← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37000

محو الأمية التربوية

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (435 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الكذب على الطفل من هذه الأخطاء: الكذب على الطفل: الطفل لا ينساها، ولذلك الرسول ﵊ ما فاته هذا التنبيه، لما كانت المرأة تقول للطفل: (تعال أعطيك فاكهة، فقال: ماذا ستعطيه؟ قالت: أعطيه تمراً، قال: أما إنك لو لم تعطه لكتبت عليك كذبة)، فهي كذبة حتى مع الطفل الصغير، فينبغي الاحتراز من الكذب؛ لأن هذا له تأثير في فقد الثقة، كما أنك تعطيه نموذجاً يقتدي به في سلوكياته. لما يطرق الباب طارق فيقول له الأب: قل له: أبي غير موجود، فالولد يقول له: أبي يقول لك: هو غير موجود! فهذا أنموذج للتحطيم، حتى حال استعمال التعريض قد يدمر الولد؛ لأنه لن ينتبه أن هذا تعريض، فلا تدفع الثمن بأن يتعلم ابنك الكذب؛ لأن أهم صفة على الإطلاق، لو أردنا اختصار كل هذه المحاضرة في كلمة واحدة هي: علمه الصدق، والدليل قول النبي ﵊: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). فهذه عملية تدريب، أنت تقدم له النموذج وسوف يحتذي بك، وأنت أول واحد سيكذب عليه إذا أنت علمته هذا الكذب. مثلاً: الأم تقول له: اشرب الدواء، وتصفه بأنه حلو، فيجده مراً! فمن ثم سيفقد الثقة في أمه، ولن يصدقها بعد ذلك. مُدرِّسة تقول للأولاد: ذاكروا، عندكم امتحان في يوم كذا، ثم يأتي هذا اليوم، فتقول: أنا كنت أضحك عليكم، وكنت أريد أن تذاكروا فقط. وهي لا تدرك أن هذا أنموذج مدمر لسلوكهم، والكذب شيء ينبغي أن يكون أمامه حاجز قوي جداً. أيضاً أخصائي اجتماعي يدخل إلى الصف فيقول: من آخر واحد على الفصل؟ من آخر واحد في الترتيب؟ وهذه المسالك كثيرة أيضاً.

стр. 37

التهديد بالطرد أو البغض له أمر مهم جداً ينبغي الحذر منه في التعامل مع الأطفال، يقول: لو عملت كذا لن أحبك. وهذا أخطر ما يكون، لأن موضوع الحب مما ينبغي أن يكون فيه تأمين؛ لأن الطفل يصبح عنده شعور بالأمان عندما يشعر أن أباه وأمه يحبانه لا لشيء إلا لأنه ابنهما، فلابد من تأمين الشعور بالحب، ولا تستعمل الحب أبداً للتهديد. لذلك نجد أن الطفل يخاف جداً على موضوع الحب، فإذا وجدك غضبان -حتى ولو من أمر آخر- يقول لك: هل تحبني؟ لأنه ينزعج عندما يرى غضبك ويخاف ويشفق أن يؤثر ذلك على حبك له؛ لأن الحب كالأمان بالضبط، والإحساس بالأمان شيء أساسي في الأسرة. ومن ذلك طرد الولد من البيت، أو تهديده بالطرد من البيت، طفل صغير يبلغ من العمر سنوات معدودات يطرد من البيت، فيلتقطه في الشارع أصحاب المخدرات، أو يتعرض لحادثة مثلاً. فهذا أمر في غاية الخطورة، والطرد غير وارد على الإطلاق، ولا ينبغي أن يذكر أبداً. كذلك موضوع الحب يقول عنه الدكتور محمد كمال الشريف: لاحظ العلماء أن بعض الأطفال يعيشون في قلق دائم، نتيجة إحساسهم أن والديهم لا يحبونهم إلا إذا كانوا متفوقين في دراستهم ومطيعين ومهذبين، فصار الطفل يحرص على المثابرة في المدرسة، وعلى تنفيذ أوامر والديه، خشية أن يفقد حبهما، وهما بالنسبة له كل شيء، وكيف له أن يعيش دون حبهما؟ الوضع الصحيح المتوازن هو: أن نفصل بين الحب وبين التأديب للأطفال، فلا نعاقبهم إن أخطئوا بتهديدهم بأننا لن نحبهم بعد الآن، أو بسحب حبنا لهم فعلاً، بل نعاقبهم إن هم أخطئوا، ونطمئنهم في الوقت نفسه إلى أننا ما زلنا نحبهم، وإن كنا سنحبهم أكثر لو كانوا مستقيمين مهذبين، وأننا لا نكرههم الآن إنما نحن غير راضين عما فعلوا. فلابد أن نشعر الأطفال أن التأديب هو مظهر من مظاهر الاهتمام بهم، وليس مظهراً للكراهية، أو لأنهم خيبوا آمالنا، وتسببوا لنا في الإحباط. فهذا أيضاً أمر مهم جداً، وهو عدم استعمال سلاح الحب لتهديد الأطفال، يعني: لا تقل له: أنا لن أحبك إذا عملت كذا، لكن قل: أنا أحبك لكن لا أحب هذا التصرف.

стр. 38

التخويف بالغيلان والوحوش من هذه المظاهر والسلوكيات التي نعملها ولا نلتفت إلى أنها تصنع المشاكل: موضوع الخوف أو الرعب: فالأم مثلاً رأت صرصوراً فقامت تصرخ وتصعد فوق السرير أو فوق الكراسي وتجمع الناس؛ لأنها رأته! هذا نموذج عملي، والطفل إنما يتعلم منها الخوف مما تخاف هي منه. مثلاً أول ما يقترب من النار ننادي عليه بسرعة: انتبه سوف تحرقك، فإذاً: يتعلم أن يخاف من النار، لكن أن يرى الحشرة ويرى أمه تفزع منها هذا الفزع، فهذه حالة غير مرضية -والله المستعان- فموضوع الخوف من الحشرات بهذه الطريقة الفظيعة ستنتقل تلقائياً إلى الطفل، ويقلد نفس هذا المسلك، فالمفروض أن هذه الأم تحتاج إلى علاج. ومن الخوف المبالغ فيه: الظلام، أو التخويف من الظلمة، سوف أتركك في الغرفة، سأحبسك في الغرفة المظلمة التي فيها الفئران، والتي فيها كذا، كما يصنع في بعض المدارس أحياناً للأسف، أو الغول، أو أن الأم تحكي للطفل قبل النوم قصة مرعبة لكي تخوفه وينام، أو تهدده بالوحوش أو الغول، فهذا أمر مهم جداً، موضوع الخوف يجب أن تعالج الأم منه لكي لا ينعكس على الأطفال.

стр. 39

الفطام الرضاعي والفطام النفسي أيضاً هذه مشكلة شائعة، وعندما تبدأ تدرس حالة نفسية لرجل كبير تقول له: كيف تم الفطام؟ لأن موضوع الفطام الشائع الآن في مجتمعنا للأسف الشديد يجري بطريقة مؤلمة. الفطام باختصار شديد لا يبدأ بعد سنة أو سنتين، لكن يبدأ منذ الشهور الأولى من الإرضاع، بمعنى أنه لابد أن يكون بطريقة متدرجة، فتبدأ الأم تعطيه بجانب الرضاع الطبيعي وجبات معينة معروفة بطريقة معينة تدريجية، بحيث إنه وقت الفطام يكون قد قل عدد مرات الرضاع، وفي نفس الوقت يستغني عن الرضاع الطبيعي، ولا تشكل له مشكلة حياته، لكن المصيبة كلها في الفطام المفاجئ، وهذه تسبب أزمة نفسية حادة بالنسبة للطفل، وتعتبر إساءة بالغة للطفل، والأشد إساءة من ذلك: الطريقة الوحشية التي يستعملها البعض حينما يضعون نبات الصبار البالغ المرارة في الموضع الذي يرضع منه، لكي يصطدم الصبي صدمة نفسية قاسية تمنعه من أن يرضع لأنه سيكره هذا الفعل، وهذا تصرف بدائي ومتخلف وفي غاية الأذية للطفل، يسبب له صدمة شديدة، والطفل ينفعل بهذه الأشياء، ولا أريد أن أطيل في هذه القضية حتى لا نخرج عن الموضوع. الفطام النفسي من المفروض أن يحصل للكبار؛ وهذه أيضاً من المشاكل، فالأب والأم لابد أن يحذرا من النظرة الدائمة إلى الطفل على أنه صغير، وهذه نظرة خطيرة كنا نستخدمها في المجتمع من غير أن نلتفت إلى ضررها؛ فمن رأى طفلاً في الابتدائي أو قبل الابتدائي تظل تلك الصورة مرتسمة في ذهنه فلا يريد أن يعترف بأنه الآن قد صار رجلاً، ودائماً يصطحب هذه الصورة ولا يريد أن يلغيها من مخيلته، فلابد من الحذر من هذا الطفل، كان رضيعاً ثم ها هو شاب قوي يافع، فلا ينبغي أن تعامله على أنه طفل، وهذه مشكلة توجد في كثير من التعاملات الخاصة بين الوالدين، وبالتالي هذه أذية له؛ لأنهم لا يساعدونه على النمو الطبيعي حيث الشعور بالمسئولية والاستقلال. فالفطام النفسي بمعنى: أنه لا يحصل له الاستقلال الوجداني عن الآخرين، ويشعر أنه أسير لإرادة الأبوين، فلا يستطيع أن يوجه عواطفه، أو يأخذ قراراته، أو يستقل عن الآخرين، وهذه قد تكون أكثر ظهوراً مع الأم، حيث تحدث عملية اندماج وجداني وعاطفي يؤثر على الأولاد. فعملية التعلق الشديد بالأولاد خاصة من جهة الأمهات، وكأنهم في سنة أولى في المدرسة، فتذهب معهم إلى لجنة الثانوية العامة، وتتابع الخطوات معهم، وتصحبهم من البيت إلى باب المدرسة، وتقف أمام باب المدرسة تبكي وكأن ابنها مازال طفلاً لا يمكنه أن يذهب بنفسه إلى الامتحان ويصمد في اللجنة. ما هذه الطفولة؟ ما هذه الحماية الزائدة؟ أصبح رجلاً ويدرس في الجامعة ولا زالت تمشي معه لكي توصله إلى اللجنة، ثم تقف حتى ينتهي. هذا سيؤثر على نفسية الشاب الذي دخل الامتحان. أو مثلاً يريد أن يعبر الشارع فيأخذ بيده لكي يعبره، ويكون ابنه قد بلغ عشرين سنة أو أكثر. هذه حماية زائدة، وهذا خطأ في التربية، وهذا مما يعكس عدم الثقة به، ويمدد فترة الطفولة بالنسبة لهذا الشاب. فالأم تظل علاقتها بالابن أو البنت وكأنه يرضع، هذا معنى الفطام النفسي، لا تريد أن تنفطم عنه وتعترف بأنه قد أصبح له كيان مستقل، وهذه تأخذ تفاصيل كثيرة، بالذات بعد ما يتزوج الابن وتحصل بعدها عملية الفطام النفسي، وتسبب له مشاكل كثيرة، مثلاً: التدخل في تفاصيل الحياة، وطلب تقرير مفصل عن كل تصرفات هذا الرضيع الذي لم يفطم حتى الآن فطاماً نفسياً، فالتدخل في أخص الخصوصيات، والتقارير مستمرة عن كل تصرفاته، ولا يزال التصرف هو نفسه جارياً وحتى الآن منذ كان طفلاً رضيعاً. صورة أخرى من مظاهر انعدام الفطام النفسي: الإغداق على الابن بالأموال الطائلة في سبيل أن يرضيه، فهذا أيضاً من مظاهر التعلق المرضي. ومن مظاهر عدم التمتع بالفطام النفسي عند الوالدين: أن هذا الحب الشديد لو انقلب لكراهية يأتي بأمور لا تحمد عقباها. عدم الفطام النفسي بالنسبة للوالدين أو بالنسبة للولد نفسه يجعله يمشي بشخصية اعتمادية على الآخرين، ودائماً لا يقدر أن يتحمل مسئولية نفسه، وهذا غالباً ينتج عنه الفشل في الزواج؛ لأنه لم يصعد إلى مستوى الفطام النفسي، فهو لا يشعر أنه انفصل عن البيت الذي خرج منه، ويولد أيضاً مشاكل أخرى في العلاقة الزوجية تحصل نتيجة عدم الفطام النفسي. ومن المظاهر: التوقف عن اتخاذ أي قرار لانعدامية الاستقلال الذهني أو الوجداني، لابد أن تكون نتيجة هذه التربية الخاطئة هكذا. أيضاً: سهل جداً عليه أن ينخدع بالكبار؛ لأنه دائماً تعود الاعتماد عليهم، وألا يأخذ القرارات بدونهم؛ فالبتالي ممكن أن يسرق بسهولة من قبل النصابين والمحتالين وغيرهم. خلاصة الكلام: أنه حتى يحرز الوالدان الفطام النفسي لابد أن يقفا على الفروق لمراحل العمر المختلفة، وكل مرحلة لها خصائصها، فينبغي أن يخف هذا التعلق كلما تقدم الابن في النمو، ويبدأ الأب والأم بنفسيهما فإذا انفطموا هم عن هذا الولد، فلابد أن يفهم هو أيضاً أن الحب الحقيقي للولد هو أن يصنع منه رجلاً يستطيع أن يأخذ قراراته ويتمتع بحرية الاختيار.

стр. 40

بعض مظاهر الخلل في التربية العملية هناك العديد من مظاهر الخلل في التربية لذا سنذكر بعضها فيما يتعلق بمعاملة الآباء للأبناء.

стр. 41

التفرقة بين الأولاد خاصة بين البنات والذكور، وهذا موجود للأسف الشديد، قال الرسول ﵊ قال: (اعدلوا بين أولادكم، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء).

стр. 42

حرمان الطفل من الترفيه واللعب اللعب بالنسبة لك أنت لعب، لكنه بالنسبة للطفل عمل، وهو أمر مهم جداً، وقد أصبح الآن علماً وفناً ووسيلة علاجية وتشخيصية. فاللعب بالنسبة للطفل أمر مهم جداً، ويجب أن يتم بطريقة علمية مدروسة، إذ كل سن له أشياء تعلمه خبرات في الحياة والفكر والتفكير، وكان الرسول ﵊ يأتي إلى عائشة وهي تلعب بالعرائس فيتركها تلعب بها؛ لأن هذه تربية مبكرة على فطرة الأمومة، ومن أجل ذلك رخص لهن في لعب البنات، وهذا موضوع سنفصله إن شاء الله فيما بعد.

стр. 43

الإلحاح على الترهيب من الخلل أن تكلم الطفل الصغير، ويدور كل الكلام على أن الله إن عصيته سينتقم منك، ويقطع يديك، ويدخلك النار، والنار فيها ملائكة تعذب بكذا، وفيها كذا إلخ. فهذا هو الإلحاح على الترهيب: أنت إذا كذبت ستدخل النار. وهذا غير صحيح؛ لأنه غير مكلف أصلاً: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم-: وعن الصبي حتى يحتلم). إذاً: أنت تكذب عليه؛ فلا داعي للإلحاح على موضوع الترهيب بهذه الطريقة، وهو سيستوعبها بطرق أخرى، فإذا حضر معك في مجلس العلم أو الدرس أو قراءة كتاب، فسيعرف أن الذي يكذب عاقبته كذا وكذا، فلا تقل له: أنت ستدخل النار أو ربنا سيعذبك، بل اجعل التركيز على حب الله ، وأن الله جدير بأن يحب لاتصافه بصفات الكمال والجلال والجمال ولما يغدقه علينا من النعم، وهكذا؛ لأن الطفل لو عمل عملاً صالحاً بنية فإنه يثاب عليه، لكن إذا عمل المخالفات لا يعاقب عليها.

стр. 44

القسوة الصارمة يقسو بعض الآباء قسوة صارمة وشديدة، ومن الأمهات من تسخن ملعقة وتعاقب الطفل بالإحراق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو يضرب الأب مثلاً ابنه حتى يصيبه العمى، فيكون هذا الطفل حاقداً عنيداً طول عمره، لأنه تسبب في عماه، أو يضرب ابنه حتى يبتر يديه بعد أن يربطهما بحبل شديد. كل مشاكلنا تبدأ حينما نجعل عقولنا مثل عقول الأطفال. عليك أن تعلم أنه طفل وأنت رجل عاقل، وما أحسن العبارة التي عنون بها أحد الأخصائيين الصينيين في كتاب اسمه: (طفلك ليس أنت)، فلابد أن تراعي التفاوت في العقل بينك وبين هذا الطفل. والراجح أن الضرب عقوبة للتأديب؛ فهو دواء، ولهذا الدواء شروط؛ إذ معنى الدواء: ما كان سيأتي بالنتيجة المطلوبة. وأكثر الآباء ينظر للضرب على أنه وسيلة لتفريغ شحنة الغضب المتراكمة في قلبه، فيستمر في الضرب حتى يخرج كل ما بداخله من شحنة الغضب، وهذا عدوان صارخ على حرمة الطفل. إن قيام الأب القوي المتين بأن يضرب طفلاً غضاً طرياً حتى يكسر عظمه، ثم يذهب به إلى المستشفى للعلاج، يعد من الوحشية؟ ثم يقول: إن النبي ﷺ قال: اضربوهم لكذا وكذا. والضرب حتى وإن كان مشروعاً؛ لكن لابد أن نفهم أن الضرب ليس مقصوداً به الانتقام من الطفل، بل تأديبه والإحسان إليه، وليس المقصود منه تفريغ شحنة الغضب حتى لا يتوقف الضرب إلا بعد فراغها، فالأب الذي يفعل هذا ظالم معتدٍ، مخالف للشرع الشريف. فالضرب وسيلة تأديبية بشروطها.

