← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36557

أولئك الأخيار

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

يعدلها فرح ولا سرور ذكر ذلك أبو سليمان عندما قال: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا (١). وقال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث .. قيام الليل، ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة (٢). وكيف حالنا اليوم وقد أصبح الناس يتثاقلون في العبادة ويبتعدون عن الطاعة؟ فأخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه بالناس (٣). لنرى ليالينا التي أضعناها فيما لا فائدة منه كيف كانوا يغتمون بطلوع الفجر؟ وكيف كانوا يفرحون بقيام الليل وصيام النهار؟ فهذا علي بن البكار يؤكد الحزن بقوله: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر (٤). صلاتك نور والعباد رقود ... ونومك ضد للصلاة عنيد (٥)

стр. 37

يا ترى كيف كانت محبتهم للطاعات ومداومتهم عليها حتى جعلها الله عندهم من لذات الدنيا ... كان ثابت البناني يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل (١). إنه ليل العبادة والطاعة، ليل يناجي فيه رب السموات والأرض ... يفرحون به إذا أتى ويحزنون إذا رحل. يروى عن محمد بن المنكدر –﵀ أنه لما نزل به الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي حرصًا على الدنيا ولا جزعًا من الموت، ولكن أبكي على ما يفوتني ما ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء. وصيام ليالي الشتاء وقيامها هي التي سماها النبي ﷺ ، الغنيمة الباردة (٢). بكى الباكون للرحمن ليلاً ... وباتوا وهم لا يسأمونا بقاع الأرض من شوق إليهم ... تحن متى عليها يسجدونا (٣) قال الخلدي: رأيت أحد العباد في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت

стр. 38

تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار. أخي الحبيب ... أين نحن من هؤلاء؟ ! ومن كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتباع المصطفى فيما أتى ذاك السبيل المستقيم وغيره ... سبل الظلالة والغواية والردى فاتبع كتاب الله والسنن التي صحت فذاك إن اتبعت هو الهدى (١) من أراد قيام الليل والقرب من الله ومن أراد أن ينال هذه المنزلة الرفيعة فعليه أن يأخذ نفسه بهذه الأسباب التي تعين المسلم على قيام الليل ومنها .. ١ - لا تكثر الأكل فيكثر الشرب، فيغلب النوم ويثقل عليك القيام. ٢ - لا تتعب نفسك بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح، وتضعف بها الأعصاب، فإن ذلك أيضًا مجلب للنوم. ٣ - لا تترك القيلولة بالنهار، فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل.

стр. 39

٤ - سلامة القلب من الحقد على المسلمين، ومن البدع والخرافات ومن هموم الدنيا، فإن هذه الأمراض تصرف عن طاعة الله. ٥ - لا ترتكب الأوزار بالنهار، فإن ذلك مما يقسي القلب، ويحول بينك وبين أسباب الرحمة. ٦ - خوف يلزم القلب مع قصر الأمل، والتفكر في أهوال يوم القيامة ودركات جهنم. وأخيرًا يا أخي الكريم: تذكر أن النبي ﷺ ، قام من الليل حتى تفطرت قدماه. وقام السلف الصالح والأخيار الصالحون من هذه الأمة ... أفلا تحب أن تكون بجوارهم في جنات عدن؟ ... مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقًا. أخي المسلم: وأنت خير من يخلف سلف الأمة الصالح بطول القيام وبصدق المناجاة فأنت صاحب القلب الحي العامر بالإيمان الصادق ... لا تنسنا من صالح دعائك. جعلنا الله وإياك من الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآيات: ١٥ - ١٨].

стр. 40

هديه ﷺ في قيام الليل (*) لم يكن ﷺ يدع قيام الليل حضرًا ولا سفرًا، وكان قيامه ﷺ ، بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، وكان ﷺ يصلي أول الليل أربع ركعات أو ست ركعات ثم يأوي إلى فراشه، وكان إذا استيقظ بدأ بالسواك ثم يذكر الله ويقول عند استيقاظه: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» ثم يتطهر، ثم يصلي ركعتين خفيفتين، وكان ﷺ يقوم تارة إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، وربما كان يقوم إذا سمع الصارخ -وهو الديك- وهو إنما يصيح في النصف الثاني، كان يقطع ورده تارة، ويصله تارة وهو الأكثر. قيامه بالليل ووتره أنواع فمنها: النوع الأول: أنه ﷺ يقطع ورده تارة ويصله تارة كما قال ابن عباس في حديث بيته عنده، أنه ﷺ استيقظ فتسوك، وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٠]، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن

стр. 41

أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا» رواه مسلم، ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة، فإما أنه كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه ابن عباس. النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتم ورده إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة. النوع الثالث: ثلاث عشرة ركعة كذلك. النوع الرابع: يصلي ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردًا متواليًا، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن. النوع الخامس: تسع ركعات، يسرد منهن ثمانيًا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة، يجلس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ويتشهد ويسلم ثم يصلي ركعتين جالسًا بعدما يسلم. النوع السادس: يصلي سبعًا كالتسع المذكورة، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسًا. النوع السابع: أنه كان يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. النوع الثامن: ما رواه النسائي عند حذيفة، أنه صلى عند النبي ﷺ ، في رمضان فركع فقال في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» مثل ما كان قائمًا، ثم جلس يقول: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»

стр. 42

مثل ما كان قائمًا ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى» مثل ما كان قائمًا فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الصلاة. وأوتر أول الليل، ووسطه، وآخره، وقام ليلة تامة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١١٨].

стр. 43

المصادر ١ - إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي - دار الكتب العلمية ط ١، ١٤٠٦ هـ. ٢ - بستان العارفين للإمام أبي يحيي زكريا بن شرف النووي، حققه محمد الجار. ٣ - تاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية. ٤ - تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي، دار إحياء التراث العربي. ٥ - تفسير ابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير، دار الفكر ١٤٠١ هـ. ٦ - جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ط ٥، ١٤٠٠ هـ. ٧ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزية ط ١، ١٤٠٧ هـ. ٨ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم، دار الكتاب العربي. ٩ - رهبان الليل، سيد بن الحسين العفاني، مكتبة ابن تيمية ط ١، ١٤٠٧ هـ. ١٠ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة ١٤٠٢ هـ.

стр. 44

١١ - الزهد للإمام أحمد بن حنبل، دراسة وتحقيق محمد السعيد، دار الكتاب العربي ط ١، ١٤٠٦ هـ. ١٢ - الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح، محمد بن محمد بن يوسف الجزري، تحقيق محمد بسيوني، دار الكتاب العربي ط ١، ١٤٠٦ هـ. ١٣ - سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق شعيب الأرناؤوط وحسين الأسد، مؤسسة الرسالة ١٤٠١ هـ. ١٤ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي. ١٥ - صفة الصفوة لابن الجوزي، تحقيق محمود فاخوري، ومحمد رواس، دار المعرفة ١٤٠٥ هـ. ١٦ - صيد الخاطر لابن الجوزي، دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤٠٧ هـ. ١٧ - طبقات الشافعية لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق محمود محمد طناحي ورفيقه، دار إحياء الكتب العربية. ١٨ - عقد اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان، إبراهيم بن عبيد. ١٩ - الفوائد لابن القيم الجوزية، دار النفائس. ٢٠ - كتاب الزهد الكبير للإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، حققه الشيخ عامر أحمد حيدر، مؤسسة الكتب

стр. 45

الثقافية ط ١، ١٤٠٨ هـ. ٢١ - مختصر قيام الليل، شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، اختصرهما العلامة أحمد بن علي المقريزي. ٢٢ - المدهش لأبي الفرج جمال الدين الجوزي، ضبطه وصححه د. مروان قباني، دار الكتب العلمية ط ٢، ١٤٠٥ هـ. ٢٣ - مناقب الإمام أحمد للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ١٣٩٩ هـ، مكتبة الخاني.