همسة
إذا عملت في خدمة هذا الدين نالك الخير العظيم والأجر الجزيل من الله وهذا هو مطلب كل مسلم. ولكن قد يعترض طريقك بعض العقبات السيرة والحواجز الوهمية ومن تلك:
١ - تصيد الأخطاء: وهذا منهج والعياذ بالله ابتلى الله به بعض الناس من الذين لا هم لهم ولا عمل سوى تصنيف الناس والبحث عن زلاتهم وأخطائهم ومعلوم أن كل من يعمل يخطئ ويقع منه هنات، ولكن من لا يعمل لا يخطئ مطلقا، ولقد رأيت من يتحدثون في المجالس ليس لهم عمل دعوي إطلاقا وصرفهم الله إلى الغيبة والتثبيط والوقوع في الأعراض.
قال الإمام الشعبي: لو أصبت تسعا وتسعين، وأخطأت واحدة، لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين.
وفي تصيد الأخطاء والزلات لذاتها لا للإصلاح طريق غير سوي ينبئ عن قلة دين وفساد قصد وسوء طوية والعياذ بالله.
قال ابن القيم ﵀: «ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسان، حتى يرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يزل منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات لا
стр. 37
يبالي ما يقول.
واعلم أيها الداعية الموفق أن من يعمل في الساعة معرض للخطأ والزلل، فاحرص على قبول النصيحة وإصلاح الخطأ، ثم بعد ذلك لا يهمك حديث الناس في المجالس والمنتديات، فهؤلاء شبههم شيخ الإسلام بالذباب يقول ﵀:
«إن بعض الناس لا تراه إلا منتقدا داء، ينسى حسنات الطوائف والأجناس ويذكر مثالبهم فهو مثل الذباب يترك مواضع البرد والسلامة، ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج».
ثم ليطمئن قلبك وتهدأ جوارحك فإن الناس لا يتركون أحدا، قالوا عن الله : ثالث ثلاثة، وقالوا: اتخذ الله ولدا، وقالوا عن نبينا محمد ﵊: ساحر ومجنون .. وهكذا هم، ومن ظن أنه يسلم من كلام الناس فهو مجنون، ورضا الناس غير مشروع وغير مقدور.
وليكن لك سلوى: أنهم يهدون إليك حسناتهم ويدفعون لك الأجر دون مقابل بل هذه عقوبة المغتابين.
ولكن هنا ملاحظة مهمة وهي حرصك على قبول النصيحة من الناصحين إذا أخطأت وزلت بك قدم، وعليك بالعودة والرجوع عن خطئك طلبا لمرضاة الله .
стр. 38
في منتصف الطريق
يقول ابن القيم ﵀:
إن لم يكن العبد في تقدم فهو في تأخر ولا بد، فالعبد سائر ولا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام، وإما إلى وراء وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إما إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة، فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
стр. 39
الدعوة في بيوتنا
حين يكون الحديث عن أمر الدعوة إلى الله يظن البعض أن الأمر متعلق بالصين والهند والشرق والغرب، وما علم أن الأمر من تحته وأقرب إليه من ذلك كله.
فأول أمور الدعوة أن يأخذ الإنسان نفسه على الحق وهذه أعظم دعوة، يتوب من المعاصي والذنوب ويستزيد من الصالحات ويحافظ على النوافل قدر المستطاع. ولا بد أن يحدث له توبة من ترك النوافل والمستحبات فيتوب من تضييع السنن الرواتب، ويتوب إلى الله من التفريط في المسارعة إلى الصف الأول، ويتوب إلى الله من هجر القرآن، ويتوب إلى الله من قلة ذكره ، ويتوب إلى الله من إضاعة الأوقات دون فائدة.
ثم هو مع هذا كله يبدأ خطوة في إصلاح منزله وأولهم والداه وزوجته وأبناؤه وقرابته كل بحسبه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
ويسهم بين حين وآخر في محاولة دعوة أسرته وقرابته في الاجتماع الأسبوعي أو الشهري، ويعين أهل الحي وخاصة الجيران على الصلاة وتفقد أبنائهم .. إنها قائمة طويلة لو تتبعتها لوجدت في نهايتها صلاح المجتمع بعامة!
ونحتاج لتحقيق ذلك كله إلى أمرين هامين:
الأول: الرفق واللين، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ويقول الله تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
стр. 40
رَحِيمٌ﴾.
الثاني: الاستمرار والمداومة، فإن البعض يدعو مرة ثم يتوقف، والأمر ليس بذاك، بل هو أمر مستمر ودعوة قائمة حتى يموت الإنسان؛ ونوح ﵇ مضى عمرًا طويلاً يقارب الألف عام، وهو يدعو والنبي ﷺ مكث سنوات وليس معه إلا الرجل والرجلان، وما وهن، أو تراجع، أو توقف.
стр. 41
فتوى
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية هذا السؤال وأجابت عليه بالفتوى رقم ٢٠٠٦٢.
هل طباعة الكتب الشرعية الصحيحة ينتفع بها الإنسان بعد موته ويدخل في العلم الذي ينتفع به كما جاء في الحديث؟
الجواب: طباعة الكتب المفيدة التي ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم هي من الأعمال الصالحة التي يثاب الإنسان عليها في حياته ويبقى أجرها ويجري نفعها له بعد مماته ويدخل في عموم قوله ﷺ فيما صح عنه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي والنسائي والإمام أحمد، وكل من ساهم في إخراج هذا العلم النافع يحصل على هذا الثواب العظيم سواء كان مؤلفا أو معلما أو ناشرا له بين الناس، أو مخرجا أو مساهما في طباعته كل بحسب جهده ومشاركته في ذلك [فتوى رقم ٢٠٠٦٢].
