقال: رجل همزة، كما يقال: ضحكة وهزأة، قال ابن عباس اللمزة: المغتاب العيّاب.
* * *
قوله تعالى: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣))
стр. 551
(الذي) في موضع جر على البدل من (همزة)، ولا يجوز أن يكون نعتاً؛ لأنَّه معرفة، و (همزة) نكرة، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار (أعني)، قد جوز أن يكون في موضع رفع على إضمار (هو).
وفي حرف عبد الله (وَيْلٌ للهُمزةِ اللُّمَزة) فعلى هذا الوجه يكون نعتاً.
والويل: القبوح، كذا قال الأصمعي. وقال المفسرون: هو وادٍ في جهنم.
وقرئ (جَمَّعَ مَالًا) و (جَمَعَ) والتشديد للمبالغة.
وقرأ الحسن (لَيُنْبَذَانِّ فِي الْحُطَمَةِ) أي: الجامع والمال، وروى: (لينبذُنَّ) يعني: الجامع والمال والعدد؛ لأنّه قد قرئ (جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦))
الحطمة: الحاطمة. قال الراجز:
قَد لفَّها الليلُ بسَواقٍ حُطم
стр. 552
ويقال: رحل حُطم. أي: أكول. وأصل الحطم: الكسر.
وارتفع (نَارُ اللَّهِ) بإضمار مبتدأ تقديره: هي نار الله.
* * *
стр. 553
وَمِنْ سُورَةِ (الْفِيلِ)
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)
(تَرَ) هاهنا بمعنى: تعلم، وليس من رؤية العين؛ لأنّ النبي صلى الله عليه ما رأى أصحاب الفيل، وفي ذلك العام وُلد النبي صلى الله عليه. وأصحاب الفيل: الحبشة الذين قصدوا الكعبة ليهدموها، وزعيمهم " أبرهة الأشرم ".
والأبابيل: الجماعات، قال الفراء: لا واحد لها بمنزلة: شماطيط وعباديد، قال: وحكى عن الرؤاسي أنّه سمع: إبَّالة، في الواحد، قال الفراء: وسمعت من العرب من يقول: (ضِغث على إبَّالة)، وقيل: واحدها (أُبُول) كعجول وعجاجيل، وقيل: واحدها (إبيل) كسكين وسكاكين، وقيل: واحدها (إيبال) كدينار ودنانير، وقيل: هو اسمٌ للجمع.
والعصف: الزرع المتحطم، وقيل: العصف: العجين، قال الراجز:
فأصبحُوا مثلَ كعَصفِ مأكُولِ
وسجيل: قيل: هو معرب، وقيل: طين مطبوخ كالآجر، وقيل: كان كل طائر يأتي ومعه
стр. 554
حجران في رجليه وواحد في منقاره، مثل الحمص وأكبر من العدس، فلا يصيب أحداً إلا قتلته، وأصابت " أبرهة " فرجع وقد أمدت عليه جراحاته فلما بلغ صنعاء هلك.
* * *
стр. 555
وَمِنْ سُورَةِ (قُرَيْشٍ)
قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١))
الإيلاف: التألف. واختلف في (اللام):
فقيل: يتعلق بقوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ).
وقال الخليل وسيبويه المعنى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا) (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) وقال الفراء: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)؛ لأنّه ذكَّرَ أهلَ مكة النعمة عليهم بما صنع بالحبشة، وقال أيضاً تقديره: أعجب يا محمد لإيلاف قريش. يعجِّبه من نعمِهِ عليهم في إيلافهم.
* * *
стр. 556
وَمِنْ سُورَةِ (الْمَاعُون)
قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢))
يَدُعُّ: يدفعه عنفًا به؛ لأنّه لا يؤمن بالجزاء عنه، فليس له وازع، يقال: دَعَه يَدَعُه دَعًّا، قال ابن عباس ومجاهد: قتادة: يَدُعُّ اليتيم عن حقه، أي يدفعه.
