عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
صالح بن محمد اللحيدان
عبد الله بن سليمان المنيع
محمد بن صالح العثيمين
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
حسن بن جعفر العتمي
د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
стр. 37
بيان هيئة كبار العلماء
حول حادث التفجير الذي وقع في الرياض في حي العليا
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، وبعد:
فإن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي العليا بمدينة الرياض قرب الشارع العام، ضحوة يوم الاثنين ٢٠/ ٦/١٤١٦ هـ وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجرح بسببه آخرون، وروع آمنون، وأخيف عابرو السبيل.
ولذا: فإن الهيئة تقرر أن هذا الاعتداء آثم، وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر، وهتك لحرمات الدين في الأنفس والأموال والأمن والاستقرار، ولا يفعله إلا نفس فاجرة، مشبعة بالحقد والخيانة والحسد والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه، ولا في بشاعة جرمه وعظيم إثمه، والآيات والأحاديث في تحريم هذا الإجرام وأمثاله كثيرة ومعلومة.
وإن الهيئة إذ تقرر تحريم هذا الإجرام، وتحذر من نزعات السوء، ومسالك الجنوح الفكري، والفساد العقدي، والتوجه المردي. وإن النفس الأمارة بالسوء إذا أرخى لها المرء العنان ذهبت به مذاهب الردى، ووجد الحاقدون فيها مدخلا لأغراضهم وأهوائهم التي يبثونها في قوالب التحسين، والواجب على كل من علم شيئا عن هؤلاء المخربين أن يبلغ
стр. 38
عنهم الجهة المختصة.
وقد حذر الله سبحانه في محكم التنزيل من دعاة السوء والمفسدين في الأرض فقال: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [المائدة: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يجب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾ [البقرة: آية ٢٠٤ - ٢٠٦].
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يهتك ستر المعتدين على حرمات الآمنين، وأن يكف البأس عنا وعن جميع المسلمين، وأن يحمي هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه خير مسئول، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
مجلس هيئة كبار العلماء
الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد بن إبراهيم بن جبير
راشد بن صالح بن خنين
стр. 39
صالح بن محمد اللحيدان
د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عبد الله بن سليمان بن المنيع
حسن بن جعفر العتمي
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
محمد بن صالح العثيمين
محمد بن عبد الله السبيل
ناصر بن حمد الراشد
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
عبد الرحمن بن حمزة المرزوقي
محمد بن سليمان البدر
د. عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ
د. بكر بن عبد الله أبو زيد
محمد بن زيد آل سليمان
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
د. صالح بن عبد الرحمن الأطرم
د. عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
стр. 40
بيان هيئة كبار العلماء
حول حادث التفجير الذي وقع في مدينة الخبر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في جلسته الاستثنائية العاشرة، المنعقدة في مدينة الطائف يوم السبت ١٣/ ٢/١٤١٧ هـ استعرض حادث التفجير الواقع في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية يوم الثلاثاء ٩/ ٢/١٤١٧ هـ، وما حصل بسبب ذلك من قتل وتدمير وترويع وإصابات لكثير من المسلمين وغيرهم.
وإن المجلس بعد النظر والدراسة والتأمل:
قرر بالإجماع ما يلي:
أولا: أن هذا التفجير عمل إجرامي بإجماع المسلمين، وذلك للأسباب الآتية:
١ - في هذا التفجير هتك لحرمات الإسلام المعلومة بالضرورة؛ هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغدوهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها. وما أبشع وأعظم جريمة من تجرأ على حرمات الله وظلم عباده وأخاف المسلمين والمقيمين بينهم، فويل له ثم ويل له من عذاب الله
стр. 41
ونقمته، ومن دعوة تحيط به، نسأل الله أن يكشف ستره، وأن يفضح أمره.
٢ - أن النفس المعصومة في حكم شريعة الإسلام هي: كل مسلم، وكل من بينه وبين المسلمين أمان؛ كما قال تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: آية ٩٣]. وقال سبحانه في حق الذمي في حكم قتل الخطأ: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: آية ٩٢].
فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ ففيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمدا؟ فإن الجريمة تكون أعظم والإثم يكون أكبر، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». [رواه البخاري] (١).
فلا يجوز التعرض لمستأمن بأذى؛ فضلا عن قتله في مثل هذه الجريمة الكبيرة النكراء، وهذا وعيد شديد لمن قتل معاهدا، وأنه كبيرة من الكبائر المتوعد عليها بعدم دخول القاتل الجنة، نعوذ بالله من الخذلان.
٣ - أن هذا العمل الإجرامي يتضمن أنواعا من المحرمات في الإسلام بالضرورة؛ من غدر، وخيانة، وبغي، وعدوان، وإجرام آثم، وترويع للمسلمين وغيرهم، وكل هذه قبائح منكرة يأباها ويبغضها الله ورسوله والمؤمنون.
