стр. 911
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 36558
الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني
الشاطبي الأصولي النحوي
Полный текст (1 328 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 912
أَذناب الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه حَتَّى تَرْجِعُوا إِلى دِينِكُمْ".
فتأَمل كَيْفَ قَرَنَ التبايُعَ بالعِيْنَة بِضِنَّةِ النَّاسِ (١)؟ فأَشعر بأَن (٢) التَّبَايُعَ بِالْعِينَةِ يَكُونُ عَنِ الشُّحِّ بالأَموال، وَهُوَ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ، فإِن الرَّجُلَ لَا يَتَبَايَعُ أَبداً هَذَا التَّبَايُعَ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُسْلِفُه، أَو مَنْ يُعينه فِي حَاجَتِهِ، إِلا أَن يَكُونَ سَفِيهًا لَا عَقْلَ لَهُ.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى مَا خَرَّجَهُ أَبو دَاوُدَ أَيضاً (٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "سيأْتي عَلَى النَّاسِ زمانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ المُوسِرُ عَلَى مَا فِي يديه، ولم يؤْمر بذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٤)، ويُبَايِعُ المُضْطَرّون، وقد نهى ﵇ عن بيع المُضْطَرّ، وبيع الغَرَر، وبيع الثمر قبل أن يُدرك.
وخرَّجه أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور (٥).
стр. 913
وخرج سعيد (١) عن حذيفة في معنى الحديث (٢) أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بعد زمانكم هذا زماناً عَضُوضاً، يَعَضُّ الموسر على ما في يديه، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٣): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤)، ويَنْهَدُ (٥) شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ يُبَايِعُونَ كُلَّ مُضْطَرّ، أَلا إِن بَيْعَ الْمُضْطَرِّ حَرَامٌ، الْمُسْلِمُ أَخو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخُونُهُ، إِن كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فعُدْ بِهِ عَلَى أَخيك، وَلَا تَزِدْه (٦) هَلَاكًا إِلى هَلَاكِهِ".
وَهَذِهِ الأَحاديث الثَّلَاثَةُ ـ وإِن كانت أَسانيدها ليست هناك ـ: فهِيَ (٧) مِمَّا يُعَضِّدُ (٨) بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهُوَ خَبَرٌ حَقٌّ في نفسه يشهد له الواقع.
стр. 914
قَالَ بَعْضُهُمْ (١): عَامَّةُ الْعِينَةِ (٢) إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ رَجُلٍ يُضْطَرُّ إِلى نَفَقَةٍ يَضِنّ عَلَيْهِ الْمُوسِرِ بالقرض، إِلا أَن يُربحه في المائة ما أَحب (٣)، فيبيعه ثَمَنُ الْمِائَةِ بِضَعْفِهَا أَو نَحْوِ ذَلِكَ، ففسَّر بَيْعُ الْمُضْطَرِّ بِبَيْعِ العِينة، وَبَيْعُ الْعِينَةِ إِنما هُوَ الْعَيْنُ (٤) بأَكثر مِنْهَا إِلى أَجل ـ حَسْبَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ ـ، فَقَدْ صَارَ الشُّحُّ إِذاً سَبَبًا فِي دُخُولِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ فِي البيوع.
فإِن قيل: كلامنا في البدعة، لا فِي فَسَادِ (٥) الْمَعْصِيَةِ؛ لأَن هَذِهِ الأَشياء بُيُوعٌ فَاسِدَةٌ، فَصَارَتْ مِنْ بَابٍ آخَرَ لَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ.
فَالْجَوَابُ: أَن مَدْخَلَ الْبِدْعَةِ هَاهُنَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَالِ الَّذِي أَجازه بَعْضُ النَّاسِ، فَقَدْ عَدَّهُ العلماءُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كتابٍ (٦) وضِعَ فِي الحِيَل (٧): "من وضعَ هذا الكتاب (٨) فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ حَمَلَهُ مِنْ كُورة إِلَى كُورَةٍ (٩) فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَذَلِكَ أَنه وَقَعَ (١٠) فِيهِ احتيالات (١١) بأَشياء مُنْكَرَةٍ، حَتَّى احْتَالَ عَلَى فِرَاقِ الزَّوْجَةِ زوجها بأَن تَرْتَدَّ".
стр. 915
وقال إِسحاق بن رَاهَوَيْهِ عَنْ سُفْيَانَ (١) بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكَ قَالَ فِي قِصَّةِ بِنْتِ (٢) أَبي رَوْح حَيْثُ أُمرت بِالِارْتِدَادِ، وَذَلِكَ فِي أَيام أَبي غَسَّانَ (٣)، فَذَكَرَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهُوَ مُغَضَّبٌ (٤): "أَحدثوا فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ أَمر بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ عِنْدَهُ أَو فِي بَيْتِهِ ليأْمر به أَو صَوَّبَهُ (٥) وَلَمْ يأْمر بِهِ فَهُوَ (٦) كَافِرٌ". ثُمَّ قَالَ ابْنُ المُبَارَكٍ: "مَا أَرى الشيطان كان (٧) يُحْسِن مِثْلَ هَذَا، حَتَّى جاءَ هؤلاءِ فأَفادها منهم فأَشاعها حينئذ، أو كان (٨) يحسنها ولم يَجِدْ (٩) مَنْ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، حَتَّى جاءَ هؤلاءِ" (١٠).
