← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 5076–5091 · переход к 5081.

стр. 5076

عهدَ لهم بيانَ ما وقعَ في الحديث، والاقتصارَ عليه من دون تعرُّضِ لبقيةِ ما يشتركُ مع ذلك لغةً أو عُرْفًا. (١) وهذا معلومٌ من صنيعِهم، فلما اقتصروا على تفسير ما في الحديث لفردٍ من أفراد المشتركِ كان ذلك قرينةً على أنه المرادُ، فما لنا ولكونِ ذلك مشتركًا عند أهل اللغةِ! فليس السؤال إلا عن تعيينِ ما هو المرادُ في لفظ النبوةِ، فلما فسَّره المتكلمونَ على ما وقع في ألفاظِ النبوةِ بشيء معيَّن كان المصيرُ إلى ذلك متعيَّنًا [١٨]. وقد أوضحت هذا في أصل الجواب فقلتُ: ويتعيَّن أن سيحانَ الذي هو نهرٌ من أنهار الجنةِ هو الكائنُ بالشام كما بينه صاحب النهايةِ، (٢) وفسَّره بعضُ شراح الحديثِ لا غيرُه مما بيَّنه صاحبُ القاموس، (٣) وياقوتٌ، (٤) لأنهما بصدد بيانِ المسميَّاتِ بهذا الاسم من غير نظرٍ إلى تخصيصِ ما وردَ عن صاحبِ الشرع ... إلخ. قال ـ عافاه الله ـ: فإذا كان وضع هذا الاسم لنهر البصرةِ لغةً من لغة العرب اندفع ما ذكره البلاذري (٥) أنه من أوضاعِ البرامكةِ إلخ. أقول: هذا مبنيٌّ على أن صاحبَ القاموس لا يذكر في كتابه من الأمكنةِ إلا ما كان موجودً في أيام العرب الأولى، وهو باطل، فإنه يذكر ما حدث من الأبنيةِ ونحوها إلى زمنِه، وذلك معلومٌ من صنيعه. قال ـ عافاه الله ـ: أقول لا موافقةَ ... أقول: ما ذكره المجدُ من البينيةِ أما أن تكونَ بحيثُ لا يكون له نسبةٌ إلى الطرفين، أو بحيث يكون له نسبةٌ إليهما، أو يكون من أحدهما فقط، أو يكون بعضُه من هذا الطرف

стр. 5077

وبعضهُ من الطرف الآخر. لا يصحُّ تفسيره بالأولِ لأن أقلَ الأحوالِ أن يكون مجاورًا للطرف ومتصلاً به، وهذه نسبة مصححةٌ لما ذكره ... والثاني يصحُّ التفسير به بمجرَّد كونِه منسوبًا إلى كلِّ واحد منهما بأي وجهٍ من وجوه النسبة ... والثالثُ يتوقَّف على النقلِ أنه أرادَه ولا نقلَ. والرابعُ ... يصحُّ التفسيرُ به وما كان بعضُه من الشام صحَّ أن يقال أنه من الشامِ ولو مجازًا، ثم قدمنا في ذلك الجوابَ أن ياقوتَ بنَ عبد الله الروميَّ قال بالقربِ منه نهرٌ يقال له جيحانُ، فالاتفاقُ الذي أشرنا إليه هو من هذه الحيثيةِ، فإن لفظ القربِ لا ينافي لفظ البينيةِ التي ذكرها المجدُ. قال ـ عافاه الله ـ: أقول: تبايُنُ الكلامينِ ظاهرِ أقول: إن كان التبايُنُ من جهة اختلافِ خوارزمَ وبلخٍ، وأنهما في مكانين، وإن جمعتهما ولاية، وشملَهما إقليمٌ فقد وجد الجامعُ بين الكلامينِ، وهو أن النَّهر المذكور يمرُّ بكل واحد منهما كما ذكرتُه عن كتاب المسالكِ والممالكِ، فالاتفاقُ بين الكلامينِ من هذه الحيثيةِ لا من حيثُ إنه يجمعُهما بقعةٌ واحدة من الأرضِ، وما ذكرتُه من أن كلَّ واحد منهما من خراسانَ بيانٌ جامعٌ آخر غيرُ الجامعِ الذي هو مجاورةُ النهر لكل واحد منهما، ومرورهُ بهما، فقد اشتركها في أمرين: المرورُ لكل واحد منهما، وإطلاقُ اسمِ واحدٍ عليهما يشملُهما، وإن كان النزاعُ في كون خوارزمَ من خراسانَ فليرجعْ ـ عافاه الله ـ إلى البحث عن تحقيق هذه الدعوى حتى يجد البرهانَ عليها في الكتب الموضوعةِ بهذا الشأن كالمعجمِ ونحوِه. قال ـ كثر الله فوائده ـ: فعلى هذا هو غيرُ منصرفٍ ... إلخ. أقول: هكذا هو [١٩] عند من جزم بأنه أعجميٌّ، وأما من جعله عربيًّا وتعرُّض لأصلهِ وقال: هو من جَحَنَ، وعلى ذلك يدلُّ صنيعُ صاحبِ القاموس وغيرِه فإنه يجعلُه عربيًّا، ويكون لكتبه بالألفِ فائدةٌ وهي الدلالةُ على أصوله وصرفِه، لعدم العجمةِ والأمرُ أوضحُ من أن يخْفَى.