стр. 42
ثانيا: إن المجلس إذ يبين تحريم هذا العمل الإجرامي في الشرع المطهر، فإنه يعلن للعالم: أن الإسلام بريء من هذا العمل، وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه، فلا يحتسب عمله على الإسلام ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام المعتصمين بالكتاب والسنة والمتمسكين بحبل الله المتين. وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه، محذرة من مصاحبة أهله، قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جنهم ولبئس المهاد﴾ [البقرة: آية ٢٠٤ - ٢٠٦].
وقول الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [المائدة: ٣٣].
ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكشف ستر هؤلاء الفعلة المعتدين، وأن يمكن منهم، لينفذ فيهم حكم شرعه المطهر، وأن يكف البأس عن هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وحكومته وجميع ولاة
стр. 43
أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد وقمع الفساد والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء:
الرئيس:
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد بن إبراهيم بن جبير
راشد بن صالح بن خنين
صالح بن محمد اللحيدان
د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عبد الله بن سليمان المنيع
حسن بن جعفر العتمي
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
محمد بن صالح العثيمين
محمد بن عبد الله السبيل
ناصر بن حمد الراشد
стр. 44
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
عبد الرحمن بن حمزة المرزوقي
محمد بن سليمان البدر
د. عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ
د. بكر بن عبد الله أبو زيد
محمد بن زيد آل سليمان
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
د. صالح بن عبد الرحمن الأطرم
د. عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
стр. 45
أجوبة سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ -
في إجابة سماحته على سؤال لجريدة المدينة، حول جزاء من يستهدف ترويع أمن الناس الآمنين، كما حدث في حادث التفجير بالرياض الذي قام به مجرمون تسببوا في ترويع الآمنين، وقتل الأبرياء، وتخويف عباد الله جل وعلا، وهذا نصه:
لا شك أن هذا الحادث أثيم، ومنكر عظيم، يترتب عليه فساد عظيم، وشرور كثيرة وظلم كبير، ولا شك أن هذا الحادث إنما يقوم به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لا تجد من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا صحيحا يعمل هذا العمل الإجرامي الخبيث، الذي حصل به الضرر العظيم والفساد الكبير، إنما يفعل هذا الحادث وأشباهه نفوس خبيثة، مملوءة من الحقد والحسد والشر والفساد وعدم الإيمان بالله ورسوله، نسأل الله العافية والسلامة، ونسأل الله أن يعين ولاة الأمور على كل ما فيه العثور على هؤلاء والانتقام منهم، لأن جريمتهم عظيمة، وفسادهم كبير، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كيف يقدم مؤمن أو مسلم على جريمة عظيمة يترتب عليها ظلم كثير، وفساد عظيم، وإزهاق نفوس، وجراحة آخرين بغير حق، كل هذا من الفساد العظيم، وجريمة عظيمة، فنسأل الله أن يعثرهم، ويسلط عليهم، ويمكن منهم، ونسأل الله أن يخيبهم ويخيب أنصارهم، ونسأل الله أن يوفق ولاة الأمر للعثور عليهم، والانتقام منهم، ومجازاتهم على هذا الحدث الخبيث، وهذا الإجرام العظيم.
стр. 46
وإني أوصي وأحرض كل من يعلم خبرا عن هؤلاء؛ أن يبلغ الجهات المختصة، على كل من علم عن أحوالهم وعلم عنهم أن يبلغ عنهم؛ لأن هذا من باب التعاون على دفع الإثم والعدوان وعلى سلامة الناس من الشر والإثم والعدوان، وعلى تمكين العدالة من مجازاة هؤلاء الظالمين، الذين قال الله فيهم وأشباههم سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.
إذا كان من تعرض للناس بأخذ خمسة ريالات أو عشرة ريالات أو مائة ريال مفسدا في الأرض، فكيف من يتعرض بسفك الدماء، وإهلاك الحرث والنسل، وظلم الناس، فهذه جريمة عظيمة، وفساد كبير.
التعرض للناس بأخذ أموالهم، أو في الطرقات، أو في الأسواق جريمة ومنكر عظيم، لكن مثل هذا التفجير ترتب عليه إزهاق نفوس، وقتل نفوس، وفساد في الأرض، وجراحة للآمنين، وتخريب بيوت ودور وسيارات، وغير ذلك، فلا شك أن هذا من أعظم الجرائم، ومن أعظم الفساد في الأرض، وأصحابه أحق بالجزاء بالقتل والتقطيع؛ بما فعلوا من جريمة عظيمة. نسأل الله أن يخيب مسعاهم، وأن يعثرهم، وأن يسلط عليهم وعلى أمثالهم، وأن يكفينا شرهم وشر أمثالهم، وأن يسلط عليهم، وأن يجعل تدبيرهم تدميرا لهم وتدميرا لأمثالهم، إنه جل وعلا جواد كريم.