أخي المسلم:
هذا باب خير عظيم أمامك .. فالأموال متيسرة ولله الحمد، والكتيبات متوفرة بأسعار زهيدة، والبريد قائم والقبول من الناس واضح جلي فماذا تنتظر؟
стр. 42
من يحمل هم هذا الدين ؟
يحمل هم هذا الدين أبناؤه البررة رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيبًا وشبابًا على اختلاف مستوياتهم العلمية والوظيفية .. فالأمر كله في النهاية .. كالقافلة التي تسير في الصحراء قاصدة مكانا معينا، وتجد في هذه الرحلة مختلف الناس أصحاء وأقوياء وضعفاء ومساكين، وشباب وشيبا ورجالا ونساء، ومتعلمين وجهلة .. لكن لكل فرد دور محدد في هذه الرحلة، فهذا دليل يعرف المواقع، وآخر يسقي الماء، وثالث يتابع سير القافلة ويتفقد الجميع، ورابع وخامس .. وهذه بهذه المجهودات مجتمعة تسير ولا تتوقف ولا يكون فيها خلل أو نقص.
قال علي بن أبي طالب ﵁: قيمة كل امرئ ما يحسنه.
وقد كان السلف متباينين في القدرات والطاقات، وكل أخذ بالعمل الذي يجيده، وبعضهم جمع أكثر من عمل، فمنهم من كان في الإنفاق رأسا كأبي طلحة وعثمان بن عفان ومنهم من كان مجاهدا صابرا وفتى مغوارا كعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وغيرهم.
ومنهم من كان خطيبا مفوها وشاعرا مقدما مثل حسان بن ثابت ﵃ أجمعين.
стр. 43
لا تطلب الجزاء
من قام بأمر الدعوة أحيانا تدعوه نفسه إلى النظر فيما يقول الناس عنه، وما يقومون له من شكر، أو يفسحون له في مجلس، أو يخدمونه في أمر من أمور الدنيا، وهذه قد تثلم إخلاصه، فهو إنما قدم العمل لله لا لطلب الجزاء أو الشكر أو رد المعروف كما يقال.
قال ابن تيمية ﵀: .. ومن الجزاء أن يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ والدعاء جزاء كما في الحديث: "من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتمونه" وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعو لنا ويبقى أجرنا على الله.
وقال بعض السلف: إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله فمن عمل خيرا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيا أو رجلا صالحا أو ملكا. من الملوك أو غنيا من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصا لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي ولا رجل صالح ولا من الملائكة فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين (١).
стр. 44
تيسر أمر الدعوة
من نعم الله أن وسائل الدعوة وسبلها سهلة ميسرة لكل فرد، ومما نراه من ذلك:
١ - قبول الناس للحق بشكل منقطع النظير وهذا ملاحظ مشاهد، وأحيانا تغيب فترة عن رجل ما وتقابله بعد حين فإذا حاله قد تبدلت، والبعض تلقي إليه بكلمة فإذا به يتمسك بك كالغريق يريدك أن تزيده، ولهذا سمى الكثير هذه السنوات بسنوات العودة إلى الله .
٢ - نعمة الحياة التي أنت فيها من أعظم النعم للقيام بأمر الدعوة، وعمرك سنوات قلائل فإن استثمرتها وإلا ضاعت عليك سدى، وأنت اليوم في دار مؤقتة فاعمل لدار باقية خالدة.
٣ - أنعم الله علينا بأموال طائلة كثيرة، ونصرف منها على توافه الأمور والكماليات الشيء الكثير، وأمر الدعوة أوجب وألزم وأبقى وأدوم وقد وعد الله بمضاعفة الأجر للمنافقين: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ....... ﴾.
٤ - الصحة والعافية نعمتان تعينان على العمل دون عوائق، وقد رأيت مريضا في الطائف لا يتحرك سوى رأسه فقط، ويعمل -وفقه الله- في الدعوة داخل المستشفى وأسلم على يديه بعض الكفار من الممرضين والممرضات، ويناصح كل من يقابله أو يراه، بل ويخاطب المسئولين في أمور عامة.
стр. 45
٥ - العلم الشرعي نعمة عظيمة ولا حد لنشر الدعوة
والنبي ﷺ يقول: "بلغوا عني ولو آية" وكثير اليوم لديه من العلم الشرعي الكثير ولكنه لا يعمل لإيصاله، ومع توفر الوسائل والسبل يستطيع حتى العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب أن يسهم في الدعوة عبر وسائل متاحة، منها توزيع ونشر الكتاب والشريط وغير ذلك.
٦ - الاستفادة من الوسائل الحديثة مثل الهاتف والاتصالات كالانترنت، وسرعة خدمة البريد، فهذه وسائل لم تكن متوفرة من قبل.
٧ - توفر الكتاب والشريط الإسلامي بمبلغ زهيد وما رأينا مثل هذا الزمن الذي يطوف فيه العلماء القارات الخمس وينتشر علمهم عبر الأثير، بريال واحد قيمة كتاب قد يسلم بسببه كافر أو يهتدي ضال.
٨ - عدم وجود مؤثرات قاطعة تؤثر على انتشار هذا الدين في كل مكان بلا استثناء وتأمل في حال الرسول ﷺ وكيف رمت العرب والعجم بسهم واحد من كنانتها نحوه ﷺ ، وأنت أيها الحبيب من منعك من أمر الدعوة؟ وهل نشر رأسك نصفين لتخشى العمل وتتوقف؟ بل نرى تاجر ومروج المخدرات أكثر من البعض همة وحماسا لنشر فساده.