стр. 5078

قال ـ كثر الله فوائده ـ: وظن شيخُنا ... إلخ. أقول: لا أدري من أين استفادَ هذا الظنَّ فالكلامُ منقول عن الغير كما يفيدُه قولي في آخره ... انتهى. قال ـ عافاه الله ـ أقول بل قد عينَه النبيُّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بصريح قولِه: «سيحانَ وجيحانَ». أقول: فرقٌ بين تسميةِ الشيء وتعيينِ مكانهِ، فالأول وقع من النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في سيحان وجيحانَ. والثاني: وقع من المفسرين لكلامِه، فقالوا: إنه في مكان كذا فهذا هو المرادُ بالتعيين، فكيف قال قد عيَّنه النبيُّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ! ولا شكَّ أن التعيينَ المرادَ هنا هو أخصُّ من التعيين الحاصلِ بالاسم، وهذا لا يخفى علي مثلِه ـ زاد الله في أهل العلم من أمثاله ـ فإن المشخصاتِ قد تكون بحيثُ تفيدُ تعيينًا ما أعنى بوجهٍ من الوجوه وقد تكون بحيثُ تقيدُ تعيينًا لكل وجه، وقد تكون بحيث يفيد بعضُها ما لا يفيده الآخرُ، ولكل منها مدخلٌ في التشخيص ... قال ـ كثر الله فوائده ـ: أقول لا معارضةَ ... إلخ. أقول: قد أطال ـ عافاه الله ـ والكلام مع من زعم المعارضةَ وقد دفعتُه وأجبتُ عنه وزيَّفتْهُ فلم يبقَ للكلامِ على ذلك مدخلٌ إلا مجرَّدَ الإيضاحِ لما أوردتُه ... قال ـ عافاه الله ـ: هذا ليس في الحديث ... أقول: نعم لم يكن ذلك في الحديث لكنَّه وقع في كلامَ مَنْ زعم التعارُضَ فأوردناه كما أوردَه، وحكيناه عن قائلِه، فليس هاهنا ما يوجب العجبَ، فقد أسندنا القولَ إلى قائلِه، وتعرَّضنا لتأويلِه ودفْعِه. ومع هذا فتوصيفُ نهرينِ من الأربعةِ بالظهور يفيدُ توصيفَ النهرينِ الآخرينِ بما يقابلُه، وهو كونُهما باطنينِ، فما وقع في تلك الحكايةِ من قول المحكيِّ عنه، وأما الباطنانِ فسيحانُ وجيحانُ هو مستفادٌ من كلام النبوةِ، وإن لم يكن منطوقًا به من النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فانتفي سببُ العجبِ فضلاً عن