стр. 47
ونسأل الله أن يوفق الدولة للعثور عليهم ومجازاتهم بما يستحقون. ولا حول ولا قوة إلا بالله (١).
وقال ﵀:
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
لقد استنكر العالم الإسلامي ما حدث في مكة المكرمة من تفجير مساء الاثنين ٧/ ١٢/١٤٠٩هـ واعتبروه جريمة عظيمة ومنكرا شنيعا؛ لما فيه من ترويع لحجاج بيت الله الحرام، وزعزعة للأمن، وانتهاك لحرمة البلد الحرام، وظلم لعباد الله، وقد حرم الله سبحانه البلد الحرام إلى يوم القيامة، كما حرم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلى يوم القيامة، وجعل انتهاك هذه الحرمات من أعظم الجرائم وأكبر الذنوب، وتوعد من هم بشيء من ذلك في الحرام بأن يذيقه العذاب الأليم، كما قال سبحانه: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: آية ٢٥].
فإذا كان من أراد الإلحاد في الحرم متوعدا بالعذاب الأليم وإن لم يفعل؛ فكيف بحال من فعل، فإن جريمته تكون أعظم، ويكون أحق بالعذاب الأليم. وقد حذر الرسول ﷺ أمته من الظلم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما بينه للأمة في حجة الوداع حين قال ﵊: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
стр. 48
بلدكم هذا، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد" (١).
وهذا الإجرام الشنيع بإيجاد متفجرات قرب بيت الله الحرام من أعظم الجرائم والكبائر، ولا يقدم عليه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنما يفعله حاقد على الإسلام وأهله وعلى حجاج بيت الله الحرام، فما أعظم خسارته، وما أكبر جريمته، فنسأل الله أن يرد كيده في نحره، وأن يفضحه بين خلقه، وأن يوفق حكومة خادم الحرمين لمعرفته وإقامة حد الله عليه، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية (٢)
стр. 49
فتوى سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ -حفظه الله - عند اصطدام الطائرتين بمبنى التجارة العالمي بأمريكا
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فنظرا لكثرة الأسئلة والاستفسارات الواردة إلينا حول ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أيام، وما موقف الشريعة منها؟ وهل دين الإسلام يقر مثل التصرفات أم لا؟.
فأقول مستعينا بالله الواحد القهار: إن الله سبحانه قد من علينا بهذا الدين الإسلامي، وجعله شريعة كاملة؛ صالحة لكل زمان ومكان، مصلحة لأحوال الأفراد والجماعات، تدعو إلى الصلاح والاستقامة والعدل والخيرية، ونبذ الشرك والشر والظلم والجور والغدر، وإن من عظيم نعم الله علينا نحن المسلمين: أن هدانا لهذا الدين، وجعلنا من أتباعه وأنصاره، فكان المسلم المترسم لشريعة الله، المتبع لسنة رسول الله، المستقيم حق الاستقامة على هذا الدين؛ هو الناجي السالم في الدنيا والآخرة، هذا وإن ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية من أحداث خطيرة راح بسببها آلاف الأنفس، لَمِنَ الأعمال التي لا تقرها شريعة الإسلام، وليست من هذا الدين، ولا تتوافق مع أصوله الشرعية، وذلك من وجوه:
стр. 50
الوجه الأول: أن الله سبحانه أمر بالعدل، وعلى العدل قامت السماوات والأرض، وبه أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، يقول الله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: آية ٩٠]، ويقول سبحانه: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد: آية ٢٥].
وحكم الله ألا تحمل نفس إثم نفس أخرى، لكمال عدله سبحانه: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [النجم: آية ٣٨].
الوجه الثاني: أن الله سبحانه حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" (١).
وهذا عام لجميع عباد الله، مسلمهم وغير مسلمهم؛ لا يجوز لأحد منهم أن يظلم غيره، ولا ينبغي عليه ولو مع العداوة والبغضاء، يقول الله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [المائدة: آية ٨] فالعداوة والبغضاء ليست مسوغا شرعيا للتعدي والظلم.
стр. 51
وبناء على ما سبق؛ يجب أن يعلم الجميع دولا وشعوبا مسلمين وغير مسلمين أمورا:
أولها: أن هذه الأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة وما كان من جنسها من خطف لطائرات، أو ترويع لآمنين، أو قتل أنفس بغير حق.