وإِنما وُضِعَ هَذَا الْكِتَابُ وأَمثاله لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى زَعْمِهِمْ فِي أَن يَحْتَالُوا لِلْحَرَامِ حَتَّى يصير حلالاً (١١)، وللواجب حتى يصير (١٢) غَيْرَ وَاجِبٍ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِنَ الأُمور الْخَارِجَةِ عَنْ نِظَامِ الدِّينِ، كَمَا أَجازوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ احتيالٌ عَلَى رَدّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِمَنْ طَلَّقَهَا، وأَجازوا إِسقاط فَرْضِ الزَّكَاةِ بِالْهِبَةِ المستعارة (١٣) (١٤)، وأَشباه ذلك فقد ظهر وجه
стр. 916
الإِشارة فِي الأَحاديث الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَذْكُورِ (١) فِيهَا الشُّحُّ، وأَنها (٢) تتضمن ابتداعاً كما تتضمن معاصي جملة (٣).
وأَما قبض الأَمانة فعبارة عن شياع الْخِيَانَةِ، وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ أَهل النِّفَاقِ، وَلَكِنْ قد سَارَ (٤) فِي النَّاسِ بَعْضُ أَنواعها تَشْرِيعًا، وحُكيت عَنْ قَوْمٍ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلى الْعِلْمِ، كَمَا حُكيت عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأُمراءِ، فإِن أَهل الْحِيَلِ الْمُشَارِ إِليهم إِنما بَنَوْا فِي بَيْعِ الْعِينَةِ عَلَى إِخفاءِ مَا لَوْ أَظهروه لَكَانَ الْبَيْعُ فاسداً، فأَخفوه ليُظْهِرَ (٥) صحته، فإِن بيعه الثوب بمئةٍ وَخَمْسِينَ إِلى أَجل (٦) لَكِنَّهُمَا (٧) أَظهرا وَسَاطَةَ الثَّوْبِ، وأَنه هُوَ الْمَبِيعُ وَالْمُشْتَرَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ الواقع.
وكالذي (٨) يَهَبُ مَالَهُ عِنْدَ رأْس الْحَوْلِ قَائِلًا بِلِسَانِ حاله أو مقاله (٩): أَنا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلى هَذَا (١٠) الْمَالِ، وأَنت أَحوج إِليه مِنِّي، ثُمَّ يَهَبُهُ، فإِذا جاءَ الْحَوْلُ الْآخَرُ قَالَ الْمَوْهُوبُ (١١) لَهُ لِلْوَاهِبِ مِثْلَ المقالة الأُولى، والجميع فِي الْحَوْلَيْنِ (١٢) فِي تَصْرِيفِ الْمَالِ سواءٌ، أَليس هذا خلاف
стр. 917
الأَمانة؟ وَالتَّكْلِيفُ مَنْ أَصله أَمانة فِيمَا بَيْنُ العبد وربه، فالعمل بخلافها (١) خِيَانَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يُجيز (٢) الزِّينَةَ، وَيَرُدُّ مِنَ الْكَذِبِ، وَمَعْنَى الزِّينَةِ التَّدْلِيسُ بِالْعُيُوبِ، وَهَذَا خِلَافُ الأَمانة وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأَيضاً فإِن كثيراً من الأُمراءِ يَحْتَجِنُون (٣) أَموال المسلمين لأنفسهم (٤) اعْتِقَادًا مِنْهُمْ أَنها لَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ نَوْعًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ المأَخوذة عُنْوةً مِنَ الْكُفَّارِ، فَيَجْعَلُونَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ويَحْرِمون الْغَانِمِينَ (٥) مِنْ (٦) حُظُوظِهِمْ مِنْهَا تأْويلاً عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالْعُقُولِ، فَوَجْهُ الْبِدْعَةِ هَا هَنَا ظَاهِرٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي تَمْثِيلِ الْبِدَعِ الدَّاخِلَةِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا.
وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّمَطِ (٧): كَوْنُ الْغَنَائِمِ تَصِيرُ (٨) دُوَلاً (٩)، وَقَوْلُهُ: "سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وأُموراً (١٠) تُنْكِرُونَهَا"، ثُمَّ قَالَ: "أَدّوا إِليهم حقَّهم، وَسَلُوا الله حَقَّكُم" (١١) (١٢).
стр. 918
وأَما تحليل الدماء والزنى (١) والحرير والغناء والربا (٢) وَالْخَمْرِ: فَخَرَّجَ أَبو دَاوُدَ وأَحمد وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشعري ﵁: أَنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (٣): "ليشربنَّ نَاسٌ مِنْ أُمتي الْخَمْرَ يُسَمّونها بِغَيْرِ اسْمِهَا". زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: "يُعْزَفُ عَلَى رؤوسهم بِالْمَعَازِفِ والقَيْنات، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرض، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ" (٤).
وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبي عامر أو أبي مَالِكٍ (٥) الأَشعري؛ قَالَ فِيهِ: "لِيَكُونَنَّ مِنْ أُمتي أَقوام (٦) يَسْتَحِلّون الخَزَّ (٧)، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ، ولينزلنَّ أَقوام إِلى جَنْبِ عَلَمٍ (٨)، تَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارِحَةٌ (٩) لَهُمْ، يأْتيهم رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلينا غداً، فيُبيِّتهم الله، ويضعُ العَلَم،
стр. 919
وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
وَفِي "سُنَنِ أَبي دَاوُدَ" (٢): "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمتي أَقوام يَسْتَحِلُّونَ الخزَّ وَالْحَرِيرَ"، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
والخزُّ هُنَا: نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ، لَيْسَ الخَزَّ المأْذون فيه (٣) الْمَنْسُوجُ مِنْ حَرِيرٍ (٤) وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: "وَلِيَنْزِلَنَّ (٥) أَقْوَامٌ": يَعْنِي ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ مِنْ هؤلاءِ المُسْتَحِلّين، وَالْمَعْنَى: إِنَّ هؤلاءِ المُسْتَحِلّين يَنْزِلُ مِنْهُمْ أَقوام إِلى جَنْبِ عَلَمٍ ـ وَهُوَ (٦) الْجَبَلُ ـ، فَيُوَاعِدُهُمْ رجل (٧) إِلى الغد؛ فَيُبَيِّتُهُم الله
стр. 920
ـ وَهُوَ أَخذ الْعَذَابِ لَيْلًا ـ، وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ؛ كما في حديث أَبي داود، وكما (١) في الحديث قَبْلُ (٢)؛ حَيْثُ قَالَ (٣): يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرض، وَيَمْسَخُ منهم قردة وخنازير. وكأَن الخسف ها هنا (٤) هو التَّبْيِيتُ الْمَذْكُورَ فِي الْآخَرِ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَن هؤلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَلّوا هَذِهِ الْمَحَارِمَ كَانُوا متأَوِّلين فِيهَا؛ حَيْثُ زَعَمُوا [أَن] (٥) الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ هُوَ الْخَمْرُ، وإِنما لَهُ اسْمٌ آخَرُ، إِما النَّبِيذُ أَو غَيْرُهُ، وإِنما الْخَمْرُ عَصِيرُ الْعِنَبِ النِّيْءِ، وَهَذَا رأْي طَائِفَةٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَن كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ (٦).
قَالَ بَعْضُهُمْ (٧): وإِنما أَتى (٨) عَلَى هؤلاءِ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَاتِ بِمَا ظَنُّوهُ مِنِ انْتِفَاءِ الِاسِمِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلى وُجُودِ الْمَعْنَى المُحَرِّم وَثُبُوتِهِ. قَالَ: وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا شُبْهَةُ (٩) الْيَهُودِ فِي اسْتِحْلَالِهِمْ بيع الشَّحْم بعد جَمْلِه (١٠)،
стр. 921
стр. 922
بَلِ الَّذِي يَسْتَحِلّ الْخَمْرَ زَاعِمًا أَنه (١) لَيْسَ خمراً، مع علمه (٢) بأَن معناه معنى الْخَمْرَ، وَمَقْصُودُهُ مَقْصُودُ الْخَمْرُ، أَفسدُ (٣) تأْويلاً؛ مِنْ جِهَةِ أَن أَهل الْكُوفَةِ مِنْ أَكثر (٤) النَّاسِ قِيَاسًا (٥)؛ فَلَئِنْ كَانَ مِنَ الْقِيَاسِ مَا هُوَ حَقٌّ، فإِن قِيَاسَ الْخَمْرِ المَنْبوذةِ عَلَى الْخَمْرِ العَصِيرةِ مِنَ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الأَصل، وَهُوَ مِنَ الْقِيَاسِ الجَليّ؛ إِذ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا يُتوهَّم أَنه مُؤَثِّرٌ فِي التَّحْرِيمِ.
فإِذا كَانَ هؤلاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ إِنما شَرِبُوا الْخَمْرَ اسْتِحْلَالًا لَهَا؛ لَمَّا ظَنُّوا أَن المُحَرَّمَ مجردُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَظَنُّوا أَن لَفْظَ الْخَمْرِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيْءِ، فشُبهتهم فِي اسْتِحْلَالِ الْحَرِيرِ والمعازف أَظهر، فإِنه قد (٦) أُبيح الحرير للنساءِ (٧) مطلقاً (٨)،
стр. 923
وَلِلرِّجَالِ (١) فِي بَعْضِ الأَحوال (٢)، فَكَذَلِكَ (٣) الْغِنَاءُ والدَّفُّ قَدْ أُبيح فِي العُرْسِ وَنَحْوِهِ (٤)، وأُبيح مِنْهُ الحِدَاء (٥) وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ دلائل التحريم ما في الخمر (٦)، فظهر أَن القوم الَّذِينَ (٧) يُخْسَفُ بِهِمْ وَيُمْسَخُونَ (٨)، إِنما فُعِلَ (٩) ذَلِكَ بهم (١٠) من جهة التأْويل الفاسد الذي
стр. 924
اسْتَحَلُّوا بِهِ الْمَحَارِمَ بِطَرِيقِ الحِيْلَةِ، وأَعرضوا (١) عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَحِكْمَتِهِ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الأَشياء.
وَقَدْ خَرَّجَ ابنُ بَطَّة (٢) عَنِ الأَوزاعي: أَن (٣) النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يأْتي على الناس زمانٌ يَسْتَحِلّون الرِّبَا (٤) بِالْبَيْعِ". قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي الْعِينَةَ.
ورُوي في استحلال الزنا (٥) حديثٌ رَوَاهُ إِبراهيم الْحَرْبِيُّ، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (٦): "أَوَّلُ دينكم نبوّةٌ ورحمة، ثم ملك وَرَحْمَةٌ (٧)، ثُمَّ مُلْكٌ وجَبْرِيَّة، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ يُسْتَحَلُّ فيه الحِر والحرير" (٨)؛ يريد
стр. 925
اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ الْحَرَامِ. والحِر ـ بِكَسْرِ الحاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ (١) ـ: الفَرْجُ.