стр. 5079

كل العجبِ الذي ذكره ـ عافاه الله ـ بقوله: والعجبُ كلَّ العجبِ وانتفاؤُه من وجهينِ: الأول: إن الكلامَ محكيٌّ عن الغير. الثاني: أنه مستفادٌ من كلام النبوة. قال ـ كثر الله فوائده ـ: ليس لأحد أن يقولَ ذلك ... أقول: هكذا هو، ولكن الكلامَ الباطلَ لا بدَّ من دفْعِهِ بما يقبلُهُ السامعُ، لا بمجرَّد الدَّعوى بأنه باطلٌ، فإن ذلك لا يفيدُ من قصَّر عن تعقُّل الحججِ وترتيبِ المقدماتِ الموصلةِ إلى البرهانِ، فلهذا [٢٠] تعرَّضنا لدفعهِ. قال ـ كثر الله فوائده ـ: وكلامُهُ مبنيٌّ على غير أساسٍ. أقول: إن كان دفعُ الكلام الباطلِ يحتاجُ إلى أن يكون الكلامُ المدفوعُ الباطلُ أساسٌ كان ذلك قادِحًا في دعوى بُطْلانِه. وقد قدمنا أنَّ كلامنا مع من قال هذه المقالة وأوضحنا بطلانها وقدمنا الجمع على الترجيحِ كما يصنعُه أهلُ العلم، فعلى فرض صحةِ ما زعَمَهُ الزاعمُ قد حملنا على وجهٍ لا ينافي ما أردْناه، وعلى فرضِ عدمِ صحَّتهِ فلا يضرُّنا ولا يقدحُ فيما نحن بصددِه، فكيف يقالُ في التعرض للكلامِ على كلام باطل أنه مبنيٌّ على غير أساسٍ: فإن كان المرادُ بالأساس المذكورِ أساسَ الدفع في نفسه فالمجيب عافاه الله لا ينكر أنه مبني على أساس صحيح، وإن المراد أساسَ الكلامِ المدفوعِ فنفي أساسه لا يعترضُ به على منِ اعترضَ، أو حملَه على غير ما يقدحُ في الكلام الصحيحِ، وعلى كل حال فاستفادتُه من كلام النبوة كما قدمنا أساسٌ، وأيُّ أساس! فالقولُ بأنه مبنيٌّ على غير أساس. قال ـ كثر الله فوائده ـ: بل لا ينبغي ذكرُهُ عنه. أقول: إذا كان هذا القائلُ متمسِّكًا بمفهوم الحديث حسبما ذكرناه سابقًا من دلالة ظهور بعض المعدودِ فيه على كمونِ البعض الآخَرَِ، ثم أخذ هذا القائلُ بما يفيدُه المفهومُ،

стр. 5080

وبني على ظاهره فكيف يقال إن هذا قول لا ينبغي ذكره! وقد ذكر أهل العلم ما هو ضد للأدلة الشرعية ودفعوه، فكيف مما يزعم قائله أنه مأخوذ من كلام الشارع! ومع هذا فقد وقع التعرض لدفعه في الجواب بما لا يحتاج معه إلى زيادة، فكيف يعترض ـ عافاه الله ـ على حكاية كلام قد تعرض الحاكي له لدفعه، فإنه لو لم يكن من فوائد حكايته لذلك القول الباطل إلا مجرد دفعه ورده وبيان بطلانه فهل جرت عادة أهل العلم بإنكار دفع الأقوال الباطلة والضعيفة على دافعها؟ وأما الوجوه الثلاثة التي ذكرها فلا يخفي أنه يقدح في الأول ما وقع للسائل ـ عافاه الله ـ نفسه من طلب تعيين مكان ما دل عليه الحديث، وصرح به بأنه من أنهار الجنة، والمناقضة لما ذكره المفسرون للسنة من تعيين مكان ما ورد في لفظ الشارع، فكيف يقال مع هذا أنه يكذبه العقل والنقل والحس! فليتدبر السائل. وأما قوله: ثم أي نفع لهما ... إلخ [٢١]؟ فقد صرح المجيب بمثل هذا، وحرره في الجواب، وأما ما ذكره في الوجه الثاني فقد قدمنا أنه دل عليه كلام الشارع بالمفهوم (١) فليس بكذب على رسول الله ـ صلي الله