ما هي إلا ضرب من الظلم والجور والبغي الذي لا تقره شريعة الإسلام، بل هو محرم فيها ومن كبائر الذنوب.
ثانيها: أن المسلم المدرك لتعاليم دينه، العامل بكتاب الله وسنة نبيه، ينأى بنفسه أن يدخل في مثل هذه الأعمال، لما فيها من التعرض لسخط الله، وما يترتب عليها من الضرر والفساد.
ثالثها: أن الواجب على علماء الأمة الإسلامية أن يبينوا الحق في مثل هذه الأحداث، ويوضحوا للعالم أجمع شريعة الله، وأن دين الإسلام لا يقر أبدا مثل هذه الأعمال.
رابعها: على وسائل الإعلام ومن يقف وراءها ممن يلصق التهم بالمسلمين ويسعى في الطعن في هذا الدين القويم، ويصمه بما هو منه براء؛ سعيا لإشاعة الفتنة وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين وتأليب القلوب وإيغار الصدور.
يجب عليه أن يكف عن غيه، وأن يعلم أن كل منصف عاقل يعرف تعاليم الإسلام لا يمكن أن يصفه بهذه الصفات، ولا أن يلصق به مثل هذه التهم؛ لأنه على مر التاريخ لم تعرف الأمم من المتبعين لهذا الدين
стр. 52
الملتزمين به إلا رعاية الحقوق وعدم التعدي والظلم.
هذا ما جرى بيانه إيضاحا للحق وإزالة للبس، والله أسأل أن يلهمنا رشدنا ويهدينا سبل السلام، وأن يعز دينه ويعلي كلمته إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
стр. 53
كلام سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ -
قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ لأنذركم به: أحذركم به من المخالفة ..
وفي قوله: ﴿ومن بلغ﴾: إشارة إلى أن من لم يبلغه القرآن لم تقم عليه الحجة، وكذلك من بلغه القرآن على وجه مشوش فالحجة لا تقوم عليه؛ لكنه ليس كعذر الأول الذي لم تبلغه نهائيا؛ لأن من بلغته على وجه مشوش يجب عليه أن يبحث، لكن قد يكون في قلبه من الثقة بمن بلغه ما لا يحتاج معه في نظره إلى البحث.
السؤال الآن: هل بلغ الدين الإسلامي لعامة الكفار على وجه غير مشوش؟.
الجواب: (لا)، أبدا، ولما ظهرت قضية الذين يتصرفون بغير حكمة ازداد تشويه الإسلام في نظر الغربيين وغير الغربيين، وأعني بهم أولئك الذين يلقون المتفجرات في صفوف الناس؛ زعما منهم أن هذا من الجهاد في سبيل الله، والحقيقة أنهم أساءوا إلى الإسلام، أو ازدادوا نفرة منه؟.
وأهل الإسلام يكاد الإنسان يغطي وجهه لئلا ينسب إلى هذه الطائفة المرجفة المروعة، والإسلام بريء منها، الإسلام بريء منها. حتى بعد أن فرض الجهاد ما كان الصحابة يذهبون إلى مجتمع الكفار يقتلونهم أبدا؛ إلا بجهاد، له راية من ولي قادر على الجهاد.
стр. 54
أما هذا الإرهاب فهو والله نقص على المسلمين، أقسم بالله؛ لأننا لا نجد نتائجه أبدا، بل هو العكس؛ فيه تشويه السمعة، ولو أننا سلكنا الحكمة فاتقينا الله في أنفسنا وأصلحنا أنفسنا أولا ثم حاولنا إصلاح غيرنا بالطرق الشرعية لكان نتيجة هذا نتيجة طيبة اهـ (١).
стр. 55
بيان فضيلة الشيخ / صالح بن محمد اللحيدان -حفظه الله - (١)
أيها المشاهدون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الحمد لله على كل حال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي كل شيء بقضائه وقدره، في خضم هذه الأحداث التي طرأت، وفي مجالات اضطرابات الرأي والفكر، وفي أمر ما حدث من كارثة على الولايات المتحدة الأمريكية، كثر السؤال والتساؤل عن حكم مثل هذه الأحداث في شريعة الإسلام؟.
لا شك أن شريعة الإسلام الشريعة الكاملة التي تستوعب كل حدث، وفيها حل كل مشكلة، وفيها بيان حكم كل نازلة، فما من نازلة تنزل على البشر إلا وفي شريعة الإسلام حكمها، وبيان أبعادها، ومن ذلك هذه الأحداث التي طرأت، ومما كثر السؤال عنه من خاصة وعامة: ما هو حكم الشريعة في مثل هذه الأحداث؟ هل في ذلك جواز في شريعة الإسلام؟ وهل مثل هذا العمل يقره علماء الإسلام؟.