قَالُوا: وَيُشْبِهُ ـ وَاللَّهُ أَعلم ـ أَن يُرَادَ بِذَلِكَ: ظُهُورُ اسْتِحْلَالِ نِكَاحِ المُحَلِّل، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ المُحَرّمة، فإِن الأُمة لَمْ يَسْتَحِلّ أَحدٌ مِنْهَا الزِّنَا الصَّرِيحَ، وَلَمْ يُرِدْ بِالِاسْتِحْلَالِ مُجَرّدَ الْفِعْلِ، فإِن هذا لم يزل موجوداً (٢) فِي النَّاسِ، ثُمَّ لَفْظُ الِاسْتِحْلَالِ إِنما يُستعمل فِي الأَصل فِيمَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حَلَالًا، وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ، فإِن هَذَا المُلْكَ العَضُوضَ الَّذِي كَانَ بَعْدَ المُلْكِ والجَبْرِيَّة (٣) قَدْ كَانَ فِي أَواخر عصر التابعين، وفي تِلْكَ الأَزمان صَارَ فِي أُولي الأَمر مَنْ يُفْتِي بِنِكَاحِ المُحَلِّل وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذلك من يفتي به أَصلاً.
стр. 926
стр. 927
ظهر في قوم الربا والزنى (١) إِلا أَحلُّوا بأَنفسهم عقابَ اللَّهِ".
فَهَذَا يُشْعِرُ بأَن التحليل من الزنا؛ كما يشعر بأَن (٢) الْعِينَةَ مِنَ الرِّبَا.
وَقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عباس ﵄ موقوفاً ومرفوعاً ـ قَالَ: "يأْتي عَلَى النَّاسِ زمانٌ يُستحَلُّ فِيهِ خمسةُ أَشياء بخمسة أَشياء (٣): يَسْتَحِلُّونَ الخمرَ بأَسماء يُسَمّونها بِهَا، والسُّحْتَ بالهديَّة، والقتلَ بالرَّهْبة، وَالزِّنَا بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ" (٤)، فإِن الثلاثة (٥) المذكورة أَولاً قد بُيِّنَتْ (٦)، وأَما استحلال (٧) السُّحْت الَّذِي هُوَ العَطِيَّة لِلْوَالِي وَالْحَاكِمِ وَنَحْوِهِمَا باسم
стр. 928
الهدية: فهو ظاهر، وأما وَاسْتِحْلَالُ (١) الْقَتْلِ بِاسْمِ الإِرهاب الَّذِي يُسَمِّيهِ (٢) ولاةُ الظُّلْمِ سِيَاسَةَ، وأُبَّهَةَ الْمُلْكِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَظَاهِرٌ أَيضاً (٣)؛ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنواع شَرِيعَةِ (٤) الْقَتْلِ الْمُخْتَرَعَةِ.
وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَوَارِجَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخِصَالِ (٥)، فَقَالَ: "إِن مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا (٦) يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يجاوز حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهل الإِسلام، ويَدَعون أَهل الأَوثان، يَمْرُقون مِنَ الدِّين (٧) كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (٨).
وَلَعَلَّ هؤلاءِ المُرادون (٩) بُقُولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: "يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ... " (١٠)، الْحَدِيثَ (١١)؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ قَالَ: يُصْبِحُ مُحَرِّماً لِدَمِ أَخيه وَعِرْضِهِ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلاًّ ... ، إِلى آخِرِهِ (١٢).
وقد وَضَعَ القتل أيضاً (١٣) شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ عَلَى غَيْرِ (١٤) سُنَّةِ اللَّهِ، وسنة رسوله ﷺ : المُتَسَمِّي بِالْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ (١٥) الَّذِي زَعَمَ أَنه المُبَشَّرُ بِهِ فِي الأَحاديث، فَجَعَلَ الْقَتْلَ عِقَابًا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صِنْفاً، ذَكَرُوا مِنْهَا: الْكَذِبَ، وَالْمُدَاهَنَةَ، وأَخَذَهم أَيضاً بِالْقَتْلِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ أَمر مَنْ يُسْتَمَعُ
стр. 929
أَمْرُهُ، وَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَعِظُهم (١) فِي كُلِّ وَقْتٍ ويُذَكِّرُهم، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ أُدِّب، فإِن تَمَادَى قُتِلَ، وكلُّ مَنْ لَمْ (٢) يتأَدَّبْ بِمَا أَدَّبَ بِهِ ضُرب بِالسَّوْطِ المَرَّة وَالْمَرَّتَيْنِ، فإِن ظَهَرَ مِنْهُ عِنادٌ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الأَوامر قُتِلَ، وَمَنْ داهَنَ عَلَى أَخيه، أَو أَبيه، أَو ابنه (٣)، أَو مَنْ يَكْرُمُ عَلَيْهِ (٤)، أَو المُقَدَّم عَلَيْهِ (٥)؛ قُتِلَ، وكُلُّ مَنْ شَكَّ (٦) فِي عِصْمَتِهِ قُتِلَ، أَو شَكّ فِي (٧) أَنه المهديُّ المُبَشَّرُ بِهِ، وكُلُّ من خالف أَمره؛ أَمر أَصحابه فَعَرَّوْهُ (٨)، فَكَانَ أَكثرُ تأْديبه القتلَ ـ كَمَا تَرَى ـ، كَمَا أَنه كَانَ مِنْ رأْيه أَن لَا يُصَلَّى خَلَفَ إِمام أَو خَطِيبٍ يأْخذ أَجراً عَلَى الإِمامة أَو الْخَطَابَةِ، وَكَذَلِكَ لُبْسُ الثِّيَابِ الرَّفِيعَةِ ـ وإِن كَانَتْ حَلَالًا ـ، فَقَدْ حَكَوْا عَنْهُ قَبْلَ أَن يَسْتَفْحِلَ أَمرُه (٩) أَنه تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ خَطِيبِ أَغْمَات (١٠) بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَقَدِم خطيبٌ آخر فجاء (١١) في ثيابٍ حَفِيلَةٍ (١٢) تُبَايِنُ التواضع ـ زعموا (١٣) ـ، فتَرَكَ الصلاة خلفه أَيضاً (١٤).