* * *
قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧))
يجوز في قوله: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) أن يكون في موضع جر على النعت للمصلين. ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار (أعني)، وفي موضع رفع على إضمار (هم).
والماعون: ماعون البيت مثل: الدلو والقصعة والفاس والقداحة، وقيل: الزكاة، وقال أبو عبيدة: كل ما فيه منفعة، وأنشد:
بأَجْوَدَ مِنْه بما عُنْدَه ... إذَا ما سماؤُهمُ لم تَغِمّْ
стр. 557
وأصله: القلة، يقال: ما له سعنٌ ولا معنٌ.
* * *
стр. 558
وَمِنْ سُورَةِ (الْكَوْثَر)
قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣))
الكوثر: الخير الكثير، وهو (فوعل) من الكثرة: قيل: هو نهرٌ في الجنة، ويروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: من أراد أن يسمع خرير الكوثر فليضع إصبيعه في أذنيه، وروي عنها أنها قالت: في حافتي الكوثر قباب الدُرّ والياقوت، وروي عن ابن عمر أنّه قال: يجري على الدُّر والياقوت، وروى عن الحسن: أنّ الكوثر: القرآن.
وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)
ضع يديك حذو منكبيك، وقيل: ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁.
وقيل: انحر [النون] (١) في الأضحية والهدي.
وقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣))
أي: مبغضك، والأبتر: المنقطع عن الخير، وقيل: الذي لا عقب له، وهو قول مجاهد، ونزل في العاص بن وائل، قال: محمد لا عقب له.
* * *
стр. 559
وَمِنْ سُورَةِ (الْكَافِرِينَ)
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢))
قال الزجاج المعنى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) في الحال، (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤))، في المستقبل إذا لم تؤمنوا (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥))، في المستقبل؛ لأنّه قد أيس من إيمانهم.
قال أبو إسحاق: [ ... ] النبي ﷺ أن يعبدوا إلهه يوماً، ويعبد آلهتهم يوماً، أو جمعة وجمعة، أو شهراً وشهراً، أو سنة وسنة، فأنزل الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣))، مجامعة (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)، مشاهدة، (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)، مشافهة (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)).
* * *
стр. 560
وَمِنْ سُورَةِ (النَّصْرِ)
قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣))
(الفاء) جواب (إذا)
و (تَوَّابًا): خبر (كَانَ)
ويروى: أنّه نعيت له نفسه ﷺ .
* * *
стр. 561
وَمِنْ سُورَةِ (أَبِي لَهَبٍ)
قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢))
تَبَّتْ: خسرت، وأبو لهب: عمُّ النبي صلى الله عليه، وذكر بكنيته دون اسمه؛ لأنَّها كانت أغلب عليه، وقيل: كان اسمه عبد العزى، فكره الله تعالى أن ينسبه إلى العزى [ ... ] إنما هو عبد الله.
وقوله: (ما أغنَى عَنهُ مَالهُ) يجوز في (ما) وجهان:
أحدهما: أن تكون نافية، والمعنى: ما أغنى عنه ماله.
والثاني: أن تكون استفهاماً، وموضعها نصب، والتقدير: أيّ شيء أغنى عنه ماله.
* * *
قوله تعالى: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣))
جاء في التفسير: أنَّ (أم جميل) حمالة الحطب، كانت تحمل الشوك وتلقيه في طريق النبي ﷺ ، وقيل: حمالة الحطب (ثمامة)، والأوّل قول ابن عباس والضحاك وابن زيد، والثاني قول عكرمة ومجاهد وقتادة.
стр. 562
والجيد: العنق، والمسد: الليف.
قال الفراء: يرتفع (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ) من جهتين:
أي: يَصْلَى وامرأته نار جهنم، و (حمالة) صفة لها هذا وجه.
