← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح عمدة الفقه_ كتاب الطهارة [١] المياه التي يجوز التطهير بها كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، وهو أقسام: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، ونجس، ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب، ويغسل من سائر النجاسات مرة تأتي عليه.

стр. 2

شرح مقدمة العمدة

стр. 3

الحمد والثناء لله بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد ومستحقه حمداً يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله]. هذا الكتاب اسمه: عمدة الفقه للإمام ابن قدامة ﵀، وضعه للمبتدئين برواية واحدة، ثم وضع كتاباً آخر بعده، وهو: المقنع للمتوسطين، وهو أوسع من العمدة، ثم ألف الكتاب الثالث، وهو: الكافي، يذكر فيه بعض الأدلة، والمقنع يذكر فيه الخلاف، والكافي يذكر فيه الروايات، ويذكر الأدلة تعويداً للمتوسطين، ثم ألف كتاب: المغني للمجتهدين، فـ ابن قدامة ألف العمدة للمبتدئين، ثم المقنع للمتوسطين، ثم الكافي لبيان بعض الأدلة، وضبط الخلاف بالأدلة، ثم المغني للمجتهدين. قوله: (الحمد لله) الحمد: هو الثناء على المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فهو ثناء على الرب مع حبه وإجلاله وتعظيمه. قوله: [أهل الحمد ومستحقه حمداً يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه]. الله هو أهل الحمد سبحانه، وهو المستحق لجميع أنواع المحامد، وهي ملك لله واستحقاق له. قوله: [وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة قائم لله بحقه]. هذا اعتراف لله بالوحدانية والألوهية، وأنه هو المستحق للعبادة، فـ (أشهد أن لا إله إلا الله) يعني: أقر وأعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله، فهذا اعتراف بوحدانية الله وربوبيته وألوهيته. قوله: [وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له]. وحده تأكيد، و (لا شريك له) يعني: لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله. قوله: [وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]. هذه الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة، فالأولى: هي شهادة لله بالوحدانية، والثانية: شهادة لنبيه بالرسالة، وهاتان الشهادتان أصل الدين وأساس الملة، ولا يصح إسلام أي إنسان حتى يقر بهاتين الشهادتين، حتى يشهد لله تعالى بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأشهد أن محمداً عبده ورسوله غير مرتاب في صدقه]. يعني: لا بد من اليقين، أشهد عن يقين لا عن ريب وشك.

стр. 4

معنى الصلاة من الله والعبد والملائكة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه]. أحسن ما قيل في تفسير صلاة الله على عبده ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. وقيل: الصلاة الرحمة، وقيل: تشمل الأمرين الرحمة والثناء، والصلاة من الله ومن العبد والملائكة الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه، وما رعد بعد برقه]. الودق: المطر، يعني: صلاة وسلاماً عدد المطر، وعدد صوت الرعد ولمعان البرق.

стр. 5

معنى كلمة (أما بعد) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما بعد]. هي كلمة يؤتى بها للدخول في المقصود، وللانتقال من أسلوب إلى أسلوب، كأن يكون انتقل من الخطبة إلى الدخول في الموضوع الذي يريده وهو التأليف.

стр. 6

معنى الفقه لغة واصطلاحاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا كتاب في الفقه اختصرته حسب الإمكان]. الفقه لغة: الفهم، واصطلاحاً: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واقتصرت فيه على قول واحد ليكون عمدة لقارئه]. اقتصر فيه على قول واحد ليكون عمدة للمبتدئين، فيحفظون هذا الكتاب، وكتاب العمدة على قول واحد لمذهب الحنابلة، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى المقنع وهو أوسع، ثم إلى الكافي، ثم إلى المغني. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يلتبس الصواب عليه باختلاف الوجوه والروايات]. لأنه مبتدئ، والمبتدئ لا ينبغي أن يذكر له الوجوه والخلاف؛ لأنها تشوش عليه فيعطى قولاً واحداً يحفظه, ولا يشوش عليه بكثرة الأقوال والأوجه والخلافات حتى يتقوى ويكون عنده حصيلة علمية وملكة، فيكون هذا عنده أصل، ثم بعد ذلك يتوسع في الخلاف ومعرفة الراجح من الأقوال بالدليل.

стр. 7

سبب تأليف المؤلف لكتاب العمدة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين]. هذا هو سبب التأليف وهو: أنه سأله بعض الإخوان أن يؤلف، فألفه على قول واحد للمبتدئين ليقرب فهمه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين، ويسهل حفظه على الطالبين]. ألفه ليكون قريباً للذهن، وليكون سهل الحفظ على المبتدئين؛ فاجتهد في إخلاصه، وفي الاستعانة بالله ، وهذا من أسباب التأليف، فكل مؤلف في الغالب يذكر سبب التأليف, فسبب تأليفه أن بعض الإخوان سأله أن يؤلف لهم كتاباً سهلاً فيحفظه المبتدئون. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأجبته إلى ذلك معتمداً على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم]. فلا بد من الإخلاص, فهو ركن أساسي لقبول العمل. والركن الثاني: أن يكون موافقاً للشرع صواباً على السنة المطهرة، وهو معتمد على الله في الإخلاص سائلاً الله له المعونة والتسديد والتوفيق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [معتمداً على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل]. فهو كافينا ، وهو نعم الوكيل والكافي . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأودعته أحاديث صحيحة تبركاً بها واعتماداً عليها]. فهو يستدل ببعض الأحاديث الصحيحة في بعض المواضع وإن كان على قول واحد، لكن يستدل ببعض الأحاديث تبركاً بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأودعته أحاديث صحيحة تبركاً بها واعتماداً عليها وجعلتها من الصحاح]. يعني: طلباً للبركة؛ لأن الذي يعمل بالسنة فلا شك أنه مبارك؛ ولأنها تكون دليلاً وحجة على القول الذي يستدل له. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعتماداً عليها وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها]. جعلها من الأحاديث الصحيحة.