وَكَانَ مِنْ رأْيه: تركُ الرأْي، واتباعُ مَذَاهِبِ (١٥) الظاهرية. قال
стр. 930
العلماءُ (١): وَهُوَ (٢) بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ فِي الشَّرِيعَةِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ (٣). وَمِنْ رأْيه: أَن التَّمَادِيَ عَلَى ذَرَّةٍ مِنَ الْبَاطِلِ كَالتَّمَادِي عَلَى الْبَاطِلِ كُلِّه.
وذَكَر فِي كِتَابِ "الإِمامة" أَنه هُوَ الإِمام، وأَصحابه هُمُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ قِيلَ (٤) فِيهِمْ: "بدأَ الإِسلام (٥) غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بدأَ (٦)، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" (٧).
وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: "جاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ، وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نَقِيَّة، لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَأَنَّ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرض، وَبِهِ تَقُومُ، وَلَا ضِدّ لَهُ، وَلَا (٨) مِثْلَ، ولا نِدّ". انتهى (٩).
وكذب (١٠)! فالمهدي: عيسى ابن مريم (١١) ﵇ (١٢).
وَكَانَ يأْمرهم بِلُزُومِ الحِزْب بَعْدَ صلاة الصبح، وبعد المغرب (١٣)، وأَمر (١٤) الْمُؤَذِّنِينَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ أَن يُنَادُوا: "أَصبح وَلِلَّهِ الْحَمْدُ" (١٥)، إِشعاراً ـ زَعَمُوا ـ بأَن الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ لإِلزام الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وللغُدُوِّ لِكُلِّ ما يؤمرون به.
стр. 931
وَلَهُ (١) اخْتِرَاعَاتٌ وَابْتِدَاعَاتٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَجَمِيعُ ذلك راجع (٢) إِلى أَنه قَائِلٌ (٣) برأْيه فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، مع زعمه أَنه غير قَائِلٌ بالرأْي؛ وَهُوَ التَّنَاقُضُ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ إِذاً (٤) جَرَيَانُ تِلْكَ الأَشياء عَلَى الِابْتِدَاعِ.
وأَما كَوْنُ الزَّكَاةِ مَغْرَمًا: فَالْمَغْرَمُ مَا (٥) يَلْزَمُ أَداؤه مِنَ الدُّيُونِ وَالْغَرَامَاتِ، كَانَ (٦) الْوُلَاةُ يُلْزِمُونَهَا النَّاسَ بشيءٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلى قِلَّةِ مَالِ الزَّكَاةِ أَو كَثْرَتِهِ، أَو قُصُورِهِ عَنِ النِّصَابِ أَو عَدَمِ قُصُورِهِ، بَلْ يأْخذونهم بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلى الْمَوْتِ، وَكَوْنُ هَذَا بِدَعَةً ظَاهِرٌ.
وأَما ارْتِفَاعُ الأَصوات فِي الْمَسَاجِدِ: فَنَاشِئٌ عَنْ بِدْعَةِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ، فإِن مِنْ عادة قراءَة العلم وإِقرائه، وسماعه وإِسماعه (٧) أَن يَكُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمِنْ آدَابِهِ (٨) أَن لَا تُرْفَعَ فِيهِ الأَصوات فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَمَا ظَنُّك بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ؟ فَالْجِدَالُ فِيهِ زِيَادَةُ الْهَوَى؛ فإِنه غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الأَصل. فَقَدْ جَعَلَ العلماءُ مِنْ عَقَائِدِ الإِسلام: تَرْكَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ، وَهُوَ الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ (٩) فِي الْكَلَامِ فِيهِ؛ كَالْكَلَامِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ والأَفعال وَغَيْرِهِمَا (١٠)، وَكَمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ. ولأَجل (١١) ذَلِكَ جاءَ (١٢) فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنها قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... ﴾ (١٣) الآية،
стр. 932
стр. 933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 937
стр. 938
وقال ﵇: "اقرؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قلوبُكم، فإِذا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا عَنْهُ" (١).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: إِياكم وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ! فإِنها تُحْبِطُ الأَعمال (٢).
وَقَالَ النَّخْعِيُّ فِي قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٣) قال: الجدال والخصومات في الدين (٤).