والوجه الآخر: يقول: ما أغنى عنه ماله وامرأته في النار. فيكون (في جيدها) الرافع بها يعني: أنّ (امرأته) مبتدأ، و (في جيدها) الخبر. وإن شئت جعلت (حمالة الحطب) رافعة لها، أي: خبراً. كأنك قلت: ما أغنى ماله وامرأته هكذا.
ومن نصب (حَمَّالَةَ) فعلى القطع، لأنها نكرة؛ لأنَّ الانفصال مقدر فيها، أو على الشتم والذم، والوجه الأول لا يجوز عند البصريين.
* * *
стр. 563
وَمِنْ سُورَةِ (الْإِخْلَاصِ)
قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢))
قال الفراء: سأل الكفار النبي صلى الله عليه، فقالوا: ما ربُّك؟ أمن ذهب أم من فضة؟ أيأكل أم يشرب؟ فأنزل الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ)، والتقدير على هذا: قل الحديث الذي سألتم عنه (اللَّهُ أَحَدٌ) فـ (هُوَ) مبتدأ و (اللَّهُ) مبتدأ ثانٍ و (أَحَدٌ) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر عن الأول، هذا مذهب البصريين.
وقال الكسائي: (هو) عماد حكى ذلك الفراء وخطأه فيه؛ لأنّه ليس قبله ما يعتمد عليه. وهو كما قال؛ لأنَّ العماد إنما يكون بين معرفتين لا تستغني إحداهما عن الأخرى، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، وذلك في باب الابتداء، وباب كان، وباب (إن)، وباب الظن.
* * *
وقوله: (اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)) (اللَّهُ) مبتدأ، و (الصَّمَدُ) خبره، ويجوز أن يكون (الصَّمَدُ) نعتاً لله تعالى، و (اللَّهُ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الله الصمد، وقيل: (اللَّهُ) بدل من (أحد) كأنّه في التقدير: قُلْ هُوَ اللَّهُ الصَّمَدُ.
واختلف في (الصَّمَدُ):
فقيل: هو السيد، وأنشد النحويون:
لقَد بَكّر النَاعي بخير بني أسَدْ ... بعَمر بن مَسعُود وبالسَّيد الصَمَدْ
стр. 564
وقيل: (الصَّمَدُ) الذي لا جوف له. وقيل: (الصَّمَدُ) الفرد، وقيل (الصَّمَدُ) الذي لا يطعم.: قل (الصَّمَدُ) الذي لا كفء له.
والأصل في (أحد): وَحَد. فأبدلوا من (الواو) (همزة) كما قالوا: امرأة أناة، والأصل: وناة. وقيل: أحد بمعنى أول، ولا بدل في الكلام، ومنه يقال: يوم الأحد.
وقرأ أبو عمرو (أحَدُ اللهُ الصَّمَدُ) بغير تنوين، حذفه لالتقاء الساكنين رواه عنه هارون، وروي نصر عن أبيه عن أحمد بن موسى: (أحَدْ اللهُ الصًمَدُ). وقيل: إنه نوى الوقف؛ لأنّه رأس آية فلذلك حذف التنوين، والوجه الأول أولى، قال الشاعر:
فَألفَيتُهُ غَيرَ مُستَعتبٍ ... ولا ذاكرَ اللهِ إلا قليلا
* * *
قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤))
стр. 565
[ ... ] ويجوز في (كُفُوًا) وجهان:
أحدهما: أن يكون خبرًا لـ (يكن).
والثاني: أن يكون حالًا من (أحد) [ ... ] في الأصل وصفاً فلما [ ... ] على الحال [ ... ].
لِمَيَّةَ موحِشاً طَلَلٌ ... يَلُوح كأنَّه خِلَلُ
ويكون (له) الخبر. وهو قياس قول [ ... ] أن تخبر النكرة عن النكرة؛ لأنَّ فيها فائدة، والفائدة في قوله (له).
* * *