стр. 8

أحكام المياه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أحكام المياه]. بدأ المؤلف في أحكام المياه على طريقة المتأخرين الذين يؤلفون المؤلفات فيبدءونها بالفروع، وأما في التوحيد والعقيدة فيجعلونها في مؤلفات خاصة, وكان القدامى على غير هذا المنهج, فقد كانوا يبدءون أولاً بأصول الدين في العقيدة وبالتوحيد كما فعل الإمام البخاري ﵀، حيث بدأ بكتاب الإيمان، وكما فعل الإمام مسلم حيث بدأ بكتاب الإيمان، وكذلك غيرهما من أهل السنن، أما المتأخرون فاصطلحوا على أن يجعلوا الفروع على حدة، وكتب العقائد على حدة، كما فعل الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، حيث بدأ بكتاب الطهارة فيبدءون بالعبادات أولاً، وأعظم العبادات هي الصلاة؛ فيبدءون بالطهارة؛ لأنه شرط في صحة الصلاة؛ ولهذا بدأ المؤلف ﵀ باب المياه, والمياه هي: التي يتطهر بها الإنسان، وإذا تطهر صلى، والصلاة تسبقها الطهارة؛ فلهذا بدأ في كتاب المياه بأحكام المياه؛ لأن الطهارة تسبق الصلاة، فالمصلي لا بد أن يتطهر.

стр. 9

الماء الذي يطهر النجاسة والأحداث قال المؤلف رحمه الله تعالى: [خلق الماء طهوراً يطهر من الأحداث والنجاسات]. الماء خلقه الله طهوراً كمياه الأمطار والبحار والأنهار والآبار والعيون، كلها خلقها الله طهوراً يطهر من الأحداث والأنجاس يعني: يرفع بها الحدث، فإذا أحدث الإنسان فخرج منه بول أو غائط أو ريح أو أصابته جنابة فإنه يطهره الماء, وكذلك النجاسات التي تصيب البدن والثوب فإنه يطهرها الماء، والله تعالى خلق الماء طهوراً يطهر به الأحداث والأنجاس سواءً كان هذا الماء من ماء الأمطار والسيول أو ماء الأنهار والبحار أو العيون والآبار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تحصل الطهارة بمائعٍ غيره]. هذا هو الصواب، أنها لا تحصل الطهارة بمائع غير الماء, فلو عصر ماءً من الأشجار وأخذه ليتطهر فإنه لا يطهر, ومثله أيضاً ماء الورد، وما أشبه ذلك من المائعات كالدهن، وكذلك أيضاً ما يعصر من الأشجار من المياه وإن كان مائعاً فلا يطهر النجاسة، وإنما يطهرها الماء فقط، هذا هو الصواب خلافاً لمن قال من العلماء: إنه يجوز التطهير بالمائع كـ أبي حنيفة، فإنه يرى أنه لا بأس إذا عصر ماءً من الشجر وغسل به النجاسة, وكذلك عنده تطهر النجاسة الشمس والريح ومياه الأشجار التي يعصر منها, والصواب كما ذكر المؤلف أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء خاصة دون غيره من المائعات ودون الشمس والريح.

стр. 10

إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تحصل الطهارة بمائع غيره، فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء]. إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء؛ لحديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وفي لفظ: (لم ينجس) يعني: أنه إذا لاقته النجاسة فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه في النجاسة وهي لونه أو طعمه أو ريحه, أما إذا لاقته النجاسة وهو قلتان فلا ينجس، والقلتان: ما تقارب خمس قرب وهما ذراع وربع تقريباً طولاً وعرضاً وعمقاً, فإذا بلغ الماء قلتين -خمس قرب- ولاقته نجاسة فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه, أما إذا كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير في أوصافه، عملاً بحديث القلتين، وهذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ وكثير من الفقهاء. القول الثاني: أنه لا ينجس حتى ما دون القلتين إلا إذا تغير أحد أوصافه؛ لحديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وحديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) هذا منطوقه ومفهومه: أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث بمجرد الملاقاة, لكن هذا المنطوق ألغاه حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء) والصواب: أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه قليلاً كان أو كثيراً, وسواء كان دون القلتين أو فوق القلتين, وأما مفهوم حديث ابن عمر أنه إذا لم يبلغ القلتين يحمل الخبث وينجس بمجرد الملاقاة، هذا المفهوم أبطله وألغاه حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فالماء إذا اختلط قليلاً أو كثيراً لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه، وإذا كان الماء قليلاً في الأواني فإنه يراق؛ لما ورد في بعض أحاديث ولوغ الكلب بلفظ: (فليرقه)، أما إذا كان في غير الأواني فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، وحديث القلتين يفيد أن الماء القليل على الإنسان أن يعتني به؛ لأنه قد تغيره النجاسة وهو لا يشعر، فينظر فيه ويتأمل فإن تغير أحد أوصافه فهو نجس وإلا فهو طهور. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه]. وكذلك إذا كان الماء جارياً لا بأس؛ لأن الجرية تذهب وتأتي بعدها جرية أخرى, فإذا كانت المياه جارية فلا تنجس إلا إذا تغيرت أوصافها, وكذلك إذا كان الماء أكثر من القلتين فإنه لا ينجس إلا بالتغير على ما ذهب إليه المصنف وعرفنا أنه حتى ما دون القلتين لا ينجس إلا بالتغير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما سوى ذلك ينجس بمخالطة النجاسة]. الشيخ: يعني: مادون القلتين ينجس بمجرد المخالطة ولو لم يتغير، والصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح كما ذهب إلى ذلك المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أهل العلم.

стр. 11

تقدير القلتين في الطهارة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي]. هذا التقديرات عندهم، وهي تقارب خمس قرب، قدرها بعضهم بأنها ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً، أي: ما يسع مكاناً طوله ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً.

стр. 12

متى يسلب الماء طهوريته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته]. إذا طبخ في الماء ما ليس بطهور فإنه يسلبه طهوريته على ما ذهب إليه المؤلف ﵀، والصواب أنه لا يسلبه طهوريته إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة أو ارتفع اسم الماء عنه، بأن كان مثلاً طبخ فيه زعفران، فالصواب أنه لا يسمى ماءً، وإنما يسمى زعفران، كذلك إذا رفع الحدث بقليله فالصواب أنه لا يسلبه الطهورية. فإذا اختلط به ما سلب وصفه فلا بأس، زعفران أو حبر فصار لا يسمى ماءً وإنما يسمى: حبراً أو زعفران، فهذا يسلبه الطهورية؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً، وإنما يقال له: ماء الزعفران، ماء الحبر. (وإذا طبخ فيه ما ليس بطهور) فهذا فيه تفصيل: إن كان الذي طبخ فيه يسلبه اسم الماء ويتغير فلا يسمى ماء، أما إذا كان لا يسلبه اسم الماء فإنه يبقى طهوراً، وكذلك إذا رفع بقليله الحدث فإنه لا يسلبه الطهورية على الصحيح, والصواب أنه إذا توضأ الإنسان بماء قليل فرفع الحدث فلا يسلبه اسم الطهورية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته]. الصواب أنه لا يسلبه طهوريته، ولو استعمل في رفع حدث إلا إذا تغير أحد أوصافه.