стр. 45

الدعاء على الأولاد فالأم تدعو: الله يبتليك بسيارة تصدمك ونحوها من هذه الدعوات التي تدعو بها بعض النساء على الأولاد! وهذا فيه مخالفة صريحة لنهي النبي ﵊: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، لعلها أن تصيب ساعة إجابة فيستجاب لكم) أي: فيندم الإنسان بعد ذلك: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١] وبعض الآباء عندما يختلف مع طفله يتمنى أنه يموت، وكأنه ليس له حق في الحياة، أليست هذه روحاً محترمة لها حرمة ولها حق في الحياة؟ هل ترضى أنت لنفسك أن يدعو عليك أحد بحرمان هذا الحق، أو يقتلك كي يحرمك منه؟ فهذا الطفل له حق في الحياة مثلك تماماً، بل هو أحوج إلى الحياة منك؛ لأنك أخذت فرصة، أما هو فمقبل على الحياة، فكيف تدعو عليه بالموت؟ جاء رجل إلى ابن المبارك يشكو إليه عقوق ولده، فقال له: هل دعوت عليه أم لا؟ فأجاب بأنه قد دعا عليه، فقال: أنت أفسدته بالدعاء عليه.

стр. 46

التربية بالثواب والعقاب هناك التربية بالثواب والتربية بالعقاب، أو التأديب بالعقاب، ولكي نختصر ذلك نقول: إن الإنسان عندما يكافئ الولد على شيء حسن لابد أن تكون المكافأة في الحال وليست مؤجلة. كذلك العقوبة: إذا أخطأ فلابد أن تكون هناك عقوبة فورية ولا تكون مؤجلة.

стр. 47

ضرورة توحيد السياسة التربوية أمر آخر من الأمور التي نريد أن نلفت النظر إليها: تشاجر الوالدين أمام الأطفال، لا يجوز أبداً ولا ينبغي أن يختصم الأب والأم أمام الأولاد مهما كان الداعي، فلا من التوفيق وتوحيد السياسة التربوية بين الأب والأم، لأن الأطفال قد يفسدون بسبب التصادم التربوي. بعض الآباء يحزبون الأولاد في البيت، فهذا تبع الأم وهذا تبع الأب، والولد يلعب على الحبلين. هذا تدمير للأولاد، ولو أن هذين الأبوين عاقلان لما أظهرا أي اختلاف أمام الأبناء، فعلى الأم أن تعطي الأب مكانة لها احترام، وتحافظ على هيبة الأب، ولا تعمل أي تصرف فيه خدش لهذه الهيبة، وتخوفهم بأبيهم: إذا فعلت كذا سأخبر أباك بما صنعت. والكثير من المشكلات والأمراض النفسية تنشأ بسبب الأم المسترجلة التي تريد أن تفرض كلمتها، ولا تريد أن تخضع لزوجها أبداً، فهذه الأم المسترجلة تشقى ويشقى أولادها. ويعتبر الغرب تشاجر الأبوين أمام الطفل نوعاً من الإساءة تستدعي القبض عليهما، وإيداعهما في المصحة النفسية للتأديب والتهذيب والإصلاح الحقيقي، وإذا تكرر هذا السلوك أخذ منهما الطفل ليربى في مؤسسة تابعة للدولة ليصبح ابن الدولة. انظر كيف انتبهوا إلى هذا الموضوع، حتى وصل بهم الأمر إلى اعتبار أن رفع صوت الأبوين أمام الطفل يعتبر انتهاكاً لحق الطفل في الاستقرار النفسي. الصراع بين الأبوين في غاية الخطورة على الطفل، وإياكم أن تظنوا أن الطفل لا يدرك، بل هو يدرك جيداً كل ما يحصل ويترجمه ويختزنه، ويهدد شعوره بالاستقرار، ولذلك يقول علماء النفس: إن الطفل الذي تطلق أمه وتنفصل عن أبيه حالته أقل تعرضاً للخطر من الطفل الذي يعيش مع الأبوين وهما في حالة شجار دائم؛ لأنه في حالة الطلاق سيصطدم مرة واحدة، ويتكيف بعد ذلك مع الحياة الجديدة، لكنه في الحالة الأخرى لن يشعر بوجود الاستقرار ولا بسلام نفسي. يقول الدكتور محمد خليل موضحاً لهذه الجزئية: والطفل يترجم ما يدور حوله ترجمة صادقة دون تحريف أو تزييف، وقد يخطئ الآباء والأمهات في تقدير سلوكيات الطفل لصغر سنه، فلا يتورعون عن النقاش الحاد والجدل ورفع الصوت أثناء مناقشة مشاكلهم، وغاب عنهم أن هذا كله يصل إلى الطفل بمفهوم عاطفي، ويترجم النقاش والجدل والحدة عندما تصل إلى سمعه على أنها رياح قطيعة أو بذور خلاف، ويتأكد ذلك لو أحس ببرود العلاقة بين أبيه وأمه. أي أن هذه المشاعر تصل إلى الطفل بشفرتها العاطفية النفسية، خصوصاً إذا صاحب ذلك اختلاف واضح في معاملة الأم، أو قلة اهتمامها بالأب، أو انصرافها عنه، حتى لو كان ذلك بتغير في نبرات صوتها أو في حرارة حديثها، فهذه التغيرات قد لا تشعر بها الأم، ولكن الطفل يقيسها بترمومتر عاطفي حساس لا يخطئ، فيطوي نفسه على الألم والحسرة، وتقل اهتماماته، ويفقد شهيته، وقد يلفظ ما في جوفه تعبيراً عن رفضه لما حدث. فإذا تكررت المواقف فإن الأعراض تنتهي إلى الأسوأ، فربما تصل إلى الانطواء والخجل والتردد والتلعثم أو التبول اللاإداري؛ إنها رموز مرضية توضح تأثر الطفل بالخلافات لو استمرت بين الأزواج، وكأن الطفل بما يحدث له من أعراض يقول بمفهومه العاطفي النفسي: لا للخصام بين الأزواج لا للقطيعة بينهم. فإذاً لابد أن يكون هناك اتفاق على سياسية تربوية بين الأبوين، فإن كانوا سيختلفون فبصوت منخفض لا يسمعه الأطفال، أو في مكان منعزل، ولا يوجد تعارض في الأوامر بين الأب والأم. وكما أشرت إلى موضوع تحزيب الأولاد إذا كبروا قليلاً، حيث تبدأ الأم بذلك، فهذا لا ينبغي حتى لو انفصل الأبوان، لأن من المفروض ألا تحدث إثارة حقد في نفس الطفل على أبيه، ولا ينبغي إدخال الطفل في صراعات بين الأبوين، ولا أن تتعمد الأم هدم احترام الأب أمام الأولاد، ففي غيابه مثلاً تسخر منه، أو تجرئهم عليه. هذا كله تحطيم للأولاد أنفسهم قبل أن يكون تحطيماً لغيرهم.

стр. 48

موضوع الجهل بصحة الطفل الجهل بصحة الطفل، والمحافظة عليه من الأخطار التي تنشأ نتيجة الجهل، وقد تمس العقيدة أحياناً. أعني أن الطفل عندما يصاب بالتهاب الغدد يأتون بصليب، ويضعون عليه الرماد الأسود حتى يشفى والعياذ بالله. وهذا التصرف في غاية الخطورة، وهي مسألة تمس العقيدة، فهم يظنون أن الكفر يكون شفاء، وليس مناسباً نحن نخوض في مثل هذا. كما أن الأم بعدما تلد تفرز من صدرها شيئاً يسمى في العربية: اللبأ، وهو سائل شفاف، وهو هدية من الله إلى هذا الطفل يحتوي على كمية من المضادات الحيوية وأجسام المناعة وفيتمينات وبروتينات عالية جداً لحماية الطفل، فالأم الجاهلة تهدره أو ترميه، وهذا حرمان للطفل من سلاح طبيعي يعطيه الله إياه وقد منَّ الله علينا الآن بالعلوم الحديثة والتطعيمات واللقاح لحماية الطفل، والأم الجاهلة تغير تاريخ الميلاد أسبوعين أو ثلاثة خوفاً من أن يشرحوا جلده بالحقن أو نحو هذا، فشفقة عليه تمنع التطعيم، والتطعيم من مصلحته، وممكن أن يحصل له مرض شديد في هذه الفترة نتيجة عدم المناعة، أي: نتيجة الجهل. فهو الوالد يفهم أحسن من الأطباء، وسيمنعه من الأطباء الوحوش حتى لا يوخز من قبلهم بالمشرط والإبرة. ومن ذلك: إذا أصيب الطفل بالتهاب في اللوز، يقال له: ابلع بيضة مسلوقة! وكأنه ثعبان سيبلع بيضة! ومنذ مدة قريبة وجد شاب صغير كان عنده التهاب في اللوز، فقال له جاهل من أمثال هؤلاء الأمهات الجاهلات: ابلع بيضة مسلوقة فبلعها، فوقفت في صدره حتى اختنق ومات! وهذه جريمة قتل بسبب الجهل. هذه الأشياء ليس هذا وقت الكلام عنها، لكن الموضوع صعب، ونحن نتناوله بصورة شاملة، وحتى لم ندخل بصورة منهجية في قضية واحدة، فكل قضية مما ذكرنا تحتاج لتأصيل علمي في ضوء علوم الشرع الشريف، وسنة النبي ﵊ الذي هو خير معلم وخير مرب على الإطلاق، وفي ضوء العلوم الحديثة التي هي مبنية على ملاحظات حسية ودراسات علمية، لا شك أنها في كثير من الأحيان تكون مصيبة. أرجو أن أكون قد أفلحت في إيصال رسالتي إليكم، وهي: أن نلتفت إلى أهمية محو الأمية التربوية، هذا هو كل ما أريد أن أوصله بهذا الحديث الطويل، فهناك تربية، وهناك منهجية في التربية، وهناك أمية نعاني منها كلنا، وندفع ثمنها باهظاً.

стр. 49

الأسئلة

стр. 50

علاج تدهور العلاقات بين الزوجين السؤال لي زوج يضايقني ويعتدي على حقوقي إلخ، فأرجو أن تجد لي حلاً لذلك؟ الجواب يبدو أنها صرخة استغاثة من إحدى الأخوات، خلاصتها: يظهر أنها في مشكلة مع زوجها الذي يضايقها، ويجازي الحسنة بالقهر والإذلال وبالقوة والإجبار. وهذه من المشاكل الاجتماعية؛ لأنها أمور واقعية كلها، وتحتاج إلى توجيه، وأنا لا أحب أن أتناول هذه المشاكل بصورة جزئية؛ لأنها تحتاج إلى شيء من التفصيل، لكن عليها بدعاء الله أن يصلح حاله. وأيضاً: هذه الشكوى من هذه الزوجة التي تعاني من زوجها، لابد أن يعترف الزوج رغماً عنه بها؛ لأنها ليست أمة عنده، بل هي آدمي له حقوقه وله حرمته، فإذا كان الزوج يقوم بحق الزوجة، صائناً لها، مراعياً لواجباته نحوها، فليس للأب أو للولي أن يتدخل، لكن إذا حصل خلل ولم يفلح الزوج في حل مشاكله، فمن حقها أن تشتكي إلى ولي أمرها ليتدخل في رفع عنها الظلم. وبعض الناس يتعامل مع الزوجة على أنها أمة، وبعض الناس يتصور أنه بالزواج أصبحت المرأة شجرة يقتلعها من جذرها من بيت أهلها، ولابد أن تقطع الصلة تماماً بأهلها. بعض الإخوة عندهم قابلية للتطرف، ولديهم غلو شديد في التعامل، وأنا تكلمت مراراً وتكراراً أن العلاقة بين الزوجين لا تحكمها المعادلات الرياضية؛ إذ ليس الموضوع أن هذه حقوقي وواجباتي وتلك حقوقك وواجباتك، بل التعامل أساساً يبنى على التراحم: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فمن المعروف الإحسان، ومن أفضل نساء العالمين فاطمة ﵍، فلما تزوجت قسمت الأعمال بينها وبين أم علي رضي الله تعالى عنه، فكان عليها وظائف البيت، وأمه لها وظائف خارج البيت، وهي بنت أشرف خلق الله ﵊، ومع ذلك هل قالت: أنا بنت الرسول ﵊، ولا يليق بي هذا؟ فالمفروض أن الأساس في التعامل بين الزوجين هو التسامح والتراحم والتغافر والإحسان. والرسول الذي هو أشرف خلق الله كان في خدمة أهله، وكان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويخدمهم في البيت، فإذا جاءت الصلاة كأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه، تعظيماً لأمر الله! البيت ليس محكمة، ولا قسم شرطة، ولا ثكنة عسكرية يجتمع فيها جندي وضابط وعسكري، بل التراحم والتسامح والتساهل في التعامل، هو الأصل عند التنازع في الحقوق والواجبات. فنوصي الإخوة بأن يرحموا الأخوات، ويتقوا الله فيهن، ويراعوا أن المرأة لها تركيباتها العاطفية والنفسية والعقلية المخالفة للرجل، ولها خصائص ينبغي أن تراعى، وأن يرحمها حتى تكون العاقبة إن شاء الله أن يرى ذلك في أولاده فيما بعد.

стр. 51

طبيعة الطفل ومراحل نموه السؤال كيف يمكن معاملة الأطفال وهم صغار، وفي المراحل المختلفة من أعمارهم، ونأمرهم بالصلاة؟ الجواب إذا فهمنا طبيعة كل مرحلة من مراحل نمو الطفل نستطيع أن نفهم كيف نوصل له الرسالة التي نريد أن نوصلها إليه بما يطيقه، فالطفل في السنوات الأولى يكون تفكيره متحجراً، فهو تفكير مادي حسي لا يدرك إلا الأمور المحسوسة، وإذا نظرنا إلى الدراسات التربوية الحديثة ونتائجها التي يفرح بها الغرب جداً، ثم تأملنا في هدي النبي عليه الصلاة السلام، فإننا سنجد مظهراً جديداً من مظاهر الإعجاز وصدق النبوة. فالطفل في المراحل الأولى إلى سن سبع سنين أو قبل ذلك يدرك الأمور بالطريقة الحسية، ولو حدثته عن الجمال والعدل والنزاهة وغيرها من المعاني المجردة التي لم يدركها، لكن يدرك الأمور التي يراها بعينه، يراك تصلي فتجده راكعاً أو ساجداً على الأرض يعمل مثلك من غير أن تكلمه، فهو يتقمص شخصية الأب ويقلده؛ لأنه يتأثر بالأمور الحسية، البنت ترى أمها تستتر من الرجال فتعمل مثلها تماماً، ثم حينما تصلي تضع الحجاب وهكذا. فالأمور الحسية التي يراها أو يسمعها يدركها، لكن أمور المعاني لا يدركها، فلذلك الصلاة في المراحل الأولى ستلاحظ الطفل إذا كنت تحافظ على الصلاة أمامه سيحاول يقلدك، وبعد سبع سنين يبدأ الإنسان في أمره بالصلاة، حتى يتعود عليها، وبعد ذلك تتابع عليه الأوامر، لكن يربطه بالمسجد من غير قهر أو عقاب، بل نجعل له الصلاة مكافأة، فنقول له: إذا عملت الشيء الفلاني فسوف آخذك معي إلى المسجد، أعني: أن تحببه إلى المسجد. موضوع الضرب أيضاً يفهمه الناس خطأ: (واضربوهم عليها لعشر) فلنفرض أنه أمره إلى العاشرة، فهل يبدأ بالضرب؟ لا يبدأ بالضرب، وكما قلت: الضرب له شروط سنناقشها بالتفصيل إن شاء الله.

