← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36541

معالم على طريق العفة

عبد الله الوطبان

Полный текст (83 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تقديم الحمد لله رب العالم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فقد اطلعت على الرسالة التي كتبها الأخ عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان والتي بعنوان: «معالم على طريق العفة» فألفيتها رسالة مفيدة، تساهم في معالجة موضوع مهم تساهل فيه كثير من الناس، وغفلوا عن آثاره العاجلة والآجلة أسأل الله أن ينفع بها، وأن يرزقني وكاتبها ومن قرأها الإخلاص في القول والعمل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ناصر بن سليمان العمر ١٧/ ١/١٤١٢هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحابته الطاهرين، أما بعد: فإن هذا الدين جاء للمحافظة على أمور خمسة وهي ما تسمى بالضرورات الخمس وهي «الدين والنسل والعقل والمال والنفس» فكل أدلة هذا الشرع وأوامره ونواهيه متفقة على المحافظة على هذه المقاصد، ومن هذه المقاصد كما سبق النسل أو النسب وإن من لوازم ذلك المحافظة على العرض ولقد جاءت النصوص الشرعية التي تحث على المحافظة على العرض في حق الرجل والمرأة من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى:

стр. 3

﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠]. وقال ﷺ : «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة» (١). وقد سئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: «الأجوفان يعني: الفم والفرج» (٢). ولقد شرع الإسلام عدة وسائل بها يتحقق للمسلم محافظته على فرجه بل وبها يتحقق للمجتمع سلامته من الشرور فكما أن المحافظة على الفرج أمر واجب فكل وسيلة إلى انتهاك ذلك محرمة ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فهو هنا نهى عن القربان ولم يقل ولا تفعلوا الفواحش أو ولا تزنوا إنما نهي عن القربان إذًا فكل وسيلة إلى الزنا أو الفواحش

стр. 4

يجب تجنبها والبعد عنها، وإن هذا الأمر وهو معلوم أهميته فإنه في هذا الزمن أشد أهمية حيث - والعياذ بالله - تيسرت فيه وسائل الشر ومغرياته وخصوصًا في حق الشباب. وسنذكر - إن شاء الله - بعض ما تيسر من هذه الوسائل ويمكن أن نجعلها على أقسام وهي كما يأتي: أ- وسائل يشترك فيها الذكر والأنثى وهي: أولاً: الأمر بغض البصر: قال تعالى في حق الرجال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال تعالى في حق النساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. فإن غض البصر في حق كل من الرجل و المرأة وسيلة عزيمة من وسائل حفظ الفرج، فإن البصر منفذ إلى القلب، وإن أكثر الشرور مبدؤها من النظر، قال ﷺ لعليّ ﵁: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن

стр. 5

الأولى لك وليست لك الآخرة» (١). وعن جرير بن عبد الله قال: «سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» (٢). وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، قال: «هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها فإذا غفلوا لحظ فإذا فطنوا غض» (٣). وغض البصر يكون عن النظر إلى النساء والمردان إما مباشرة أو صورة عن طريق مجلة أو تلفاز ومن الملاحظ أن البعض تجده يتورع عن النظر إلى صورهم قد يكون أشد لتمكنه من الاستمرار في النظر إلى هؤلاء مباشرة ولا يتورع عن ذلك إذا وجدهم في مجلة أو غيرها مع أن النظر إلى صورهم قد يكون أشد لتمكنه من الاستمرار في النظر إلى هؤلاء، إذًا فمن أعظم وسائل حفظ الفرج غض البصر في كل الجنسين حق فكم من نظرة جلبت على

стр. 6

صاحبها شرًا عظيمًا وبقيت أثر هذا النظرة في قلبه لا تفارقه، ومن فضل الله ، أن جعل للعين جفنًا متى رأى ما لا يحل له النظر إليه فإنه مباشرة يغض بصره لا يكلفه جهدًا ولا يكلفه أن يضع يده على عينه والله الحافظ. والواجب على المسلم البعد عن الأماكن التي تسبب له وقوعه في النظر إلى ما حرم الله قدر استطاعته مثل الأسواق والشواطئ المختلفة والمختلطة. ثانيًا: ومن هذا الوسائل تحريم الغناء: والغناء بريد الزنا، والغناء يدعو إلى الفاحشة ومقدمتها بما فيه من سهرات فاجرة وأصوات تحضر بها الشيطان وما ظنك بمجلس حضرت فيه الشياطين - توسوس لأصحابه بالفحشاء -، والأمر في تحريم الغناء أمر معلوم، قال ﷺ : «يأتي أقوام من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» (١). فهو هنا قال: يستحلون إذًا هو محرم فاستحلوه

стр. 7

ثم هو قرنه بأشد الفواحش وهي الزنا ولبس الحرير وشرب الخمر. ثالثًا: ومن الوسائل الامتناع عن الفكرة المحرمة: معلوم أن التفكير في حد ذاته لا يأثم عليه الإنسان كما قال ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١)، ولكن الفكرة وإن كانت في أصلها غير محرمة لكن الاستغراق في التفكير بالحرام خطير على الإنسان خصوصًا الشاب والفتاة ولذلك إذا جاء الإنسان خاطرة وفكرة بالحرام فإن الواجب عليه قطعها أو إذا وقع في نفسه التفكير بمحاسن امرأة أو أمرد .. أو تخيل المعصية فليقطع هذا التفكير ويشغل فكره بالخير من مدارسة العلم أو التفكر في مخلوقات الله، وهذا التفكير غالبًا ما يأتي عند الانفراد أو النوم وسوف يكون للانفراد كلام، أما النوم فالواجب على الشخص أن يشغل نفسه عن هذه الخواطر قبل النوم بذكر الله،

стр. 8

وأوراد النوم وليحاول أن لا يأتي إلى الفراش إلا وهو يحس بقرب النوم وذلك مثلاً بالقراءة قبل النوم حتى يحس بقرب النوم ثم يضطجع على فراشه أو بإجهاد نفسه ذاك اليوم بالأعمال المفيدة فإذا أتى إلى فراشه نام مباشرة والله المستعان. رابعًا: ومنها التأدب بآداب الاستئذان: فإن المجتمع المتأدب بآداب الاستئذان من أبعد المجتمعات عن الشرور بإذن الله فبالاستئذان تحفظ العورات فإنما جعل الاستئذان من أجل البصر كما ورد عنه ﷺ في الحديث المتفق عليه (١) ومن هذه الآداب والأحكام ما يلي: أ- دل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، على وجوب الاستئذان وعلى تحريم دخول إنسان بيت غيره حتى

стр. 9

يستأذن (١). ب- الاستئذان يكون ثلاث مرات يقول في كل مرة السلام عليكم أأدخل؟ كما دل عليه حديث أبي موسى الأشعري في استئذانه على عمر ﵁ حيث قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع» (٢). «وذكر ابن حجر أن التنحنح ونحوه يقوم مقام السلام لكن والله أعلم أن الأظهر أن السلام هو المشروع وهو معنى تستأنسوا كما دل عليه فعل الرسول ﷺ ؛ حيث إنه استأذن على سعد بن عبادة فقال: «السلام عليك ورحمة الله فعل ذلك ثلاثًا ثم لمَّا لم يجب رجع» (٣). ج- إذا تحقق المستأذن من سماع أهل البيت استئذانه ولم يجيبوه عليه أن يرجع. د- كان رسول الله ﷺ : إذا أتى باب قوم لم

стр. 10

يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: «السلام عليكم ... » (١). هـ- كذلك: «إذا قال له صاحب البيت من أنت فالسنة أن يذكر اسمه ويفصح عنه كما في حديث جابر حيث يقول: «أتيت النبي ﷺ في ديْن كان على أبي فدققت الباب فقال: «من ذا؟» فقلت أنا، فقال: «أنا أنا» كأنه كرهها» (٢). و- قال الإمام الشنقيطي ﵀: «اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر وذلك لا يحل له». انتهى كلامه (٣). ولقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع كان ابن عمر ﵁ إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن (٤)، ومن طريق علقمة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: «أأستأذن على

стр. 11

أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تريد أن تراها» وسأل رجل حذيفة: «أأستأذن على أمي فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره»، وكذا روي عن ابن عباس ﵄ وابن مسعود وطاوس وغيره (١). إذًا فالواجب على كل مسلم التأدب بهذا حتى مع أقرب الناس إليه من أمه وابنته وأخته وغيرهنَّ من المحارم، لأن ذلك من أعظم الوسائل لحفظ العورات والفروج لكن الزوج مع زوجته لا يجب عليه ذلك لأن بينهما من الأحوال ما ليس بين غيرهما. وسئل عطاء ﵁: «أيستأذن الرجل على امرأته قال: لا لكن الأولى أن يُعْلِمها بدخوله ولا يفاجئها به لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها، ذكر ذلك ابن كثير، وقال: إن امرأة ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه» قال: وإسناده صحيح (٢). ز- بل ومن أجل المحافظة على حقوق الناس وعوراتهم والمحافظة على المجتمعات من الفساد والانحراف جاز لصاحب البيت إذا وجد أحدًا ينظر

стр. 12

إلى بيته أن يفقأ عينه التي نظر بها قال ﷺ : «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (١)، وقال ﷺ : «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد جاز لهم أن يفقؤوا عينه» (٢). قال الإمام البخاري في صحيحه: «باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له» (٣). خامسًا: ومن هذه الوسائل تحريم القذف: ووضع لذلك عقوبة زاجرة بجلده ثمانين جلدة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فهذا التشريع يحفظ للناس حقوقهم ويحفظ المجتمع من انتشار الفاحشة والتساهل فيها لكن حينما يطلق الإنسان لسانه في أعراض الناس فإن هذا سبب في فساده هو وإفساد غيره وتصبح بذلك الفواحش أمرًا

стр. 13

منتشرًا وشائعًا بين المجتمع فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين. سادسًا: ومن الوسائل تجنب البذاءة والفحش في القول والفعل: قال ﷺ : «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذي» (١). أما إذا كان الشخص صاحب فحش في القول أو الفعل فإن هذا أدعى إلى جراءته على الفواحش ولذلك مما يؤخذ على البعض أنه إذا جلس مع بعض أقرانه تحدث بقول فاحش وقصص فاحشة تحرك في مكامنه ومكامن من يسمعه فعل الفاحشة والشهوة؛ بل ويكثر عند الشباب وربما الأطفال بعض الأقوال الفاحشة والتصرفات الفاضحة مع عدم نهي الوالدين لهم والله المستعان. سابعًا: ومن الوسائل التي شرعها الإسلام لحفظ الفرج: الأمر بالزواج في حق كل الجنسين: قال ﷺ :

стр. 14

«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج» (١). فالزواج والتبكير فيه- في حق الرجل و المرأة- من أعظم وسائل الحفظ وأما المعاذير التي يعتذر بها شباب هذا الزمن وفتيانه من إكمال الدراسة أو تأمين المستقبل أو غير ذلك فهي أعذار لم ينزل الله بها من سلطان قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. ثامنًا: ومنها ترك وتجنب الانفراد والوحدة من غير حاجة أو في غير طاعة الله: فإن الشخص إذا انفرد على غير طاعة كقراءة القرآن أو الصلاة أو مذاكرة بعض العلم إذا كان الانفراد لغير هذا فإنه سبب لحضور الشيطان ووسوسته لهذا الشخص بفعل ما يحرم عليه ومحاولة إثارة بعض الخواطر المحرمة فلذلك مما ينصح به: ترك الانفراد والوحدة، وإذا اضطر إليها الإنسان فالواجب

стр. 15

عليه أن يشغل نفسه بما يقطع عليه وحدته كسماع ما ينفع أو قراءة ما ينفع أو غير ذلك من الكتابة ونحوها مع استشعار مراقبة الله، فتذكر وأنت وحدك أن هناك من يراك بل ومعك ملكان يكتبان عليك كل ما تعمله والله أعلم. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الوحدة أن يبيت الرجل وحده أو يسافر وحده» (١). تاسعًا: ومنها مجالسة أهل الخير والبعد عن مجالسة أهل الشر: فإن كثيرًا من أسباب انحراف الشباب بسبب الجليس ومما ينبغي التنبيه عليه أن من واجب الأب معرفة جلساء ابنه مع من يذهب ويأتي، قال ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٢). فالفتاه بسبب زميلة لها في المدرسة أفسدتها بأساليب خبيثة

стр. 16

عن طريق إعطائها أرقام هواتف أو صور، أو ذكرت مغامرات لها أو لغيرها من مثيلاتها من الساقطات؛ فجليس السوء مثل نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه رائحة كريهة كما ذكر ذلك المصطفى ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري (١). فقال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. عاشرًا: ومنها الصوم: قال ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» إلى أن قال: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٢). فالصوم يخفف حدة الشهوة وتأثير الشيطان ووساوسه وقد جاء في الحديث: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» (٣). الحادي عشر: ومن الوسائل إقامة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

стр. 17

فإن إقامة ذلك سبب لحفظ المجتمع من الفواحش والمنكرات وتركه سبب لانتشارها وتجرؤ أهل الفساد على نشر فسادهم، ولذلك كلما كان لأهل الحسبة المكانة والقوة والتمكين قل الفساد، فبهم بعد الله يمتنع أهل المعاكسة في الأسواق وغيرها من فعلهم وبهم بعد الله تُغلق كثير من دور الشر والفساد، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. وقال ﷺ : «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا أو ليوشكن الله أن يضرب قلوب بعضكم ببعض ويلعنكم كما لعنهم» (١). فإقامة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البيت والسوق والمدرسة والشارع وفي كل مكان يحفظ بذلك العورات والأعراض، ويشمل ذلك العناية بدعم الاحتساب الرسمي أو الاحتساب التطوعي وممارسته بما يمكن من الوسائل المشروعة. الثاني عشر: ومنها التفريق بين النائمين في المضاجع: قال ﷺ : «مروا أولادكم

стр. 18

بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر. وفرقوا بينهم في المضاجع» (١). فبعد مرحلة العاشرة يجب التفريق بين النائمين حتى لا يحصل منهم حركة أو تصرف يكون سببًا فيما لا تحمد عقباه، والتفريق بينهم بأن يكون بينهم مسافة يستحيل بها إن شاء الله وقوع المحذور، أو إيجاد حاجز وفاصل يمنع ذلك أيضًا، وليس هذا من باب الظن أو الشك كما يتوقع أو يظن بعض الناس؛ ولكن هذا من أخذ الاحتياطات فالنائم قد يقع منه ما ليس في مقدوره وقد يتصرف تصرفات لا شعورية يكون بها أحيانًا شر عظيم والله المستعان. الثالث عشر: ومن الوسائل أن يحسن كل من الأبوين تربية أبنائهم منذ الصغر: ولذلك من الملاحظ أن بعض المنحرفين أخلاقيًا حينما تنظر في حاله تجد أن ذلك بدأ معه منذ نعومة أظفاره وصغر سنه، وإهمال الوالدين لتربية أبنائهم سبب في انحرافهم حال البلوغ، وهذا الإهمال إما بعدم

стр. 19

المتابعة أو بجلب مربِّية مفسدة له أو بجلب أفلام الفساد وتمكينهم من قنوات الفساد وشبكة الإنترنت، أو بعدم متابعته في المدرسة أو غير ذلك من مظاهر الإهمال. الرابع عشر: ومن الوسائل التي شرعها الإسلام نهي الزوجين أن يتحدثا لأحد بما حصل بينهما من الوقاع ونحوه: حيث قال ﷺ في ذلك: «إنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون» (١). الخامس عشر: ومنها عدم السفر إلى بلاد التحلل والفساد: فإن كثيرًا من أسباب انحراف البعض سفره لبعض البلدان الكافرة والمتحللة ولذلك لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار إلا لضرورة حددها أهل العلم واشترطوا لذلك شروطًا معروفة تراجع في مظانِّها. السادس عشر: ومنها الابتعاد عن قراءة أو سماع كتب أو كلام الجنس:

стр. 20

فإن قراءة أو سماع هذا النوع من الكلام سبب لإثارة الشهوة فقد يصعب بذلك حفظ الفرج، وللأسف فإن هذه الكتب لها رواج عند البعض والواجب البعد عنها، والواجب كذلك على من له أي مسئولية على أحد أن يمنعه منها ذكورًا كانوا أو إناثًا. السابع عشر: ومن هذه الوسائل الحرص على ستر العورة كل العورة في حق الرجل أو المرأة: ومما يكثر التساهل به في حق الشباب هو إظهار الفخذ، والفخذ عورة كما جاء الحديث الذي رواه أحمد والحاكم وهو في صحيح الجامع ٢/ ٧٦٣، وينبغي أن يعوّد الطفل على ذلك وأن يكون لديه شعور بالحياء حتى منذ صغره، ولأجل ذلك أوجب الإسلام ستر العورة عند قضاء الحاجة، بل وإن تساهل بعض المحارم في البيوت بستر العورة قد يقع به أمور يندى لها الجبين وتنفطر لها القلوب - نسأل الله لنا ولكم الحفظ والستر - ويكون سببها التساهل بستر العورة.

стр. 21

الثامن عشر: ومنها أن الإسلام منع الزواج ممن عرف أو عرفت بالفاحشة إذا لم يتوبا: قال : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾] النور: ٢] فهذا أخذًا بالحيطة إذ أن من اعتاد الفاحشة لا يأمن أن يُعاودها. التاسع عشر: ومن أعظم الوسائل لحفظ الفرج في حق الرجل و المرأة هو دوام خوف الله وتقواه ومراقبته: وهي والله من أعظم الوسائل وأعظم مثال على ذلك يوسف ﵇ حيث إن جميع أسباب الوقوع في الفاحشة قد وجدت في حقه فإنه شاب غريب في بيت العزيز والتي دعته امرأة العزيز فهو صاحب سلطان (أي العزيز) وغلقت الأبواب وهي الطالبة حيث قالت: هيت لك، ثم هي مع ذلك كله تهدده بالسجن، لكن مع ذلك كله يتذكر مراقبة الله له، حيث قال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا

стр. 22

يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]، بل وقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلى ظله «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله» كما في الحديث عن الرسول ﷺ (١). ولذلك إذا انفرد الإنسان وخلا يريد فعل شيء من ذلك؛ فليتذكر مراقبة الله له وليخف الله ويتقه، قال ﷺ : «اتق الله حيثما كنت» (٢). وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان فاستح من نظر الإله وقل لها: ... إنّ الذي خلق الظلام يراني

стр. 23

ب- وسائل خاصة بالرجال: وبعد معرفة الوسائل التي يشترك فيها الذكر والأنثى هناك وسائل تختص بالذكور إلى جانب الوسائل المشتركة وهذه الوسائل الخاصة ما يلي: أولا: نهى الرجل عن أن يغيب عن زوجته مدة طويلة أو عدم إعطائها حقها من المبيت وتوابعه: قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. والمعنى أن الرجل إذا حلف ألا يطأ زوجته أربعة أشهر فأكثر كان مواليًا فإما أن يرجع في تلك المدة فيطؤها ويكفر عن يمينه، وإلّا تطلق منه بمجرد انتهاء المدة حتى لا تتضرر الزوجة.

стр. 24

ثانيًا: ومن هذه الوسائل النهي عن مصافحة المرأة الأجنبية: عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له» (١). وقال ﷺ : «واليد تزني وزناها البطش» (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: «ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها» (٣). فهذا رسول الله ﷺ أطهر الناس وأملكهم لإربه وشهوته ومع ذلك كان لا يصافح غير محارمه. إذا فلا يجوز للرجل أن يصافح امرأة أجنبية عنه أي غير المحارم والمحارم هن: من يحرم عليك الزواج بهنّ مؤبدًا كالأم والأخت والعمة والخالة أما غيرهنَّ من غير المحارم كزوجة الأخ وبنت العم وبنت الخال فهؤلاء لا تجوز مصافحتهم وإن قال بعضهم: ليس لي

стр. 25

مقصد في ذلك ولا نية فاسدة لكن هذا رسول الله كما سبق - وهو من هو - كان لا يفعل؛ فغيره أولى بذلك، والله أعلم. ثالثًا: ومنها تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية: وهذا من أعظم الوسائل والخلوة بالمرأة الأجنبية عون مع الشيطان على هؤلاء وقد ذكر القرطبي أن الخلوة بغير المحارم من الكبائر. قال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» (١). وقال ﷺ : «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (٢). وهذا النهي والحكم عام في كل أحد حتى أخو الزوج، قال رسول الله ﷺ : «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أرأيت الحمو، قال: «الحمو الموت» (٣)، وهنا عدة مسائل:

стр. 26

١ - يزيل الخلوة وجود محرم يميز ما يُقال وما يُفعل ذكر أو أنثى، قال الإمام النووي: «وكذا لو كان معهما من لا يستحيا منه لصغره، كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك فإن وجوده كالعدم وكذا لو اجتمع رجال بامرأة فهو حرام» (١). ٢ - ومن مظاهر الخلوة ركوب المرأة وحدها أو مع من لا يُميز مع السائق في السيارة؛ لأنه وإن كان يرى ما بداخل السيارة لكن قد يكون بينهما من الكلام الفاحش ومقدمات الشر بسبب خلوتهما. ٣ - قال بعض أهل العلم: إن وجود مثل أخو الزوج في البيت مع غياب أخيه ولا يوجد في البيت إلا هو والمرأة مع كون كل منهما في غرفة فهذه خلوة إذا كان بالإمكان وصول أحدهما إلى الآخر وهذا من باب سد الذريعة إلى الشر.

стр. 27

٤ - تشبه الخلوة بالمرأة الخلوة بالأمرد وخصوصًا إذا وجد أسباب الشر وضعف في هؤلاء الإيمان والله أعلم. رابعًا: ومن الوسائل أن الإسلام شرع للزواج إذا وجد من امرأة ما يسره من جمال أو غيره أن يأتي أهله ليذهب ما فيه: قال ﷺ : «إذا رأى أحدكم من امرأة ما يسره، فليأت أهله فإنه يذهب ما فيه» (١). خامسًا: ومنها ما جاء في ذم الدياثة والديوث: فإنه حينما يوجد في الأمة مثل هؤلاء فإن هذا من أسباب الفساد فلذلك لا بد من الأخذ على أيديهم ومثل ذلك من يرى امرأته تخرج بزينتها ولا ينكر عليها ولا يغار على محارمه، ومثله من يرى زوجته أو أهله وهم ينظرون إلى الرجال عبر التلفاز بشكل مريب أو يسمع أهله أو ابنته وهي تحادث أحدًا على الهاتف أو غير ذلك، - والله

стр. 28

المستعان - قال ﷺ في ذم الديوث وعقوبته: «ثلاثة لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، و المرأة المترجلة، والديوث» (١). سادسًا: ومن الوسائل نهي الرجل عن طروق أهله ليلاً بعد مغيبه من سفره ونحوه: إلا أن يعلمهم بقدومه، جاء في الحديث عنه ﷺ ، أنه قال: «إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً» (٢). ومن الحكمة في النهي ما قاله ابن أبي جمرة: «وقد خالف بعضهم فرأى عند أهله رجلاً فعوقب بذلك على مخالفته» (٣). سابعًا: ومنها أن يوجد لدى الرجل غيرة على محارمه: وهي ضد ما سبق من الدياثة، وقد جاء الحديث حينما قال سعد ﵁: لو رأيت

стр. 29

رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف، قال ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد؟! والله لأنا أغير منه والله أغير مني» (١). قال ﷺ : «إن الله يغار وإن المؤمن يغار» (٢). فبوجود الغيرة لدى المسلم يحفظ هو نفسه عن الفواحش؛ لأنه كما لا يرضى في أهله الفاحشة ويغار على أهله من ذلك فهو لا يرضاها في غيرهم من المسلمات. قال النحاس: «الغيرة هي: أن يحمي الرجل زوجته وغيرها من قرابته ويمنع أن يدخل عليهن أو يراهن غير المحارم». إذًا فبالغيرة يحمي الرجل أهله من الشر والفواحش ويدفع بذلك عن أهل القلوب الضعيفة أسباب وقوعهم في الشر من تساهل الرجال مع أهليهم، والله الموفق.

стр. 30

ج- وسائل خاصة بالنساء: قال رسول الله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» (١). وقال ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٢). ومن هنا كانت: الوسائل الخاصة بالمرأة مهمة ومن أعظم هذه الوسائل: أولاً: الأمر بالحجاب: ولقد حاول الأعداء استخدام المرأة في إفساد المسلمين ونجحوا إلى حد كبير وذلك لضعف المسلمين وبُعد كثير منهم عن تعاليمه. ومن أعظم ما يحفظ المرأة عن الشرور الأمر

стр. 31

بالحجاب والستر وأنه ليس من إهانة المرأة بل من تعظيمها وتقديرها وحفظها، فيه تبقى مصونة في البيت والرجل يكابد الحياة ليجلب لها الراحة والأنس في هش الزوجية خلافًا لحال غير المسلمين؛ حيث إن المرأة تخرج في الصباح كما يخرج الرجل تكابد العيش وتزاحم الرجال ثم ترجع في آخر النهار كما يرجع الزوج، فلا هي ترتاح ولا الزوج يرجع فيجد الراحة والأنس والأكل والابتسامة. أيها الأخ في الله: لقد كثر الكلام حول الحجاب ومشروعيته ولعلنا في هذه الرسالة القصيرة نوجز أدلة الحجاب من الكتاب والسنة والقياس والعقل ثم نذكر أدلة المخالفين والرد عليها فنقول والله ولي التوفيق: أولا: قبل ذكر الأدلة أحب أن أنبه إلى أنه إذا أطُلْقَ اسم الحجاب الشرعي والذي سنورد الأدلة عليه فهو الحشمة وتغطية جميع الجسد بما في ذلك الوجه مع وجود الحياء والستر وعدم إظهار الزينة وإليك

стр. 32

الأدلة على وجوب ستر الوجه: أ- أدلة من القرآن الكريم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وجه الاستدلال حيث أمر الله المؤمنات بحفظ الفروج والأمر بحفظ الفرج بما يكون وسيلة إليه ولا يرتاب عاقل أن من وسائله تغطية الوجه؛ لأن كشفه سبب للنظر إليها وتأمل لمحاسنها ومن ثمَّ الوصول إلى الوقوع في الشر كما قال ﷺ : «العينان تزنيان وزناهما النظر والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (١). فتغطية الوجه من وسائل حفظ الفرج والوسائل لها حكم المقاصد فما كان وسيلة إلى واجب كان واجبًا فحفظ الفرج واجب ومن وسائله ستر الوجه إذًا فهو واجب. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].

стр. 33

أ- قال ابن مسعود ﵁: كالرداء والثياب، وقاله الحسن وابن سيرين والنخعي وقد رواه عن ابن مسعود ﵁ غير واحد منهم الطبراني والحاكم وصححه ابن أبي حاتم وتفسير الصحابي حجة (١). وقال ابن مسعود ﵁: «الزينة زينتان: زينة ظاهرة وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج وأما الزينة الظاهرة فالثياب وأما الزينة الباطنة فالكحل والسوار والخاتم» (٢). ب- واللغة تدل على أن الزينة إذا أطلقت يراد بها الظاهرة وليس الوجه والكفين من ذلك قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، أي اللباس وليس الوجه والكفين، وقال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]،

стр. 34

أي اللباس، وقال : ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]، فالكواكب زينة ظاهرة، إذًا فاللغة تدل على أن الزينة المرادة في الآية: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، هي الزينة الظاهرة كما دلت على ذلك النصوص السابقة. ج- ومن أوجه الاستدلال أنه قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ولم يقل إلا ما أظهرت منها إذًا هي لابد أن تظهر بغير إرادتها وهي الأمور الظاهرة من اللباس ونحوه، والله أعلم. الدليل الثالث: قوله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. أ- فالخمار هو ما تخمر المرأة به رأسها وتغطيه به كالغدفة، فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على الجيب كانت مأمورة بستر الوجه. ب- إذا كانت مأمورة بستر الجيب والنحر والصدر فإن الوجه أولى بالستر؛ لأنه موضع الفتنة،

стр. 35

والرجال لا يحرصون في النظر إلا إلى الوجه فهو محل النظر والطلب، فإذا قيل فلانة جميلة فلا يفهم من الكلام إلا جمال الوجه، وإذا قالوا: هي دميمة فلا يفهم إلا دمامة الوجه، والله أعلم. ج- الخمار في اللغة هو الغطاء والحاجب ومنه الخمر حيث إنه يغطي العقل فإذا قيل تخمرت فلانة «أي: تغطت» وإذا لم يغط الوجه الذي يواجه به الناس فماذا يغطى. د- روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأوّل لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾؛ شققن مروطهن فاختمرن بها». وفي رواية أخرى: «أخذن أُزُرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها» (١). قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٩٠): «قوله فاختمرن بها أي غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر». قال الفراء: «كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها

стр. 36

وتكشف ما قدامها فأُمِرن بالاستتار» (١). إذًا فقد قامت الصحابيات على تطبيق الآية وسيأتي ذكر الأنصاريات أنهن فعلن كما فعلت المهاجرات. وقد روى ابن أبي حاتم عن عائشة ﵂ قال: «إن لنساء قريش لفضلاً ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشدّ تصديقًأ بكتاب الله ولا إيمانًا به، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فانقلب رجالهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح متلفعات - أي: متلبسات ومختمرات - كأن على رءوسهن الغربان»، أي: من السواد (٢). الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. أ- هذه الآية خطاب في حق أزواج الرسول ﷺ

стр. 37

لكنه عام لوجود العلة في كل أحد بل في غيرهن وغير أصحاب رسول الله ﷺ أشد، فطهارة القلوب في حق الرجل و المرأة عامة في كل أحد، وهذه العلة تعمم الحكم، فالحكم يتبع العلة. ب- بل وفي هذه الآية ما يسمى عند أهل الأصول الإيماء والتنبيه بمعنى: «أيها الناس إذا كانت أزواج الرسول ﷺ وهنَّ أطهر النساء، وإذا كان أصحاب الرسول ﷺ وهم أفضل القرون وأبعدهم عن الشر، إذا كان هذا في حقهم من الأمر والسؤال من وراء الحجاب وذلك أطهر لقلوبهم أي: الصحابة وقلوبهن أي: زوجات الرسول ﷺ فغيرهم من الرجال وغيرهن من النساء من باب أولى». إذًا فالآية تدل دلالة ظاهرة على وجوب ستر الوجه حيث قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ أي: حاجة أو سؤالاً أو غيره: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: ستر يحجبكم عنهن، سواء ما يستر الوجه من الجلباب والخمار أو

стр. 38

حجاب جدار وغيره، والله أعلم. الدليل الخامس: قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. أ- قال جمهور أهل العلم: أي يسترن بها جميع وجوههن ولا يظهر منهن شيء غير عين واحدة تبصر بها، قال ذلك ابن مسعود وابن عباس وعبيدة السلماني ﵃ وغيرهم من الصحابة (١). ب- قال ابن عباس ﵄: «أمر الله نساء المؤمنين أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبرزن عينًا واحدة» (٢). ومعلوم أن تفسير الصحابي كما سبق حجة وقوله يبرزن عينًا واحدة هذا عند الضرورة إذا كان الغطاء لا ترى المرأة منه، أما إذا لم يكن هناك حاجة كما هي في جلابيب اليوم فإن جلابيب اليوم تستطيع المرأة أن ترى بدون إخراج

стр. 39

العين، فإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة لإخراج العين، والله أعلم. ج- ومن القرائن أن قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ يدل على وجوب احتجاب أزواج النبي ﷺ وستر وجوههن وهو أمر مجمع عليه لا نزاع فيه بين المسلمين وقد عطف بنات الرسول ﷺ على أزواجه، ثم قال: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والمعطوف يشارك المعطوف عليه في كل شيء فإذا كان نساء الرسول ﷺ قد أمرن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن أي - بستر وجوههن كما هو مجمع عليه - فمن عطف عليهن يأخذن نفس الحكم. د- ومما يدل على أن الآية فيها الأمر بستر الوجه ما ذكرت أم سلمة ﵂ حيث قالت: «لما نزلت هذه الآية - أي الآية المذكورة سابقًا خرجت نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان وعليهن أكسية سود يلبسنها» (١) فأم سلمة ذكرت فهم الأنصاريات لهذه الآية وهن في زمن الوحي.

стр. 40

هـ- ومن أوجه الاستدلال في هذه الآية أنه ورد في سبب نزولها أن الفساق كانوا يتعرضون للإماء ويتركون الحرائر وقد اشتبه الأمر فلا يعرفون الحرة من الأمة فأمر الله نساء الرسول ﷺ والمؤمنات بالحجاب حتى لا يؤذين والله أعلم. و- وذكر ابن كثير في تفسيره (٣/ ٦٨٤): قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. الدليل السادس: قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]. أ- حيث أجاز وضع الثياب بشرط عدم التبرج بزينة والمقصود بوضع الثياب أنه ما فوق الخمار وهو
следующие страницы →