Полный текст (1 058 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الرجوع إلى أهل العلم في أمور الدين
وهذا يبين لنا أن سلف هذه الأمة هم المرجع، فالصحابة كانوا هم المرجع للتابعين، فيرجعون إليهم في أمور الدين، فالواجب في كل زمان ومكان الرجوع إلى أهل العلم عندما تحصل الأمور المشكلة الأمور المعضلة، ولا يتخرص كل متخرص ويقول كل قائل ويتحدث كل متحدث، وإنما يرجع في ذلك إلى أهل العلم، كما أن الأمور الدنيوية من الصناعات والمهن والحرف إنما يرجع فيها إلى أصحاب الاختصاص، ولا يقدم عليها بدون علم، فأمور الشريعة أولى بأن يكون المرجع فيها إلى أهلها ومن عندهم علم بها.
فكان هذا شأن سلف هذه الأمة، فالتابعون يرجعون إلى الصحابة في معرفة ما يجد وما ينزل من أمور تظهر مخالفتها لما هو معروف في الكتاب والسنة، أو يكون فيها اشتباه، يقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
فـ عبد الله بن عمر عندما أجاب أجاب أولاً ببيان منزلة هؤلاء وحالهم، وأنه بريء منهم، وأنهم برآء منه، وأن من لا يؤمن بالقدر فلا يقبل منه شيء من العمل، ولا يدخل الجنة حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ثم أتى بالدليل، وهذا فيه -أيضاً- بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من بيان الحكم بدليله.
стр. 37
ميزة الإمام مسلم في طريقة رواية الأحاديث
إن طريقة الإمام مسلم ﵀ أنه يأتي بالأحاديث كما هي، ويأتي بالألفاظ كما وردت، ولا يختصر الأحاديث، ولا يفرقها ويجزئها في أماكن متعددة كما يصنع البخاري، ولهذا أورده الإمام مسلم ﵀ هنا بتمامه ولم يختصره، ولم يأت بمحل الشاهد فقط، وهذه من ميزاته التي تميز بها عن غيره كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمته من (تهذيب التهذيب)، فبعد أن ذكر كلاماً نقله المزي في تهذيب الكمال قال: قلت: وقد حصل حظ عظيم مفرط للإمام مسلم لم يحصل لغيره، وذلك بعنايته بالمحافظة على الألفاظ، وعدم الرواية بالمعنى، وعدم الاختصار، وأنه يأتي بالشيء كما كان، فلا يحصل منه شيء من التغيير والتبديل بروايته بالمعنى أو باختصار أو بغير ذلك، وهذه من ميزاته التي تميز بها.
وهذه طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فعندما يأتون بالحكم فإنهم يأتون بدليله ولو لم يطلب منهم، وذلك لأن الدليل هو الأساس الذي يبنى عليه، والسائل عندما يسمع الدليل من الكتاب أو السنة يطمئن، فالناس متعبدون بالالتزام بالكتاب والسنة، فإذا أجاب المسئول السائل عن مسألته، وأتى بعد ذلك بالدليل فهذا من تمام الإجابة ومن تمام الإحسان، فيطمئن السائل إلى أن الجواب الذي أجيب به مبني على نص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 38
إخبار النبي ﷺ عن ظهور البدع والاختلاف والفرقة
стр. 39
تاريخ بدعة القدر
لقد حدثت بدعة القدر في عصر الصحابة، وقد أشار إلى هذا النبي ﷺ في حديث العرباض بن سارية بقوله وهو يخاطب أصحابه: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) أي أن من تطول به الحياة فسيرى اختلافاً وخروجاً عن الجادة، وانحرافاً عن الصراط المستقيم، وهذا الاختلاف ليس بالقليل، بل هو كثير، فأخبر ﵊ عن أمر فوقع كما أخبر ﵊.
ثم إنه ﵊ أرشد عند هذا الاختلاف إلى لزوم السنة -وهي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه-، فقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
стр. 40
ظهور كثير من البدع من جهة المشرق
وقد ظهرت هذه البدعة في العراق، وكثير من البدع والشرور نشأت من تلك الجهة، وهذا يبين لنا معنى الحديث الذي فيه: (اللهم! بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا.
قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟ قال: هناك الزلازل والمحن)، وقد جاءت آثار وأحاديث تدل على أن المقصود بذلك جهة العراق.
وما وراءها من بلاد فارس، وأول شيء حصل هو أنّ ملكهم مزق كتاب رسول الله ﷺ لما أرسله النبي ﷺ إليه.
وهذا بخلاف فعل ملك الروم، فإنه احتفظ بالكتاب، وكان يبحث عمن يأتي إلى بلاده من العرب ليسألهم عن هذا الرسول ﵊، وقصة هرقل مشهورة، وهي في أول صحيح البخاري فلما جاء أبو سفيان ومن معه قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرسول ﷺ وعن الأمور التي كان يعلمها عن الأنبياء، فوجدها في هذا الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد بين ذلك أبو سفيان رضي الله تعالى عنه؛ حيث تحمل هذا في حال كفره، ثم أدى ذلك بعد إسلامه.
стр. 41
ظهور كثير من الخير من جهة المشرق
فالحاصل أن كثيراً من البدع وكثيراً من الشرور إنما خرجت من تلك الجهة، ولا تزال -على مختلف العصور- كثير من الشرور تأتي من تلك الجهة، ولا يعني ذلك أنه ليس فيها إلا الشر، بل هناك الخير الكثير، فإن الكثير من العلماء من المحدثين والفقهاء هم من تلك الجهة، وأكثرهم من العجم، فأصحاب الكتب الستة: - البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه - كلهم من تلك الجهة، والإمام أحمد وأبو حنيفة، وسفيان الثوري وكثير من الفقهاء والمحدثين من تلك الجهة، وقد بين بعض أهل العلم -كـ الخطابي وابن حجر - المقصود بنجد في الحديث السابق، وأنه ليس المقصود به -كما يقوله بعض الحاقدين على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ نجد اليمامة؛ فإن اليمامة لم تكن معروفة، وليس لها ذكر ولا شأن، وإنما يراد بنجد الأماكن المرتفعة المختلفة، وجاء في الحديث: (وقت لأهل نجد قرن المنازل)، وليس المقصود به اليمامة، بل المقصود به كل الجهات المرتفعة التي تكون من تلك الجهة من الطائف وما وراء الطائف.
فالحاصل أن هذه البدعة أول ما ظهرت في العراق في البصرة، وأول من أظهرها معبد الجهني، كما جاء في إسناد هذا الحديث الذي عند الإمام مسلم، وهذا يدلنا على ظهور كثير من الشرور من تلك البلاد، وإن كان قد حصل فيها كثير من الخير، وخرج منها كثير من أهل العلم في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك من سائر العلوم، فلما خرج معبد الجهني - وهو أول من قال بالقدر- خرج يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، قال يحيى فقلنا: (لو وفق لنا أحد من أصحاب الرسول ﷺ وهذا يدل على أن التابعين كانوا يستغلون فرصة الحج والعمرة لتحصيل العلم والاشتغال بالعلم، والرجوع إلى العلماء، وأنهم يجمعون بين أداء النسك وأداء العبادة والرجوع إلى أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أن الحجاج والمعتمرين والزائرين عندما يأتون إلى مكة والمدينة عليهم أن يحرصوا على التفقه في الدين، وعلى معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن هذا هو شأن سلف هذه الأمة كما في إسناد هذا الحديث، ويدل لذلك لقياهم بـ عبد الله بن عمر ﵁، وفرحهم بذلك، واكتنافهم إياه، فجاء كل واحد منهما من جهة، حتى يستوعب كل واحد منهما ما يصدر منه، ويسمعان ما يقول، فإذا كان هذا من جهة وهذا من جهة، وتكلم وحدث فإن هذا يسمعه كما يسمعه الآخر، ولم يأت كلاهما في جهة واحدة ليكون هذا وراء هذا، بل صار هذا من جهة وهذا من جهة، ومرادهما من ذلك أن يقربا من هذا الصحابي الجليل، وأن يسمعا حديثه وفتواه في ذلك الأمر الذي سألاه عنه.
стр. 42
خطر انحراف من كان معروفاً بالعلم والعبادة
وإن لم يبدأ يحيى بن يعمر بالكلام لأنه ما حصل منهما اتفاق -فيما يبدو- في أول الأمر على أن واحداً منهما يتولى الكلام، وكأنه فاجأهم وجود عبد الله بن عمر، ففرحا واكتنفاه وهو جالس بينهما، فإذا كان هناك اتفاق على أن واحداً منهما يتولى الكلام فهذا جيد، وحيث لا يكون هناك اتفاق فينبغي التريث، ولا يقدم الإنسان على الكلام قبل غيره إلا إذا حصل استئذان منه، أو حصل منه سكوت عرف منه أنه يريد من الآخر أن يتكلم؛ ولهذا قال: (فظننت أنه سيكل الكلام إليّ) فتكلم مع ابن عمر وقال: (إنه ظهر قبلنا أناس) وذكر شيئاً من عبادتهم، وشيئاً من قراءتهم للقرآن، وهذا شيء غريب؛ لأنه لو كان هذا الذي اعتقدوه في القدر من أناس ليس لهم اشتغال بالقرآن، وليس لهم اشتغال بالعلم لكان الأمر أهون، فيقال: هؤلاء جهال يتكلمون عن جهل، لكن الأدهى أن هذا الذي حصل منه هذا الشيء يشتغل بالقرآن والعلم، فتكون المصيبة به أكبر والبلية به أعظم؛ لأنه عنده شيء من المعرفة وشيء من الاشتغال بالقرآن وبالعلم، فمثل هذا هو الذي يحصل به الضرر بخلاف الجاهل؛ فإن الأمر فيه هين؛ لأنه لا يعلم، فإذا عُلّم تعلم، وأما الإنسان الذي يقدم على شيء عن علم ومعرفة عليه ظاناً أنه حق وهو باطل فهذا هو الذي يصعب أمره، ويكون محل خطر على الناس، قبل ذلك على نفسه، أما ضرره على الناس فلأنهم يغترون به، ويظنون أنه صاحب علم، وأن هذا الذي قاله إنما قاله عن علم ومعرفة، وإنما هو -في الحقيقة- ضلال وانحراف في العلم.
وأما خطره على نفسه فلأنه يعتقد أنه على حق، فيستمر على باطله، وقد يموت وهو على باطله؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تعالى حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته) ومعنى ذلك أن الإنسان إذا كان مبتدعاً فقد يستمر على بدعته إلى أن يموت عليها، ولا تحصل له التوبة؛ لأنه يظن نفسه على حق، وأما إذا كان صاحب معصية ويعرف أن هذا ذنب وأنه عاص لله فيه فهذا هو الذي يرجى له التوبة؛ لأنه يشعر بالخطأ، ويشعر بالتقصير، وأما ذاك فإنه لا يشعر بالتقصير بل يظن أنه على حق، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، فهو يبقى على باطله.
فإذا كان لديه علم ومعرفة فإنه يكون أشد ضرراً على نفسه وعلى غيره، أما على نفسه فبابتعاده عن التوبة، وأنه قد يموت على بدعته، وأما على غيره فباغترار الناس به، فإنهم يظنون أن مقالته تلك قالها بناء على علم.
ثم قال بعد ذكر شيء من صلاحهم في الظاهر ومن عباداتهم: (يقولون: (لا قدر وأن الأمر أنف))، يعنون أنه لم يسبق قضاء ولا قدر، وأن الناس يستأنفون أعمالهم، وأن هذه الأفعال التي توجد لم يسبق تقدير الله لها، ولا علم الله بها، وهذه -كما يقول بعض أهل العلم- طريقة الغلاة الذين ينكرون العلم القديم -أو العلم الأزلي- بالأشياء قبل خلقها، وينكرون أيضاً أن الله تعالى قدر الأشياء وكتبها، ولهذا قال ابن عمر: (أخبرهم بأني بريء منهم، وأنهم برآء مني) يعني: لست منهم وليسوا مني؛ لأنهم أنكروا أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، وهو خبر صادق لا بد منه، بل هو من أصول الإيمان التي بينها جبريل للناس بسؤاله النبي ﵊ عنها، إذن: فالأمر ليس هيناً وليس سهلاً.
стр. 43
ذكر بعض ما يستفاد من حديث جبريل
وبعد أن ذكر ابن عمر ﵁ الحكم بيّن الدليل على ذلك، وهو حديث رسول الله ﷺ الذي سأل فيه جبريل الرسول ﵊ فأجابه، ومن جملة ما أجابه عنه تفسير الإيمان وبيان المراد به، وأركانه الستة التي آخرها الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من الله سبحانه تعالى، ثم ساق الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، يعني أنهم كانوا جالسين يسألونه ويتعلمون منه، وينتظرون من يأتي ليسأله، وقد كانوا يحرصون على أن يأتي بعض الأعراب فيسأل الرسول ﷺ عن أمور الدين، فيسمعون الجواب، وفي تلك المرة التي كانوا جالسين فيها مع النبي ﷺ جاءهم رجل غريب، وتظهر غرابته من جهتين: من جهة أنه غير معروف، ومن جهة أن ثيابه حسنة، وشعره شديد السواد، وليس بأشعث ولا أغبر، ولا ثيابه بالمدنسة من الغبار بسبب السفر، فهذا شيء غريب عليهم، فالرجل غير معروف، والهيئة التي هو عليها ليست بهيئة المسافر ولا بهيئة الغريب الذي يأتي من مسافة بعيدة، فإن من كانت حاله كذلك يظهر على وجهه التعثر، ويصير أشعث أغبر بسبب سفره ومعاناته الطريق، فهذا الأمر يختلف عن الذي كانوا يعرفونه ويألفونه.
وقد جاء في بعض الروايات -كما في سنن أبي داود وغيره- أنه سلم من طرف البساط، ورواية مسلم ليس فيها ذكر السلام، ومن المعلوم أن الرواة كل منهم يروي ما بلغه وما سمعه، وقد يحفظ بعضهم ما لم يحفظه الآخر، وقد يحصل من بعض الرواة اختصار للحديث، فهناك أسباب لكون الحديث فيه زيادة عند بعض الرواة ونقص عند بعض الرواة، فقد يحفظ هذا ما لم يحفظه هذا، أو أن بعض الرواة حفظها ولكنه اختصر عند الرواية، والحاصل أن حديث عمر في صحيح مسلم ليس فيه ذكر السلام، ولكنه موجود في سنن أبي داود وغيره.
ثم إنه جاء وجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، أي: قَرُب منه قرباً شديداً، ووضع يديه على فخذيه، وجاء في بعض الروايات أنها على فخذي النبي ﷺ ، وهذا يدل على شدة القرب والإصغاء إليه، واهتمامه بتلقي ما يسمعه.
стр. 44
تشكل الجن والملائكة
وهذا الذي جاء هو جبريل، وجبريل من الملائكة، والملائكة خلقوا من نور، كما جاء في حديث عائشة: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) أي: من تراب، ومن طين، ومن صلصال كالفخار، كما جاء وصف ذلك في القرآن.
وقد خلق الله الملائكة ذوي أجنحة، كما قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، وقد ثبت في السنة أن جبريل له ستمائة جناح.
وقد رآه النبي ﷺ مرتين: مرة في السماء لما عرج به عند سدرة المنتهى، ومرة رآه في الأرض وقد سد الأفق من كبر حجمه وله ستمائة جناح، فهذا الخلق الذي هو بهذا الحجم الكبير يجعله الله تعالى يتحول ويصغر إلى أن يكون بصورة إنسان، فالملائكة تتشكل على خلق الإنسان، كما أن الجن -أيضاً- يتشكلون على خلق الإنسان، وعلى خلق الحيوان، ولذا جاء في الحديث النهي عن قتل عوامر البيوت من الحيات قبل إيذانها، فلابد من تحذيرها؛ لأنها قد تكون من الجن.
فالجن قد تشكل على صورة الإنسان، كما في قصة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع ذلك الشيطان الذي كان يحثو من الطعام، ثم علمه قراءة آية الكرسي، وقال له النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب).
الملائكة يأتون على صورة البشر، كما في هذا الحديث، وكما جاء جبريل على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان رجلاً من أجمل الصحابة رضي الله تعالى عنه، وجاء ضيوف إبراهيم إلى إبراهيم وإلى لوط على صورة بشر، وقصتهم معروفة في القرآن، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤]، فهم ملائكة جاءوا على صورة بشر، وجبريل جاء إلى مريم بصورة بشر كما في سورة مريم، فنزول جبريل إلى النبي ﷺ ، وتحوله من خلق إلى خلق، كل ذلك يدل على عظمة الله تعالى، والله على كل شيء قدير، ولا يقال: إن هذا خلق آخر.
بل هو جبريل ﵇، وإنما تحول من كونه يسد الأفق إلى رجل عليه لحية شديدة السواد، ولباسه أبيض شديد البياض، فسأل النبي ﷺ وعنده الجواب، وقصده من السؤال إسماع الناس.
وهذا يدلنا على أن الإنسان له أن يسأل وإن كان يعلم الجواب، وذلك من أجل أن يسمع الناس الجواب، وليس بلازم أن يكون السؤال عن جهل بالجواب، بل يمكن للعالم أن يسأل عالماً، أو أن يسأل سائل عالماً من أجل أن يسمع الناس الجواب، فيكون بذلك معلماً للخير، فهذا جبريل ﵇ لم يكن مسترشداً، ولم يأتِ متعلماً، وإنما جاء ليعلم الصحابة بجواب النبي ﷺ عن أسئلته التي يسأل عنها، فنسب إليه التعليم؛ لأنه عالم بالجواب، ولأنه تسبب في السؤال فظهر الجواب من النبي ﷺ بناء على سؤاله، فنسب إليه التعليم، حيث قال ﷺ : (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وجواب النبي ﷺ على سؤال جبريل عن الإسلام هو الذي اشتمل عليه الحديث الثالث الذي سيأتي بعد هذا، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)، فهذا الجواب الذي أجاب به النبي ﷺ جبريل هو نفسه البيان الذي جاء في الحديث الذي حدث به عبد الله بن عمر عن النبي ﵊ في بيان الأسس التي بني عليها دين الإسلام، وسنرجئ الكلام على ما يتعلق ببيان هذه الأركان إلى شرح الحديث الثالث، وهو حديث ابن عمر.
قوله: (فقال له: صدقت) أي: لما أعطاه الجواب قال: (صدقت)، وهذا -أيضاً- يدعو إلى الاستغراب، ويضاف هذا الاستغراب إلى ما تقدم من كونه شديد بياض الثياب، وشديد سواد الشعر، ولا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منهم أحد، والمعروف من السائل الذي لا يعلم أنه لا يقول: صدقت.
وإنما يقول: (صدقت) من كان عنده علم بالجواب، وأما الإنسان الذي ليس عنده علم بالجواب فإنه إذا أفتي يسكت، أو يدعو لمن أجابه وأفتاه، فيقول: جزاك الله خيراً، وأحسن الله إليك.
أما أن يقول: (صدقت)، فهذا الجواب جواب العارف والعالم بالسؤال وبالجواب، وكان هذا محل استغراب من الصحابة، ولهذا قال: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) يعني أن السائل من شأنه أن يكون غير عالم بالجواب فيفرح بالجواب، ويدعو لمن أجابه، أما أن يقول: (صدقت)، فهذا يدل على أن عنده علماً بالجواب.
стр. 45
معنى الإسلام والإيمان اتحاداً وافتراقاً
ثم قال: (فأخبرني عن الإيمان.
فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، وهذه هي أركان الإيمان، وقد سأل في السؤال الأول عن الإسلام فأجابه عن أمور ظاهرة، وسأله في الثاني عن الإيمان فأجابه عن أمور باطنة، وذلك لأن الإسلام أصله مأخوذ من الاستسلام، وهو الانقياد والإذعان بالطاعة، والاستسلام لله بالتوحيد، والخلوص من الشرك، فهذا هو الإسلام، فيكون فيه استسلام وإظهار للانقياد والسمع والطاعة، والامتثال للأوامر والاجتناب عن النواهي، فلما سئل عن الإسلام فيما يتعلق بأمور ظاهرة صار الجواب مماثلاً لمادة السؤال والمسئول عنه، وهو الإسلام؛ لأنه الاستسلام والانقياد، فصار الجواب عن الإسلام يتعلق بأمور ظاهرة؛ لأن الإسلام مأخوذ من الاستسلام، وهو يكون في الأمور الظاهرة.
ولما جاء السؤال عن الإيمان -وهو أمر باطني- جاء الجواب عن أمور باطنه، فصار الجواب عن الإسلام بما يناسب أصله ومادته، والجواب عن الإيمان بما يناسب أصله ومادته.
ثم إن الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جمع بينها في الذكر فرق بينها في المعنى، وإذا أفرز أحدهما عن الآخر شمل المعاني المفرقة عند الاجتماع، ولهذا عندما يأتي ذكر الإسلام وحده فإنه يشمل الأمور الظاهرة والباطنة، وإذا جاء الإيمان وحده يشمل الأمور الظاهرة والباطنة، لكن إذا جمع بينهما -كما في حديث جبريل هذا- فإن الإسلام يفسر بالأمور الظاهرة، والإيمان يفسر بالأمور الباطنة.
فهذه من الألفاظ التي إذا جمع بينها في الذكر وزع المعنى عليها، وإذا أفرز أحدهما عن الآخر واستقل عن صاحبه شمل المعاني كلها، ومثل ذلك لفظ الفقير والمسكين، والبر والتقوى، فإنها من هذا القبيل، فإن الفقير والمسكين إذا جمع بينهما في الذكر فرق بينهما في المعنى، وإذا انفرد أحدهما عن الآخر شمل معنى الجميع، ففي مثل قول الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، جمع بين الفقراء والمساكين، ففسّر الفقير بأنه من لا يجد شيئاً أصلاً، والمسكين من يجد شيئاً لكن لا يكفيه، فكل منهما محتاج، إلا أنهما متفاوتان في الحاجة، وجاء في حديث معاذ بن جبل، لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن أنه قال له: (فإن هم أطعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ولم يقل: ومساكينهم؛ وإنما قال: (على قرائهم)، فالفقير هنا يشمل من لا شيء عنده أصلاً، ومن عنده شيء لا يكفيه؛ لأنه جاء هنا مفرداً فشمل المعنيين، ولما جاء ذكر الفقير والمسكين في موضع واحد وفي آية واحدة قسم المعنى بينهما.
وكذلك ما في حديث جبريل، فإنه لما جاء الإسلام على حدة والإيمان على حدة جاء المعنى مقسماً بينهما، فأعطي الإسلام ما يناسبه وهو الأمور الظاهرة، وأعطي الإيمان ما يناسبه وهو الأمور الباطنة، ومثل ذلك البر والتقوى، فإذا جاء البر وحده شمل الأوامر والنواهي، وإذا جاءت التقوى وحدها شملت الأوامر والنواهي، وإذا جمع بينهما فسر البر بامتثال الأوامر وفسرت التقوى باجتناب النواهي، فالمراد أنه عندما يحصل الجمع بينهما يفرق المعنى، وعندما يستقل كل واحد منهما عن الآخر بالذكر فإنه يستوعب المعنيين المفرقين عند الاجتماع، وبهذا يتبين الفرق بين الإيمان والإسلام.
стр. 46
الإيمان بالله تعالى هو أصل الإيمان
قوله: (قال: فأخبرني عن الإيمان.
قال: أن تؤمن بالله) الإيمان بالله: هو أصل الأصول، وهذه الأمور التي ذكرت معه هي تابعة له، والذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بها، بل إن كثيراً منها أضيف إليه، حيث قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله) فقوله: (وملائكته)، وكذلك ما بعده أضافه إلى الله ، فالإيمان بها تابع للإيمان به، فمن لم يؤمن بالله لم يؤمن بهذه الأمور، ومن آمن بالله فيمكن أن يؤمن بشيء منها، ويكفر بالشيء الآخر، ولكن إن لم يؤمن بالله فلن يؤمن بها؛ لأن الملائكة ملائكة الله، والرسل رسل الله، والكتب كتب الله، فالذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بكتبه، ولا برسله، ولا بملائكته.
إذاً: فهذا الأصل -وهو الإيمان بالله- هو الأساس لكل ما يؤمن به من هذه الأمور وغير هذه الأمور، فكل الأمور المغيبة التي جاء الخبر بها عن الله وعن رسوله ﷺ يجب الإيمان والتصديق بها، فإن كانت أموراً ماضية فنؤمن بأنها قد وقعت كما جاء الخبر في الكتاب والسنة، وإن كانت مستقبلة فنؤمن بأنها ستقع وفقاً لما جاء به الخبر، وكذلك إن كانت الأمور موجودة ولكنها غير مشاهدة ولا معاينة فإننا نؤمن بأنها موجودة وأنها حق، كما أُخبرنا عن السماوات، وعن الملائكة وعن خلقهم، وعن الجن وعن خلقهم مع أننا لا نراهم ولا نشاهدهم، لكن جاءنا الخبر بذلك.
إذاً: فالإيمان بالله هو الأساس، كما أن الشهادتين هما الأساس، والصلاة والزكاة والصيام والحج تابع لهما، فكذلك الإيمان بالله هو الأساس للإيمان بالملائكة والكتب والرسل وغير ذلك، فكل هذه الأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان الركن الأول منها هو الأصل والأساس لغيره، فهو أساس في نفسه وأساس لغيره، فما وراءه من الأركان تابع له، وإذا لم يوجد هذا الأساس فلا يوجد ما وراءه، فإذا لم توجد الشهادتان فلن يوجد ما وراءهما، وإن وجد فإنه لا عبرة به، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، أي: من عمل طيب.
فلم ينفع صاحبه عند الله مع وجود الشرك، فالمشرك ليس له إلا النار، ولا سبيل له إلى السلامة منها، بل هو باق فيها أبد الآباد إلى غير نهاية.
стр. 47
أقسام توحيد الله
قوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان بالله يكون بالإيمان بربوبيته، وإلاهيته، وأسمائه وصفاته.
أما الإيمان بربوبيته: فأن تؤمن بأنه واحد في الخلق والإيجاد والتدبير والتصرف في الكون، أي: واحد في أفعاله، فليس لله شريك في ذلك، فتوحيد الربوبية هو توحيده في أفعاله، فهو واحد فيها ولا شراكة لغيره فيها، فهو المتفرد بخلق السموات والأرض، وبخلق المخلوقات كلها، وهو رب كل شيء ومليكه والمتصرف فيه كيف يشاء، فهذا هو توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية توحيد الله تعالى في أفعاله، أي أنه واحد في أفعاله لا شريك له فيها، فهو الذي خلق السموات والأرض وخلق كل شيء، ولم يشاركه في ذلك مشارك، بل هو مستقل بالخلق والإيجاد .
وأما توحيد الإلهية فهو توحيده بأفعال العباد من دعاء واستعاذة واستغاثة واستعانة وذبح ونذر وتوكل ورغبة ورهبة وإنابة وغير ذلك من أفعال العباد، أي أنهم يجعلونها لله خالصة، ولا يجعلون مع الله تعالى شريكاً فيها، فيكون الله هو المفرد بالعبادة كما أنه المتفرد بالخلق والإيجاد، فكما أنه لا شريك له في الخلق والإيجاد فيجب أن لا يكون له شريك في العبادة، والكفار الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولكنهم جاحدون لتوحيد العبادة، وقد جاء في القران آيات كثيرة فيها اعترافهم بأن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والإيجاد، ولكنهم أنكروا تفرده بالإلهية، لذلك بعث فيهم الرسول ﷺ من أجل ذلك، وكذلك الرسل السابقون أيضاً أرسلوا إلى أقوام ينكرون عليهم دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة، فهم جاحدون لتوحيد الإلهية ومنكرون له، لذلك بعث الله الرسل بدعوتهم إليه، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فما طلب منهم أن يقروا بوجود الله وبربوبيته؛ لأنهم كانوا مقرين بذلك، ولكن الشيء الذي أنكروه هو توحيد الإلهية، ولهذا قال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فمهمة كل رسول أن يأمر قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة غيره، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فكل رسول أرسله الله يوحي إليه بأن يُعبد اللهُ وحده لا شريك له، وهاتان الآيتان تدلان على أن كل رسول هذه مهمته، ثم جاءت آيات مفصلة مع كل نبي يدعو قومه، فكل نبي يقول: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، فكل رسول -سواء قٌص علينا خبره أو م يقص، وسواء جاء ذكره في القرآن أو لم يجيء- كان يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة غيره، وجاء ذلك إجمالاً وتفصيلاً، إجمالاً في هاتين الآيتين وأشباههما، وتفصيلاً في قصة كل رسول من الرسل.
إذاًَ: فهذه هي مهمة الرسل، وهذا هو الذي أوقع الخصومة بين الرسل وأقوامهم؛ لأن أقوامهم أنكروا أن تكون العبادة لله وحده، فهم يعبدونه ويعبدونه معه آلهة أخرى، فلم يخصوه بالعبادة؛ لأنهم نشئوا على عبادة غير الله ، وسواء عبدوه مع غيره أو عبدوا غيره فحسب، لكنهم مقرون بأن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والإيجاد.
стр. 48
العلاقة بين أقسام التوحيد الثلاثة
فتوحيد الإلهية هو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، فيجب أن يفرد فيها، ويأتي في القرآن كثيراً تقرير توحيد الربوبية، لا لإثباته؛ فإنه ثابت عند المنكرين للإلهية، ولهذا يجيبون بالاعتراف به، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم معترفون مقرون به، فيأتي في القرآن تقرير توحيد الربوبية للانتقال منه إلى الإلزام بتوحيد الإلهية، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠] أي: كيف تعبدون مع الله آلهة إذا كان هو المتفرد في الخلق والإيجاد؟! فإنه يلزمكم أن تفردوه في العبادة، وأن تخصوه بذلك وحده دون من سواه، وأن لا تجعلوا مع الله آلهة أخرى؟! وقد حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي أنّهم استنكروا هذا الشيء الذي يناقض ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، ولهذا لما دعا الرسول ﷺ عمه أبا طالب إلى التوحيد وإلى الإيمان بالله -وذلك في آخر حياته- وكان عنده بعض الكفار في ذلك المجلس قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، وقالوا: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فما عندهم إلا تقليد الآباء واتباعهم على ما هم عليه من تلك المعبودات، ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، فتوحيد الربوبية يقرَّر في القرآن مع أن المنكرين للإلهية مقرون به، وذلك من أجل إلزامهم بأن يقروا بالإلهية كما أقروا بالربوبية، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، ومن أقر بالربوبية فيلزمه أن يقر بالإلهية، فمن أقر بأن الله هو الخالق الرزاق وحده فعليه أن يعبد الله وحده، حيث يلزم من فعل هذا أن يفعل هذا.
وأما من وجد عنده توحيد الإلهية فهو مقر بالربوبية؛ لأنه لا يعقل أن يعبد الله وحده وهو جاحد لوجوده وربوبيته، بل إنّ عبد الله وحده فإنه يقر بأن الله هو الخالق وحده، فتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية.
فالخلاصة: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن من وجد عنده توحيد الإلهية فقد وجد عنده توحيد الربوبية ضمناً، فلا يعقل أن يعبد الله وحده ويجحد ربوبيته، ولكن يمكن أن يقر بأن الله الخالق وحده ويعبد مع الله غيره، كما هو شأن الكفار الذين بعث فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو إثبات ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﵊ من الأسماء والصفات، على وجه يليق بكماله وجلاله ، دون تكييف أو تشبيه أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، بل على حد قول الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فهذه الآية الكريمة فيها الإثبات والتنزيه، الإثبات في قوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) والتنزيه في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فهو تعالى له سمع وبصر؛ لقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، لكن سمعه ليس كالأسماع، وبصره ليس كالأبصار؛ لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فالآية مشتملة على الإثبات والتنزيه، أي: إثبات الصفات مع التنزيه عن مشابهة المخلوقات، فالمشبهة يقولون: له سمع كأسماعنا، وبصر كأبصارنا.
فهذا هو التشبيه، وأهل السنة يقولون: له سمع وبصر ليس كأسماع المخلوقين ولا كأبصارهم؛ لأن الله تعالى يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فيثبتون وينزهون، ولا يكيفون مع إثباتهم، فلا يقولون: صورته كذا وكذا ولا يتحدثون عن الكيفية، فإنه لا يعلم أحد عن ذلك شيئاً، وأما المعنى فإنه معلوم؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه، ولم يخاطبوا بكلام غير معلوم ولا مفهوم، ولهذا عندما يأتي مثل قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) فإنهم يعلمون معنى السميع ومعنى البصير، وأن البصر يتعلق بكل المرئيات، والسمع يتعلق بكل المسموعات دقت أو جلت، ويعلمون أنّ (سمع) معناها غير البصر، فالبصر شيء والسمع شيء آخر، ويعلمون أن الكلام غير السمع والبصر، وأن القدرة غير اليد، وهكذا، فكل صفة لها معنى، ولهذا يقولون: إن الصفات متحدة من حيث الذات، ومتباينة من حيث المعنى.
فهي متحدة من حيث الذات بمعنى أن الله تعالى هو واحد بذاته وصفاته، ومتباينة من حيث المعنى، فمعنى السمع غير معنى البصر، ومعنى البصر غير معنى الكلام، ومعنى الكلام غير معنى القدرة، ومعنى القدرة غير معنى العزة، ومعنى العزة غير معنى الحكمة، وهكذا، فهذه كلها صفات متباينة من حيث المعنى، ومتحدة من حيث الذات؛ لأن الموصوف بها واحد، ولهذا إذا نفيت الصفات عن الله فلا يبقى له وجود، ولهذا يقول أهل السنة عن الذين ينفون الصفات: إنهم نافون للمعبود، فلا يتصور وجود ذات مجردة عن جميع الصفات، وعلى هذا فإن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﵊ من الأسماء والصفات، على وجه يليق بكمال الله وجلاله، دون تشبيه أو تمثيل أو تكييف، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، بل إثبات مع تنزيه، ولهذا كان أهل السنة والجماعة وسطاً بين المشبهة والمعطلة، فالمشبهة أثبتوا وشبهوا، والمعطلة نزهوا وعطلوا، وأهل السنة أثبتوا ونزهوا، فالمشبهة عندهم إثبات وتشبيه، والمعطلة عندهم تنزيه وتعطيل لازمه أنه لا وجود للرب، وأهل السنة أثبتوا ونزهوا، أثبتوا فلم يعطلوا؛ لأن الإثبات يقابل التعطيل، فبإثباتهم جانبوا طريقة المعطلة الذين نفوا الصفات عن الله حتى صار المعبود عندهم عدماً لا وجود له، فهم مثبتة وليسوا بمعطلة، ومع إثباتهم لم يكونوا مشبهة، بل منزهة، فقد فارقوا المعطلة بالإثبات، وفارقوا المشبهة بالتنزيه.
لذلك فأهل السنة هم المستمسكون بقول الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فقد أثبتوا لقوله : (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، ونزهوا لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، والله تعالى أعلم.
стр. 49
تحسين الهيئة عند الدخول على الفضلاء
يقول ابن دقيق العيد: وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك؛ فإن جبريل أتى معلماً للناس بحاله ومقاله.
فهذا كلام جميل من هذا الإمام، ومعلوم أن الرسول ﷺ كان يتجمل، وقصة عمر ﵁ في الجبة التي عرض عليه أن يشتريها ليتجمل بها للعيدين وللوفود معروفة، فإذا كان الإنسان قادراً على أن يكون على هيئة حسنة فلا شك في أن هذا مطلوب منه، والأحاديث والسنة في ذلك واضحة جلية في هدي رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في ذلك.
ويقول ابن دقيق العيد أيضاً: هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه؛ لما تضمنه من جمعه علم السنة، فهو كالأم للسنة، كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن.
ويقول ابن رجب: وهو حديث عظيم الشأن جداً، يشتمل على شرح الدين كله، قال أحد العلماء: يصلح أن يقال عن هذا الحديث: إنه أم السنة كما أن الفاتحة أم القرآن؛ لاشتماله إجمالاً على ما اشتملت عليه السنة تفصيلاً.
فهذا كلام جيد، يبين -أيضاً- شأن هذا الحديث ومنزلته وقيمته.
стр. 50
الأسئلة
стр. 51
الموازنة بين الحسنات والسيئات وحالاتها
السؤال
ذكر في سبب رواية الحديث عند مسلم أن حميد بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر قد مدحا القائلين بنفي القدر، فهل فيه العمل بقاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات؟ وكيف يكون الرد على هذه الشبة؟
الجواب
قضية الموازنة بين الحسنات والسيئات ليست في كل وقت وفي كل حين، ففي بعض الأحيان يمكن أن يكون للموازنة بذكر الحسنات والسيئات وجه، وذلك مثلما جاء في هذا الحديث؛ لأن هذا تمهيد لبيان الشيء الذي وجد، وأنهم عندهم في الظاهر استقامة وعبادة، وأنّ الناس قد يغترون بهم، وذلك لما يرى من هيئتهم، فهذا قالوه كالتمهيد لبيان الشيء العظيم الذي أنكر عليهم، فهم ليسوا أناساً مجهولين أو أناساً غير معروفين بعبادة أو معرفة، وإنما عندهم معرفة، ولهذا يحصل الاغترار بهم، فذكر ذلك من أجل أن يبينا أن الناس يغترون بهم، وأن هذا من أسباب الاغترار بهم؛ لأن الذي عنده معرفة يغتر به، والذي عنده جهل لا يلتفت إليه ولا يغتر به، وهناك حالات لا يكون معها ذكر الحسنات، وذلك كما جاء في قصة المرأة التي استشارت الرسول ﷺ في معاوية وأبي جهم الذين خطباها، وقال لها النبي ﷺ : (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)، ولم يذكر شيئاً من حسانتهما؛ لأن المقام مقام بيان الشيء الذي يناسبها معرفته، فهي تريد أن تتزوج، فالقضية ليست قضية بيان المحاسن، وإنما القضية هي بيان الشيء الذي يعاب به الرجل حتى تكون على بينة من أمرها، فقال: أما معاوية فكذا، وأما أبو جهم فكذا.
فلم يذكر شيئاً من حسناتهما، مع أن معاوية ﵁ له محاسن، فقد كان من كتاب الوحي، وكان من أذكياء الصحابة ودهاتهم، ومع ذلك لم يذكر محاسنه؛ لأن المقام ليس مقام مدح، وإنما هو مقام بيان حاله، وذكر الشيء الذي قد لا يناسب المرأة منه، ككونه فقيراً ليس عنده شيء ينفقه على نفسه ولا عليها، وكون أبي جهم ضراباً للنساء، أو أنه كثير الأسفار لا يمكث عند المرأة، ولا يكون على صلة بها باستمرار، فتارة تذكر الحسنات، وتارة تذكر السيئات، وتارة يجمع بينهما.
стр. 52
العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة
السؤال
هل العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات مثل العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية؛ أي: علاقة تضمن؟
الجواب
توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات مستلزم لتوحيد الإلهية أيضاً؛ لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته فإنه يلزمه أن يتعبد بمقتضاها، وبما تدل عليه، فكل منهما مستلزم لتوحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية متضمن لهما؛ لأن من عبد الله حق عبادته فهو يقر بما يثبت له من الأسماء والصفات، ويقر -أيضاً- بكونه الخالق الرازق وحده لا شريك له.
стр. 53
الفرق بين التشبيه والتمثيل
السؤال
ما الفرق بين التشبيه والتمثيل؟
الجواب
التشبيه والتمثيل معناهما واحد، فتارة يقال: تشبيه.
وتارة يقال: تمثيل.
لكن التمثيل والمثل هو الذي جاء في تعبير القرآن.
стр. 54
إشكال وجواب
السؤال
جاء في الحديث: (بني الإسلام على خمس)، ففيه ذكر الإسلام فقط، ومع ذلك فسره بالأعمال الظاهرة، مع أن القاعدة أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمعا؟
الجواب
هذا إخبار، ولم يأتِ لفظ الإسلام مفرداً، وأما المفرد فمثل قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، فهنا جاء مفرداً، فيشمل الأمور الظاهرة والباطنة، وأما في الحديث فجاء تفسيره بأمور ظاهرة، وهو تفسير للإسلام بالشيء الذي يناسب، فهو مطابق لما جاء في حديث جبريل، وأما إذا جاءت كلمة الإسلام عامة فإنه يدخل فيها الدين كله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] والإسلام هو أمور ظاهرة وأمور باطنة.
стр. 55
جزم عمر بعدم معرفة أحد لجبريل ﵇ عندما جاء يعلمهم أمر دينهم
السؤال
كيف جزم عمر ﵁ بأنه لا يعرفه منهم أحد فقال: لا يعرفه منا أحد؟
الجواب
جاء في بعض الروايات أنه نظر بعضهم إلى بعض، فهذا يدل على أنه غريب لا يُعرف.
стр. 56
شرح الأربعين النووية [٤]
الإيمان بالله تعالى هو أصل الدين وأسّه، وهو أن تؤمن بربوبيته وأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت المتصرف في الكون، لا شريك له في ذلك ولا ند، وأن تؤمن بإلاهيته، وأنه هو المستحق للعبادة من دعاء ونذر وذبح وتوكل واستغاثة وغير ذلك، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
ومن لوازم هذا الإيمان أن يؤمن المرء بما أوجب الله تعالى الإيمان به من الملائكة والكتب والرسل والقدر واليوم الآخر، فكل ذلك من أركان الإيمان، ولا يستقيم الإيمان بدونها.
стр. 57
الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى على منهج سلف الأمة
سبق بعض الكلام على حديث جبريل المشهور في قصة مجيئه إلى الرسول ﵊ وسؤاله عن أسئلة أجاب عليها رسول الله ﵊، وفي آخر الحديث قال النبي ﵊: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
وقد كنا بدأنا بالكلام على الإيمان بالله، وعرفنا أن الإيمان بالله يشمل الإيمان بربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وعرفنا توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وانتهى الكلام إلى الحديث عن توحيد الأسماء والصفات، وقلنا: إنه الإيمان بكل ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊ من الأسماء والصفات المضافة إلى الله تعالى، على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تشبيه أو تمثيل أو تكييف، ودون تعطيل أو تأويل أو تحريف، بل على حد قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وذكرنا أن أهل السنة وسط بين المعطلة والمشبهة، فالمشبهة أثبتوا وشبهوا، والمعطلة نفوا وعطلوا، وقصدوا بذلك التنزيه، ولكنهم فروا من تشبيه سيئ تصوروه في أذهانهم -وهو التشبيه بالمخلوقات- وصاروا إلى تشبيه أسوأ منه، وهو تشبيهه بالمعدومات، وأهل السنة أثبتوا ونزهوا، فهم مثبتة وليسوا بمعطلة، ومع إثباتهم فهم منزهة وليسوا مشبهة، فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، يقول أبو سليمان الخطابي: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم فالحق وسط بين الطرفين المتناقضين: الطرف الذي أثبت وشبه، والطرف الذي نفى وعطل حتى صار المعبود بهذا النفي لا وجود له، وقد ذكر ابن عبد البر ﵀ في كتابه (التمهيد) أن الذين ينفون الصفات يصفون المثبتة بأنهم مشبهة، ثم قال ابن عبد البر: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود.
أي أنَّ المعطلة يصفون المثبتة بأنهم مشبهة بينما، والذين يثبتون الصفات يصفون الذين ينفون الصفات بأنهم نافون للمعبود، أي أنه لا وجود للمعبود ما دام أنه قد نفيت عنه جميع الصفات.
هكذا قال ابن عبد البر في كتابه (التمهيد)، حيث ذكر عن المعطلة أنهم يصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأنهم لا يتصورون إثباتاً إلا مع تشبيه، ففروا من الإثبات خوفاً من التشبيه، ولكن النتيجة أنهم فروا من تشبيه سيئ فوقعوا في تشبيه أسوأ، وهو التشبيه بالمعدومات.
ولهذا تجد الذهبي ﵀ في كتابه (العلو للعلي الغفار) لما نقل كلام ابن عبد البر علق عليه بقوله: قلت: صدق والله؛ فإن الجهمية مثلهم كما قال حماد بن زيد: إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة.
فقيل لهم: ألها سعف؟! قالوا: لا.
فقيل: ألها كرب؟! قالوا: لا.
قيل: ألها رطب وقنو؟! قالوا: لا.
قيل: ألها ساق؟! قالوا: لا.
فسألوهم عن كل صفة من صفات النخل وهم يقولون: إنها لا توجد في هذه النخلة.
فقيل لهم: فما في داركم نخلة! فكذلك من ينفي عن الله صفاته! ومن الأمثلة التي توضح وتبين هذا التصور الذي تصوروه وبنوا عليه نفي الصفات عن الله أنهم قالوا: إننا لو أثبتنا أن الله يتكلم بصوت وحرف لزم أن يكون مشابهاً للإنسان الذي يتكلم بحرف وصوت، ويلزم أن يكون له لهاة وشفتان وحنجرة ومخارج حروف؛ لأننا لا نتصور كلاماً إلا بهذه الآلات الموجودة في المخلوق.
فهم لم يتصوروا إثباتاً إلا مع تشبيه، فما وفقوا إلى تصور إثبات مع تنزيه، ففروا من ذلك إلى التشبيه بالمعدومات، وهذا الكلام الذي قالوه من أنه لا يتصور كلام إلا وفقاً لما هو موجود في المخلوقين باطل وغير صحيح.
ومما يدل على بطلانه.
أولاً: أنه لا تلازم بين الإثبات والتشبيه، فهناك إثبات مع تشبيه، وإثبات مع تنزيه، والإثبات مع التشبيه هو المحرم والباطل، والإثبات مع التنزيه هو الحق الذي لا ريب فيه، فالله يتكلم ولا نعلم كيفية تكلمه، ولا يشبه الخلق، ولا الخلق يشبهونه، فجميع صفات الباري تليق بكماله وجلاله، وجميع صفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم، ولا تشابه بين الخالق والمخلوق، كما قال الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فأثبت السمع والبصر، ونفى المشابهة، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، ويتكلم لا كتكلمنا، بل كلامه يليق به، فلا تلازم بين الإثبات والتشبيه.
الأمر الثاني: أنَّ قولهم: إننا لا نتصور كلاماً إلا أن يكون بهذه الطريقة المعروفة في المخلوقين من أنه يكون بحنجرة ولهاة ومخارج حروف وشفتين ولسان غير سديد؛ إذ ليس بلازم أن يكون الكلام بهذه الطريقة التي نعرفها ونعقلها، فقد وجد الكلام في الدنيا -وسيوجد في الآخرة- بدون هذه الطريقة التي نعقلها، فقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﵊ أنه قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل البعثة)، فكان إذا مر به قال: السلام عليك يا محمد.
فقد تكلم الحجر وليس له لسان ولا شفتان ولا حنجرة ولا مخارج حروف.
ومثله الذراع الذي وضعت فيه اليهودية السم، ولما نهس منه الرسول ﷺ نهسة تكلم وقال: إنه مسموم.
فقد تكلم وليس له لهاة ولا حنجرة ولا لسان ولا شفتان ولا مخارج حروف؟! لقد أنطقه الله تعالى الذي أنطق كل شيء.
وبهذا نعرف أنه وجد الكلام في الدنيا على وجه غير الذي نعقله ونعرفه، وإذا حصل هذا من مخلوق ولم نعرف كيف تكلم فالله يتكلم ولا نعرف كيف يتكلم.
فنثبت الكلام ولا نسأل عن الكيف، كما قال مالك رحمه الله تعالى عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
فالمعنى معلوم لنا؛ لأننا خوطبنا بلسان عربي مبين، ونحن نعقل معاني ما خوطبنا به، ولكن الكيفية لا نعلمها، بل نجهلها.
وهذا يقال في جميع الصفات، فكل صفة يقال فيها: إن الكيف مجهول.
فكيفية التكلم مجهولة بالنسبة لنا، وإذا كنا لم نعقل كيفية تكلم المخلوق فمن باب أولى أن لا نعقل كيفية تكلم الخالق، ولا نفكر في ذلك.
وأما في الآخرة فقد أخبر الله أنه يختم على الأفواه، وتنطق الأيدي والأرجل والجلود بما عمل به الإنسان، وهذا شيء على غير الكيفية التي نعقلها، وهي أن الكلام لا يكون إلا بحنجرة ولهاة ومخارج حروف.
وعلى هذا فالذين ينفون الصفات عن الله بحجة أنهم لو أثبتوا لكانوا مشبهين قد وقعوا في تشبيه أسوأ، وهو التشبيه بالمعدومات، فلازم قولهم أنه لا وجود للخالق سبحانه؛ لأنه لا يتصور وجود ذات مجردة من جميع الصفات، كما عرفنا ذلك بالمثال الذي ذكره الذهبي عن حماد بن زيد.
وعلى هذا فيتضح لنا أن الحق وسط بين الطرفين المتناقضين: الطرف الذي أثبت وشبه، والطرف الذي نفى وعطل، والحق مع الذي أثبت ونزه، وهو الذي دل عليه القرآن في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإن قوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) إثبات، وقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تنزيه، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وكذلك يقال في جميع الصفات.
стр. 58
صحة تقسيم توحيد الله تعالى إلى ثلاثة أقسام وأدلة ذلك
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات أنكره بعض المفتونين في هذا الزمن، وقال: إن هذا تقسيم محدث ليس عليه دليل.
ومن المعلوم أن هذا التقسيم دل عليه الاستقراء من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد دل الاستقراء والتتبع على أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، وليس ذلك بغريب ولا بعجيب، بل الأمر في ذلك واضح، فنصوص الكتاب والسنة دلت على أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وهو مثل تقسيم النحويين الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وليس هناك دليل يدل عليه من الكتاب والسنة، وإنما هو بالاستقراء، فقد استقرءوا كلام العرب وعرفوا أنّه كله لا يخرج عن الثلاثة الأقسام.
إذاً: فكما حصل هذا بالاستقراء فقد حصل هذا بالاستقراء أيضاً، ولا إشكال في ذلك، فالاعتراض على مثل هذا يحصل من الذين لم يوفقوا لاتباع الكتاب والسنة، ولم يوفقوا للسير على ما كان عليه سلف هذه الأمة، وإنما ابتلوا بكونهم من أهل الأهواء والبدع والانحراف، فصاروا ينكرون ما يذكره أهل السنة وما يثبته أهل السنة استنباطاً من الكتاب والسنة واستقراء منهما، والإنسان إذا تتبع نصوص الكتاب والسنة يجد أن هذه الأقسام موجودة، ويكفي مثالاً على ذلك أول سورة في المصحف وآخر سورة في المصحف، وهما الفاتحة والناس، فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] يشمل أنواع التوحيد الثلاثة؛ لأن نسبة الحمد إلى الله هي فعل العبد، فكون العبد يحمد الله ويضيف الحمد إليه ويقول: (الحمد لله) عبادة، وهذا هو توحيد الإلهية، وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيه توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فالربوبية في قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فمعنى: (رب العالمين) خالقهم ومربيهم بالنعم، وموجدهم من العدم، ومن أسماء الله الرب، وهو وإن كان هنا مضافاً إلا أنه قد جاء مفرداً في القرآن، كما في قول الله : ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، فهو من الأسماء والصفات، وكذلك لفظ الجلالة، وهو (الله) في قوله: (الحمد لله) فهو علم الأعلام، وأوضح الأسماء، وهو الذي تضاف إليه الأسماء، وتأتي الأسماء أوصافاً له، حيث يأتي في القرآن كثيراً ثم تأتي بعده الأسماء، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، فتأتي الأسماء أوصافاً له، فهو أوضح الأسماء وأبينها، وقد اشتملت عليه هذه الآية الكريمة.
وكل اسم من الأسماء يدل على صفة من الصفات، وكل اسم يشتق منه صفة، وليست كل صفة يشتق منها اسم، فالرحمن والرحيم يؤخذ منهما الرحمة، ومن العزيز العزة، ومن اللطيف اللطف، ومن القوي القوة، ومن الحكيم الحكمة، ومن الخبير الخبرة، ومن العليم العلم، وهكذا كل اسم يشتق منه صفة.
إذاً: فهذه الآية الكريمة اشتملت على توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] اسمان من أسماء الله، يدلان على صفة الرحمة، وهذا من توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وفي قراءة ﴿ملك يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيه توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فيوم الدين هو يوم القيامة، وهو يوم الجزاء والحساب، والله تعالى مالك الدنيا والآخرة، ومالك كل شيء، وإنما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لأن ذلك اليوم هو اليوم الذي يخضع فيه الجميع لرب العالمين، بخلاف الدنيا، فإنه يوجد فيها من يتجبر ويتكبر، بل وجد من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وأما الآخرة فما فيها إلا الذلة والخضوع لله .
قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فيه توحيد الإلهية.
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فيه توحيد الإلهية؛ لأن (اهْدِنَا) دعاء، والدعاء من العبادة، كما قال ذلك رسول ﵊.
وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] هم أهل التوحيد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وهم الذين فارقوا التوحيد.
فسورة الفاتحة مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة، ومثلها سورة الناس، فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] مشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقوله: ((أَعُوذُ)) فيه توحيد الإلهية؛ لأن الاستعاذة من أفعال العباد، وهي لله وحده، وقوله: ((رب الناس)) مثل (رب العالمين) فيه ذكر الربوبية، وفيه اسم وصفة، وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢] فيه ربوبية، وفيه اسم وصفة، وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٣] فيه ذكر الإلهية، وفيه اسم وصفة.
إذاً: فهذا التقسيم موجود في الكتاب والسنة، وقد عرف بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهذا هو الإيمان بالله : أن يؤمن المرء بربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته.
والإيمان بالله هو أس الأسس، وكل ما بعده تابع له، كما أن الشهادتين في أركان الإسلام هما أس هذه الأركان، وكل ما بعدهما تابع لهما، فكذلك الإيمان بالله كل ما وراءه تابع له، وكل ما يجب الإيمان به فهو تابع له، ومن لم يؤمن بالله فإنه لا يؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
إذاً: الإيمان بهذه الأمور تابع للإيمان به سبحانه، فهو الأساس، ولهذا أضيف كثير من هذه الأمور الباقية بالضمير العائد إليه، حيث قيل: وملائكته وكتبه ورسله.
стр. 59
الإيمان بالملائكة الكرام ﵈
الملائكة خلق من خلق الله، ولا يعلم عددهم إلا الله، وقد جاء في السنة بيان أنهم خلقوا من نور، كما جاء فيها بيان أن الجان خلق من مارج من نار، وأن الإنسان خلق مما وصف لنا في القرآن، كما قال ﵊: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) أي: من طين وتراب وصلصال كالفخار، كما جاء ذلك في القرآن.
فإذاً: أصل الملائكة من نور، وأصل البشر من تراب، وأصل الجن من مارج من نار، كما جاء ذلك في القرآن وكما جاء مبيناً في السنة في هذا الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ .
والله تعالى خلق الملائكة ذوي أجنحة، كما قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، وقد ثبت في السنة أن جبريل له ستمائة جناح، وقد رآه النبي ﵊ مرتين على هيئته التي خلقه الله عليها: مرة عند سدرة المنتهى لما عُرج به إلى السماء، ومرة رآه في الأرض وقد سد الأفق لضخامة حجمه، وهذا المخلوق الذي هو بهذه العظمة يتحول بقدرة الله فيصير على صورة إنسان، كما مر بنا في أول الحديث، حيث جاء النبيَّ ﷺ على صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فالملائكة يتشكلون من خلقهم إلى خلق آخر كخلق الإنسان، كما حصل لجبريل حيث كان يأتي بصورة رجل مجهول، وجاءه في صورة دحية بن خليفة الكلبي أيضاً، وجاء جبريل إلى مريم في صورة بشر، وكما جاء ضيوف إبراهيم إلى إبراهيم في صورة بشر، وكذلك ذهبوا إلى لوط وهم على صورة البشر، فالله يجعلهم يتحولون من خلقهم الذي هم عليه إلى خلق آخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وهذا الذي يحصل منهم لا يقال: إنه دليل على جواز التمثيل.
وهذا الحديث لا يدل على جواز التمثيل؛ فإن التمثيل محرم، وهو من الكذب الذي ذكره الرسول ﷺ بقوله: (ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ثم ويل له)، فلا يدل الحديث على جواز التمثيل؛ لأن هذا المخلوق هو نفسه الذي سد الأفق، فجاء على هذه الصورة والله تعالى هو الذي جعله عليها.
فلا يقال: إنه يجوز للإنسان أنه يمثل شخص غيره، وأن يتكلم على أساس أنه فلان من الناس، أو يقال: هذا يمثل كذا، وهذا يمثل كذا.
حتى وصل الأمر إلى أنهم يمثلون الشيطان، والعياذ بالله.
فالخلاصة أن هذا الحديث لا يدل على التمثيل؛ لأن هذا شيء حصل بقدرة الله ، وهو الذي قلبه من حال إلى حال، وأما هذا الذي يحصل من هؤلاء الممثلين فهو تكلف وكذب وإتيان بشيء ليس له أساس في الدين.
والإيمان بالملائكة يكون بالإيمان بمن سمي منهم باسمه كجبريل وميكائل وإسرافيل، وكخازن الجنة، وخازن النار، وهو مالك، كما جاء في القرآن، واشتهر أن خازن الجنة اسمه رضوان، وأن ملك الموت اسمه عزرائيل، ولا نعرف شيئاً ثابتاً في ذلك، والذي ثبت في الكتاب والسنة هو اسم جبريل وميكائل وإسرافيل ومالك خازن النار.
فنحن نؤمن بمن سمي باسمه، ومن لم يسمَّ نؤمن به وإن لم نعرف اسمه، ونصدق بكل ما أخبر الله تعالى به -وكذلك رسوله ﷺ من بيان أعمالهم، والأمور التي كلفوا بها، وما يتعلق بعباداتهم، وما إلى ذلك من أحوالهم، فكل ما ثبت به الكتاب والسنة يجب التصديق به، وهذا من الإيمان بالغيب؛ لأننا لم نعرف ذلك إلا عن طريق الكتاب والسنة، فلم نشاهدهم ولم نعاينهم حتى نعرفهم، وإنما عرفناهم عن طريق الوحي، بل إنّ الإيمان بالله هو من الإيمان بالغيب؛ لأننا لا نعرف عن الله إلا ما بينه في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فالإيمان بالله من الإيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب، والإيمان بالكتب من الإيمان بالغيب، والإيمان بالرسل من الإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب، والإيمان بالقدركذلك، فكل أركان الإيمان الستة الإيمان بها من الإيمان بالغيب، أي أننا ما عرفنا ذلك إلا عن طريق الوحي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقد جاء في الكتاب والسنة بيان كثير من أعمالهم، فمنهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالقطر، ومنهم الموكل بالموت، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكل بالأرحام، ومنهم الموكل بالجنة، ومنهم الموكل بالنار، ومنهم الموكل بالحفظ، ومنهم الموكل بالكتابة، فهذه أعمال كثيرة ذكرها الله وبينها في كتابه، وبينها رسوله ﷺ في سنته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من أخبارهم يجب التصديق به.
وهم كثرة لا يعلمهم إلى الله ، ومما يدل على كثرتهم ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما منكم من أحد إلا وله قرين من الجن وقرين من الملائكة)، فهذا يدل على كثرتهم؛ لأن كل إنسان له قرين من الملائكة، ومما يدل على كثرتهم -أيضاً- أن البيت المعمور -وهو في السماء السابعة، وهو فوق الكعبة، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ومن دخله لا يعود إليه مرة أخرى، فالدخول مرة واحدة لكل ملك، فهذا يدل على كثرتهم.
ومما يدل على كثرتهم -أيضاً- ما جاء في الحديث من أن النار لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فهؤلاء الذين يجرون النار فقط، فالملائكة جند لا يعلمهم إلّا الله ، والواجب الإيمان بكل ما جاء من الأخبار عنهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقدموا في الذكر على ما بعدهم من الكتب والرسل لأن الملك هو الذي يسمع ويأخذ عن الله، فينزل الرسول الملكي -وهو جبريل- على الرسول البشري، وهو محمد ﷺ والرسل من قبله، وقد وصف الله تعالى جبريل بأنه رسول كريم في سورة التكوير، ووصف نبينا محمداً ﷺ بأنه رسول كريم في سورة الحاقة، فكل منهما رسول كريم، فهذا رسول ملكي، وهذا رسول بشري، والرسول الملكي هو الذي يأخذ كلام الله وينزل به على الرسول البشري.
فقدٍّم ذكر الملائكة لأن جبريل يأخذ عن الله ، فينزل به على الرسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم.
стр. 60
الإيمان بالكتب السماوية
الكتب هي التي تلقاها جبريل عن الله تعالى ونزل بها على رسل الله، ويراد بها كل كتاب أنزله الله على رسول من رسله، وهذه الكتب منها ما سمي لنا ومنها ما لم يسمَّ، والذي سمي لنا القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، على خلاف في صحف موسى هل هي التوراة أو غير التوراة، فهذا كل ما سمي لنا في القرآن، وأما غير ذلك فلم يسَّم لنا، ونحن نؤمن بالمسمى وغير المسمى.
وقد أخبر الله أنه أنزل الكتاب على رسله، فقال كما في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد:٢٥]، ومعلوم أن الله لم ينزل كتاباً واحداًَ فقط على رسله، بل أنزل كتباً، فـ (أل) هنا للجنس وليست للإفراد، أي أن المقصود الكتب، وليس المقصود بذلك كتاباً واحداً مفرداً، وإنما يراد بذلك عموم الكتب وجنسها.
وقد جاء في القرآن في مواضع عديدة ذكر الكتاب يراد بها المفرد، وجاء يراد به الجنس، ومن الآيات ما جمعت بين هذا وهذا، ومما جمع بين الاثنين قول الله في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]، فذكر الكتابين: الكتاب الذي أنزل على رسوله وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل، أي: الكتب التي أنزلت من قبل، وفي سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة:٤٨] وهو القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة:٤٨] أي: الكتب السابقة.
فقد جمع الله في هاتين الآيتين بين لفظ الكتاب مراداً به الكتاب المفرد -وهو القرآن- ومراداً به الكتب السابقة.
ومثل ذلك قوله تعالى في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة:١٧٧]، فقوله: ((وَالْكِتَابِ)) أي: الكتب.
والألف واللام فيه لاستغراق الجنس.
والمراد بالكتب الكتب المنزلة على الرسل التي منها ما سمي ومنها ما لم يسمَّ، والمراد بالإيمان بها أن نؤمن بأنها حق، وأنها كلام الله، وأنها منزلة غير مخلوقة، وأنها مشتملة على كل ما فيه سعادة من أُنزلت عليهم، وأن من أخذ بها سعد وظفر، ومن أعرض عنها خاب وخسر، وكذلك نؤمن بالكتب السابقة على سبيل الإجمال، أي: من ناحية المحتويات، فنحن لا نعرف عنها شيئاً إلا ما جاء في كتاب ربنا أو سنة نبينا من أخبار عنها، فإننا نؤمن بما جاء مضافاً إلى تلك الكتب المنزلة، وبما أخبرنا عنه القرآن والسنة فيها، سواء أكان ذلك موجوداً في الكتب التي في أيدي اليهود والنصارى الآن، أم ليس بموجود، وقد جاء في القرآن بيان بعض الأحكام الموجودة في التوراة، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة:٤٥] أي: في التوراة، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فهذا موجود في الكتب السابقة وبنص إخبار القرآن الكريم بذلك، وكذلك الرجم في الزنا، فإنه موجود في الكتب السابقة، كما جاء في ذلك الحديث بأنه موجود في التوراة التي كانت موجودة في زمن النبي ﷺ ، وقد حصل التحريف والتبديل قبل زمنه ﷺ ، إلّا أن هذا الحكم بقي موجوداً فيها في ذلك الوقت، كما جاءت بذلك السنة.
إذاً: فما كان فيها مما جاء في القرآن مضافاً إليها فنحن نؤمن بأنه فيها، ونصدق به، وأما ما هو موجود في كتبهم ولم يضف إليها في القرآن والسنة فإن كان لا يليق بالله ولا يليق بالملائكة فهو كذب، وهو مما بّدل وحّرف، وإن كان كلاماً جميلاً حسناً وعبراً وعظات فنحن لا نصدق به ولا نكذب به؛ ولأن الرسول ﷺ أرشدنا إلى هذه الطريقة وإلى هذا المنهج بقوله -كما ثبت في صحيح البخاري -: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم)، فهذا القسم لا نصدق به ولا نكذّب به؛ لأننا لو صدقنا به فقد يكون بعضه محرفاً فنصدق بالمحرف، ولو كذبنا به فقد يكون حقاً أو بعضه فنكذب بالحق، ولكن إذا قلنا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ولا نصدق ولا نكذب به فإننا نكون قد أخذنا بطريق السلامة وطريق النجاة.
ومما هو موجود في القرآن ولكنه لا يوجد في الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى الآن ما ذكره الله في سورة الفتح من أوصاف الصحابة ﵃ وأرضاهم، فإن هذا لا يوجد في الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى، ومع ذلك فكل ما جاء في القرآن يجب الإيمان بأنه موجود فيها، وما لم يكن في القرآن ولا في السنة فإن الأمر فيه يكون بالمنهج الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وذلك بأن لا يكذبوا ولا يصدقوا، وإنما يقال: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾.
وأما بالنسبة للقرآن فيجب الإيمان به جملة وتفصيلاً؛ لأنه موجود بين أيدينا من أوله إلى آخره، ومن فاتحته إلى خاتمته، وقد حفظه الله من التحريف والتبديل، والقرآن الذي بأيدينا جمعه ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، ولهذا فإن من مناقبه ﵁ أن الله وفقه لجمع القرآن، فحفظ الله به على هذه الأمة كتابها، حيث جمعه وصار بأيدي الناس يتناقلونه ويتوارثونه، وهو باق ومحفوظ بحفظ الله ، فنحن نؤمن بكل ما جاء فيه، فنصدق أخباره، ونمتثل أوامره، وننتهي عن نواهيه، ونعتقد بأنه معجز، وأنه تحدى أهل الفصاحة والبلاغة بأن يأتوا بمثله، ثم نزل في التحدي إلى عشر سور من مثله، ثم إلى سورة، وأقصر سور القرآن سورة العصر، وسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وسورة الكوثر، ولا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذا المقدار كلاماً يماثله، بل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما استطاعوا، كما جاء ذلك في كتاب الله ، مع أن الذي أتى به رجل أمي لم يكن يقرأ ولا يكتب، فهذا دليل على أنه من عند الله.
فنؤمن بالقرآن إجمالاً وتفصيلاً، وأما تفاصيل الكتب السابقة فما جاء ذكره في القرآن مضافاً إليها يؤمن به ويصدق بأنه موجود فيها، وما لم يكن كذلك فإنه يسلك معه الطريقة التي أرشد إليها رسول الله ﷺ .
стр. 61
الإيمان بالرسل ﵈
الرسل هم الذين اختارهم الله للرسالة من البشر، وفضلهم على غيرهم، وأنزل عليهم الوحي بواسطة جبريل، فيجب الإيمان بهم، والتصديق بما جاء من أخبارهم، ومن سمي منهم نؤمن به باسمه، ومن لم يسمَّ نؤمن به وإن لم نعرف اسمه، والله بين لنا أن منهم من قص علينا ومنهم من لم يقصص علينا، فنحن نؤمن بمن قص باسمه، ومن لم يقص فنؤمن به وإن لم نعرف اسمه.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه بعث في كل أمة رسولاً فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فكل رسول أرسله الله للدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتحذير من عبادة غيره ، سواء عُبد غيره استقلالاًً، أو عُبد الله وعُبد غيره معه، فإنّ العبادة لا تنفع إلا إذا كانت خالصة لله لا شريك له فيها.
فإذاً: نحن نؤمن بمن سمي وبمن لم يسمَّ، وبمن قص علينا ومن لم يقص، وقد سمى القرآن خمسة وعشرين منهم، فنحن نؤمن بهم وبأسمائهم، وغيرهم نؤمن به وإن لم نعرف اسمه.
ونعتقد -أيضاً- أنهم بلغوا البلاغ المبين، وأن كل واحد منهم أدى ما عليه على التمام والكمال، كما قال الله : ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥]؛ لأن هذه مهمتهم، وقد أدوها على التمام والكمال، كما جاء عن الزهري -رحمة الله عليه- أنه قال: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
فالذي من الله هو الإرسال، وقد حصل، والذي على الرسل هو البلاغ، وقد حصل، والذي على أتباعهم هو الاستسلام والانقياد لما جاءوا به، وهنا ينقسم الناس إلى موفق ومخذول، وإلى شقي وسعيد، فالموفق والسعيد هو الذي يستسلم وينقاد لما جاءوا به، والمخذول الشقي الطريد هو الذي يعرض عما جاءوا به ولا يقبله ولا يعمل به.
وقد جاء وصف نبينا ﷺ بالنبوة والرسالة، وخاطبه الله تعالى بهذين الوصفين فقال: (يا أيها الرسول) وقال: (يا أيها النبي) وذلك في آيات كثيرة.
стр. 62
الفرق بين النبي والرسول
وقد جاء في القرآن ذكر الرسل والأنبياء، فمن العلماء من قال: إنه لا فرق بين النبي والرسول.
ولكن الأدلة دلت على الفرق بين النبي والرسول، وأن الرسل هم الذين أنزل عليهم الكتب، وأرسلوا برسالة مستقلة ابتداء، كما حصل لموسى الذي أنزلت عليه التوراة، وإبراهيم الذي أنزلت عليه الصحف، وكذلك نبينا محمد ﷺ الذي أنزل عليه القرآن، ومنهم من أمر بأن يبلغ رسالة سابقة، ولم ينزل عليه كتاب، كأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى الذين كانوا يحكمون بالتوراة، كما قال الله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة:٤٤]، فالأنبياء من بعد موسى كانوا يحكمون بالتوراة، ولم ينزل عليهم كتاب، وإنما أمروا بأن يبلغوا هذا الكتاب، وأن يحكموا به، وأن يدعوا إليه، وعلى هذا فالرسول هو الذي أوحي إليه بشرع ابتداء، وأنزل عليه الكتاب، كموسى الذي أنزلت عليه التوراة، والنبي هو الذي أمر بأن يبلغ رسالة سابقة ولم ينزل عليه كتاب، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يحكمون بالتوراة من بعد موسى، كما جاء ذلك في سورة المائدة، لكن قد جاء وصف نبينا بأنه نبي وأنه رسول، وجاء وصف إسماعيل بأنه نبي ورسول، وجاء وصف موسى بأنه نبي ورسول.
أما نبينا محمد ﷺ فقد خوطب بـ (يا أيها الرسول) و (يا أيها النبي)، فهو ﷺ نبي ورسول، وموسى قال الله عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١]، وقال الله تعالى عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، فوصفهم جميعاً بالنبوة والرسالة.
فنبينا محمد ﷺ أوحي إليه أولاً ولم يؤمر بالتبليغ، وذلك عندما أنزل عليه (اقرأ) قبل أن تنزل عليه سورة المدثر، فهو نبي وليس رسولاً في ذلك الوقت، وبعدما أنزلت عليه سورة المدثر صار نبياً رسولاً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب (الأصول الثلاثة): نبئ بـ (اقرأ) وأرسل بالمدثر يعني: صار نبياً بنزول (اقرأ) عليه، وصار رسولاً بنزول سورة المدثر عليه.
وعليه فيمكن أن يقال: إنّ النبي هو الذي أوحي إليه بشرع في وقت ما ولم يؤمر بتبليغه، وهذا مثل الحالة التي كانت قبل نزول المدثر في حق نبينا محمد ﷺ ، أو هو الذي أمر بأن يبلغ رسالة سابقة، كما حصل في حق أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى، فإنهم كانوا يحكمون بالتوراة، وأما التفريق المشهور الذي يقول: إنّ الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فإنه لا يستقيم فيما يتعلق بالنبي؛ لأنه جاء في القرآن أن النبي مرسل، كما قال الله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦]، فوصف النبي بأنه مرسل، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢] فعطف الرسول على النبي معناه أنهما شيئان وليسا شيئاً واحداً.
والله تعالى أعلم.
стр. 63
الأسئلة
стр. 64
المعطلة ولازم قولها
السؤال
هل تلتقي المعطلة مع الشيوعية التي تنكر وجود الله؟
الجواب
المعطلة لا ينكرون وجود الله، بل يقولون: إن الله موجود.
ولكن مقتضى طريقتهم في النفي أنه لا وجود له تعالى، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المعطل يعبد عدماً، وإنّ المشبه يعبد صنماً.
стр. 65
حكم التعمق في البحث عن أسماء الله وصفاته
السؤال
هل التعمق في الصفات يفتح على الإنسان باب الوسوسة، حيث يقال: إن الأولى أن يبقى المرء على دين العجائز في الصفات فقط؟
الجواب
كون الإنسان يبحث في الكتاب والسنة عن أسماء الله وصفاته هو حق، فهذا هو الطريق الصحيح لمعرفة ما يوصف الله به وما لا يوصف به، فإن ذلك لا يعرف إلا عن طريق الكتاب والسنة، فالعلماء وطلبة العلم هم الذين يبحثون عما يضاف إلى الله من الأسماء والصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن هذا -كما هو معلوم- من فروض الكفايات، ولا يلزم ذلك كل إنسان، فقد يؤمن الإنسان بأسماء الله وصفاته إجمالاً، وهذا هو الذي يحصل لعموم الناس، وأما المشتغلون بالعلم فهم الذين يرجع إليهم، وهم الذين يمكنهم أن يعرفوا ما أضيف إلى الله وما ثبت لله من الأسماء والصفات، وذلك بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 66
سلام الحجر على رسول الله ﷺ
السؤال
هل نقول: إنّ الحجر عندما سلم على النبي ﷺ قد وجد فيه نوع حياة، وكذلك جبل أحد الذي قال فيه النبي ﷺ : (جبل أحد نحبه ويحبنا)؟
الجواب
كل ما في السموات والأرض من المخلوقات يسبح بحمد الله تعالى، وأما ذكر الحجر فالمقصود من الاستدلال به أن هؤلاء الذين يقولون: إنه لا يتصور كلام إلا بلسان ولهاة ونحو ذلك كلامهم باطل، بدلالة سلام الحجر على الرسول ﷺ ، وأما كون المخلوقات تسبح فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
стр. 67
معنى الصفات الفعلية وتطبيق ذلك على صفة الاستواء
السؤال
معلوم أنّ الاستواء صفة فعلية خبرية، ومعلوم -أيضاً- أن الصفات الفعلية متعلقة بالمشيئة، فمتى شاء الله تعالى فعلها ومتى شاء لم يفعلها، فعلى هذا هل يقال: إن ربنا لا يكون مستوياً على العرش في بعض الأوقات؟
الجواب
لا يقال: إن كل صفة فعلية لا بد من أن تتكرر وأن تتعدد، بمعنى أنه يشاء وجودها فيحصل، ثم يشاء عدمها فلا يحصل، فقد شاء أن يستوي على العرش فهو مستوٍ على العرش، وما عندنا شيء يدل على خلاف ذلك، فليست كل صفة فعلية تثبت لله يقال عنها: إنه يحصل لها كذا ويحصل لها كذا.
فالاستواء صفة فعلية لله تعالى، فقد استوى على العرش، وما عندنا شيء ينفي هذا أو يدل على أنه حصل هذا في وقت دون وقت، نعم هو حصل بعد عدمه، لكنَّه بعد ذلك حاصل، فليس هناك إلا ذكر استوائه على العرش.
стр. 68
تشكّل الملائكة على غير صورة البشر
السؤال
هل تتشكل الملائكة على غير صورة البشر؟
الجواب
لا نعلم دليلاً يدل على ذلك، والذي ثبت أنهم يتشكلون على صورة البشر، وأما الجن فيتشكلون على صورة البشر وعلى صورة غير البشر، كما جاء ذلك الشيطان إلى أبي هريرة على صورة بشر، وكما جاء في حديث النهي عن قتل الحيات في البيوت لأنها قد تكون من الجن.
стр. 69
الأنبياء المذكورون في القرآن بين النبوة والرسالة
السؤال
هل الخمسة والعشرون الذين ذكروا في القرآن رسل أم أنبياء؟
الجواب
فيهم من هو رسول، وفيهم من هو نبي، وفيهم من عرف بأنه أنزل عليه كتاب، وفيهم من لم يعرف.
والله أعلم.
стр. 70
إشكال وجواب
السؤال
كيف يكون آدم ﵇ نبياً ولم تكن قبله كتب؟
الجواب
معلوم أنه أوحي إليه بما يتعبد الله تعالى به، وكذلك بنوه، فهو رسول إلى بنيه، فهم لم يعرفوا ما يتعبدون الله به إلا عن طريقه.
стр. 71
ثبوت أسماء بعض الملائكة
السؤال
هل ثبتت لبعض الملائكة اسم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنكر ونكير، رقيب وعتيد، ورضوان؟
الجواب
أما منكر ونكير فقد جاءت بهما السنة عن رسول الله ﷺ ، وذلك في حديث سؤال القبر، وأما اسم عزرائيل فما نعلم أنه ثبت فيه شيء، وأما رقيب وعتيد فمعناه أنهما موكلان بالكتابة وأنهما موجودان، وليسا اسمي ملكين، وإنما ذلك من رقابة الملك على ما يصدر من العبد فيكتبه من خير أو شر.
وأما إسرافيل فقد جاء في صحيح السنة: (اللهم! رب جبريل وميكائيل وإسرافيل) وأما رضوان فهو مشهور، ولا أعلم فيه دليلاً خاصاً يدل عليه.
стр. 72
هاروت وماروت من الملائكة
السؤال
هل هاروت وماروت من الملائكة؟
الجواب
نعم هما من الملائكة.
стр. 73
الجمع بين حديث أجر المسلم على النفقة على أهله يحتسبها وحديث أجره على مطلق الإنفاق
السؤال
كيف نجمع بين قوله ﷺ : (إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)، وحديث: (مهما أنفقت فهو لك صدقة)، حيث إن الأول ورد فيه الاحتساب، والآخر لم يرد فيه الاحتساب؟
الجواب
يحمل المطلق على المقيد، فلا يكون له صدقة ولا يؤجر على ذلك إلا إذا احتسب ذلك، وأما إذا فعل ذلك بدون احتساب، أو ألزمه القاضي بأن ينفق، فلم ينفق إلا بحكم القاضي وإلزامه، فمثل هذا لا يحصّل أجراً؛ لعدم وجود الاحتساب، فهذا مطلق وهذا مقيد، فيكون هذا محمولاً على هذا.
стр. 74
عصمة الرسل من الصغائر والكبائر
السؤال
هل الرسل معصومون من الصغائر والكبائر؟
الجواب
أما الكبائر فلا شك في أنهم معصومون منها، وأما الصغائر ففيها خلاف بين أهل العلم.
стр. 75
تفسير ما حصل من الأنبياء من المعاصي
السؤال
بماذا يفسر ما حصل من الأنبياء في حياتهم ﵈، مثل قتل موسى لذلك الرجل، وعصيان آدم ربّه في الجنة؟
الجواب
معلوم أنّ هذا القتل كان خطأً من موسى ﵈، فلم يرد قتله، وإنما أراد دفعه عن الإسرائيلي فمات من تلك الدفعة، وأما آدم ﵇ فإن الشيطان هو الذي غرّر به وجعله يقدم ويرغب في هذا البقاء، فأكل من هذه الشجرة يريد البقاء، وقد قال الله تعالى عنه بعد ذلك: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢].
следующие страницы →