معنى هذا الكلام أن التعليل ينافي الوجوب عند القائل بمنع التعليل للقدم بالغير على معنى إثباته بالغير، أي استفاد الوجود بالغير وإن كان لم يسبقه عدم من حيث إن ما استفاد الوجود من الغير فهو من حيث ذاته ممكن، كما تقول الفلاسفة في العالم فإنهم وإن قالوا بقدمه على معنى أنه لم يسبقه عدم فهو لاستناده إلى العلة ممكن وحادث من حيث ذاته، وإن لم يسبقه عدم.
فلو قلنا بالتعليل بين الصفات بهذا المعنى للزمنا إمكانها وحدوثها، فمن منع التعليل بهذا الاعتبار بين الصفات فمنعه حق؛ لاقتضائه حدوثها، ونحن لا نقول، إذ ليس لنا في الشاهد إلا قولان:
أحدهما: ما سبق، وإليه أشار بإعادته.
ثانيا: بقوله فمن قال: التعليل معناه التلازم، فيقول قد يتلازم الممكنان وقد يتلازم الواجبان.
ثالثا: بالبناء على القول الثاني، وهو أن الله لم يخلق الحال، وإنما المعنى أفاد ثبوت الحال بقوله: ومن قال بأن المعنى يوجب، قال الحكم: لا يوجب إلا باعتبار وجوب معناه إلخ.
المعنى أنكم إن بنيتم على هذا القول، وهو أن المعنى أفاد إلخ. فذلك لا يقتضي منع التعليل في الغائب؛ لأن معنى إفادته الثبوت أنه لا يعقل على حياله، ولا يماثل، ولا يخالف إلا تبعا للمعنى فكيف منعتم ذلك في الغائب؟ بل البناء على هذا يقتضي ألا يصح ثبوت المعنوية بدون المعاني فكيف أثبتموها؟
стр. 72
وإلى هذا أشار بقوله: فكيف ينفي ما به وجب؟ والدليل على أن هذا معنى القولين وجهان:
أحدهما: جعلهما غير مانعين في الغائب بناء عليهما، فلو كان فيهما من يقول في الشاهد أن المعنى أوجد الحال لما صح البناء عليه في الغائب، ولذلك قال: أما فهم أن التعليل معناه الاستفادة من الغير، أي: وجوده بالغير، فيصح التعليل عليه في حق القدم، وكأنه يقول: أما على هذين القولين فلا شيء يمنع في الغائب.
ثانيهما: تقديره للقول الثاني بأنه أفاد الثبوت على معنى أنه لا يفعل إلا به، فإذًا ليس بمعناه أنه أوجده.
والدليل عليه ما للمقترح بعد بنحو الثلاثين ورقة في فصل الكسب في الرد على من قال: إن قدرة العبد تؤثر في حال أو وجه واعتبار الفعل.
قال ما حاصله: إن الحال إن كانت تعقل على حيالها، ويمكن أن تفعل وتخلق على حيالها فعموم قدرة الله وإرادته تشملها، وإن لم يفعل لم يصح أن تكون مقدورة للعبد فإخراجها عن قدرة الله يمنعه، وليس من خلقه الجميع، انتهى. (١).
ولا فرق بين هذه الحال التي للأفعال، وحال لزمت الصفة التي في العبد، فتلخص من مجموع كلامه في القولين: إن المعنى ليس هو الفاعل.
стр. 73
فإن قلت: أما على الأول فظاهر؛ لأنه بخلق الله، وأما على الثاني حيث فهمته على أن المعنى لم يخلقه، وقد صرح المقترح بأن الله لم يخلقه، أصلا. فمن الخالق؟ فإذا لا بد أن يكون المعنى خلقه، ويبطل ما قررت به كلامه.
قلت: لا يصح أن يكون المعنى خلقه؛ لأنه من جملة الممكنات، ولأنه لو خلقه للمعنى لكان معنى التعليل الإيجاد بالغير، فلا يصح البناء عليه في الغائب، ويكون إنكار المعتزلة المعاني لذلك حقا، ولما افترق من القول الذي قال فيه المقترح: أما من فهم أن التعليل معناه الاستفادة من الغير إلخ ... حيث سلم عليه منع التعليل في الغائب بهذا المعنى، ولم يسلمه في القول الثاني، وماذا إلا لافتراقهما، ولا يصح أن يفهم منه إن الله خلق ذلك الحال؛ لتصريحه بأن الله يخلق الحال أصلا، فتعين بناء هذا القول على أن الحال أمر اعتباري ليس صفة محققة، حتى يعين لها الفاعل كما سبق من كلام ابن أبي شريف في المصدر، وهذا مثله إذ كل إنما هو اعتباري فالقولان في الشاهد إذا على أن الحال أمر محقق، فيخلقه الله، أم هو أمر اعتباري يعقله الذهن، فلا يخلقه الله.
ولكن المقترح لما علم ألا خالق إلا الله اكتفى بقوله لم يخلقه الله، أي لأنه اعتباري لم يحتج أن يقول ولا غيره، إذ خلق الغير تقرر عنده وعند غيره سابقا ولاحقا نفيه، وهذا هو الحق فعضوا عليه بالنواجذ.
стр. 74
وقد نسب المنجور في شرح ابن زكري (١) نسبة خلق الأحوال النفسية لمعتزلة البصرة كالجبائي وابنه، وكذا ابن التلمساني (٢) في شرح المعالم الدينية (٣).
ولا فرق بين حال وحال لكن ظاهر كلام المقترح في الأحوال المعنوية، حيث ألزم المعتزلة القول بالتعليل في قديم بناء على القولين أنهم قائلون بهما، لا أن المعنى أوجد الحال إلا على قول من يقول: إن التعليل معناه الاستفادة بالغير، وكأنه ضعيف عند المعتزلة فلذلك لم يمنع الإلزام، ولا يمكنهم -أعني المعتزلة- القول به حيث يصح منعهم التعليل في القديم بناء عليه، فقد بان بيانا لا خفاء معه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فتبين بجميع هذا ألا شيء للعبد إلا من حيث الكسب.
وقد قال ابن أبي شريف، وقد بحث شيخنا ابن الهمام (٤) في المسايرة
стр. 75
أن ما ذكروه من قيام البرهان عقلا ونقلا: أنه لا خالق إلا الله ممنوع، وما ألزموا غير لازم كما تعلم بأدنى تأمل.
وأما النّقليات فإنما تلجئ لما قالوه لو لم يكن تقبل التخصيص. أما إن كانت تقبله ووجد المخصص فلا، لكن الأمر كذلك والمخصص للعمومات العقل، فإن إرادة العموم يستلزم الجبر المحض المستلزم لامتناع التكليف وبطلان الأمر والنهي.
قال: وأما قولكم: إن قدرة العبد تتعلق بالمقدور لا على وجه التأثير، وهو لمجرد ألفاظ لم يحصلوها معنى، ونحن إنما نفهم من الكسب التحصيل. وتحصيل الفعل المعدوم ليس إلا بإدخاله في الوجود وهو الجادة.
