← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شرح حديث: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم) وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات). الحديث فيه الرجاء العظيم، فهو يضرب لك هذا المثال: نهر أمام بيتك تغتسل كل يوم في هذا النهر ثم تخرج نظيفاً وتدخل البيت، ثم تغتسل مرة ثانية وتخرج نظيفاً إلى البيت، وهكذا خمس مرات كل يوم؛ قال ﷺ : (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم). قوله: (نهر جار) إذا كان الماء واقفاً قد يتعفن؛ لأنه واقف، أما الجاري فيتبدل، والماء مع تغيره وجريانه يكون ماءً نقياً. والغمر: الكثير، فالماء ليس قليلاً، (غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات) هل يبقي ذلك من درنه شيئاً؟ الجواب أنه لا يبقي ذلك من الدرن شيئاً. وفي رواية: (فكذلك الصلوات الخمس)، فالمؤمن يواظب على الصلوات حيث ينادى بهن، يرجو رحمة الله سبحانه، فالصلاة فيها تكفير للسيئات، وفيها رفع للدرجات، وفيها من الله ما فيها من ثواب عظيم يوم القيامة، تتوضأ لأجل أن تصلي فإذا بالخطايا تتساقط من أعضاء الوضوء، ومع غسل كل عضو تتساقط الخطايا. إذا جئت إلى الصلاة جمعت السيئات التي عملتها ووضعت فوق منكبيك، فإذا قمت تساقطت، وإذا ركعت تساقطت، وإذا سجدت تساقطت، وإذا أنهيت الصلاة فقرأت آية الكرسي لم يمنعك من دخول الجنة إلا أن تموت، فإذا سبحت الله ثلاثاً وثلاثين، وحمدت الله ثلاثاً وثلاثين، وكبرت الله ثلاثاً وثلاثين، وختمت بـ لا إله إلا الله غفرت ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر، ففي الصلوات الخمس تفعل ذلك. وقبل أن تنام تسبح الله وتحمده وتكبره كما في الصلاة، إلا أن التكبير يكون أربعاً وثلاثين فيكون العدد مائة، فهل تعمل من السيئات مثل هذا العدد؟ فالله يجعل السيئة واحدة، ويجعل الحسنات مضاعفة حتى ترجو رحمته سبحانه، وتستعين به على عبادته سبحانه، وتواظب على هذه العبادة. أما من اغتر بذلك وقال: أنا صليت في النهار هذا، وسبحت في النهار هذا، فلأعمل ما أريد من الذنوب، فهذا مغرور بعمله محتقر عذاب رب العالمين سبحانه، فالإنسان بمواظبته على الذنوب كأنه يحتقر العقوبة من الله فكان حقيقاً بأن يعذب ويعاقب يوم القيامة. أما الإنسان الذي يتواضع في مشيه، والذي يعلم أن الله قادر عليه، وأنه يغفر بفضله ورحمته، وأنه لا يستحق شيئاً إلا أن يتقبل منه الله سبحانه، فهذا يستحق من الله المغفرة والتوبة عليه.

стр. 282

شرح حديث: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً) عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه). حديث عظيم عنه صلوات الله وسلامه عليه، فيه عبرة للإنسان ليعرف من يصاحب، فأهل الدنيا يأتون بالميت ويضعونه في المسجد ثم يقفون في الخارج ولا يصلون مع الناس، والذي يصاحب أهل العبادة والطاعة عندما يموت يجري الكل يتوضأ لأجل أن يصلي عليه، ويقفون على قبره يدعون له، ويسألون الله له التثبيت، وإذا رجعوا إلى بيوتهم انشغلوا به هل عليه دين أو حاجة فنسدد عنه؟ والأخ ينفع أخاه، ومن النفع العظيم أن المؤمن إذا مات فصلى عليه أربعون لا يشركون بالله شيئاً يقولون: يا رب اغفر له، فيدعون ربهم سبحانه ﵎، فيشفعهم الله فيه ويغفر له.

стр. 283

شرح حديث: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟) كذلك من الأحاديث حديث ابن مسعود ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحواً من أربعين، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود) متفق عليه. ليس معنى الحديث أن هؤلاء الأربعين هم الذين سيدخلون الجنة وغيرهم لا يدخلها، لكنه يقصد أمة الإسلام الذين يدخلون وهم في أهل الشرك كنسبة الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود. والمقصود: أن عدد المؤمنين بجوار عدد أهل الشرك قليل، فإذا كانوا يوم القيامة تفضل الله على المؤمنين فأدخلهم بفضله ورحمته الجنة، وجعلهم نصف عدد أهل الجنة كما جاء في هذا الحديث.

стр. 284

شرح حديث: (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً) وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار). وفي حديث آخر: (يجيء يوم القيامة أناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم)؛ لأنهم تابوا إلى الله سبحانه؛ ولأنهم عملوا من الحسنات ما يكون فيه تكفيراً لذلك، والله يغفر للعبد ويتغمده بفضله ورحمته. وهنا في قوله ﷺ : (دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً) يوضح المعنى حديث آخر عن أبي هريرة وفيه: (لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لأنه مستحق لذلك بكفره). هنا في هذا الحديث وحديث أبي هريرة بيان أن كل إنسان له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، والله جعل حقاً عليه أن يملأ الجنة والنار. العبد المؤمن وهو في قبره عندما ينجح في الامتحان ويقول: ربي الله يقال له: انظر، فينظر إلى مكان في النار، فيقال له: هذا منزلك لو مت على غير ذلك! أي: لو كنت من أهل النار، ولكن انظر فهذا منزلك، فينظر إلى منزله في الجنة ويقول: يا رب! أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي. يريد أن تقوم الساعة حتى يدخل هذا المنزل الذي في الجنة. والإنسان الكافر أيضاً لو كان مؤمناً كان له منزل في الجنة، فيقال له: انظر فهذا منزلك لو عرفت الله، ثم يرى منزله من النار ويؤمر بالدخول في هذا المنزل في النار والعياذ بالله! فالمقصد: أن المؤمن وعده الله بالجنة، والمنزل الذي في النار يدخله يهودي أو نصراني، فالله وعد أن يملأ الجنة والنار، فيملأ النار في كل بيوتها من أصناف المشركين واليهود والنصارى وغيرهم، ويملأ الجنة من الموحدين المؤمنين المسلمين الذين عبدوا الله سبحانه ﵎. النار ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩]. هنا دخلوا النار بأعمالهم وببعدهم عن الله ، والنار تشتعل وتستعر وتضطرم على أصحابها وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] ولا تمتلئ النار حتى يسكتها الله سبحانه ﵎، قال النبي ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط) اكتفيت لا أريد شيئاً، فيسكتها الله بذلك. أما الجنة فيجعل فيها عباده الصالحين، ولا تمتلئ الجنة حتى يخلق الله لها خلقاً لم يذنبوا قط، فيكونون من سكان الجنة، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ما خلق خلقاً جديداً للنار، وإنما أسكت النار، قال ﷺ : (يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط). لا يعذب بناره إلا من استحق العذاب، فلم يخلق لها يوم القيامة أهلاً يسكنونها ويملئونها. أما الجنة فهي فضل الله ورحمته، فيخلق لها أهلاً آخرين حتى يملأ هذه الجنة بهم، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 285

شرح حديث: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه) عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه). الإنسان المؤمن قد يقع في الذنوب في الدنيا، وليس بمعصومٍ إلا من عصم الله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون). فالمؤمن يدنيه الله يوم القيامة منه، ويضع عليه كنفه أي: ستره، فيستره الله سبحانه ﵎، فلا يسمعون ما الذي يقال لهذا الإنسان، فيسأله ربه: عملت كذا يوم كذا؟ ويقول هنا في الحديث: (فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف) فربنا يسأله عن ذنوبه، (قال الله : فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته). ستره الله ولم يفضحه في الدنيا، ويوم القيامة سأله بينه وبينه ولم يفضحه سبحانه ﵎ أمام الخلق، ويقول: (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) متفق عليه. وعن ابن مسعود ﵁: (أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره). وفي رواية أخرى عن أنس: (أن الرجل قال للنبي ﷺ : أصبت حداً) ظن أنه وقع في حد من الحدود الحقيقية، والله أعلم بالأمر، لكنه ذهب تائباً إلى النبي ﷺ ، والراجح: أن الذنب الذي فعله لم يكن من الكبائر ولم يكن فيه إقامة حد عليه. الغرض: أنه لما ذهب إلى النبي ﷺ قال له: (هل حضرت معنا الصلاة؟ قال: نعم)، يعني: أن الرجل جاء تائباً، وجاء يطلب من النبي ﷺ أن يقيم عليه الحد بزعمه وظنه، فالنبي ﷺ يفضحه: ما الحد الذي وقعت فيه؟ ولكن قال له: (هل حضرت معنا الصلاة؟ فقال: نعم، قال: قد غفر لك). وفي الرواية الأولى لـ ابن مسعود قال: (فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]). فتفضل الله ﵎ على العبد المذنب الذي تاب إليه، وذهب للنبي ﷺ يعترف بذنبه، بأن غفر له بصلاته لله، وقال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. (فرح الرجل بذلك فقال للنبي ﷺ : ألي هذا يا رسول الله؟! فقال: لجميع أمتي كلهم) متفق عليه. وقد جاء أن العبد إذا أذنب ذنباً فتوضأ وصلى لله أن الله يكفر عنه هذا الذنب بصلاته هذه.