стр. 13

الحكم فيما إذا شك في طهارة الماء أو غيره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بنى على اليقين]. إذا شك في طهورية الماء أو نجاسته فإنه يبني على اليقين، إذا كان عنده يقين أن هذا الماء طهور لكن شك هل وقعت فيه نجاسة أو لم تقع فيبني على اليقين، فالأصل أنه طهور ولا يعتبره نجساً، وكذلك العكس إذا كان يعلم أن هذا الماء نجس لكن شك هل زالت النجاسة أو لم تزل؟ وهل أخرجت أو لم تخرج؟ فإنه يبقى نجساً فيعمل بالأصل, وإذا شك في نجاسة الماء أو طهوريته فإنه يعمل بالأصل، فإن كان يعلم أنه طهور وأن النجاسة هي التي طرأت ولا يدري هل طرأت أو لم تطرأ فإنه يعتبره طهوراً، وكذلك إذا كان يعلم أن الماء نجس لكن شك هل طهر هذا الماء أو لم يطهر، فإنه يبقى نجساً بناءً على الأصل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن خفي موضوع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها]. إذا خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن أنه أزال النجاسة، وإذا شك أن النجاسة مثلاً في وسط الثوب فإنه يغسل الوسط كله حتى يتيقن أنها زالت النجاسة، وإذا كان عنده ماء طهور أخذه من البئر وعنده ماء آخر جمعه من القطرات التي تنزل من أعضائه فهذا يسمى طاهراً, فلا يرفع الحدث، لكن إن اشتبه ولا يستطيع أن يميز وما عنده دلو ليستخرج من البئر ماءً آخر، فإنه يتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، يعني: يغسل وجهه مرة من الإناء ثم يغسل مرة أخرى من الإناء الثاني ثم يغسل يده اليمنى مرة من الإناء، ثم يغسل مرة أخرى من الإناء الآخر حتى يتيقن أنه توضأ مرة واحدة من الطهور؛ لأن أحدهما لا يرفع الحدث، والماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس. هذا هو الأصل، لكن الذي مشى عليه المؤلف بأن ما كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة ولو لم يتغير أحد أوصافه، فإذا وقعت فيه قطرة من بول تنجس عندهم ولو لم يتغير؛ لأنه دون القلتين؛ لحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فالمفهوم: أن ما لم يبلغ القلتين فإنه يحمل الخبث ولو لم يتغير. وبالنسبة إلى ما خالط الماء: إذا كان لم يسلبه اسم الماء فهو باق على طهوريته، ولا يضر، أما إذا كان قد تغير وسلبه اسم الماء فلا يسمى ماءً، ولا يصلح للتطهر.

стр. 14

إذا اشتبه طهور بطاهر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما، وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب بعدد النجس وزاد صلاة]. يعني: صار عنده أربعة ثياب: اثنان نجسان، واثنان طاهران ماذا يعمل؟ يقول: يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة، إذا كانت الثياب النجسة اثنين، فإنه يصلي في هذا الثوب صلاة الظهر أربع ركعات، ثم يخلعه، ويلبس الثوب الثاني ويصلي صلاة الظهر مرة ثانية ويخلعه، ثم يلبس ثوباً ثالثاً ويصلي الظهر مرة ثالثة؛ لأن النجس اثنان, وإذا كانت الثياب النجسة خمسة وخمسة أخرى طاهرة فإنه يصلي ست مرات، كل مرة يصلي بثوب ويخلعه حتى يتيقن أنه صلى بثوب طاهر؛ لأن الثياب النجسة خمسة ويمكن إذا صلى خمس مرات صلى بالثياب النجسة ولم يصل بثوب طاهر، فيزيد في الصلاة صلاة سادسة، أي: يصلي ست مرات في كل مرة يصلي بثوب ويخلعه. والقول الثاني: أنه يتحرى حسب غلبة الظن ويختار أحد الثياب ويصلي فيه.