стр. 46
نكتة لطيفة
قال ابن القيم ﵀: وها هنا أمر يجب التفطن له: وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره، فالغني الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه، فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة. والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته فوقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع، والعالم الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر، ومخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة، وقراءة القرآن والتسبيح، وولي الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده: جلوسه ساعة لنظر في المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم وإقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره، ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته (١).
стр. 47
مواقف
ذهبت إلى الطائف قبل سنوات واضطررت أن أزور المنطقة الصناعية لعمل عطل يسير في سيارتي استمر إصلاحه أقل من ساعة، وكان معي أحد الشباب وناول العامل العربي كتابا، فانفجر بالدعاء وقال: لي هنا خمسة عشر سنة ولا أصلي مطلقا ولم يناولني أحد كتابا إلا اليوم.
قلنا: إن صدق الرجل فتلك مصيبتان عظيمتان: مصيبة ترك الصلاة، ومصيبة عدم دعوته
شاب جعل هدفه منذ عشر سنوات خدمة الفقراء والأيتام في الأحياء الفقيرة، وبدأ هذا العمل وهو طالب في الجامعة، ثم استمر حتى أذن له بإنشاء مبرة خيرية في وسط الحي، ولا يزال بنفس الهمة والنشاط، بل ويعرف الفقراء والأيتام بأسمائهم فردًا فردًا، وقد جعل مع التوزيع الشهري كتابًا وشريطًا حتى يجتمع لدى المحتاجين غذاء للقلب والجسم.
تؤانس طريقك في السفر لوحات جانبية صغيرة كتب عليها عبارات تذكر بالتسبيح أو التهليل أو التكبير أو الصلاة على
النبي ﷺ وهذه تزيل وحشة الطريق وتذكر الغافل، فطوبى لمن قام بها وأحسن الله إليه كما أحسن إلى المسافرين، وبعضهم فكر أن يقوم بعمل مثل هذه الكلمات الطيبة في اللوحات الإرشادية في المدن، وذلك باستئجار اللوحات الدعائية بمبلغ من المال.
* أحدهم ذهب إلى موقف النقل الجماعي وسلم للإدارة
стр. 48
مجموعة كبيرة من أشرطة القرآن الكريم واشتراط عليهم جعلها في الحافلات المغادرة حتى يسمع الركاب كتاب الله ، وزودهم بعد حين بأشرطة العلماء والمشايخ وخص الحافلات المسافرة إلى مكة بأشرطة توضح صفة العمرة والحج.
قصة عجيبة ذكرها لي أحد الأفراد العاملين في دعوة الجاليات قال: ذهبت إلى فندق لمقابلة شخص وانتظرته في صالة الفندق، وكان بجواري رجل فلبيني تجاذبت وإياه أطراف الحديث وقال لي: أقوم الآن ببناء مسجد في الفلبين، يقول الداعية لما ذكر لي حال المسجد وكم تبقى من المبالغ أدخلت يدي في جيبي وأخرجت ورقة وكانت من فئة الخمسمائة ريال، قال: فنازعتني نفسي، المبلغ كبير، وقد يكون الرجل غير صادق، لماذا الحماس والعاطفة السريعة؟ ولكن لما رأيته شاهد الخمسمائة ريال استحييت منه ودفعتها له، وقلت: هذه مساعدة لبناء المسجد، قال: فأعادها إلي وقال: أنا أبني المسجد من مرتبي ولا أقبل أن يدخل معي أحد، وكل شهر أستقطع من مرتبي لبناء هذا المسجد.
قال الداعية: فزاد حزني على سوء الظن وما نالني من البخل والشح.
* إحداهن تسعى إلى إسعاد الفقراء والمساكين وتفريج كربهم، وإدخال السرور على نفوسهم، يوما قالت لأحد أبنائها: هذه مئتا ريال اشتر مطبقا (نوع من الأكل) واذهب به إلى هذه البيوت بعد صلاة العشاء مباشرة حتى يفرح الفقراء مع أطفالهم بهذه
стр. 49
الوجبة التي ربما لم يسمعوا عنها، أو سمعوا عنها ولم يأكلوها.
* مع كثرة ما نراه من الملتزمين إلا أن عملهم في الدعوة إلى الله قليل جدا، ولذا كثر الخبث وزادت الشرور وتعالى أهل الفسق والفجور.
وأذكر أني قد زرت مكتبا من مكاتب الجاليات ودار الحديث عن منطقة صناعية بجوارهم وماذا قدموا للعاملين الذي لا يأتون إليهم، قال لي مدير المكتب: توجد لدينا سيارة (حافلة) فاملؤوها بالكتب ونجعل معك عاملاً يساعدك، فقط نريد شخصًا سعوديًا يكون في المقدمة للحديث والهيبة وحتى تكون الأمور متكاملة ودارت الأيام وكلما رأيت مجموعة من الشباب ذكرت لهم حاجة المكتب؛ وحسب علمي أنه لم يأتهم أحد بشكل مستمر.
وبدون هذه القصة نتساءل: كم عدد مكاتب الجاليات وعدد مكاتب المؤسسات الخيرية والإغاثية وجمعيات البر في مدينة الرياض مثلا أو جدة؟ إنها أعداد مباركة، لكن كم عدد العاملين بها من المتعاونين مقارنة بعدد الملتزمين في الرياض؟ إنهم قليل جدا مع تنوع الفرص ومواقع هذه المكاتب واختلاف طرق العمل وغيرها.
بمعنى أن هناك فرص كثيرة متاحة، لكن من يعملون قلة وقلة جدا، وقارن واسأل لتتأكد، ثم الطامة الكبرى أين يذهب الملتزمون الذين لا يعملون في الدعوة، إنه ضياع أوقات وجلسات غيبة ونميمة وقل منهم من استفاد من وقته في تحصيل علم، أو بر والدين، أو عمل دعوي فردي، أو غير ذلك.