وفي قول شيخنا إنما يفهم من الكسب التحصيل بحيث ذكرناه في شرح المسايرة، وقد أطال شيخنا في هذه المسألة، ومال فيها إلى قريب مذهب القاضي (١).
قال آخر: كل ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات، وكذلك التروك التي هي من أفعال النفس كالميل، والداعية، والاختيار بخلق الله تعالى لا تأثير لقدرة العبد فيه، إنما محل
стр. 76
قدرته عزمه عقب خلق الله هذه الأمور في باطنه عزما مصمما بلا تردد، بل بتوجه قاصدا للفعل طالبا إياه.
فإذا وجد للعبد ذلك خلق الله له الفعل، فالزنى مثلا منسوب إلى الله من حيث هو حركة، وإلى العبد من حيث هو زنا، وإنما يطلق الله سبحانه هذا في القلب؛ ليظهر من المكلف ما يبين علمه تعالى بظهوره منه من مخالفة وطاعة. وليس للعلم خاصية التأثير؛ ليكون مجبورا ولا خلق هذه الأشياء يوجب اضطراره إلى الفعل؛ لأنه أقدره فيما يختاره ويميل إليه عن داعي العزم إلى فعله وتركه، ومن المستمر ترك الإنسان لما يحبه، ويختاره، وفعل شيء وهو يكرهه لخوف أو حياء، وبعد ذلك العزم الكائن بقدرة العبد المخلوق فيه صح تكليفه، وثوابه وعقابه، ومدحه وذمه.
وانتفاء بطلان التكليف والجبر المحض، وكفى في تصحيح التكليف لهذا الأمر الواحد، أعني: العزم المعمم معه أنه مخلوق لله تعالى بواسطة خلق القدرة عليه، وما سواه من أفعال العباد والتروك كلها مخلوقة بقدرة الله بلا واسطة، ومع ذلك فحسن هذا العزم لا يقع إلا بتوفيق منه تفضلا، فإن الشياطين وهي النفس لا تغلب إلا بمعونة التوفيق، هذا كلام شيخنا (١).
وفي شرح العقائد للمولى سعد الدين التفتازاني (٢) في تحقيق الفعل لله، والكسب للعبد ما يقرب من هذا، وهو أن صرف العبد
стр. 77
قدرته وإرادته إلى الفعل كسب وإيجاد الله الفعل عقب ذلك خلق والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين بجهتين: فَتَحْتَ قدرة الله بجهة الإيجاد، وتحت قدرة العبد بالكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري، ولم يقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله، وإيجاده مع ما للعبد فيه من القدرة والاختيار. اهـ. كلام السعد. اهـ. كلام ابن أبي شريف.
وأقول في السعد في مواضع ما هو صريح في هذا المعنى، وقد قال بقريب من هذا.
فإن قلت بعد تعميم قدرة الله وإرادته الجبر: لازم؛ لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع.
قلنا: يعلم ويريد أن العبد يفعله، ويتركه باختياره فلا إشكال. اهـ. كلامه.
وإنما قلنا: إنه يفيد أن العدم وهو الاختيار مخلوق للعبد؛ لأنه لو كان الله لم يفد الجبر على مدعاه - أعني السعد وغيره ممن رأى رأيه - وتعدد ذلك من كلامه في أماكن.
وقال بعد هذا إذا قلنا: اعلم أنه يختار فعله أو تركه يكون الفعل واجبا أو ممتنعا، وهذا ينافي الاختيار.
قلنا: ممنوع؛ فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف، وأيضا منقوض بأفعال الباري. اهـ. يعني أن علم الله أن العبد
стр. 78
يختار كذا مؤكد لاختياره لا مناف، إذ منافي الشيء ما يرفعه. (١).
وقوله أيضا منقوض إلخ ... يعني بتقدير الاستمرار على أنه جبر فعدم الإقناع. بهذا الجواب ينتقض ذلك عليك بأفعال الباري؛ لأنه على وفق علمه أيضًا والله أعلم، وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لما احتوى عليه من الدقائق المفيدة للقصد في هذا السؤال، وفي غيره من الأسئلة.
стр. 79
المطلب الثاني.
المصيب في العقليات واحد
مع اختلاف أهل السنة كالأشعري
والرازي في الأحوال نفيا وإثباتا
ومنها أي الأسئلة قول العلماء: إن المصيب في العقليات واحد مع اختلاف أهل السنة كالأشعري والرازي (١) في الأحوال نفيا وإثباتا، والصعلوكي (٢) في تعدد العلم والقدر، فمن المصيب
стр. 80
ومن المخطئ، مع أن المصيب واحد، ومن يتبع في هذا الخلاف ومن لا يتبع هذا تمام السؤال.
المصيب واحد كأصول الدين بخلاف الظنيات، كالفقه، وذلك أن العلماء اختلفوا هل لله في كل نازلة حكم، أو لا حكم له إلا ما يحكم به المجتهد؟ وعلى الأول هل له عليه دليل أم لا؟ وهل الدليل ظني أم قطعي؟
قال بكل إمام، فعلى أنه لا حكم له، كل مجتهد مصيب؛ لأنه لا حكم له إلا ما يحكم به المجتهد، وكذا على أنه لا دليل للعذر، وعلى أن عليه دليلا ظنيا كذلك؛ لأنه يقتضي ظن المجتهد، وعلى أن له دليلا قطعيا لا بد من مصادفته، والمصادف هو المصيب وغيره المخطئ، واستشكل كون حكمه تعالى هو ما يحكم به المجتهد فإنه ينبني على كون أحكامه حادثة، وهو مذهب اعتزالي.
ومذهب الأشاعرة أن الأحكام قديمة، فكيف تتبع حكم المجتهد، بل يجب عليه أن له حكما، وأن حكم المجتهد تابع له.
أجيب بأن تبعية الأحكام نظر المجتهد من حيث تعليقه التنجيزي به وبمقلديه. وتحقيق المقام أن الأشعري ذهب إلى أن الثابت في الأزل قبل وجود المجتهدين واجتهادهم تعلق بما يتعين بالاجتهاد؛ لأن علمه تعالى محيط بما سيتعين، فإذًا الحكم الثابت تعلق بحكم معين في حق كل مجتهد، وهو ما علم تعالى أنه يقع عليه اجتهاد المجتهد، ثم إذا وقع الاجتهاد وحصل من
стр. 81
المجتهد الحكم تعلق حينئذ تعلقا تنجيزيا به وبمقلديه، وتنوع ظنون المجتهدين يكشف عن تنوع الأحكام.
وقد قرر أن تنوع الأحكام اعتباري في الأزل عند الجمهور. وعند أبي سعيد فيما يزال هذا محصل الجواب، وانظر ابن أبي شريف. ونقل قبله الدليل على أنه تابع لحكم المجتهد، موافقات عمر (١) حيث يحكم من رأيه، وينزل القرآن بموافقته، وكذا ما في البخاري من قضية أبي قتادة (٢) فيمن قتله يوم حنين، فأخذ رجل سلبه بما عرف به، وسأل النبي ﷺ إرضاء أبي قتادة عن السلب. فقال أبو بكر رضي الله (٣) عنه: لا، ها الله إذًا، لا يعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله
стр. 82
ورسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : " صدق، فأعطه إياه (١) ... ".
ومن تتبع المروي في السنة من ذلك ظفر بما يفيد مجموعه التواتر المعنوي. اهـ.
فإذا علمت هذا ظهر وجه الفرق بين العقليات وغيرها. فإن العقليات قطعية، وحكم الله فيها واحد، فلا يمكن أن يكون المصيب فيها إلا واحدا، والعقلي ما لا يتوقف على السمع، والإجماع على هذا، أي إن المصيب فيها واحد.
ومن ثم كان نافي الإسلام أو بعضه كافرا آثما مخطئا ثبت ما نفاه بدليل سمعي كالحشر والحساب، أو ثبت بعقلي، كنافي توحيد الباري بالقدم، بأن أثبت قدم الأفلاك أو نحوها. اهـ. ابن أبي شريف (٢) وخالف الجاحظ (٣)
стр. 83
والعنبري (١). فعذر المخطئ في العقليات قيل: مطلقا، وقيل: بشرط كونه مسلما، والإجماع على خلاف قولهما قبل ظهورهما.
هذا تلخيص ما في المسألة، وبه تعرف إذا اختلف قائلان في مسألة عقلية، فمن كان بعدهما إن ظهر له خطأ أحدهما تعين إلغاء قوله، والأخذ بالأصوب، وإنما يتعين بالنظر في دليله أهو صحيح أم فاسد؟ وفي لوازم قوله أمضرة أم لا؟
وإن لم يتعين له المخطئ بمخالفة العقل، والمخالفة إجماع أو نحو ذلك من موجبات الخطأ صح له القول بأيهما شاء، وبحكميهما في الدروس مرجحا لما ظهر له ترجيحه، أو مساويا بينهما. وإن لم يكن من بعد المختلفين من أهل النظر، بل من أهل التقليد المحض فهو وما قلد.
فإن قلد المصيب كان مثله، وإن قلد المخطئ فهو مثله. فالأول كالسني، والثاني غيره. هذا غاية ما يمكن في المقام.
стр. 84
أما ما طلبتم مني من تعيين المصيب من المخطئ في أئمة أهل السنة فهيهات هيهات الدخول بين أنياب الحيات لوجوه:
أحدها: إني لست من أهل الاجتهاد حتى أخوض تلك الفيافي والوهاد.
وثانيها: بتقدير اقتحامي وعظيم اجترامي، أو بتقدير أني في مراتبهم العالية، وأن غياهبي كأنوارهم الزاكية، أكون كواحد منهم واجتهادي كاجتهادهم، فما هو أولى بالصواب منهم؛ إذ اجتهادي وحكمي أن المصيب الأشعري مثلا دون الرازي (١) لا يحتم بطلان قول الرازي؛ إذ غاية أمري أني على موافقة الأشعري، وتعدد القائلين للقول لا يوجب تخطئة مخالفهم.
وثالثها: إن اجتهادي إن وقع، يكون داخلا في قولهم المصيب، واحد في العقليات، وليس معنى قولهم: إن المصيب واحد إن له دليلا يعين به، قصرت عقولكم عنه. وعند العلماء ضابط يعلم به المحق من المبطل، بل قصدهم إن المختلفين في العقليات لا يكونان معا على صواب، والمصيب معين عند
стр. 85
الله والآخر مخطئ عنده. أما أنه يعني بالاجتهاد فلا، إذ الاجتهاد في المصيب يعمه الخلاف فيكون أيضا مصيبا أو مخطئا لكن خلاف أئمة أهل السنة في العقليات إن لم تلزمهم لوازم استحالية فلا ضرر عليهم وعلى متبعهم، وكذا بعض مسائل تنسب للمعتزلة، ولا لوازم فاسدة لها، ولذلك ترى أئمة الحق لا يتحاشون عن اتباعهم وموافقتهم في أمثال ذلك، كما سبق في نفي الأحول، فإن أول من ذكرها الجبائي، وأبو هاشم.
ورابعها: بتقدير أن المرجح كما طلبتم أنا أو مثلي بظنكم الجميل فإنه يرجح وترجيحه معقول ويعين، وتعيينه عليه التعويل، ويكون مصيبا قطعا تسليما جدليا لو تعرض لما طلبتم لاحتاج إلى مجلدات لا تسعه؛ لكثرة مسائل الخلاف وانتشارها، فلا بد من التعرض لكل مسألة، وتعيين من يتبع ومن يترك.
هذا إذًا يقال يكاد يشبه المحال، وظني أنكم ظننتم أن للحق ضابطا يعرف به، أعيّنه لكم، فتضبطون به تعيين المحق، وهذا غير صحيح؛ إذ لو كان له ضابط لعلمه أهل الخلاف الأول، فما كانوا يختلفون أصلا، بل كانوا يكونون عارفين بالحق؛ لمعرفة ضابطه، وهذا كالمستحيل لتوالي الأعصار والأمصار على الخلاف في العقليات وغيرها، وقد كانت الصحابة يخطّئ بعضهم بعضا، والسلف من بعدهم كذلك، فأزل التعب من نفسك، واعرف قدر ما وصل مني إليك، والله أعلم.
стр. 86
المطلب الثالث.
التعلق التنجيزي والصلاحي للإرادة .
ومنها قولكم: ما وجه قول من قال في الإرادة لها تعلقات صلاحي وتنجيزي، كالقدرة؛ لأن الله تعالى إن كان لا يريد في الأزل فليس بمريد، والعقيدة أن الأشياء من أزله، ثم وقعت فيما لا يزال على حسب مراده في أزله مع أن التفتازاني (١) جزم بأنها ليس لها إلا تعلق واحد تنجيزي قديم كالعلم. هذا تمام السؤال.
وأقول بحول من به الفكر يجول: إن الذي ذكرتموه سيأتي في أثناء الكلام ما يعضده، وما ذكرتموه من ارتفاع الصفة بارتفاع تعلقها التنجيزي، سيأتي رده بالسمع والبصر والقدرة؛ لأنه يلزم بمقتضى إلزامكم أن يقال الصالح لأن يقدر ليس بقادر، ونحن نمنع أنه صالح لأن يريد ويقدر مثلا، بل هي حاصلة حقيقة.
стр. 87
والصلاحية في التعلق لا في الصفة، وإن ألزموا رفع العلم عند القول بصلاحية تعلقه فلا يلزم في غيره للفارق الآتي بينه وبين غيره.
وحقيقة الصلاحية ما قاله ابن عرفة في شامله الكلامي (١): التعلق الصلاحي: طلب الصفة أمرا زائدا لذاتها لا بقيد وجوده لوجودها، والتنجيزي حصول متعلق الصفة وصدوره. فالصفة محققة الوجود، وطلبها إن تأخر مطلوبه؛ فصلاحي، وإلا فتنجيزي، ألا ترى أن السمع والبصر على ما حققه الأئمة إنما يتعلق بالموجود بذاته تنجيزا وذلك التعلق قديم، وتعلق بذواتنا بعد وجودنا تنجيزا، وذلك التعلق حادث، ولم يتعلق بنا في الأزل لا صلاحا ولا تنجيزا، ولم يوجب ذلك رفع السمع والبصر من أصلهما.
والحاصل أن عدم حصول مطلوب الصفة لا يوجب رفعها كما في القدرة. وقد قال السنوسي في حد الإردة: صفة يتأتّى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، كما قال في القدرة يتأثر بها إيجاد الممكن وإعدامه، ولا معنى للتعلق الصلاحي إلا هذا التأتي، ولأجل كون مذهبه في العلم أنه تنجيزي. قال صفة ينكشف بها المعلوم إلى آخره (٢).
فإن قلت: قد علمت أن مذهب الرازي في العلم أنه له
стр. 88
تعليقين صلاحيا وتنجيزيا، ومن ثم شاع العلم بالوقوع تابع للوقوع.
قال الشريف زكرياء (١) مثل: إذا قصدت إلى كتب ألف فعلمك بها قبل وقوعها بأنها ستكتب على صورة كذا، ولم تعلم بأنها وقعت، وهذا هو التعلق الصلاحي. فإذا كتبتها علمت بوقوعها في محلها. وهذا هو التعلق التنجيزي وهو التابع للوقوع.
وقال: إن العلم بالشيء قبل الوقوع علم بأنه سيكون، والعلم بعد الوقوع علم بأنه كان. والعلم بما سيكون غير العلم بما كان غير، فمهما تعلقان؛ الأول صلاحي، والثاني تنجيزي حادث.
أجاب الأشعري (٢) بأنا لا نسلم أن العلم بما سيكون، غير العلم بما كان غير، بل واحد تنجيزي قديم علم الأشياء، وانكشفت قبل كونها فكانت على ما علم، ولم يتجدد شيء في العلم، والذي يختلف ويتجدد ويوصف بأنه سيكون، ثم يوصف بأنه كان هو المعلوم؛ لأنه يقال في الشيء قبل وجوده سيكون
стр. 89
وبعده كان، والعلم واحد، مثلا لو أخبرنا صادق بقدوم زيد كرسول مثلا، وعلمنا ذلك وفرضنا بقاء ذلك العلم، يعني لكون علمنا عرضا لا يبقى، لكن بغرض بقائه؛ ليطابق المثال الممثل به، ثم قدوم زيد لم يزدنا مشاهدة قدومه على ما علمنا شيئا، فدل ذلك على أنه ليس للعلم إلا تعلق واحد تنجيزي قديم وما يوجد في حقنا من زيادة العلم بما كان على العلم بما سيكون إنما هو لنقض علمنا. بخلاف علمه، وعلم الصادق، والعلم من الصادق.
قال الأشعري: ولا يصح أن يكون العلم يتعلق تعلقا صلاحيا، فإن الصالح لأن يعلم ليس بصالح، انتهى كلامه.
ومحل محط السؤال منه هذا الأخير، وإنما ذكرته برمته؛ لما احتوى عليه من الأبحاث الرائقة فأنت تراه جعل الصلاحية للعلم توجب رفعه بقوله؛ لأن الصالح لأن يعلم ليس بعالم، وعلى قياسه يأتي ما ذكره السائل: بأن الصالح لأن يريد ليس بمريد، لكنه مشكل عقلا، فإن الصلاحية لا تقتضي رفع الصفة كما في القدرة، فكيف التقصي عن هذا المضيق؟
فالجواب بفضل الملك الوهاب: أن العلم ليس له حصول إلا حصول الانكشاف، فإن لم يحصل الانكشاف؛ فلا علم كما في الشاهد، فإن من لم يحصل له الانكشاف، هنا لمسألة من مسائل الفقه ونحوه لا يسمى عالما بخلاف الإرادة والقدرة، فإن حقيقتهما صفة يتأتى بها كذا. والتأتي حاصل في الأزل؛ فافترق العلم بهذا من غيره.
стр. 90
فإن قلت: كيف يصنع الرازي القائل بالصلاحية في العلم، وهي تقتضي رفعه كما ذكره الأشعري؟
قلت: هذا ونحوه مما قال فيه السعد (١) في الكلام على التكوين حيث وقعت إلزامات توجب مخالفة البديهيات لأكابر المشايخ.
قال: فليلتمس لهم أحسن المخارج، ولا ينسب إليهم مما هو مخالف للبديهية كمخالفة الأشعري والرازي في الوجود، فيحمل نفي الأشعري له على أنه ليس موجودا في الخارج عن الذهن بمعنى إنه على حدة، والذات على حدة كالبياض الموجود خارجا، ويحمل إثبات الرازي على التعلق للماهية في الذهن، وكذا نحوه، حتى يصح محلا لنزاع العقلاء. انتهى.
وعلى قياسه يقال هنا: إن الرازي سمى تعلق العلم صلاحيا نظرا لعدم حصول المعلوم، وإن كان العلم في ذاته ثابتا متقررا، والأشعري راعى أن حقيقة العلم الانكشاف، وإن لم يحصل تعلق تنجيزي، بل صلاحي؛ كانت الذات صالحة لأن تعلم لعدم تنجيز الانكشاف، والصالح لأن يعلم ليس بعالم فوجب تنجيز الانكشاف، وإن تأخر المنكشف كعلمنا بالساعة فإنه تنجيزي، وإن كانت متأخرة، وتأخرها لا يقدح في حصول الانكشاف فاختلافهما على لحظتين، وكذا سائر الخلافيات بين أكابر
стр. 91
العلماء وإلزام بعضهم بعضا، والله أعلم.
فالإرادة على مذهب الجمهور لها تعلقان كما مر.
فإن قلت: إن الإرادة صفة تخصيص، فإن كان تعلقها صلاحيا؛ لزم أنه في الأزل لم يخصص ما يقع فيما لا يزال بل هي قابلة لكل من المتقابلين، ولم يقع في الأزل تحتم أحدهما مضافا وقوعه لوقته، والأحاديث والآثار، وأقوال العلماء طافحة بنفوذ المشيئة، ووقوع الاستيلاء على ما أرادوا لعقل قاض بذلك أيضا، وتحتمه وقوع الشيء هو معنى تعلق الإرادة التنجيزي في الأزل، فوجب أن لها تعلقا واحدا تنجيزيا، كما أشير إليه في السؤال في الأول، وكما ذكر السائل عن التفتازاني أنه جزم بأن لها تعلقا تنجيزيا، فكيف يعقل مع ذلك كله أن لها تعلقا صلاحيا، وإنما التتنجيزي في الأزل؟
قلت: لا شك في متانة هذا الإيراد، ولم أر مفصحا عنه من العباد إلا عبارات متلاطمة تحدث بها إشكاليات متراكمة، فقد ذكر ابن أبي شريف مثل ما في السؤال.
قال: إن تبدل الشقاوة والسعادة باعتبارها في اللوح المحفوظ، أو باعتبار الصحف التي تنقلها الملائكة منه، فتكتب على كل مولود ما وقع فيه من الأمر، أما الحكم الأول فلا يتبدل أصلا. انتهى منه (١).
стр. 92
وهذا يشعر بالتنجيزي القديم. وأجمع الناس على أن ما شاء الله كان.
وقد ذكر السنوسي وغيره في دليل ثبوت الإرادة، وعدم إغناء القدرة عنها: أن الممكنات بالنسبة إلى القدرة على حد سواء، فلولا الإرادة خصصته بأحد المتقابلين لما وقع دون مقابله.
قال: ولا يغني عن الإرادة في ترجيح وقوع أحد الجائزين العلم بتحتم المعلوم فلا يقع خلافه.
لأنا نقول: إن التخصيص للممكن بأحد الوجوه تأثير فيها، والعلم ليس من صفات التأثير، والقدرة عامة كما علمت، فلا تصلح للتخصيص فتحتمت الإرادة، انتهى من شرحه للكبرى.
فظاهره أنها لها تعلق تنجيزي من حيث لم يعممها كالقدرة، بل جعلها متعلقة بالأمر على ما يقع بعد، ففي الأزل أراد وقوع أحد الجائزين به لا عن الآخر، وأثرت الندرة على وفق ذلك، وهذا يشعر بالتعلق التنجيزي القديم.
وقد نقل أبو بكر (١) عن جميع الأشعرية في الرد على المعتزلة، حيث زعمت أن الإرادة حادثة. قالوا: لأنها لو كانت قديمة لعمت كل ممكن. ومن جملة ذلك أن يريد زيد حركة، ويريد عمرو سكونا فوجب أن يكون القديم مريدا لإرادتيهما، ومراديهما، وما هو مراد يجب وقوعه فيؤدي إلى اجتماع الضدين
стр. 93
في حالة واحدة. قال: قالت الأشعرية: الصفة القديمة يجب عموم تعلقها على الإطلاق لكل متعلق أم يجب عموم تعلقها بما يصح أن يكون متعلقا لها.
فإن كان الأول فغير مستمر في الصفات، فإن العلم يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي، والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن، والإرادة لا تتعلق إلا بالمتجدد، فالعلم أعم والقدرة أخص منه، والإرادة أخص من القدرة، والعموم والخصوص لا يزيد ولا ينقص فيما لا يتناهى من المعلومات والمقدورات والمرادات، فعمّ تعلق الصفة بما لا يتناهى مما يليق بكل قسم.
ولو كان الإيجاد بالقدرة على نعت الإيجاب لو وجد كل ما تعلقت به القدرة فيوجد ما لا يتناهى وهو محال، بل الإرادة هي المخصصة بالوجود المتعلقة بحال المتجدد.
وأما إلزامكم تعلق إرادة القديم بالضدين في حالة واحدة فلسنا نسلم أن هاهنا إرادتين، بل ما يقع في معلوم الرب أنه يقع، فهو المراد وصاحبه المريد، وما وقع في العلم أنه لا يقع، فهو تمنٍّ وصاحبه المتمني، ويجوز تعلق الوصف القديم لمعنيين: أحدهما إرادة الآخر ثمن وشهوة.
وبتقدير أنها أرادت إن قلتم معاشر المعتزلة: إن إرادة الإرادتين تستلزم إرادة المرادين حتى يلزم الجمع بين الضدين. فالله تعالى إنما أراد إرادتهما من حيث وجودهما وتجددهما لا من حيث مراديهما وهو كإرادته للقدرة لا تكون إرادة للمقدور، وقدرته على الإرادة لا تكون قدرة على المراد على أصلكم في أن العبد يخلق أفعاله ويريدها إن كانت شرا؛ إذ لا ينسب الشر للرب.
стр. 94
وكعلمه بعلم زيد، وشر عمرو، وظن خالد، وجهل بكر لا يكون اعتقادا لمعتقداتهم حتى يوصف بمتعلقات صفاتهم.
والسر في ذلك أن الإرادة القديمة لا تتعلق بوجه واحد، وهو المتجدد من حيث إنه حادث متجدد مختص بالوجود دون العدم، ووقت دون وقت، والإرادتان يشتركان في التجدد فينسبان إليه من جهة التجدد والتخصيص، وهما من هذا الوجه ليسا ضدين، ولم تتعلق الإرادة بضدين.
ولو قيل: تتعلق الإرادتين جميعا من حيث الوقوع والتجدد، وبأحد المرادين وهو الواقع منهما في المعلوم، وتتعلق بعدم وقوع الآخر فهي إرادة لوقوع أحدهما، وكراهة لوقوع الآخر كان ذلك أيضا صوابا، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، أي: يريد خلاف العسر، كما قال: ﴿أتنبئون الله بما لا يعلم﴾ (٢)، أي: يعلم خلافه حتى لا يكون النفي داخلا في الإطلاق انتفى، أي: إن العلم مطلق التعلق، فلو لم يؤوّل الآية لانتفى العلم عن بعض، فأوّل بما ذكر؛ ليحصل به التعلق ولا يخرج عنه أمر.
وقال بعد هذا في الرد على من زعم الأمر والإرادة: قالت الأشعرية: لسنا نسلم أن كل أمر بشيء مريد له حصولا، بل كل أمر بالشيء عالم بحصوله، مريد له حصولا، أمر يعلم حصول ضده لا يكون مريدا لحصوله، فإن الإرادة
стр. 95
على خلاف العلم تعطيل الإرادة، وتغيير لأخص وصفها.
وقد بينا: إن أخص وصفها التخصيص، وحكمها أن تتعلق بالمتجدد من المقدورات والمتخصص من المرادات.
فإذا علم الأمر أن المأمور لا يحصل ولا يتجدد ولا يتخصص يستحيل أن يرده، فإنها حينئذ توجد ولا متعلقا لها، وتتعلق ولا أثر لتعلقها، ولو أن الإرادة من خاصيتها أنها تتعلق بالممكن فقط كالقدرة؛ لكان جائز أن تتعلق بخلاف المعلوم.
ومن العجب أن متعلق القدرة أعم من متعلق الإرادة، فإن الممكن الجائز من حيث هو ممكن متعلق القدرة، والمتجدد من جملة الممكنات هو متعلق الإرادة. والمتجدد أخص من الممكن.
وقد قال بعض المخالفين: إن خلاف المعلوم غير مقدور، والقدرة أعم فإذا لم يتعلق الأعم بخلاف المعلوم كيف يتعلق الأخص الذي هو الإرادة؟ اهـ.
وقد اشتهر وذاع وكثر دورانه على الألسنة من عقائد السنوسي وغيره: أن إيمان أبي لهب (١) غير مراد؛ إذ لو أراده وهو لم يقع لكان مغلوبا.
стр. 96
وقد قال بعض المعتزلة لمجوسي: أسلمْ.
فقال المجوسي: إن الله لم يرد إسلامي.
فقال المعتزلي: أراده، ولكن الشياطين لا يتركونك.
فقال: أنا إذًا أكون مع الشريك الأغلب.
فقال المعتزلي: ما ألزمني أحد مثل هذا الإلزام.
نقل هذه الحكاية السعد (١) فظهر من هذا كله أن الله أراد في أزله ما وقع فيما لا يزال، ولا يعارض هذا إلا من سبق من أن الإرادة صفة يتأتى بها التخصيص، فأما من تحمل ذلك على قولين في المسألة ولا إشكال، وليس ذلك ببعيد في مؤلفين إنما يستبعد استبعادا في مؤلف واحد يذكر الحقيقة جازما بها، ولم يحك خلافها، ثم يذكر في مساق آخر ما خلاف تلك الحقيقة دون تصريح بحكاية قولين، مثلا كالإمام السنوسي فإنه ذكر في حقيقتها الثاني إلخ ... .
وهذا مشعر بالصلاحي، ثم يقول في كبراه (٢) وغيرها: تأثير لقدرة عام لولا تخصيص الإرادة، وهذا مشعر بالتنجيزي لها في الأول على ما علم الله.
وكذا قال: إن الخلاف المعلوم غير مراد. وكذا قال غيره كإيمان أبي لهب خلافا للمعتزلة، وما سبق عن أبي بكر (٣)
стр. 97
فصريح في أنها تتعلق بجميع الممكنات، ومنه يؤخذ أن تعلقها تنجيزي قديم، وكذا كلام السنوسي في كبراه، وكذا نزاعهم في إيمان أبي لهب فإن هذه كلها تشعر بخصوص التعلق وتنجيزه أزلا، إلا أن يحمل كلامهم على التنجيزي الحادث؛ إذ فيه تكون الإرادة خاصة التعلق، وتخصص الشيء لتؤثر فيه القدرة؛ فتكون القدرة من حيث ذاتها أعم؛ لقبولها لفعل كل واحد بدلية، لولا إرادة تخصصها.
وعلى هذا فيكون صلاحي الإرادة ثابتا، وتكون به قابلة لجميع الممكنات. ويدل له من كلام أبي بكر ما نقلناه عنه من قوله: إن كل آمر بالشيء علم به مريد حصوله إلخ ... فدل على تعلق الإرادة الذي يتكلم فيه. اهـ. خاص إنما هو في التنجيزي.
وجواب ثان هو: إن الإرادة عامة التعلق من حيث ذاتها خاصة بالمتجدد، مضمونة للعلم، ونزاعنا مع المعتزلة في الإرادة لا يدفع هذين الجوابين، إذ هم على ناحية أخرى من حدوث الإرادة، وأنها تابعة للأمر. فليس من سلك ما نحن فيه من القدم حتى نطالبهم بالتعلق القديم التنجيزي أو الصلاحي، والله أعلم، ثم الأحاديث الدالة على الحتم في الأزل، وجفاف القلم بما لاق فهو من حيث العلم، فلا يعارض الثاني الذي قلناه.
ومعنى قولنا: إيمان أبي جهل غير مراد ... أي لكون الإرادة على وفق الأمر، خلافا للمعتزلة. أما إرادته بالتأتي فنحن قائلون به كما سبق وهم مصرحون به.
وأما الصدور فلا قائل به منا ومنهم، ومحط الخلاف من حيث التبعية للأمر فتكون منجزة
стр. 98
عليه الإرادة، كتنجيز الأمر من حيث التكليف عنهم، وعندنا لم ينتجز الإرادة، وإلا وقع في ملكه ما لا يريد، وما ذكرتموه عن السعد من التعلق التنجيزي القديم الإرادة فإن كان في غير العقائد فالناقل مصدق، وأما فيها ففيه استرواحات في مواضع:
ومنها قوله: الإرادة والمشيئة عبارة عن صفة في الحي توجب تخصيص أحد المقدورين في أحد الأوقات بالوقوع، مع استواء النسبة إلى القدرة. انتهى (١).
ومنها قوله: تعلق القدرة مضموما إلى الإرادة يتخصص، فدل هذا منه على خصوصها وعموم القدرة.
وهذا إنما يظهر في التعليق القديم وإلا فالتنجيزي، لا عموم لكل منهما فيه، أن القدرة لا تتعلق تنجيزا إلا بأحد المتقابلين دون الآخر في حالة تعلقها بمقابله وكذا الإرادة.
وبهذا المعنى يظهر لك ضعف ما سبق في الجواب عن كونه خاصة بأنه في التنجيزي فتأمله.
والذي تعقله الذهن ما في الجواب الثاني إما كون الإرادة لم تخصص في الأزل، وإما هي متأتية، أي: قابلة لأن تخصص، وإن كان ظاهر كلام السنوسي أو صريحه. وإنما عين فيما لا يزال المرادات، فإنما وقع في أذهاننا تقيد لمشايخنا غير متعقل عنده، والصواب ما سبق.
стр. 99
ويمكن جواب ثالث: وهو أن ما علم وقوعه أراده في الأزل ولم يرد غيره، لكن لعدم وقوع المراد سمي هذا التعلق صلاحيا من حيث إن المراد لم يقع. وبعد وقوعه تنجز ما أرادوا التعلق إضافة اعتبارية لا يضر اختلافها تسمية من حيث المتعلق، وهو واضح.
وإن كان لا يجري مع الحقيقة التي ذكرها السنوسي في المقدمات (١) إلا بتأويل إطلاق التأتي عليه من حيث عدم حصول المراد، فتأمله.
فإن قلت: كيف يجمع بين ما للسنوسي في غير كبراه من تعلقها بجميع الممكنات، وبين ما له في كبراه. وللسعد، وأبي بكر تصريحا من هذين بتعلقها بالمتجدد، وأنها أخص من القدرة تعلقا؟
قلت: يمكن، إن ذلك اختلاف قول، ويمكن التوفيق بضم الإرادة إلى العلم أو اعتبارها مستقلة. فعلى الأول لا تعلم دون الثاني، وإنما أطلت الكلام؛ لأن مسألة الإرادة متشعبة، وقصدت ومبدأ الأجر منكم، أُذكّر نفسي بما قيده لكم، فلا تصرفوا الذهن عن ذرة منه. فإن كل ذرة منه تساوي درة، والله الموفق.
وأما سؤالكم: هل تتعلق الإرادة بأقسام الحكم العقلي؟ ففي ما ذكرته قبلُ ما يدفع هذا، وقد حصل منه أن تعلق الإرادة أخص من تعلق القدرة أو مساويا، وقد تقرر لكم وسبق فيما نقلناه قبلُ
стр. 100
أن الإرادة صفة تأثير، وكيف التأثير في القديم بالإيجاد، وهو تحصيل حاصل أم بالإعدام، وعدم القديم مستحيل، وأيضا كل ما تعلق به القصد فهو مسبوق بعدم، ومن ثم احتاجت الفلاسفة عند دعوى قدم العالم إلى نفي الصفات؛ لعدم تصور دعوى القدم مع الإرادة، وكذا تعلقها بالمستحيل مستحيل؛ لأن إيجاده محال، وإعدامه تحصيل حاصل.
وأيضا تقدر في أي ما موضع أن مجرد التخصيص ينافي القدم فكل ما هو مخصص حادث. وأيضا لو تعلقت الإرادة به لتعلقت القدرة، ويكون قادرا على أن يتخذ ولدا وصاحبة؟ وعلى إعدام نفسه وهذا غير معقول.
وأما قولكم كما صرح بذلك بعض الأئمة قد وقع في عبارة بعض الكبار، فيلتمس له أحسن المخارج، كما قال بعض الأئمة في باب التنزيه: سبحان من خص نفسه بالقدم والبقاء، وغيره بالموت والفناء.
فيفهم من قوله: خصص نفسه بذلك على معنى أنه استحق ذلك لذاته لا بمقتضى غيره. وإطلاق التخصيص بهذا المعنى مجاز فلا يطلق إلا بعلاقة، أما فهمه على أنه تعلقت إرادته بذلك للتأثير فلا يصح عقلا ونقلا، هذا في التعبيير بأن الله خصص نفسه بالقدرة والبقاء مثلا، كما ذكرتم، فإن التخصيص التأثير، وذلك لا يعقل في الواجب والمستحيل.
أما الإرادة بالتأثير فقد ذكر المديوني (١) في كونها تتعلق بجميع ما تعلق به العلم.
стр. 101
فقال: واختلف هل تتعلق الإرادة بما تعلق به لعلم، فكما يقال: علم الواجب والجائز والمستحيل، كذلك يقال: أراد الواجب أن يكون واجبا، وأراد المستحيل أن يكون مستحيلا، وأراد الجائز أن يكون جائزا.
وقيل: إن الإرادة تتعلق بما تتعلق به القدرة وهو الجائز فقط، انتهى كلام المديوني في شرحه للسلالجي.
فإن قلت: ما معنى تعلق الإرادة على القول الأول؟
قلت: على معنى الرضى والمحبة، والمعنى: رضي الله بالواجب أن يكون واجبا، ورضي بالمستحيل أن يكون مستحيلا، وكذا الجائز، وهذا القول أعني عموم الإرادة للأقسام الثلاثة بالمعنى الذي ذكرناه ثابت لأهل السنة، كما نقله الشيخ زكرياء () (١) وهو لازم للمعتزلة، بمعنى آخر من حيث حكموا بإغناء العلم عنها؛ فتكون لغير التأثير، كالعلم فلا يمتنع عموم تعلقها للأقسام الثلاثة أبدا بخلافها عندنا، والله أعلم. وقد () (٢).
ومن الأسئلة قولكم: هل خلق الله للعالم دفعة جائز كما هو العقيدة أم مستحيل، كما توهمه بعض الطلبة؟
أقول بحول من به الفكر يجول: الحق ما نسبته وهما للطلبة، وإن خلق العالم دفعة مستحيل لوجهين:
стр. 102
أحدهما: ما صرح به الأئمة، وقد سبق لكم فيما نقلناه عن أبي بكر في مسألة الإردة أن المقدورات والمرادات غير متناهية. والعلم وإن تعلق بأقسام ثلاثة فهو غير زائد على المقدور، والمراد؛ لأن العموم والخصوص فيما لا يتناهى لا يتفاوت، وحصول ما لا نهية له دفعة مستحيل؛ لاستحالة دخول ما لا نهاية له في الوجود لا اقتضائه من حيث خلقه دفعة الفراغ، ومن حيثب تناهيه يقتضي عدم الفراغ، واجتماع النقيضين محال، والقدرة لا تتعلق بالمحال فلا نقص في تعلقها؛ لأن النقص لو جاء من حيث خروج ما يصح توجهها إليه، أما ما لا تتوجه إليه كالمحال فلا.
الوجه الثاني: إن العالم فيه متقابلات فلو حصل كل ذلك دفعة للزم اجتماع الأضداد من جملة المقدورات الطول والقصر، ووقوعها دفعة يستلزم ذلك محالا عقلا.
وأيضا من جملة العالم أنفاس أهل الجنة ونعيمهم، وعذاب أهل النار المخلد. فلو جاز إيقاع العالم دفعة لبطل معنى التخليد ونحوه، واجتمع النقيضان اجتماعا ذاتيا لا عرضيا، كما يستحيل تعارض الأخبار، وقد عدّ من جهالات أبي الهذيل العلاف القدري أنه يفرغ من خلق العالم حتى يجد ما يخلق، وقد ذكر ذلك ابن العربي (١) وغيره ممن تعرض لهذه الطوائف
стр. 103
الضالة. ولو كان جائز الوقوع دفعة لما عد من جهالاته، إذ الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال. وهذا بديهي، فتأمله، والله أعلم.
المذكور فضائح كثيرة منها هذه المقالة الشنيعة، وهي ما ذكرته عنه آنفا من تناهي مقدورات الباري، ثم إذا انقضت مقدوراته لا يقدر على شيء، وإلا كان ذلك الوقت فني نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار لا يقدر الباري عند فناء نعيمهم على ذرة، وكذا في عذاب أهل النار، وتفنى قدرة أهل الجنة حتى لو مد واحد من أهل الجنة يده إلى شيء من ثمارها، وجد ذلك الوقت لم يقدر الباري سبحانه أن يوصل تلك الثمرة إلى يده، ولا على أن يوصل يده إليها. وأهل لجنة كلهم يبقون خمودا ساكنين، لا يقدرون على حركة، وينقطع عذاب أهل النار في ذلك الوقت. وهذا قول منه يبطل الرغبة والرهبة، ويبطل فائدة الوعود والوعيد، وقصد بعض أصحابه إخفاء هذه البدعة وما قدر؛ لأنها مشهورة عنه وقد ذكرها في كتاب الحجج من الكتب التي صنفها على الدهرية، وطرفهم بهذه المقالة إلى تمهيد إلحاد الدهرية، وطول ألسنتهم على المسلمين بارتكاب هذه البدعة. اهـ. من كتاب الملل، والله أعلم (١).
стр. 104
فقد علمت منه أن المقدورات تتحقق فيها أنها غير متناهية، وغير المتناهي لا يتصور القول بخلقه دفعة للجمع بين النقيضين. وممن نص على تناهي المقدورات إمام الحرمين (١) في الإرشاد، وكذلك السلالجي (٢) في مختصره وعقد المحلول فقال: والدليل على عدم تناهي المقدورات جواز وقوع أمثال ما وهم، والجائز لا يقع لنفسه وفي قصر القدرة عليه استحالة وقوعه.
وذلك يؤدي إلى الاستحالة، والإمكان فيما علم فيه الإمكان، وهكذا القول في المعلومات والمرادات والمدركات ومتعلقات الكلام. انتهى.
قال الخفاف (٣) هذا استدراك على الوحدانية بأن يعرض القائل إلهين عدم العجز بعدم توجه قدرة الثاني لما توجهت له قدرة الأول.
فأجاب الشيخ بأن المقدورات لا تتناهى، وستدل لما ذكر. وبيانه: لو فرضنا تناهي المقدورات في عشرة مثلا. وأما ما وراءها فلا يقال هل القدرة منفية، فيكون مسلوب القدرة وعاجزا، وليس بإله أم باقية فيكون قادرا على أمثال ما وقع
стр. 105
وأمثال أمثاله إلى غير نهاية؛ لأن القدرة صالحة باقية؛ لإيقاع الجائزات إلى غير تناهٍ.
وعلى قول الخصم من قصر قدرة أحد الإلهين على عشرة مثلا استحالة وقوع أمثالها؛ لقصر القدرة، ويلزم من فرض بقاء القدرة جواز وقوع أمثال ما وقع إلى غير نهاية، فهو يستلزم الجمع بين الاستحالة والإمكان في قضية واحدة كما ذكره أبو عمرو (١) اهـ.
فالحق أحق أن يتبع، فهذه هي العقيدة، وإن كانت قبل عندكم وهما، فهي الآن المعتمد، والله الموفق.
стр. 106
المطلب الرابع.
الرضى والمحبة والإرادة .
ومنها أي الأسئلة قولكم في الرضى والمحبة والإرادة: هل الجميع بمعنى، أو بين الإرادة وما قبلها من المحبة والرضى تباين؟
وأقول بحول من به الفكر يجول: قال المقترح في الإرشاد (١): ومما اختلف فيه الأئمة إطلاق محبة الكفر والرضى به، فمن الأصحاب من منع ذلك قصدا منه إلى أن المحبة والرضى إرادة الإنعام، أو نفس الإنعام، ومنهم من قال: المحبة والرضى عبارة عن الإرادة. وقوله: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (٢) يريد خصوص العباد. ولا شك أن الرضى والمحبة يطلقان على الإرادة، ويطلقان على رقة وتحنن، وتعقب ذلك في مقتضى العادة إرادة
стр. 107
إحسان بمن تحنن عليه، ثم إن كانت المحبة هي الإرادة لا يجوز أن يقال: إن الباري محبوب لأوليائه؛ لأنه لا يصح أن يكون مرادا. فإن الإرادة إنما تتعلق بمتجدد من حيث إنه متخصص ببعض وجوه الجواز، ويتعالى عن ذلك الأزلي ويتقدس.
والتحقيق في هذا الفصل أن المحبة بمعنى الإرادة. والإرادة أيضا لفظ مشترك يطلق على الشهوة والميل، ويطلق على القصد، فأما القصد فلا يصح أن يتعلق به تعالى. وأما الميل فقال إمام الحرمين (١): يستحيل أن يمال إليه، وقرر ذلك بأن الميل إنما يتعلق بالحظوظ البشرية، ولا حظ للعبد في نفس الذات، وهذا لا يصح، بل يجد الإنسان ميلا لمن أحسن ولا يحسن في الحقيقة إلا هو، فمن لاحظ نعمه وأدام ذكرها في قلبه، وعرف إحسانه إليه، فيضطر إلى معرفة ثبوت ميل في ذاته، يحسه في نفسه كما يحس آلامه ولذاته. وقد نجد الواحد منا يميل لعالم زاهد سمع بذكر كماله وجوده، وإن لم ينله منه إحسان. فثبت أن الميل لا يمتنع أن يتعلق بالله تعالى فتأمله، انتهى كلام المقترح.
فحصل منه أن الرضى والمحبة شيء واحد، وهما الإرادة في قول، أو أخص منها بمعنى إرادة الإنعام في قول آخر، أو نفس الإنعام المفعول بالقدرة في آخر، فهي ثلاثة أقوال، وعلى الآخرين فلا إشكال في قوله: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (٢) أي لا
стр. 108
يريد الإنعام عليهم بسببه، أو لا ينعم عليهم، وعلى الأول وهو اتحاد الجمع. قد يقال كيف نفى عنه الرضى بالكفر، أي: إرادته مع أنه يريد الكفر، إذ هو بإرادته وقدرته خلافا للمعتزلة؟
أجاب عنه المقترح بما سبق وهو أنه لا يريده لعباده المعظمين بالإضافة إليه، أي: لا يريد الكفر لأوليائه، وإنما يريده لغيرهم. وكذا أبو بكر قال بعد كلام طويل في قوله: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ أي: لا يرضاه لهم دينا وشرعا، فإنه وخيم للعاقبة، كثير المضرة كمن يشتري عبدا معينا، فيقول له صاحبه: لا أرضاه لك عبدا.
ثم الرضى والسخط يتقابلان تقابل التضاد، ثم السخط ليس محمولا إلا على ذم في الحال وعقاب في المآل، كذلك الرضى محمول على مدح في الحال وثواب في المآل. انتهى كلامه.
فظهر أن الرضى عنه ليس غير الإرادة، ثم ذكر في بياض الجواب عن احتجاج المعتزلة تخصيص الإرادة بالحيز، قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) وسائر الآيات في الإرادة محمول على كلمات ذكرها الصادق جعفر بن محمد ﵁ (٢) إن الله تعالى أراد بنا، وأراد
стр. 109
منا. فما أراده منا أظهره لنا، وما أراده بنا طواه عنا، فما لنا اشتغل بما أراده منا عن ما أراده بنا.
ومعنى ذلك أنه أراد بنا ما أمرنا به، وأراد منا ما علمه، فكانت الإرادة واحدة، ويختلف حكمها باختلاف وجه تعلقه بالمراد، وهي إذا تعلقت بثواب سميت رضى ومحبة، وإذا تعلقت بعقاب سميت سخطا وغضبا، كذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق الأمر قيل: أراد به ما أمر، وإذا تعلقت بالمنع مطلقا بالتخصيص والتغير من غير التفات إلى كسب العبد حتى تكون إرادة لنا، وإرادة منا قبل إرادة الكائنات بأسرها، ولم نقل أراد منا وأراد بنا، بل أرادها على ما هي عليه من التجدد والتخصيص بالوجود دون العدم.
فإذا أفعال العباد من حيث إنها أفعالهم أما أن يقال تتعلق الإرادة على الوجه الذي ينسب للحق إيجادا وتخصيصا، وعلى وجهي أراد بنا وأراد منا، أراد بنا ما أمرنا به دينا وشرعا، واعتقادا ومذهبا. وأراد منا ما علم سابقه وعاقبه وفاتحه وخاتمه.
ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم﴾ (١) أي لم يشأ
стр. 110
الهداية ليحق لقول على مقتضى العلم السابق. وقوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (١) أي لأمرهم بالعبادة، وقيل: ليخضعوا ويستسلموا، كقوله: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾ (٢) انتهى.
وقال قبله: وكل ما ورد في القرآن من إرادة الخبر المخصوص بأفعال العباد مثل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ (٤) إلى غير ذلك. فهو محمول إما على ثناء أو مدح في الحال، وإما على ثواب ونعمة في المآل والأفعال، وإلا فالإرادة الأزلية لا تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث إنه متجدد، ولا متجدد إلا وهو فعل الباري، وذلك ينسب للعبد كما بينا في خلق الأعمال، واختص الأمر بأفعال العباد على الحقيقة دون الوجوب التي تنسب للحق فلم يجب تلازم الأمر والإرادة. وقد يرد الأمر بمعنى الإرادة بمعنى الأمر، فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ، وكان المشركون تمسكوا بمثل هذا الاشتراك حيث أخبر التنزيل عنهم بقوله: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا﴾ (٥) أراد بذلك المشيئة بمعنى الأمر لأجل هذا