стр. 939
وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى (١): انْصَرَفَ مَالِكٌ يَوْمًا إِلى الْمَسْجِدِ وَهُوَ متكئٌ عَلَى يَدِي، فَلَحِقَهُ رجل يقال له: أَبو الجويرة (٢) يُتَّهم بالإِرجاءِ، فَقَالَ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! اسمع مني شيئاً أُكلمك به، وأُحاجُّك، وأُخبرك برأْيي. فَقَالَ لَهُ: احْذَرْ أَن أَشهد عَلَيْكَ! قَالَ: وَاللَّهِ! مَا أُريد إِلا الْحَقَّ، اسْمَعْ مِنِّي (٣)، فإِن كَانَ صَوَابًا فَقُلْ بهِ، أَو فَتَكَلَّم. قَالَ (٤): فإِن غَلَبَتْنِي؟ قَالَ: اتَّبِعْني. قَالَ: فإِن غَلَبْتُكَ؟ قَالَ اتَّبعتك (٥). قَالَ (٤): فإِن جاءَ رجل فكلمناه فغَلَبنا؟ قال: اتبعناه. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِدِينٍ وَاحِدٍ، وأَراك تَنْتَقِلُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضاً لِلْخُصُومَاتِ أَكثر التَّنَقُّل (٦).
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْجِدَالُ في الدين بشيءٍ (٧).
стр. 940
وَالْكَلَامُ فِي ذَمِّ الْجِدَالِ (١) كَثِيرٌ، فإِذا كَانَ مَذْمُومًا؛ فَمَنْ جَعَلَهُ مَحْمُودًا وعَدَّه (٢) مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ بإِطلاق فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ. وَلَمَّا كَانَ اتباعُ الْهَوَى أَصلَ الِابْتِدَاعِ؛ لَمْ يُعْدَم صاحبُ الْجِدَالِ أَن يماريَ ويطلبَ الغَلَبة، وَذَلِكَ مَظِنَّة رَفْعِ الأَصوات.
فإِن قِيلَ: عددتَ رَفْعَ الأَصوات من فروع الجدل وخواصِّه، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَرَفْعُ الأَصوات قَدْ يَكُونُ في العلم، ولذلك كُرِه رفع الصوت (٣) فِي الْمَسْجِدِ (٤)، وإِن كَانَ فِي الْعِلْمِ أَو فِي غَيْرِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي "الْمَبْسُوطِ": رأَيت مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصحابه رَفْعَ (٥) أَصواتهم فِي الْمَسْجِدِ (٦).
وَعَلَّلَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة بعلَّتين:
إِحداهما: أَنه يجب أَن يُنَزَّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ لأَنه مما أُمر بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنه مبنيٌّ لِلصَّلَاةِ، وقد أُمرنا أَن نأَتيها وعلينا السكينة
стр. 941
وَالْوَقَارُ، فأَن (١) يُلْزَمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهَا المتَّخذ لَهَا أَولى (٢).
وَرَوَى مَالِكٌ: أَن عُمَرَ بْنَ الخطاب ﵁ بنى رَحْبَةً في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تسمَّى البُطَيْحاء (٣)، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَن يَلْغَط، أَو يُنْشِدَ شِعْرًا، أَو يَرْفَعَ صَوْتَهُ؛ فَلْيَخْرُجْ إِلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ (٤).
فإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنْ أَين يَدُلُّ ذَمُّ رَفْعِ (٥) الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْجَدَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحدهما: أَن رَفْعَ (٦) الصَّوْتِ مِنْ خَوَاصِّ الْجَدَلِ الْمَذْمُومِ، أَعني فِي أَكثر الأَمر دُونَ الفَلتات؛ لأَن رَفْعَ الصَّوْتِ (٧) وَالْخُرُوجَ عَنِ الِاعْتِدَالِ فِيهِ ناشئٌ عَنِ الْهَوَى فِي الشيءِ المتكلَّم فِيهِ، وأَقرب الْكَلَامِ الْخَاصِّ بِالْمَسْجِدِ إِلى رَفْعِ الصَّوْتِ: الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَن فِيهِ، وَهُوَ الْجِدَالُ (٨) الَّذِي نبَّه عَلَيْهِ الْحَدِيثُ المتقدم.
стр. 942
وأَيضاً: لَمْ يَكْثُرِ الْكَلَامُ جِدًّا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنواع الْعِلْمِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ إِلا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وإِلى غَرَضِهِ تَصَوَّبَتْ (١) سِهَامُ النقد والذم، فهو إِذاً هو.
وَقَدْ رُوي عَنْ عَمِيرَةَ (٢) بْنِ أَبي نَاجِيَةَ المصري أَنه رأَى قوماً يتمارون (٣) فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ عَلَتْ أَصواتهم، فَقَالَ: هؤلاءِ قَوْمٌ قَدْ مَلّوا الْعِبَادَةَ، وأَقبلوا عَلَى الْكَلَامِ، اللَّهُمَّ! أَمِتْ عُمَيْرَةَ، فَمَاتَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ، فرأَى رَجُلٌ (٤) فِي النَّوْمِ قَائِلًا يقول له (٥): مات هذه الليلة نصف الناس، فعرف (٦) تلك الليلة، فجاءَ فيها (٧) مَوْتُ عُمَيْرَةَ هَذَا (٨).
وَالثَّانِي: أَنا لَوْ سَلَّمْنَا أَن مجرد رفع الصوت لا يَدُلُّ (٩) عَلَى مَا قُلْنَا؛ لَكَانَ أَيضاً مِنَ الْبِدَعِ إِذا عُدَّ كأَنه مِنَ الْجَائِزِ فِي جَمِيعِ أَنواع الْعِلْمِ، فَصَارَ مَعْمُولًا بِهِ لَا يُتَّقَى (١٠)، وَلَا يُكَفّ عَنْهُ، فَجَرَى (١١) مَجْرَى الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ.