стр. 50
إمام المسجد
لإمام المسجد دور كبير وفاعل في نشر الدعوة في حيه، ومن أبرز الطرق التي نعرفها: قراءة درس يومي في أحد الكتب المعتمدة، واستقطاب الدعاة والعلماء لإلقاء المحاضرات وكذلك تفقد أهل الحي والجيران، وإقامة حلق تحفيظ القرآن الكريم والعناية بها، وغير ذلك من الأعمال العظيمة، ومن أجمل وسيلتين دعويتين سمعت بهما:
الأولى: أحد الأئمة الموفقين مع نهاية العام الدراسي وزع إعلانا على جميع بيوت الحي أخبرهم فيها بأن هناك جوائز للناجحين في جميع المراحل، وعدد أسماء الجوائز وأنها قيمة؛ واشترط إحضار صورة الشهادة دون النظر إلى التقدير كما اشترط حضور ولي الأمر كشرط أساسي.
فكان أن بدأ الحفل بعد صلاة المغرب، وقد غص المسجد بالمصلين من أولياء الطلبة، بعضهم لأول مرة يدخل المسجد، وبعد الصلاة كانت هناك محاضرة جيدة لأمثال هؤلاء، ثم توالت فقرات الحفل وتلتها صلاة العشاء. ثم وزعت الجوائز، فكرة كانت موفقة وجيدة أتم الأمر بأن جعل من ضمن الهدية الأساسية للطفل، كتبا وأشرطة لإصلاح البيوت.
وفي نهاية الحفل حدد موعدا بعد شهر لإلقاء محاضرة ومسابقات مثل هذه؛ قال الإمام: اجتمع أناس لم أرهم من قبل واكتظ المسجد بالمصلين أكثر من يوم الجمعة .. وهكذا الصغار
стр. 51
يأتون بآبائهم.
الثانية: إمام مسجد موفق اقترح على بعض الجيران وضع مظروف بلاستيكي كبير يوضع فيه مجلد في العلم الشرعي مضافا إلى ذلك كتاب وشريط ومجلة شهرية يوزع باشتراك شهري مخفض، ليصل إلى كل بيت في السنة ١٢ مجلدًا متنوع العلوم، منها في التفسير، والحديث والفقه، والسيرة، وغيرها وبهذا يتكون في كل بيت مكتبة إسلامية صغيرة، هذا عدا الأشرطة والكتيبات والمجلات الإسلامية، ووضع أيضا اشتراكا ممتازا لمن أراد أن يسهم في الخير؛ ويرسل هذا الإهداء إلى جيران لم يشتركوا في هذا البرنامج.
قلت لذلك الإمام: ليتني جاركم ليحصل لي هذا العدد من المجلدات والأشرطة والكتب، قال: أبشرك بدأت بمسجدي والآن لدي اشتراكات من أماكن أخرى، وفي مدينتي ستة مساجد بدأت بتطبيق هذا البرنامج.
ومن وسائل النهوض برسالة المسجد في الحي:
أ- إقامة حلقة ثابتة لتعليم أبناء الحي القرآن الكريم والأحاديث النبوية وبعض الآداب الإسلامية وأخذ الطلاب المتميزين منهم إلى العلماء وطلاب العلم في زيارة لهم.
ب- زيارة المتخلفين عن صلاة الجماعة والسؤال عن حالهم، وتذكيرهم بأهمية الصلاة في المساجد مع إهدائهم بعض الكتيبات والفتاوى والمجلات النافعة والأشرطة المفيدة.
ج- تنظيم دورية لأهل الحي كل نصف شهر وتكون بعيدة
стр. 52
عن الإسراف والتبذير ويتخللها بعض الفوائد النافعة، ويعالج من خلالها أوضاع الحي المختلفة.
د- وضع مسابقة ثقافية كل أربعة أشهر لكافة سكان الحي بحيث تصل هذه المسابقة كل منزل وترصد لها الجوائز المناسبة.
هـ - استضافة بعض طلبة العلم لإلقاء كلمة إرشاد وتوجيه في مسجد الحي بين فترة وأخرى، ولتكن كل أسبوعين مثلا.
وزيارة أصحاب التموينات والأسواق التجارية وتذكيرهم بحرمة بيع الدخان والمجلات الفاسدة، وإعطاؤهم الفتاوى الصادرة بهذا الشأن، ومقاطعتهم حتى ينتهوا عن بيع ما حرم الله، وكذا أصحاب محلات بيع الشيش وأشرطة الغناء، وصوالين الحلاقة وتذكيرهم بالحديث النبوي: "كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به" والسحت هو الحرام.
وأعمال إمام المسجد لا حصر لها من متابعة الأيتام والأرامل والمحتاجين وغيرها كثير.
стр. 53
الدعوة في المدارس
المدارس من أهم محاضن الدعوة والتربية، بل هي المكان الأوسع لذلك، والمعلم الذي يحمل هم هذا الدين هو أمة في رجل .. ولإحياء ذلك أطرح بعض المقترحات التي سمعت بها أو رأيتها ومنها.
١ - القيام بعمل نشاط ثقافي شهري تبذل فيه الهدايا القيمة، ويوضع كتاب كل شهر مع مسابقة تكون جوائزها كتابا وأشرطة أو غيرها من الهدايا المرغوبة لكل عمر من الأعمار وهكذا يكون في كل عدد زيادة في المشتركين والمشتركات مع ما يصل إلى البيوت من الهدايا الدعوية القيمة.
