Полный текст (101 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
غاية المنوة
في
آداب الصحبة وحقوق الأخوة
كتبه
حازم خنفر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن مما أورث القلب حرقةً وأشعر النفس كربةً: ما لاح في زماننا من تعذر أثر الأخوة بين الخلق _ خاصتهم وعامتهم _، حتى أفضى الأمر إلى شد الأرحل بحثًا عن صحبة صرفة؛ صافية من كدر وخالصة من شوب.
ولما كان من سجيتي: استئناسي بوحشتي ولزومي مجلسي بمعزل؛ فإني عمدت إلى قلمي أدفع به الحرقة وأرد به الكربة بعد أن غلب على الناس نبذ المحبة واطراح المودة، فما كان من
стр. 3
أثر مسعاي إلا الخلوص إلى كتاب في الصحبة والأخوة، جعلته سلوةً لي ولكل متفجع لحال زماننا.
وعمدتي فيه: كتاب الله _ تعالى _، وسنة نبيه ﷺ ، وآثار سلفنا الصالح _ ﵃ أجمعين _، ومنثور الأسفار من أخبار وأشعار وحكم وأذخار.
فأما كتاب الله؛ فأوردت ما استنبط منه أهل العلم فيما هو من مقاصد كتابي هذا.
وأما السنة النبوية؛ فما أوردت منها إلا الصحيح؛ معولًا على حكم المحدث المبرز: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني _ ﵀ _.
وأما الآثار؛ فأوردت ما وقفت عليه من كتب الحديث والأدب دون النظر في صحتها أو ضعفها؛ فإن الأثر إن لم يبلغ مبلغ الصحة؛ فما عساه إلا أن يقصر عن مرتبة الأثر إلى مرتبة الحكمة.
وأما منثور الكتب والأسفار من الأقوال والأخبار والأشعار؛ فإني وإن كنت لم أحفل بعقيدة القائل ومسلكه، إلا أني قد أخذت بسمين الأقوال التي ليس فيها ما يخالف الكتاب والسنة ومسلك سلف الأمة، وأضربت عن غثها من شطط ونحوه.
стр. 4
ولما كان اللسان العربي الفصيح _ في هذا الزمان _ قد ظهرت عليه العجمة وغلب عليه اللحن؛ فإني آثرت أن أقيد الحروف بالشكل؛ جمعًا بين الدربة على تقويم اللسان _ نحوًا وصرفًا _ وبين مقاصد الكتاب.
ولا أدعي عصمتي من المزلات، فحسبي أني بذلت قصاراي في إقصاء ما يخالف الشرع، وضبط الشكل على ما يوافق فصاحة اللسان.
وأسأله _ سبحانه _ أن يقر هذا الكتاب في ميزان الأعمال الصالحات يوم القيامة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حازم خنفر
الأردن / في الثالث من ذي الحجة ١٤٢٨ هـ
الموافق:١١/ ١٢/٢٠٠٧م
стр. 5
فصول الكتاب
مقدمة في معنى الصحبة وما يرادفها من الألفاظ
الفصل الأول: في فضل الصحبة والأخوة
الفصل الثاني: في مراتب الصحبة وأسبابها
الفصل الثالث: في مقامات الإخوان ومراتبهم
الفصل الرابع: فيمن لا ترجى عشرته ومن تؤثر صحبته
الفصل الخامس: في حقوق الصحبة وآدابها ظاهرًا وباطنًا
стр. 6
معنى الصحبة وما يرادفها من الألفاظ
اعلم _ رحمني الله وإياك _ أن في الاجتماع الإنساني صلات شتى تعرض بين الأفراد؛ فمنها: الصحبة، ومنها: الصداقة، ومنها: الأخوة، ومنها: الرفقة، ومنها: الخلة _ وغيرها _.
وتشترك جميعها في معنًى كلي واحد، إلا أنها تختلف في أشياء:
أما معنى الصحبة من حيث الاشتقاق الكبير؛ فقد قال ابن فارس في «المقاييس»: «الصاد والحاء والباء: أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، من ذلك: (الصاحب)، والجمع: (الصحب)».
وأما من حيث المعنى الخاص؛ فهي: المعاشرة والملازمة، وقد قيدها بعض أهل اللغة بالرؤية والمجالسة، ولذا قد جاء في تعريف (الصحابي) عند المحدثين: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام؛ سواء أطالت صحبته أم قصرت.
стр. 7
إلا أن الصحبة قد تطلق دون هذا القيد، وإنما يراد بها ملازمة الشيء بالبدن أو بغيره؛ كالصحبة مع الله، وقد سئل أبو عثمان _ سعيد بن إسماعيل _ الحيري عن هذه الصحبة، فقال: «الصحبة مع الله: بحسن الأدب ودوام الهيبة ... » كما
رواه البيهقي في كتابه «شعب الإيمان».
وكذلك: لا تقيد الصحبة بمعاشرة البشر للبشر فقط؛ إنما قد تصرف إلى معاشرة البشر لغيرهم من الكائنات والموجودات.
ولا يشترط لها القصد؛ فقد تكون بإكراه ومن غير نية؛ كمصاحبة أهل النار للنار في قوله _ تعالى _: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
قال أهل التفسير: والصحبة هي: الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمن ما، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة.
وقد جمع هذا الأصل وأجمله: الخليل بن أحمد في كتابه «العين»، بقوله: «وكل شيء لاءم شيئًا فقد استصحبه».
وضبط ذلك كله الراغب الأصفهاني في كتابه «المفردات في غريب القرآن»، فقال: «الصاحب: الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن _ وهو
стр. 8
الأصل والأكثر _، أو بالعناية والهمة ... ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، ويقال للمالك للشيء: (هو صاحبه)، وكذلك لمن يملك التصرف فيه».
وقد فرق أهل اللغة بين الصاحب والقرين:
قال أبو هلال العسكري في كتابه «الفروق اللغوية»: « ... أن الصحبة تفيد
انتفاع أحد الصاحبين بالآخر، ولهذا يستعمل في الآدميين خاصةً، فيقال: (صحب زيد عمرًا) و (صحبه عمرو)، ولا يقال: (صحب النجم النجم) أو (الكون الكون) ... والمقارنة: تفيد قيام أحد القرينين مع الآخر ويجري على طريقته وإن لم ينفعه، ومن ثم قيل: (قران النجوم)، وقيل للبعيرين يشد أحدهما إلى الآخر بحبل: (قرينان)».
قلت: وقد يتوهم بأن ثمة اختلافًا بين ضبط الأصفهاني للصحبة وبين ضبط العسكري لها؛ إذ خصصه أبو هلال بالآدميين خاصةً، أما الراغب الأصفهاني فقد أطلقه وعداه إلى الحيوان والزمان والمكان!!
ولا تضارب بين القولين؛ فإن مراد أبي هلال متعلق باشتراط كون طرف الصحبة الأول المتكلم آدميا _ وهو الفاعل _، ولهذا
стр. 9
مثل الخطأ بقول القائل: (صحب النجم ... ) و (صحب الكون ... )، ولا يريد بقوله _ هذا _ عدم جواز قول القائل: (صحبت الدهر) و (صحبت الصبر) و (صحبت الليل)، فهذا كله جائز لأن المتكلم آدمي، وهذا لا يخالف قول الراغب الأصفهاني؛ فإن مراده متعلق بالطرف الثاني _ وهو المفعول به _، فأشار إلى إطلاقه؛ كقول القائل: (صحبت كلبًا) أو (صحبت هذا المكان) _ والله تعالى أعلم _.
أما الفرق بين الصحبة وبين ما رادفها من ألفاظ _ كالصداقة والأخوة والرفقة والخلة _؛ فقد ضبط ذلك أهل اللغة في دواوينهم:
فأما الصداقة؛ فهي: صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان دون غيره، وكما قيل: إنما سمي الصديق صديقًا لصدقه، والعدو عدوا لعدوه عليك.
وقد ذكر ابن حزم في كتابه «الأخلاق والسير» حد الصداقة، فقال: «هو أن يكون المرء يسوءه ما يسوء الآخر، ويسره ما يسره، فما سفل عن هذا فليس صديقًا، ومن حمل هذه الصفة فهو صديق، وقد يكون المرء صديقًا لمن ليس
стр. 10
صديقه ... إذ قد يحب الإنسان من يبغضه، وأكثر ذلك في الآباء مع الأبناء، وفي الإخوة مع إخوتهم، وبين الأزواج، وفيمن صارت محبته عشقًا، وليس كل صديق ناصحًا، لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه».
وأما الأخوة؛ فهي كل من جمعك وإياه صلب أو بطن، وتستعار لكل من يشاركك في القبيلة أو في الدين أو في الصنعة أو في معاملة أو في مودة _ أو في غير ذلك من المناسبات _.
وأما الرفقة؛ فتقال للقوم ما داموا منضمين في مجلس واحد ومسير واحد، فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة، ولم يذهب عنهم اسم الرفيق.
وأما الخلة؛ فهي الصداقة، إلا أنها رتبة لا تقبل المشاركة، ولهذا اختص بها الخليلان إبراهيم ومحمد _ ﵉ _.
وقال العسكري في «الفروق»: «والخلة: المودة التي تتخلل الأسرار معها
بين الخليلين، وسمي الطريق في الرمل خلا لأنه يتخلل لانعراجه».
وقال _ أيضًا _: «الفرق بين الصداقة والخلة: أن الصداقة اتفاق الضمائر على المودة، فإذا أضمر كل واحد من الرجلين
стр. 11
مودة صاحبه، فصار باطنه فيها كظاهره؛ سميا صديقين، ولهذا لا يقال: (الله صديق المؤمن) كما أنه وليه، والخلة: الاختصاص بالتكريم، ولهذا قيل: إبراهيم خليل الله؛ لاختصاص الله إياه بالرسالة، وفيها تكريم له ... ».
وقال ثعلب في معنى الخليل: إنما سمي الخليل خليلًا ; لأن محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خللًا إلا ملأته.
стр. 12
فصل
في فضل الصحبة والأخوة
واعلم أن للأخوة الصالحة أثرًا عظيمًا في سلوك المؤمن، وذلك أن الله _ جل شأنه _ جعلها سببًا من أسباب الهداية؛ فإذا أراد بالعبد خيرًا قيض له صحبةً من الأخيار، وهيأ له من الإخوان من يعينه على صلاح نفسه، فلا يلبث أن يبلغ قدرهم أو يبرز عليهم.
قال ابن المقفع في «الأدب الصغير»: «وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يصاحب ولا يجاور من الناس _ ما استطاع _ إلا ذا فضل في العلم والدين والأخلاق فيأخذ عنه، أو موافقًا له على إصلاح ذلك، فيؤيد ما عنده وإن لم يكن عليه فضل؛ فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمي إلا بالموافقين والمؤيدين، وليس لذي الفضل قريب ولا حميم أقرب إليه ممن وافقه على صالح الخصال فزاده وثبته، ولذلك زعم بعض
стр. 13
الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال».
وقال الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين» ذاكرًا فضل مجالسة أهل الخير ومصاحبتهم بقوله: «فإذا كاثرهم المجالس وطاولهم المؤانس أحب أن يقتدي بهم في أفعالهم ويتأسى بهم في أعمالهم، ولا يرضى لنفسه أن يقصر عنهم، ولا أن
يكون في الخير دونهم، فتبعثه المنافسة على مساواتهم، وربما دعته الحمية إلى الزيادة عليهم والمكاثرة لهم، فيصيروا سببًا لسعادته، وباعثًا على استزادته، والعرب تقول: (لولا الوئام لهلك الأنام)؛ أي: لولا أن الناس يرى بعضهم بعضًا فيقتدى بهم في الخير لهلكوا، ولذلك قال بعض البلغاء: (من خير الاختيار: صحبة الأخيار، ومن شر الاختيار: مودة الأشرار)، وهذا صحيح؛ لأن للمصاحبة تأثيرًا في اكتساب الأخلاق، فتصلح أخلاق المرء بمصاحبة أهل الصلاح، وتفسد بمصاحبة أهل الفساد».
قلت: ولهذا جاء النهي عن الهجران، والترهيب منه:
فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ ما تواد اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما».
стр. 14
قال المناوي في «فيض القدير»: «فيكون التفريق عقوبةً لذلك الذنب، ولهذا قال موسى الكاظم: إذا تغير صاحبك عليك فاعلم أن ذلك من ذنب أحدثته، فتب إلى الله من كل ذنب يستقم لك وده».
وأخرج الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
واستثنى أهل العلم من هذا الهجران: أهل البدع والفسوق وغيرهم؛ مستدلين بأحاديث، منها: ما أخرجه الشيخان أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خذف، فنهاه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف ... فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم تخذف؟! لا أكلمك أبدًا.
والخذف: هو الرمي بالحصى بين أصبعين.
قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: «فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائمًا، والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم
стр. 15
دائمًا، وهذا الحديث مما يؤيده، مع نظائر له؛ كحديث كعب بن مالك وغيره».
وقال ابن رجب في كتابه «جامع العلوم والحكم» بعد أن أورد أحاديث الهجران: «وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاث، نص عليه أحمد، واستدل بقصة الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي ﷺ بهجرانهم ... وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء».
وأما صحبة أهل المعاصي؛ فقد قال _ تعالى _ فيهم: ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين﴾.
قال الطبري في «تفسيره»: «المتخالون يوم القيامة على معاصي الله في الدنيا: بعضهم لبعض عدو، يتبرأ بعضهم من بعض؛ إلا الذين كانوا تخالوا فيها على تقوى الله».
ومما ذكر في هذه الآية: ما حكي عن ابن الجلاء أنه كان يقول لأصحابه: اطلبوا خلة الناس في هذه الدنيا بالتقوى تنفعكم في الدار الآخرة، ألم تسمعوا الله _ تعالى _ يقول: ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين﴾.
قلت: وكذلك فإن في صحبة أهل الخير السلامة، وفي صحبة أهل الشر الأذى.
стр. 16
وفي ذلك قال بعض الحكماء: شر ما في الكريم: أن يمنعك خيره، وخير ما في اللئيم: أن يكف عنك شره.
وقال مالك بن دينار: نقل الحجارة مع الأبرار أنفع لك من أكل الخبيص مع الفجار.
ولهذا حث الشرع على صحبة الأخيار، فمن ذلك:
قوله _ تعالى _: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، قال السعدي في «تفسيره»: «ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء؛ فإن
في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى».
وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب»، أخرجه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره»، أخرجه أحمد والترمذي.
стр. 17
وعن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»، أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود.
وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك وكير الحداد؛ لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثةً»، أخرجه البخاري ومسلم.
وعليه: فإن لصحبة أهل الخير والعلم والحكمة عظيم نفع للعبد الصالح وإن لم يبلغ مبلغهم، وكما قيل: من جلس على دكان العطار لم يفقد الرائحة الطيبة.
بل وستكون صحبة الأخيار: من حسرات أهل النار يوم القيامة، بعد أن
مالت بهم أهواؤهم عنها في الدنيا، ولم يحفلوا بها:
قال جعفر بن محمد: «لقد عظمت منزلة الصديق عند أهل النار؛ ألم تسمع إلى قوله _ تعالى _ حاكيًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيم﴾».
стр. 18
ومما ذكر من محاسن صحبة أهل الفضل:
١ - الذكر الجميل؛ فإن الملازم لأهل الفضل لا بد أن يناله شيء من ذكر جميل وشأن عظيم؛ قال ابن كثير في «تفسيره» عند قوله _ تعالى _: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيد﴾: «وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن».
قلت: وهذا الذكر والشأن قد خلص إلى كلب لازم أهل الفضل، فما بال من لازمهم واقتدى بصلاحهم؟!
٢ - ومما جاء عن السلف في محاسن صحبة الأخيار: الإعانة على طلب العلم؛ كما أخرج الخطيب البغدادي في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» عن علي بن أبي طالب، قال: «يا طالب العلم! إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه: التواضع، وعينه: البراءة من الحسد ... » ثم ذكر أمورًا، وختم قائلًا: «ورفيقه: صحبة الأخيار»؛ أي: ورفيق العلم: صحبة أهل الخير والفضل.
وقد ذكر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: لما قدم
стр. 19
أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، سمعت أبي يومًا يقول: ما صليت غير الفرض؛
استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي.
٣ - ومما ذكر أهل الحكمة في محاسن صحبة الأخيار: وراثة الخير؛ قال ابن المقفع في كتابه «كليلة ودمنة»: «إذا غدرت بصاحبك فلا شك أنك بمن سواه أغدر، وأنه إذا صاحب أحد صاحبًا وغدر بمن سواه فقد علم صاحبه أنه ليس عنده للمودة موضع، فلا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له، وحباء يصطنع عند من لا شكر له، وأدب يحمل إلى من لا يتأدب به ولا يسمعه، وسر يستودع من لا يحفظه؛ فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وإن صحبة الأشرار تورث الشر؛ كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيبًا، وإذا مرت بالنتن حملت نتنًا».
٤ - ومن محاسن صحبة الأخيار _ أيضًا _: صون القلب والنفس عن الشيطان ووسوسته؛ قال ابن الحاج في كتابه «المدخل»: «واعلم أن الشيطان إذا نظر إلى العبد مريدًا، صادقًا، مخلصًا، مداومًا، عارفًا بنفسه، عارفًا بهواه، معاندًا لهما، حذرًا، مستعدا، عارفًا بفقره إلى الله _ تعالى _؛ قال
стр. 20
له: (إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالأعوان عليه)، والشيطان على الواحد أقوى، وهو من الاثنين أبعد، فجالس إخوانك، وذاكرهم، وأخبرهم بما ينوبك في عملك من نفسك وهواك ومن عدوك؛ فإنهم يدلونك ويعينونك».
قلت: ولهذا كان أهل الفضل يحثون على طلب الصحبة _ دون إكثار كما سيأتي _، ويعدون فقدان الصاحب أمرًا جللًا:
فقد روي عن أبي القاسم عبد الله البغوي أنه قال: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذل.
وقال سفيان بن عيينة: قال لي أيوب: إنه ليبلغني موت الرجل من إخواني فكأنما سقط عضو من أعضائي.
وقال الفرزدق:
يمضي أخوك فلا تلقى له خلفًا ... والمال بعد ذهاب المال مكتسب
وقال آخر:
لكل شيء عدمته عوض ... وما لفقد الصديق من عوض
وعن علي: أعجز الناس: من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه: من ضيع من ظفر به منهم.
стр. 21
وقال المغيرة بن شعبة: التارك للإخوان متروك.
وقال الخليل بن أحمد: الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال.
وقال علي لابنه الحسن: يا بني! الغريب: من ليس له حبيب.
وقال ابن المعتز: من اتخذ إخوانًا كانوا له أعوانًا.
وقال ابن الجلاء: من لا إخوان له فلا عيش له.
وقالت الحكماء: من لم يرغب بثلاث بلي بست: من لم يرغب في الإخوان بلي بالعداوة والخذلان، ومن لم يرغب في السلامة بلي بالشدائد والامتهان، ومن لم
يرغب في المعروف بلي بالندامة والخسران.
ومن درر ما دون في الأسفار في فضل الصحبة:
ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقاء الإخوان جلاء الأحزان.
وقال جعفر بن محمد: مناغاة الصديق أعبث بالروح وأندى على الفؤاد من مغازلة المعشوق؛ لأنك تفزع بحديث المعشوق إلى الصديق، ولا تفزع بحديث الصديق إلى المعشوق.
стр. 22
وقيل لأعرابي: أي شيء أمتع؟ قال: ممازحة محب، ومحادثة صديق.
وقال بعض الأدباء: أفضل الذخائر: أخ وفي.
وروي عن محمد بن واسع أنه قيل له: أي العمل في الدنيا أفضل؟ قال: صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان إذا اصطحبوا على البر والتقوى.
وقال بعض البلغاء: صديق مساعد: عضد وساعد.
وقيل: الصديق إنسان هو أنت، إلا أنه غيرك.
وقيل _ أيضًا _: رب صديق أود من شقيق.
وقيل لمعاوية: أيما أحب إليك؟ قال: صديق يحببني إلى الناس.
وقيل لأعرابي: أبالصديق أنت آنس أم بالعشيق؟ فقال: يا هذا! الصديق لكل شيء؛ للجد والهزل، وللقليل والكثير، وهو روضة العقل وغدير الروح، أما العشيق؛ فإنما هو للعين، وفي الولوع به إفراط مزجور عنه، فأين هذا من ذاك؟!
стр. 23
فصل
في مراتب الصحبة وأسبابها
واعلم أن الصحبة لا تتعلق بالأقران فقط، وإنما تكون _ أيضًا _ في معاشرة الأكابر والأصاغر، وقد بينها أبو عبد الرحمن _ محمد بن الحسين _ السلمي في كتابه «آداب الصحبة»:
فأما معاشرة الأكابر؛ فتكون بالحرمة والخدمة والقيام بأشغالهم.
وأما الأقران؛ فبالنصيحة وبذل الموجود.
وأما الأصاغر؛ فبالإرشاد والتأدب.
وعليه: فمهما كان وجه المعاشرة فإنه متعلق برتب لا تقوم الصحبة إلا بها، وقد ذكرها الماوردي في «أدب الدنيا والدين»:
فمنها: ما يكون مكتسبًا من غير قصد واختيار بسبب المماثلة والاتفاق بين الصاحبين في أمور شتى.
стр. 24
ومنها: ما يكون مكتسبًا بقصد ونية بسبب الرغبة والحاجة.
أما ما يكون مكتسبًا بسبب الاتفاق؛ فهي: التجانس، ثم المواصلة، ثم المؤانسة، ثم المصافاة، ثم المودة، ثم المحبة، ثم الاستحسان.
١ - فأولها: التجانس، ويراد به: مماثلة المتصاحبين ومشاكلتهم وائتلافهم
في جنس أو صفة.
قال الماوردي: «فإن قوي التجانس قوي الائتلاف به، وإن ضعف كان ضعيفًا ما لم تحدث علة أخرى يقوى بها الائتلاف، وإنما كان ذلك كذلك لأن الائتلاف بالتشاكل، والتشاكل بالتجانس، فإذا عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من وجه، ومع انتفاء التشاكل يعدم الائتلاف، فثبت أن التجانس _ وإن تنوع _ أصل الإخاء وقاعدة الائتلاف».
قلت: يريد أن الحالة بين اثنين _ من جنس أو صفة _ كلما كانت شديدة المماثلة والمشاكلة فإنها باعثة على شدة الائتلاف والاتفاق بينهما، وإن كانت ضعيفةً ضعف الائتلاف بينهما.
ونبه على أن ذلك ليس بقاعدة مطردة، وإنما قد تأتي المماثلة في أمر آخر غير الأمر الذي عدمت المشاكلة فيه؛ فإن
стр. 25
للإنسان صفات عديدةً وطباعًا مختلفةً قد تعدم المماثلة بين الاثنين في واحدة منها، إلا أنهما تجانسا في صفة أخرى غير الأولى، فتكون الصحبة والأخوة بسبب الثانية لا الأولى.
ولهذا كان خلق الصاحب دليلًا على خلق صاحبه، فلولا شبه خلقهما لما تصاحبا:
فقد أخرج البخاري عن عائشة _ معلقًا _، ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما
تناكر منها اختلف».
نقل الحافظ ابن حجر في كتابه «فتح الباري» عن الخطابي قوله: «يحتمل أن يكون إشارةً إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد، وأن الخير من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير ذلك؛ يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر».
ونقل عن ابن الجوزي قوله: «ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرةً ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه».
стр. 26
وأخرج أحمد والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»:
قال أهل العلم: أي: على عادة صاحبه وطريقته وسيرته، فمن رضي دينه وخلقه خالله، ومن لا: تجنبه؛ فإن الطباع سراقة.
وروى ابن أبي الدنيا في كتابه «الإخوان» عن عبد الله بن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بأخدانهم؛ فإن الرجل يخادن من يعجبه نحوه.
وقال بعض الحكماء: اعرف أخاك بأخيه قبلك.
وقال بعض الأدباء: يظن بالمرء ما يظن بقرينه.
وقال الأوزاعي: الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب؛ إذا لم تكن مثله
شانته.
ومنه قول الشاعر:
وما صاحب الإنسان إلا كرقعة ... على ثوبه فليتخذه مشاكلا
ولبعضهم:
فلا تحتقر نفسي وأنت خليلها ... فكل امرئ يصبو إلى من يشاكل
стр. 27
وقال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
ثم ذكر الماوردي أربع خصال معتبرة في إخائهم بعد المجانسة _ التي هي أصل الاتفاق _، فقال: «فالخصلة الأولى: عقل موفور يهدي إلى مراشد الأمور ... والخصلة الثانية: الدين الواقف بصاحبه على الخيرات؛ فإن تارك الدين عدو لنفسه، فكيف يرجى منه مودة غيره؟! ... والخصلة الثالثة: أن يكون محمود الأخلاق مرضي الأفعال، مؤثرًا للخير آمرًا به، كارهًا للشر ناهيًا عنه؛ فإن مودة الشرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق ... والخصلة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما ميل إلى صاحبه، ورغبة في مؤاخاته؛ فإن ذلك أوكد لحال المؤاخاة وأمد لأسباب المصافاة؛ إذ ليس كل مطلوب إليه طالبًا، ولا كل مرغوب إليه راغبًا».
٢ - ثم المواصلة، وهي مرحلة ما بعد التشاكل، وقد قال بعض الحكماء:
بحسن تشاكل الأخوان يلبث التواصل.
وقصد بها: الاجتماع والمداومة على ذلك، وهي مرتبة نتجت من المرتبة الأولى؛ وهي: الاتفاق والائتلاف.
стр. 28
ولا يراد بهذه المواصلة: بلوغ المحبة والود بينهما؛ وإنما هي مرتبة يترقب بها كل منهما الآخر للتثبت من وجود الاتفاق، فلا يكون هذا إلا بالاجتماع والمواصلة.
٣ - ثم المؤانسة، وهي شعور بشيء من الأمان والانبساط، فينطلق اللسان، حتى يفضي ذلك إلى الانشراح والسرور والتأنس.
٤ - ثم المصافاة، ويراد بها: الإخلاص فيما سيكون من مودة وإخاء؛ قال الماوردي: «وسببها: خلوص النية».
٥ - ثم المودة، قال بعض الحكماء: من جاد لك بمودته فقد جعلك عديل نفسه.
قال الماوردي: «وهذه الرتبة هي أدنى الكمال في أحوال الإخاء، وما قبلها أسباب تعود إليها، فإن اقترن بها المعاضدة فهي الصداقة».
قلت: يريد أن الصحبة تبدأ من هذه المرتبة _ وهي حصول المودة _، أما ما قبلها من مراتب فهي مقدمات لبلوغ هذه المودة، وأشار كذلك إلى أن هذه المرتبة قد تبلغ مبلغ الصداقة إذا كان من كل منهما للآخر النصر والعون.
стр. 29
٦ - ثم المحبة، قال الماوردي: «وسببها: الاستحسان».
وقد فرق أهل اللغة بين المودة والمحبة؛ قال أبو هلال العسكري في «الفروق اللغوية»: «والمحبة لا تقع إلا على المستقبل، وبه يظهر الفرق بين المحبة والمودة؛ لأن المودة قد تكون بمعنى التمني؛ كقولك: (أود لو قدم زيد)؛ بمعنى: (أتمنى قدومه)، ولا يجوز: (أحب لو قدم زيد)».
قلت: ولعل الماوردي أراد برتبة المودة: المحبة غير المعلنة؛ فإنها تكون في أول ائتمان كل منهما للآخر، ولذلك قال: «وسببها: الثقة»؛ أي: والسبب الذي أفضى إلى هذه المودة هو الثقة بينهما، أما رتبة المحبة؛ فقد جعل سببها الاستحسان، ويريد بهذا: التعدي في كتمان هذا الحب إلى إظهاره، وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» _ والله تعالى أعلم _.
والأصل في المحبة أمران:
الأول: أن تكون محبته لله.
والثاني: أن لا يفرط في هذه المحبة.
стр. 30
أما الأول؛ فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عنه، فقال: هو أن لا يحبه لطمع الدنيا.
وقد جاء في ذلك أحاديث؛ منها:
ما أخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».
وما أخرجاه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... » وذكر منهم: رجلين تحابا في الله، اجتمعا على ذلك وتفرقا.
وعند مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله _ ﵎ _ يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي».
وعند أحمد والترمذي، عن معاذ، عن النبي ﷺ ، قال: «قال الله: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء».
стр. 31
ولأبي داود هذا المعنى من حديث عمر، وفيه: «هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها».
ولمسلم من حديث أبي هريرة، أن الملك قال للذي زار أخاه: إني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه.
فمما ينبغي أن تكون فيه الصحبة والمعاشرة هو: الحب من أجل حظوظ
أخروية لا دنيوية:
قال بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكرك _ برؤيته _ ربك: خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع فتاويه»: «ومن أحب أحدًا لغير الله كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه؛ فإن أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي، والحيلولة بينه وبينه رحمة في حقه، وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه ... وكلاهما ضرر عليه؛ قال _ تعالى _: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَاب﴾».
وقال أبو حامد في «الإحياء»: «وذلك كمن يحب أستاذه وشيخه لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل،
стр. 32
ومقصوده من العلم والعمل هو: الفوز في الآخرة ... وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ويرقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء».
وأما الأمر الثاني؛ فهو عدم الإفراط في المحبة، قال الماوردي: «فإن الإفراط داع إلى التقصير».
وقد روى الترمذي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أحبب حبيبك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا
ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما»:
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث»: «يعني: لا تسرف في الحب والبغض؛ فعسى أن يصير الحبيب بغيضًا والبغيض حبيبًا، فلا تكون قد أسرفت في الحب فتندم، ولا في البغض فتستحيي».
ونقل المناوي في كتابه «فيض القدير» عن ابن العربي قوله: «معناه: أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن؛ فقد يعود الحبيب بغيضًا وعكسه، فإذا أمكنته من نفسك حال الحب وعاد بغيضًا كان لمعالم مضارك أجدر؛ لما اطلع منك حال الحب بما أفضيت إليه من الأسرار».
стр. 33
ومن ذلك: ما روي عن علي، أنه قال: ابذل لصديقك كل المروءة، ولا تبذل له كل الطمأنينة، وأعطه من نفسك كل المواساة، ولا تفض إليه بكل الأسرار.
وقال بعض السلف: إياك وكره الإخوان؛ فإنه لا يؤذيك إلا من تعرف.
وقال عمر بن الخطاب: لا يكن حبك كلفًا، ولا بغضك تلفًا.
وقال الحسن البصري: أحبوا هونًا وأبغضوا هونًا؛ فقد أفرط قوم في حب قوم فهلكوا، وأفرط قوم في بغض قوم فهلكوا.
وأنشد أحمد بن يحيى:
فهونك في حب وبغض فربما ... يرى جانب من صاحب بعد جانب
وأخرج الرافعي في كتابه «التدوين في أخبار قزوين» عن أبي إسحاق
السبيعي، أنه قال: كان علي بن أبي طالب _ ﵁ _ يذاكر أصحابه وجلاسه في استعمال حسن الأدب بقوله:
وكن معدنًا للخير واصفح عن الأذى ... فإنك راء ما عملت وسامع
وأحبب إذا أحببت حبا مقاربًا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع
стр. 34
وأبغض إذا أبغضت بغضًا مقاربًا ... فإنك لا تدري متى الحب راجع
٧ - ثم الاستحسان، فإن كان في الجمال الباطن فهو: الإعظام، وإن كان في الجمال الظاهر فهو: العشق، وقد يكون الاستحسان إعظامًا وعشقًا في آن واحد.
أما ما تكون الصحبة فيه بطريق القصد والاختيار؛ فهو على وجهين:
١ - الأول: الرغبة، قال الماوردي: «فأما الرغبة؛ فهي: أن تظهر من الإنسان فضائل تبعث على إخائه، ويتوسم بجميل يدعو إلى اصطفائه، وهذه الحالة أقوى من التي بعدها لظهور الصفات المطلوبة من غير تكلف لطلبها، وإنما يخاف عليها من الاغترار بالتصنع لها، فليس كل من أظهر الخير كان من أهله، ولا كل من تخلق بالحسنى كانت من طبعه».
٢ - والثاني: الحاجة؛ قال الماوردي: «وأما الفاقة؛ فهي أن يفتقر الإنسان لوحدة انفراده ومهانة وحدته إلى اصطفاء من يأنس بمؤاخاته ويثق بنصرته وموالاته».
стр. 35
فصل
في مقامات الإخوان ومراتبهم
واعلم أن لكل صحبة طريقةً ومقامًا، وقد ذكرها السلمي في «آداب الصحبة»، وهي: الصحبة مع الله، والصحبة مع الرسول ﷺ ، والصحبة مع الصحابة وأهل بيت النبي ﷺ ، والصحبة مع السلطان، والصحبة مع الأهل والولد، والصحبة مع الإخوان، والصحبة مع العلماء، والصحبة مع الوالدين.
وذكر أبو عثمان _ سعيد بن إسماعيل _ الحيري شيئًا من ذلك كما أخرجه السلمي نفسه عنه في كتابه «أدب الصحبة»، ومن طريقه: البيهقي في «شعبه».
فأما الصحبة مع الله؛ فبحسن الأدب ودوام الهيبة _ كما تقدم _، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، ودوام ذكره، ودرس كتابه.
стр. 36
وأما الصحبة مع الرسول ﷺ ؛ فباتباع سنته واجتناب البدع ولزوم ظاهر العلم.
وأما الصحبة مع الصحابة وأهل بيته؛ فبالترحم عليهم وحسن القول فيهم.
وأما الصحبة مع السلطان؛ فبالطاعة، إلا أن يأمر بمعصية أو مخالفة سنة،
والدعاء له بظهر الغيب ليصلحه الله ويصلح على يديه، والنصيحة له في جميع أموره.
وأما الصحبة مع الأهل والولد؛ فبالمداراة، وحسن الخلق، وسعة النفس، وتمام الشفقة، وتعليم الأدب والسنة، وحملهم على الطاعات.
وأما الصحبة مع الإخوان؛ فبدوام البشر، وبذل المعروف، ونشر المحاسن، وستر القبائح، وتعهدهم بالنفس والأموال، ومجانبة الحقد والحسد والبغي والأذى وما يكرهون من جميع الوجوه، وترك ما يعتذر منه.
وأما الصحبة مع العلماء؛ فبقبول قولهم، والرجوع إليهم في النوازل.
وأما الصحبة مع الوالدين؛ فبودهما بالنفس والمال،
стр. 37
وخدمتهما في حياتهما، وإنجاز وعدهما، والدعاء لهما في كل الأوقات ما داما في الحياة، وحفظ عهدهما بعد الممات، وإكرام أصدقائهما.
وقد جعل أبو عثمان للصحبة مع الجهال مقامًا _ كما في «شعب الإيمان» _، فقال: «والصحبة مع الجهال: بالدعاء لهم والرحمة عليهم، ورؤية نعمة الله عليك أنه لم يبتلك بما ابتلاهم به».
أما ما يخص مقام الصحبة مع الإخوان؛ فقد ذكر ابن الحاج في كتابه «المدخل» نقلًا عن شيخه أبي محمد أنها على ثلاث مراتب لا رابع لها.
فأما الأولى؛ فهي: أن يكون صاحبك مثل أبيك، وهو أعلاهم.
قال: «إذ إنه ليس للولد مع أبيه حديث في شيء؛ لقوله _ عليه الصلاة
والسلام _: «أنت ومالك لأبيك»».
وأما الثانية؛ فهي: أن يكون صاحبك مثل أخيك الشقيق، وهو أوسطهم.
قال: «وهو أقل رتبةً من الأول؛ لأن الأخ الشقيق يقاسم أخاه في جميع الأشياء، فإن أخذ الأخ دينارًا أو درهمًا أو ثوبًا
стр. 38
_ أو غير ذلك _ أخذ الأخ مثله، فكذلك ... إن لبس ثوبًا كسا أخاه مثله، وإن أكل طعامًا أطعم أخاه منه أو مثله _ إلى غير ذلك _».
وأما الثالثة؛ فهي: أن يكون صاحبك مثل عبدك.
قال: «وهي أقل الإخوان مرتبةً، فإن عجزت عن ذلك فلا أخوة إذ ذاك _ أعني: الأخوة الخاصة بالفقراء، وأما أخوة الإسلام فهي حاصلة _».
قلت: ويريد أن انخرام الأخوة المذكور لا يراد به أخوة الإسلام، وإنما هي الأخوة الخاصة بالفقراء _ من إظهار المحبة والمودة _؛ فإن معنى الأخوة قد جاء في القرآن الكريم على ضروب مختلفة كما ذكر المفسرون:
فمنها: النسب، ومنه: قوله _ تعالى _: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾.
ومنها: القبيلة، ومنه: قوله _ تعالى _: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾.
ومنها: الدين، ومنه: قوله _ تعالى _: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
стр. 39
ومنها: المعاملة، ومنه: قوله _ تعالى _: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾، وهذا على قول من قال بأن المعنى _ هنا _: أخته في الصلاح.
ومنها: المودة والمحبة، ومنه: قوله _ تعالى _: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾.
ومنها: الصحبة، ومنه: قوله _ تعالى _: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، ومن المفسرين من جعل الأخوة _ هنا _ أخوة الدين.
ثم قال ابن الحاج معقبًا على كلامه: «أعني: أن العبد يجب عليك أن تقوم بضرورته من غذائه وكسوته وما يحتاج إليه من ضروراته في صلاح دينه ودنياه ... وقد خرج البخاري من حديث المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر الغفاري وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا، فشكاني إلى النبي ﷺ ، فقال لي النبي ﷺ : «أعيرته بأمه؟!»، ثم قال: «إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم»».
стр. 40
قلت: وقد أخرج حديث المعرور بن سويد: مسلم _ أيضًا _.
والخول: هم الخدم والعبيد _ ونحوهم _، والكلمة للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: «سموا بذلك؛
لأنهم يتخولون الأمور؛ أي: يصلحونها».
ولا يتوهم من هذا الحديث وجوب إطعام السيد عبده مما يأكل وإلباسه مما يلبس؛ قال النووي في شرحه لـ «صحيح مسلم» معلقًا: «والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد وإلباسهم مما يلبس: محمول على الاستحباب لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وأما فعل أبي ذر في كسوة غلامه مثل كسوته فعمل بالمستحب، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص؛ سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه، حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله _ إما زهدًا أو شحا _؛ لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه وموافقته إلا برضاه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره».
ثم علل ابن الحاج في «المدخل» _ نقلًا عن شيخه _ نفي
следующие страницы →