стр. 15

كيفية غسل نجاسة الكلب والخنزير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب]. لما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، إحداهن بالتراب) وفي لفظ: (أولاهن بالتراب) وفي لفظ: (وعفروه الثامنة بالتراب) وتسمى ثامنة لأنها زائدة على الماء، والأقرب أن تكون الأولى بالتراب حتى يزيلها ما بعدها, وهذه الغسلات خاصة بنجاسة الكلب، يقول النبي ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، أولاهن بالتراب) وذكر بعض الأطباء أن لعاب الكلب فيه خاصية لا يزيلها إلا التراب، وهذا من محاسن الإسلام، ومن معجزات النبي ﷺ ، ومن علامات النبوة، حيث اكتشف الأطباء أن الكلب فيه هذه المادة السمية التي لا يزيلها إلا التراب، أما الخنزير فالعلماء قاسوه على الكلب، وذهبوا إلى أن الخنزير حكمه حكم الكلب، والصواب أن الخنزير لا يقاس على الكلب، وأن هذا خاص بالكلب, والنبي ﷺ أفصح الناس ما قال: إذا ولغ الخنزير في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، فيكون هذا خاصاً بالكلب، وإلحاق الخنزير بالكلب إنما هو من باب القياس، والدليل إنما هو خاص بالكلب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية]. ذهب المؤلف أن بقية النجاسات تغسل ثلاث مرات، والقول الثاني: إذا أنقت النجاسة غسلة واحدة كفى، والقول الثالث: أن النجاسة تغسل سبع مرات، واستدلوا بحديث: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) لكنه حديث ضعيف عند أهل العلم، والصواب أنه لا يتحدد لا ثلاث ولا سبع، وإنما هذا يرجع إلى غلبة الظن إذا غلب على ظنه أنها زالت النجاسة فيكفي سواء مرة أو مرتين أو ثلاثاً، والمؤلف ﵀ مشى على أن نجاسة الكلب تغسل سبعاً إحداهن بالتراب، وسائر النجاسة تغسل ثلاثاً، وقيل: سبعاً، والصواب أنه لا يتحدد عدد، وإنما هذا يرجع إلى غلبة الظن، فإذا طهر المحل انتهى مثل الاستنجاء, إذا استنجى الإنسان لا يوجد عدد بالتحديد، المهم غلبة الظن، أن يغلب على ظنك أنك أنقيت وطهرت المحل وكفى؛ لأن الرسول نص على هذا، فلا بد منه. وأما الصابون فإنه لا يزيله، هذا هو الظاهر، وقد يقال: عند العدم إذا لم يجد تراباً يقوم مقامه. مسألة: هل تصح الصلاة في الثوب المغصوب؟ الجواب الصلاة في الثوب المغصوب الصواب أنها تصح مع الإثم، وفيه خلاف: الثوب المغصوب والماء المغصوب وقد مر بنا هذا في درس صحيح البخاري، وذكرنا القاعدة في هذا، أنه إذا صلى في ثوب مغصوب أو صلى في ثوب حرير أو توضأ بماء مغصوب أو صلى في أرض مغصوبة فبعض العلماء -وهو المذهب- رأوا عدم صحة الصلاة إذا صلى في ثوب حرير، أو ثوب مغصوب، أو في أرض مغصوبة. والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم؛ لأن القاعدة: أنه إذا كان النهي يرجع إلى ذات المنهي فهذا يدل على الفساد, وإذا كان النهي خارجاً فلا يدل على الفساد، فمثلاً: إذا صلى في ثوب نجس ما صحت الصلاة؛ لأن النهي يرجع إلى ذات المنهي؛ ولأن المصلي مطلوب منه طهارة البقعة والثوب والبدن, فإذا صلى في ثوب نجس أو في أرض نجسة ما صحت الصلاة؛ لأنه لو لبس الثوب في غير الصلاة لما منع من ذلك، فهذا منهي عنه خصوصاً في الصلاة، أما الثوب الحرير فهذا منهي عنه في الصلاة وخارج الصلاة، فلا يجوز لبس الحرير لا في الصلاة ولا خارجها، والغصب لا يجوز لا في الصلاة ولا داخلها، فله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب، فاجتمع في الصلاة موجب الثواب والعقاب فنقول: صلاته صحيحة وله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب، فصاحب الثوب المغصوب صلاته صحيحه وعليه إثم الغصب، كالماء الذي توضأ به غصباً، وإذا صلى في ثوب حرير فله ثواب الصلاة وعليه إثم لبس الحرير، وهكذا، هذا على الصحيح والصواب وإلا المسألة فيها خلاف. قال صاحب الحاشية لما ذكر: (ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية) قال: هذه رواية عن الإمام أحمد ﵁، واختارها الشيخ تقي الدين، والمذهب أنه لا بد من الغسل سبع مرات في النجاسة التي على غير الأرض, والصحيح أنه يكفي بعد زوال عين النجاسة مكاثرتها بالماء سواء كانت على الأرض أم غيرها، فهذه ثلاث روايات في غسل النجاسة التي هي غير نجاسة الكلب والخنزير، وأدلتها في الشرح الكبير، واختار العلامة ابن بدران القول الثالث فقال: واختار في المغني أن المعتبر زوال العين وبه أقول بالدليل. وهذا هو الصواب أن العبرة بزوال العين، فإذا أزال العين وكاثر بالماء وغلب على ظنه أنها طهرت فيكفي, لكن إذا كانت النجاسة لها جرم كالعذرة وقطع الدم فلا بد أن تنقل العذرة وتنقل قطع الدم ثم يغسل محلها, ولا يحتاج إلى عدد، فالعبرة في غلبة الظن ونقاء المحل, فإذا أنقى المحل وزالت العين كفى. أما القول بأنها ثلاث أو سبع فهذه أقوال في المذهب, والرواية في المذهب أنه لا بد من سبع مرات؛ لحديث: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) لكنه حديث ضعيف، والقول الثاني: أنها ثلاث, والقول الثالث: أنها تكاثر بالماء بعد نقل عين النجاسة وجرمها، أما إذا كانت على الأرض فيكفيها صبة واحدة وغسلة واحدة فتذهب بها النجاسة بعد نقل عين النجاسة إذا كانت عذرة أو قطع الدم، ثم يصب الماء على الأرض ويكاثر، ولا يحتاج إلى حفر الأرض، كما أمر النبي ﷺ أن يصب على بول الأعرابي الذي بال في المسجد دلواً من ماء. وأما بقاء أثر الدم إذا عجز عنه فلا يضره، كما قال النبي ﷺ للمرأة التي سألته عن دم الحيض فقال: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) وهذا إذا عجز.

стр. 16

كيفية غسل سائر النجاسات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية، وإن كانت على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها؛ لقول رسول الله ﷺ : (صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء)]. الذنوب: هو الدلو، فدل على أنها تكاثر بالماء ويكفيها مرة واحدة إذا كانت على الأرض، أما إذا كانت على غير الأرض فعلى حسب غلبة الظن، إذا أنقى المحل وغلب على ظنه طهرت وكفاه.

стр. 17

ما يجزئ في بول الغلام والمذي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، وكذلك المذي]. بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يكفي فيه النضح، والمعنى: صب الماء عليه فقط من دون رش أو فرك، إذا كان لم يأكل الطعام فيكفي النضح، وهذا خاص بالغلام الذكر, أما الأنثى فلا بد من غسله، فلا يكفي النضح، وكذلك إذا أكل الغلام الطعام, أو كان يشرب من الحليب الصناعي ويتغذى به فلا بد من غسله، وإن كان لم يأكل الطعام ويرضع من حليب أمه فيكفيه النضح، وكذلك بول الأنثى لا بد من غسله على كل حال. واختلف العلماء في الحكمة من هذا، وفي الفرق بينهما، فقال بعضهم: الفرق بينهما: أن الناس يحملون الذكر أكثر من الأنثى، فتعم البلوى به لمحبته، وقيل: لأن بول الذكر ينتشر وبول الأنثى لا ينتشر, وقيل غير ذلك، وقد تكون لهذه الحكم ولغيرها، والله أعلم. وكذلك المذي, وهو: ماء لزج يخرج على طرف الذكر عند الملاعبة واشتداد الشهوة، فهذا نجس لكن نجاسته مخففة، فإذا أصاب الثوب فيكفي فيه النضح مثل بول الغلام، ولا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، لكن لا بد من غسل الذكر كاملاً والأنثيين أي: الخصيتين؛ لقوله في الحديث الصحيح: (اغسل ذكرك)، وفي رواية الدارمي: (اغسل ذكرك وأنثييك) وكأن الحكمة في هذا والله أعلم ليتقلص الخارج, أما بعد البول فإنه يغسل رأس الذكر ولا يغسل الذكر كله، فيغسل رأس الذكر ولا يغسل الخصيتين، بخلاف المذي فإنه يغسل الذكر كاملاً والخصيتين، أما نجاسته فهي مخففة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، وكذلك المذي ويعفى عن يسيره]. الشيء اليسير يعفى عنه، وهذا يرجع إلى العرف.