стр. 286

شرح حديث: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها) وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها). هنا الأكلة والشربة بمعنى: اسم المرة، وأيضاً إذا قال: (يأكل الأكلة) بمعنى: ملأ يده فوضعها في فمه، فهذه أكلة. كذلك الشربة يشربها الإنسان إذا كانت ملء فمه فقط فهذه هي الشربة، فالعبد يأكل أكلة واحدة، ويشرب شربة واحدة ويحمد الله فيرضى بذلك. يا ترى هذه الأكلة والشربة لو فقدها الإنسان كم يدفع فيها؟ لو أنه في مكان صحراوي حار لا ماء فيه وهو يريد شربة ماء كم سيدفع في هذه الشربة لمن يعطيه إياها؟ سئل ملك من ملوك بني أمية عن ذلك: لو منعت شربة الماء كم تدفع فيها؟ قال: نصف ملكي. قيل: لو شربت هذه الشربة فلم تخرج منك فحبس عنك البول فكم ستدفع لإخراجها؟ قال: ملكي كله! يدفع في شربة ماء محروم منها نصف ملكه، وفي إخراج هذه الشربة من جسده يدفع ملكه كله، فكم ثمن هذه الشربة؟ إذا: ثمنها عظيم، فهل دفعت هذا الثمن لله ؟ لم ندفع شيئاً، وقد رضي من العبد أن يقول: الحمد لله، رضي منه أن يشكره سبحانه ﵎، (إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) يرضى عن عبده، وأيضاً يجعل الله هذا الذي قاله أحب إليه من النعمة التي أنعمها على العبد، فالله ينعم على العبد بنعمة فإذا شكر العبد ربه على هذه النعمة، كان الشكر من العبد أحب إلى الله من النعمة التي أعطاها لهذا العبد. انظروا إلى كرم الله سبحانه كيف يتفضل على العبد فيعطي النعم، ويلهمه أن يشكره، ثم يرضى منه على ما هو فضله هو، فسبحان الله العظيم وله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. إذا عرف العبد ربه استراح، وعبد ربه سبحانه حتى يلقاه فيريحه بجنته: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٩]. نسأل الله أن يجعلنا من عباده المقربين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 287

شرح رياض الصالحين - الرجاء في رحمة الله [٣] نبي الأمة ﷺ يرشد العبد ألا يقنط أبداً من رحمة رب العالمين، فرحمة الله واسعة، وإذا كان خوف العبد من الله يمنعه من المعاصي، فالرجاء فيما عنده يدفع العبد إلى التوبة، وإلى حسن الظن بالله ، فالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، والله تعالى عند ظن عبده به.

стр. 288

شرح حديث: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب في الرجاء. وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم. وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، قال: قلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄، قال: قلت: إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) وذكر الحديث. فالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين مما يسمع من آيات في كتاب الله سبحانه، ومما يسمع من أحاديث للنبي ﷺ ، فلا ييئس من رحمة رب العالمين أبداً، وهو الذي ذكر عن نفسه سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وأخبر عن نفسه سبحانه أن رحمته سبقت غضبه، فالمؤمن يرجو رحمة الله، وإذا وقع في ذنب من الذنوب سارع وبادر إلى التوبة سبحانه، فإنه يعلم أن ربه غفور رحيم سبحانه، ويعلم أن ربه شديد العقاب، فإذا كانت عليه حقوق لأهلها أرجع الحقوق وأعادها إلى أهلها، واستحلهم من هذه الحقوق ومما وقع في حقهم من مآثم، ويتوب إلى الله ، فالله يتوب على من تاب. فهنا في هذه الأحاديث حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ في صحيح مسلم، وفيه أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار). والمعنى: أن الله يقبل توبة عباده ليل نهار، فالله هو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء مهما تعاظم ذنب الإنسان، فرحمة الله أعظم، فمهما كثرت خطايا الإنسان فإن رحمة الله أكثر وأكبر وأعظم، فجعل باباً للتوبة مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فالله يتوب على عباده الذين يتوبون إليه. وهنا عبر بهذه الكلمة الطيبة الجميلة: أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأنه يدعو عبده، وعادة البشر فيما بينهم إذا بسط يده إلى إنسان كأنه يقول: تعال إلي تعال إلي وربنا ينادي عباده وخاصة في الليل في وقت السحر: (هل من تائب فأتوب عليه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه؟!). فالله كريم رحيم ودود يقبل من عباده توبتهم ويثيبهم الأجر، بل وقد يحول سيئاتهم إلى حسنات فضلاً منه وكرماً سبحانه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فمن أساء بالنهار لا ينتظر النهار الآخر حتى يتوب إلى الله، ولكن ليتب حالاً إلى الله ، فمن وقع في الذنب بالليل فليتب حالاً إذا طلع عليه الصبح، أو إذا انتهى وراجع نفسه فليتب إلى الله سريعاً، فالمعنى هنا: أن العبد مهما أذنب وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه سبحانه. فهذه التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها كان من العلامات الكبرى لقيام الساعة التي إذا تحققت هذه العلامات كلها فإنه يختم على الناس الأحياء: هذا مؤمن وهذا كافر، ولا تقبل توبة بعد ذلك. فإذا خرجت الدابة من الأرض ختمت على وجوه الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبحون يتبايعون فيما بينهم، فيشتري الإنسان من الآخر ويقول له: يا كافر أعطني كذا، والكافر يقول: يا مؤمن! أعطني كذا، يكتب عليهم ذلك. ولا تقبل توبة حين تظهر العلامات الكبرى للساعة، ومن ذلك خروج الدابة من الأرض، ونزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وهي عشر علامات ستأتي في آخر الكتاب في المنثورات والملح إن شاء الله.

стр. 289

شرح حديث عمرو بن عبسة في إسلامه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب في الرجاء. وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم. وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، قال: قلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄، قال: قلت: إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) وذكر الحديث. فالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين مما يسمع من آيات في كتاب الله سبحانه، ومما يسمع من أحاديث للنبي ﷺ ، فلا ييئس من رحمة رب العالمين أبداً، وهو الذي ذكر عن نفسه سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وأخبر عن نفسه سبحانه أن رحمته سبقت غضبه، فالمؤمن يرجو رحمة الله، وإذا وقع في ذنب من الذنوب سارع وبادر إلى التوبة سبحانه، فإنه يعلم أن ربه غفور رحيم سبحانه، ويعلم أن ربه شديد العقاب، فإذا كانت عليه حقوق لأهلها أرجع الحقوق وأعادها إلى أهلها، واستحلهم من هذه الحقوق ومما وقع في حقهم من مآثم، ويتوب إلى الله ، فالله يتوب على من تاب. فهنا في هذه الأحاديث حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ في صحيح مسلم، وفيه أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار). والمعنى: أن الله يقبل توبة عباده ليل نهار، فالله هو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء مهما تعاظم ذنب الإنسان، فرحمة الله أعظم، فمهما كثرت خطايا الإنسان فإن رحمة الله أكثر وأكبر وأعظم، فجعل باباً للتوبة مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فالله يتوب على عباده الذين يتوبون إليه. وهنا عبر بهذه الكلمة الطيبة الجميلة: أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأنه يدعو عبده، وعادة البشر فيما بينهم إذا بسط يده إلى إنسان كأنه يقول: تعال إلي تعال إلي وربنا ينادي عباده وخاصة في الليل في وقت السحر: (هل من تائب فأتوب عليه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه؟!). فالله كريم رحيم ودود يقبل من عباده توبتهم ويثيبهم الأجر، بل وقد يحول سيئاتهم إلى حسنات فضلاً منه وكرماً سبحانه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فمن أساء بالنهار لا ينتظر النهار الآخر حتى يتوب إلى الله، ولكن ليتب حالاً إلى الله ، فمن وقع في الذنب بالليل فليتب حالاً إذا طلع عليه الصبح، أو إذا انتهى وراجع نفسه فليتب إلى الله سريعاً، فالمعنى هنا: أن العبد مهما أذنب وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه سبحانه. فهذه التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها كان من العلامات الكبرى لقيام الساعة التي إذا تحققت هذه العلامات كلها فإنه يختم على الناس الأحياء: هذا مؤمن وهذا كافر، ولا تقبل توبة بعد ذلك. فإذا خرجت الدابة من الأرض ختمت على وجوه الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبحون يتبايعون فيما بينهم، فيشتري الإنسان من الآخر ويقول له: يا كافر أعطني كذا، والكافر يقول: يا مؤمن! أعطني كذا، يكتب عليهم ذلك. ولا تقبل توبة حين تظهر العلامات الكبرى للساعة، ومن ذلك خروج الدابة من الأرض، ونزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وهي عشر علامات ستأتي في آخر الكتاب في المنثورات والملح إن شاء الله.

стр. 290

مجيء عمرو بن عبسة وإسلامه بمكة قبل الهجرة ومن الأحاديث حديث أبي نجيح واسمه: عمرو بن عبسة السلمي ﵁، فيذكر أنه أسلم، ويذكر قصة إسلامه رضي الله ﵎ عنه. فكان -وهو في الجاهلية- عنده نور في قلبه يبين له أن هؤلاء الناس على باطل وعلى شرك وضلالة، ولم يكن يعتقد ما يعتقدون من أباطيل في الجاهلية، فقال: (كنت وأنا في الجاهلية -يعني: قبل النبي ﷺ أظن أن الناس على ضلالة). الله هو الذي قذف في قلبه أن هؤلاء المشركين على ضلالة وباطل، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان. قوله: (قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً) سمع أن شخصاً في مكة خرج في هذا الزمن يخبر أخباراً. قال: (فقعدت على راحلتي -رجل يبحث عن الحق وعن الدين ﵁ فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جرآء عليه قومه). وكان هذا في أول الإسلام وأول الدعوة إلى الله ، وقال ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، بدأ غريباً برجل واحد وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، يدعو قومه إلى الدين، فيدخل معه في الدين -كما ذكر لنا هنا- حر وعبد وامرأة وصبي. فقد دخلت معه من النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب ﵁، ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ﵁، ومن العبيد بلال رضي الله ﵎ عنه. فهؤلاء الذين كانوا معه مسلمين، فبدأ الإسلام بهؤلاء غريباً، قال عمرو بن عبسة: (فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً). هنا دعا إلى الله ، وبين محاسن هذا الدين العظيم، فالدين كبير وعظيم، ولكن البدء دائماً يكون بالأهم، وأهم شيء هو توحيد الله ، ومكارم الأخلاق، فذكر له ﷺ ما يعرفه الناس بعقولهم من أن هذه الأصنام باطلة، ولذلك هذا الرجل قبل أن يدخل في الإسلام كان يعرف أن هذا الذي عليه المشركون من عبادة باطل، ولكن أين الحق؟ فهو يبحث عن الحق رضي الله ﵎ عنه، فلما ذهب إلى النبي ﷺ ذكر له أن الله أرسله بذلك قال: (أرسلني بصلة الأرحام) فهذه مكارم الأخلاق؛ لأن أهل مكة كانوا يشيعون على النبي ﷺ أنه جاء بقطع الأرحام، فكذبهم النبي ﷺ ، وأنه إنما جاء بصلة الأرحام لا بقطعها. قال: (وكسر الأوثان) كسر ما يعبد من دون الله سبحانه ﵎، والكلمة جميلة وعظيمة، ما قال: إبطال الأوثان، وإنما قال: كسر الأوثان، فالذي يتفكر يقول: والله لو كانت تنفع غيرها لدافعت عن نفسها وهي تجد من يكسرها، فهذه الأوثان باطلة، فأعمل عقلك في هذا الشيء، واعلم أن هذه أوثان تكسر ولا تملك أن تدفع عن نفسها. قال ﷺ : (وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، قال: قلت: فمن معك على هذا؟) أي: من دخل في هذا الدين معك؟ (قال: حر وعبد)، الحر: أبو بكر ﵁، والعبد: بلال ﵁. قال: (قلت: إني متبعك) انظر إلى نور الإيمان عندما يكون في قلب الإنسان! لم ينظر إلى الكثرة ولم يقل: عندما يكثر الذين معك سأسلم، مثلما قال كفار قريش، فقد كانوا يقولون له: عندما يكثر عدد الذين معك ندخل في هذا الدين، فأنت ليس معك أحد، فينظرون إلى الكثرة على أنها دليل الصواب والخطأ، ولكن النبي ﷺ لا ينظر إلى مثل ذلك، فالحق حق وإن قل أتباعه، والباطل باطل وإن كثر أشياعه، فهذا حق وذاك باطل، فهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه يخبر أن معه حراً وعبداً على هذا الدين. يقول الرجل: (إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا) وهنا هل منعه النبي ﷺ ؟ لا، فهو لم يمنعه من الإسلام، فلا يجوز للنبي ﷺ ولا لغيره أن يمنع أحداً من الإسلام، وإنما المعنى: أنه إذا اتبعه وترك قومه ليكون مع النبي ﷺ في مكة فإن النبي ﷺ لا يستطيع أن يدفع عنه هؤلاء الكفار، فقال له: امكث في قومك مسلماً حتى يظهر هذا الدين فتأتي وتكون معنا، فهذا من رأفته ورحمته وشفقته ﷺ ، فإن هذا الرجل ضعيف، ماذا سيملك لنفسه بين هؤلاء الجحافل من المشركين؟! فإذاً: يبقى مسلماً في قومه إلى أن يظهر الله الإسلام. فقال ﷺ للرجل: (إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟) يعني: الناس كثرة وهم يؤذونني، ولا أقدر عليهم، فكيف أدفع عنك؟! (فقال: ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني). فالمسألة هي أن تكون معي وتكون في مكانك أنت، أما الإسلام فقد قبله منه ﷺ ، ودخل الرجل في الإسلام بذلك.

стр. 291

مجيء عمرو بن عبسة إلى المدينة قال: (فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله ﷺ المدينة وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار) لأن الإسلام دخل في قلب الرجل، وبدأ يبحث وينظر ماذ عمل النبي ﷺ ؟ ويتسمع لأخباره صلوات الله وسلامه عليه. يقول: (وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهلي من المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟) وكأنه كان يخفي إسلامه، ولم يظهره خوفاً من قومه، (قال: فقالوا: الناس إليه سراعاً، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، قال: فقدمت المدينة، فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله! أتعرفني؟ قال: نعم أنت الذي لقيتني بمكة) كيف سينساه صلوات الله وسلامه عليه وهو رجل جاءه في وقت الضعف يقول: أتبعك وأنت في هذه الحال؟ والذي أرجعه إلى بلده هو النبي صلوات الله وسلامه عليه رحمة وشفقة عليه. (قال: فقلت: يا رسول الله! أخبرني عما علمك الله وأجهله)، لم يقل له: أريد أن أدخل في دين الإسلام فهو من البداية عرف أن هذا الدين حق، وتابع بقلبه النبي ﷺ ، ولكن أمره النبي ﷺ بالعودة إلى بلده.

стр. 292

تعليم النبي لعمرو بن عبسة أوقات الصلاة فهو الآن يسأل النبي ﷺ : ما هي أحكام الإسلام التي نزلت عليك؟ علمني مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ (فقال النبي ﷺ : صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة). النبي ﷺ يبين له مواقيت الصلوات في هذا الحديث، فقال: (صل صلاة الصبح) أي: في وقتها، (ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس) والمعنى: صلاة الصبح ليس هناك صلاة بعدها، فأقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، وهل عندما تطلع الشمس يصلي نافلة؟ يقول له ﷺ : (ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح) يعني: في نظر الناظر إليها، (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان)، وقت طلوع الشمس هذا هو وقت يسجد الكفار فيه للشمس، فلا يجوز للمسلم أن يؤخر الفرض إلى هذا الوقت باختياره، ولا يجوز له أن يصلي النافلة وقت طلوع الشمس، وتجد في التقويم (وقت الشروق) فهذا الوقت لا يجوز لك أن تؤخر صلاة الصبح فتصليها فيه باختيارك -ولا يجوز وأنت قاعد في هذا الوقت- أن تصلي نافلة حتى ترتفع الشمس بمقدار ربع ساعة أو ثلث ساعة، ثم تصلي صلاة الضحى إن شئت. قال ﷺ : (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار) فنهانا أن نتشبه بهم. قال: (ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة)، وهي صلاة الضحى، فصل وقت الضحى إلى ما قبل الظهر مباشرة، قال: (حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة) أي: عند الزوال، وذلك عندما تكون الشمس في كبد السماء فوق رأس الإنسان، ويكون الظل كله تحت قدميه فيقول له: لا تصل في هذا الوقت، وهو وقت يسير قبل صلاة الظهر بقدر ركعة على الأقل، فهذا الوقت لا يجوز له أن يصلي فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإنه حينئذ تسجر جهنم) فيكون قبل وقت صلاة الظهر بمقدار دقيقة أو دقيقتين بقدر صلاة ركعة فقط، فهذا هو الوقت الذي تحرم فيه الصلاة، فالذي يدخل ينتظر حتى يؤذن لصلاة الظهر. قال ﷺ : (فإذا أقبل الفيء فصل) فتخيل أنك واقف والشمس تطلع من المشرق فترتفع وترتفع إلى أن تكون فوق رأس الإنسان، فتبتدئ تميل بعد ذلك إلى المغرب، فإذاً: ظلك يتحول إلى ناحية المشرق، فالوقت الذي يتحول فيه هذا الظل هو وقت منعك منه النبي ﷺ أن تصلي فيه. قال: (فإذا أقبل الفيء) أي: الظل، كان الظل يتقلص ويتقلص حين صار تحت قدميك، وابتدأ ينتقل بعد ذلك إلى الناحية الأخرى منك، فيكون الظل عند وقت أذان الظهر قد بدأ يتحول من المغرب إلى المشرق. قال: (فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر) أي: فصل الفريضة والنافلة حتى وقت العصر فهو وقت مفتوح، فصل فيه ما شئت من نوافل، وليس هناك كراهة. قال ﷺ : (ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس) أي: فإذا صليت العصر فلا تصل نافلة حتى تغرب الشمس. وهنا استثنى العلماء فيما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر صلاة ما له سبب، مثل: إنسان فاتته سنة الفجر القبلية فصلاها بعد الفجر، فيجوز له أن يصلي ويقصر عن الصلاة، ولا يصلي نافلة أخرى، وإذا كان الإنسان في هذا الوقت يدخل المسجد لسماع درس أو غيره فليصل تحية المسجد، إلا أن يكون عند طلوع الشمس فلا يجوز له أن يصلي. كذلك قبل الغروب، فبعد صلاة العصر لا صلاة إلا ما له سبب، كإنسان يصلي تحية المسجد أو سنة فائتة فاتته، ولكن لا يصلي غير ذلك، قال لنا هنا: (ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس) فقبيل غروب الشمس يرجع وقت التحريم مرة أخرى مثل وقت طلوع الشمس، والعلة هنا أنها تغرب بين قرني شيطان، فلا يجوز للمسلم أن يؤخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب اختياراً؛ لأنه يتشبه بعباد الشمس من الكفار، والمسلم كأنه بفعله هذا يقلد هؤلاء الكفار فيؤخر صلاة العصر إلى هذا الوقت، وسماها النبي ﷺ صلاة المنافقين؛ لأن المنافق يرقب الشمس حتى إذا اصفرت قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، فاحذر أن تتشبه بالكفار أو تتشبه بالمنافقين وتؤخر صلاة العصر اختياراً إلى وقت اصفرار الشمس. وقال ﷺ : (فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار).

стр. 293

تعليم النبي لعمرو بن عبسة الوضوء مع ذكر ما فيه من فضل قال عمرو فقلت: (يا نبي الله! فالوضوء حدثني عنه؟ قال ﷺ : ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه). هذا هو المقصد من هذا الحديث: أن الإنسان عندما يتوضأ تتساقط الذنوب مع آخر قطر الماء، فعندما يغسل وجهه فإن ذنوب الفم والأنف والوجه والعينين تنزل كلها مع الماء. (فقال: ما منكم رجل يقرب وضوءه -ماء الوضوء- فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه -أنفه-، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام يصلي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله تعالى إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه). فهذا حديث عظيم جداً في فضل الله سبحانه ﵎ على العبيد، في صلاتهم، ووضوئهم، فهذا الوضوء يفعل ذلك. ثم انظر إلى الصلاة التي تنفع الإنسان! قال ﷺ : (فإن قام فصلى، فحمد الله تعالى) يعني: قرأ بفاتحة الكتاب، وعرفنا في الحديث الآخر أن الله سبحانه ﵎ يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] إلى آخر الفاتحة قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). فهنا يحمد الله سبحانه ﵎، ويثني عليه، ويمجده بالذي هو له أهل، وهذا كله في فاتحة الكتاب إذا قرأها.

стр. 294

أهمية الخشوع في الصلاة وهنا القيد، إذ قال: (وفرغ قلبه لله تعالى) فالذي يصلي يفرغ قلبه لله سبحانه ﵎، فلا يصلي وهو يفكر في عمله، ولا يصلي وتفكيره حول فلان، ولكن ليفرغ قلبه، وهذا عزيز وصعب أن يدخل الإنسان في الصلاة ويتفرغ بكله إلى الصلاة، فهذا صعب على الإنسان إلا من أعطاه الله سبحانه ومن عليه بذلك، لذلك يحاول المسلم جاهداً في ذلك، ويأتي الشيطان على الإنسان فيختلسه شيئاً من صلاته، فيرجع مرة أخرى لصلاته، ثم يرجع إلى تدبره، فيأتي الشيطان ليلهيه ويذكره بشيء في البيت وبشيء في السوق، وبشيء في كذا، فكلما خرج عن صلاته فهو اختلاس يختلسه الشيطان منه. ولذلك جاء في الحديث: (إن العبد ليصلي الصلاة ليس له منها إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها، إلا سبعها، إلا سدسها، إلا خمسها، إلا ربعها، إلا ثلثها، إلا نصفها)، وسكت النبي ﷺ ، وكأن الغالب من أحوال الناس أنهم لا يخرجون بصلاة كاملة. فإذا كان الإنسان قد فرغ قلبه في صلاته لله رب العالمين، وخرج من هذه الصلاة بفضل من الله وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] فيقبل هذه الصلاة ويغفر لهذا العبد، وينصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه. فالإنسان المؤمن يعود نفسه على الانتباه في صلاته، وعلى ذكر الله سبحانه، والتدبر الذي قال لنا ربنا فيه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فالمؤمن يتدبر آيات الله سبحانه، فإذا جاء الشيطان واختلس منه شيئاً لا يترك نفسه مع الشيطان، ولكن ليرجع بسرعة ويتدبر ويتأمل، حتى يكون في النهاية من المتدبرين الخاشعين في صلاته وله هذا الأجر، فإذا دخل في الصلاة خرج منها كهيئته يوم ولدته أمه. وإذا أحسن الوضوء والصلاة وفرغ قلبه لله، فهذه هي الصلاة التي ذكر الله لنا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] فهذه هي الصلاة المقبولة التي قبلها الله فأعطى الإنسان بها نوراً في الدنيا ونوراً يوم القيامة، وجعلها تنهى هذا الإنسان عن الفحشاء والمنكر.

стр. 295

تأكيد عمرو بن عبسة لسماعه فضل الوضوء والصلاة من رسول الله فـ عمرو بن عبسة ﵁ حدث بهذا الحديث وعنده صحابي آخر، وهو أبو أمامة ﵁ فقال له أبو أمامة: (يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول! في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟!). يعني: كأنه استكثر أن كل هذا يعطاه العبد في مقام واحد، أنه إذا توضأ هذا الوضوء خرت الخطايا كلها منه، ثم يدخل في الصلاة فيخرج منها كيوم ولدته أمه، ليس عليه ذنب، يقول له: تذكر جيداً أن تكون قد نسيت شيئاً مما ذكره النبي ﷺ . فكان جواب عمرو ﵁ أنه قال: (يا أبا أمامة! لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، ومالي حاجة أن أكذب على الله تعالى)، وحاشا لأصحاب النبي ﷺ أن يكذبوا على النبي ﷺ أو على ربهم سبحانه. قال: (ولا على رسول الله ﷺ لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبع مرات ما حدثت بهذا أبداًَ). يعني: هذا الحديث لم يقله النبي ﷺ مرة واحدة، بل قاله سبع مرات، والعدد (سبعة) يذكره العرب بمعنى: الكثرة، ولعله قالها أكثر من ذلك. قال: لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً -حتى عد سبع مرات- ما حدثت أبداً به. قال: (ولكني سمعته أكثر من ذلك). وحق للصحابي الذي سمع ذلك أن يبلغ ذلك للأمة حتى لا ييئسوا من رحمة رب العالمين، وحتى يعرفوا فضل الصلاة، فهي ركن من أركان الإسلام، بل هي من أعظم أركان الإسلام بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ . ولذلك المؤمن الذي يصلي يعرف أن هذه الصلاة صلة بينه وبين ربه فيحسن هذه الصلاة ويستقيم فيها، ويأتيها ويعلم أن له في الوضوء أجر، وله في المشي إلى المسجد أجر، وفي صلاة الجماعة أجر، وفي انتظار الصلاة أجر، وفي التسبيح بعد الصلاة أجر، وفي القعود في المسجد بين الصلاة والصلاة أجر. فكل هذه الأجور العظيمة في هذه الصلاة لها منزلة كبيرة عند الله، فتعرف منزلة الصلاة، وأنها لم تفرض على الأرض وإنما فرضت في السماء، فالصلاة عالية جداً، ومنزلتها عظيمة جداً، يرتفع النبي ﷺ إلى السماء، فتفرض عليه وهو فوق السماوات صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 296

شرح حديث: (إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها) كذلك من الأحاديث: حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ كما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلاك أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو حي ينظر، فأقر عينه بهلاكها حين كذبوه وعصوا أمره). والصحابة عندما يسمعون ذلك ينظرون: يا ترى هل يموت النبي ﷺ أولاً أم أصحابه؟! فهنا النبي ﷺ كأنه يخبرهم عن رحمة رب العالمين بهذه الأمة، وهو رحمة مهداة إلى هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، فالله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] (وما - إلا) أسلوب حصر، فهو رحمة لهذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وقد وعد الله هذه الأمة ألا يعذبهم وهو فيهم ﷺ ، وزادهم من فضله وكرمه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. قوله: (وأنت فيهم) أي: وأنت رحمة للأمة، فإذا قبض الله النبي ﷺ فالرحمة باقية منه سبحانه، بأن يستغفر المؤمنون رب العالمين فيغفر لهم ولا يعذبهم، أي: عذاباً عاماً يستأصل الجميع، ولكن لا يمنع أن يكون على بعض الأقوام شيء من غضب الله فيأخذهم ببعض ذنوبهم في الدنيا، ولكن العذاب العام الذي يستأصل الأمة لا يكون؛ لأن الله وعد هذه الأمة أنه لا يهلكهم ونبيهم فيهم ﵊، ولا يهلكهم وهم يستغفرون. وذكر الإمام النووي ﵀ في فضل الرجاء آية وهي قول الله عن العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥] وهذا مؤمن من آل فرعون يدعو قومه للإيمان بالنبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهم يكذبون موسى ﵊ وهذا يقول لهم: إن هذا رجل جاءكم بالبينات من رب العالمين. وقال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] فقال عنه سبحانه أنه قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. فإذا توكل الإنسان على الله وفوض أمره إلى الله فإن الله يقيه من كل سوء ومكروه، قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٥] لما توكل على الله وفوض الأمر إليه إذا بالله سبحانه ﵎ يقيه مكرهم.

стр. 297

شرح حديث: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته) كذلك من الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة). يذكر في هذا الحديث العظيم أن الله عند ظن عبده به، فالعبد لا يظن بالله إلا الخير، فإذا به يعمل الخير، والله يعطيه الأجر على ذلك، ويكون عند ظن هذا العبد، فإذا أساء العبد وعلم أن الله غفور رحيم فتاب إلى الله وأصلح حاله مع الله، وأصلح حاله مع الخلق، وأحسن الظن بالله أنه يتجاوز عن سيئاته، ويغفر له ذنوبه فهو عند ظنه: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني) في أي مكان يذكر الله فإن الله معه. قال النبي ﷺ : (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، يفرح الله بتوبة العبد إليه، والعبيد عبيد الله سبحانه، فلو شاء لأهلكهم وهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو شاء لأعطاهم سبحانه ﵎ ولا ينفد ما عنده. وهنا انظروا إلى العبد الذي خلقه الله، فإن الله به رحيم سبحانه، يفرح بتوبته، فإذا فرح بتوبة العبد هل تتخيل أنه يفرح بتوبته ثم يعذبه سبحانه ﵎. ولذلك يقول: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، وفي رواية أخرى أن هذا الإنسان الذي وجد ضالته في الفلاة: (كان عليها طعامه وشرابه، فإذا بهذه الناقة تنفلت) أي: تهرب منه وتضيع منه في الفلاة، (فأيقن بالهلكة)، لأنه لا ناقة له يرحل عليها، ولا طعام يأكله، ولا شراب يشربه، فجاء تحت ظل شجرة ووضع يده تحت رأسه ونام مستسلماً للموت فاستيقظ من نومه فوجد الناقة أمامه، (فاستيقظ ووجد ضالته أمامه، فإذا به يفرح فرحاً عظيماً، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح) فهذه فرحة هذا العبد حين وجد ضالته، ولله المثل الأعلى. وهنا يفرح الله سبحانه بأن العبد يتوب إليه أشد من فرح أحدكم إذا ضل منه شيء في فلاة فوجده، فإذا فرح الله بتوبة العبد هل نظن أنه سيحاسبه ويعذبه؟ الله سبحانه ﵎ أرحم بعبده. يقول النبي ﷺ عن ربه: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً). والجزاء من جنس العمل، فإذا تقربت من الله فإن الله يتقرب إليك، ولكن كيف ستتقرب إلى الله؛ هل ستصعد بسلم إلى السماء؟ لا، وإنما تتقرب إلى الله بالعمل، والعمل يرفع إلى الله ، فإذا تقربت بالعمل فإن الله يتقرب إليك بجزاء هذا العمل، فأنت تتقرب إليه شبراً والثواب يكون عشرة أمثال، وأضعافاً مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه ﵎. فالمعنى: كلما تقربت إليه بعمل أعطاك ثواباً جزيلاً عظيماً لا يخطر على بالك، (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً). والذراع معروف. والباع: هو فتح اليدين، أي: يعطيك أكثر مما تقربت إليه سبحانه ﵎. قال: (وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)، والهرولة بمعنى: الإسراع للطاعة، فإن الله يسرع إليك بالثواب. وفي الحديث الآخر: (إن الله لا يمل حتى تملوا) فيمل العبد، وحاشا لله أن يمل سبحانه، ولكن المعنى هنا أنه يقطع عنك الثواب والأجر حين تمل أنت من العبادة، فأنت تبادر وتسارع إلى الطاعة، والله يسرع إليك بثواب هذه الطاعة، أي: في الدنيا والآخرة، فإذا مل العبد وترك الطاعة انقطع عنه هذا الثواب حتى يراجع الطاعة مرة أخرى. وفي رواية للحديث قال: (وأنا معه حين يذكرني).

стр. 298

شرح حديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) وروى مسلم عن جابر ﵄. أي: عنه وعن أبيه عبد الله بن حرام الأنصاري، أحد الشهداء الذين خاطبهم الله كفاحاً ﵁؛ ولذلك عندما يحدثون عن جابر بن عبد الله يقولون: ﵄. سمع جابر النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله . والمعنى: ليكن حسن الظن في قلبك، حتى إذا جاءتك الوفاة كنت على حسن الظن بربك سبحانه، أي: حسن الظن الذي يدفعك إلى العمل، وإحسان الظن هذا ينفعك في حال وفاتك، فالله يقول: (أنا عند ظن عبدي بي). وهنا يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، وجاء النبي ﷺ على عبد شاب وهو يموت، فسأله ﷺ وقال: (كيف تجدك؟ قال: أجدني أرجو الله وأخاف ذنوبي) أنا أرجو رحمة رب العالمين، لكنني خائف من ذنوبي، فقال ﷺ : (لا يجتمعان في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه، وأمنه مما يخاف)، فعند الوفاة إذا كان العبد يرجو رحمة رب العالمين فالله عند حسن ظنه به. وهناك حديث آخر عن أنس بن مالك يرويه الترمذي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي). العبد يدعو ربه سبحانه ﵎ وقد يكون من العصاة أو من أهل الكبائر، بل من أهل الكفر، فإذا تاب ورجع إلى الله ﵎ ودعا ربه فإن الله يغفر له يقول: (غفرت لك ولا أبالي)، وسيبالي بماذا؟ من الذي سيحاسب الله سبحانه ﵎ حاشا له سبحانه؟ قال: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك). العبد يذنب ذنباً ثم ذنباً ثم كبيرة ففاحشة إلى أن تصل إلى عنان السماء، ثم يتوب إلى الله توبة نصوحاً يعلم الله صدقه في ذلك فيغفر له، ويأتيه بقرابها مغفرة، فلو ملأ ما بين السماء والأرض ذنوباً ثم تاب إلى الله، فإنه يغيرها ويملؤها له ربه سبحانه بالفضل والرحمة. قال هنا سبحانه: (إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). والمعنى من جميع هذه الأحاديث: أن العبد لا يقنط أبداً من رحمة رب العالمين، فرحمة الله واسعة، وخوف العبد من الله يمنعه من المعاصي، والرجاء فيما عند الله يدفع العبد إلى التوبة وإلى حسن الظن في الله . فالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله علم فضل الله عليه في أنه ألهمه التوبة، وعلم فضل الله عليه في أنه قبل منه هذه التوبة، وعلم فضل الله عليه أن ثبته على الهدى. نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يثبتنا على الهدى حتى نلقاه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 299

شرح رياض الصالحين - الجمع بين الخوف والرجاء وفضل البكاء من خشية الله تعالى إن الخوف والبكاء من خشية الله تعالى من أعظم الفضائل الدالة على إيمان المرء، وبهما يعلو الإنسان ويشرف بين الأنام، فهما فعْل الأنبياء والصالحين والأواهين، وهما حلية عباد الله التائبين، والمتصف بهما من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 300

الجمع بين الخوف والرجاء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الجمع بين الخوف والرجاء. اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفاً راجياً، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متوافرة على ذلك. قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)، رواه مسلم].

стр. 301

ما جاء من الجمع بين الخوف والرجاء في القرآن هذا باب آخر من أبواب كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀: الجمع بين الخوف والرجاء، وقد ذكر قبل ذلك باباً في الخوف، وذكر باباً في الرجاء، وذكر باباً في فضل الرجاء، وذكر هنا باباً في الجمع بين الخوف والرجاء، وبين لنا أن المقصد منه أن العبد المؤمن في حال صحته يكون خائفاً راجياً، فيخاف من الله ، ويكون راجياً لرحمة رب العالمين سبحانه. فالخوف يجعله مطيعاً لله، ويمنعه من الوقوع في المعاصي، والرجاء يجعله إذا وقع في شيء من الذنوب سرعان ما يرجع إلى الله تائباً إليه، فيرجو فضله ورحمته. وإذا كان في حال المرض وخاصة المرض المخوف فإنه يغلب جانب الرجاء، فالرجاء يجعله إذا وقع في شيء من الذنوب سرعان ما يرجع إلى الله تائباً إليه، ويرجو فضله ورحمته، وكذلك يجعله يحسن الظن بالله سبحانه، والله عند ظن العبد به، فإذا أحسن العبد ظنه بالله ورجاءه قبله سبحانه وأعطاه ما لا يرجوه. قال الله : ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، وقال ﵎: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، فربنا يملي للإنسان الكافر ويملي للفاجر، قال سبحانه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]. فمن ظن أن الله يعطيه وهو يعصي ربه، أو ظن أن الله يعطيه لخيريته، أو لأنه يستحق ذلك، فهذا إنسان قد جهل ربه سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، وجهل ما وقع فيه من معاص، فالإنسان الذي يفجر ويعصي ويتركه ربه فذلك الترك لأمرين: إما أن يراجع العبد نفسه فيتوب إلى الله، وإما أن يكون ذلك إملاءً من الله سبحانه، حيث قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٣] أي: يتركهم إلى أن يأخذهم أخذاً يعتبرون به، والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من لم ينتفع بهذه الموعظة. فالإنسان الذي يتعظ بغيره يكون له في ذلك عبرة، فيحذر أن يقع في تلك المخالفة التي وقع فيها غيره. وأما الإنسان الذي لا يعتبر بشيء فكلما أعطاه الله ازداد كبراً وغروراً، فهذا يملي الله له، فإذا أخذه جعله عبرة لغيره، قال سبحانه: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. والمكر: هو الكيد من الله والإملاء والاستدراج للعبد، فالعبد يخادع ربه والله خادعه، فالمنافق مثلاً يخادع وربنا يملي له ويتركه حتى إذا دخل في المكان الذي يظن أنه آمن فيه إذا بحتفه يأتيه، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، فربنا يمكر بهم ويأخذهم من حيث يشعرون أنهم آمنون، وأنهم لا يوصل إليهم، وإذا بكيد الله يصل إليهم في مأمنهم. فالله يمكر بالكافر ويمكر بالفاجر، قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]. فالذي يأمن مكر الله لا يستعد لذلك بالإيمان وبالطاعة، وهذا إنسان خاسر يظن أن الله لا يقدر عليه. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] وروح الله: رحمته. فالذي ييئس من الرحمة لا يستحقها؛ لأنه لم يؤمن بصفة من صفات رب العالمين، فإذا يئس من رحمة الله لم يستحقها وصار كافراً؛ لأنه أنكر صفة من صفات رب العالمين سبحانه، والذي يأمن مكر الله يستحق أن يكون من الخاسرين؛ لأنه تناسى صفة من صفات الله وهي صفة القدرة وصفة الإملاء، فهو يملي وكيده متين. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] وهذا في يوم القيامة، فهناك تظهر أعمال العباد، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦]، وهذا لمن عرفوا الحق ثم تنكبوا عن طريقه، ولمن دخلوا في الإسلام ثم ارتدوا عنه، فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]. فالذين يبيض الله وجوههم يفرحون بذلك، فإذا دخلوا الجنة قال الله لأهل الجنة: (هل تريدون شيئاً؟ فيقولون: وأي شيء نطلب، ألم تعطنا؟ ألم تبيض وجوهنا؟)، فمن ضمن ما يذكرونه لله رب العالمين وله المنة سبحانه: أنه بيض وجوههم، وأدخلهم جنته سبحانه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧]. وهذه صفات لله سبحانه، فهو سريع العقاب، وقد يحلم عن عبيده ويتركهم لعلهم يتوبون، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧]، فالإنسان بين الخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سريع العقاب سبحانه، وبين رجاء رحمة أرحم الراحمين الغفور الرحيم. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]. فربنا يمنّي الإنسان المؤمن بهذه النعم، فيعمل له بطاعته، ويخوفه من الجحيم، فاحذر أن تفجر فتكون من أهلها. وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧]. وقال في سورة الحاقة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٣] ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨]: فالموازين توضع في يوم القيامة، فتوزن أعمال العبد، فإن ثقلت الموازين ورجحت كان من أهل الجنة، وكان في عيشة راضية. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]: أي: هي مقصده ومصيره ومكانه الذي يستحقه، فيهوي في نار جهنم، فأمه: أي: مقصده وسبيله وطريقه، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١٠ - ١١].

стр. 302

شرح حديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد) ومن الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد). لو يعلم المؤمن وليس الكافر؛ من أجل ألا يتكل المرء على الرجاء، ويقول: أنا راج رحمة رب العالمين، أنا لأجل هذه الرحمة تارك العمل وتارك للصلاة والصوم! فالإنسان الذي يرجو الرحمة يعمل لها؛ حتى يستحقها. ففي هذا الحديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة)، فقد يعاقب المرء وإن قال: لا إله إلا الله بعقوبات شديدة في نار جهنم، فبعض عصاة الموحدين قالوا: لا إله إلا الله ووحدوا الله، فدخلوا نار جهنم بمعصيتهم: بآفات ألسنتهم وأعضائهم وجوارحهم، فبالآفات التي وقعوا فيها استحقوا العقوبة. قال: (ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)، فالكافر لو عرف ما عند الله من رحمة ما قنط من جنته، ولكن الكافر لا جنة له إلا أن يتوب ويدخل في دين الله ﵎. وقد قال سبحانه في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالكافر لو اطلع على الرحمة لظن أن الله سيرحمه ويدخله الجنة مع كفره وشركه بالله سبحانه، وحاشا لله أن يخلف موعده، فقد وعد المؤمنين بالجنة، وأوعد العصاة والكفار بالنار، فالمشركون الذين يموتون على الشرك بالله لا يستحقون دخول جنة رب العالمين سبحانه.

стр. 303

شرح حديث: (إذا كانت الجنازة صالحة قالت: قدموني قدموني) ومن الأحاديث في ذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم: فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها، ويسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق). فهذا حديث عظيم يخيف الإنسان المؤمن، وكم من جنائز تأتي ويصلى عليها وترفع ويمشي بها الإنسان ولا يتدبر ما صار إليه الميت، فهو الآن محمول على نعشه، وموثق في كفنه، فلا يقدر أن يفر ويفلت، فماذا سيحصل له؟! فالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين سبحانه وأن يساعده عند خروج الروح. والإنسان الكافر الفاجر يرى العذاب من أول خروج روحه، فهنا إن كانت صالحة احتملها الناس على أعناقهم وقالت: (قدموني قدموني)، فالمؤمن الصالح يتشوق للجنة ويتشوق للنعيم الذي عند رب العالمين، فالملائكة تبشره من ساعة خروج روحه وتقول له: (اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى روح من الله وريحان، ورب غير غضبان) فيستبشر المؤمن بذلك، وقد تخرج نفسه بعرَق الجبين، أي: بتعب وشدة ومشقة، وهذا يرفع درجته عند الله ، فهو فرحان بذلك وإن شدد عليه حتى يصل إلى جنة رب العالمين. وأما الإنسان الفاجر الكافر العاصي فيقول عن نفسه كما قال هنا النبي ﷺ : (قالت: يا ويلها) يعني: هذا الإنسان يتكلم عن نفسه، والنبي ﷺ ما قال عن نفسه: يا ويلي، وإنما حكى قول هذا الفاجر والعاصي أنه يقول عن نفسه: (يا ويلها أين تذهبون بها)، والأصل: يا ويلي أين تذهبون بي، فمن ساعة خروج روحه أتت له الملائكة بكفن من النار، وحنوط من النار، ويخلو هذا الإنسان برائحته العفنة، فيصعدون به إلى السماء فلا تفتح له أبواب السماء كما ذكرنا قبل ذلك. فهذا الإنسان يصرخ وهو فوق نعشه ولا أحد يسمعه حتى يصل إلى قبره وهو يصرخ ويقول: أين تذهبون بها؟ ويسمع صوتها كل شيء كالبهائم، ولا يسمعه الإنس والجن، ولو سمعه الإنسان لصعق من صوته البشع؛ من شدة خوفه ورعبه. وقد أمرنا بشهود واتباع الجنازة حتى نعتبر، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا حضروا جنازة لا يعرف أهل الميت من غيرهم فالكل يبكي من هذا اليوم، وخوفاً من هذا المكان وهو القبر وما يكون فيه، لذلك فالجنازة عبرة للإنسان المؤمن، فإذا ذهب إلى القبور وسلم عليهم نظر وعلم أن هذا مآله ومصيره، وتخيل في القبور وما فيها، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] أي: أنها كفتتهم وضمتهم فوقها وتحتها أحياء وأمواتاً. فالمؤمن يتعظ مهما حصّل من الدنيا من نعيم ومن قصور، ويعد نفسه للدار الآخرة ولنعيم رب العالمين بطاعة الله سبحانه، وبالبعد عن معاصي الله سبحانه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه.

стр. 304

شرح حديث: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله). وشراك النعل: هي السيور التي في ظهر الحذاء، فهذه السيور قريبة منك تربطها سريعاً وتحط رجلك فيها، فالجنة أقرب، بمعنى أن عمل الجنة سهل على من أخلص لله . (والنار مثل ذلك)، فالمعاصي سهل على الإنسان أن يفعلها، وربنا قد هدى العباد فقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فطريق السعادة طريق سهل، وطريق الشقاوة طريق سهل، واختر أنت أي الطريقين، ولا تنظر إلى قضاء الله وقدره فإنه لن يطلعك على الغيب، فكل شيء يجري بمقدار، وكل شيء هو بقضاء الله وقدره، ولكن ما قضاؤه فيّ وما قضاؤه فيك؟ لا ندري، فلم يطلعنا على هذا القضاء. إذاً فنؤمن بالغيب ونؤمن بالقضاء والقدر ولا نجعله مانعاً من العمل، فالمؤمن مصدق بالقضاء والقدر، وأن كل شيء خلقه الله بقدر، وأن الله خلق العباد وخلق ما يعملون، والله علم كل شيء وخلق فريقاً للجنة وفريقاً في النار، فهذا كله نؤمن به. أما أن تجعله أمراً يمنعك من العمل فأنت لم تطلع على هذا الغيب حتى تمتنع، فترى الإنسان الذي يجادل في قضاء الله يقول: إذا كان الله قدر لي أن أدخل الجنة فسأعمل بعمل أهل الجنة، فيقال له: إن الله جل وعلا لم يمنعك من عمل أهل الجنة، فهل حاولت أن تصلي ومنعك؟ وهل حاولت أن تتصدق بصدقة ومنعك؟ كلا، فتقدم إلى العمل ودع الاحتجاج بالقضاء والقدر، وعليك أن تؤمن بهما فالله قدر كل شيء. والصحابة لما سألوا النبي ﷺ عن القضاء والقدر، وعن هذه الأعمال التي نحن نعملها هل هي شيء قد فرغ منه أم أنها شيء لا زلنا نعمله ويعلمه الله ؟ فأخبرهم أنه شيء قد فرغ منه وانتهى أمر القضاء والقدر، فكل شيء مقدر عند الله، وكل إنسان معلوم عند الله منزله في الجنة أو في النار. فالمطلوب منك أن تؤمن بالقضاء والقدر، ومطلوب منك أن تعمل، فلا تضيع الوقت في الجدل وفي الكلام، فإذا كنت من أهل الجنة يسر لك الله عمل أهل الجنة، وإذا كنت من أهل النار عسر عليك الله طريق الجنة، فالذي يجادل في هذا لا يستحق الجواب، وانظر الجواب بعد ذلك عندما يدفن في قبره، عندما تجيء الملائكة تأخذ روحه فيسأل عن تضييع الوقت في هذا الجدل. فالذي يستهين بأمر النار دعه يستهين بأمر النار حتى يدخلها، فهناك يعرف ماذا كان يعمل في الدنيا، وما هو الشيء الذي حرمه من دخول الجنة. وأما الإنسان المؤمن فلا يفكر في أمر القضاء والقدر ولماذا ربنا عمل كذا؟ بل هو مؤمن بالله ، ومؤمن بالغيب، وعلم من كتاب الله سبحانه الآية العظيمة التي قال الله سبحانه فيها: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فالله لا يسأل لم فعل كذا؟ وإنما أنت الذي تسأل عن ذلك، فأعد لهذا السؤال جواباً، ولا تضيع وقتك فيما لا ينفعك بل يضرك. (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) يعني: أن عمل الجنة عمل سهل ولكن دع عنك الشهوات، ودع عنك الشبهات تيسر لطريق الجنة. (والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)، فالمعصية سهلة أن يقع الإنسان فيها، فالجنة سهلة والنار سهلة، والذي يوفقه الله ييسر له طريق الجنة.

стр. 305

شرح حديث: (فضل البكاء من خشية الله)

стр. 306

من صفات المؤمنين أنهم يخرون لله سجداً وبكياً ذكر الإمام النووي ﵀ باباً في فضل البكاء من خشية الله تعالى، وشوقاً إليه. فهناك من يبكي خوفاً من الله، ومنهم من يعلم أنه مذنب فيبكي تائباً لله سبحانه، ومنهم من عبد الله ووجد نفسه لا يقدر على إحسان العبادة، فيبكي على كونه لم يوفق لذلك، ومنهم من يبكي حباً لله وشوقاً للقائه سبحانه، فالبكاء أنواع. قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]: فالمؤمنون الصالحون المقربون يسمعون كلام الله سبحانه فيخرون لله سجداً: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٨ - ١٠٩]. وقال سبحانه: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم:٥٩] أي: أغاية جهدكم في هذا القرآن العظيم أنكم تتعجبون منه فقط، ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦٠ - ٦١] أي: في لهو وفي غفلة ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢].

стр. 307

بكاء النبي عند سماع القرآن وعن ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه قال: قال لي النبي ﷺ : (اقرأ عليّ القرآن). فهذا النبي العظيم الكريم صلوات الله وسلامه عليه سيد الخلق يجلس ويقول لـ عبد الله بن مسعود: اقرأ علي القرآن، فـ ابن مسعود يتواضع مع النبي ﷺ ويقول: (يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟!) يعني: لقد أنزل القرآن عليك، ومثلي لا يقرأ عليك أنت، فقال ﷺ : (إني أحب أن أسمعه من غيري). قال: (فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١])، وهذه الآية العظيمة فيها تشريف للنبي ﷺ ، ورفعة لمنزلته، ومعناها: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم، وجئنا بك شاهداً على هؤلاء جميعهم، فالشاهد في الدنيا محل تزكية، فهو مزكى تقبل شهادته، فكيف بالآخرة؟ ويشهد النبي ﷺ على الأمم، فمقامه مقام علي جداً صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك فهو ينظر لهذا المقام ولهذا الوقت ولهذا اليوم وللرعب الذي يكون فيه العباد فيبكي صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (حسبك الآن، فالتفتُ إليه فإذا عيناه تذرفان)؛ من بكائه من هول الموقف وهو سيد الخلق ﷺ ، فآدم فمن دونه تحت لوائه صلوات الله وسلامه عليه يوم القيامة، وهو يبكي من هذا اليوم، وهو الشفيع فيه، فنحن أحق بذلك منه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 308

من علم حقيقة الأمر بكى كثيراً وضحك قليلاً وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً). فعادة الإنسان في الدنيا أنه يضحك كثيراً ويبكي قليلاً، ولعل البعض لا يبكي أصلاً، لكن النبي ﷺ يعلم علم اليقين، فقد رأى الجنة والنار صلوات الله وسلامه عليه، ورأى ملائكة الله سبحانه، وسمع عذاب القبر، وكان يقول لأصحابه أحياناً: (هل تسمعون ما أسمع؟) وهم لا يسمعون ما يسمع، ويمر على قبرين يعذبان فيقول: (إنهما يعذبان ولا يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس). فهنا رأى ما لا يرون، ولو رأى الناس ما رأى النبي ﷺ ، أو علموا يقيناً ما علمه النبي ﷺ لكان الأمر كما قال: (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين)، أي: أنهم تأثروا بما قاله النبي ﷺ ، واستحضروا خشية الله سبحانه، فإذا بهم يبكون. والخنين هو صوت الأنف عندما يخرج منه النفس ويدخل أثناء البكاء، وهذا من كتمان بكائهم رضوان الله ﵎ عليهم.

стр. 309

لا يدخل النار من بكى من خشية الله ومن الأحاديث ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم). فالبكاء من خشية الله وخاصة إذا كان الإنسان وحده أمر عظيم، فإذا جلس الإنسان وتذكر عقوبة رب العالمين وعذابه، وتذكر ما هو صائر إليه، وتذكر قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] فإذا به يبكي من خوف الله سبحانه، فإذا بكى من خوف الله فإن النبي ﷺ يخبر أن هذا لا يلج النار؛ لكونه خاف من الله سبحانه، والذي يخاف من الله فإن الله يجعل في قلبه الإخلاص، فجزاء الإحسان الإحسان، فأنت أحسنت بخوفك من الله فالله يزيد إيمانك، ويوفقك للعمل الصالح، ويهديك ويزيدك هدىً، فلا تكون من أهل النار يوم القيامة. إن الذي يبكي من خشية الله يستحق من الله أن يعينه على طريق الطاعة حتى يصل إلى جنة رب العالمين. قوله: (لا يلج) أي: لا يدخل. (حتى يعود اللبن في الضرع) وهذا مستحيل، فاللبن من البقرة لا يمكن أن ترجعه مرة ثانية إلى ضرعها، والمعنى: أنه طالما وهو يخاف الله سبحانه حتى يلقاه فربنا لا يعذب هذا الإنسان. (ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم) أي: لا يمكن أن الإنسان يسير مجاهداً في سبيل الله فيقطع الطريق، ويصيبه الغبار ويدخل أنفه وصدره ثم في يوم القيامة يدخله الله النار! لا يكون من هذا شيء، وهذا وعد من الله على لسان رسوله الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 310

رجل بكى من خشية الله ومن الأحاديث ما ذكرناه قبل ذلك من قول النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وآخرهم: ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). فالذي يذكر الله خالياً فيبكي هذا دليل أن الله يرحمه، فهذا الإنسان كلما ذكر الله خالياً بكى من خوف الله سبحانه. وفي صلاة الجماعة إذا بكى الإنسان فلعله يهيج من بجواره فيبكي، وهكذا الثاني والثالث، وهذا فيه أجر عظيم من الله سبحانه. وأما الذي يبكي خالياً فهذا الشيء أعظم بكثير، فهو خالٍ يخاف الله ولا أحد يراه، فلا يوجد رياء، فهذا يستحق أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 311

بكاء رسول الله في الصلاة ومن الأحاديث ما رواه أبو داود وغيره عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء). وهذا من خشيته صلوات الله وسلامه عليه، فقد اتخذه الله خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فقربه وفضله واصطفاه ورفع درجته في الجنة، وجعله الشفيع يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك كله فهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل.

стр. 312

بكاء أبي بن كعب حين علم أن الله ذكره باسمه ومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لـ أبي بن كعب ﵁: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك)، وأبي بن كعب رضي الله ﵎ عنه من الصحابة الأفاضل، وهو أنصاري خزرجي رضي الله ﵎ عنه. وقد كان حافظاً لكتاب الله سبحانه، ولما نسي النبي ﷺ مرة في صلاته قال بعد الصلاة: (أفيكم أبي؟ فقال: نعم، فقال: فما منعك أن ترد علي وأنا في الصلاة؟ فقال: ظننت أنها نسخت). فهذه فضيلة لـ أبي بن كعب رضي الله ﵎ عنه، وكان عمر يلقبه بسيد القراء رضي الله ﵎ عنه. فـ أبي بن كعب يقول له النبي ﷺ : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك) يعني: أقرأ عليك القرآن، (فقرأ عليه ﷺ : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١]). وقرأها عليه النبي ﷺ حتى تكون سنة لمن بعده: أن الفاضل يقرأ على المفضول، فليس شرطاً أن التلميذ يقرأ على الأستاذ دائماً، فيصح أن الأستاذ يقرأ على التلميذ ويسمع التلميذ، فيتعلم القراءة من الأستاذ، فهذا النبي ﷺ يقرأ على أبي، فتعجب أبي وقال: (وسماني - يعني: ربنا سماني - قال: نعم. فبكى أبي رضي الله ﵎.

стр. 313

بكاء أبي بكر وعمر عندما زارا أم أيمن وعن أنس أيضاً قال: قال أبو بكر لـ عمر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂، وهي حاضنة النبي ﷺ ، وزوجة حبيب النبي ﷺ زيد بن حارثة، وأم حب النبي ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة. فقال: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵄ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. أي: أنها اشتاقت للوحي ونزول القرآن من عند رب العالمين بالأحكام، وأمور الغيب، والتبشير بالجنة والتخويف من النار، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم.

стр. 314

بكاء أبي بكر في الصلاة وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: (لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له: الصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن غلبه البكاء). وصدقت في ذلك وإن كانت لا تقصد هذا الشيء، فصحيح أن أبا بكر ﵁ كان إذا صلى يبكي ويخاف من الله ، وهذا كان سبب إسلام بعض المشركين وخاصة نساء المشركين، فقد حجزه المشركون في بيته حتى لا يقرأ على الناس القرآن، فكان يجلس في بيته ويقرأ ويبكي، فإذا بنساء المشركين يأتينه ينظرن إليه ويستمعن منه لكتاب الله رب العالمين. فالسيدة عائشة تقول له: إنه إذا قام يقرأ في الصلاة فلن يسمع الناس؛ لأنه سيبكي في الصلاة، فلا يسمعهم، ولكن لم يكن غرضها ذلك رضي الله ﵎ عنها، وإنما كانت تخاف أن يتشاءم الناس منه أنه سيصلي بدل النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فصلى بالناس في فترة وجع النبي صلوات الله وسلامه عليه).

стр. 315

بكاء عبد الرحمن بن عوف عند تذكره لمن مضى من الصحابة وفي صحيح البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أتي بطعام وكان صائماً فقال: قتل مصعب بن عمير ﵁ وهو خير مني. وانظروا إلى اعتبار الصحابة رضوان الله عليهم، فهم يتذكرون الدار الآخرة، فقد كان عبد الرحمن بن عوف صائماً ويريد أن يفطر حين جاء وقت الإفطار، فأتوا له بالطعام من أجل أن يفطر فتذكر الفقراء، فقد كان من أغنياء الصحابة، وكانت له أموال كثيرة جداً، وكان يريد أن يسابق الفقراء إلى الجنة فكان يتصدق بها والله يعطيه أضعافها. فهنا لما جيء بالطعام وكان صائماً تذكر يوم أحد، وقد كان في سنة ثلاث من هجرة النبي ﷺ في شوال، وفي يوم أحد قتل مصعب بن عمير ﵁، وقد كان صاحب لواء النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأول من بارز في هذه الغزوة، وقد قتل كبيراً من كبراء المشركين ﵁، وقتل بعد ذلك ﵁ وقطعت يداه، ومعلوم ما حدث به رضي الله ﵎ عنه. قال: (قتل مصعب بن عمير ﵁ وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه). هذا هو مصعب بن عمير، وقد كان من المترفين في مكة، وكان شاباً مترفاً غنياً تهتم به أمه فتنفق عليه وتعطيه مالاً كثيراً، وبعد ذلك أسلم مصعب ﵁ وأتى إلى المدينة يبشر الناس ويدعوهم، فما ترك من بيت إلا ودخل فيه الإسلام بفضل الله سبحانه ثم بدعوة مصعب رضي الله ﵎ عنه، وهذا قبل هجرة النبي ﷺ . فهذا الرجل العظيم الفاضل يقتل في هذا اليوم ولا يجدون له كفناً إلا بردة، فإذا غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه، فـ عبد الرحمن بن عوف يتذكر ذلك ويعتبر. قال: ثم أعطينا من الدنيا ما أعطينا حتى خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ﵁. نسأل الله أن يدخلنا مع هؤلاء الأفاضل في رحمته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 316

شرح رياض الصالحين - فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [١] زين الله تعالى الحياة الدنيا في أعين الخلق وحببها إلى نفوسهم؛ ليبتليهم بها فيعلم شكر الغني وصبر الفقير، وقد حذر الله عباده من الاغترار والركون إليها ونسيان الآخرة، وقد تنوعت نصوص الكتاب والسنة في التحذير منها بضرب الأمثلة وبيان العاقبة وذكر الحقيقة الدنيوية؛ ليستقل العباد منها وليستكثروا من زاد الآخرة.

стр. 317

الزهد في الدنيا وما جاء فيه بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر. قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤]. عن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: أبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) متفق عليه]. هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل الزهد في الدنيا، ويذكر الحث على التقلل منها وفضل الفقر. والزهد في الدنيا هو أن يكون الإنسان متقللاً من الدنيا، فيأخذ من الدنيا حاجته، ولا يطمع فيها؛ ولا يكثر من الدنيا، وإن جاءه من الدنيا الكثير عمل فيه برضا الله سبحانه ﵎، ولكنه يقلل الطمع فيها، فلا يكون طماعاً كلما جاءه شيء طلب المزيد من الدنيا مستكثراً بها. جاء في الزهد عن النبي ﷺ أنه أمر بالزهد فيما بأيدي الناس فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس). فإذا كنت تريد حب الله وحب الناس فازهد في الدنيا يحبك الله؛ لأن معاصي الإنسان وشهواته وشبهاته تكون نتيجة للطمع في هذه الدنيا، بحيث يشتهيها فيطلب ما فيها من حلال، فإن عدم وسيلة في نظره من الحلال لجأ إلى الحرام، فأخذ الدنيا بطمع فيها، فإذا قطع الأمل عن الدنيا وقطع الطمع فيها وزهد فيها أحبه الله سبحانه، وقد وتأتيه الدنيا وهي كارهة، فالمهم أن يرضي ربه . والإنسان إذا أراد محبة الناس فعليه أن ينظر في الذي يجلب عداوة الناس، والذي يجلب عداوة الناس أن تطلب ما عندهم، فالإنسان يغضب حين تطلب منه، والله يرضى حين تطلب منه، فاطلب من الله ، ولا تكن طالباً لما في أيدي الناس، واجعل لك قاعدة في حياتك، وهو أنك لا تسأل أحداً شيئاً طالما كنت قادراً على عمله بنفسك، فلا تطلب من أحد شيئاً. وهكذا كان أصحاب النبي ﷺ ، فقد كان ﷺ يعلمهم أن يزهدوا في الدنيا وأن يزهدوا فيما في أيدي الناس، فهذا حكيم بن حزام طلب من النبي ﷺ مالاً فأعطاه، ثم طلب فأعطاه، ثم نصحه النبي ﷺ فقال: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع) فلما سمع النصيحة أقسم للنبي ﷺ على أنه لا يرزأ أحداً بعد النبي ﷺ من الدنيا شيئاً، أي أنه لا يطلب من أحد من هذه الدنيا شيئاً. فكان أبو بكر ﵁ يأتيه المال فيعطي الناس ويعطي حكيماً فيرفض أن يأخذه، وجاء عمر ﵁ بعد أبي بكر ﵄، فأراد أن يعطيه نصيبه من المال فرفضه، وقال: إنه أقسم ألا يرزأ أحد شيئاً. ورفض أن يأخذ ماله، فكان عمر يشهد الناس على حكيم بن حزام لكونه لا يأخذ المال الذي هو من حقه. فالغرض أن الإنسان إذا زهد في الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة، ولكن الإنسان قد يسأل لخوفه أن يفتقر، أو لخوفه أن يضيع منه المال، أو لخوفه أن تضيع منه الفرصة، أما إذا علم أن الله هو الرزاق، وأن خزائنه لا تنفد أبداً فإنه يكتفي بما أعطاه الله، ولا يتشوف إلى ما في أيدي الناس، والذي يسأل الناس تكثرا كالذي يأكل ولا يشبع، فكلما طلب ازداد نهماً وحرصاً على الدنيا، فازداد بعداً عن الله سبحانه وعن حب الناس، فازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس.

стр. 318

حقيقة الحياة الدنيا في القرآن

стр. 319

حقيقتها في قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) بدأ الإمام النووي هذا الباب بقول الله ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس:٢٤]. وهذا تشبيه من ربنا لهذه الدنيا بهذا المثال المركب الذي ننظر إليه، فالماء يأتي الناس وهم في قحط، فتنبت الأرض نباتها، وتخرج ما فيها من ثمار وما فيها من جنات وما فيها من زروع وغير ذلك، فإذا أنبتت الأرض فرح الناس بهذا النبات الذي خرج لهم فأخذوه مستكثرين منها، كما قال تعالى: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس:٢٤]. ثم قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس:٢٤]، وامتلأت بالثمار وبالزروع، بحيث يكون فيها الجنات والبساتين، وصارت الأموال في أيدي الناس، وتزخرفت الدنيا لهم وازينت، وظنوا أنهم قادرون عليها، أي: يطغى الواحد منهم، ويرى أنه قادر على هذه الدنيا؛ لأنها أتته، ولم يعلم أن الذي آتاه قادر على أن يحرمه ، وقد يعلم ذلك ولكنه يتغافل. يقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]. قوله تعالى: (ليلاً) أي: جزءاً من الليل. (أو نهاراً): جزءاً من النهار. (جعلناها حصيداً) أي: حصدناها وأهلكناها وتبرنا ما فوقها، فوجد الإنسان الذي كان ينظر إلى الزروع والثمار والأموال والأشجار وكان يرى أنه قادر على ذلك، وجد كل ذلك قد ضاع فجأة، حيث أتاها أمر الله لحظة بالليل أو بالنهار فصارت كالزرع المحصود، بمعنى أن النخيل خلت من الثمار، وأن الأرض خلت من الأزهار، وخلت من الحبوب ومن غيرها، ذهب هذا كله، وأحرقه الله سبحانه وأهلكه، فإذا بصاحبه يندم على ذلك. وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤] أي: كأن لم تكن ممتلئة ثماراً بالأمس، وكأن لم تكن فيها كثرة من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤]، أي: مثل هذا التفصيل الذي فصلنا نفصل الآيات لقوم يتفكرون، فالإنسان العاقل الذي يتفكر في هذه الدنيا يقول: ما الذي فضلني على غيري فأعطيت هذه الدنيا؟ و الجواب لا فضل لك في هذه الشيء، فالله يعطي إنساناً ويحرم إنساناً، أعطى هذا لا لفضله، وحرم هذا لا لبعده عن الله ، ولكن لحكمة من الله سبحانه، فالذي تأتيه الدنيا عليه أن يحمد الله ، والذي لم تأته الدنيا عليه أن يحمد ربه سبحانه، ولينظر في الحكمة، فلعله لو أعطاه منها أهلكه بطغيانه، فيحمد ربه على ما هو فيه من نعمة.

стр. 320

حقيقتها في قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) وقال الله سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]. فالمثال هو نفسه؛ ماء نزل من السماء اختلطت به هذه الأرض فأخرجت محصولها وأخرجت ثمارها وأشجارها، وفجأة أصبح ذلك هشيماً تذروه الرياح، فهذا النبات يبس، وبعد ذلك تغير وأصبح هشيماً تطيره الرياح، وكذلك الحياة الدنيا سرعان ما تقبل وسرعان ما تدبر. والإنسان لا يستشعر ذلك في وقت بهجة الدنيا، فعند بهجة الدنيا يحس أنه سيعيش كثيراً، ويحس أن المجد فيه، وأنه لا ينفد، وأنه قادر، ولكن في وقت فوت هذا كله يتذكر الإنسان فيرى أن الدنيا منام لم ير فيه سوى الأحلام، وتمر الدنيا كمرور المنام على الإنسان، ومهما طالت فإنه عند الموت يستقل الإنسان هذه الدنيا، ويقول: يا ليتني عملت أفضل مما فعلت. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] أي: مهشماً مكسراً يابساً تفرقه الرياح ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]. ثم قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، فتزين بذلك في الحياة الدنيا، ولير ربك عليك أثر نعمته، ولكن لا تطغ بهذه الدنيا، فالباقيات الصالحات خير ما يبقى لك من عمل، وهي خير مما أخذته وأنفقته في هذه الدنيا، ولذلك قال سبحانه: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦] يعني الباقيات الصالحات.
следующие страницы →