فيقال عن بيان حكم الإسلام في ذلك ما ينبغي أن يقال؟
ولأن علماء الإسلام لا بد أن يتحدثوا عن الأحداث، ويبينوا أحكام الشريعة الإسلامية فيما يطرأ من نوازل، وما يلم في المسلمين أو في غيرهم من ملمات:
стр. 56
لا شك أن كل أمر فبقضاء الله جل وعلا قدره، ومع ذلك فأحكام الشريعة تستوعب كل حدث، والله جل وعلا أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وهو الحكم العدل، حرم الظلم على نفسه وجعله بينه وبين العباد محرما، وقد ثبت عن نبي الله ﷺ فيما يروي عن ربه جل وعلا أنه قال سبحانه: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (١).
إن من الظلم أن يُعتدى على غير جان، وأن يقتل غير مجرم، والنبي ﵊ نبي الرحمة نبي الشفقة نبي الإحسان المبعوث إلى البشرية بل إلى الثقلين الجن والإنس أوضح المعالم، وكان في الغزو والجهاد والقتال إذا جهز السرية أوصاهم: "ألا يقتلوا وليدا ولا امرأة ولا هرما ولا متعبدا في صومعته" (٢).
أي أن الإسلام لا يبيح قتل إلا من يقتل ويقاتل ويعتدي على المسلمين.
ولهذا فإن مثل هذه الجرائم التي تقع ولا تفرق بين رضيع وامرأة ومسن ومسنة ومريض وصحيح وتأتي على المال وأهل المال؛ أن هذا العمل يعد من الجرائم العظام، والفواحش الخطيرة، لأن هذا ينظر إليه في شريعة الإسلام بأنه من الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل، وهذا
стр. 57
أمر حرمه الإسلام، حرمه الله، وحرمه رسوله ﷺ ، والنبي لما رأى امرأة مقتولة في الغزو فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» (١) أي أن قتلها أمر ممنوع منعا باتا.
ولهذا فإن ما حدث مما شاهدته في العرض الذي عرضته وكالات البث العام مما حدث على تلك العمارات من الضرب التي تداعت له العمارة فصار الناس إثر ذلك كأنما القيامة قامت، وكأن الفزع فزع قيام الساعة، وظهر على وجوه الذين يركضون هنا وهناك الذهول -إن من يحدث مثل هذه الجرائم يعد في النظر الإسلامي من أخطر الناس جرما، وأسوأهم عملا، ومن يظن أن أحدا من علماء الإسلام العارفين بمقاصد شريعة الإسلام، المطلعين على مقاصد القرآن وسنة المصطفى ﷺ يظن أنه يجيز مثل هذه الأعمال فإنما يظن سوءا.
إن المسلم لا يليق به أن يشمت حتى بالعدو إذا ظلم، فالظلم غير مقبول، والعدوان الانفرادي أمر محرم فظيع على من ليس مستحقا للعقاب، فكيف إذا وقع الجرم بالذي شوهد، وتردد صداه وأفزع النظر إليه من نظر، كيف يقال عن ذلك أن أهل الإسلام يقرون مثل هذا العمل.
إنهم ومهما ادعوا من مسوغ مثل هذه الحوادث لا يصح أن تقبل، وأن تسوغ في ميزان الإسلام، إن الله جل وعلا يقول في القرآن الكريم في خطابه للمسلمين: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: آية ٨]. ولذلك: العدل قامت به السماوات
стр. 58
والأرض، وإيقاع عقوبة جماعية لا تتفق بأي وجه من الوجوه مع ميزان العدل، ولا توضع إلا في كفة الظلم والعدوان الفاحش، لأن قتل فرد بريء لا ذنب له جرم عظيم، فكيف إذا كان الجرم واقعا على فئات عظيمة، وأعداد كبيرة، ورضع وأطفال ونساء حبالى، حتى ربما وضعت المرأة حملها من هول الفزع، كأنما قامت قيامة الساعة.
إن هذه المناظر المرعبة التي شوهدت من آثار ذلك الإجرام مناظر لا يقرها عقل مسلم، ولا يعتد بفعل من فعلها ولو كان نابتا منبتا إسلاميا في بلد إسلامي، العبرة بما يقوله أهل العلم، والعبرة بما تقرر في أحكام الشريعة الإسلامية في أمثال هذه الجرائم من الجرائم الخطيرة.
والمملكة العربية السعودية عندما نظرت في يوم من الأيام أمر اختطاف الطائرات قبل أن يختطف للسعودية أي طائرة، قرر علماؤها تحريم هذا العمل، ولم يفرقوا بين اختطاف طائرة ركابها مسلمون وبين طائرة ركابها غير مسلمين (١)، بل رأوا أن الظلم أمر محرم، وأن العدوان على الناس وإرهابهم بغير حق من أعظم الفواحش في الأرض والفساد فيها.
في مثل هذه الأمور لا غرابة أن تعلن المملكة العربية السعودية استنكارها وعدم رضاها عن ما حدث، وعن من أحدث، لأن المملكة العربية السعودية مملكة إسلامية ولله الحمد، وبحق يحكمها نظام الإسلام، وتحكم شريعة الإسلام، وأصول عملها وأنظمتها مقيدة بأن لا تخالف
стр. 59
الإسلام، فإذا استنكرت مثل هذا العمل فإنما تفعل ما تفعله من واقع دينها، ومن موقفها الإسلامي الذي تقف فيه، لأنها دولة الحرمين، وبلاد منبع الرسالة، فلا غرو أن تستنكر الفواحش، وأن تستهجن إجرام المجرمين، وأن تندد بإيواء كل مرتكب للإجرام، أو يرضى بجرمه.
إن الإنسان المسلم العارف مقاصد الشرع، العالم بما تنطوي عليه الشريعة الإسلامية من الشفقة والرحمة لعباد الله، يرى أن هذه الأعمال من أخبث الأعمال وأشدها ضررا على بني الإنسان.
ومما طرح علي من الأسئلة وهي كثيرة، قبل أن أقبل بأن أتكلم، ولكن تحت ضغط كثرة الأسئلة والرغبات في أن أتحدث، ويعرف موقف القضاء في المملكة العربية السعودية، ولأن يتكلم من هو في قمة مسئولية القضاء؛ رأيت أن أبدأ وأبين: أن هذا العمل هو عمل منكر، ولكن الحقيقة أن النبي ﵊ قال: «لا يجني جان إلا على نفسه» (١) أي أن إجرام المجرم أو عبث عابث لا يصح أن يشغل غيره، ومما قيل لي وقد سألتني إحدى الصحف قبل هذا الموقف أمام هذه الكاميرا وبينت أن هذا العمل الفظيع عمل لا يقر، كما أن هذا العمل الفظيع لا يمكن أن يولد إلا بغضا أو حقدا وانتقاما على المسلمين؛ الذين لم يرضوا ولم يقروا هذا العمل أو يحمدوه، لأن مقتضى العدل ونواميس العقل تستلزم أن لا يؤخذ أحد إلا بذنبه، وأن لا يحاسب إنسان أو جماعة على ذنوب غيرها، لأنه كما
стр. 60
هو مقرر في شريعة الإسلام وكما هو قول نبي الهدى محمد ﷺ : «لا يجني جان إلا على نفسه» (١). ولأن القرآن يقول: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [النجم: آية ٣٨] أي لا تتحمل وازرة وزر أخرى، ولا يحمل بريء ذنب مسيء، ولا يعاقب مسالم كافا الأذى بسبب إجرام مرتكب جريمة.
ومما أثير عما قد يقال أو تردد في بعض وسائل الإعلام عن الشعب الأمريكي، وما قد يكون ينظر للمسلمين المتواجدين في أمريكا من أصل أمريكي أو من وافدين إليها من العرب أو غيرهم، وهل هذا مما يقبل عقلا؟.
ذكرت وأذكر هنا أنه لا يتوقع أن الشعب الأمريكي الذي يقول عن نفسه أنه من أبرز حماة الديمقراطية، وحامل لواء العدل، لا يعقل أن ينظروا إلى مواطنيهم أو ضيوفهم من العرب والمسلمين، ومن غير المسلمين من العرب أيضا، لا يمكن أن ينظر إليهم الشعب الأمريكي مع ما هو فيه من مناعة، وما يفترض فيهم العقل ومعرفة التجانس، وتذكر ما قد حدث في أيام المحن، لا يمكن أن ينظر إلى غير المسيء بنظرته للمسيء، فإنه لا يستوي المجرم مع غير المجرم، ولا يحمل مسالم ذنب وجريرة معتد ظالم.
إنني أؤكد أن مثل العمل غير مقبول في الإسلام، وألمحت إلى أن الناس في القتال -في الغالب- لا يفكرون في أيام الحروب فيما يصيب من لم يشارك آثار في الحرب من أضرار وسفك للدماء، ما عدا أن الإسلام
стр. 61
يمنع من قتل من لم يشارك في الحرب، ويمنع قتل الوليد، أي الأطفال الذين لم يكونوا مقاتلين، ويمنع قتل النساء، ويمنع قتل الشيوخ، ويمنع قتل من تفرغوا للعبادة من الرهبان في صوامعهم، فدين ينظر الرسول المبعوث به لهذه الشعوب والأفراد والجماعات هذه النظرة لا يمكن أن يقر أتباع هذا الدين مثل هذا العمل الفاحش، إنه عمل خطير، وإنه عمل من النوازل النادرة التي لم تكن معروفة في الزمن القديم، وطرقها يحتاج إلى أن يعالج من جميع النواحي؛ معالجة المجرم ومن رضي بإجرامه وأقره عليه وأيده وأمده، والنظر في الأخذ بالأسباب الواقية من تكرر مثل هذا الإجرام، والأسباب يعرفها العقلاء، والباحثون عن الحلول، وتوقي الأخطار، والأخذ بأسباب منع الحوادث، ولا يعوزهم الوصول إلى الحل السليم والوقاية التامة.
ولا شك أن الشريعة الإسلامية جاءت بالوقاية وأنها خير من العلاج، ولا يختص هذا بمرض الأبدان؛ بل يعم مرض الأبدان والمجتمعات والشعوب، فالوقاية من الأخطار، والأخذ بالأسباب التي لا تعرض للأخطار أيضا من مقاصد الشريعة الكاملة، ومن متطلبات أهل سداد الرأي والفكر السليم والعقول الراجحة.
لا أحب أن أطيل في حديثي ولكني أؤكد أن الأمة الإسلامية بقياداتها العلمية، وقياداتها السياسية، وأذكر القيادة العلمية قبل السياسية، لأن الأمر أمر بيان حكم الشريعة: لا يمكن أن تقر مثل هذه الأعمال. كما أنني أعتقد أن المجتمع الأمريكي والغربي أجمع لا يمكن أن ينظر إلى مثل هذه
стр. 62
الأحداث بأن من ينتسبوا إلى أي دولة وهو خارج عن إرادة دولته في تصرفه أن تؤاخذ دولته، وتعادى لأجل عمل قام به من لم يستشرها، ولم يعلمها ولم يخبرها، لأنني لا أتوقع أن أحدا من مرتكبي هذه الجريمة الفاحشة الشنعاء أنه يمكن أن يكون أطلع أحدا من رجال دولته على أي قصد من هذه المقاصد .. وإنني أقول: إن على المسئولين في كل مكان أن يحسنوا الظن بمن يواطنوهم الآن، لا سيما وأن المواطنة في الولايات المتحدة وفي غيرها صارت لكثير من المسلمين ممن أصولهم من تلك البلاد وممن وفدوا إليها، والإسلام لا يفرق في أخوته بين جنس وجنس، ولا لسان ولسان، ولا لون ولون في هذه العقيدة.
أكرر مرة أخرى أن هذا العمل الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الفظاعة والوحشية المتناهية التي هي أبعد من عمل الوحوش، وأبعد من عمل ما قد يسمى جماعات إرهاب أو فصائل إجرام، بل هو عمل بالغ الخطورة، أقول: إنه في غاية الفحش والسوء.
وأسال الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أن يقينا في دنيانا كل سوء، وأن يهدي كل ضال إلى الصواب، وأن ينصر الحق وأهله، وأن يخذل الباطل وأهله، وأن يجعل أعمالنا كلها في مرضاته ، وأن يلطف بنا، لأن من لم يلطف به الله فلا معين له.
وصلى الله وسلم على رسول الله وجميع إخوانه من الأنبياء ورسله وجميع المتبعين للحق الصادقين في اتباعه، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 63
أجوبة فضيلة الشيخ / د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان -حفظه الله -
السؤال: أحسن الله إليكم: هل القيام بالاغتيالات وعمل التفجيرات في المنشآت الحكومية في بلاد الكفار ضرورة وعمل جهادي؟.
الجواب: الاغتيالات والتخريب هذا أمر لا يجوز؛ لأنه يجر على المسلمين شرا وتقتيلا وتشريدا، إنما المشروع مع الكفار الجهاد في سبيل الله، ومقابلتهم في المعارك، فإذا كان عند المسلمين استطاعة بأن يجهزوا الجيوش، ويغزوا الكفار، ويقاتلوهم كما فعل النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وصار له أنصار وأعوان، أما التخريب والاغتيالات فهذا يجر على المسلمين شرا.
الرسول ﷺ يوم كان في مكة قبل الهجرة كان مأمورا بكف اليد: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة﴾ [النساء: آية ٧٧] كان مأمورا بكف اليد عن قتال الكفار؛ لأنه لم يكن عنده استطاعة لقتال الكفار، ولو قتلوا أحدا من الكفار، لقتلهم الكفار عن آخرهم، واستأصلوهم عن آخرهم، لأنهم أقوى منهم، وهم تحت وطأتهم وشوكتهم.
فالاغتيال يسبب قتل المسلمين الموجودين في البلد الذي يعيشون فيه كالذي تشاهدون الآن وتسمعون، فهو ليس من أمور الدعوة، ولا هو من الجهاد في سبيل الله، كذلك التخريب والتفجيرات، هذه تجر على المسلمين شرا كما هو حاصل، فلما هاجر الرسول ﷺ وكان عنده جيش
стр. 64
وأنصار؛ حينئذ أمر بجهاد الكفار.
هل الرسول ﷺ والصحابة يوم كانوا في مكة، هل كانوا يعملون هذه الأعمال؟. أبدا، بل كانوا منهيين عن ذلك.
هل كانوا يخربون أموال الكفار حين كانوا في مكة؟. أبدا، كانوا منهيين عن ذلك، مأمورين بالدعوة والبلاغ فقط، أما الإلزام والقتال فهذا إنما كان في المدينة لما صار للإسلام دولة.
стр. 65
فتاوى الأئمة
في
حقوق الولاة وحكم الخروج عليهم
стр. 66
فتاوى الأئمة في حقوق الولاة وحكم الخروج عليهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف؛ وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀:
(قوله: "ومناصحة أئمة المسلمين" هذا أيضا مناف للغل والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغل، فهي ضده، فمن نصح الأئمة؛ فقد برئ من الغل. وقوله: "ولزوم جماعتهم": هذا أيضا مما يطهر القلب من الغل والغش، فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوءه ما يسوءهم، ويسره ما يسرهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم، والعيب والذم لهم، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم، فإن قلوبهم ممتلئة غلا وغشا، ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، وأشدهم بعدا عن جماعة
стр. 67
المسلمين) (١).
وقال ﵀:
والمثال الأول: أن النبي ﷺ شرع لأمته إيجابا: إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار منكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر.
وقد استأذن الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» (٢) وقال: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر) و (ولا ينزعن يدا من طاعة) (٣).
ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر طلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه (٤).
стр. 68
رسالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
يجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق، وننصح إخواننا إذا جرى منها شيء حتى فهموها، وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ [آل عمران: آية ١٠٢ - ١٠٣]. وقال ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» (١).
وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث:
стр. 69
أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه.
ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه.
صابرا على ما جاءه من الأذى.
وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا، والعمل به، فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا، أو قلة فهمه.
وأيضا يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره. فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه، فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم لا يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه.
إلى أن قال: وهذا الكلام وإن كان قصيرا فمعناه طويل، فلازم لازم تأملوه، وتفقهوا فيه، واعملوا به، فإن فعلتم صار نصرا للدين، واستقام الأمر إن شاء الله.
والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن ينصح برفق خفية، ما يشرف عليه أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا (١)، إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية.
هذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم،
بيان العلماء
سعد بن عتيق، محمد بن إبراهيم، عمر بن سليم، محمد بن عبد اللطيف، عبد الله العنقري ﵏ -
قد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد، قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
قال شيخ الإسلام ﵀ في "السياسة الشرعية":
قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الآية الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وإن لم
стр. 72
يفعل ولاة الأمور ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: آية ٢].
وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة (١).
وفي "الصحيحين" عن عبادة بن الصامت وهو مريض قلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي ﷺ قال: «دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (٢).
وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي
стр. 73
لذي عهد عهده فليس مني ولست منه» (١).
وعن معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد كان نومه ونبهه أجرا كله، وأما من غزا رياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لا يرجع بالكفاف» رواه أبو داود والنسائي (٢).
وعن ابن عمر مرفوعا: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أخرجاه (٣).
ولمسلم عن حذيفة مرفوعا: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع" (٤)
стр. 74
وفي حديث الحارث الأشعري الذي رواه الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (١).
قال الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: "وهذه الخمس المذكورة في الحديث ألحقها بعضهم بالأركان الإسلامية، التي لا يستقيم بناؤه ولا يستقر إلا بها، خلافا لما كانت عليه الجاهلية من ترك الجماعة والسمع والطاعة" انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": "يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس".
إلى أن قال: فإن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب الله تعالى من الجهاد والعمل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود؛ لا يتم إلا بالقوة والإمارة.
ولهذا روي: "أن السلطان ظل الله في الأرض" (٢). ويقال: "ستون
стр. 75
سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان" (١) والتجربة تبين ذلك.
ولهذا كان السلف؛ كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهم يقولون: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان" إلى أن قال: فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات. وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة والمال" (٢) انتهى.
وقال ابن رجب ﵀ في "شرح الأربعين":
"وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم؛ كما قال علي أبي طالب ﵁: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله".
وقال الحسن في الأمراء: "وهم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم؛ وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم