← Акыда

Акыда · id 36572

التحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية

يحيى الشاوي

Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام الأطيبان الأكملان الأزكيان على أشرف الخلق محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. وبعد فالتحقيق أحد مقومات التراث العربي العلمي بوصفه حافظا للمنجزات الفكرية التي كتبت باللغة العربية لعلماء المسلمين، ورافدا من روافد ديمومتها وبقائها، فمن هنا وجدت غايتي في التحقيق بوصفه واجبا دينيا وقوميا، فضلا عن كونه إنسانيا ولا سيما عندما يكون ذلك بنشر النتاج الفكري لأحد علماء الأمة ـ يحيى الشاوي ـ وقد خففت من صعوبة عملية التحقيق ما يقدمه الإخوان من خدمات في إعارة المصادر، أو من أمدني بمعلومة تخدم التحقيق، مما أفادني بالاطلاع الواسع على مظان الكتب المطبوع منها والمخطوط. وقد جاءت دراسة التحقيق في هذا الكتاب ضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المقدمة التاريخية لعصر المؤلف، أما

стр. 2

المبحث الثاني: فكان دراسة المخطوط، ومنهج المؤلف، ومصادره وطريقة البحث، أما المبحث الثالث: فكان متن المخطوط ابتداء بمقدمته حتى مجموعة الفهارس، فإن وفقت فهذا من فضل ربي عليه توكلت وإليه أنيب. المحقق.

стр. 3

المبحث الأول. الحالة التاريخية للجزائر خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين . شهد القطر الجزائري كغيره من أقطار العالم العربي فترة من الاضطراب السياسي، وذلك نتيجة للأطماع الاستعمارية فيه، ويمكن أن نجمل الحوادث السياسية التي مر بها فيما يأتي: - عام سبعة وتسعين وثمانمائة الهجري الموافق لسنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف الميلادي. وصول الهجرات الأندلسية إلى الجزائر. التي كان من ضمنها السلطان الغرناطي المعروف بالزغل: أبو عبد الله محمد بن سعد، وذلك بعد سقوط مدينة غرناطة في يد الأسبان. ـ عام عشر وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة أربع وخمسمائة وألف الميلادية، ظهرت الأطماع الأسبانية في الجزائر، حيث قام الأسبان بالقرصنة عليها.

стр. 4

ـ عام أحد عشر وتسعمائة الهجري الموافق لسنة خمس وخمسمائة وألف. احتل الأسبان ميناء وهران. ـ عام خمسة عشر وتسعمائة الهجري الموافق لسنة تسع وخمسمائة وألف سقطت المدن الساحلية الجزائرية في يد الأسبان. ـ عام تسعة عشر وتسعمائة الهجري الموافق لسنة ثلاث عشرة وخمسمائة وألف الميلادية، احتل الأتراك مدينة تلمسان، ونصبوا أبا زيّان أحمد الثاني على العرش. ـ عام أربعة وعشرين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ثماني عشرة وخمسمائة وألف الميلادية. استشهد عروج التركي، وزحف أبو أحمد الثالث على تلمسان. ـ عام خمسة وعشرين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة تسع عشرة وخمسمائة وألف الميلادية. ظهرت ثورة الأمير أبي سرحان المسعود الزياني، وسيطر على تلمسان. ـ عام ثلاثين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة أربع وعشرين وخمسمائة وألف الميلادية. عاد محمد بن عبد الله الثاني إلى الملك، ورفض التزامه بالمعاهدة الموقعة مع الأتراك. ـ عام ثلاثة وأربعين، وتسعمائة الهجري الموافق لسنة ست وثلاثين وخمسمائة وألف الميلادية. سقطت الدولة الحفصية بالجزائر. وظهور الدول المرينية. ـ عام تسعة وأربعين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة اثنتين

стр. 5

وأربعين وخمسمائة وألف الميلادية. قام التحالف الزياني بقيادة أبي زيان أحمد الثالث مع الأتراك ضد الأسبان. ـ عام خمسين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة أربع وأربعين وخمسمائة وألف الميلادية. احتلت تلمسان من قبل السلطان محمد السابع بمساندة الإمبراطور شالكان. ثم فشل هذا الاحتلال، ورجوع أحمد الثاني للعرش. ـ عام سبعة وخمسين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة خمسين وخمسمائة وألف الميلادية. سيطرت الدولة السعدية على تلمسان. ثم انسحابها منها إثر تولي الحسن بن عبد الله حكمها برعاية أتراك الجزائر. ـ عام واحد وستين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة أربع وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية، هاجم الأتراك مدينة فاس، ونصبوا أبا حسون الوطاسي عليها. ـ عام اثنين وستين وتسعمائة الهجري، الموافق خمس وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. احتل الأتراك مدينة تلمسان، وخلع الحسن آخر ملوك بني زيان. ـ عام ثلاثة وستين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ست وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. أعاد السعديون سيطرتهم على مدينة تلمسان. - عام أربعة وستين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة سبع وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. انتصر حسن بن

стр. 6

خير الدين على السعديين، وإيقاعه بالأسبان في موقعة (مازغران). - عام تسعة وستين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة اثنتين وستين وخمسمائة وألف الميلادية. تم تقسيم الجزائر إلى أربع مقاطعات هي: الجزائر المدينة، قسنطينة، مازونة، وهران. - عام خمسة وسبعين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة سبع وستين وخمسمائة وألف الميلادية. انهزم الأسبان بمدينة الجزائر. - عام خمسة وثمانين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة خمس وسبعين وخمسمائة وألف الميلادية. وصول الحامية التركية إلى الملك عبد الملك بن الشيخ بفاس. - عام ستة وثمانين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ثمان وسبعين وخمسمائة وألف الميلادية. انضمت إمارة مراكش إلى الدولة العثمانية. - عام ثمانمائة وثمانين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ثمانين وخمسمائة وألف الميلادية. تم تعيين أول قنصل فرنسي بالجزائر وهو (م. بيونو). - عام خمسة وتسعين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة سبع وثمانين وخمسمائة وألف الميلادية بدأ عهد الباشاوات. - عام ثلاثة وألف الهجري، الموافق لسنة أربع وتسعين وخمسمائة وألف الميلادية. تم قمع الحركة الوطنية (بسور الغزلان).

стр. 7

- عام أربعة وألف الهجري، الموافق لسنة ست وستمائة وألف الميلادية. قام الأسبان بالسيطرة على وهران. - عام تسعة عشر وألف الهجري، الموافق لسنة ست وستمائة وألف الميلادية. قام التحالف الثلاثي الأسباني الإنجليزي الهولندي بقصف مدينة جيجل الجزائرية. - عام اثنين وأربعين وألف الهجري، الموافق لسنة اثنتين وثلاثين وستمائة وألف الميلادية. حدوث زلزال بمدينة الجزائر، نجم عنه مقتل العديد من السكان بالعاصمة. - عام ستين وألف الهجري الموافق لخمسين وستمائة وألف الميلادي. قيام الدولة العلوية بالمغرب بزعامة محمد بن الشريف، ومحاولة السيطرة على الجزائر. - عام تسعة وستين وألف الهجري، الموافق لسنة تسع وخمسين وستمائة وألف الميلادية. انتهى عصر الباشاوات، وبدأ عصر الآغاوات. - عام واحد وثمانين وألف الهجري، الموافق لسنة إحدى وسبعين وستمائة وألف الميلادية. انتهى عصر الآغاوات، وبدأ عصر الدايات. (١) هذه هي حالة الجزائر خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، وهي حالة اضطراب سياسي، وركود اقتصادي.

стр. 8

المبحث الثاني. دراسة المخطوط . المطلب الأول: وصف المخطوطة. المطلب الثاني: منهجية الشاوي في كتابه التحف. المطلب الثالث: المصادر التي اعتمد عليها الشاوي في كتابه. المطلب الرابع: طريقة الباحث في دراسة المخطوط.

стр. 9

المطلب الأول. وصف المخطوطة . توجد بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ١٠٨٩ ك. ضمن مجموع من ص١ إلى ص٥٢. أولها: الحمد لله الحميد، والصلاة والسلام من اسمه محمد وأحمد آخرها: وأوصيكم أيها الأحبة إن عرضت لكم مسائل فراجعونا بها ... والصلاة والسلام على سيدنا محمد. ص: ٥٢ س: ٢١ ق: ٢٠× ١٥.٥. خ: مغربي متوسط به محو وأكل أرضة.

стр. 10

المطلب الثاني. منهجية الشاوي في كتابه التحف . تتمثل منهجية المؤلف في كتابه في الإجابة على مجموعة من الأسئلة، حيث يمثل كل سؤال مبحثا يتناول مسألة في العقيدة، وفي إجابته يستعين بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وآراء العلماء، فعن السؤال القائل: هل الرضى، والمحبة، والإرادة بمعنى واحد، أم هناك تباين بين الإرادة وما قبلها من المحبة والرضى؟ يجيب الشاوي بما نصه: " وأقول بحول من به الفكر يجول، قال المقترح في الإرشاد: ومما اختلف فيه الأئمة إطلاق محبة الكفر والرضى به، فمن الأصحاب من منع ذلك؛ قصدًا منه إلى أن المحبة والرضى إرادة الإنعام أو نفس الإنعام، ومنهم من المحبة والرضى عبارة عن الإرادة، وقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١)، يريد خصوص العباد، ولا

стр. 11

شك أن الرضى والمحبة يطلقان على الإرادة، ويطلقان على رقة وتحنن، وتعقب ذلك في مقتضى العادة إرادة إحسان بمن تحنن عليه، ثم إن كانت المحبة هي الإرادة لا يجوز أن يقال: إن الباري محبوب لأوليائه؛ لأنه لا يصح أن يكون مرادًا، فإن الإرادة إنما تتعلق بمتجدد من حيث إنه متخصص ببعض وجوه الجواز، ويتعالى عن ذلك الأزلي ويتقدس. والتحقيق في هذا الفصل أن المحبة بمعنى الإرادة، والإرادة أيضا لفظ مشترك يطلق على الشهوة والميل، ويطلق على القصد، فأما القصد فلا يصح أن يتعلق به تعالى. وأما الميل فقال إمام الحرمين (١): يستحيل أن يمال إليه. وقرر ذلك بأن الميل إنما يتعلق بالخطوط البشرية، ولا حظ للعبد في نفس الذات، وهذا لا يصح، بل يجد الإنسان ميلا لمن أحسن، ولا يحسن في الحقيقة إلا هو، فمن لاحظ نعمه، وأدام ذكرها في قلبه، وعرف إحسانه إليه، فيضطر إلى معرفة ثبوت ميل في ذاته يحسه في نفسه كما يحس آلامه ولذاته. وقد نجد الواحد منا يميل لعالم زاهد سمع بذكر كماله وجوده، وإن لم ينله منه إحسان، فثبت أن الميل لا يمتنع أن يتعلق بالله تعالى. فتأمله. (هـ كلام المقترح). فحصل منه أن الرضى والمحبة شيء واحد وهما الإرادة في

стр. 12

قول أو أخص منها بمعنى، إرادة الإنعام، في قول آخر أو نفس الإنعام المفعول بالقدرة في آخر فهي ثلاثة أقوال، وعلى الآخرين فلا إشكال في قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١)، أي لا يريد الإنعام عليهم بسببه، أو لا ينعم عليهم، وعلى الأول وهو اتحاد الجمع. قد يقال: كيف نعني عنه الرضى بالكفر، أي: بإرادته مع أنه يريد الكفر إذا هو بإرادته وقدرته خلافا للمعتزلة؟ وأجاب عنه المقترح بما سبق، وهو: أنه لا يريد لعباده المعظمين بالإضافة إليه، أي لا يريد الكفر لأوليائه وإنما يريده لغيرهم، وكذا أبو بكر (٢)، قال بعد كلام طويل في قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، أي: لا يرضاه لهم دينًا وشرعًا؛ فإنه وخيم العاقبة كثير المضرة، كمن يشتري عبدًا معينًا، فيقول له صاحبه: لا أرضاه لك عبدًا، ثم الرضى والسخط يتقابلان تقابل التضاد، ثم السخط ليس محمولا إلا على ذم في الحال وعقاب في المآل، كذلك الرضى محمول على مدح في الحال وثواب في المآل، انتهى كلامه. فظهر أن الرضى عنه ليس غير الإرادة ثم ذكر في بياض الجواب عن احتجاج المعتزلة تخصيص الإرادة بالحيز، وقال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾

стр. 13

(١)، وسائر الآيات في الإرادة محمول كلمات ذكرها الصادق جعفر بن محمد ﵁ أن الله تعالى أراد بنا وأراده منا، فما أراده بنا أظهره لنا، وما أراده منّا طواه عنا، فما لنا نشتغل بما أراده منّا عمّا أراده بنا. ومعنى ذلك: أنه أراد بنا ما أمرنا به، وأراد منا ما علمه، فكانت الإرادة واحدة. ويختلف حكمها باختلاف وجه تعلقها بالمراد، وهي إذا تعلقت بثواب سميت رضى ومحبة، وإذا تعلقت بعقاب سميت سخطا وغضبا، كذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق الأمر، قيل: أراد به ما أمر. وإذا تعلقت بالمنع مطلقا بالتخصيص والتغيير من غير التفات إلى كسب العبد حتى تكون إرادة لنا، وإرادة منا قبل إرادة الكائنات بأسرها، ولم نقل أراد منا، وأراد بنا، بل أرادها على ما هي عليه من التجرّد والتخصيص بالوجود دون العدم، فإذًا أفعال العباد من حيث إنها أفعالهم. أما أن يقال تتعلق الإرادة على الوجه الذي ينسب للحق إيجادا وتخصيصا، على وجهي أراد بنا وأراد منا، أراد بنا من أمرنا به دينا وشرعا واعتقادا ومذهبا، وأراد منا ما علم سابقه، وعاقبه، وفاتحه، وخاتمه. ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (٢)، أي لم يشأ

стр. 14

الهداية ليحق القول على مقتضى العلم السابق. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، أي لأمرهم بالعبادة، وقيل: ليخضعوا ويستسلموا، كقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٢). انتهى. وقال قبله: وكل ما ورد في القرآن من إرادة الخبر المخصوص بأفعال العباد مثل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٤) إلى غير ذلك، فهو محمول إما على ثناء أو مدح في الحال، وإما على ثواب ونقمة في المآل، وإلا فالإرادة الأزلية لا تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث إنه متجدد، ولا متجدد إلا وهو فعل البارئ، وذلك لا ينسب للعبد كما بينا في خلق الأعمال، واختص الأمر بأفعال العباد على الحقيقة دون الوجوب التي تنسب للحق فلم يجب تلازم الأمر والإرادة. وقد يرد الأمر بمعنى الإرادة بمعنى الأمر فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ، وكان المشركون تمسكوا بمثل هذا الاشتراك حيث أخبر التنزيل عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ (٥) أراد بذلك

стр. 15

المشيئة بمعنى الأمر، ولأجل هذا طالبهم بإخراج العلم بذلك، وإظهار الحجة على ما ادعوه من كتبهم، وقال: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾ (١)، إذ لم يرد بذلك أمر ولا وجدوا في كتبهم به تكليفا، ثم رد عليهم بإثبات المشيئة بمعنى التخصيص بالوجود والتصريف للأمر، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢). انتهى. فعلم من مجموع كلامه: أن الرضى والسخط يرجعان للإرادة وهي واحدة، ويختلف حكمها وتسميتها باختلاف المراد، واتفق الجميع على اتحاد المشيئة والإرادة خلافا لبعض المبتدعة، أن المشيئة قديمة والإرادة حادثة، وقد ذكر اتحادهما المقترح (٣)، وأبو بكر (٤)، والشيرازي (٥). والسعد التفتازاني (٦)، ناسبا التخالف بينهما لبعض المبتدعة، وعلم من كلامهم: أن الرضى والمحبة أيضا شيء واحد، وأن السخط والعداوة والبغض والكراهية هي أيضا متحدة، وهي مقابلة الرضى والمحبة، وهي حيثيات للإرادة من حيث المتعلق، أو هي الإرادة على ما سبق، ونعني بالكراهية الشرعية إذ لا يخفى أن العقلية نقيض الإرادة فكيف تكون عينها أو نوعها.

стр. 16

وعلم من كلام أبي بكر أن كل ما نفى الله إرادته فمعناه راجع لنفي الأمر به؛ لما علمنا من صحة إطلاق الإرادة على الأمر، وبه يندفع ما تمسّك به المعتزلة من قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١). على أن الرضى هو الإرادة، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٥)، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ (٦)، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (٧). وهذا كله منحوت من أبي بكر، وقال في موضع آخر: فما وقع بالإرادة على وفق الأمر كان مرادا بالتخصيص والتجدد

стр. 17

مرضيا بالمدح والثواب، وما وقع على خلاف الأمر، ولكن لا يكون إلا على وقف العلم سمي مرادا بالتخصيص والتجدد مسخوطا، وغير مرضي بسبب الذم والعقاب، انتهى. وقال الشيرازي (١) في كتاب الحدود الكلامية ما نصه: فصل الإرادة، والمشيئة والمحبة والرحمة والإحسان والولاية كلها بمعنى واحد وهي الإرادة، فإذا قلنا: إنه راضٍ أو محب أو مختار، أو شاء، فالمراد به مريد لإدخالهم الجنة والإنعام عليهم في الدنيا، وكذا كراهته وسخطه وغضبه وعداوته، جميع ذلك بمعنى واحد تتعلق بجميع متعلقاتها، وهي كالكلام أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد وهو واحد، وإنما نصفه بهذه الأشياء؛ تعظيما له وإجلالا واتباعا له حيث يقول: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾، ﴿فعال لما يريد﴾ (٢)، ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ (٣)، ﴿﵃﴾ (٤)، ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ (٥)، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦)، ﴿الله الرحمن الرحيم﴾،

стр. 18

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١)، ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ (٢)، ﴿وغضب الله عليهم﴾ (٣)، ﴿أن سخط الله عليهم﴾ (٤)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥) انتهى كلامه. فأنت تراه أيضا جعل الجميع بمعنى واحد وهي الإرادة، إنما اختلف باعتبار الحيثيات وجهات التعلق، ثم إن سياقه للآية وهي قوله: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ (٦) في مساق الكراهة التي تشملها الإرادة، قد يشكل من حيث المعنى على خلافه، إذ لو أراد انبعاثهم لانبعثوا، فإذا لم يرد انبعاثهم فهي نقيض الإرادة العقلية، فكيف تذكر في جزئيات، ولا يصح أن يراد الكراهة الشرعية للخروج؛ لأنه مأمور به لقتال العدو فلا يصح إلا أن يريد بها من محبة لا كراهة؛ إذ هي إرادة، ولذلك قال: ﴿وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ (٧) فتأمله ترشد والله المعين.

стр. 19

المطلب الثالث. المصادر التي اعتمد عليها الشاوي في كتابه . اعتمد الشاوي في عرض أفكاره على مجموعة من المصادر المتعلقة بدراسة العقيدة الإسلامية بلغت ثلاثة وعشرين مصدرًا، نذكر: (١) أبو المعالي الجويني. - الإرشاد في قواطع الأدلة. - الشامل في أصول الدين. (٢) ابن الحاجب. - المختصر الأصلي. (٣) الباقلاني. - الإنصاف.

стр. 20

(٤) المقترح. - شرح الإرشاد. - الأسرار العقلية في الكلمة النبوية. (٥) الإسفرائيني. - التبصير في الدين. (٦) ابن الهمام. - المسايرة في العقائد. (٧) السنوسي. - شرح عقيدة أهل التوحيد. - شرح المقدمات. (٨) الأشعري. - مقالات الإسلاميين. (٩) المديوني. - شرح عقائد السلالجي. (١٠) السهيلي. - الروض الأنف. (١١) الشهرستاني.

стр. 21

- الملل والنحل. (١٢) ابن العربي الحاتمي. - التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية. (١٣) الخفاف. - شرح البرهانية. (١٤) الشيرازي. - الحدود الكلامية. (١٥) المنجور. - الحاشية على كبرى السنوسي. (١٦) ابن مالك. - شرح التسهيل. (١٧) ابن عرفة. - الشامل. - المختصر. (١٨) التفتازاني. - شرح النسفية. - شرح المقاصد.

стр. 22

يقوم الكتاب على الإجابة عن ستة أسئلة وهي: السؤال الأول: ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع؟ وهل هو حدوث العالم؟ وهل يؤخذ كونه حدوث العالم من قول السنوسي في شرح الصغرى: فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، وكما أشار إلى النظر والفكر فيه - مولانا- في غير آية أم لا؟ السؤال الثاني: قول العلماء إن المصيب في العقليات واحد مع اختلاف أهل السنة كالأشعري والرازي في الأحوال نفيا وإثباتا، والصعلوكي فيتعدد العلم والقدر، فمن المصيب ومن المخطئ، مع أن المصيب واحد؟ ومن يتبع في هذا الخلاف، ومن لا يتبع؟ السؤال الثالث: ما وجه من قال في الإرادة لها تعلقات صلاحي وتنجيزي؟ السؤال الرابع: قولكم في الرضى والمحبة والإرادة هل الجميع بمعنى؟ أو بين الإرادة وما قبلها من المحبة والرضى تباين؟ السؤال الخامس: قولكم الكلام يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي، وهل بكل دلالة من دلالته يدل على الجميع أو لا يدل على جميع الحكم العقلي إلا البعض منها؟ وإن قلتم بدلالة البعض منها، ما هو هذا البعض؟