стр. 5081

عليه وآله وسلم ـ من قائله، ومع هذا فنحن نعترفُ بفساد ما جاء به ذلك القائلُ، وقد دفعنا بما لا يحتاجُ إلى زيادة، ولكن الشأنَ في إنكار حكايتِه على الحاكي المتعرِّضِ لدفعِه وإطالة ذيل الكلام في ذلك بما لا طائل تحته. وأما الوجه الثالث فلا أزيد الناظر على إحالته على النظرِ في هذه المناقشةِ وعلى السائلِ ـ عافاه الله ـ أن يقدِّمَ قبل هذه المناقشةِ تقريرَ محلِّ هذه الجملةِ من الإعراب حتى يعرفَ وقوعَها موقعَها على وجهٍ لا يلزم عنه ما ألزم به من الاستدلالِ بالمفهومِ الذي ذكره ثم لو كان لما ذكره وجهُ صحَّةٍ من الأخذ بالمفهومِ لم يكن له وجهٌ فيما نحن بصدده، فإن الشيءَ الواردَ من الجنة إلى الدنيا سواءٌ كانت في محلٍّ مرتفعٍ على الدنيا أو مساوٍ لها في السمتِ يكون ظهُورُهُ على وجه الأرضِ وانكشافُهُ للعَيَانِ أولى مما هو من نفس الأرض، فإنه لا يكون منبعُه إلا من مكان منخفضٍ منها، ولا شك في ذلك، فإن جميعَ أنهار الدنيا منبعُها من بطن الأرض. وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) وبعد هذا كلَّه فالكلامُ المعترضُ عليه هو من كلام المحكي عنه المتعقَّبِ بالدفع. قال ـ كثر الله فوائده ـ: فلا يخلو هذا من منافاة لحاصلِ الوجهينِ المتقدمينِ. أقول: حاصل ما ذكرتُه في الجواب المحرَّر في تلك الوجوهِ الأربعةِ هو أنه لا تقبلُ نسبةُ الغلطِ للناقلِ الثقةِ بمجرَّد الدعوى، بل يطلب من الناقل تصحيحُ النقل على الصفةِ التي ذكرتُها في الجواب من قبول ما برهن عليه الناقلُ بالنقل، والتوقُّفِ فيما لم يبرهنْ عليه إلا أن يوجدَ المصحِّحُ لنسبةِ الغلطِ بمثل ما ذكرتُه هنالك، ثم ذكرتُ استثناءَ حروف مما نقله صاحبُ الصحاحِ قد تكلَّم عليها أهلُ العلم فنقلَ ذلك عنهم صاحبُ القاموس مجرَّدًا عن البرهانِ، اكتفاءً بما وقع من البرهان فيما نقل عنه من كتب اللغةِ. وهذا حاصلُ الثلاثة الوجوهِ الأولى، ثم ذكرتُ في الوجهِ الرابعِ محلَّ الإشكال ومنشأَ السؤالِ، وهو ما تعقَّبه صاحب القاموس على صاحب الصحاحِ من دون وجود ما