وأَما تَقْدِيمُ الأَحداث عَلَى غَيْرِهِمْ: فَمِنْ (١٢) قَبِيلِ ما تقدم في كثرة الجهل (١٣)، وقلة العلم، كان ذلك التقديم في رُتَب العلم أَو غيره، لأَن
стр. 943
الحَدَثَ أَبداً أَو فِي غَالِبِ الأَمر غِرٌّ لم يَتَحنَّكْ، ولم يرتَضْ في صناعته (١) رياضةً تُبَلِّغه مبالغ الشيوخ الراسخي (٢) الأَقدام فِي تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي المَثَلِ:
وابنُ اللَّبُون إِذا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعيسِ (٣)
هَذَا إِن حملنا الحَدَثَ على حداثة السن، وهو نصٌّ فِي (٤) حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فإِن حَمَلْنَاهُ (٥) عَلَى حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالصِّنَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ قوله في الحديث (٦): "وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرذلهم" (٧)، وَقَوْلُهُ: "وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ" (٨) وَقَوْلُهُ: "إِذا أُسند الأَمر إِلى غَيْرِ أَهله" (٩)، فَالْمَعْنَى فِيهَا وَاحِدٌ، فإِن الْحَدِيثَ الْعَهْدَ بالشيءِ لَا يَبْلُغُ مَبَالِغَ الْقَدِيمِ الْعَهْدِ فِيهِ.
ولذلك يحكى عن الشيخ أَبي مَدْيَن (١٠) ﵀: أَنه سئل عن
стр. 944
الأَحداث الذين نهى شيوخ الصوفية عن صحبتهم (١)؟ فَقَالَ: الحَدَث: الَّذِي لَمْ يَسْتَكْمِلِ الأَمر بَعْدُ، وإِن كَانَ ابنَ ثَمَانِينَ سَنَةً.
فإِذاً: تَقْدِيمُ الأَحداث عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْجُهَّالِ (٢) عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِمْ: "سُفَهَاءَ الأَحلام" (٣)، وقال (٣): "يقرؤُون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ... "، إِلى آخِرِهِ، وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الْخَوَارِجِ: "إِن (٤) مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا (٥) قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ... " (٦)، إِلى آخِرِ الْحَدِيثِ؛ يَعْنِي: أَنهم لَمْ يَتَفَقَّهُوا (٧) فِيهِ، فَهُوَ فِي أَلسنتهم لَا فِي قُلُوبِهِمْ.
وأَما لعنُ آخرِ هَذِهِ (٨) الأُمّة أَوَّلَها: فظاهر مما ذكره (٩) العلماءُ عَنْ بَعْضِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، فإِن الْكَامِلِيَّةَ (١٠) مَنَ الشِّيعَةِ كَفَّرَتِ الصَّحَابَةَ ﵃؛ حِينَ لَمْ يَصْرِفُوا الْخِلَافَةَ إِلى عَلِيٍّ ﵁ (١١) بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَفَّرَتْ عَلِيًّا ﵁ حين لم يأْخذ بحقه فيها.
وأَما ما دون (١٢) ذلك مما يوقف فيه عند السبب (١٣): فمنقول موجود (١٤) في الكتب (١٥)، وإِنما فعلوا ذلك لمذاهب سوء لهم رأَوها،
стр. 945
فبنوا عليها ما يضاهيها من السوءِ والفحشاءِ، فلذلك عُدُّوا من فرق أَهل البدع.
قَالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْري (١) وَابْنُ نَافِعٍ: دَخَلَ هَارُونُ ـ يَعْنِي الرَّشِيدَ ـ الْمَسْجِدَ (٢) فَرَكَعَ، ثُمَّ أَتى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتى مَجْلِسَ (٣) مَالِكٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ ورحمة الله وبركاته، قال له مالك: وعليكَ السلام ـ يا أَمير المؤمنين ـ ورحمة الله وبركاته (٤). ثم قال لمالك: هَلْ لِمَنْ سَبَّ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الفَيْء حَقٌّ؟ قَالَ: لَا! وَلَا كَرَامَةَ وَلَا مَسَرَّة! قَالَ: مَنْ أَين قُلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٥)، فَمَنْ عَابَهُمْ (٦) فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا حَقَّ لِكَافِرٍ (٧) فِي الْفَيْءِ.
وَاحْتَجَّ مَرَّةً أُخرى فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ﴿وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٨)﴾ (٩)، إِلى آخر الآيات الثلاث، قال: فهم أَصحاب رسول الله ﷺ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَهُ، وأَنصاره، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (١٠)، فَمَنْ عَدَا هؤلاءِ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ (١١).
стр. 946
وَفِي فِعْلِ خَوَاصِّ الْفَرْقِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كثير (١).
وأَما بعث الدجّالين (٢): فقد كان من (٣) ذَلِكَ جُمْلَةً، مِنْهُمْ مَنْ تَقَدَّمَ فِي زَمَانِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَعَدٌّ مِنَ (٤) الْعُبَيْدِيَةِ (٥) الَّذِينَ مَلَكُوا إِفريقية، فَقَدَ حُكِيَ عَنْهُ أَنه جَعَلَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشهد أَن مَعَدّاً رَسُولَ اللَّهِ، عِوَضًا مِنْ كَلِمَةِ الْحَقِّ: "أَشهد أَن محمداً رسول الله"، ففعل المؤذن (٦)، فَهَمَّ المسلمون بقتله، ثم رأوا (٧) رفعه (٨) إِلى مَعَدٍّ لِيَرَوْا هَلْ هَذَا عَنْ أَمره؟ فَلَمَّا انْتَهَى كَلَامُهُمْ إِليه، قَالَ: ارْدُدْ عَلَيْهِمْ أَذانهم لعنهم الله.
стр. 947
ومن يدَّعي لنفسه العصمة، فهو يشبه مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنه بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرض، فَقَدْ جَاوَزَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الْمَغْرِبِيُّ المُتَسَمِّي بِالْمَهْدِيِّ (١).
وَقَدْ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْقَرِيبِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْفَازَازِيَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بأُمور مُوْهِمَةٍ لِلْكَرَامَاتِ، والإِخبار بالمُغَيَّبات، وَمُخَيَّلَةٍ لِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ من العوام جملة، ولقد سمعت أَن (٢) بَعْضَ طَلَبَةِ ذَلِكَ الْبَلَدَ الَّذِي احْتَلَّهُ (٣) هَذَا البائس (٤) ـ وهو (٥) مالقة (٦) ـ أَخذ (٧) ينظر في قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٨)، وَهَلْ (٩) يُمْكِنُ تأْويله؟ وَجَعَلَ يُطَرِّقُ إِليه الِاحْتِمَالَاتِ (١٠)، ليُسَوِّغ إِمكانَ بعثِ نبيٍّ بَعْدَ (١١) مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَانَ مقتلُ هَذَا الْمُفْتَرِي على يَدَي (١٢) شيخ شيوخنا الأُستاذ (١٣) أَبي جعفر ابن الزبير ﵀ (١٤).
стр. 948
وَلَقَدْ حَكَى بَعْضُ مُؤَلِّفِي الْوَقْتِ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي شيخنا أَبو الحسن بن الجياب ﵀ (١)؛ قَالَ: لَمَّا أُمر بالتأَهُّب يَوْمَ قَتْلِهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ الَّذِي أُخرج مِنْهُ إِلى مَصْرَعِهِ؛ جهر بتلاوة سورة ﴿يس *﴾، فقال له أَحد الدَّعَرَةِ (٢) ممن جمع السجن بينهما: واقرأ (٣) قرآنك، لأَي شيءٍ تَتَطَفَّلْ (٤) على قرآننا (٥) اليوم (٦)؟ أَو ما (٧) فِي مَعْنَى هَذَا، فَتَرَكَهَا مَثَلًا بِلَوْذَعِيَّتِهِ (٨).
وأَما مفارقة الجماعة: فبدعتها ظاهرة، ولذلك يُجَازَى (٩) بالمِيْتَةِ الجاهلية (١٠)، وقد ظهر هذا (١١) فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ؛ كَالْعُبَيْدِيَّةِ وأَشباههم.
فهذا أَيضاً مِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأَحاديث، وباقي
стр. 949
الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ عَائِدٌ إِلى نَحْوٍ آخَرَ؛ كَكَثْرَةِ النساءِ، وقِلَّةِ الرِّجَالِ (١)، وتَطاوُلِ (٢) النَّاسِ فِي الْبُنْيَانِ (٣)، وتَقَارُبِ الزمان (٤).
فالحاصل: أَن أَكثر هذه (٥) الْحَوَادِثِ الَّتِي أَخبر بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنها تَقَعُ وَتَظْهَرُ وَتَنْتَشِرُ (٦) في الأُمة (٧) أُمور مُبْتَدَعَةٌ عَلَى مُضَاهَاةِ التَّشْرِيعِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ التعبُّد، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا عاديَّة، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ بِدْعَةٌ، والمعصية التي لَيْسَتْ (٨) بِبِدْعَةٍ.
وإِن الْعَادِيَّاتِ مِنْ حيثُ هِيَ عَادِيَّةٌ لَا بِدْعَةَ فِيهَا، وَمِنْ حَيْثُ يُتعبَّدُ بِهَا أَو تُوضَعُ وَضْعَ التعبُّد تَدْخُلُهَا الْبِدْعَةُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ اتِّفَاقُ الْقَوْلَيْنِ، وَصَارَ الْمَذْهَبَانِ مَذْهَبًا واحداً، وبالله التوفيق.
стр. 950
فصل
فإِن قِيلَ: أَما الِابْتِدَاعُ؛ بِمَعْنَى أَنه نَوْعٌ مِنَ التَّشْرِيعِ عَلَى وَجْهِ التعبُّد فِي العادِيّات من حيث هو (١) توقيت معلوم مَقُولٌ (٢) بإِيجابه (٣) أَو إِجازته (٤) بالرأْي ـ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجة عَنِ الْجَادَّةِ ـ: فَظَاهَرَ (٥).
وَمِنْ (٦) ذَلِكَ: الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَالْقَوْلِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.
فَالْقَوْلُ بأَنه بِدْعَةٌ قَدْ تبيَّن وَجْهُهُ وَاتَّضَحَ مَغْزاه، وإِنما يَبْقَى وَجْهٌ آخَرُ يُشْبِهُهُ وَلَيْسَ بِهِ، وَهُوَ أَن الْمَعَاصِي وَالْمُنْكِرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ قَدْ تَظْهَرُ وَتَفْشُو (٧)، وَيَجْرِي الْعَمَلُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وجهٍ لَا يَقَعُ لَهَا إِنكار مِنْ خَاصٍّ وَلَا عَامٍّ، فَمَا كَانَ مِنْهَا هَذَا شأْنه: هَلْ يُعَدُّ مِثْلُهُ بِدَعَةً أَم لَا؟
فَالْجَوَابُ: أَن مِثْلَ هَذِهِ المسأَلة لها نظران: