← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 36539

فضل علم الوقف والابتداء وحكم الوقف على رؤوس الآيات

عبد الله الميموني

Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وقيل إن الخلاف في ذلك لفظي، فإن من قال: الراسخون في العلم يعلمون تأويله أراد به أنه يعلم ظاهره لا حقيقته ومن قال: لا يعلم أراد به لا يعلم حقيقته وإنما ذلك إلى الله تعالى (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لم يقل في المتشابه: لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله، وإنما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع، فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو والوقف هنا كما دل عليه أدلة كثيرة .. ولكن لم ينفِ علمهم بتفسيره .. والله ورسوله إنما ذم متبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله تعالى .. ) أ. هـ باختصار (٢). وفي المسألة مذهبان آخران غير مشهورين وهما ضعيفان: الأول منهما: أن الوقف على (إلا الله) ويعلمه

стр. 37

الراسخون، وإنما امتنع العطف لمخالفة علم الله لعلم الراسخين (١). والقول الثاني: القول بالوقف فلا يجزم بأحد هذه الأقوال لتعارض الأدلة (٢)، ومعلوم أن هذا القول لا يمكن العمل به في الوقف، لأنه إن وصل فقد عطف الراسخين في العلم، وأشركهم مع الله تعالى في معرفة تأويل المتشابه، فإن وصل القارئ ووقف على قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ فالوقف عليها صالح كما قاله صاحب المرشد، فإنه قال: (الوقف على ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ صالح على المذهبين).أ. هـ (٣). والراجح أن الخلاف في الأصل ليس بلفظي لأن المتشابه مختلف في المراد به وعلى هذا الخلاف ينبني الخلاف في الوقف كما تقدم. وقول أكثر العلماء وهو أن الوقف على لفظ الجلالة أصح، وهذا القول يؤيده ظاهر النظم القرآني، والأدلة التي تقدمت عند ذكره قوية، ولو لم يكن فيها إلا القراءات الثابتة

стр. 38

عن الصحابة لكان فيها دلالة قوية على ترجيحه، فكيف وقد انضاف إلى ذلك غيرها مما تقدم، هذا مع أنه لم يثبت عن الصحابة غيره. ورواية مجاهد عن ابن عباس معارضة برواية طاووس وهي أصح كما قاله السيوطي (١). بل حكى الإمام أبو المظفر السمعاني أن الصحيح رواية طاووس وتقدم قول ابن الأنباري في ذلك وتضعيفه لرواية ذلك عن مجاهد نفسه، وبينت أنه مسبوق إلى الطعن في رواية ابن أبي نجيح التفسير عن مجاهد، ولكن الراجح أنها صحيحة لأن ابن أبي نجيح ثقة وإن كان سمعه من القاسم بن أبي بزة، فالقاسم ثقة أيضًا (٢) فقد علمنا الواسطة بينه وبين

стр. 39

مجاهد في التفسير، فيكون قد دلسه عن القاسم بن أبي بزة، فإن ابن أبي نجيح معدود في المدلسين كما تقدم، لكننا في هذا الموضع نرجح رواية طاووس إذ لم يكتنفها ما اكتنف رواية مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وقال الإمام السمعاني أيضًا في كتابه قواطع الأدلة: (ونقل بعضهم ذلك عن مجاهد ولا أعلم تحققه) أ. هـ. بل زاد على ذلك بأن جعل قول بعض العلماء في اختيار هذا الوقف كبوة من كبوات الجواد (١)، كذا قال رحمه الله تعالى، ولا يبلغ الأمر ذلك، ويزاد على هذه الأدلة، ما ورد عن النبي ﷺ ففي الصحيحين عن النبي ﷺ من رواية عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ *﴾ [آل عمران: ٧]. قالت قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه

стр. 40

منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم» أ. هـ (١). فهذا الحديث دال على ذم متبعي المتشابه كالآية (٢). وذلك يدل على مدح من فوضوا علم المتشابه إلى الله تعالى وقد توسع السيوطي رحمه الله تعالى بعض التوسع في ذكر أحاديث وآثار بهذا المعنى تراجع في كتابه وهي دالة كهذا الحديث على ترجيح قول الجماهير (٣). ومعلوم أنَّ القائلين من أهل السنة والجماعة بالقول الآخر، لا يقصدون بعلم الراسخين للمتشابه أنهم يعلمون ما استأثر الله بعلمه كوقت قيام الساعة ونحو ذلك. ولكن يبقى أمور من المتشابه عند بعض العلماء كالحروف المقطعة، وبعض الآيات المتعارضة في الظاهر التي يختلفون في الجمع بينها ولا يوجد مرجح ينقطع به النزاع، ونحو ذلك. وهذه الآية من الآيات التي ينبغي على كل طالب علم أن

стр. 41

يمعن النظر في أقوال السلف ثم الأئمة المحققين في بيان معناها. والكلام عليها لا بد فيه من بيان معنى المحكم والمتشابه ومعنى التأويل فلا يصلح أن نهمل ذكره هنا لمسيس الحاجة إليه. وقد انجر الكلام على معنى الآية من باب إيضاح المثال المذكور قبل في الوقف. قال الإمام الطبري: (وأما المحكمات فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن، وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام ووعد ووعيد وثواب وعقاب وأمر وزجر وخبر ومثل وعظة وعبر وما أشبه ذلك، ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين، والفرائض، والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم، وآجلهم وإنما سماهن أم الكتاب، لأنهن معظم الكتاب وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب تسمى الجامع معظم الشيء أمًّا له فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها) أ. هـ (١).

стр. 42

وقال أيضًا: (وأما قوله ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فإن معناه متشابهات في التلاوة مختلفات في المعنى كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] يعني في المنظر مختلفًا في المطعم وكما قال مخبرًا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] يعنون بذلك تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه، تأويل الكلام إذن أن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن، منه آيات محكمات، بالبيان هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين، وإليك مفزعك، ومفزعهم، فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة مختلفات في المعاني (١) أ. هـ. والتأويل لغة: (تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه) ذكره الأزهري وبدأ به (٢). وقيل: أصل التأويل من آل الشيء يئول إلى كذا أي رجع. وقال ثعلب: التأويل والتفسير بمعنى واحد.

стр. 43

ويقال لعبارة الرؤيا: تأويل (١). والتأويل المراد في الآية: إما التفسير وإما الحقيقة التي يئول الأمر إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قد ذكرنا في غير موضع، أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يئول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقًا له وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين، فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعنى بل يريدون بالتأويل المعنى الأول أو الثاني، ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي

стр. 44

الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أريد به هذا المعنى الاصطلاحي الخاص واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ لزم من أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعنى المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن وهو جبريل ولا يعلمه محمد ﷺ ولا غيره من الأنبياء أ. هـ (١). وقال: (لفظ التأويل مجمل يراد به ما يئول إليه الكلام فتأويل الخبر نفس المخبر عنه وتأويل أسماء الله وصفاته المقدسة بما لها من صفات الكمال ويراد بالتفسير التأويل وهو بيان المعنى المراد وإن لم نعلم كيفيته وكنهه كما أنا نعلم أن في الجنة خمرا ولبنا وماء و عسلا وذهبًا وحريرًا وغير ذلك وإن كنا لا نعرف كيفية ذلك ويعلم أن كيفيته مخالفة لكيفية الموجود في الدنيا، ويراد بلفظ التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح وهذا لا يوجد الخطاب به إلا في اصطلاح المتأخرين وأما خطاب الصحابة والتابعين فإنما يوجد فيه الأولان) أ. هـ (٢).

стр. 45

واستعمال التأويل بمعنى تفسير الكلام وبيان معناه والمراد منه كثير في لغة السلف ومعروف لغة، وقد سمى الطبري كتابه: (جامع البيان عن تأويل القرآن) وأكثر فيه من استعمال كلمة تأويل، مريدًا بها معنى الكلام وتفسيره، وممن يستعمل التأويل بمعنى التفسير من مشهوري العلماء المتقدمين أبو عمر بن عبد البر (١). ومن استعمال الصحابة للتأويل بمعنى تفسير القرآن ومعناه قول جابر ﵁ في وصف حجة النبي ﷺ : "فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مدى بصري من بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به" أ. هـ (٢). فتأمل قوله في وصف أفعال النبي ﷺ : "وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله". وفي مصنف عبد الرزاق عن قتادة قال: (تسرت امرأة

стр. 46

غلامًا لها فذكرت لعمر، فسألها ما حملك على هذا؟ فقالت: كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجال من ملك اليمين، فاستشار عمر فيها أصحاب النبي ﷺ فقالوا: تأولت كتاب الله تعالى تأويله، فقال عمر: لا جرم والله لا أحلِّك لحُر بعده أبدًا، كأنه عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها) (١). وقد اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال: ١ - إن المحكم هو المعمول به وهو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ المتروك العمل به، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود، وروي أيضًا عن قتادة والربيع والضحاك وقد رواه الطبري عنهم، ولفظ ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة عنه (المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به. قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والمتشابهات منسوخة ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به (٢).

стр. 47

٢ - إن المحكم ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم والمتشابه ما اشتبهت ألفاظه من قصصهم عند التكرير في السور، ومثل لذلك بقصة موسى وتكررها مع اختلاف الألفاظ، قاله عبد الرحمن بن زيد (١). قلت: وهذا في حقيقه إن قُبل إنما هو تمثيل لنوع من المتشابه، ولا مانع من أن يكون ذلك أحد أوجه المتشابه؛ لأن الله لم يخص متشابهًا دون متشابه، ولهذا ضل بهذا التشابه في عصرنا بعض من درس قصص القرآن الكريم، ولم يوفق للفهم، فزعم أن ما في القرآن من قصص ليس حقيقة في نفسه ولهذا اختلفت عباراته من سورة إلى سورة، وزعم أن ذلك قصص فني، والعياذ بالله، كما فعل صاحب رسالة: (الفن القصصي في القرآن) (٢). ٣ - إن المحكم ما علم العلماء تأويله، وفهموا معناه، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل ما استأثر الله بعلمه دون

стр. 48

خلقه، وهذا رواه الطبري عن جابر بن عبد الله ﵁ ورجحه وبه قال الشعبي وسفيان الثوري وغيرهم، ومن أمثلة هذا، وقت قيام الساعة، ووقت خروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، والحروف المقطعة في أوائل السور، ونحو ذلك. وقد روي أن اليهود طمعوا أن يعرفوا من قبل الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور مدة الإسلام وأهله ويعلموا نهاية أجل محمد وأمته، ورجحه القرطبي وقال: (هذا أحسن ما قيل في المتشابه). ٤ - إن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تُشتبه معانيه، والمتشابه ما تشتبه معانيه، وهذا قول مجاهد. ٥ - إن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا. قاله محمد بن جعفر بن الزبير وعبارته في تفسير الطبري: (منه آيات محكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه، وأخر متشابهة في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام لا يصرفن إلى الباطل ولا

стр. 49

يحرفن عن الحق) (١). وهو قول ابن الأنباري (٢)، وأبي الحسن الكرخي من الحنفية (٣)، وأبي بكر الجصاص الحنفي (٤) والواحدي (٥) وابن عطية (٦)، وقال: (إنه أحسن الأقوال).أ. هـ. ٦ - إن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى الاستدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه واحتاج إلى نظر واستدلال، وهذا القول اختاره ابن النحاس وقال: (أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات، أن المحكمات ما كان قائمًا بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره، والمتشابهات نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يرجع فيه إلى قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦] وهذا يرجع عندي إلى القول بأن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجه

стр. 50

القول الذي قبله. ٨ - هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لم يتضح معناه لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره، اختاره الإمام الشوكاني في تفسيره وهو قريب من القول الذي قبله، فهذه الأقوال الثلاثة الأخيرة هكذا عدها جماعة من العلماء ومن تأملها علم أنها ترجح إلى قول واحد لكن القولين الأخيرين فهما زيادة إيضاح. ٩ - أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة كأعداد الصلوات واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان (١). وأرجحها في نظري القول بأن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا لأن معنى الإحكام والتشابه لغة يدل على ذلك ولأنه تعالى قال في وصف المحكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وذلك دال على أن المحكمات أصل يرد إليهن غيرهن ولو لم يكن المحكم كذلك

стр. 51

لما أمكن رد المتشابه إليه. وقد فصَّلتُ القول هنا في هذه الآية لظهور دلالتها على أهمية وفضل علم الوقف والابتداء، ولشدة الحاجة لمعرفة أقوال العلماء فيها، وتركت التوسع أكثر في تفسيرها مراعاة لمقصد هذه الرسالة. فأعود لذكر مثال آخر من كلام السلف في علم الوقف والابتداء. قال ابن النحاس: (سئل علي، ﵁، عن قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وقد رأينا الكافر يقتل المؤمن: فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٤١] قال ابن النحاس: (لما اتصل الكلام بما قبله تبين المعنى وعرف المشكل أ. هـ (١)). وهذه الآية من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

стр. 52

وقول علي ﵁ رواه الثوري في تفسيره (١) وعبد الرزاق في تفسيره من طريقه (٢)، وابن جرير (٣) والحاكم في المستدرك (٤) جميعهم من طريق الثوري عن الأعمش عن ذر عن يسيع الكندي: (جاء رجل إلى علي ابن أبي طالب فقال كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وهم يقتلون؟ فقال علي ﵁: اُدنُه، ثم قال: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أ. هـ. فهذه الآية لا يظهر معناها إلا بما قبلها، وقد أجمع المفسرون على هذا (٥). تنبيه: مصنفات المتقدمين في الوقف والابتداء ربما سميت بكتب (التمام) وبـ (المقطوع والمفصول).

стр. 53

تخريج حديث أم سلمة الذي استدل به على سُنية الوقف على رؤوس الآي روى الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦) والحاكم (٧) والدارقطني (٨) وأبو عبيد في فضائل القرآن (٩)، والفريابي في

стр. 54

فضائل القرِآن (١)، وابن أبي شيبة (٢)، والطحاوي (٣)، والبيهقي في الكبرى وفي شعب الإيمان وفي معرفة السنن والآثار (٤)، عن أم سلمة أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ وصلاته؟ فقالت: «ما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسَّرة حرفًا حرفًا». واللفظ للترمذي، قال الترمذي: "حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن أبن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة، وقد روى ابن جريح هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي ﷺ (كان يقطع

стр. 55

قراءته) وحديث الليث أصح" أ. هـ (١). وقال في موضع آخر: (غريب وليس إسناده بمتصل لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة، وحديث الليث أصح) أ. هـ (٢). فهذا الحديث عمدة العلماء الذين قالوا إن الوقف على رؤوس الآي سنة، فقد استدلوا بلفظ (كان يقطع قراءته آية آية) كما هو في بعض الروايات لكن الاستدلال بهذه الرواية من الحديث اكتنفه أمور منها: الاضطراب في ألفاظها اضطرابًا لا يبقى معه حجة في هذا اللفظ دون غيره مع كون مخرج الرواية واحدة؟ فإن الحديث يدور على التابعي الجليل عبد الله ابن أبي مليكة رحمه الله تعالى (٣)، وقد اختلف الثقات في ألفاظه اختلافًا كبيرًا، يوهن الاستدلال بهذه الرواية.

стр. 56

ومنها: الاختلاف علي ابن أبي مليكة في سنده. ولذا ضعف الإمام الترمذي والإمام الطحاوي هذه الرواية. كما سأبينه وأوضحه بجلاء إن شاء الله تعالى. وهنا سؤال مهم: هل الوقف على رؤوس الآي سنة بإطلاق حتى وإن اشتد تعلق الآية بما بعدها؟ وهل صحيح أن المحققين من علماء الوقف والابتداء يقولون بذلك؟ سند الحديث والحكم عليه هذا الحديث يدور على التابعي الجليل عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بحسب ما أشار إليه الترمذي رحمه الله تعالى، وبحسب ما اطلعت عليه من طرقه، وقد اختلف عليه فيه فرواه الليث بن سعد، وهو من الأئمة الأثبات (١) عنه عن يعلى بن مملك (٢)، عن أم سلمة، ورواه ابن جريج عنه عن أم

стр. 57

سلمة ﵂ عن النبي فلم يذكر يعلى بن مملك ووصله بذكر أم سلمة، واختلف عليه في إسناده وألفاظه، وقد أعل الترمذي رواية ابن جريج برواية الليث بن سعد وقال: (إنها أصح) كما تقدم. ويضاف إلى العلة التي ذكرها الإمام الترمذي علل منها: أن ابن جريج مدلس ولم يصرح بالسماع، وقد وصفه جماعة بالتدليس (١)، وممن وصفه بالتدليس الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال: (إذا قال ابن جريج (قال) فاحذره، وإذا قال (سمعت) أو (سألت) جاء بشيء ليس في النفس منه شيء (٢). ومنها: إن اختلف عليه في إسناد الحديث فرواه في أكثر الروايات كما ذكر الترمذي عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة، بإسقاط الواسطة بين ابن أبي مليكة وأم سلمة فلم يذكر يعلى بن مملك، ورواه مرة أخرى، فزاد فيه ذكر يعلى بن مملك، ولفظ هذه الرواية عن ابن أبي مليكة أن يعلى بن مملك أخبره.

стр. 58

«أنه سأل أم سلمة عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: كان يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح» (١). ولا يقال إنها رواية أخرى لأن بين الروايتين توافق واضح في الإسناد وفي المتن وليست فيما يظهر اختصارًا لبعض الحديث فقط فإن فيها سؤال يعلى، وهو مقل من الرواية جدًا لأم سلمة ﵂. وأما يعلى بن مملك فهو: حجازي يروي عن أم الدرداء وأم سلمة ﵂ ويروي عنه ابن أبي مليكة (٢)، وقال فيه النسائي (ليس بذلك المشهور) أ. هـ (٣)، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أجد فيه توثيقًا عند غيره (٤)، وفي ميزان

стр. 59

الاعتدال: (ما حدث عنه سوى ابن أبي مليكة) وفي التقريب: (مقبول) (١). فلم يثبت فيه أكثر من رواية ابن أبي مليكة عنه ففيه جهالة، وأحسن مراتبه أن يكون مقبولاً إذا توبع، ولهذا وصفه بذلك الحافظ ابن حجر في التقريب، ورواه ابن جريج مرة عن أبيه عن ابن أبي مليكة ومرة عن ابن أبي مليكة من غير واسطة (٢) فهذا الاختلاف على ابن جريج في إسناد الحديث. وأما والد ابن جريج وشيخه في هذه الطريق فهو عبد العزيز بن جريج

стр. 60

القرشي المكي فيه ضعف، فقد قال البخاري فيه: (لا يتابع في حديثه) (١) وذكره ابن حبان في الثقات (٢)، وفي التقريب: (لين الحديث) (٣). وقد اختلفت ألفاظ الحديث وقد مضى بعضها، ففي رواية عن ابن جريج أن النبي ﷺ : (كان يقطع قراءته آية آية) وفي رواية كان يصلي في بيتها فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ... إلخ﴾ (٤) وفي لفظ: (كان يقطع قراءته الحمد لله رب العالمين) ثم يقف ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف .. (٥) وفي لفظ (فقطعها وعدها آية آية وعدَّها عد الأعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد (عليهم) (٦)، وهذا اللفظ الأخير من رواية عمر بن هارون (٧)، عن ابن جريج وهي طريق ضعيفة

стр. 61

لضعف عمر بن هارون، ولذا ضعفها الإمام البيهقي (١)، وابن الجوزي (٢)، والذهبي (٣)، والزيلعي (٤)، وابن التركماني (٥)، وفي بعض روايات الحديث عن ابن جريج: (فوصفت قراءة بطيئة) (٦)، وأما في رواية الليث بن سعد: (فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) وقد تقدمت فهذه علل أخرى تضاف إلى مخالفه لرواية الليث بن سعد فرواية الليث بن سعد أرجح كما قال الترمذي للاختلاف على ابن جريج، ولأن الليث إمام ثقة ولم يختلف عليه وقد زاد رجلاً في الإسناد وهو يعلى بن مملك، وذلك دال على أن ابن أبي مليكة لم يسمع الحديث من أم سلمة، وتجويز صاحب تحفة الأحوذي لكون ابن أبي مليكة سمعه أولاً من يعلى ثم سمعه

стр. 62

من أم سلمة بلا واسطة ضعيف في هذا الموطن لا يلتفت إليه أرباب العلل. والاختلاف على ابن جريج في لفظه كبير فهذا اضطراب تضعف به رواية ابن جريج والمقصود أن في بعض طرق الحديث ما يدل على أن ابن جريج قد دلسه ولم يسمعه من شيخه ابن أبي مليكة كما أن فيها مخالفة في كثير من الألفاظ. طريق أخرى للحديث: روى الإمام أحمد (١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢)، والداني (٣) بسند صحيح من طريق نافع بن عمر الجمحي وهو ثقة (٤)، عن ابن

стр. 63

أبي مليكة عن بعض أزواج النبي ﷺ : (أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ فقالت إنكم لا تستطيعونها قال قيل لها أخبرينا بها قال: فقرأت قراءة ترسلت فيها قال نافع وحكى لنا ابن أبي مليكة الحمد لله ثم قطع الرحمن الرحيم ثم قطع مالك يوم الدين) أ. هـ (١). ووقفه هنا على: (الحمد لله) هكذا هو في بعض الروايات عن نافع؟ وليس الموقوف عليه رأس آية، فإذا صح عارض الرواية التي استدل بها على الوقف على رؤوس الآي ودل على أنها رويت بالمعنى. وفي لفظ قالت: (الحمد لله رب العالمين تعني (الترسيل) (٢).أ. هـ (٣) والترسُّل والترسيل في القراءة معناه التحقيق بلا عجلة، يقال ترسل في قراءته إذا اتأد فيها وتمهل (٤) وفي رواية عن نافع قال:

стр. 64

(أظنها حفصة ﵂ (١) وفي رواية عن ابن أبي مليكة: (لا أعلمها إلا حفصة) (٢) والجهالة بالصحابي لا تضر لكن رواية الليث بزيادة يعلى بن مملك، تدل على أن ابن أبي مليكة لم يسمعه من أم سلمة، والليث لم يشك أن الحديث عن أم سلمة فهذا يدل على أنه حفظ. وقد يكون الاختلاف من ابن أبي مليكة وقد وجدت لرواية الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك متابعًا لكنه ضعيف لا ينهض، فقد روى الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد المهمذاني العطار (ت: ٥٦٩هـ) من طريق عمر بن قيس الملقب بسند المكي عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك، قال: كتبت إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، فقلت: كيف كان رسول الله ﷺ يقرأ؟ قال: (كذا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يبينه اسمًا اسمًا وحرفًا حرفًا، حتى يفرغ).أ. هـ (٣). لكن سندل على أنه ضعيف بل متروك، تركه النسائي

стр. 65

وغيره، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه لا يتابع عليه) وقال أيضًا (ضعيف بالإجماع) (١). وأما رواية أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، للحديث عن الليث عن ابن لهيعة عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة ﵂ عند الطبراني (٣٢/ ٢٩٢) فزيادته لابن لهيعة بين الليث وبين ابن أبي مليكة لا تعلل رواية الأئمة الحفاظ عن الليث عن ابن أبي مليكة بلا واسطة وممن رواه عبد الله بن المبارك وصرح فيه بتحديث ابن أبي مليكة للإمام الليث بن سعد (٢)، وقتيبة عند الترمذي والنسائي ويزيد بن خالد بن موهب عند أبي داود، كلهم إثبات ثقات وقد خالفوا عبد الله بن صالح كاتب الليث فهي من أوهامه فإن فيه ضعفًا (٣).

стр. 66

وقد وهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى هنا على الترمذي، فحكى عنه خلاف ما في السنن حين أراد الرد على الطحاوي، وذلك أنه قال: (وأعل الطحاوي الخبر بالانقطاع فقال: لم يسمعه ابن أبي مليكة من أم سلمة واستدل على ذلك برواية الليث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة أنه سألها عن قراءة رسول الله: فنعتت له قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، وهذا الذي أعلَه به ليس بعلة فقد رواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة وصححه ورجحه على الإسناد الذي فيه يعلى بن مملك).أ. هـ (١) بحروفه. فهذا الذي حكاه عن الإمام الترمذي خلاف ما في سننه وإنما رجح الترمذي رواية الليث التي فيها يعلى بن مملك في

стр. 67

موضعين من سننه كما تقدم وهو الذي نقله عنه غير واحد من العلماء (١) وكذلك هو في تحفة الأشراف للمزي نقلاً عن الترمذي (٢)، وأما الطحاوي فقد أشار إلى تعليل الحديث برواية الليث بن سعد لأنه زاد فيه رجلاً بين ابن أبي مليكة وبين أم سلمة (٣)، كما صنع الترمذي، فاتفق مع الترمذي ولم يختلف معه. خلاصة القول الذي يظهر لي في هذا الحديث أنه حسن وأحسن طرقه طريق الليث وليست صحيحة لأن يعلى بن مملك مستور ولم يحدث عنه إلا ابن أبي مليكة وقد تفرد بالحديث وطريق ابن جريج ضعيفة لاضطراب ابن جريج فيها ولتدليسه ومخالفته للإمام الليث بن سعد، والإشكال في جميع الروايات الاختلاف في ألفاظ الحديث، وهذا ما جعل الإمام الطحاوي يضعف الرواية بذلك فإنه قال: (قد اختلف

стр. 68

الذين رووه في لفظه) (١). فإن قيل قد صحح الإمام الدارقطني طريق ابن جريج وقال: (كلهم ثقات (٢) وصححها أيضًا الإمام الذهبي في مختصر الجهر بالبسملة (٣)، وصححها النووي (٤)، فالجواب: من صححها لم يذكر عند التصحيح الطريق الأخرى للرواية فصححها بظاهر سندها، ولكن من أعلها كالترمذي ذكر الطريقين وبين وجه الترجيح بينهما، ولذا ليس في كلام كل من الدارقطني والذهبي، والنووي إشارة إلى طريق الليث ومخالفته لابن جريج ولولا ذلك ما نزل الحديث عن رتبة الصحيح فتبين بهذا أن هذه الطريق المشتملة على اللفظ الذي استدل به معلولة بطريق الليث كما ذكر الترمذي كما تقدم. فالحديث حسن من طريق الليث وضعيف من طريق ابن جريج، وطريق نافع الجمحي أحسن من طريق ابن جريج

стр. 69

لكن خالفه الليث وهو إمام فزاد في الإسناد رجلا ولم يشك أنه عن أم سلمة. وقال ابن الجزري ﵀: (هو حديث حسن وسنده صحيح) (١) فلم يقل هو حديث صحيح مع احتفاله بمسألة الوقف على رؤوس الآي (٢). معنى الحديث جعل علماء الوقف وغيرهم هذا الحديث أصلاً في باب الوقف على رؤوس الآي (٣)، وفيه ما قد ذكرت من العلل والاختلاف في ألفاظه، ولكن الحديث بمجموع ألفاظه وطرقه إنما يدل على التأني والترسل والتمهل في قراءة النبي ﷺ وذلك مستفاد أيضًا من وصف أنس لقراءة النبي ﷺ حين سُئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: (كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن

стр. 70

الرحيم يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم) (١)، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرتل القرآن فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] قيل في معناها: بينه تبيينا (٢) وترسل فيه ترسلا (٣) وذلك أدعى لفهم القارئ ولفهم المستمعين وهو المقصد الأعظم من إنزال القرآن فما أنزل الله كتابه على عباده إلا ليتدبروه ويتفهموه مراد الله تعالى، ولذا كان النبي ﷺ يقرؤها كما وصف أنس وكما أخبرت أم سلمة: (قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) وفي الرواية الأخرى ذكر الراوي الترسل، فكان ﷺ يقرؤه كما أمره ربه تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].

стр. 71

قال مجاهد وغيره: على تؤدة (١). وهذا ما جعل أكثر السلف يفضلون القراءة المتأنية المترسلة، فثبتت أن مجاهدًا رحمه الله تعالى سئل عن رجلين أحدهما قرأ البقرة وآل عمران والآخر قرأ البقرة قيامهما واحد وركوعهما وسجودهما واحد وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ٤٦] رواه ابن المبارك في الزهد (٢) وأبو عبيد في فضائل القرآن (٣) وابن أبي شيبة وغيرهم (٤)، وثبت أن أبا جمرة الضبعي قال: قلت لابن عباس ﵄: إني سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث، قال: (لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول) رواه أبو عبيد وغيره (٥)، وفي الأخبار الثابتة: أن عمر ﵁: قرأ في

стр. 72

صلاة الفجر بسورة يوسف والحج قراءة بطيئة، رواه مالك وغيره (١)، وكان بعض الصالحين من السلف معروفًا ببطء القراءة ومن هؤلاء الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: فقد كان يقرأ قراءة حزينة شهيبة بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانًا (٢) فهذه الآثار وغيرها تبين معنى الحديث وتدل على استحباب الترتيل. قال: الإمام محمد بن الحسين الآجري: (والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إليَّ من كثيرٍ من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، فظاهر القرآن يدل على ذلك والسنة وأقوال أئمة المسلمين) أ. هـ (٣). والكلام في الترتيل وبيان ما قاله العلماء في هذه المسألة ليس هذا موضعه، وإنما المقصود بيان على أن الأحاديث والآثار دلت على فضل الترتيل وأنه أفضل من الإسراع في القراءة وهو مذهب معظم السلف والخلف (٤). فألفاظ الأحاديث يبين بعضها بعضًا، وبخاصة مع تجوز

стр. 73

الرواة في رواية الأحاديث بالمعنى، فمتى ما جمعت طرق الأحاديث تبين بالنظر فيها علل الأحاديث واتضحت معانيها، ولذا حظي أئمة الحفاظ على جمع طرق الأحاديث كما هو معلوم، وألفاظ الحديث المتقدم تدل على التمهل والتأني في القراءة وتبيين الحروف وذلك يستنبط منه مراعاة الوقف على رؤوس الآي؛ فإن رؤوس الآي مقاطع في أنفسهن، وأكثر ما يوجد التام عندهن، قال ابن النحاس: (من التبيين تفصيل الحروف والوقف على ما تم معناه منها) (١) فليس في الحديث نص على تعمد النبي ﷺ الوقف على رؤوس الآي في كل حين، كما يدعيه بعض القراء المتأخرين، فضلاً عن الاستدلال به على أن النبي ﷺ كان يقف على رؤوس الآي حتى وإن اشتد تعلقها بما بعدها وهو ما نستثنيه بلا شك. فمعنى الروايات دل على التمهل والترسل في القراءة وإن أمكن أن يستنبط من ذلك مراعاة الوقوف عند تمام المعاني فلا بأس كما فعله بعض العلماء كابن النحاس والسخاوي. وأما القول بأن ﷺ كان يواظب على ذلك

стр. 74

فلا يساعده النقل ولا يؤيده المعنى وهذه الروايات قد ذكرتها وليس فيها إلا ما ذكرت. والله أعلم. وقد قيل في الجواب عن الحديث بأنه جاء لتعليم الفواصل ولبيان لجواز لا للتعبد فلا يكون الوقف عليها سُنة؛ إذ لا يسن إلا ما فعله ﷺ تعبدًا (١). وقد أطال الشيخ الضباع ﵀ (٢) في ترجيح القول بسُنية الوقف مطلقًا، ومرجع كلامه وكلام غيره من المتأخرين دائر حول تعميم بعض ألفاظ الحديث الوارد، ظنًّا منهم أن الوقف على رؤوس الآي ثابت أنه سُنة لا يختلف في ثبوتها وأن ألفاظ الحديث لم يضطرب فيها الرواة. لكن الراجح ما ذكرته وكثير من القراء المتأخرين مقلدين في تخريج الحديث فضلاً عن الحكم عليه والنظر في كلام الأئمة النقاد فيه حتى أن بعضهم عزا تخريج حديث أم سلمة المتقدم إلى الصحيحين (٣).

стр. 75

والأوصاف الثابتة لقراءة النبي ﷺ : ثلاثة: المدُّ والتحقيق (١)، بغير ترجيع. والترديد والترجيع (٢)، وهو قليل. والقراءة حرفًا حرفًا وآية آية، بترسل وترتيل وتقطيع (٣)، وأحسن من رأيه تكلم بالأسانيد على الأوصاف الواردة في قراءة النبي ﷺ هو الإمام الحافظ المقرئ أبو العلاء الهمذاني الحنبلي وقد قال: (هذه الأوصاف الثلاثة التي ذكرناها صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ وقد ورد عنه من وجه فيه نظر وصف رابع) أ. هـ (٤) والوصف الربع الذي ذكره هو (الزمزمة) (٥).
следующие страницы →