стр. 18

كيفية غسل الدم وما تولد منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه]. الدم إذا كان يسيراً كالدم يكون في العين أو في اللثة أو في الأسنان فيعفى عنه، شيء يسير مثل رأس الإبرة وما أشبه ذلك فيعفى عنه. ويدل على نجاسة الدم قول النبي ﷺ للمرأة عندما قالت: (يصيب إحدانا دم الحيض؟ قال: حتيه ثم اقرصيه، ثم انضحيه بالماء) الحت: هو الحك، والقرص بأطراف الأصابع، ثم انضحيه بالماء، ونقل النووي الإجماع على نجاسة الدم كما في شرح النووي. وهذا إذا كان كثيراً، وكذلك الدم الذي يخرج عند الذبح، فهو الدم المسفوح، قال تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥] أما ما يبقى في عروق اللحم فالأصل فيه الطهارة. قول المؤلف: (يعفى عن يسيره) يعود إلى أقرب مذكور وهو المذي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه]. يعني: ما تولد من الدم من القيح والصديد الشيء اليسير فيعفى عنه، وهذا يرجع إلى عرف الإنسان، وكل شخص بحسبه. وأما الصلاة مع وجود الدم فقد يكون من الحالات الخاصة، وقد يكون ما جاء وقت الصلاة, ثم لو جاء وقت الصلاة في الحالات الخاصة فقد لا يتيسر الماء، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وكما حصل لـ عمر حين طعن فقد قدم عبد الرحمن بن عوف، فـ عمر لو عاد فإن الدم مستمر لا يكف، وليس هناك حالة غير هذه الحالة، فالدم مستمر، لو غير ثيابه فسيبقى مستمراً كما هو. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه، وهو ما لا يفحش في النفس]. هذا القليل ضابطه: ما لا يفحش في نفس الإنسان.

стр. 19

طهارة مني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر]. مني الآدمي طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، وهو: ماء أبيض يخرج متدفقاً بلذة في الجماع أو في النوم وهو طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، ويوجب الغسل وتعميم البدن بالماء، بخلاف البول فلا يوجب الغسل، وإنما يغسل رأس الذكر، وبخلاف المذي فإنه يوجب غسل الذكر والأنثيين، والودي: ما يخرج بعد البول، فهو تابع للبول، فمني الآدمي طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، وكذلك بول ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم فإنه طاهر؛ لأن النبي ﷺ أمر العرنيين لما اجتووا المدينة أن يشربوا من أبوال إبل الصدقة وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم, وذهب الإمام السيوطي ﵀ إلى نجاستها، واستدل بالأحاديث التي فيها البول: (لا يستنزه من البول) , وقال: هذا عام، والصواب أن أبوال ما يؤكل لحمه طاهر بدليل قصة العرنيين.

стр. 20

شرح عمدة الفقه_ كتاب الطهارة [٢] تكلم الفقهاء عما يجوز استخدامه من الآنية وما لا يجوز، وعن حكم أجزاء الميتة كالشعر والعظم والجلد، وأحكام وآداب قضاء الحاجة.

стр. 21

باب الآنية

стр. 22

حكم استعمال آنية الذهب والفضة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الآنية. لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها؛ لقول رسول الله ﷺ : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)]. لما ذكر حكم الماء الذي يتطهر به ذكر الآنية؛ لأن الماء في الغالب يكون في آنية، فعقد هذا الباب للآنية التي قد يتطهر بها، فقال ﵀: (لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة لا في طهارة ولا في غيرها)، فلا يجوز استعمالها للذكور ولا للإناث في أي نوع من أنواع الاستعمال كالكأس يشرب فيه الإنسان، أو إناء صغير يضعه في الماء يتوضأ به، أو طست يتوضأ به أو يغتسل به، أو ملعقة يأكل بها أو يشرب بها، أو مكحلة يكتحل بها الرجل أو المرأة، أو قلم يكتب به، فكل هذا حرام لا يجوز, يقول النبي ﷺ : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم -يعني: الكفرة- في الدنيا ولكم في الآخرة)، وفيه بيان العلة والحكمة أن أواني الذهب والفضة للمؤمنين في الجنة، وأما الكفرة فإنهم لا يرعون للإسلام حرمة ولا يبالون، فهم يستعملونها في الدنيا، فلا يجوز للمسلم أن يشابههم: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، وهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يشرب في كأس ولا في ملعقة ولا في غيرها، إلا حلي الذهب والفضة، فالمرأة تتحلى بما شاءت؛ لأنها محل الزينة والجمال، فتتجمل بها لزوجها، وتتحلى بالذهب والفضة في رقبتها أو في أذنها أو في ساعدها أو في أصابعها، أو في نحرها وصدرها، أو في رجليها كالخلخال سابقاً، فكانت النساء تلبس الخلخال من الذهب والفضة، فكل هذا لا بأس به للمرأة, فتلبس المرأة ساعة الذهب؛ لأنه من الجمال، وأما الرجل فلا يلبس ساعة الذهب ولا يموهها بالذهب، إلا خاتم الفضة، فإنه يتختم بالفضة كما جاء أن النبي ﷺ لبس خاتم الفضة، وثبت أنهم كانوا في أول الإسلام يتختمون بالذهب، ثم نزع النبي ﷺ خاتمه فنزع الناس خواتيمهم, فقضت الشريعة على أنه لا يجوز للإنسان الذكر أن يلبس خاتم الذهب، ويجوز لبس خاتم الفضة كما ثبت: (أن النبي ﷺ لبس خاتماً من فضة مكتوب فيه: محمد رسول الله). وثبت: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده خاتم من ذهب فقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده) فأخذها النبي وألقاها، فقيل للرجل بعدما ذهب النبي ﷺ : خذه تنتفع به، فقال: لا والله لا آخذه وقد رماه رسول ﷺ .

стр. 23

حكم استعمال المضبب بالذهب والفضة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحكم المضبب بهما حكمهما إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة]. الضبة: هي القطعة من الذهب أو الفضة تكون في مكان الكف في الإناء، فإذا كان الإناء مكسوراً وضع في الكف قطعة من الذهب أو الفضة، وهذه لا تجوز إلا إذا كانت الضبة يسيرة، وتكون من فضة؛ لأن الفضة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الذهب، فإذا كان كسراً يسيراً فيجعل فيه ضبة من فضة، أما إذا كان الكسر كبيراً فلا يجوز ولو كان من فضة، أو وضع في الضبة شيء من ذهب ولو يسير فإنه لا يجوز مطلقاً، وأما الفضة فإنه يجوز إذا كانت الضبة يسيرة؛ لما ثبت: (أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة) فالفضة يتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها، وأما المموه بالذهب أو الفضة فهذا لا يجوز، أو ساعة مموهة بالذهب للرجل فهذا ممنوع.

стр. 24

حكم استعمال سائر الآنية الطاهرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها]. ويجوز استعمال سائر الأواني الطاهرة واتخاذها، سواء كانت هذه الأواني من نحاس أو من حديد أو من زجاج أو رصاص أو خشب أو حجر أو غيرها، إلا الذهب والفضة فإنه لا يجوز استعمالهما، وما عداه فإنه يجوز استعماله من أي نوع كان. وأما إذا كانت من الماس أو من غيره من الجواهر فهذه لا ينبغي للإنسان أن يستعملها؛ لأن فيها نوعاً من الإسراف، وينبغي للإنسان أن يستفيد من الأموال الثمينة ولا تستعمل في الأواني اليسيرة. والمقصود: أن الذهب والفضة هما اللذان يحرم استعمالهما في الأواني، وأما ما عداهما فإنه يجوز سواء كان آنية من رصاص أو نحاس أو حديد أو زجاج أو خشب أو حجر أو حصى أو طين، فكل هذا لا بأس به. وأما حكمه حرمة استعمال الذهب والفضة فقد بينها النبي ﷺ حيث قال: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) فهذه علة، ثم فيها كسر لقلوب الفقراء، وكونها من أثمان الناس، وكونها أيضاً خاصة بالمؤمنين في الجنة، قال: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة). وظاهر الحديث أنه خاص بالذهب والفضة، وأما الماس وغيره فهذا يأتي من جهة الإسراف، وإذا كانت أغلى من الذهب والفضة فقد يقال: إنها أولى بالمنع، وإذا قيل: إن العلة الثمنية فتكون من باب الإسراف فلا ينبغي للإنسان أن يستعمل الشيء الغالي المرتفع الثمن في هذه الأمور، والله تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] فيعد إسرافاً, وفي الحديث: (كل واشرب والبس في غير سرف ولا مخيلة) وهذا داخل فيه لبس الساعة والخاتم كذلك فلا يكون فيه سرف ولا مخيلة. وأما اتخاذ الكأس من الذهب أو الملعقة للزينة فقط فلا ينبغي؛ لأنها وسيلة للاستعمال، فينبغي أن يكسرها، وأما أن يبقيه عنده مثل كأس الذهب فيضعه في المجلس أمام الناس فهذا وسيلة لاستعماله، وقد ثبت: أن حذيفة بن اليمان ﵁ طلب ماءً، فجاء له مجوسي بإناء من ذهب أو فضة، فرماه به فقال: لولا أنه فعله غير مرة لما فعلت ذلك. ويحتمل أنه أبقاه لأسباب، وهذا ثبت في صحيح البخاري، والمقصود أنه ينبغي أن يكسر ولا يبقى؛ لأن إبقاءه كإناء وسيلة للاستعمال، فإذا وجد عنده قلم من ذهب فهو وسيلة للاستعمال ولو لم يستعمله، والمكحلة من الذهب كذلك إبقاؤها وسيلة للاستعمال، حتى وإن كان للنساء؛ لأنها يمكنها أن تستعمل ذلك بغير الذهب والفضة، وليس هذا من التحلي.

стр. 25

حكم استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة، واتخاذها، واستعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها]. يجوز استعمال أواني أهل الكتاب ما لم تعلم نجاستها؛ لأنه ثبت أن الصحابة كانوا يستعملونها، وسئل النبي ﷺ عن أواني أهل الكتاب، فأمرهم باستعمالها إلا أن يروا فيها نجاسة، فإنها تغسل إذا علم أن فيها نجاسة، أما إذا لم يعلم فالأصل الطهارة، وقد ثبت أن النبي ﷺ لبس جبة شامية، والصحابة استعملوا أوانيهم وثيابهم ولم يغسلوها، فتستعمل إلا إذا علم أن فيها نجاسة، وغلب على ظنه أنهم يطبخون فيها الخنزير أو يشربون فيها الخمر فهذه تغسل، أما إذا لم يعلم أو غلب على ظنه أنه ليس فيه شيء فهي طاهرة ويجوز استعمالها. فالأصل الطهارة، وإن غسلها من باب الاحتياط والنظافة فلا بأس، والعمل على هذا الآن، فجميع الذي يستورد من الكفرة الآن يستعمله المسلمون من الأواني والثياب وغيرها، فكل هذه ترد من الكفرة.

стр. 26

حكم صوف الميتة وشعرها قال المؤلف ﵀: [وصوف الميتة وشعرها طاهر]. الصوف للغنم، والشعر للمعز وغيره، والوبر للإبل، والريش للطيور، فكل هذه طاهرة؛ لأنها لا تحلها الحياة، فإذا أخذت من الميتة فلا بأس.

стр. 27

حكم جلد الميتة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس، وكذلك عظامها]. وهذا القول ضعيف، والصواب أن جلد الميتة مأكولة اللحم إذا دبغ فقد طهر؛ لما ثبت في الأحاديث أن النبي ﷺ قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، ولما ماتت شاة لـ أم سلمة قال النبي ﷺ : (هلا أخذتم إهابها؟! قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: يطهرها الماء والقرظ)، وفي لفظ: (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟!)، وجاء أيضاً ما يدل على أن بعض نساء النبي ﷺ دبغوا جلد ميتة فاستعملوه حتى تخرق، والصواب: أن جلد الميتة مأكولة اللحم إذا دبغ فقد طهر، قال ﷺ : (هلا أخذتموه فانتفعتم به؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: يطهرها الدباغ والقرظ) لأن الدباغ بمثابة التذكية، ومأكول اللحم إذا ذكي فقد طهر، وإذا مات مأكول اللحم وأخذ الجلد ودبغ فالدباغ بمثابة التذكية، وفي اللفظ الآخر: (دباغها طهورها). وأما غير مأكول اللحم كالسباع وجلد الذئب أو جلد النمر أو جلد الحية، فبعض الحيات يؤخذ جلدها ويدبغ ويجعل منه حذاء ونعال، وقد رأيت بعض الإخوان معه نعال لها نقوش، فسألته فقال: إنها من جلد الحية، فإذا دبغ هل يطهر أو لا يطهر؟ فيه خلاف بين أهل العلم, فمن العلماء من قال: إنه يطهر أيضاً حتى جلد غير مأكول اللحم، وهو قول قوي، وأظنه اختيار الإمام البخاري ﵀. والقول الثاني: أن هذا خاص بمأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والضبع، فمأكول للحم إذا مات وسلخ جلده ودبغ فإنه يطهره؛ لأن الدباغ بمثابة التذكية، فكما أن الذكاة تحله فكذلك الدباغ يطهر جلده، وأما غير مأكول اللحم فلا، كالأسد والنمر والذئب، فلو ذبحته ما تحله وكذلك جلده، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والقول بأنها تطهر قول قوي له وجاهته، لكن المشهور عند العلماء أن هذا خاص بمأكول اللحم. والمذهب أن جلد الميتة إذا دبغ يستعمل في اليابسات دون المائعات، والصواب أنه يطهر، ويستعمل في اليابسات والمائعات، وهنا على هذه الرواية ذهب إلى أنه لا يطهر، وهو قول ضعيف. وأما العظام ففيها خلاف أيضاً, فمن قال إنها تحلها الحياة قال بنجاسته، ومن قال: إنها لا تحلها الحياة قال بطهارته، والأقرب أنها لا تحلها الحياة، ومن ذلك ناب الفيل فإن له ثمناً مرتفعاً، فبعضهم استثنى ناب الفيل؛ لأن الفيل نجس، وأنيابه من العظام، والحكم واحد في كل ما هو غير مأكول اللحم.

стр. 28

نجاسة الميتة إلا الآدمي قال المؤلف ﵀: [وكل ميتة نجسة إلا الآدمي]. كل ميتة إذا ماتت فهي نجسة: الإبل والبقر والغنم، إلا الآدمي فهو طاهر حياً وميتاً، وثبت: أن أبا هريرة لقي النبي ﷺ فانخنس منه، فلما جاء سأله فقال: إني كنت أجنبت، فقال النبي ﷺ : (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، فالمؤمن طاهر حياً وميتاً، وأما الميتات الأخرى فإنها تنجس بالموت، وكل ما لا نفس له سائلة فهو طاهر. وهنا مسألة: ما حكم تحنيط الميتة؟ تحنيط الميتة لا يحلها ولا يطهرها، ولا ينبغي إبقاؤها؛ لأنه وسيلة إلى التصوير؛ ولأن بعض الناس قد يظن أنها صورة. وأما الكافر فهو طاهر، فلو مس يدك فلا تغسلها، ولعابه ليس بنجس، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] أي: نجاسة الشرك.

стр. 29

حكم ميتة حيوان الماء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ميتة نجسة إلا الآدمي، وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه]. حيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه طاهر؛ لقوله ﷺ في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ولحديث: (أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد) فكل ما يعيش في الماء فهو طاهر، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦] فكل ما يعيش في البحر يكون طاهراً حياً وميتاً، وحلالاً، واستثنى بعض العلماء ما كان له مماثل في البر وهو يحرم كالحيات والعقارب، فحيات الماء وعقارب الماء وكلب الماء وخنزير الماء كلها نجسة، وقال آخرون: لا يستثنى شيء من ذلك حتى إنسان الماء؛ فكل ما كان في البحر فهو طاهر، وهذا قول قوي يدل عليه عموم الحديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وعموم قوله تعالى: ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ))، وأما الذي يعيش في البر وفي البحر -برمائي- كالضفدع وغيره فهذا يغلب عليه جانب البر.

стр. 30

حكم ميتة ما لا نفس له سائلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه؛ لقول رسول الله ﷺ في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وما لا نفس له سائله إذا لم يكن متولداً من النجاسات]. وما لا نفس له سائلة فهو طاهر، إلا إذا كان متولداً من النجسات، والمراد بالنفس: الحشرة التي ليس لها دم مثل: الذباب والبراغيث والصراصير وغيرها، وكلها طاهرة إلا إذا كانت متولدة من النجاسات, كالصراصير فإنها تكون في الحمام، وهي متولدة من النجاسة، فهذه نجسة، وأما الصراصير التي ليست من الحمامات فإنها والحشرات الأخرى التي ليست من النجاسات طاهرة، كل شيء ما لا نفس له سائلة، كالبراغث والبعوض والذباب والصراصير وغيرها، كل هذه طاهرة.

стр. 31

ما جاء في قضاء الحاجة

стр. 32

دعاء دخول الحمام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قضاء الحاجة: يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث]. يستحب عند دخول الخلاء أن يقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، والتسمية لم يدل على ثبوتها حديث، لكنها معروفة من الأدلة العامة التي فيها أن كل شيء يبدأ فيه بالتسمية، والبسملة وردت عند الدخول والخروج والأكل والشرب والوضوء، وقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث هذا ثابت في الصحيحين، والخبث: ذكران الشياطين، والخبائث: إناثهم، فيستحب هذا الدعاء عند الدخول, ويقدم رجله اليسرى، وأما المسجد فيقدم رجله اليمنى دخولاً، واليسرى خروجاً، فإذا دخل الخلاء فإنه يقدم رجله اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً، عكس دخول المسجد، فيقول عند الدخول: باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فيكون استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أن يقول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم]. وهذه الزيادة فيها ضعف، رواها ابن ماجة، لكن الثابت الصحيح: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث).

стр. 33

دعاء الخروج من الحمام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني]. يشرع للإنسان أن يقول: غفرانك، يعني: أسألك غفرانك، وقيل المعنى: إنه سأل الله المغفرة؛ لأنه في حال قضاء الحاجة لا يستطيع أن يذكر الله، فسأل الله الغفران من تقصيره في الثناء والدعاء في وقت الحاجة، وأما قوله: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، فرواه ابن ماجة بسند ضعيف. وإن قاله على أنه دعاء فلا بأس في ذلك.

стр. 34

تقديم الرجل اليسرى عند دخول الحمام وتقديم اليمنى عند الخروج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج]. هذه هي السنة، فإذا دخل بيت الخلاء فإنه يقدم الرجل اليسرى في الدخول، ويقدم الرجل اليمنى في الخروج عكس المسجد, وكذلك لبس النعل فإنه يقدم لبس اليمنى والخلع يقدم الرجل اليسرى، ولبس الثوب، ولبس السراويل يبدأ باليمنى ويخلع باليسرى. وإذا أخطأ الإنسان عند دخوله الخلاء فقدم اليمنى فلا شيء عليه، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ثم أيضاً هذا مستحب وليس بواجب. والدعاء إذا نسيه فخرج مرة أخرى وقاله فهو حسن، وإن ذكره بقلبه فلا بأس، وقد يقال: إنه تزول الكراهة مثل التسمية في الوضوء إذا نسيها فإنه يسمي ولو في الحمام؛ لأن ذكر الله مكروه في الحمام، وهذا الذكر واجب فتزول الكراهة في هذه الحالة. وإذا خرج يقول عند خروجه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وأما دعاء الانتهاء من قضاء الحاجة فإنه يقال بعد الخروج من الحمام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا من حاجة]. أي: عند الضرورة إذا كان الإنسان يخشى عليه من الضياع، فهذا لا بأس للضرورة، كأن يكون عنده أوراق فيها ذكر الله فإنه يخرجها؛ إلا إذا خشي أنها تضيع أو ينساها فإنها تزول الكراهة في هذه الحالة، أو تكون نقوداً فيها ذكر الله ويخشى أن تؤخذ فيدخل بها للضرورة، وكذلك المصحف إذا خشي ضياعه، وفي الغالب أنه ما يخشى لكن لو وجد ذلك فهذا للضرورة.

стр. 35

الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى، وإن كان في الفضاء أبعد واستتر]. وهذا الاستحباب يحتاج إلى دليل، والاعتماد على الرجل اليسرى يقولون: إنه أعون على خروج الخارج، وهذا ليس بلازم, وإنما ينظر الإنسان ما يناسبه, فإذا كان المناسب الاعتماد على رجله اليسرى اعتمد، وإذا كان المناسب على اليمنى اعتمد، وهذا لا دليل عليه، وإنما هذا للتعليم، فقالوا: يستحب؛ لأنه أعون على خروج الخارج، وهذا يختلف حسب حال الشخص. وقد قال صاحب العدة: وقال سراقة بن مالك: (علمنا رسول الله ﷺ إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى) رواه الطبراني في معجمه، لكن فيه رجل لم يسم، فهو مجهول وضعيف، وعلى هذا فالاعتماد على الرجل اليسرى لا يكون سنة، وإنما هو على حسب ما يناسب الإنسان، فإن كان يناسبه اليسرى اعتمد، وإن كان يناسبه اليمنى اعتمد.

стр. 36

استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان في الفضاء أبعد واستتر]. هذه هي السنة إذا كان في الفضاء يبعد ويستتر عن أعين الناس ويكون بعيداً، والدليل: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد قضاء حاجته استتر عن الأعين حتى لا ترى عورته ولا يسمع له صوت).

стр. 37

اختيار المكان الرخو عند البول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرتاد لبوله موضعاً رخواً]. فإذا كانت الأرض صلبة فإنه يأتيه من رشاش البول، فيرتاد مكاناً رخواً؛ حتى لا يصيبه شيء من رشاش البول.

стр. 38

الأماكن التي يحرم البول فيها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يبول في ثقب، ولا شق، ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة]. لا يبول في ثقب ولا شق؛ لأنه قد يخرج إليه شيء من الهوام والحشرات فتؤذيه، وقد يكون مسكناً للجن فلا ينبغي أن يبول في ثقب وشق, كذلك لا يبول في طريق؛ لأنه يؤذي الناس, وكذلك في موارد الماء, وكذلك في الظل الذي يستظل به الناس، والمشمس الذي يتشمس به الناس في الشتاء, وتحت شجرة مثمرة؛ لأنه يقذرها على الناس, وفي الحديث: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم)، والمعنى: أن من تخلى في طريق الناس وظلهم لعنوه، وليس هذا إذناً باللعن، بل المعنى: أن عادة الناس أن من قضى حاجته في طريقهم وظلهم لعنوه، يعني: اتقوا ما يسبب لكم اللعن, فلا يجوز للإنسان أن يقضي حاجته في طريق الناس، أو في ظلهم، أو في موارد الماء، أو في المشمس الذي يتشمس فيه الناس في الشتاء, أو تحت شجرة مثمرة يقذرها على الناس، فكل هذا لا يجوز. ومعنى الحديث: أن الناس عادة يلعنونه, وأما لعن المعين فلا ينبغي. وهذا الفعل -أي: البول والبراز في طريق الناس أو ظلهم- قد يكون من الكبائر؛ لأن فيه أذية للناس، وهي محرمة, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ولا شك أن الذي يتخلى في طريق الناس وفي ظلهم أنه يؤذي الناس.

стр. 39

حكم استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يستقبل شمساً ولا قمراً]. وهذا ضعيف ليس عليه دليل، واستقبال الشمس والقمر لا بأس به، وإنما الممنوع استقبال القبلة واستدبارها في غير البنيان, ويستدلون بحديث: (لا تستقبلوا النيرين) لكنه ضعيف لا يثبت، وقد أشار إليه في الشرح، وهذا التكريم لا دليل عليه، وهو مخالف للحديث: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا) وإذا شرق أو غرب فلا بد أن يستقبل الشمس أو القمر في الليل. ثم أيضاً إذا كان الإنسان لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يستقبل القمر ولا الشمس فماذا سيستقبل؟ فهذا ضعيف وليس عليه دليل، والتكريم هنا لا وجه له.

стр. 40

حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها؛ لقول رسول الله ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها)]. وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما، وفيه دليل على تحريم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة, وهذا في غير البنيان, وأما إذا كان في البنيان فلا بأس على الصحيح من أقوال أهل العلم, والمسألة فيها أقوال ثمانية لأهل العلم: فمنهم من أجازها مطلقاً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم منعها في الصحراء وأجازها في البنيان، ومنهم من منع الاستقبال وأجاز الاستدبار, ومنهم من عكس, فهي أقوال كثيرة أرجحها أن المنع إنما هو في الصحراء والجواز في البنيان، فلا يجوز استقبال القبلة في الصحراء، والدليل على هذا أن ابن عمر رأى النبي ﷺ يقضي حاجته في بيته مستقبلاً الشام مستدبراً الكعبة، فدل على الجواز في البنيان, والقاعدة: أن النبي ﷺ إذا نهى عن شيء ثم فعله دل ذلك على أن النهي ليس للتحريم، فهذا محمول على أنه إذا كان في البنيان فلا بأس به، وإذا كان في الصحراء فهو ممنوع، فخصص النهي في الصحراء والجواز في البنيان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز ذلك في البنيان]. لحديث ابن عمر: (أنه رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة). وعن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس فبال إليه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنما نهي عنه في الفضاء، وإذا كان بينك وبين القبلة شيئاً يستره فلا بأس. رواه أبو داود. فيجوز ذلك أخذاً بالحديث، وإذا كان بينه وبين القبلة جدار أو بنيان، والراحلة مثلها. وأبو أيوب الأنصاري ﵁ كان يرى المنع مطلقاً حتى في البناء قال: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله .
следующие страницы →