стр. 5082

يقتضي تصحيحَ ما نقلَه الجوهريُّ، ولا وجودِ برهان لما نسبه صاحبُ القاموس إليه [٢٢] من الغلطِ في نفس الكتابينِ، ثم ذكرت أن الناظر في الكتابينِ إن تمكن من البحث في غير الكتابين المفضي إلى وجودِ برهان يقتضي تصحيحَ ما نقلَه الجوهري فقد تعيَّن عليه العملُ بما وجده من تصحيحِ الروايةِ، وعدمِ التعويلِ على من نقل الغلطَ، وإن تمكَّن من الوقوفِ على ما هو برهانٌ للتغليظ كان عليه الجزمُ به وإن لم نقفْ في الكتابينِ، ولا في غيرهما على برهان يصححُ النقل، أو يوضِّحُ الغلطَ، وجبَ عليه التوقُّفُ في ذلك الحرف، لأن إمامةَ ناقلِه التي هي كالقرينةِ على صحةِ ما نقلَه قد عُورِضَتْ بإمامة من خالفه في ذلك الحرفِ، فإنها كالقرينة على صحة ما نسبهُ من الغلط، فكان المقامُ مقامَ توقُّفٍ بين الإمامينِ، والموضعُ موضعُ حيرةٍ عن التخلُّص من البينِ. ولا معارضةَ بين ما ذكرناه في هذا الوجهِ الرابعِ من ذلك الجوابِ، وبين ما ذكره في الوجه الأول منه بوجهين: الأول: إن نفي قبولِ التغليط الذي صرَّحنا به في الوجه الأول هو فيما كان منه مجرَّدًا ليس فيه إلا دعوى بحتةٍ، وما ذكرناه في الوجه الرابع هو حيثُ اقترنَ بذلك من إمامة الناقل وثقتِه ما يكون كالقرينة المقتضية لتصحيح ما قاله. الوجه الثاني: إن ما ذكرناه في الوجهِ الأولِ من الوجوه الأربعةِ هو عدمُ قبول التغليطِ المجرد، وما ذكرناه من التوقُّف في الوجهِ الرابعِ غيرُ منافٍ لعدم القبولِ، لأن قبول تغليطِ صاحب القاموس يستلزمُ الجزمَ بما جزم به من الغلط بخلافِ مجرَّد التوقُّفِ، فإنه لا قبولَ فيه بل حيَّرهُ بين ما وقع في كلامِ الإمامينِ، فلا منافاةَ بين عدم القبولِ جزمًا، وبين مجرَّدِ التوقُّف لا بمطابقةِ، ولا تضمُّنٍ، ولا التزامٍ، فعرفتَ بها عدمَ صحة ما زعمه السائل ـ عافاه الله ـ من المنافاة، بل الوجوهُ متعاضدةٌ والكلامُ متناسقٌ. قال ـ كثر الله فوائده ـ: نعم قد يكون الغلطُ من الجوهري بما يعرفه كل من له أدنى عرفانٍ فلا يحتاج مع ذلك إلى برهان ... إلخ. أقول: هذا الذي يعرفُه من له أدنى عرفانٍ هو من البرهانِ بأعلى مكان [٢٣] فإنّا لم نخصَّ البرهانَ بما يجده الناظرُ في كتب اللغة، أو يسمعه من الرواة بالسند المتصل، بل