стр. 23

السؤال السادس: ما هو الحال في كونه قادرًا، هل ما يفهم من القادرية بين كونه قادرا، وكذا في كل صفة؟ وهل هنا كالحال في قول النحاة جاء زيد راكبا؟ وهل الحال المعنوية الحادثة في حقنا مخلوقة تتعلق بها القدرة أم لا؟

стр. 24

المطلب الرابع. طريقة الباحث في دراسة المخطوط . انتهج الباحث في دراسة المخطوط الخطوات الآتية: (١) نسخت نص المخطوط إلى الخط المشرقي باعتباره السائد في لغة الطباعة. (٢) خرّجت الآيات القرآنية بإرجاعها إلى سور القرآن مع بيان رقمها فيها. (٣) خرّجت الأحاديث النبوية بإرجاعها إلى كتب الحديث المعروفة. (٤) خرّجت الأعلام، وذلك بإعطاء ترجمة موجزة عنهم، مع بيان المصادر التي ترجمت لهم. (٥) وثقت النصوص المنقولة في الكتاب بإرجاعها إلى مظانها من الكتب لتوثيقها.

стр. 25

المبحث الثالث: متن المخطوط .

стр. 26

بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد ﷺ ، يقول أجهل العباد، المتكلم في فيفاء البلاد، المرعي هشيمه لعدم الكلأ في الوهاد يحيى الشاوي -نجاه الله من سائر المساوي-: مقدمة المخطوط. الحمد لله الحميد والصلاة والسلام على من اسمه محمد وأحمد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبد تبرأ من حوله إلى حول الشديد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ذو الأمر الرشيد والقول السديد. وبعد: فإن بعض من طاعته غنم، وإجابته حتم ممن لقيته في حال الاشتغال والجولان والانتقال، أصلح الله مني ومنه الحال، وألهمني وإيّاه الرشد في الأقوال والأفعال، وجعلني وإياه من خير المتمسكين بطريق سيد الأرسال وبعض الأحبّة الأعيان، ومن هو من خلاصة الخلان ممن ضمّني وإيّاه المكان، وحضر معنا بعض درس العقائد في بعض الزمان. كتب إليّ بعض بنيات الفكر، ومخدّرات عرائس الحذر، مما عساه أن يشكل على بعض الأذهان، أو ينازع فيه من لا يقنع إلا بالبرهان، للظن الجميل وحسن التعويل، حقق الله لهما الظن، فإنه ذو الطول والمنّ، وفي الحقيقة نفخا في غير ضرم، واستسمنا ذا ورم:

стр. 27

لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرَّت ... وأجدَب نبتُها رعي الهشيم وأقول كما قيل: الحمد لله على أنني كضفدع في وسط اليمّ، إن نطقت ألجمها ماؤه، أو سكتت ماتت من الغم. هذا والطاقة والإمكان من مقدمات الرحمن. وأقول كما قال ابن مالك في خطبة التسهيل (١): إذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب ربانية، فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على كثير من المتقدمين، ولتعلم أني بنيت الأمر على قاعدة المواهب، فإن أصبت فمن عطاء الواهب، وإن أخطأت فالإنسان أهل للتقصير والنقصان، وسميته بالتحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية، وبالله الإعانة.

стр. 28

المطلب الأول. ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع ؟ أول الأسئلة بعد البداية والبسملة: ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلّد بمعرفته من الخلاف الواقع؟ وهل هو حدوث العلم؟ وهل يؤخذ كونه حدوث العالم من قول السنوسي في شرح الصغرى فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد وكما أشار إلى النظر والفكر فيه مولانا في غير آية أم لا؟ وما هو التفصيلي؟ وما مثاله وما حقيقته؟ فهل هو المركب من ملزوم ولازم أم لا؟ هذا تمام السؤال الأول. والجواب بحول الله من له المرجع والمناب: إن الجملي منسوب إلى الإجمال، وإجمال كل شيء معرفته إجمالا لا تفصيلا كمعرفتنا القوم دون تفاصيلهم من زيد وعمرو، وكذا معرفة الدليل إجمالا معناه: معرفته دون تدقيق في ذلك الدليل

стр. 29

بحيث لا يتوصل إلى خباياه، ولا يقدر على دفع ما يرد عليه من الشبه. وليس المعنى كونه جمليا إجمال الصفات في دليل واحد، فإن ذلك لا يساعده اللفظ ولا المعقول والمنقول. وبيانه إن الجملي نعت للدليل. فالمعنى إن الدليل مجمل غير مبيّن الدقائق في ذاته فهو نعت حقيقي، ولذلك استكن ضميره لا سببي. ولو كان سببيا لقال الجملية مدلولاته، ويكون منسوبا إلى المحل اسم فاعل، أي بجميع الصفات. هذا بيانه لفظا. وأما عقلا فلأن الدليل حيث علم على ما ينبغي، وتوصل إلى دقائقه، وربطت به الصفات جملة، يكون غاية قصوى، وما هو بأدنى من كون كل مسألة لها دليل مستقلّ، وقد رأينا أكابر العلماء يتفاوتون في رتب المعارف، ويتسابقون إلى أدراج الصفات تحت اللفظة أو الثلاث، كالإمام السنوسي (١) في الشهادة، وكالمقترح (٢) في الأسرار العقلية في الكلمة النبوية، ويعدون

стр. 30

ذلك من الإدراك بمكان، ولا تصل إليه إلا أقوى الأذهان. وأما نقلا فقد قال ابن عرفة (١) في شامله الكلامي: التقليد اعتقاد جازم لقول غير معصوم صحيحه ما طابق برهانا إما بدليل إجمالي معجوز عن تقريره، وحل شبهه، أو تفصيلي مقدور عليهما فيه يعفي إيمان ذي التقليد فيهما، لا مع عصيانه بترك النظر إن قدر أو معه ثالثها هو كافر، ثم اشتغل بعزو الأقوال هذا محل الحاجة منه. قال المنجور (٢) في قوله معجوز عن تقديره وحل شبهه، هو نعت على سبيل الكشف، وكذا قوله مقدور عليهما فيه يعني التفصيلي هو نعت له أيضا على سبيل الكشف، فظهر من هذا كله إن الجملي معناه ما لم يتوصل المكلف إلى معرفته، بمعنى لا يقدر على تقريره، ولا يرد عليه من الشبه، مع كونه مطمئن القلب به، متمكنا منه، ولنحو هذا أشار السنوسي بقوله: ولا يشترط التعبير عما حصل في القلب، وتبين أن التفصيلي هو ما علمه المكلف قادرا على تقريره، وحلّ شبهه والتعبير عنه،

стр. 31

وقادرا على ردّ ما يرد عليه مطمئن القلب به أيضا، أما المحصل له نقلا عن كتاب، أو عن شيخ يحسن الظن به كمن تراه يسرد الأدلة سرادا، وربما حفظها في لوح أو من كثرة ما يسمعها، ولا يعلم إلا أن الأول ملزم والثاني لازم، وبيان الملازمة قال الشيخ الفلاني كذا، فليس ممن عرف الدليل، ولا ممن حام حوله، بل هو مقلّد في الدليل جمليا وتفصيليَّا، وفي مثله يقول ابن عرفة (١): ففي إيمان ذي التقليد فيهما يعني المقلد في الدليل الجملي والتفصيلي إلخ ما سبق عنه. فحكى فيه من الخلاف ما حكى غيره في المقلّد في الصفات دون دليل أصلا بالإيمان إفعال من الأمن، كأن حقيقة آمن به أمنّه التكذيب والمخالفة وهو يتعدى باللام تارة والباء أخرى ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ (٢). وفي الحديث: «الإيمان أن تؤمن بالله» (٣). فالإيمان الذي هو التصديق بالقلب إذعان للحكم وقبوله، كما أن التصديق مطلقا إيمانا وغيره الذي هو مقابل للتصور كذلك وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر والمخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك، بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرح به الإمام القرافي (٤)

стр. 32

وهو في أوائل علم الميزان كذلك، على ما صرح به رئيسهم ابن سينا (١)، فلو حصل هذا المعنى لبعض الكفار، كان إطلاق اسم الكافر من حيث إنه عليه شيء من أمارات التكذيب والإنكار، كمثل إذا فرضنا أن أحدا صدق بجميع ما جاء به محمد ﷺ وعمل، ومع ذلك شد الزنار، أو سجد للمسيح بالاختيار؛ لأن النبي ﷺ جعل ذلك علامة التكذيب والإنكار. فالإيمان الذي هو التصديق من أقسام العلم. وهو من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية. مثلا تصورنا النسبة بين شيئين وشككنا فيها، أهي بالإثبات أم بالنفي؟ ثم أقمنا البرهان على ثبوتها، فالذي يحصل لنا هو الإذعان والقبول لتلك النسبة وهو معنى الحكم والإيقاع والإثبات، وهذا هو الحق، لا ما ذهب إليه بعض المحققين وبعض المشايخ في مساق التفريق بين المعرفة والتصديق من حيث إن المعرفة لا

стр. 33

تكفي إلا على ما ذكره بعض القدرية، وأطبق علماؤنا على فساده. فالفرق أن التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يثاب عليه، ويجعل رأس العبادات، بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر. فالتصديق إذًا هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار، لم يكن تصديقا وإن كان معرفة. هذا حاصل هذا المذهب، والتصديق عنده فعل، والحق أنه انفعال. فإن قلت: إذا كان انفعالا فكيف يكلف به؟ والكيفية كالغريزة للنفس بعد الدليل، فكيف يكلف به؟ وكيف يثاب عليه؟ وكيف يجعل رأس العبادات؟ قلنا: لما كانت تلك الكيفية لا تحصل إلا بالاختيار في مباشرة الأسباب. وصرف النظر، ورفع الموانع، كان فيه ما ذكر. وهذا كله منحوت من السعد التفتازاني (١) في شرحه

стр. 34

للعقيدة النسفية، وقد أبطل المعرفة والاعتداد بها بما ذكر وبكونها تقع مع إنكار وعناد وجحد. قال: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ (١)، ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (٢) نعم: إذا كانت المعرفة بالاختيار فهي التصديق، ولا بأس بذلك على أنا نمنع حصول ذلك للكفار المعاندين، ولئن سلم فكرهم لما عليهم من أمارات التكذيب كما سبق من شد الزنار والله أعلم (٣). فثبت من هذا أن الإيمان يحصل بأمور اختيارية، هي البرهان بشروطه سواء أوجب البرهان صفة أو أكثر، فليس الإجمالي بإجمال الصفات يكون، إنما يكون بضعفه من حيث ما ذكر قبل، فتأمله. فقولكم: نفعكم الله هل هو حدوث العالم أردتم من حيث إنه يستلزم إثبات جميع الصفات واستلزامه لها ظاهرا، لكنه إن وصل به المكلف حق الوصول فليس بجملي لما مر. وأما قولكم: هل يؤخذ من قول السنوسي؛ فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، حيث ظهر لكم من قوله: إن كل مسألة بدليل معناه جمع المسائل يعني مسائل الاعتقاد في دليل واحد، وليس ذلك مدلول

стр. 35

قوله فإنه في التركيب نظير قولك كل رَجُل له رِجْل فإن كلا إذا دخل على نكرة أفادت عموم الأفراد. وقد قوبل بفرد، فيكون لكل واحد واحد. ومحط كلام السنوسي أنه لا بد لكل مسألة من دليل، ولا يلزم أن يعرف كل مسألة بأزيد من دليل، هذا معنى الكلام. ونظرة في التركيب قولك مثلا لكل غاز سهم، فلا شك أن هذا الكلام موضوع لنفي الاشتراك في سهم، وللزيادة للواحد على سهم فكيف يكون قول السنوسي المذكور يفيد إجمال المسائل في دليل، بل هو موضوع لأعم من ذلك، ولنفي التكليف بالزيادة. وأما قولكم: في بيان أن حدوث العالم هو الإجمالي، بأن الله أشار إلى النظر والتفكر في غير ما آية، فإرشاد مولانا إلى النظر فيه، لا يفيد جمع المسائل الاعتقادية فيه، بل يفيد أنه دليل لما وضع له كأخذ الوجود منه في قوله: ﴿قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (١). ولمن سلم أنه في القرآن جمع المسائل الاعتقادية كلها فيه، فلا يؤخذ منه أنه هو الدليل الإجمالي الذي هو أدنى رتبة من التفصيلي، كيف والقرآن محشو بالأدلة التفصيلية من حيث وصول الناظر إليها على ما ينبغي، والإجمالية من حيث عدم ذلك. فالحاصل أن الدليل في نفسه لا يوصف بتفصيل ولا إجمال بل من حيث وصول المكلف. فإن وصل وصولا تاما، قادرا

стр. 36

على تقريره، وحل ما يرد عليه من الشبه، فهو الدليل التفصيلي. وإن وصل إليه وصولا ما، بحيث لو سئل لم يجب، وهو معنى العجز عن تقريره. وإن وردت عليه شبهة لم يحملها، فالدليل إجمالي فتسميته بأحد الأمرين حيث الناظر لا من حيث الدليل فاعرفه. وأما قولكم: ما هو الدليل التفصيلي؟ فقد علمته من كلام ابن عرفة أنه ما وصل على المطلوب وصولا تاما ولا معنى لحقيقته إلا ذلك. وأما قولكم: وما مثاله؟ فهو مبني على الخلاف فيه، هل يشترط فيه التركيب كما هو مذهب أهل علم الميزان حيث قالوا: وهو ما ركّب من مقدمات تستلزم قولا آخر، وذلك أعم من أن يركب، من صغرى وكبرى، أو من ملزوم ولازم. والقول الآخر الذي تستلزمه هو النتيجة. ومذهب الأصوليين هو ما وصل للمطلوب ولم يركب كقولنا الدليل على وجود الله حدوث العالم. وعلى الأول هو مخصوص بقولك في الاستدلال على وجوده أيضا العالم حادث وكل حادث لا بد له من محدث. فهذا تركيب من صغرى وكبرى وهما المعنيان بالمقدمات. وجمعت على أن التثنية جمع أو اعتبارا بما في التركيب أجمع، والنتيجة قولنا العالم لا بد له من محدث وهو المعني بقولنا إنه استلزمته المقدمات، يعني قوة لا فعل، أي لا حصولا، أو من ملزوم ولازم نحو قوله فيما ذكر أيضا له محدث إلخ ... والله أعلم.

стр. 37

وقد ذكر القولين السعد التفتازاني. هذا تمام الكلام على السؤال الأول، وبما ذكر منه في الإيمان عن السعد تعلم صحة قول من قال: إنه لا يثاب على الإيمان، وصحة قول من قال: إنه يثاب عليه، يعني إن نظر إلى نفسه الذي هو انفعال على ما سبق أنه الحق فهو من كيفيات النفس وليس كسبيا؛ فلا يثاب عليه، يعنى يثاب عليه باعتبار مبادئه الموصلة إليه. وأما على القول الذي نسب لبعض المحققين: إنه فعل من أفعال النفس فهو كسبي بلا شك، فالثواب عليه. لكن وجه بعض الأصوليين عدم الثواب عليه بأنه قربة، وكل قربة لا يثاب عليها إلا بشرطها الذي هو الإيمان. وليس قبل الإيمان إيمان فلم يحصل شرط الثواب، وهذا إن صحّ دليلا فلنا أن نقول به في أول جزء منه، أما استمراره فيثاب عليه؛ لأسبقية الإيمان عليه إذ هو عرض كسائر الأعراض، ومنه تعلم أنه حادث، إذ ليس فيه إلا قولان: فعل من أفعال النفس، أو انفعال وهما حادثان بالضرورة. وما يوجد في بعض المقيدات منسوبا للتفتازاني على الرسالة، وجوابه لزروق (١) عليها، كما وقفت عليه من أن الإيمان من قال

стр. 38

فيه: إنه حادث فقد كفر، ومن قال: إنه قديم فقد كفر، فلا يصح إلا على أحد الأمرين: أولهما: إنه حادث يعني من حيث ذاته، إذ هو مخلوق لله قديم من حيث متعلقه الذي هو الأمر الكلامي الأزلي، لكنه بهذا غير صحيح؛ إذ لا يلزم من قدم المتعلق كالقدرة مثلا قدم المتعلق كالمقدور، وإلا لزم قدم العالم كله من حيث قدم ما تعلق به. وهذا قول بمذهب الفلاسفة على أنهم ما أمكنهم دعوى قدمه في زعمهم، حتى نفوا الصفات وجعلوه يؤثر بالذات وهو معنى التعليل، وذلك لما ثبت بالعقل بإجماع منا، ومنهم أن المفعول بالقصد والاختيار حادث بالزمان بمعنى المسبوقية بالعدم، بخلاف المفعول بالذات فإنه حادث بالزمان، بمعنى المسبوقية بالعدم، فكيف يمكن من أثبت الصفات أن يقول بقدم شيء فعل بالقصد والاختيار. هذا بديهي بعد معرفة ما سبق، وقد اشتهر من القواعد العقلية: أنه لا يلزم من قدم المتعلق كما ذكره السعد وغيره. الأمر الثاني: إنه لا يليق غيره لو قصده الإمام زروقا: إنه لا يقال الإيمان على معنى أنه لم يسبق بعدم بل لا بد من القول بحدوثه بهذا المعنى، إذا هو مسبوق بعدم، وطروّه ظاهر بالبديهة، إذ هو عرض يخلقه الله في قلب من هداه كالكافر يطرأ عليهم الإيمان، فهو حادث لا محالة. وأيضا هو صفة بعض الحوادث فلا يمكن القول بقدمه.

стр. 39

ومعنى أنه لا يقال بحدوثه على حيثية أخرى، أي يقال: إنه كان غير مطلوب في بعض الشرائع كالصلوات الخمس، ثم حدث أي صار واجبا بعد أن لم يكن واجبا. فإن القول بهذا كفر؛ لأن الإيمان بالله من الخصال التي اتفقت عليها الملل في وجوبها. وهذا في إيمان العبادات إيمان الله الذي هو تصديقه لمن صدقه فهو قديم إذ هو صفة، وهذا لا يزيد ولا ينقص بإجماع. وهذا من شجون المقال. فلنرجع لأصل السؤال. ثانيها: قولهم إن وجودنا هل يقال فيه: إنه واجب، أو جائز مطلقا كما صرح به في برهان الثناء (كذا)؟ فأقول وبالله الفكر يجول: إن حقيقة الجائز ما لو وقع لم يلزم من فرض وقوعه محال لذاته. والعارض لا يدفع الجواز الأصلي الذاتي. قال التفتازاني (١) في تكليف ما لا يطاق: إنه جائز عقلا وهو غير واقع، بدليل قوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢). وذهبت المعتزلة إلى استحالته عقلا، بناءً على مذهبهم بالتحسين والتقبيح بالعقل. وأما وقوعه فهو محال، وذلك لا يدفع جوازه الأصلي. فإن قلت: لا يصح جوازه؛ لأن الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال، وهذا لو وقع لكان تكذيبا للخبر الصادق، وهو محال.

стр. 40

فالجواب: إن الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال لذاته. وهذا الواقع لم يلزمه منه محال لذاته، وإنما جاءه المحال من عارض، وذلك لا يدفع الجواز الأصلي، كما تقول في الموجود: إنه جائز الوجود والعدم، يعني من حيث ذاته. وإن كان عدمه محالا يعني لمشاهدة وجوده، فإن العارض لا يدفع الحكم الأصلي. فمعناه موضحا، فقد جعل محل سؤالكم واستشكالكم استشهادا، فإذًا يقال: إنه جائز من حيث ذاته مطلقا قبل الوجود وبعده. فإن اعتبرت العارض ذكرته مقيدا، فقلت: واجب الوجود لفرض وجوده، بخلاف ما بالذات فإنه عند الإطلاق ينصرف الذهن إليه. إيضاح آخر: أن لو لم نعتبر الذات لما بقي جائز، واللازم باطل، فالملزوم مثله بيان الملازمة أن علمه قد أحاط بالجائز على تفاصيله من كونه يقع أو لا يقع، فلو اعتبرنا العارض كالعلم العارض للجائز لما بقي جائزا، إذًا ما علم عدمه يكون واجب العدم، وما علم وجوده يكون واجب الوجود قبل أن يوجد. فكيف بعد الوجود؛ فثبت أن الجواز يثبت للجائز من حيث هو هو، وأن الوجوب يثبت له من حيث فرض الوقوع لأحد طرفيه بعارض الوجود المشاهد أو المعلوم، فتأمل ذلك حق التأمل، وكن من الشاكرين. ثالثها: قولهم ما هو الحال في كونه قادرا؟ هل ما يفهم من القادرية بين كونه وقادرا، وكذا في كل صفة؟ وهل هنا كالحال
следующие страницы →