مذهبه ولكن والحمد لله أن أدلة تغطية الوجه كثيرة وقوية وظاهرة الدلالة لا يقاومها مثل هذه الأدلة التي هي ما بين كونها ضعيفة أو صحيحة؛ لكنها لا تدل على القول بكشف الوجه إلى جانب أن القول بستر الوجه هو قول عامة أهل العلم قديمًا وحديثًا خلافًا لما ذكره بعضهم أنه قول الأئمة بل عامة الأئمة على القول بالستر وهو المنقول عن الصحابة كما سبق قولاً وعملاً كما نقل عن نساء الأنصار والمهاجرات وكما ورد عن ابن عباس أنه لما سئل عن قوله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى، فلهذا ولما سبق من أنه أحفظ للأمة ووالله ما ظهر الشر والفساد إلا بعد التساهل به فهذه مصر الحبيبة كانت مصونة الجانب حتى جاء من رباه الفرنسيون على أعينهم وهو قاسم أمين وحارب الحجاب، ودخل معه في المسرحية هدى الشعراوي وأذنابها وكان يبارك فعلها الماسوني الخليع سعد زغلول فقامت هي ورفيقاتها وأحرقن الحجاب في الميدان،
стр. 72
وبدأت الحرب المعلنة على الحجاب إلى أن حصل ما حصل واتسع الخرق على الراقع فبعد أن كان الأمر في كشف الوجه صار الأمر إلى كشف الشعر ثم الساقين ثم بعض الفخذ بل وصل الأمر إلى كل الفخذين والبطن وما المراقص والشواطئ بخافية، وهكذا الشر يبدأ شيئًا فشيئًا حتى يستشري فيكون كالنار في الهشيم ومع كثرة المساس يقل الإحساس.
فيا أخي المنصف انتبه إلى خطورة الأمر فإنه جدُّ خطير ولا تغتر بكثرة الهالكين: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ولقد بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء ومن ظهر له الحق والراجح وحاد إلى غيره من ثنيات الطريق فسيحاسب على ذلك والله مطلع على الضمائر وما تخفيه النفوس.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون،
стр. 73
أهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم والله أعلم.
ثانيًا: ومن الوسائل الخاصة بالمرأة: نهي المرأة عن الضرب بالرجل: قال : ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، إذًا فالمرأة منهية عن أن تضرب برجلها وذلك أن يكون للحذاء صوت أو في قدميها خلاخل إذا مشت سمع له صوت، وهذا كله يسد ذريعة الستر فيعلم بهذا الضرب ما تخفيه المرأة من زينتها أو تلفت أنظار الرجال إليها فيكون بذلك الشر والله المستعان.
ثالثًا: ومنها تحريم سفر المرأة إلا مع ذي محرم: فالمرأة ضعيفة لا تكاد تقي نفسها والسفر مظنة لبعض الشر وخصوصًا في بعض الأماكن التي يكثر الشر فيها، وكذلك السفر بدون محرم يعرضها إلى الخلوة بالرجال ومحادثتهم وهذا وسيلة إلى الشر، وإذا كان معها
стр. 74
محرمها كفاها هذه الحاجات قال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجَّة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: «انطلق فحج مع امرأتك» (١).
قال النووي ﵀: «المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كبيرة وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة الشهوة وقلة الدين والمروءة والحياء» (٢).
إذًا فليحذر هؤلاء المتساهلون في هذا ومثلهم من يودع المرأة في مطار بلده وهو أبوها أو أخوها، ثم تركب بدون محرم ويستقبلها زوجها أو غيره من محارمها في البلد الآخر وهذا داخل في النهي ولو كان في طائرة فقد تتعرض الطائرة لنزول اضطراري في بلد غير البلد الذي سوف يستقبلها فيه محرمها فمن يرعاها، أو ربما يحصل داخل الطائرة ما يحتاج فيه إلى وجود محرم وكل
стр. 75
هدي رسول الله ﷺ خير والشر في البعد عنه.
رابعًا: ومن هذه الوسائل نهي المرأة أن تخرج وهي متعطرة قال ﷺ : «أُيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية» (١).
بل إن الرسول ﷺ نهى المرأة وهي سوف تذهب إلى أحب البقاع إلى الله وهي المساجد أن تمس الطيب حيث قال: «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا» (٢).
هذا في المسجد وهو أحب البقاع إلى الله فما هو الحال في الأسواق التي هي أبغض البقاع إلى الله.
ولقد تفنن أهل الدعايات في هذا وذلك بالدعاية إلى العطور وأنَّ هذا العطر يجذب الرجال إليك وهذا للسهرات وهذا للنزهة.
стр. 76
ويروى عن عمر ﵁: «أنه نهى امرأة عن الطيب وقال لها: إنما قلوب الرجال عند أنوفهم أخرجن تفلات» أي: غير متطيبات (١).
خامسًا: ومنها نهي المرأة عن الخضوع بالقول .. فإن المرأة إذا تحدثت مع الأجانب بحديث فيه خضوع كان ذلك سببًا في وقوع الشر أو مقدماته من التفكير والخواطر، ولذلك يجب على المرأة أن تتحدث بصوت معروف عار عن أسباب الفتنة ودواعي الشر، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والمرض هو مرض الشهوة بل إن المرأة لأجل ذلك هي منهية عن رفع صوتها في التلبية وليس عليها أذان كل ذلك لأجل سد منافذ الفتنة والشر ولو كان ذلك في فعل عبادة والله أعلم.
سادسًا: ومنها نهي المرأة عن الاختلاط بالرجال: وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق يومًا في
стр. 77
عهد الرسول ﷺ فقال الرسول ﷺ للنساء: «استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافّات الطريق» فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (١).
ولأجل ذلك قال ﷺ : «وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (٢).
وعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لو تركنا هذا الباب للنساء» قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر ﵄ حتى مات (٣).
وقالت أم سلمة: «كان يسلم - أي الرسول ﷺ فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ » (٤).
بل إنه قد حرصت الصحابيات على عدم الاختلاط حتى في أشد المساجد زحامًا وفي أشد الأوقات زحامًا في موسم الحج في المسجد الحرام
стр. 78
«حيث ورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تطوف في حَجْرَه» أي معتزل لا تخالط الرجال.
وجاء في مصنف عبد الرزاق [٥/ ٦٥]: «أخبرنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أن عائشة نزلت في مسكن عتبة بن محمد بن الحارث فكانت تطوف بعد العشاء الآخرة فإذا أرادت الطواف أمرت بمصابيح المسجد فأطفئت جميعًا ثم طافت».
ودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها فقالت لها: «يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعًا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثًا .. فقالت لها عائشة ﵂ لا أجَرك الله، لا أجرك الله تدافعين الرجل ألا كبرت ومررت» رواه الشافعي في مسنده وعن إبراهيم النخعي (١/ ١٢٧)، قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء ... قال: فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة (١).
هذا كله في مواضع العبادة وفي أفضل القرون فما هو الحال في الأسواق وما يشبهها وفي مثل هذا العصر ومن صور الاختلاط في هذا العصر:
١ - اتخاذ الخدم الرجال واختلاطهم بالنساء وكذلك اتخاذ الخادمات في البيوت واختلاطهم بالرجال.
стр. 79
٢ - الخلطة بين الخطيبين في أثناء الخطبة قبل الموافقة.
٣ - استقبال المرأة أقارب زوجها أو أصدقائه أو الجلوس معهم.
٤ - الاختلاط في بعض المناسبات مثل ولائم العرس أو الزيارات وغير ذلك.
٥ - الاختلاط في الوظائف والأندية والمواصلات والأسواق والمستشفيات والزيارات بين الجيران والاختلاط في المصاعد والمكاتب والعيادات.
٦ - الاختلاط في الجلسات البيتية ومعهم غير المحارم لبعضهم مثل زوجة الأخ وخصوصًا إذا صاحب ذلك ضحك أو جلوس عند آلة لهو ومشاهدة لمسرحية تحرك الشهوة ولو كان مع تحجب المرأة.
٧ - الاختلاط أثناء صعود الزوجين على المنصة أو ما تسمى (بالزفة) وهذا من أعظم الخطر خصوصًا أن غالب النساء لا يتحجبن عن هذا الرجل وربما يرين فيه جمالاً غير ما في أزواجهن فيفتتن
стр. 80
به أو هو يرى فيهن جمالاً غير ما في زوجته فيفتتن بهن والله المستعان.
٨ - الاختلاط في المدارس والجامعات أو قيام الرجل بتدريس النساء أو النساء بتدريس الرجال أو الدعوة إلى تدريس المرأة للأولاد في الصفوف الدراسية الأولى.
٩ - اختلاط المشرفين على الرسائل الجامعية بالطالبات بحجة الإشراف أو ما يحصل من اختلاط وخلوة المدرس الخصوصي بالطالبة.
١٠ - اختلاط الممرضات والطبيبات بالرجال أو العكس مع عدم وجود الضرورة.
١١ - الاختلاط في أماكن الألعاب والملاهي والحدائق العامة وكذلك في المطاعم وخصوصًا قسم العائلات.
١٢ - ما يوجد في بعض الشركات أو المؤسسات من موظفة (السكرتيرة) (١).
стр. 81
سابعًا: ومن الوسائل هو بقاء المرأة في بيتها وعدم خروجها إلا لحاجة أو ضرورة وخصوصًا للأسواق ، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
إذًا فالواجب على المرأة المكث في بيتها وعدم التوسع في الخروج وخصوصًا - كما سبق - الأسواق أو أماكن مظنة الشر من الحدائق والشواطئ ولقد قال ﷺ : «إذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان» (١).
وكل حاجة يمكن أن يقضيها الرجل فلا ينبغي على المرأة أن تقضيها وأفضل مكان للمرأة بيتها حتى للعبادة والصلاة، قال ﷺ : «لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد وبيوتهن خير لهن» (٢).
ثامنًا: ومنها ما جاء من نهي المرأة عن وصف محاسن امرأة لزوجها فعن ابن مسعود ﵁ قال:
стр. 82
«نهى رسول الله ﷺ عن أن تخبر المرأة زوجها بمحاسن امرأة أخرى» (١).
فبُعْد المرأة عن هذا سبيل لحفظ زوجها عن الشر بل وحتى لا يكون ذلك سببًا في أن يقع في قلب الرجل تعلق بهذه المرأة وانصراف عن زوجته.
تاسعًا: ومنها أن تقوم المرأة بحقوق زوجها وخصوصًا في قضاء وطره وأن تحذر كل الحذر عن الامتناع حتى يطلب منها ذلك قال ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأت، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (٢).
وقال ﷺ : «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» (٣).
فحين تقوم المرأة بذلك وتهتم بالتجمل لزوجها فإن هذا من أعظم الوسائل لحفظ الزوج من الالتفات إلى غيرها.
стр. 83
الخاتمة
وبعد أخي المسلم أختي المسلمة فهذا ما تيسر جمعه حول هذا الموضوع المهم مثل هذا وهي مشاركة فليس مثلي يعطي الموضوع حقه فلهذه المجالات أهلها العارفون بها لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، والواجب على الدعاة والناصحين بل والآباء والأمهات التنبه إلى مثل هذه الأمور فإن التساهل بها سبب للزلل والوقوع في الردى وفي الختام أشكر فضيلة الشيخ الدكتور ناصر العمر على توجيهاته.
وأسأل الله العلي القدير أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر صمدًا أمامه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان
الرياض