٢ - التركيز حين الدرس على الدعوة وإشعار الطلاب والطالبات بأهمية المحافظة على الواجبات والبعد عن المحرمات وربط ذلك بواقع الناس، وفي كتاب أمانة التعليم، من ذلك الكثير خاصة للمدرسين والمدرسات.
٣ - استقطاب المحاضرين والمحاضرات من خارج المدرسة؛ رغبة في التغيير والتجديد على الطلاب، ويختار بعناية المواضيع التي تعود بالنفع على الجميع وتطعم بالقصص والمشاهدات.
٤ - إقامة علاقات مودة لكسب قلوب الطلاب والطالبات وإشعارهم بأهميتهم وحل مشاكلهم والقرب منهم.
وأذكر أن أحد أئمة المساجد ذكر لي أن سبب حفظه لكتاب الله أن أحد المدرسين سأله: كم تحفظ من كتاب الله؟
стр. 54
يقول فأجبته: أربعة أجزاء، فقال: هذا لا يليق بك، وبدأ يراجع ويسمع لي حتى تيسر لي حفظ كتاب الله .
ومدرس آخر يقول: درست في المرحلة الثانوية فوجدت طالبا مهملاً مؤذيًا لزملائه بليد الفهم، لا يحل واجبًا، ولا يحفظ درسًا، يقول المدرس: فأخذته إلى غرفة منفردة وقلت له: أنت طالب قيادي ولا يصح هذا منك، أنت تدير مدرسة كاملة ولذا سأجعلك مسئولاً عن النظام في الفسح، قال الطالب: أنا، فقلت: نعم أنت وسوف تقوم بهذه المهمة أحسن قيام، قال المدرس: تغير حال الطالب بعد ذلك وأصبح من المؤدبين المنضبطين دراسيا وأتى والده إلي وقال: ماذا فعلت بابني؟ لقد تغيرت حاله وصلح أمره؛ قلت: هي لمسات بسيطة وخبرات تربوية، وما كان لديه من نشاط وحركة جعلته في صالح المدرسة ونجحت في تحويل مجرى هذه الطاقة من الأذية والفوضى إلى النفع والانضباط.
٥ - مدرسة موفقة جعلت في نهاية شهر شعبان ورقة مسطرة تحوي جدولاً لشهر رمضان، ووضعت خانات للصلوات الخمس وللصيام، وكذلك جدولاً لقراءة القرآن وحفظه، ووزعته على طالبات المرحلة الابتدائية، ثم استقبلت الأوراق في شهر شوال فإذا النتيجة الباهرة، لقد ربت الصغيرات وعودتهن على الصلاة والصيام وقراءة وحفظ القرآن، فكم في ورقة واحدة فقط من سنة حسنة ودلالة على الخير فعلتها هذه المدرسة مع طالباتها؟ !
стр. 55
داعية بدون وسائل كاملة
بعض الإخوة ينتظر حتى تتم الأمور ويتوفر المكان والكتب والأشرطة أو حتى تتهيأ الأمور، وهكذا لا تنتهي القائمة المطلوبة، وقد لا يحصل المراد.
والنبي ﷺ جعل حديثه حجة علينا: "بلغوا عني ولو آية" ولم يقل القرآن أو نصفه أو ربعه، بل قال: آية، وهذه الآية تتوفر لدى الكثير.
لنطل على داعية من أعظم الدعاة في التاريخ .. إنه في غياهب السجن، الأبواب دونه موصدة، والجدران سميكة، والمكان موحش مظلم، والحراس أعينهم لا تنام؛ ومع هذا كله، ومع عدم توفر الوسائل وقلة الإمكانات إلا أنه دعا وهو في السجن .. إنه يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
فأين حال يوسف ﵇ من حالنا؟ لقد قامت علينا الحجة بتوفر الوسائل والأسباب المعينة على الدعوة إلى الله ، لكن يبقى العمل وتبقى الهمة.
أما ذلك الفقير المحروم والشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب ويعيش في رمال الصحراء بعيدًا عن الناس .. فإن معه سلاحا نفاذا وسهاما لا تخطئ، يستطيع أن يخدم الإسلام وأهله والعلماء والدعاة وشباب ونساء المسلمين برفع يديه إلى السماء في كل وقت يتضرع إلى الله بإصلاح حال الأمة، ورفع كيد الأعداء وشر المفسدين وإن خلت يداه من أموال الدنيا، فإنها لن تخلو بإذن الله من دعوة صادقة لهذا الدين.
стр. 56
من أعمال السائرين
ليس لمثلي أن يستقصي أعمال السائرين إلى الله لكن أذكر بعضا منها بعثا للهمم وإحياء للعزائم.
أحدهم يأخذ بين الحين والآخر كتبًا باللغة العربية وباللغات الأخرى ويذهب بها إلى محطات وزن الشاحنات، على الطرق السريعة، وعندما تأتي السيارات الكبيرة يناول كل سائق الكتاب الذي يناسبه، وقد ذكر لي أحد الإخوة أنه وزع أكثر من خمسمائة كتاب في أقل من ثلاث ساعات.
وعلل ذهابه إلى ذلك المكان بأن هؤلاء السائقين لا وقت لديهم في المدن لزيارة مكاتب الجاليات أو الهيئات الدعوية فهم محرومون من الكتيبات، فأنا أذهب إلى مكان وقوفهم الإجباري خارج المدن، أما من لا يجيد القراءة منهم فقد أهديته شريطا بلغته، وإن تعثر عليَّ معرفة لغته، أو لم يتوفر لدي أهديه شريطا به قراءة لأئمة الحرم.
* منذ سبع سنوات بدأ بعض الشباب توزيع الكتب على الحجاج القادمين وكانوا يحملون تلك الكتب في سياراتهم، وتدرج الخير حتى أصبح لهم مكتب مرخص له وتم توزيع أكثر من ثمانية ملايين نسخة في عام واحد عبر مكتبهم بمساندة المؤسسات الدعوية والجهات الخيرية.
* أحدهم فرغ نفسه لكتابة مقتطفات من المطويات المجودة وإرسالها إلى الصحف. يقول: لا يهمني أن تنشر كلها، يكفي
стр. 57
البعض، وقد بدأ بإرسال كلمات عن أضرار التدخين، ووصايا لتربية الأبناء، وحقوق الزوج وحقوق الزوجة، وفضل يوم عاشوراء، والتحذير من البدع التي تحدث في رجب وشعبان وهكذا مواضيع كثيرة. فقط يجرد قلمه ويسجل على ورقة أو يطبع على جهاز الكمبيوتر، ويرسل للصحف والمجلات.
كم من الناس يقرءون ما يكتب؟ أعتقد أن من يقرأ هذا النقل في الصحف أكثر ممن يقرءون المطوية نفسها، أليس هذا باب خير عظيم؟
رأيت قبل سنوات داعية أمريكيًّا وتعجبنا من قوله: إن كل ساعات يومي للدعوة، فقط وقت نومي هو الذي لا أدعو فيه، أما الوقت الباقي فكله للدعوة: في السيارة والشركة والطريق والمسجد والبيت، لقد ذكرني بهمته وحماسه ما نقرأه عن حال السلف ﵏، وقد مثل بعض الدعاة أعمال شباب اليوم في الدعوة بأنه مثل البالون ينتفخ بسرعة ولكنه في لحظة ينتهي، وهو واقع بعض الشباب يتحمس لأيام ثم ينطفئ نوره ويخبو أثره، والله المستعان، وحديث النبي ﷺ نبراس لمن أراد الاستمرار: "خير العمل أدومه وإن قل".
أحد المدرسين ذكر أنه طرح على زملائه المدرسين مشروعًا خيريًّا جيدًا عن طريق إحدى المؤسسات الخيرية قال: فتحمس المدرسون وأثنوا على المشروع ووعدوا بالتبرع، قال المدرس: قلت لهم: لعله أدعى للإخلاص وأبعد عن الرياء أن نجعل صندوقا يمر به
стр. 58
أحد الطلبة عليكم فكان كذلك.
يقول المدرس: عاد إلي الصندوق بعد أن مر على أكثر من أربعين مدرسًا لكني لما فتحته لم أجد ريالا واحدا، أليست هذه مصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون.
* السفر وسيلة دعوية عظيمة، ومن الاستفادة في السفر حمل كتب لتوزيعها على المحطات والمساجد وكذلك المرور على القرى والهجر التي بجوار الطريق وإعطاء إمام المسجد أو المؤذن هذه الكتب، أو جعلها في مستوصف القرية فإنهم بأمس الحاجة إليها.
* إحداهن رأت أن تخرج بعد سنوات داعية من قعر بيتها، إنها خادمتها التي بدأت معها في حفظ سور القرآن، ثم أتت إليها بالكتب والأشرطة وبدأت تشرح لها العقيدة الصحيحة، وتحذرها من البدع والشركيات، وقالت: أطمع أن تكون داعية في قريتها، دع الكثيرات يخرجن خادمات يجدن الطبخ، ولا يعرفن من الدين إلا مثلما أتين.
لو أن كل امرأة استشعرت الأمر، لخرجنا سنويا مئات الآلاف من الداعيات.
* يعمل في محل لصنع الخبز منذ أن يصبح وهو يفتح على إذاعة القرآن الكريم وجعل لديه من المواعظ الكثير فنفع الله به كل من يأتي للشراء، وهو بعمله هذا خير من كثير من المتعلمين العاطلين.
* امرأة تزوجت زوجًا غير ملتزم وأهله مثله، فكانت صدمة
стр. 59
لها جعلتها مذهولة حينا من الزمن، لكن لما أفاقت من الصدمة علمت أن الطريق هو طريق محمد ﷺ فشمرت في العمل، وبدأت بألين وأسهل من في الأسرة من البنات الصغيرات وبذلت نفسها في خدمتهم جميعًا فكانت لا تكل ولا تمل ولا تتذمر ولا تتشكى حتى أحبها البعض ومع هذا قالت: البعض نعمة؛ مرت سنوات هي على حالها تعاني من الاستهزاء والغمز واللمز، لكنها صابرة محتسبة حتى كبرن الصغيرات، وفرج الله عنها بهداية الأسرة لكن ذلك لم يأت من التشكي والتجزع أو من الضعف وترك الدعوة، بل يأتي من الصبر والهمة العالية والدعاة وتحمل المشاق.
لموسى ﵇ منزلة عند ربه، وخصوصًا في همته الدعوية، حتى غفر الله له ما غفر لسبب همته الدعوية، كما قرر ابن تيمية ﵀ فيما يرويه عن ابن قيم الجوزية في كتابه مدارج السالكين قال:
انظر إلى موسى ﵇ رمى الألواح فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله، ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ﷺ وربه يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمة القبط وبني إسرائيل، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر، وانظر إلى يونس ﵇ حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربَّه مرة، فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى.
стр. 60
تأمل معي
لو فتح مثلا في بعض بلاد المسلمين الباب لتوزيع كتب الرافضة والنصارى فهل يا ترى يخلو بيت منها؟ ونحن اليوم الكتب والأشرطة متوفرة لدينا بمبالغ زهيدة جدا، لكننا نكسل ونبخل بإيصالها إلى أهلنا وذوينا والبعض بيته وبيوت أقاربه لا يعرفون الكتاب ولا الشريط.
أب رحوم وأم رءوف لكنها تلقي بأبنائها وبناتها إلى النار والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فهل وقيناهم من تلك النار وجعلنا بينهم وبينها وقاية؟
لا نريد أن يربي الأب ولده لنفسه .. نريد أن يتربى الصغير وينشأ لينفع أمة محمد ﷺ ، ليجعل الأب والأم نصب أعينهما أننا نريد عالما ربانيا، وداعية مخلصًا، ومجاهدًا مغوارا، وطبيبا، ومهندسا، ومزارعا، الجميع همهم رفعة الإسلام، إنهم ليسوا لك وحدك، هم لأمة محمد ﷺ أجمع، وهذا من أعظم أبواب الدعوة اليوم! فتأمل لو خرج لنا كل بيت خمسة دعاة إلى الله كم يكون العدد بعد سنوات؟
من يتصدر المجلس بالحديث عن الدعوة ولمز الدعاة وغمز المؤسسات الخيرية والدعوية، أولئك لا يعملون إلا بألسنتهم فلا يكن حظك هذا الضياع، ولا يكن حظ أذنك هذا الخواء.
أبواب الدعوة كثيرة، ولم نر من يشتكي من إغلاق الأبواب كلها، فإن الله متم نوره وإذا أغلق باب، فتحت أبواب
стр. 61
ولله الحمد.
كم هي حاجتك إلى هذا الدين، إنها كالهواء والماء والطعام بل هي أعظم، ماذا قدمت من عمل للحصول على الشراب والطعام. ثلث وقتك، أو نصفه اجعل لهذا الدين ما تراه يفي بفضل الله عليك ولن تستطيع لكنه ﵎ بمنه وكرمه يقبل القليل ويبارك فيه! .
стр. 62
يا باغي الخير أقبل
أبواب الخير كثيرة ومتنوعة .. هذه جملة من تلك الأبواب لعلك تطرقها جميعًا.
قال ﷺ : "كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" [متفق عليه].
وقال ﵊: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" [متفق عليه].
وقال ﷺ : "سبق درهم مائة ألف درهم" قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: "رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق به" [رواه النسائي].
وقال ﵊: "لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين" [رواه مسلم].
ومع التفاوت في الأعمال إلا أن الإسلام جعل الأجر والمثوبة لكل عمل تقوم به، ولا تعلم ماذا يتقبل من الأعمال؟ وما هي أرجى أعمالك عند الله وأكثرها قبولا؟ فلا تحقرن من العمل شيئا قل أو كثر.
стр. 63
ما الذي يمنعك ؟
أنت -ولله الحمد- مسلمٌ، ولهذا الدين عليك حقوق عظيمة، لكنك في الناحية العملية ضعيف الانتاج قليل الهمة، دعنا نناقش ما يتعذر به البعض من الأوهام:
١ - الكسل والفتور: وهذا لا نراه إلا في هذا الجانب الدعوي، أما في الجوانب الأخرى فأنت صاحب همة ونشاط .. رحلة صيد، لعب كرة .. الذهاب إلى الاستراحة لديك همة وعزيمة، إذا لديك همة وعزيمة، لكنك لم تصرفها لصالح هذا الدين ولذا أصابك الكسل والفتور.
٢ - تلبيس إبليس: يلبس إبليس على الكثير بأمور كثيرة؛ منها الخوف من أهل الدنيا وهذا مردود عليك لأمور منها.
أولاً: انضبط في أمر الدعوة ولا مدخل لأحد عليك، ورأينا من أفنوا أعمارهم في الدعوة ولم يصبهم ولله الحمد أذى.
ثانيًا: تجنب المواقف الحساسة فإن المؤمن كيس فطن يبحث عن المصلحة ويتجه إليها، ويدرأ المفسدة بمصلحة أخرى.
ثالثًا: عليك بالتوكل على الله فإن الله يحفظ عبده ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ولو قال لك مسئول كبير مثلا من أهل الدنيا. اذهب وادع وإذا جرى لك شيء فأنا المسئول وسوف أحميك .. ألست تنطلق بلا تردد وتتحدث بلا تهيب؟ الله أعظم وأجل، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ
стр. 64
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
رابعًا: الإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله بأن يقيك الشرور، وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين، فأنت ضعيف بذاتك، وقوي بجوار الله وحفظه وتسديده.
خامسًا: إن أصابك أمر في جانب الدعوة إلى الله فقد أصاب قبلك من الأنبياء والمرسلين الشيء الكثير فاصبر واحتسب وأبشر ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إنه قسم من الله عظيم لمن دعا إليه وجاهد في سبيله باللسان والقلم والمال، بأنه يهديه سبيل النجاة .. وهي عصمة من الانحرافات ونجاة من الفتن وتثبيت على الطريق.
وتأمل في حديث النبي ﷺ : "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه" [الفتح: ٧/ ٢٠٢].
стр. 65
وقفات دعوية
قبل سنوات بحثت عن كلمات كثبت في الصحف والمجلات عن فضل يوم عاشوراء فلم أجد مع الأسف الشديد شيئا، وهذا ولا شك من التقصير، وإلا فالصحف والمجلات تقبل ما يرسل إليها، وليس بالضرورة أن تنشر كل ما يرد، لكن دعونا نرسل لهم عشر مقالات وينشر مقال واحد، وهذه نعمة وفضل من الله ، ومن المجالات التي يكتب فيها: التوحيد بأنواعه، خاصة ما تفلت من قلوب الناس، كالتوكل واللجوء إلى الله، والسحر وحكمه وكذلك الصلاة ووجوب المحافظة عليها، والوقت وأهميته، وحكم شرب الدخان وخطره، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وتربية الأبناء، وغيرها كثير، وبالإمكان الأخذ من المطويات والكتيبات الموجودة بعد تلخيصها.
* من يكتب يحتاج إلى توجيه واستدراك، فالمحسن يقال له: أحسنت ويثبت على ما هو عليه من الخير، والمسيء يوجه للصواب وترسل له فتاوى العلماء والكتب النافعة فإن في هدايته خيرًا عظيمًا، وإن لمن ينفع فلا أقل من أن يشعر أن القراء يتابعون زلله، وربما رفعوا في أمره للجهات المسئولة فبهذا يخف شره ويقل.
* تنظيم مسابقة عائلية سواء للأسرة الصغيرة أو للعائلة حين اجتماعها نهاية الأسبوع، وتوزيع الجوائز وعمل اشتراك للأسرة في المجلات الإسلامية: كالدعوة والأسرة والشقائق، لما في ذلك من
стр. 66
النفع والتنوع والاستمرار.
امرأة فاضلة إذا أقبل موسم الحج قامت باختيار وشراء الآلاف من الكتب باللغة الأندونيسية من مكاتب الجاليات، ثم وضعت كل مجموعة داخل مغلف، ثم ترسل بها إلى الحجاج، ليتم التوزيع هناك كل عام فيا ترى كم حاجًّا استفاد من هذه الهدية العظيمة واستثمر هذا التجمع الكبير؟
رجل وزوجته لا يذهبان إلى الأماكن العامة إلا ومعهم كتب ومطويات، فإذا ذهبوا إلى المستشفى أو المستوصف جعل الرجل ما معه من الكتب والمطويات في انتظار الرجال، والمرأة مثل ذلك في انتظار النساء، وهكذا لا تخلو سيارة الزوج من كتب، أما حقيبة الزوجة فإنها لا تخلو من المطويات.
* ممرضة في أحد المستوصفات من دولة عربية كانت فاتنة وتظهر شعرها ونحوها، وأهدي إليها كتاب عن الحجاب فكان أن أخفت شعرها ونحرها ولله الحمد، وقام آخرون بإهدائها كتاب فتاوى النظر والخلوة والاختلاط فتركت العمل تمامًا واستقرت في عقر دارها، رغم حاجتها للوظيفة، فالحمد لله على هذا الفضل، وتأمل في أثر كتابين فقط كيف كانت الأمور؟ وكيف تبدلت القلوب ولله الحمد؟
* إذا أتى الخير ونزل، رحل الشر وولى، وأوجه دلالة الناس على الخير كثيرة جدًّا منها: الدلالة على مواعيد ومكان المحاضرات والدروس، الدلالة على السنن وما فيها من الأجر، الدلالة على
стр. 67
الفقراء والمساكين والأرامل والغارمين، الدلالة على مدارس تحفيظ القرآن الصباحية وما فيها من حفظ كتاب الله ، والدلالة على حلق التحفيظ في المساجد، وعلى المدارس النسائية المسائية لتحفيظ القرآن.
وفي حيك أيها الموفق عليك بالدلالة على الكتب النافعة والأشرطة المفيدة، والدلالة على المدارس المتميزة، الدلالة على أهل الخير والصلاح، والدلالة على الأماكن الصيفية التي ليست بها منكرات، الدلالة على أماكن صرف الزكوات، التعريف بالمؤسسات الخيرية، تقديم النصح للراغبين في الزواج وإعلامهم بالعوائل الطيبة المناسبة للزواج، وهكذا أوجه الدلالة كثيرة لا تحصى ولا تعد.
والناس في هذه الأيام تناول يدها لمن يأخذها، ونتعجب أن الكثير لا يعرف أن هناك دور تحفيظ نسائية أو أن هناك رحلات صيفية للطلاب الملتزمين، والبعض لا يعرف أن هناك مجلات إسلامية جيدة .. وهذا كله خلل في أمر الدلالة لدينا.
فتذكر دائما حديث النبي ﷺ : "الدال على الخير كفاعله".
جعلني الله وإياكم وجميع المسلمين مفاتيح للخير مغاليق للشر!
стр. 68
النبي القدوة
نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم هو النموذج القدوة في الدعوة إلى الله .
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد قال ﵊: "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي" [رواه مسلم].
لقد دعا ﵊ في الوادي وعلى الجبل وفي المسجد والطريق والسوق وفي منازل الناس وفي الموسم، وفي المقبرة ودعا ﷺ في الحضر والسفر، والأمن والخوف، والصحة والمرض، ودعا ﷺ عندما يزور أو يزار، دعا من أحبوه، ومن أبغضوه، ومن أطاعوه، ومن أعرضوا عنه، وبعث الوفود وأرسل الدعاة، وكتب الرسائل إلى الملوك والرؤساء.
أخي الداعية: أذكرك بقول النبي ﷺ : "من أراد أن يعلم ما له عند الله، فلينظر ما له عنده" السلسلة الصحيحة (٢٣١٠).
وقال ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" [السلسلة الصحيحة ٦٢٢٢].
وقال ﵊: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" [رواه مسلم].
стр. 69
قال النووي: وفيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله.
والمراد بمثل أجر فاعله: أن له ثوابا بذلك الفعل، كما أن لفاعله ثوابًا.
فكم من الثمار غرست لتزهر وتورق لك فتستظل بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، جعلني الله وإياكم من أولئك بمنه وكرمه.
стр. 70
وفي الختام
أيها المسلم وأيتها المسلمة، أكثرت من الحديث وزادت الحروف، والله إنا نتوق إلى ألسن بكم وأيد وضاح.
وخير من ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.