стр. 52

كيفية التعامل مع أب يطرد أبناءه السؤال أب غير ملتزم يصل به العنف إلى حد الطرد من المنزل بالأسابيع، وعدم قبوله في المنزل مع عدم الكلام، ولا يأكل معه، ويصرح له دائماً بأنه يكرهه، والابن أحياناً يحاول التقرب إلى أبيه فيزيد ذلك من حدة المعاملة، ولسوء معاملته فالابن يفر دائماً من الالتزام؟ الجواب المفروض أن يذهب هذا الأب لأخصائي نفسي ويأخذ استشارة منه، ولا أريد أن أقول: علاجاً؛ لأن ليس معنى الذهاب والتعامل مع أخصائي نفسي أنه سيعمل لك العلاج مباشرة، وليس معناه أنك مجنون، فهذا من الفهم المتخلف لموضوع الخبرة النفسية. والمفروض أن أولى من يمارس العلاج النفسي هم الدعاة إلى الله ؛ لأنهم أكفأ الناس وأقدرهم عليه، خاصة أنهم يعملون في ضوء الوحي الإلهي بجانب هذه العلوم المرتبة والمنسقة، لكن الواقع أن معظمنا عنده تقصير في هذا الجانب. أو يذهب إلى طبيب نفسي ملتزم ومتدين، وأضع عشرة خطوط تحت متدين أو ملتزم؛ لأنه يكون ذا خبرة حقيقية في هذه المجالات. المشكلة في هذا الأب وليس أولاده، فهو محتاج إلى استشارة نفسية، وإلى أن يعترف بأخطائه؛ لأن أول علاج أن نعترف بالخطأ، ومشكلتنا أننا ننكر ذلك دائماً، يظل الأب يضرب ويطرد ثم يتصور أن هذه هي التربية، وأن التربية أن يضرب وتهدر كرامته، وتحطم نفسيته حتى يكون رجلاً. وهذا تفكير عجيب جداً، فمثل هذه المشاكل الأب محتاج فيها إلى العلاج، ويحتاج إلى أن يذهب إلى أخصائي نفسي للاستشارة النفسية، ويعترف بكل سلوكياته مع أولاده. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 53

[القسم الأول] الطفل العنيد فطر الله الخلق على أمور عدة هم متفقون فيها، ومن تلك الفطر العناد، وهي مرحلة يمر بها كل الأطفال في مراحل عمرهم الأولى، وهي ناشئة عن حب الاستطلاع والمعرفة وأمور أخرى، ومع كونها فطرة إلا أنها إذا رشدت ووجهت أثمرت، والعكس بالعكس.

стр. 54

علاقة العناد بفطرة الأطفال إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فشكوى ذكرت من بعض إخواننا الأفاضل سواء الآباء أو الأمهات تتعلق بمشكلة من مشاكل الأطفال، وهي العناد، وسوف نتكلم في شيء من هذا، وأرجو من الله تعالى أن يكون في الحديث عنها فائدة سواء لمن كان يعاني من هذه المشكلة، أو لمن يمكن أن تكون عنده فيما بعد. فالشكوى هي من الطفل العنيد، وكيف نتصرف مع الطفل العنيد؟ الإنسان إذا لم يفهم لماذا يعاند الطفل فسوف يؤدي به ذلك إلى أن يسلك مسالك تزيد من هذا العناد، وتشوه صحة الطفل النفسية، فالطفل الذي لا يسمع الكلام، أو الذي لا يطيع، أو العنيد إذا لم يتحقق له طلبه فإنه يرمي بنفسه على الأرض ويصرخ ويضرب رأسه بالحائط، ويفعل مثل هذه الأشياء المعروفة عنه؛ حتى إنه قد يرفض الدخول للامتحان، وإن دخل فإنه يترك الورقة فارغة مع أنه مذاكر ويعلم الحل الصحيح، وكل ذلك عناداً! فما تفسير هذا السلوك؟ وكيف نتعامل مع الطفل العنيد؟ نقول: إن عدم الطاعة من الطفل، أو العناد في السنوات الأولى من العمر -قبل سن الخامسة- يعتبر سلوكاً طبيعياً؛ لأن الطفل في هذه المرحلة مدفوعاً بغريزة أو فطرة حب الاستطلاع واكتشاف البيئة من حوله، فقد لا يستمع لأوامرك أو نواهيك ويتمادى فيما يريد هو أن يفعله، فهنا لا ينبغي أن نفسر هذا على أنه عناد بمعنى العناد كما يكون من الكبير؛ لأن الطفل في هذه المرحلة يكون مدفوعاً دائماً في تصرفاته بحب الاستطلاع، وهذه من فطرة الله ، فالطفل مغروس فيه حب الاستطلاع، وهي فترة حساب المعلومات، وفهم البيئة من حوله، واكتشاف نفسه والآخرين من حوله. وربما كان الأبوان هما السبب في استخراج العناد من الطفل؛ لأن القاعدة تقول: (إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع) فلابد أن يحصل اعتدال من الأبوين حينما يأمران الطفل بأمر معين؛ لأنهما ربما يضطرانه إلى التمرد والعصيان إذا كانت أوامرهما غير معقولة. كذلك لابد أن يتسم سلوك الأبوين بالحزم المرن، لابد أن يكون هناك حزم لكنه حزم فيه نوع من المرونة، ومقترن بالحب والحنان.

стр. 55

معنى حرية الطفل حرية الطفل أمر مهم جداً، فلابد أن تترك مساحة حرية للطفل، وبعض الناس يكون عنده نوع من الهوس في التربية بطريقة جاهلة؛ فنجد الأم بحجة أنها تريد أن تربي الطفل أو الطفلة ليس عندها هّمٌّ غير إحصاء الأخطاء، والتعليق على كل صغيرة وكبيرة تصدر من الطفل، ومتابعته في كل تصرف، فينشأ بعد ذلك اضطرابات في هذا الطفل؛ لأنه شيء فوق طاقته، ولأنها أم غير خبيرة بالتربية، فتحمل الطفل عبئاً شديداً، وتزن عقلها بعقل الولد. ولذا دائماً أكرر بأن هناك مشاكل في التربية، ونحن ننسى القاعدة المهمة جداً في عملية التربية التي أرساها بعض المؤلفين في كتاب بعنوان: طفلك ليس أنت، أي: من يضرب الطفل الضرب المبرح ولا يتوقف عن الضرب حتى يشفي غليله فإن هذا لا يربيه، كما أن الشرع لا يجيز مثل هذا السلوك؛ لأن الضرب إنما يجوز بشروط كثيرة جداً.

стр. 56

شروط ضرب الأولاد ضرب الأولاد الذي أجازه الشرع يكون دواء؛ لكن إذا كان الضرب نفسه داءً وضرراً ومشكلة، فلا، فبعض الناس كأنه يشعر بالإثم إذا لم يضرب ولده، وكذلك بعض الناس حاله هكذا مع النساء، كلا، الضرب إنما أبيح لضرورة تربوية، إذا أتت بعاقبة حسنة، ولم توجد وسيلة لتقويم هذا الطفل إلا هي. ثم متى يكون الضرب؟ بعد عشر سنين، يقول النبي ﷺ : (واضربوهم عليها لعشر سنين). فنجد بعض الذين يتمسكون بالسنة من الآباء والأمهات يتركون الاهتداء بهدي الشرع في التربية، فيضربون من كان عمره خمس أو أربع سنين أو سبع أو ثمان سنين! كما أننا نجد غلواً في بعض الآباء عندما يضرب الطفل بعد البلوغ، فالمكلف لا يضرب، وإلا فما معنى التكليف؟ أنت تنمي فيه شعور المسئولية، فقل له: الملائكة تكتب عليك الآن كل تصرفاتك، فبالتالي أنت مسئول أمام الله عن تصرفاتك فعليك أن تنصحه وتوجهه وتجتهد في نصحه، لكن الضرب مع شخص طويل عريض ربما لا يجدي، وكيف تضرب من أصبح رجلاً؟! إن الذي قادنا لهذا الكلام هو: موضوع مساحة الحرية التي تعطى للطفل، فموضوع الغلو في الاهتمام بالتربية قد يوصل إلى مستوى الوسوسة من بعض الآباء، ويجعل كل همه طوال النهار هذا الطفل؛ بحجة أنه يريد أن يحسن تربيته، وإذا تكلم فإنه يعلق عليه ويوبخه، وإذا تصرف كان وراءه مثل الظل، فهذا كيف يتحمله ولده؟! فالشاهد أنه لابد من وجود مساحة حرية للطفل، وأحياناً كثيراً نتغاضى عن الأخطاء، بدون التعليق على كل خطأ والنقد لكل شيء؛ لأنك بهذا تفقده الثقة بنفسه، فلابد من مساحة حرية للطفل تتيح لشخصيته أن تتبلور وتتكون. فالكبت والقهر الدائم له آثاره كما قال الشاعر: وإذا ملكت نفوساً تبغي رضاها فلها ثورة وفيها مضاء يسكن الوحش في الوثوب من الأسر فكيف الخلائق العقلاء ومن شروط ضرب الأولاد أن الإنسان لا يضرب ولده وهو غضبان، ولا يجوز للمربي أن يضرب وهو غضبان أبداً. ويكون الهدف من الضرب التأديب، لا كما يحصل من الذين يدعون أنهم يتبعون السنة في الضرب، وعندما يضرب وهو غضبان يفرغ شحنة الانفعال التي أوجدها تصرف الطفل في قلبه، فهو من غيظه وشدة غضبه وانفعاله من تصرف الطفل يلجأ للضرب، فعليه أن يعالج نفسه لا الطفل، فهو يدمر الطفل؛ لأنه إذا ابتدأ بالضرب لا يرفع يديه حتى تنتهي الشحنة كلها! وهذا انحراف في الهدف التربوي؛ فلا يضرب الإنسان وهو غضبان. من آداب الضرب أن الطفل إذا ذكر الله تتوقف عن ضربه؛ حتى تغرس فيه أنك تخضع لاسم الله وتعظمه. أذكر مرة أني كنت في أحد الدروس، وكنت أتحدث عن موضوع الضرب وضوابطه، ولما انتهيت من الحديث أتاني طفل صغير وصافحني، وقال لي: جزاك الله خيراً يا شيخ! ثم قال لأبيه بلغته: شايف الشيخ بيقول إيه؟! فالشاهد: أن اتباع السنة والاقتداء بهدي الشرع الشريف لا يتجزأ، لا نأخذ البعض ونهمل البعض، ونخالف ونتعلل بالسنة، فالضرب شيء له قواعده عند الضرورة، وبعد سن معينة، وإذا كان لا يضرب على الصلاة، فهل هناك أهم من الصلاة؟! كيف تضربه لأنه كسر كوباً، أو سكب اللبن، أو ضرب أخاه؟ هذه لا تصل لمستوى ترك الصلاة، وإذا كانت الصلاة لا يضرب عليها قبل العاشرة، فكيف يضرب على ما سواها قبل العاشرة؟! بعض الناس بتربيته السيئة فتح الباب لبعض العلمانيين والملاحدة من أعداء الإسلام فشنعوا على المسلمين عملية ضرب الأطفال. الشاهد: لابد أن تعلم أن طفلك ليس أنت، وكل الخطورة أنك تقيس تصرفاته بعقلك أنت، فأنت وأنت صغير كنت ترتكب نفس الأخطاء، وهنا قاعدة مهمة: وهي أن الابن الذي يُضرب لابد أن يضرب أولاده حتى لو كان ساخطاً على سلوك أبيه، ويحصل هناك نوع من التقمص والتوحد مع المعتدي، فيسلك نفس السلوك فيما بعد لأن هذا شيء مضطرد بالاستقراء، فغالباً يصدر منه نفس الشيء، ويجني على أولاده بنفس هذا السلوك.

стр. 57

كيفية التعامل مع تعبيرات الطفل السلوكية الغاضبة إن سلوك الوالدين مع الطفل العنيد لابد أن يتسم بالحزم المرن المغلف بالحنان والحب والعاطفة، مع ترك مساحة حرية للطفل حتى تتكون شخصيته وينمو كما هي سنة الحياة. ضابط آخر عند غضب الوالدين من سلوك معين من الطفل كالعناد أو التحدي أو نحو ذلك: لا ينفع أن تظهر غضبك للطفل دون أن تشرح له الأسباب التي أدت إلى غضبك، أو تشيح عنه بوجهك، وتعرض عنه، أو تعاقبه وهو يقول لك: ماذا عملت؟ فتقول له: هكذا فقط! لا، الصواب أنك عندما تغضب من فعل أنك تعْلِمه بسبب هذا الغضب؛ لأنه لا يستطيع أن يقرأ أفكارك، ولم يصل بعد لمرحلة من النضج تؤهله لأن يفهم ما الخطأ الذي صدر منه؛ ففي هذه الحالة يجب أن يتفهم الطفل الأسباب التي أدت إلى غضب الوالدين. هناك نقطة مهمة وهي: أن الغضب أو العناد في السنوات الأولى من سنتين إلى خمس سنوات مثلاً يعتبر سلوكاً عادياً؛ لأن الطفل كلما وقع في مشكلة حاول أن يحلها أو يتفاعل معها بطريقة بدائية تتناسب مع عقله وإمكاناته، وما هذه الطريقة البدائية؟ إنها البكاء والصراخ، هذه هي اللغة التي يستطيع أن يعبر بها؛ لأنه توجد لغات معقدة ولغات بسيطة تعتبر طريقة للتواصل مع الذين يحيطون بك، مثلاً: إشارات الكهرباء في السيارات (اللمبات) لغة سهلة جداً، ولغة بسيطة، إذا كنت ستنحرف يميناً تعطي الضوء لليمين، أو شمالاً تعطي الضوء للشمال، أو سوف تنتظر تعطي ضوءاً معيناً، وهكذا. الشاهد: أنها لغة سهلة للتواصل، والطفل عنده أيضاً لغة بدائية هي البكاء، وهو إعلان عن العجز عن حل المشكلة؛ فيطالب بالمعونة عن طريق البكاء، كأنه يقول: تعالوا ساعدوني في هذه المهمة التي أنا عاجز عن حلها، فالغضب في هذا العمر -من سنتين إلى خمس سنوات- يعتبر شيئاً عادياً؛ لأن الطفل يحاول حل مشاكله بالبكاء ليعلن أنه غير قادر على حل مشكلته بنفسه فيطلب المعونة بالبكاء. بعد الخمس السنوات إذا وجد الغضب، والعناد، والتمرد، والتحدي من الطفل فهو يعكس أحد أمرين: إما أنه غير متكيف مع الأسرة في جو البيئة الأسرية، وبالتالي فإن هذا يعتبر النواة لحصول اضطرابات نفسية بعد ذلك، والله أعلم. وإما أنه يعكس شعوره أحياناً بالقهر أو الظلم أو العدوان. وبالنسبة لعدم التكيف مع الأسرة والبيئة، فهناك نوعان من التكيف: عدم تكيف، وسوء تكيف. أما عدم التكيف فبسبب صدمة نفسية، مثلاً: وجود طفل آخر، ولد له أخ أو أخت فجأة، والاهتمام تحول للثاني، فهذه تعتبر صدمة له، فلا يتكيف مع هذه الحالة، أو تكون هناك مؤشرات على أمور غير سليمة مر بها في الأسرة أو المدرسة أو البيئة. أما سوء التكيف فينتج عن استمرار الرفض والغضب والعناد والمشاجرة، ويظهر دائماً أن ردود أفعاله انفعالية، ويتفاعل مع الأحداث. لابد أن نفهم أن غضب الطفل بعد سن الخامسة يأخذ صورتين: الصورة الأولى: إما أن يستخدم المخزون اللفظي، ويعبر بالكلام عن الغضب أحياناً؛ لأنه في الخامسة من عمره أصبحت لديه مفردات لغوية كثيرة يستطيع أن يعبر من خلالها عن مشاعره أو احتياجاته، فيعبر عن الغضب بالألفاظ: يشتم، يهدد، يتوعد، يخرب، يتلف حاجات معينة، يكسر، والتربيون ينظرون إلى هذا على أنه أسلوب سليم، أي: بالنسبة لسلوك آخر في غاية الخطورة، فالطفل الذي يعبر عن مشاعره فهذه ظاهرة شبه صحية وسليمة، لماذا؟ لأنها دليل على وجود طاقة فاعلية بداخل الطفل يفرغها من خلال السب أو الشتم أو الانفعال، والمراد بالشتم بغير الألفاظ البذيئة غير المقبولة منه مع الكبار مثلاً، فاتركه يطلق طاقة الغضب، وحذره من الشعور بالقهر أو الكبت. فإذا كان الطفل يعبر عن غضبه بأن يكسر شيئاً أو يتكلم بألفاظ معينة لكي يعبر بها عن الغضب، فهذه تعتبر فرصة جيدة كي يقيم المربي جسوراً من التفاهم والتواصل مع هذا الطفل، ويعلمه أن هذه ليست الطريقة السوية التي تعبر بها عن غضبك، وأن هناك طرق أخرى كالتفاهم والشرح ونحو هذه الأمور. الصورة الثانية: وتكون بعد العاشرة، فإذا استمرت هذه الصفة بعد هذا السن فهذه مشكلة، وصار لا يعبر بالألفاظ عن الغضب والتذمر، بل يقاوم مقاومة سلبية، وهذا في غاية الضرر؛ لأن الطفل يغضب وينفعل لكن تظهر عليه الكآبة السلبية، والانطواء، والانعزالية، وهذا خطر جداً؛ لأنه بعد ذلك لما يكبر يركز على ذاته ويرفض الحياة، ويصبح العناد وسيلة لإثبات الذات إذا لم يستطع إثباتها في هذا السن، فيتخذ وسيلة يحقق بها ذاته من باب: خالف تعرف، وهؤلاء معرضون للأمراض العصبية، وهو سلوك يقوم على الكبت الذي لم يخرج ولم يتحرر، فيهرب دائماً من الحقيقة، أو يهرب من مواجهة الواقع ويتقوقع، وربما هرب إلى أحلام اليقظة ويعيش في الخيالات، ويبتعد دائماً عن الحقيقة، ولا يستطيع أن يواجهها ويتمحور حول نفسه. فلابد أن يعبر الطفل عن انفعاله بالغضب بوضوح أو بالكلام أو بالأفعال، ويهذب هذا السلوك ويقوم، ونعدل له وسائله في التعبير عما في داخله، فأنت عندما تكون لك حاجة تتكلم عنها بصراحة، ونحن ندرس الموضوع، وما نقدر أن نعمله لك نعمله إلى آخره. فلابد من وجود نوع من التواصل مع الطفل بحيث يعبر عن انفعالاته ولا يكبتها، ولا يحس بالقهر والكبت والظلم، وفي نفس الوقت نعدل له طريقة التعبير، فنقول: هذه طريقة غير لائقة وغير مهذبة للتعبير عن الغضب الذي في داخلك.

стр. 58

علاج العناد الزائد وكبح جماح الطلبات أحياناً يحدث التدليل الزائد للطفل، فالأم تريد أن تبين له أنها حنونة وعطوفة، وهي كذلك حقيقة، لكن ليس عندها فقه التربية، فكل ما يطلبه ينفذ له مهما كان، وبغض النظر عن أي اعتبار! فالطفل الذي يدلل هذا التدليل الزائد يظهر عنده أيضاً العناد والغضب ونحو هذه الأشياء، لماذا؟ لأنه تعود على أن طلباته تلبى ولا ترفض أبداً، ولم يوجد عنده شعور بضرورة ضبط النزعات، وتعود أن كل ما يشتهيه يناله بسبب التدليل الزائد عن الحد، وبالتالي إذا حصل له حرمان -حتى لما يكبر- من شيء معين، فإنه تظهر منه أفعال بدائية طفلية؛ لأنه إذا ظل طوال ثمان سنوات يغرس فيه التدليل الزائد، وكل ما يشتهيه يشتريه ويناله، ولا يعرف الرفض على الإطلاق، فكيف يتعود على مقاومة رغباته حينما يكبر؟! ومن الأمور المهمة في حل هذه المشكلة: المناخ الأسري داخل البيت؛ لأنه توجد أشياء كثيراً ما تؤثر على الطفل وتصنعه، والتربية العملية لا تتوقف، فهي تحدث ليلاً ونهاراً، وكل سلوك من الأب أو الأم وتعامل من قبل الأب أو الأم مع الأولاد في طريقة الأكل والنوم وغير ذلك من التصرفات فهي تربية، ولذلك لابد أن يقدم الأبوان قدوة حسنة للأطفال؛ لأن هذه هي التربية الحقيقية الفعالة المعايشة؛ فيتشربان القيم والمعايير والسلوكيات من الأبوين. وأخطر شيء ينعكس على نفسية الأطفال: هو علاقة الأب والأم، وهذا أمر مهم جداً، إذ لابد من حصول توافق بين الأب والأم، لابد أن يوجد الاحترام المتبادل، فلا يرى أباه يضرب أمه أو يشتمها أو يهينها، وإذا ما وجد هذا النموذج فإنه ينعكس انعكاساً سيئاً جداً على سلوك الطفل، وعلى طريقته في التفكير، وعلى علاقته بزوجته بعد ذلك في الحياة، ولابد أن يصنع نفس ما رأى من والده، فبالتالي لابد من حصول الانضباط في سلوك الكبار. نحن نشتكي من تصرفات الصغار، وأنتم -أيها الكبار- هلا قدرتم على ضبط سلوككم أمامهم على الأقل، وإن كان ولابد من المشاكل والشجار فيكون في غرفة مغلقة بصوت خفيف لا يسمعه الأطفال، أو في مكان خارج البيت، لكن إذا عاين الأطفال القلاقل والمشاكل والإهانة والاحتقار ونحو ذلك؛ فإن هذا بلا شك سوف ينعكس انعكاساً سلبياً على سلوكهم وتفكيرهم. الطفل يشعر بالأمان بين أب وأم متوافقين، بينهما احترام ودفء عاطفي، ولا شك أن هذا يهيئ مناخاً يساعد على الصحة النفسية للطفل. أحياناً يحدث نتيجة لعدم توحيد السياسة التربوية، من كون أحد الأبوين يحب هذا الابن أو يميل إليه أكثر من إخوته الآخرين مثلاً، فنجد طفلاً رغم أنه صغير لكنه ماكر، فيعمل عملية استفزاز، أو سوء استغلال لهذا الميل، فلو كان الأب هو الذي يدلله، ويحقق له كل رغباته، ويبالغ في إظهار المحبة له، فالطفل قد يستعمل سلاح أبيه ضد أمه أو إخوته. مثلاً: إذا طلب من الأب شيئاً فرفض، فرمى بنفسه في الأرض، وصرخ وضرب رأسه بالحائط إلى آخره، فجاءت الأم لما رأته غضباناً وقالت: يا حبيبي! تعال، وتحقق له طلبه، فهذا السلوك والتناقض في الموقف الواحد يوصل رسالة للطفل مضمونها: إن هذه الطريقة هي الطريقة السليمة لتلبية رغباتي، فيغضب ويعاند ويرمي بنفسه في الأرض، فالأم تخضع بعاطفة الأمومة، رغم أن أباه قد رفض أن يعطيه ما يريد، فهو يستغل عدم توحيد السياسة التربوية. قلت لكم: الطفل مكار ولئيم، وقد يستعمل سلاح الغضب والعناد والتحدي والصراخ والبكاء مع من أثبتت تجاربه السابقة نجاحها معه، وبعضهم فهم أنه لا أمل، ورأى أن أباه حازم وصارم ولا فائدة منه، إلا أنه يستعملها مع أمه؛ لأنه يعلم النتيجة، فهذا يدل على أنه يفهم الطفل عن طريق التجارب، وينبغي للأبوين أن يوحدا السياسة التربوية، ويعلما الطفل أن البكاء والصراخ والعناد والتكسير ليست طريقة يمكنه من خلالها الحصول على رغباته، وأنه لابد أن يتعلم الطفل التحكم في رغباته، ويتعود أنها قد لا تحقق، ومن فترة لأخرى يوجد إحباط صغير محدود، فتقول له: أنا الآن لا أقدر أن أشتريها لك، لكن في أول الشهر سأشتريها لك، وهذا فيه تدريب له على ضبط نزعاته، حتى لو كان درساً مؤقتاً لكنه مفيد. وأحياناً تحرمه نهائياً، وتأتي له بسبب معقول، وتدربه على أن يحد من مطالبه، ويقف من المطالبة إلا إذا حصلت القدرة على ذلك. خلاصة الحديث: أن التضارب في الموقف التربوي الواحد بين الأب والأم خطأ؛ فالأب يبيح، والأم تحرم، الأب يقول: نعم، والأم تقول: لا، الأم قد تظن أنها سوف تكسب ابنها عندما تدلله تدليلاً زائداً، ولا تعلم أنها تخسره وتفسده، وتوجد قاعدة في سلوكياته: أنه يلجأ إلى الطرف الآخر من أجل حمايته واستجابته تحت تهديد سلاح الغضب والعناد، طبقاً للوقت الملائم ومع الشخص المناسب؛ لخبرته السابقة. وليست هذه هي المشكلة، إنما المشكلة أنه عندما يخرج إلى المجتمع الخارجي سيعمم نفس سلوكياته، والمجتمع الواسع في المدرسة أو البيئة لن يرحمه بالطريقة التي كانت أمه تدلله بها، فيأتي ليحقق رغباته فيصدم بحقيقة المجتمع؛ فيحصل له إحباط، وينزوي في نفسه، وتحصل له مشاكل. على أي الأحوال الحق دائماً وسط بين طرفين: الغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط.

стр. 59

وسطية التربية بين التدليل والقسوة الإفراط في التدليل خطر، والإفراط في القسوة والحرمان أيضاً خطير على الطفل، الإفراط في التدليل يصنع من الطفل طاغية صغيراً، فالتعود على أن تشبع حاجاته حتى الحاجات الثانوية والتافهة خطأ، نعم هو طفل، وله احتياجاته الأساسية ولابد من شيء من التدليل والحنان وتحقيق رغباته؛ لكن بقدر متوسط، فتشبع احتياجاته الأساسية: الأكل والشرب والملابس إلى آخره، تشبع حاجاته الأساسية دون تدليل، وإلا فالطفل سوف تحوله أنت إلى طاغية صغير، ويصبح ملكاً غير متوج، والتاج ليس على رأسه إنما على رأس الأب، لكن في الحقيقة هو الآمر الناهي المتحكم في الآخرين. في الجانب الآخر: هناك إفراط في القسوة والحرمان أيضاً، وهذه في غاية الخطورة، الأب يريد أن يحول البيت إلى ثكنة عسكرية، أوامر ونواهٍ، ضابط وجندي، وكأنه في الجيش أو في الشرطة! لا يوجد تراحم أو مرونة، فموضوع الثكنة العسكرية والرقابة المستمرة لا تنتهي، يحرص على التعليق على كل تصرف، والتوبيخ على كل سلوك، وهذا يؤدي إلى أنه يحرم من فرصته في إثبات ذاته؛ لأن الإنسان في النظام العسكري ليس له إرادة، ولابد أن تسلب منه الإرادة حتى تسير الأمور في الحرب وفي غيرها، والأمور الإدارية والروتينية تحتم وجود ضابط وجندي، هذا يقرر والثاني ينفذ، لكن هذا الوضع في البيت سيحرم الطفل من فرصته في إثبات ذاته؛ لأنه يرى أنه يخنق نفسه ولا يحقق ذاته. الشاهد: أن تحويل البيت إلى مناخ ضابط وجندي يحرم فيه الطفل من إثبات ذاته، وتسد الطرق السوية التي يجب أن يسلكها لكي ينمو نمواً طبيعياً، فحينها ليس أمامه إلا المقاومة عن طريق المقاومة السلبية بالعناد أو التحدي، فلابد من ترك الطفل على تهيئته، وإعطاؤه مساحة من الحرية ومرونة وتدريب على التعاون؛ ليوجد تواصل، ويحصل التعاون بين الطرفين، ونستجيب أيضاً لطلباته المعقولة، ليس الحرمان لأجل الحرمان لا، لا بد من الطلبات المعقولة التي تجاب حتى لا يشعر بالقهر والظلم. ومهم جداً في التعامل معه: إشعاره بالأمان والدفء العاطفي والتقدير والاحترام، ونحذر كثيراً من عملية التحقير الذاتي؛ فعندما تنتقد من تربيه سواء كان طفلاً أو شاباً مراهقاً فتجنب عملية التحقير الذاتي؛ لأنك تنتقد السلوك فقط، فتقول: أنت طفل مؤدب، ومثلك لا يليق به أن يعمل هذا، أو لا يليق به، وبتربيته على أنه لا يقول ألفاظاً سيئة، لكن لا تقل له: أنت سيئ الأدب، سيئ الخلق، أنت ميئوس منك طول عمري وأنا أقول: لا فائدة منك إلى آخر هذه الألفاظ التي هي عبارة عن تحطيم له في الحقيقة، هذا ليس بناءً، بل هذا هدم، ولن يعالج الأخطاء بل بالعكس سيزيد احتقاره لذاته، ويشعره بعدم الكفاءة وعدم القدرة على إنجاز أي شيء، وتنهدم الشخصية، فلا بد من الاحترام بحسب الطفل. مثلاً: جاء طفلك بشهادة رسوبه، فلا تجعله محل سخرية وتحقير، فتقول له: فاشل، ليست فيك فائدة، والمال الذي نصرفه عليك لا تستحقه إلى آخر هذا الكلام، لكن تقول له: أنا حزين من هذه النتيجة، لكن عندي أمل إن شاء الله أنك تعوضها في المرة القادمة، وتكون النتيجة أحسن، فأنت أظهرت الغضب من هذه النتيجة وعدم الموافقة عليها، وفتحت له باب الأمل؛ لأن الطفل لا ينفع أبداً أننا نعلق عليه دائماً أو أن نختم على جبهته: فاشل، ميئوس منه إلى آخر هذه التعبيرات المعروفة. عندما ينتقد المربي الطفل الذي يربيه ينتقد الأسلوب، ولا يعطيه ختماً يختم به على شخصيته؛ لأنه ما زال ينمو، والمفروض أنه قابل للتعديل، انتقد الفعل والسلوك وليس الشخصية نفسها. أيضاً: لا بد أن يغرس فيه الشعور بالمسئولية، دائماً يفهم الطفل أن كل حق مقابله واجب، وأن الحياة ليست فقط أخذ وأخذ وأخذ، لا، الحياة أخذ وعطاء، تريد شيئاً معيناً، ساعد والدتك في ترتيب غرفتك، لابد أن نفهمه دائماً أن الحياة أخذ وعطاء، نشاوره مثلا على رجل المرور في الشارع، نقول: انظر إلى رجل المرور هذا، يقف في الحر، والشتاء، ويتعب، لو لم يعمل ذلك لم يأخذ مالاً يعيش به أو يصرف به على أولاده، فتعطيه نماذج حية على أن كل شيء دائماً مقابل شيء، وأن الحياة أخذ وعطاء، وليست فقط أخذ ثم أخذ ثم أخذ، فهناك واجبات تجاه نفسه وتجاه والديه، وإخوته، والمجتمع إلى آخره، فكل حق لابد أن يقابله واجب. أيضاً لا بد من ترسيخ مبدأ الثواب والعقاب، فإذا اخطأ لابد أن يعتذر وإذا أحسن لابد أن يشجع، ويكافأ على الإحسان.

стр. 60

انعكاس سلوك الآباء على الأبناء إن سلوك الأب ينعكس على الأطفال، وكلمة الأب أعني بها: الأب أو الأم، إن الذي يحصل من الأطفال إنما هو تقمص لشخصية الأب أو الأم، والتقمص أعني به التوحد، وهي أعلى درجات التقليد والمحاكاة، هذا هو ما يسمى بالتقمص، فالطفل يرى أن أباه أو أمه أكمل الناس في العالم؛ لأن هذه هي البيئة التي يراها حالياً، فدائماً -كما هو المفروض- هم المثل الأعلى له، وكل ما يعملانه صحيح، وطريقتهما هي الطريقة السوية في التفاعل مع البيئة من حوله. مثلاً: لو أن أباه إذا تأخر الأكل عن وقته، أقام عاصفة في البيت هوجاء لا تتناسب مع الخطأ أو التقصير، فهذا مؤثر ضعيف جداً وتافه لكن رد فعله مبالغ فيه جداً، صراخ وعراك ومشاكل؛ فسوف يتعلم الطفل أنه يغضب أيضاً لأتفه الأسباب، ويعبر عن غضبه بهذا السلوك وأمثاله مقابل أتفه الأسباب؛ فيتقمص نفس السلوك، وممكن أن يقلده مع أفراد آخرين في المدرسة أو إخوته أو أصحابه، فيفهم من سلوك الأب العصبي أو الأم: أنه عندما لا يحقق طلبي أثور وأغضب وأنفعل، فنقطة هدوء الأب واتزانه -وكذلك الأم- أمام الطفل أمر مهم جداً. الطفل أحياناً يسرق سلوك الأب، مثال: وجود طفل آخر يعني بقاء العناد كوسيلة لإثبات الذات لجذب الأنظار إليه، ويريد أن يبقى محطاً للاهتمام بين الأسرة وإخوته أو أقاربه؛ فيرى أن العناد وسيلة لإثبات الذات وتحدي البيئة. عندما يكون العناد وسيلة لأن يثبت الطفل وجوده وذاته، فهذا يعتبر الوجه الحسن للعناد؛ لأن العناد له وجه قبيح ووجه حسن، فالوجه القبيح تكلمنا عنه. أما الوجه الحسن من العناد فإنه يعتبر دلالة على أن الطفل هذا يكتشف نفسه، وأنه له كيان مستقل عن الكبار، وهذا يشجع فيه الفردية والشجاعة والاستقلالية، فهذا الوجه الحسن من عناده، لأنه يقول: هأنذا، أنا موجود، أنا مشتكي إلى ربي، وهذا نمو طبيعي؛ فيبدأ يشعر بذاته وباستقلاليته وبشخصيته، فهو يعبر بطريقة غير سليمة عن معنى صحيح وهو الذاتية، لكن طريقة التعبير بالتحدي والعناد لابد أن نعدلها، فإن العناد والتحدي والغضب ليست هي الطريقة السوية لتحقيق المطالب؛ لأن الحياة أخذ وعطاء، فالإنسان إذا تعود الأخذ والعطاء يرضى عن ذاته, ويرضى عنه الآخرون المحيطون به، ويتعود على التعاون والتفاهم مع الآخرين. قد ينشأ العناد أو الشجار أو الغضب بسبب الشعور بالنقص أو الغيرة أو الشعور بالاضطهاد سواء من أحد إخوته الكبار أو من الولدين، فالعناد والشجار والغضب في هذه الحالة هو تعبير عن عدم النضج، أي: أن الطفل يواجه هذه المواقف بالعناد والتحدي والصراخ وغير هذه الأشياء، فيقول بطريقة غير مباشرة: أنا ما زلت متأخراً في النضج الاجتماعي، وما زلت بحاجة إلى التعلم والأخذ والعطاء والنمو الاجتماعي؛ لأنه يتعامل بطريقة بدائية، ولا يواجه المشكلة المواجهة السلمية. من أسباب العناد أيضاً: الأم العصبية؛ فهي قد تنتج طفلاً عنيداً، ربما يكون في حياتها أي سبب من أسباب المعاناة مع زوجها أو أسرتها أو نحو ذلك، فتنتج طفلاً عنيداً؛ لأنها تخرج معاناتها بمن صادفها، وأولهم الطفل، بالصراخ أو العويل أو الضرب؛ فتنتج معركة غير متكافئة بين طرفين: الأم العصبية؛ لأن لديها معاناة من شيء آخر، لكنها تنفذ في الطفل العقوبة كمن أغضبه مدير عمله، فهو يضطهده أو يؤذيه، فيفرغ غضبه في الموظف الذي تحت يديه، ويجعل هذا إزاحة للمعاناة التي يعانيها، لديه مشاكل تضيق نفسه بها فيجد في هذا فرصة للتنفيس. فالأم العصبية تجد المتنفس مع هذا الولد المسكين، فتحصل معركة غير متكافئة؛ لأن الأم أقوى، وأسلحتها أقوى، فلو ضربته ستغلبه، ولو صرخت فصوتها أعلى منه إلى آخره، والثاني ضعيف، لكن الضعيف له أسلحة كما أن للقوي أسلحة، وكل منهما يتعامل بالأسلحة التي يقدر عليها، والطفل في هذه الحالة سلاحه يختاره هو، فهو يضايقها في الشيء الذي يستفزها، أو عن طريق العناد والتحدي والصراخ والبكاء إلى آخره، فيعاندها كي يضايقها، فعندما يضايقها يكون قد أخذ بثأره، ولا يهمه بعد ذلك انضرب أم لم ينضرب، ولا يهمه ما سيحصل له، هذه تكون النتيجة. الخلاصة: أن الأم تنزع فتيل هذه المشكلة إذا تخلت عن العصبية.

стр. 61

توجيهات مباشرة للوالدين في التعامل مع الأطفال المعاندين أول الأمور التي ننصح بها الوالدين في التعامل مع الطفل العنيد: الهدوء والاتزان ما أمكن أثناء عناده أو غضبه، فمن الخطأ الشديد جداً الغضب على الطفل حينما تأتيه نوبات الغضب، ويرمي بنفسه إلى الأرض، ويضرب رأسه بالحائط، وهي نوبة لابد أن تأخذ وقتها، وكأنه يقول لك: أنا أريد أن أوقف البكاء لكن لا أستطيع، هي نوبة مثل نوبة الصرع تماماً تنتهي بمرور زمن معين، فعندما تأتيه نوبة الغضب بهذه الطريقة اتركه تماماً، ويفضل أن تعزله في مكان بعيد أو غرفة بعيدة، وتتركه حتى تذهب النوبة. فمواجهة الغضب بغضب يولد مشكلة كبيرة جداً فضلاً عن الضرب والإهانة إلى آخره، وفي هذه الحالة لا يحاول الأب أن يتفاهم معه أثناء الغضب، والتكلم معه لابد أن يكون بمنتهى الهدوء والاتزان أثناء العناد والغضب. أيضاً تفهمه أن هذا أسلوب غير سليم للتعبير عما في داخله؛ لأنه لم يعدل طريقة التعبير عما يضايقه، وهذا يكون بلغة مناسبة، كذلك عندما تقول له: هذا ليس الأسلوب الصحيح، وتطرح عليه الأسلوب البديل، والإصرار عليه أن هذه هي الطريقة الصحيحة، فتجعله يعبر بحرية عما بداخله، وتبين له أنه ليس هناك مكافئة له إلا بعدما يظهر السلوك الحسن المطلوب. أيضاً: يجب أن يتخلى الوالدان عن العصبية والقلق والعناد على الأقل أمام الأولاد لئلا يقلدوهما. أمر آخر مهم جداً: علاقة الأب أو الأم بالطفل وتدخله في حياته، لابد من التدخل، لكن يكون تدخلاً مرناً. أيضاً: المشاكل الزوجية أثرها سيء على نفسية الأطفال، خصوصاً حين الكلام على الانفصال أو الطلاق مما يهدد إحساسه بالأمان والاستقرار. أيضاً: التدخل المبالغ فيه في حياة الطفل خطأ شديد جداً، بالأوامر الصارمة، وبالنقد والتوبيخ المستمر، والتحقير، والتدخل كالكابوس في كل تصرف للطفل، وانعدام مساحة للحرية. لابد من التدخل المرن، والمرونة والحوار والتفاهم والتوجيه والنصح، أنت تريد منه طاعة عمياء، والطاعة العمياء تخرج شخصية غير سوية، وتخرج إنساناً لا شخصية له، يحتاج الطفل أن يربى على هذا المنهج حتى ينمو بطريقة سليمة، فحتى يكون طفلاً مؤدباً لا يلزم بطاعة عمياء؛ لأن هذا تكليف بما لا يطاق، ويلغي شخصيته ويشوها بعد ذلك. أيضاً من وقت لآخر نحقق رغباته المشروعة بطريقة مناسبة، وتشجيعه على الاختلاط بأقرانه المناسبين. نقطة مهمة أخرى: عدم التشهير بالطفل أمام الآخرين: أحياناً يظل الطفل حديث العائلة والتلفونات والزيارات، وإذا جاء الضيوف اشتكى الوالدان من الطفل أمامهم، مثل أنه يبلل الفراش أو شيئاً من هذا القبيل، ويذكرا أشياء تجرحه جداً، وتقال على الملأ، وتصبح حديثاً مشاعاً أمام الضيوف أو الأقارب أو الأصدقاء، ويناقشا بعض أخطائه أمام هؤلاء الآخرين. لابد أيضاً من تدريبه على حل مشاكله بنفسه، ولابد أن يوجد في البيت نوع من التسامح والتعاون. توحيد السياسة التربوية للوالدين؛ فلا يوجد تعارض منهم في الناحية التربوية، بل المعاملة من الأب والأم معاملة ثابتة وفق معايير مقننة متفق عليها مسبقاً، فلا يأتي واحد يمنح والثاني يمنع، لا يثيب الأول والثاني يعاقب على نفس الفعل؛ لأنه يسبب الارتباك للطفل، فاختلاف أسلوب التربية يلجئ الطفل إلى الغضب كوسيلة ليخضع بها الآخرين لنزواته، ثم إنه يحول بينه وبين الاتزان النفسي؛ لأن الطفل لابد أن يتعود على قبول المعايير الاجتماعية، وقبول النظام، ليس كل ما يريده يأخذه أو يغضب، فلازم أن يعلم أن هناك معايير تحكمنا في سلوكياتنا، فالتدليل المستمر يعلمه فقط الاستجابة الطفلية البدائية للرغبات، فيفهم أن الحياة أخذ وأخذ، فيعيش دائماً معتمداً على الآخرين؛ فهم الذي يقومون بكل شيء، وهم الذين ينفذون له رغباته، ويقولون: سمعنا وأطعنا. أيضاً تعدد سلطات الضبط والتوجيه، كما لو كان يعيش ضمن أسرة كبيرة، فالأم تمنع، والجدة تمنح، والأم تعاقب، والجدة تحتضنه إلى آخره، فمثل هذه الأشياء مع تعددها تسبب له الارتباك والغضب والعناد، الأب يمنع والأم تدلله، تقول: تعال يا حبيبي أنا أحضره لك إلى آخره، فهذا في الظاهر حسن، والحقيقة أنه ارتباك في السلطات التربوية المتعددة المتناقضة، فيحاول الطفل أن يسيطر على هذه البيئة عن طريق نوبات الغضب والعناد. والتدليل المستمر هو عبارة عن إجابة لكل طلباته المهمة أو غير المهمة، فينشأ أنانياً، لا يرى إلا نفسه فقط، ثم يتوقع نفس المعاملة من البيئة لما يخرج إلى المدرسة مثلاً أو نحو هذا، فإذا منع تحصل له صدمة قاسية ويزيد في العناد والتوتر. الخلاصة: أن التدليل المستمر والمبالغ فيه يعيق الأطفال عن التأهل لمواجهة الحياة ومصاعبها، ويحرمه من فرصة أن يتعلم كيف يكبح رغباته، من ثم نقول: من وقت إلى آخر لا بد من الإحباط المحدود، وليس الإحباط الجامد حتى لا نظلمه، فهذا يفيد أنك تتعمد تأجيل إشباع بعض رغباته إلى الوقت المناسب، فتقول: أنا حالياً مشغول، فإذا فرغت منه مثلاً أصحبك إلى المحل، أو أول الشهر سأحضر لك اللعبة، لماذا؟ لكي تعوده التأجيل من تنفيذ رغباته؛ لأن التأجيل بحد ذاته نوع من الكبح، والصرامة تكون قوية، فيتكيف تكيفاً سليماً مع البيئة لما يجد أن البيئة الخارجية كلها لا تحقق طلباته؛ نتيجة المعايير الاجتماعية، فعندها يستطيع أن يتحكم في رغباته. فإذا تكرر الفشل في الحصول على كل هذه الرغبات فإن هذا يقوي فيه جهاز المناعة النفسية، أو يكون سبباً في نجاحه وتكيفه مع ذاته. وأنا في الحقيقة أتحرج من الكلام في الحاجات الطبية أو النفسية في المسجد، وقد تعودنا أننا نتكلم عن الآيات والأحاديث، لكن يبدو أن القضايا الحياتية أحياناً نحتاجها، ونشعر من خلال بعض الأمثلة والمشاكل أن بعض الناس محتاجين إلى هذا، فأرجو من كان مقتنعاً بهذا الكلام أن يسامحنا في إهلاك الوقت، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 62

تشاجر الأشقاء كثيرة هي مشاكل الأبناء أمام الآباء، خصوصاً في مقتبل العمر، ورغم أن كثيراً منها بسيطة إلا أن كثرتها تجعلها مقلقة، ومن تلك المشاكل تشاجر الأشقاء من البنين والبنات، ولكل مشكلة أسباب وحلول وإيجابيات وسلبيات، وبحسب موقف الوالدين وسلوكهما تترتب الحلول. ومما يلاحظ أن هذه المشاجرات تقل كلما تقدم الأولاد في العمر إلى سن الخامسة عشرة حتى تنتهي، إلا أن الأخذ بأسباب تخفيفها هو المطلوب، وأما القضاء عليها فهو من غير الممكن.

стр. 63

مرحلة تشاجر الأشقاء في النمو الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فقد قالت فتاة في السادسة من عمرها لجدتها: من حسن حظي أني وحيدة لا إخوة لي ولا أخوات. فأجابت الجدة: ولم يا عزيزتي؟ ألا تظنين أن من الأمور الحسنة أن يكون للإنسان إخوة وأخوات؟! وكان الجواب نعم. قد يكون الأمر حسناً، ولكن معنى وجود الإخوة والأخوات هو تشاجرهم وعراكهم ومقاتلتهم طوال الوقت. إن الشجار بين الإخوة هو أحد أشكال الإزعاج الأكثر شيوعاً في الأسرة، إلا أن التشاحن يمثل في الواقع مرحلة طبيعية من النمو، فأطفال السنتين يضربون ويدفعون ويخطفون الأشياء، بينما يستعمل الأطفال الكبار أسلوب الإغاظة، فهم يسيئون لبعضهم من وقت لآخر عن طريق اللغة. إن الولد -كغيره من الأطفال- لا يستطيع أن يحتفظ بيديه ساكنتين إذا ما كانت أخته قريبة منه، وأخته بالرغم من تفوقه عليها في الحزم والقوة لديها طرائقها الخاصة للانتقام منه، إن كل واحد منهما يبدو كأنه قدير بما يضايق الآخر، ويسر باللجوء إليه، ويدرك حرصه على أشيائه الخاصة، وحرصه على احتلال المكان المعين في المائدة أو السيارة، فيعرف كيف يغيظ الطرف الآخر ويستفزه. والآباء يضجون من مشاجرات الأبناء لما يحدثونه من ضوضاء وجلبة في المنزل، ولأنهم يشغلون الآباء عن أداء ما يقومون به، أو يمنعونهم عن الراحة أو الاسترخاء، فيثورون على الأبناء، وقد يلجئون إلى أسلوب عنيف في وضع حد لمشاجرات الأطفال، بل قد يدمغون طفلاً منهم بأنه حقود أو أناني، وأنه سيفشل في حياته لأنه لا يتعاون، بل قد يعيره الآباء بسلوكه هذا في غير أوقات الشجار حاسبين بذلك أن شجار الأطفال أمر غير طبيعي، وأن الأولاد يميلون عادة إلى الشجار أكثر من البنات، وأنهم يتشاجرون مع أقرانهم مهما كانت أواصل الصداقة تربطهم. نقول للمربي: لا تنزعج؛ إنها مرحلة طبيعية، إن أي أسرة لديها طفلان أو ثلاثة نجدهم دائماً في مناوشات وخلافات، يتألم الأب وتتألم الأم؛ لأن الأبناء ليسوا أصدقاء وليست علاقاتهم طيبة. و السؤال هل ظاهرة اختلاف الأطفال مع بعضهم ظاهرة طبيعية، بمعنى: أيُّ الأوضاع يعتبر الوضع الطبيعي: أن يتعاونوا مع بعضهم وأن لا يختلفوا؟ أم أن الوضع الطبيعي هو أن يتشاجروا وللإجابة عن هذا السؤال نجري تجربة صغيرة، وهي أننا نجمع ثلاثة أو أربعة أولاد معاً في حجرة واسعة مجهزة بكل ألوان اللعب والتسلية، ونغلقها لفترة، ترى ماذا ستكون النتيجة؟ بكل تأكيد سيتشاجرون، سواء أكانوا إخوة أم غير إخوة. إذاً المسألة ظاهرة طبيعية وعادية، ويجب أن لا يقلق الآباء والأمهات، ويجب أن تراعى برفق ووعي؛ لأنها لا تكون في فترة الطفولة فقط، إنما تمتد للصبا والشباب. إن أول ما تنصح به الأم أن تتخلى عن تصورها المثالي بأن يكون أطفالها على أتم وفاق ولا يتخاصمون أبداً، إن الأم إن واجهت الحقيقة الواقعية فإن قلقها بخصوص خصام الأطفال وتشاجرهم سوف يتضاءل. إن الطفل ذا الست إلى عشر سنوات الذي يصر على الخصام مع إخوته وعلى عدم التحسن في هذا الشأن لا يزال إنساناً عادياً، فكل الإخوة -لاسيما المتقاربين منهم في العمر- لابد أن يتشاجروا، وتقل عادة هذه المشاجرات كلما تقدم الأطفال في السن.

стр. 64

الجوانب السلبية والإيجابية لتشاجر الأشقاء قد يكون للمشاحنات البسيطة بين الإخوة جوانب إيجابية، خاصة إذا قام الوالدان بدور التوجيه في تعليمهم كيف يدافعون عن أنفسهم وعن حقوقهم، وكيف يعبرون عن مشاعرهم ويحلون صراعاتهم ويحترمون حقوق الغير، ومعنى الصدق والكذب، وأهمية الأخذ والعطاء بأسلوب يحقق لهم المحافظة على حقوقهم وعلى حقوق الغير. إن شجار الأطفال إحدى الوسائل لإثبات الذات والسيطرة، وكلتاهما من الصفات اللازمة لنجاح الإنسان في الحياة، بل الشجار فرصة يتعلم فيها الطفل كثيراً من الخبرات، منها وجوب احترام حقوق الغير، والعدل والحق والواجب، ومعنى الصدق والكذب، وأهمية الأخذ والعطاء بأسلوب يحقق له المحافظة على حقوقه وحقوق الآخرين. هذا إذا عمد الآباء والمربون إلى انتهاز مناسبات شجار الأطفال في توجيههم الوجهة التربوية السليمة، وتعريفهم بالحق والواجب، والشجار في الواقع دليل على أن الطفل لم ينضج اجتماعياً، ولم يتعلم بعد أساليب الأخذ والعطاء الاجتماعية. إن من الجوانب الإيجابية لهذه المشاحنات والخلافات أنها تكون في واقع الأمر نوعاً من التنفيس، وتحل دون أن ندري بالكثير منها، وأحياناً يكون الشجار نوعاً من المنافسة. إذاً هل المنافسة بين الإخوة ضارة، إن المنافسة الشريفة باستمرار فائدتها أكثر من ضررها، وبين الإخوة ينمو الحب ويتطور ويكبر معهم ويظهر، وينضج حينما يتجاوزون سن الطفولة والمراهقة، وكثيراً ما نسمع هذه العبارة: (إنه أخي على كل حال). إذاً المنافسة بين الإخوة والخلاف لا يستمر، بل ينتهي ويتطور إلى علاقة حب تنضج تحت نار هادئة، والأيام تزيد من الروابط والود، ومع ذلك فهناك حالات يكون الشجار فيها خطراً إذا اقترن بها عنف أو أذية بدنية، أو أن تتطور لدى بعض الأطفال مشاعر العداء أو اللامبالاة نحو بعضهم بصورة تستمر طوال حياتهم، فالوضع المعتاد هو أن يظهر الإخوة ارتباطاً وإخلاصاً لبعضهم على نحو لا تؤثر فيه المضايقات الجانبية. وهكذا فإن التنافس يمكن أن يعتبر عادياً إذا تبادل الإخوة مشاعر مشتركة بالرضا والإحباط، وإذا لم يكونوا مشحونين بشحنات العنف، ولم ينخرطوا في صراعات تهدد الحياة ضد بعضهم، وإذا لم يحملوا أحقاداً ولم يستجيبوا لكل إساءة كما لو أنها مصيبة. وتظهر الدراسات أن الأطفال أكثر تنافساً وتناحراً مع زيادة العمر، ولذا توقع أن أطفال ثمان سنوات أكثر تناحراً من أطفال أربع سنوات، ومن هم في عمر اثنتي عشرة سنة أكثر تنافساً ممن هم في عمر ثمان سنوات، والتنافس أكثر شيوعاً في العالم لدى الإخوة الأكبر سناً عندما يكونون متقاربين في العمر بفارق سنة أو اثنتين، وعندما يكونون في مرحلة الطفولة المتوسطة ما بين ثمان إلى اثنتي عشرة سنة، كما يزيد احتمال التنافس عندما يكون الطفلان من نفس الجنس، فالطفل الأكبر غالباً ما يشعر بأن الطفل الأصغر قد حل محله، وإذا كان الطفل الأكبر شخصاً جدياً يهتم بالعمل والتحصيل فمن المحتمل أن يبحث الطفل الأصغر عن هوية متصلة بأن يصبح مرحاً اجتماعياً غير تقليدي.

стр. 65

أسباب التشاجر فلننظر الآن في أسباب هذا التشاجر بين الأشقاء، وأشرنا آنفاً أن التقارب في السن ربما يكون من هذه الأسباب، والطفل الأكبر كثيراً ما يحاول السيطرة على إخوته فيتشاجرون، كما أن الأطفال الأولاد عادة ما يحاولون السيطرة على البنات، والطفل الناجح يلجأ عادة إلى تعيير الطفل غير الناجح في دراسته، فيتشاجروا، أو قد يعير الأطفال بعضهم بعضاً بلون الشعر، أو شكل الجسم، أو بما يملكه طفل ولا يملكه قرين له، وكثيراً ما يتحد بعض الإخوة ويكونون عصبة ضد أخ آخر خصوصاً لو كان مدللاً مقرباً من الوالدين لصغره، أو لوسامته، أو لمرضه، أو لشدة ذكائه، أو لرقته، إلى غير ذلك من الأسباب، فيتشاجرون. وكثيراً ما يتشاجر الأطفال للامتلاك أو للاستحواذ على بعض اللعب أو الأشياء في المنزل، أو لو اعتدى طفل على ملكية الآخر أو لعب بكتبه أو أدواته أو ملابسه أو غير ذلك، لكن نستطيع أن نجمل الأسباب التي تؤدي إلى التشاجر، والتي تنبع عن الغيرة وتنتج العدوان نحو بعضهم فيما يلي: بداية يعتمد الأطفال على والديهم اعتماداً كبيراً للحصول على المحبة والانتباه وإشباع الحاجات، بحيث لا يحبون أن يشاركهم في ذلك أي بشر، وقد يؤدي تفضيل أحد الأبوين طفلاً على غيره إلى إيقاد شعلة الغيرة لدى الأطفال الآخرين، ويذكر في هذا المجال أن مقتل هابيل من قبل أخيه قابيل كان بسبب الغيرة الناجمة عن التفضيل الصادر من الأبوين، والغيرة عبارة عن شعور غير ناضج يتعرض له الطفل، وينتج عادة من خيبته في الحصول على أمر محبب له، ونجاح شخص آخر في الحصول عليه، ولهذا نجد أن انفعال الغيرة انفعال مركب من حب تملك وشعور بالغضب؛ لأن عائقاً ما حال دون تحقيق غاية هامة. والحقيقة أن الغيرة وما يترتب عليها من الشعور بالنقص أو بالقلق أو باضطهاد الكبار كلها يتسبب فيها الآباء، وتؤدي إلى نشوب المعارك بينهم، ويحصل استنفاذ الطاقات في محاولة حل هذه المشاكل ليعود الهدوء إلى البيت. قد تأخذ أم لعبة طفلها الأول وتعطيها لطفلها الثاني على أساس أنه كبر عن اللعب بهذه اللعبة، لكن الطفل الأول لا ينظر إلى هذا التصرف على أنه أمر طبيعي، ولكنه ينظر إليه من زاوية أخرى، فلقد استولت أمه على شيء عزيز على نفسه لتعطيه لأخيه، فينتهز أقرب مناسبة لاستثارة غضب هذا الأخ، وتبدأ المعركة. إحدى الأمهات اكتشفت خطأها عندما فعلت ذلك، وأعادت اللعبة إلى طفلها الأول مع رسالة تضمنت عبارات تعترف من خلالها بشعوره، قالت: ابني العزيز علي! لقد أدركت عندما أخذت لعبتك وأعطيتها لأخيك أني قد أخطأت في حقك؛ لأني لم أستأذنك في ذلك، ولم أكن أعلم أنها تعني الكثير بالنسبة لك، أنا آسفة، سأعيد إليك لعبتك. احتضن الابن أمه في اليوم الثاني قائلاً في سرور: أشكرك يا أمي لأنك أعدت لي لعبتي. أحياناً يحصل الشجار بين الأشقاء على أنه حيلة دفاعية نفسية، وهي ما تسمى بالإزاحة، حيث يتم تحويل مشاعر العدوان نحو الأبوين إلى الإخوة الصغار، فالطفل يشعر بمشاعر عدوانية تجاه الأبوين أو أحدهما، ولا يستطيع أن يخرج ذلك بصورة صريحة في مواجهة الأبوين، فيزيح هذه المشاعر العدوانية إلى إخوته الصغار. قد تتضمن تصرفات الإخوة تعبيراً عن نبذ الأبوين غير الشعوري، أو عدم محبتهما للطفل الأصغر، وحينما يكون أحد الإخوة متدني الإمكانيات في أحد المجالات بالنسبة لأخ آخر قريب منه في العمر ومن نفس الجنس فإن الطفل الأقل في إمكانياته يميل إلى إظهار عدوان أكثر تجاه الآخر من بين الأشقاء؛ لأنه يعيش في ظل إنجازات آخر موهوب، وعندها فإنه يشعر بأنه قد فقد فرضيته، ويحس بأن كل أعماله ومنجزاته تقارن مع أعمال ومنجزات أخيه. إن المطلوب منا أن لا نركز على المنافسة بين الإخوة بشكل ملح ودائم، ولا داعي لأن نقول في كل دقيقة: انظر كيف أن أخاك مجتهد فعل كذا. أو: اعمل كأختك المهذبة. فهذا النصائح التي هي من هذا اللون ليست هي الأمر المطلوب؛ لأن التركيز هنا لا يكون في الواقع على الاجتهاد أو الأدب الذي يتحلى به الأخ أو الأخت، إنما يكون على التفوق، وهذا يبعث على عدم الرضا في نفس الشخص الذي توجه إليه النصيحة، وعدم الارتياح تجاه أخيه، ويجعله ينسى موضوع النصيحة، ويمكن أيضاً أن يظن أننا منحازون إلى الأخ أو الأخت فيزيد ضيقه، وأحياناً يتخيل أن كلامنا هو لون من المعايرة له بتخلفه في الدارسة، أو التصرف غير الصحيح منه؛ لأن المقارنة يمكن أن تذكي نار المنافسة في كل مجال؛ لأن كل همنا ليس إيجاد اثنين متصارعين وأيهما يغلب الآخر، فنقول: انظر! إن أخاك أقوى منك. وانظر! إن أختك مؤدبة أكثر منك. ألا تكون كأخيك الذي يفعل كذا وكذا. ليس الهدف هو إيجاد شخصين متصارعين، وإنما إيجاد أخوين تجمعهما الأخوة بكل ما تعنيه الكلمة. وينبغي أن يراعى أن التغيرات العمرية لها أثر في حصول الانسجام، فقبل سن الخامسة عشرة سنة لا يحصل الانسجام بين الإخوة والأشقاء بالقدر الذي يرغب فيه الأهل، فينبغي الانتظار حتى بلوغ هذا السن، وكما ذكرنا تنمو الروح الأخوية والحب المتبادل بينهما وتنضج على نار هادئة.

стр. 66

موقف الآباء من تشاجر الأبناء ما الذي ينبغي أن يفعله الأبوان في موقف التشاجر بين الأشقاء؟ نقول أولاً لكل أم: عفواً أيتها الأم، نحن نقدر أن ما يهمك كأم هو ما يجب أن تفعليه في هذا الصدد -أعني صدد حل مشكلة الشجار بين الأبناء- فمعذرة إذا كان الجواب هو أن ما تستطيعين فعله قليل جداً، إن الخصام والجدال والصراع أمور قد تستمر إلى أن تحلها الأيام وحدها، بجانب أن لكل أسرة وضعها الخاص المختلف عن أوضاع غيرها من الأسر، مما يجعل من الصعب إعطاء نصائح عامة، لكن يمكن تقديم بعض الاقتراحات القليلة: أولاً: بعض الآباء في بيوتنا يقومون بدور الحكم بين أولادهم كآباء، ويتحول البيت إلى حلبة ملاكمة، والواقع أنه لابد أن يبقى هناك بعض الصراع والخلاف بين الأبناء، ولا بد أن يدرب الآباء أنفسهم على أن يكونوا أحياناً متفرجين وأن لا يتدخلوا كحكام، والمثل العامي يقول: إن قاضي الأولاد شنق نفسه. ثانياً: من غير المعقول أن يظل الآباء باستمرار في موقف المتفرج، لابد في لحظة معينة أن يتدخلوا حتى يوقفوا المعارك التي تنشب بين أولادهم، ومن الطبيعي أن لا يستطيعون دائماً الغوص إلى أعماق كل مشكلة وكل خلاف، وأن يحلوا تلك الخلافات بميزان العدالة الدقيق، إنما المسألة تحتاج من الآباء إلى شيء كبير من التعقل في مواجهة الأمر، وتحتاج أيضاً إلى أن يدركوا بعض الأمور في مجال الخلافات بين الأبناء. بداية يجب أن لا يكونوا مراقبين لكل صغيرة وكبيرة تصدر عن الأبناء، ويكفي أن يكونوا ملاحظين بشكل غير مباشر دون التعليق أو التدخل في اللعب، إلا إذا وجدوا الأبناء قد خرجوا عن القواعد، وحينئذ يمكن للآباء أن يقترحوا شيئاً بناءً بديلاً للشيء المختلف عليه أو أكثر إثارة منه، وأن لا يتعجل الأب أو الأم فيبادر بالانحياز لصف المعتدى عليه؛ لأنه يحتمل أن يكون هو البادئ في الحقيقة، وعلى الرغم من أن هناك دائماً سبباً وراء أي عدوان مثل الحسد أو عدم الاطمئنان أو الضيق النفسي فلا داعي لأن نبحث في أثناء الصراع عن حقيقة السبب. ولكي تحل المشكلة فعلينا أولاً أن نقضي على الخلاف، ثم نبعد الأبناء بعضهم عن بعض دون أن نشعر أياً منهم بأنه مخطئ ومتهم، بعدها نستطيع أن نعمل تحقيقاتنا ونعمل كوكيل النيابة، ولابد أن نتذكر أنه ليس أسهل على الطفل من أن يلصق بصديقه أو أخيه أشنع التهم، ويتفوه بأبذأ الألفاظ لأي سبب ولأي مناسبة. المهم أن لا تظل هذه الألفاظ عالقة بأحد؛ لأنها من الممكن أن تلصق به، ويصبح من الصعب التخلص منها، وربما لو تكررت حاول صاحبها تأكيدها، فحينما يقال له -مثلاً-: أنت كاذب. يكذب ما دام باستمرار يتهم بالكذب سواء صدق أو كذب، فيرى في نفسه أنه لماذا يصدق. ومن المهم جداً أن ننبه الكبار من الأبناء أن لا يؤذي الصغار، وأن ننبه الأبناء أن لا يضايقوا البنات، وفي نفس الوقت لابد أن ننبه على عدم إثارة الصغار للكبار، وأن لا نجعل البنات يغضبن الأولاد حتى يسود الاحترام بين الجميع. ولابد أن يتوقع الآباء أن يظل الأبناء حريصين على اللعب مع بعضهم على طول الخط، وعلى قدر المساحة المتاحة لهم في البيت، بل لابد أن يبتعدوا عن بعضهم قليلاً، وأن نجعل الأولاد سعداء لأنهم أولاد، والبنات فخورات لأنهن بنات، وكل له مميزاته، وفي نفس الوقت لابد من أن يكون عندنا مقترحات لهم لتستنفد طاقاتهم الزائدة، ويشعر الأولاد أنهم محبوبون بنفس القدر، لكن بشكل مختلف، بهذه الطريقة يسود التفاهم جو الأسرة، ولا يكون الأبناء مصدر مشاكل مستمرة في البيت. أيضاً ينبغي أن يحرص الوالدان على التدخل بأقل ما يمكن في المشاجرات بين الإخوة التي لا تتعدى كونها أمراً طبيعياً إذا كانت مقرونة من ناحية أخرى بمظاهر الود والتعاون فيما بينهم.

стр. 67

أخطاء الآباء في حسم مشاجرات الأبناء مما يجب أن يزيدنا تحفظاً حيال التدخل في هذه المشاجرات الأخوية إلى حد ما ما يستخدمه الأولاد لاستدراج الأب والأم إلى إبداء انحياز لطرف على الطرف الآخر، وكأن الوالدين يوضعان عند ذاك على المحك لينكشف ما يضمرانه من تفضيل، فإذا ناصرا واحداً على الآخر اعتبر الثاني نفسه مغبوناً، مما يؤجج غيرته ويدفعه إلى تكرار المشاجرة انتقاماً مما حظي به خصمه من مساندة. أما الأول فهو منقاد من جهته إلى إعادة الكرة من جديد بمناصرة والديه، لذا فتكثر هذه المشاجرات بحضور الأهل ويغذيها تدخلهم. ولهذا السبب أيضاً تلاحظ هذه الظاهرة التي قد تبدوا غريبة لأول وهلة، ألا وهي تحرش الأضعف بالأقوى، واستدراجه إلى العراك، وأن الغاية المنشودة ليست عند المتحرش الانتصار على خصمه، وإنما كسب مؤازرة الأهل بحجة أن هذا الصراع غير متكافئ. من هنا يقع ما يجده الأهل من صعوبة في حسم هذه المشاجرات بعدل، أياً كانت رغبتهم في ذلك صادقة، ولهذا يقول المثل الشعبي: (إن قاضي الأولاد شنق نفسه)، لذا فالأفضل أن نحد قدر الإمكان من تدخلنا في المشاجرات الأخوية مكتفين بالحرص على أن لا يلحق أحد المتخاصمين أذى بالآخر، أو أن يتسلط عليه بشكل دائم، وكما أشرنا فإن لهذه المشاجرات حسناتها على كل حال؛ إذ من شأنها أن تدرب أولادنا على الصراع الذي لابد من أن يواجهوه في المجتمع، فيتعلم كل واحد منهم من خلالها أن يؤكد ذاته مع مراعاة وجود الآخر ومصلحة الآخر ووجهة نظر الآخر وواقع ميزان القوى، فيتخطى هكذا تحكم محورية الذات به، وينمو في النضج النفسي والقدرة على مواجهة الواقع والتكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية، أما إذا اضطررنا إلى التدخل لوضع حد للغلو في العنف فليكن تدخلنا بحزم مقرون بالصفاء والتفهم، فلا يشعر المذنب بأننا ننبذه أو نحرمه من حبنا وتقديرنا، ويحتار الآباء ويتضايقون عندما يتشاجر أبناؤهم، هل الأفضل أن يتدخلوا بينهم ليحلوا مشاكلهم أم يدعوهم وشأنهم يحلونها بأنفسهم؟ وينصح خبراء تربية الطفل الآباء بعدم التدخل في هذه المشاجرات، وإذا استدعى الأمر تدخلهم فإن عليهم عدم إصدار الأحكام على أبنائهم؛ لأن ذلك يشعل الشجار أكثر بينهم، فالأم التي تلوم ابنها لأنه تشاجر مع أخته قائلة: عليك أن تحبها لأنها أختك. أو تقول له: أختك الصغيرة طيبة معك، لماذا أنت شرس دائماً معها فالأم جعلت من نفسها حكماً؛ لأنها لامت ابنها ووقفت إلى جانب ابنتها، وساهمت بذلك في إشعال المشاجرة بين الأخوين. وإليك المثال الآتي الذي نبين من خلاله خطأ تدخل الوالدين في مشاجرات الأطفال والانحياز لأحدهما: ركض أحمد البالغ من العمر تسع سنوات إلى أمه شاكياً اعتداء أخيه عليه قائلاً: أمي! ضربني عبد الرحمن في بطني. قالت الأم: لا أترككما دقيقتين وحدكما حتى تبدأا في الشجار! من الذي بدأ الشجار هذه المرة؟ أجاب أحمد: هو الذي جاء إلى غرفتي. قالت الأم لعبد الرحمن: لماذا لا تترك أخاك وشأنه حتى لا تسبب لنفسك المتاعب؟ قال عبد الرحمن لأخيه: ما أكثر ما تأتي! أنا أكرهك. رد أحمد غاضباً: أنت الذي بدأت. وتدخلت الأم مرة أخرى قائلة: ابتعدا عن بعضكما إذا كنتما لا تستطيعان البقاء معاً دونما شجار. قال عبد الرحمن: أنا لم أفعل أي شيء، أنت دائماً تلومينني أنا. أجابت الأم: عبد الرحمن! أنا أعرفك جيداً، ألا تقوم بأي عمل مفيد تشغل به وقتك بدل أن تتشاجر مع أخيك، لا أريدكما أن تلمسا بعضاً بعد اليوم. إذا عدنا إلى استعراض الموقف لوجدنا أن الأم أخطأت خطأين، أخطأت عندما سألت طفليها قائلة: من بدأ هذه المرة؟ لأنها عندما تسأل مثل هذا السؤال كأنها تتطلع إلى معرفة الغالب والمغلوب؟ أي: لا بد أن يكون أحدهما على خطأ والثاني على صواب، وعندما تحدد الأم موقفها من شجار أطفالها بهذه الطريقة فإنها تبدو وكأنها تدعو أبناءها أيضاً إلى الاستمرار في الشجار، ومن سيكون مغلوباً هذه المرة ومن سيغلب في المرة القادمة. أخطأت الأم أيضاً عندما هاجمت ابنها عبد الرحمن قائلة: ألا تستطيع أن تقوم بأي عمل مفيد بدل أن تتشاجر مع أخيك. لأنها أثارت غضبه أكثر بسبب لومها له وعدم لومها لأحمد، ثم أشعلت ثورته أيضاً على أخيه لأنه اشتكى إلى أمهما، وهذا الشعور لا يجعله راغباً في تطوير سلوكه، ولماذا يفعل ذلك إذا كانت أمه ستلومه دائماً ولن تلوم أخاه، لذا كان على هذه الأم أن لا تتدخل في مشاجرة ولديها ولا تحكم على سلوكهما. ولكي تتضح لنا مدى إيجابية تصرفات الوالدين عندما يبتعدان عن إصدار الحكم على سلوك أبنائهم نذكر هذا المثال: وقفت الأم في المطبخ تعد فطيرة للعائلة، وأقبل ولداها: كمال البالغ من العمر خمس سنوات، وحسام الذي لا يتجاوز الثالثة من عمره، قال كمال: أنا الذي طلبت أولاً أن أضع الدقيق. قال حسام: لا. أنا الأول. علقت الأم قائلة: حسناً سنقوم معا بعمل الفطيرة. قال حسام: أنا أريد أن أكسر البيض. رد كمال: لا. أنا أريد أن أكسر البيض. وكانت الأم ماهرة في تعليقها عندما قالت: إن كنتما غير قادرين على تقرير من سيكسر البيض سأقوم أنا بذلك. احتج الطفلان على والدتهما، قالت الأم: إذاً دعونا ننظر إلى ما بقي لنا من الفطيرة لم نقم به، سنحتاج لشخص يقيس الماء ويصبه، اختار كمال قياس الماء، وأراد حسام أن يكسر البيض، وحل الطفلان المشكلة بينهما دون أن تتدخل الأم كحكم بينهما. إن أغلب الشجار بين الأبناء سببه شد انتباه هؤلاء الأبناء لآبائهم ليدركوا من خلال تدخلهم أيهما أقرب إلى نفس والديه، فليحذر الآباء من السقوط في هذه المصيدة، وليجعلوا تدخلهم في حدود المعقول، وبدون إصدار أحكام مسبقة على أحد الطفلين حتى لا يشعر بالظلم, بالتالي لا يرغب في تطوير سلوكه. حينما يعرف الأطفال أن عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم فإنهم كثيراً ما سيتوقفون عن الذهاب لوالديهم بشكاواهم ضد إخوتهم، فكثيراً ما يكون الأطفال قادرين على إيجاد حلول عملية لمشكلاتهم إذا تركوا لأنفسهم. مثال آخر: أم تحاول العزل دائماً، ومع ذلك يتشاجر الولد والبنت دائماً بحجة أنها أعطته أكثر منها. الحل المحتمل: الطريقة الأولى: يمكن أن تتجاهل الأم مطالبتهما بالعدل وتؤدي الأمر بالطريقة التي تراها مناسبة. الطريقة الثانية: أن تبذل جهدها في تحري العدل والمساواة، وتفهم الطفل أن الحياة ليست دائماً عادلة، وأن الأشياء لا تكون متساوية دوماً. الطريقة الثالثة: أن تصر الأم على التدقيق الشديد في العدل، وبصورة فيها سخرية منهما وبيان لسخافتهما في التنطع في مسألة العدل، فإذا أتى بقطعة حلوى مثلاً فإنها تقيسها لهم بالمسطرة، أو تزنها بالميزان، مع المبالغة في ذلك، ومعظم الأطفال إذا رأوا ذلك يكتشفون فوراً موضع السخرية، ويتلقنون الدرس، ويعرفون أن العدل المطلق أمر صعب. الطريقة الرابعة: أن تطلب الأم من أحد الطفلين أن يقسم الشيء المختلف عليه، ثم تطلب من الآخر أن يختار، وهذه أيضاً طريقة ناجحة، لكن من أفضل طرق التعامل مع هذه المشاكل -كما نفهم مما تقدم من الكلام- أن نقوم بنقل المسئولية إلى الأطفال، أو نجعل الكرة في ملعبهم كما يقولون، فالمربي إما أن يتبع أسلوب المسئولية الفردية أو يتبع طريقة تحميل الطفل نفي المسئولية، فإذا سلكنا أسلوب المسئولية الفردية حينما يقوم المربي بإسناد حل المشكلة إلى الابن فيسلك أحد الاتجاهين: الاتجاه الأول: يخشى المربي أن تؤثر هذه المشاكل على حياة ابنه، فيتدخل في حمايته فيحرمه التدريب على الأساليب الملائمة لحلها ومواجهتها. هذا الاتجاه -أن الأب هو الذي يحل المشكلة- تكمن سلبياته في أنه يجعل الابن يعتمد على والديه دون أن يتحمل المسئولية بنفسه في سبيل إيجاد حلول مناسبة، كما أنه يحرم من تحمل المسئولية والصعوبات التي تواجهه؛ لأنه تعود أن تصله الحلول جاهزة دون معاناة، ويحرم من النجاح والخبرة في التجارب الواقعية. الاتجاه الثاني: أن يحرص الوالدان على تحميله المسئولية ويراقبانه من بعيد. مثال: حينما يقصر هذا الابن في التعامل مع إخوانه في المنزل، ويتعدى عليهم بالشتم أو الخشونة والضرب نستعمل مهارات التواصل، أولاً: بالتعبير عن المشاعر، ثم بنقل المسئولية، ثم بزرع الثقة. فنعبر عن المشاعر بأن تقول له: لقد قلت مراراً: إن علاقتك بإخوانك سلبية، ودائماً نحثك على معاملتهم جيداً لكنك تضربهم. فأنت هنا عبرت عن مشاعرك، ثم تنقل إليه المسئولية فتقول: سأعتبر أن هذا من مسئولياتك. وأنظر في هذه اللحظة. ثم تقوم بزرع الثقة وتقول له: عندي قناعة أن لديك قدرة على التعامل مع إخوتك باحترام، ومعرفة السلوك الصحيح في هذا الأمر.

стр. 68

أساليب الوقاية من تشاجر الأشقاء وتنافسهم خير وقت للتدخل في خصام الأطفال هو قبل وقوع الخصام، فعلى الأم أن تكتشف الحدود العادية لقدرتهم في بقاء بعضهم مع بعض في سلام، ثم تحاول أن تفصل بينهم وتبعدهم عن بعضهم قبل أن يصلوا إلى هذه الحدود، ولو أن الأب كان معهم في هذا، وتخصص لهم -أيضاً- الأم أعمالاً منفردة ينشغل بها كل على حدة، بل ربما يصل الأمر أحياناً إلى أن يكون أحدهم خارج المنزل، أو عند أحد الأقارب، أو ربما يصل الأمر أحياناً إلى الفصل بينهم في مواعيد الطعام كنوع من التحكم في زمان ومكان الاجتماع، بأن نخصص لكل واحد منهما مكاناً خاصاً به لا يسمح للآخرين بغزوه. إذاً هناك مبدءان متداخلان: الأول هو التفريق بين الأطفال بقدر الإمكان. الثاني: استحضار أن الخصام أمر فطري، وأننا ننتظر بصبر إلى أن يكبروا ويتجاوزوا هذه المرحلة؛ لأن الإخوة يزيد تساهمهم كلما كبروا في السن. تقول أم: كنت فيما مضى أحاول إيقاف الشجار، ولكني أقلعت الآن عن هذه المحاولات، إن إيقاف خصامهما يشبه إيقاف تنافسهما، ومع ذلك فإني أعتقد أن الزمان كفيل بتخفيف خصامهما والتوفيق بينهما، إنهما الآن وقد بلغ أكبرهما العاشرة يتخاصمان بالكلام أكثر من خصامهما بالأيدي، وإني أنتظر اليوم الذي سيكفان فيه عن الخصام نهائياً. إذاً الخصام يخف مع التقدم في العمر ويتغير نوعه. والأساليب التالية يمكن أن تساعد في الوقاية من بعض أشكال التنافس بين الإخوة: - اجعل كل طفل يشعر بأنه محبوب وذو قيمة بذاته. - عامل جميع الأطفال بعدالة، وتجنب الانسجام والتفضيل الواضح لبعض أطفالك على بعضهم الآخر. - يجب إشباع الحاجات النفسية للأبناء، كالحب والأمن والطمأنينة والتقدير والمركز والثقة في النفس، مع معاملة الإخوة جميعاً على أنهم متساوون بأسلوب عادل يتسم بالحزم المشبع بالمحبة والعطف والدفء والمرونة. - هيئ الأطفال لاستقبال المولود الجديد، وذلك عن طريق إخبارهم في وقت مبكر عن توقع ولادة أخ جديد لهم. - راع الفروق الفردية في جميع مجالات التعامل مع الأطفال. - اجعل لكل طفل وقتاً خاصاً تقضيه معه بحيث يكون مركز انتباهك. - زود الطفل بأكبر قدر من الخصوصية. - علم الطفل احترام الملكية الخاصة في وقت مبكر. - اعمل على ترتيب نشاطات جماعية متكررة في الأسرة ذات طبيعة مرحة، مثل النزهات والحفلات والألعاب. - ضع نظاماً واضحاً بحيث تحدد المسئوليات وتوزع الأعمال البيتية بوضوح، من يفعل كذا، ومتى، ووزع المسئوليات بطريقة لا يصطدم الأطفال معها ببعضهم، واعمل على توزيع المهمات بحيث لا يأخذ أحد الأطفال الأعمال الجيدة باستمرار ويأخذ غيره الأعمال القذرة مثلاً دائماً. - شكل مجلساً للأسرة، وحدد أوقاتاً معينة يلتقي خلالها جميع أفرادها للمناقشة وتبادل الآراء والاستماع للشكاوى والتخطيط، ويمكن للأطفال أن يعبروا عن مشاعرهم في هذه الأوقات، وأن يكونوا على ثقة بأنهم سوف يعاملون بعدالة. - تجنب الحماية الزائدة للطفل الأصغر في الأسرة. - لا تجعل أحد الأطفال أباً بديلا يقوم على رعاية الأصغر. - أكد على أطفالك أن يكونوا متعاطفين مع بعضهم، وأن يهتم كل منهم بما يتركه سلوكه من أثر في مشاعر الآخرين. إعادة كلام الطفل، فإعادة كلام الطفل وهو يتشاجر مع أخيه وسيلة أخرى يستطيع بها الآباء معالجة المشاجرات التي تشب بين الأبناء، وهاك المثال العملي: فكر أب في طريقة يعالج من خلالها مشاجرة بين ولديه، فوجد أنه عندما أخذ يعيد كلام ابنه الآخر دون أن يصدر حكماً على أحدهما جاء بنتيجة إيجابية، اشتكى حسام البالغ من العمر ثلاث سنوات لوالده ضرب أخيه الأكبر عادل له قائلاً: أبي! عادل ضربني. قال الأب: عادل! تعال هنا. حسام يقول: إنك ضربته. قال: عادل: لا. حسام يكذب، أنا لم أضربه! قال الأب لحسام: عادل يقول: إنه لم يضربك. رد حسام: لا. هو الذي يكذب، أحلف أنه ضربني. أجاب الأب بحزم وهو يضع قاعدة على أبنائه الالتزام بها: حسناً الضرب أمر غير مسموح به في هذا البيت، هل سمعتما؟ عاد حسام يشد لعبة عادل ليأخذها، قال عادل لأخيه: لا تلمس لعبتي. أجاب حسام متحدياً: بل سألمسها وآخذها منك. قال عادل: هذه اللعبة ملكي ولن تستطيع أن تأخذها. تدخل الأب قائلا: عادل! حسام يريد أن يمسك لعبتك. قال الأب: حسام! عادل يقول: إنك لن تستطيع أن تأخذ لعبته. هل يمكنكما أن تحلا مشكلتكما معاً؟ واندهش الأب عندما رأى أن ابنه حسام يحاول أن يحل المشكلة قائلاً: عادل! هل أستطيع أن آخذ لعبتك لدقيقة واحدة. رد عادل: لا. هذه اللعبة ملكي. كرر الأب رد عادل قائلاً: حسام! يبدوا أن عادلاً غير مستعد لإعطائك اللعبة، إذا استعد سيعطيك إياها. نظر عادل إلى والده من رد فعله، وبعد لحظات قدم اللعبة إلى حسام. إذاً إعادة الأب لحديث أبنائه جعله يقف موقفا محايداً، وشجع الأبناء على أن يحلوا مشكلتهم دون أن يتطلعوا إلى أبيهم لفك مشاجرتهم.

стр. 69

إرشادات مفيدة لتقليل المشاجرات بين الإخوة هذه -أيضاً- جملة من الإرشادات والأساليب المفيدة لتقليل المجادلات والمشاجرات بين الإخوة في جميع الأعمال: - تجاهل منازعات الأطفال البسيطة حتى يكون تدخلك فيما بعد أكثر فعالية. - قم بدور الحكم غير المتحيز، ودون إصدار أحكام مسبقة على أحد الطفلين. - أصدر حكماً عندما يكون لديك سبب للاعتقاد بوضوح أن أحد الأطفال هو الملوم، أو أن الأطفال غير قادرين على حل مشكلتهم بأنفسهم، فقد يكون عليك أن تقوم بدور القاضي. - كافئ الأطفال كلما استمروا في اللعب دون شجار، وأكد لهم بأنك سوف تستمر في مكافأتهم كلما ابتعدوا عن الشجار فيما بينهم. - اعزل الأطفال عن بعضهم كلما تشاجروا، خاصة إذا كانوا في حالة تشاحن دائماً ولم تصلح معهم الطرق الأخرى، وقم باستبعاد ما تشاجروا عليه عنهم. - اجعل من الواضح لأطفالك -باستخدام عبارات مؤكدة- بأنك لن تسمح لهم بإيذاء بعضهم بعضا جسمياً بالضرب، أو بالكلمات كالسخرية والألقاب، وأنك لن تتسامح تحت أي ظرف تجاه استخدام العنف المادي بين أطفالك أو أي شكل من أشكال الإغاظة الهدامة. - ابذل جهداً جاداً لفهم الأسباب الكامنة وراء الإغاظة الهدامة، واعمل على إنهاء الأسباب الواقعية التي تجعل أحد الأطفال يشعر بالغيرة من طفل آخر. - اغرس السلوك الديني وآدابه في نفوس الأطفال، وأشبع حاجاتهم النفسية من مشاعر الأمن والطمأنينة في جو من الحب والاحترام. - حقق العدالة في معاملة الأطفال، فالتفضيل في المعاملة هو من أهم أسباب غرس بذور الغيرة والحقد بين الإخوة وتنشئة بعض الأطفال على النقمة على الوالدين وبعض أفراد الأسرة، والتي قد تنتقل إلى النقمة على المجتمع عموماً. - تجنب الاهتمام بإبراز الفروق بين الأطفال عن طريق عقد المقارنة؛ لكون الطفل يقارن نفسه عادة بغيره من إخوته من حيث الجنس ذكراً أو أنثى، أو من حيث السن صغيراً أو كبيراً، أو من حيث القدرات العقلية والبدنية، أو من حيث الجمال الطبيعي وغير ذلك. ولذا فمن الخطأ اهتمام الآباء بالمقارنة بإبراز هذه الفروق، وإن كان لا بد من وضع أفضلية للخلق والتدين والجد في الدراسة.

стр. 70

نصائح تربوية عامة نختم هذا الحديث بنصائح تربوية عامة للآباء تفيد في قضية تشاجر الأشقاء وأيضاً في غيرها إنه من الخطأ أن يتوقع الآباء أن يتصرف الأبناء بعقلية الآباء، فعقلية الآباء هي خلاصة خبراتهم وتجاربهم لسنوات طويلة، وإن نفسية الأطفال تختلف عن نفسية الكبار، ولذلك يجب على الآباء مراعاة ما يلي: - أن تحافظ الأم على هدوئها بقدر الإمكان أثناء ثورة الغضب التي يجتازها ابنها، وأن تشعره بأنها تعلم أنه غاضب، وأن من حقه أن يغضب، ولكن من الخطأ أن يعبر عن الغضب بهذا الأسلوب، وأنه يجب أن يعدل سلوكه ويصبح كالآخرين، أي: يغضب ولكن دون أن ينفعل وينفجر بالبكاء ويلجأ إلى الرفس والضرب، كما عليها أن تؤكد له دائماً أن ما فعله لن يؤثر على علاقتها به، وأنه لا يزال ابنها المحبوب لتعلمه التسامح. - أن يكون الآباء قدوة حسنة للأطفال، فيقلعون عن عصبيتهم وثورتهم لأتفه الأمور أمام الأبناء، ويعملون جهدهم لضبط النفس قدر الإمكان حتى لا يقلدهم الأطفال، بل ينبغي عليهم استعمال الأساليب التي تلتزم جانب الهدوء والصبر والفهم في مواجهة الأمور وحلها حلاً معقولاً بالطرق السلمية، حتى يتعلم الأطفال مواجهة الحياة بأسلوب مرن حكيم غير انفعالي. - على الآباء أن لا يذيقوا الطفل حلاوة الانتصار بتحقيق الرغبة التي انفجر الطفل باكياً من أجلها وغضب، ذلك لأن ذلك يشجعه على أن تصبح هذه طريقته، أو وسيلته المفضلة في الحصول على ما يريد. - يجب أن يكون الآباء حذرين للغاية من ربط بين مصلحة نفعية يكسب منها الطفل امتيازاً عن طريق لجوئه إلى حدة الطبع والغضب السريع، فلا مكافأة إلا عندما يظهر سلوكاً وخلقا هادئاً وطبعاً رقيقاً. - عدم التدخل المبالغ فيه في حياة الأبناء، وإن من الواجب اهتمام الآباء بهم ورعايتهم الرعاية اللازمة، بشرط عدم التدخل المبالغ فيه في شئونهم الخاصة، فعلى الآباء عدم التدخل المبالغ فيه في حياة الأبناء، كأن يرسموا لهم كيف ينفقون مصروف اليد وينتقوا لهم لون ملابسهم. - إن تدخل الآباء يجب أن يكون تدخلاً مرناً بأسلوب التوجيه وليس بأسلوب الأمر الذي لابد أن يطاع، إن الطاعة العمياء بمجرد الطاعة تخلق من الطفل فرداً لا شخصية له، وعلى هذا الأساس يجب على الآباء الإقلال كلما أمكن من التدخل في أعمال الأطفال وحركاتهم، حتى لا يشعروا بكابوس الكبار، ويثوروا غضباً، أو يلجئوا إلى العناد، وحتى لا يلجئوا إلى استعمال نفس أساليب الآباء مع إخوتهم وأقرانهم من الأطفال فيتشاجرون، ولكن ليس معنى ذلك أبداً أن نترك الحبل على الغارب، خاصة فيما يتعلق بصحة الطفل أو المحافظة على حياته. - أيضاً مساعدة الطفل قدر الإمكان في تحقيق رغباته المشروعة، والتنفيس عن مشاريعه المكبوته بمنجزات ابتكارية، وذلك بتحويل نشاط الطفل إلى بعض الهوايات، أو الأشغال اليدوية، أو التلوين، أو اللعب بالطين والصلصال والنجارة وغيرها، واللعب مع رفاق من سنه. إن الطفل الغضوب هو في الواقع طفل عذبه الشعور بالإحباط والكبت، ومثل هذه الأنشطة تجعله ينفس عن هذا الإحباط، وإن كان قليل من الشعور بالإحباط مفيداً لبناء الشخصية السوية، وكثير منه يؤدي إلى المرض النفسي، لذلك كلما أمكننا مساعدة الطفل على اكتساب الخبرات دون إحباطه كلما أمكنه مواجهة مشاكل الحياة بأسلوب سوي. - وكذلك عدم التوبيخ، خصوصاً أمام طفل آخر، أو أمام الضيوف، بل لا تجوز مناقشة الطفل أو مشاكله مع غيره على مسمع منه، كما لا يجوز استعمال النقد أو العنف أو الشدة كوسيلة لإرغام الطفل على طاعتنا. - أيضاً لا يجوز أن نعبث بممتلكات الطفل أو نسمح لغيره من الأطفال بذلك، كما لا يجوز أن نحرمه منها لمجرد غضبنا منه لسبب ما، وفي الوقت نفسه لا نظهر أمامه الضعف أو التراخي أو الإهمال أو الشدة من أحد الأبوين والليونة أو التدليل من الآخر، فكلما كانت سياستنا مع الأطفال ثابتة ومرنة وبدون قلق كلما منعنا نوبات الغضب والعناد والتشاجر عند الأطفال. - يجب أن يسود الأسرة روح التعاون والود والتسامح، فكلما شعر الطفل بالاستقرار والهدوء النفسي، وكلما وجه نشاطه وطاقته وحيويته وجهة اجتماعية تساعده على تعلم أساليب الأخذ والعطاء وتجعله ينمو نمواً سوياً، كلما كف عن أساليب الطفولة الأولى التي تتميز بالغضب والعناد والتشاجر أحياناً، وعند تشاجر الأطفال من سن متقاربة يحسن -ما أمكن- تركهم ليحلوا مشاكلهم بأنفسهم، وإذا كانت هناك ضرورة لتدخل من الكبار فيجب أن تكون للتوجيه والصلح الهادئ دون تحيز لطفل. - في الواقع أن الدراسات العلمية أثبت أن كثيراً من حالات الغضب والعناد وكثرة التشاجر عند الأطفال مرجعها في الغالب الآباء أنفسهم، أي أن الآباء كثيراً ما يكونون مصدر هذه المشاكل بسلوكهم الذي يتسم بالحزم المبالغ فيه، والسيطرة الكاملة على الطفل، ورغبتهم في طاعة أوامرهم طاعة عمياء، وبثورة الآباء وشجارهم في المنزل لأتفه الأسباب. مثل هؤلاء الآباء يجب أن يدركوا أنه من الواجب إصلاح أنفسهم حتى يمكن إصلاح أبنائهم وعلاجهم من مشاكلهم النفسية أو السلوكية كالغضب والعناد والتشاجر، بعبارة أخرى: ينبغي الاهتمام بتربية الآباء قبل الاهتمام بتربية الأبناء. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 71

مشاكل الأطفال النفسية مشاكل الأطفال النفسية كثيرة جداً، ومنها: السرقة، وظاهرة السرقة لدى الأطفال تنشأ عن دوافع عديدة، وهناك عوامل تساعد على ظهورها واستمرارها. فينبغي للوالدين -إذا رأيا هذه الظاهرة متفشية في أحد أولادهما- أن يسعيا في معالجتها بالوسائل النافعة؛ حتى لا تشب معه فيصعب بعد ذلك انفكاكه عنها!

стр. 72

السرقة عند الأطفال إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فقد وردت عدة أسئلة من بعض الإخوة، وفيها شكوى في انتشار صورة من صور خيانة الأمانة بالنسبة لبعض الأطفال، وهي: ظاهرة السرقة عندهم، فرأينا أن نلقي الدرس حول هذه الظاهرة؛ لأن معرفتها مهمة للجميع في الحقيقة، سواء من كان عنده أطفال يعانون من هذا الوصف -السرقة- أو من عنده أطفال عوفوا من ذلك أو لما يكبروا، حتى يفهم كيف يمكنه وقاية أطفاله من تلبسهم بهذه الصفة. فالسرقة بالنسبة للأطفال هي: امتلاك الطفل شيئاً ليس من حقه بعيداً عن عيون أصحاب هذا الشيء وبدون إذنهم، لكن أهم شيء ولا بد أن نلتفت إليه في هذا الموضوع منذ البداية: أن السرقة صفة مكتسبة، فليس هناك طفل يولد مائلاً إلى السرقة، لكن البيئة التي يتربى فيها ويتفاعل معها هي التي تُرسِّخ فيه هذا النوع من الخيانة أو هذا النوع من تضييع الأمانة عن طريق السرقة، فلا بد أن ننظر في الأسباب والدوافع التي تؤدي بالأطفال إلى التلطخ بظاهرة السرقة.

стр. 73

أسباب وجود ظاهرة السرقة عند الأطفال

стр. 74

الأسباب المباشرة للسرقة لدى الأطفال هناك أحياناً أسباب مباشرة تدفع الطفل إلى السرقة، فيمكن أن يكون الطفل فقيراً، وتنقصه الاحتياجات الأساسية جائع عطشان يحتاج إلى شيء من هذه الاحتياجات، فهو يسرق ليأكل، بالذات إذا كان هذا الطفل الفقير يخالط أطفالاً من أبناء الأثرياء، فيشعر بالحرمان إذا قرن حاله بحالهم، وهو لا يجد الأكل أو الشراب أو الأشياء الأساسية، فيرى أن السرقة في هذه الحالة تشبع احتياجاً أساسياً، إذاً: السرقة هنا لسبب مباشر كما ذكرنا. قد يكون من دوافع السرقة إشباع رغبة أو عاطفة أو هواية عند الطفل، فمثلاً: يريد أن يلعب وليس عنده لعبة، أو عنده رغبة في اللعبة التي في يد الطفل الفلاني فيسرقها ليشبع رغبة اللعب، أو يكون الدافع عاطفياً كأن يكون ارتكب خطأً تافهاً فعاقبه أحد الوالدين عقوبة شديدة لا تتناسب مع حجم هذا الخطأ، فيبدأ يسرق كوسيلة من وسائل الانتقام من الوالدين، أو الانتقام من المدرس إن كان هو الذي عاقبه بأكثر مما يستحق. ومن الدوافع: فقدان حب الأسرة؛ لأن الأسرة قد تخل في إشباع هذا الطفل من الناحية العاطفية بالحب والحنان ونحو ذلك، كأن تكون الأسرة لا تتمنى وجود هذا الطفل في الحياة لسبب أو لآخر، فإذا كان الطفل غير مرغوب فيه فهذا ينعكس على سلوكيات الآباء نحو هذا الطفل بالذات، وبالتالي لا يبذلون له الحب أو الحنان أو العاطفة التي هي من حقه، فيشعر الطفل بأنه منبوذ. قد يكون من الدوافع: شعوره بأنه قادر على النيل من أعدائه، أو الأولاد الذين يغيظونه أو يعادونه، فعندما يسرقهم يشعر بالانتصار؛ لأنه استطاع أن ينال منهم، ويدعِّم توكيد ذاته، وخاصة إذا كان غير محبوب من زملائه. كذلك عندما يكون زملاؤه لا يحبونه ويؤذونه وهو مستضعف بينهم، فربما يسرق ليهدي إليهم الهدايا، فيحصل على حبهم أو على عطفهم، فيمكن أن يكون الدافع: أن يرغب في كسب زملائه، فيسرق كي يعطيهم الهدايا. ويمكن أن يكون هذا الطفل فاشلاً من الناحية الدراسية، فيبدأ يسرق كنوع من التعويض عن هذا الفشل. قد يكون هناك نوع من سوء التوافق الاجتماعي؛ لأن سلوك (الشلة) المحيطة به من أصدقائه منحرف، فيأخذ منهم هذه الأخلاق.

стр. 75

العوامل المساعدة على تفشي السرقة لدى الأطفال هناك عوامل مساعدة على تفشي السرقة إلى جانب هذه العوامل التي أشرنا إليها، ومنها: نقص شعور الطفل بالأمن والاستقرار، وهذا طبعاً يكون بسبب وجود تغير في معاملة الوالدين أو تفكك الروابط الأسرية، كأن يولد أخ أو أخت لهذا الطفل، فيرى أن الاهتمام كله انتقل منه إلى هذا الأخ الجديد المولود حديثاً؛ فيبدأ يغار منه بسبب ما يلحظه من التغير في معاملة الوالدين مما يؤثر في شعوره بالأمن والاستقرار. كذلك أيضاً: تفكك روابط الأسرة التي تجعل الطفل يبدأ يشك في حب الوالدين له، وبالتالي تحصل السرقة كرد فعل لهذا الحرمان، أو يفعل ذلك محاولاً استعادة الشعور بالأمان الذي فقده في هذه الأم أو هذا الأب. كذلك من العوامل المساعدة على سلوك السرقة: التدليل الزائد، كأن يكون الطفل الأول أو يكون هو الطفل الوحيد فيتعود بسبب التدليل الزائد على أن كل طلباته تجاب، فيصبح الطفل الصغير هذا ملكاً غير متوج، فيبقى هو الآمر الناهي، وكأن من علامات الحب له أن تكون كل طلباته مجابة، والتدليل لا بد منه لكننا نتكلم عن الغلو فيه أو الإفراط فيه، طبعاً الطفل في هذه الحالة يصل إلى مفهوم معين فيفهم أن كل شيء يطلبه يناله، ففي هذه الحالة يفهم أن الحياة والتعامل مع الناس قائم على الأخذ فقط، فإذا كبر يصطدم بأن الحياة هي في الحقيقة أخذ وعطاء، وربما كان العطاء أكثر من الأخذ. ونلفت النظر إلى شيء مهم جداً، بالذات حينما توجد المشاكل بين الزوجين، وتكون العلاقات متوترة، والنزاعات مستمرة، ولا يوجد تفاهم بين الزوجين، وبالذات عندما تظهر هذه الأشياء أمام الأطفال، ويدفع الجميع الثمن، وأولهم الطفل الذي هو ضحية النزاعات بين الأبوين، أو التضارب في القيادة التربوية، الأب يقول له: اعمل كذا، والأم -لكي تعاند الأب- تقول: لا تعمل، فيحصل الخلاف ويشعر الطفل بهذه الأوضاع، فنقول: إن هؤلاء الآباء أحياناً إذا طلب من أحدهم أن يضحي بأي شيء مادي في سبيل إسعاد هذا الطفل البائس فهو يقول: أنا مستعد أن أدفع أموال الدنيا! فنقول له: حتى لا يشقى ابنك ويصبح ضحية لن يكلفك الأمر أموال الدنيا، ولن يكلفك أموالاً على الإطلاق، وإنما يكلفك أن تتغلب على المشاكل التي بينك وبين زوجتك لمصلحة هؤلاء الأولاد، قد يصل العناد أحياناً ببعض الآباء إلى أنه لا يكون مستعداً لفعل مثل هذه الخطوة، ولا يدرك خطورة الثمن الفادح الذي سوف يدفعه هؤلاء الأولاد. إذا كان الأبوان مستعدين للتضحية بأي شيء في سبيل إسعاد الابن والابنة، فالأولى لهما أن يضحيا بعلاج هذه المشاكل بسلوك مسلك سليم في التعامل أمام الأولاد، وإصلاح ما بينهما من التفكك حتى لا ينعكس على نفسية هؤلاء الأولاد، فهذا هو لب العلاج، بالذات في الأسرة التي توجد فيها مشاكل بين الأبوين، وبالتالي يكون الأولاد هم الضحية!
следующие страницы →