стр. 5083

أطلقنا البرهانَ فتناولَ ما ذكره تناولاً أوليًا، لأن معرفة كل من له أدنى عرفانٍ لذلك، يدلُّ علي أنه من الظهور بمكانٍ مكينٍ، إما لكون المنقول يخالفُ ما يشهدُ به الحسُّ، أو كونِه مخالفًا لما عند العرب مخالفةً يشتركُ في معرفتها المقصِّر والكاملُ، فكيف قال ـ كثر الله فوائده ـ: إن ما كان كذلك لا يحتاجُ إلى برهان، وأيُّ برهان أقوى من ذلك البرهان! قال ـ كثر الله فوائده ـ: وقد بلغني أن بعضَ العلماء المتأخرينَ لم يسَمْ من تغليط القاموسِ للصحاحِ إلا حرفين فقط. اقول: إن كان هذا البعضُ متأهلاً للكشفِ من أهل الاستعدادِ للحكم بين هذين الإمامينِ، فَنِعْمَ ما فعل، وحبَّذا ما صنع، وعلينا أن ننظر كنظرهِ ونكشف مثل كشْفِه حتى نوافقَه فيما قال، أو نخالفه، وليس لنا أن ندفعَ ما يقوله صاحب القاموس بمجرد ذلك، وعندي في هذا المنقول عن ذلك البعض وِقفةٌ، فإنذَ الصنعاني (١) وهو الإمام الذي لم يأت بعده من يماثُله استدرك كثيرًا مما في كتاب الصحاح، وكذلك ياقوتٌ نقل على الصحاح في حواشيه من التغليطاتِ ما يكثُر تعدادُه، فعلى الطالب للوقوف على الصواب في مثل هذا أن ينظر فيما ذكرناه، فإن لم يجد ذلك فليس له منزلٌ ينزله إلا منزل الحيرة التي أرشدنا إليها ... أرشدنا الله إلى ما يرضيه آمين.

стр. 5084

(٢١٤) ٨/ ٥ الحد التام والحد الناقص (بحث في المنطق) تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 5085

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: الحد التام والحد الناقص (بحث في المنطق). ٢ ـ موضوع الرسالة: في المنطق. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي. ذكر أهل علم المنطق الذاتيات والعرضيات .... فإني لما وقفت على المجموع الذي جمعه ابن سناء الملك ٤ ـ آخر الرسالة: فليمعن النظر في ذلك من له فضل رغبةٍ في هذا الفنِّ انتهى من خط مؤلِّفه شيخ الإسلام القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ ـ عدد الصفحات: صفحتان. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 5086

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي. ذكر أهل علم المنطق الذاتياتِ (١) والعرضياتِ، ثم رتَّبوا على ذلك الحد (٢)

стр. 5087

التامِّ، (١) والحد الناقصَ، (٢) والرسم .....................................

стр. 5088

التام، (١) والرسم الناقص. (٢) وفي هذا إشكالٌ، لأنهم إمّا أن يريدوا بالذاتي المنسوبَ إلى الذاتِ، وبالعرض المنسوب إلى العَرَضِ كما هو شأن المنسوب في لسان العرب، أو يريدوا بالذاتي ما تركبتْ منه الذات كتركُّبِ الجسم من الجوهرِ، وبالعَرَضي ما هو عارض للذاتِ خارجٌ عنها، أو يريدوا بالذاتي ما هو جزء مفهومُ الذات، وما يقال عليها. وبالعرض ما لا مدخل له في هذه الجزئيّة، فإنْ أرادوا الأول فالأَعراضي ينسبُ إلى الذات بلا خلاف بين أهل المعقول، سواءً قلنا في تفسير القيام أنه الاختصاصُ الناعت كما ذهب إليه البعض، أو التبعيّة في التحيُّز كما ذهب إليه البعض الآخر، لأنَّ الجميعَ متَّفقون على أنَّ العرض كالحركةِ مثلاً قائمٌ بالذات، وما قام بالشيء فقد لابَسَهُ، والملابسة بمجرَّدها مسوِّغةٌ للنسبة، فتقرر بهذا أنه لا يصحُّ أن يكون الذاتي هو المنسوب إلى الذات، وإن أرادوا الثاني كان منقوطًا باتفاقهم على أن النطقَ بمعنى إدراكه المعقولاتِ ذاتيٌّ، فإنَّ الذات متركبةٌ من الأجزاء التي صارت بها ذاتًا، وإدراكُ المعقولات هو شيء غيرُ الذات، فإنَّ هذا الإدراك حصل بالعقل وهو جوهرٌ مجرَّدٌ عن المادة، متعلِّقٌ بالبدن

стр. 5089

تعلُّقَ التصرفِ والتدبيرِ، غيرُ متصلٍ به. وعلى هذا اتفق أهل هذا الفنِّ ومن وافَقَهم من الحكماء، ومن أهل علم اللطيفِ المجعولِ مقدمةً لكثير من العلوم. فتقرَّر بهذا أنه لا يصح أن يكون أصلاً في ما تركبت منه الذات، وإن أرادوا الثالث: فيقال لهم: ما الذات التي كان هذا الذاتي جزءًا مفهومًا؟ فإنا قد علمنا اتفاق أهل المعقولِ على انحصار الموجوداتِ الحادثة في الجواهر والأعراضِ، وعلمنا اتفاقَهم على أن الجواهر هو ماهيةٌ ما إذا وجدت كانت لا في موضوع، وعلى أن العَرَضَ هو ماهية ما إذا وجدت كانت في موضوع فما هي هذه الذات التي جعلتْه الذاتي هو ما كان جزءًا لمفهومِها؟ فإن قالوا: إن علمهم هذا هو إنما هو في الكلام على الكليَّاتِ [١أ]، ولا يتكلمون على الأمور المتشخصة بوجه من الوجوه. قلنا: فَمِنْ أين عرفتم أن بعض المتعلِّقاتِ بذلك الكلي ذاتيِ له، وبعضها عَرَضيٌّ له؟ وما الذي استفدتم منه هذا حتى جعلتم النطق ذاتيًّا لتلك الماهية الكلية دون ما يشارُكُه في كونه في كونه ماهيةً ما إذا وجدت كانت في موضوعٍ؟ مع أن هذا الحدَّ الذي اتفقتم عليه في كونه مفهومَ العرضِ يصدقُ على النطق الذي جعلتموه ذاتيًّا كما يصدق على الخاصَّة والعَرَضِ العامِّ. وبهذا يتقرر لك أنَّ جَعْلَ بعض المتعلقاتِ ذاتيًّا وبعضِها عرضيًّا، وإدخالَ النطقِ في الذاتياتِ مجرَّدُ دعوى لم يقم عليها برهانٌ، (١) مع كونهم زاعمينَ أن هذا العلم هو الذي

стр. 5090

يستفاد منه البرهانُ، ويتحصل بالاشتغال به. ومع هذا الجزم منهم فإنه لا نظر لهم في غير الكليات، قد جزموا أيضًا بأنَّ هذه الكلياتِ لا وجودَ لها في الخارج. أمَّا الكلي العقليُّ، والكليُّ المنطقي فهم متفقونَ على ذلك. وأما الكليُّ الطبيعيُّ فقال الأول منهم أنه موجودٌ بوجود أفراده، ودَفَعه الأكثرون دفعًا لا يبقى عنده ريبٌ. وإذا كان الأمر هكذا فمن ذا الذي يتعقّل ذاتياتِ هذه الكلياتِ التي لا وجود لها، ويميَّز بينها وبين عرضِيَّاتِها. ولقد أصاب جماعةٌ من أكابر أهل هذا الفن حيث قالوا: الوقوف على الذاتياتِ متعسِّرٌ بل متعذِّرٌ، (١) وآخر من نقلَ ذلك السيدُ الشريفُ الجرجانيُّ، فظهر بمجموع ما ذكرناه أن هذا الفنَّ لا يستفادُ منه التصوراتُ (٢) كما ينبغي، فكيف يستفاد منه التصديقات! والحمد لله أولا وآخرًا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله. قال في الأصل: هكذا خطر ببال فحرَّر هذا البحث ـ عفى الله عنه ـ فليمعن النظر في ذلك من له فضل رغبةٍ في هذا الفنِّ.

стр. 5091

انتهى من خط مؤلِّفه شيخ الإسلام القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀.