← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37011

الدار الآخرة - عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (549 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوصية بالإصلاح بين المتخاصمين الأقرباء ينبغين للمرء أن يوصي أهله بأن يتقوا الله، فهي أعظم وصية، وأن يصلحوا ذات بينهم؛ لأن من ضمن الثلاثة الذين لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبراً المخاصم لأخيه، فكل أخوين متخاصمين، أو أختين متخاصمتين، أو أخ مخاصم لأخته، أو أخت مخاصمة لأخيها لغير سبب شرعي يخشى على هؤلاء عدم قبول عباداتهم، وقد أمرنا ﷺ أن نعطي من حرمنا، وأن نعفو عمن ظلمنا، وأن نحلم على من جهل علينا، وقد جاء في الحديث: (إذا تخاصم الأخوان قال الله : لا تكتبا لهما ثواباً حتى يصطلحا، فإن لم يصطلحا فلا تكتبا لهما ثواباً حتى يموتا). فلا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج كل ذلك لا يكتب ثوابه للمتخاصمين. وبعض الناس يكون مخاصماً لأخيه أكثر من عشرين سنة، وقبل أن يذهب للحج يقول: أرفع سماعة التليفون وأرمي ذنوبي عليه. فنقول لهذا: ليس هناك أحد يرمي ذنوبه على الآخر، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. ويقول سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]، فيأمر الله أن ادفع بالتي هي أحسن، والنتيجة: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: صديق قريب يهتم بأمرك. وبعض الناس يقول: أنا أحاول مع خصمي ولا فائدة. نقول: أنت تحاول لكن ليس من قلبك، أنت تحاول من ظاهرك، ولو حاولت من قلبك لانقلب العدو إلى حبيب، والبعيد إلى قريب، والشانئ الكاره إلى محب راض عنك وترضى عنه. اللهم انزع الغل والحقد والحسد من قلوبنا، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا يا رب العالمين. إذاً: لابد أن يصلحوا ذات بينهم، وهذه أعظم وصية. وهناك أسباب تجعل الأخ يغضب ويحقد على أخيه، منها: أن بعض الآباء يحابون ولداً على ولد، فنقول: لا تحابوا أحداً على حساب أحد، إن كنت تحب ولداً أكثر من ولد محبة قلبية فلا تظهرها؛ من أجل ألا يحقد بعض الأولاد على بعض، وسئلت الأعرابية وكانت حصيفة لبيبة فطنة كيسة: من أحب أبنائك إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والمسافر حتى يعود. يعني: أنا أحب الولد الصغير أكثر حتى يكبر؛ لأنه ضعيف يحتاج إلى من يقف بجواره، ولذلك إذا جاءك ولد على كبر أو بنت على كبر وزوجت البنات الكبار أو الأولاد الكبار وأعطيتهم حرفة أو صنعة، فمن الواجب أن تحجز، للصغير مبلغاً يساوي ثمن تعليمه الحرفة حتى يستوي بإخوانه الذين سبقوه، مع مراعاة سعر العملة. إذاً: فالذي يجعل الإخوان يغيرون من بعض ويحقدون على بعض، ويقاطع بعضهم بعضاً، فهذا قد وقع في خطأ كبير، والأولاد قد لا يظهرون هذا الأمر أمامك حياء منك، أو خجلاً من أمهم، مع أن القلوب تشتغل في الداخل؛ ولذلك رأينا أن يوسف الصديق لما قال له رجل: إني أحبك، بكى، فقيل: ما لك يا يوسف، يقول لك: إني أحبك فتبكي؟ قال: وهل بلغني من السوء ما بلغني إلا بسبب الحب، أحبني أبي فألقاني إخوتي في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فألقوني في غياهب السجن، كل هذا بسبب الحب. إننا بحديثنا هذا لم نخرج عن حديث الدار الآخرة؛ لأن من ضمن الذي ينجيك يوم القيامة أن تسوي بين أبنائك وبناتك، وإذا أحببت ولداً لطاعته وهدوئه ودماثة خلقه وبره فلا تظهر ذلك إلا من باب النصيحة، تقول: انظر إلى أخيك كيف يعمل إنه طائع بار محسن، ولا تزد على ذلك؛ لأن الأولاد الآن أصبحوا من العناد بمكان، فإذا أمرتهم بشيء فعلوا عكس الأمر الذي أمرتهم به. وسيدنا النعمان بن بشير لما ذهب به أبوه إلى رسول الله ﷺ وقال له: (يا رسول الله إني نحلت ابني النعمان بستاناً، فقال ﷺ : أكل أبنائك قد نحلت؟ -يعني: هل أعطيت كل واحد من أبنائك بستاناً؟ - قال له: لا، فقال: أشهد عليه غيري، أنا لا أشهد على جور أبداً). إذاً: لا تميز أحداً على أحد.

стр. 37

الوصية بطاعة الله ورسوله أيضاً تتمة الوصية: (وأن يطيعوا الله ورسوله -إن كانوا مؤمنين- وأوصيهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب، ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢])، هذه أعظم وصية. وانتبه أن تذهب وتنتمي لطريقة أو فرقة أو طائفة أو جمعية، بل أنت مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وهي طريقة واحدة وخط واحد: كتاب وسنة. اللهم اجعلنا من أهل الكتاب والسنة يا رب العالمين. قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٣] فجمع أولاده حوله حين جاءه ملك الموت يقبض روحه، فقال لهم: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣]؟ لم يقل: أريد أن أؤمن مستقبلهم بالأموال لا، بل أراد أن يطمئن على العقيدة، وسيدنا زكريا لما دعا ربه قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٦] أي: يرث العقيدة والتوحيد والنبوة والاستقامة، وسيدنا زكريا لم يترك وراءه الأموال وإنما ترك التوحيد والنبوة. ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣]، فقال الأولاد: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فهذه هي وصية الأنبياء والرسل لأبنائهم. كذلك سيدنا عيسى لما شعر أن بني إسرائيل لن يرضوا بالإيمان قال الله عنه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢] سبحان الله، فالحواريون أمنوا وأسلموا. وقال أتباع سيدنا موسى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]. وقال سيدنا يوسف في آخر القصة: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] هذا الكلام يقال في آخر الحياة. وبلقيس ملكة سبأ لما جاءت إلى سليمان قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، ولم تقل: أسلمت لسليمان، لا، بل قالت: ﴿أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ﴾ [النمل:٤٤]، فلا واسطة بينك وبين الله. قيل: لـ علي بن أبي طالب: ما المسافة بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قل: يا رب، يقل: لبيك يا عبدي، أهذه المسافة قريبة أم أنها غير قريبة؟ وتطرق باب الله في أي وقت، وباب الله لا يغلق أبداً، اللهم! فتح لنا أبواب رحمتك، وأكرمنا ولا تهنا يا رب العالمين، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير.

стр. 38

الوصية بحضور الصالحين عند الاحتضار وقد أوصيت بما يأتي: (أن يحضرني بعض الصالحين قرب الوفاة؛ ليذكرني بحسن الظن بربي وبرجاء رحمته). يعني: إذا كنت في صحة فليكن الخوف أكثر من الرجاء، وأما إذا جاءك المرض وأحسست أن هذا مرض الموت فليكن الرجاء أكثر من الخوف. ودخل النبي ﷺ على رجل وهو ينازع الروح فقال له: (بم تشعر؟ قال: أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي، قال: أبشر! فما اجتمعا في قلب عبد إلا وأدخله الله الجنة). قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] أي: يكون خائفاً من أمر الآخرة وما فيها، وفي نفس الوقت عنده رجاء وأمل في رحمة الله، ولذلك عندما دخل أبو موسى الأشعري على سيدنا عمر بعد أن طعنه أبو لؤلؤة أعطوه كأساً من لبن فنزل من جرحه مشوباً بالدم، فعرفوا أن الطعنة جاءت في جدار المعدة ففتحتها، وهذا دليل أنه اختلط بالدم، فبكى عمر وقال لابنه عبد الله: يا عبد الله ضع رأسي على الأرض، وكان سيدنا عبد الله قد جعل رأس أبيه في حجره، فلما قال له: يا بني ضع رأسي على الأرض، فوضع رأسه على الأرض من أجل أن تصدق فيه نبوءة الحبيب ﷺ ويموت شهيداً ﵁، وكان يقول: يا ليتني كنت نسياً منسياً، ليت أم عمر لم تلد عمر، ثم قال: يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة، انظر إلى هؤلاء الذين يبحثون عن الآخرة، وبعد أن نشرح لكم ونوجز لكم أمر الوصية سنقف مع وصيتين: وصية أبي بكر الذي هو أعظم الناس وأفضل الخلق وأكرم الأمة بعد رسول الله، ولو وضع إيمانه في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجح إيمان أبي بكر. وسننظر بم أوصى عند الموت؟ الوصية الثانية: وصية الحجاج بن يوسف الثقفي، سننظر بم أوصى عند الموت؟ وشتان ما بين الوصيتين. اللهم أكرمنا بحسن الختام يا رب العالمين. قال عمر: (يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها: إن عمر بن الخطاب ولا تقل لها: أمير المؤمنين؛ فما عدت لكم بأمير. الإمارة انتهت، لا تقل لها: أمير المؤمنين؛ حتى لا تظن عائشة أنه يجب عليها طاعة أمير المؤمنين، وإنما لها الخيار في الأمر الذي ستخبر به. انظر يا أخي ماذا تقول هذه الشخصيات العظيمة، اللهم ألحقنا بهم يا رب، ولا تحرمنا رؤيتهم والمكث معهم ومجاورتهم في الجنة يا رب العالمين. وقل لها: إن عمر فيستأذنك أن يدفن بجوار صاحبيه. وصاحباه هما: سيدنا الحبيب ﷺ وسيدنا أبو بكر، يستأذن أم المؤمنين عائشة، وعائشة كانت تريد أن تدفن بجوارهما؛ لأن هذا أبوها وهذا زوجها. فلما جاء عبد الله بن عمر إليها وجدها تبكي، وقالت: والله ما من شجر ولا مدر ولا حجر حتى الدودة في باطن الصخرة إلا وقد حزنت لما حدث لأمير المؤمنين عمر، هذا كلام السيدة عائشة، فقال لها عبد الله بن عمر: إن عمر يستأذنك أن يدفن بجوار صاحبيه أتأذنين؟ قالت: كنت أردته لنفسي، ولأثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل عبد الله من عندها قال له: وافقت يا أمير المؤمنين، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قبضت فاحملوني، وقبل أن تدفنوني اذهب فاستأذن منها مرة أخرى، فربما استحيت وأنا على قيد الحياة، ولا تستحيي مني بعد موتي. يقول برنارد شو: كلما قرأت عن شخصية عمر بن الخطاب ظننت أنه أسطورة من أساطير القرون الوسطى. يعني: أنه شيء غير واقعي. إذاً: فأنت أيها المؤمن توصي أن يحضرك الصالحون؛ لأن عمر بكى وتوجس خيفة وقال: ويل لـ عمر إن لم يرحم رب عمر عمر، وبكى وأجهش بالبكاء، فبكى من حوله، فقال أبو موسى الأشعري له: يا أمير المؤمنين لقد سمعت الرسول ﷺ يقول: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر بن الخطاب). وسيدنا عمر قد سمع هذا الحديث من الرسول كما سمعه أبو موسى، ولكن الخوف غلب عليه، فلما سمع هذا الحديث من أبي موسى قال له: أعد علي يا أبا موسى، فقال له: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر) وقال له: أعد علي، فأعاد عليه ثانية، قال له: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفاضت روحه إلى ربه. فعند الموت يحضر الصالحون الذين يذكرونك بالآخرة ولا يذكرونك بالدنيا وبلائها. فكل الخلق سيموتون، وسيدفنون تحت الأرض: العظيم والحقير، الصغير والكبير، الغني والفقير، وليس هناك أحد يدفن فوق الأرض أبداً، بل كلهم تحت الأرض. يا ابن آدم القبر يناديك كل يوم ويقول: يا ابن آدم رويدك وأنت تسير فوق ظهري، كن شفوقاً علي حتى أكون شفيقاً بك بعد أن تموت، لا تدك الأرض بقوة، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]. وأول صفة من صفات عباد الرحمن كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] اللهم اجعلنا منهم يا رب، يعني: الذين يمشون بتواضع وتذلل لله، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. والموت يكون للبدن فهو الذي يتعفن ويتحلل، ولذلك نوسع القماش الذي نكفن فيه الميت؛ لأنه بعد أيام ينتفخ وينتفخ، وبعدما ينتفخ تأتي البكتيريا وتبتدئ الديدان فتأكل اللحم والشحم حتى لا يبقى إلا الهيكل العظمي، وبعد سنوات لو لمست الهيكل العظمي يذوب مثل الرماد. وأما الموت للروح فهو ترق، فالروح تنطلق في الملكوت عند رب الملكوت سبحانه، أي: روح المؤمن، فروح المؤمن في عليين، اللهم اجعلنا منهم يا رب، وهذا في كتاب مرقوم يشهده المقربون. وأما الروح الثانية والعياذ بالله فهي في سجين: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:٨] وهي روح الكافر. إذاً: تعود كل نفس وروح من العالم الذي جاءت منه، فالبدن جاء من التربة فيعود إلى التربة، والروح تنطلق في هذا الكون، تنطلق إلى مكان لا يعلم به إلا الله ، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فأنا عندما يحضرني الصالحون فإن سيذكرونني بالله وبرحمته، وسيكلمونني بالكلام الطيب، وسيلقنوني كلمة التوحيد، لكن لا تثقل على الذي ينازع الروح عند تلقينه كلمة التوحيد؛ لأن الذي يموت لا تعرف حالته ولا وضعه، فأنت تنظر إليه وهو أمامك، ولكن هو يرى ما لا ترى ويسمع ما لا تسمع، فهو مثل الطائرة عندما تقلع تبدأ تجري على الممر ثم بعد ذلك الطيار يقوم بفصل الأنوار ويوقف التكييف من أجل أن تستعد الطائرة للإقلاع، ويقول لك: اربط الحزام، وامتنع عن التدخين، فهذه اللحظة الحاسمة في انطلاق الطائرة، ومغادرتها للأرض، وأصعب اللحظات عند الطائرة حين تمر في ممر المطار، فالطائرة تستجمع كل القوى من أجل أن تغادر الأرض، فهكذا مغادرة الروح قريبة من هذا الأمر، فالميت الذي ينازع الروح يكون في حالة أنت لا تعرفها. وهذا إمام أهل السنة سيدنا أحمد بن حنبل ﵁ لما جاءه الموت وابنه بجواره كان يقول له: يا أبت قل كلمة التوحيد، قل: لا إله إلا الله، فكان يشير بيده أن لا، فخاف وارتعد، وبعدما أفاق من غشوته قال له: يا بني لا تثقل على الذي يموت، قال له: لماذا يا أبت؟ قال له: لقد شعرت بعطش شديد ورأيت كأنما إبليس جاء لي بكوب من الماء، يقول لي: أسقيك من هذا وتقول كلمة الكفر، فكنت أقول: والله لا أقولها أبداً. أما الإنسان المقيم على المعاصي فربنا يفتنه ساعة الموت والعياذ بالله، فيأتي الشيطان إليه في صورة أبيه أو أحد أقربائه الذين ماتوا قبله فيقول له: هل تعرفني؟ يقول له: نعم، فيقول له: أنا مت قبلك، فإن أردت أن تدخل الجنة فمت على دين النصارى أو مت على دين اليهود، فيتبعه والعياذ بالله، فهذا الذي يفتن عند الموت، اللهم لا تفتنا لا في الحياة ولا عند الموت، ولا في القبر ولا بعد القبر يا رب العالمين. فأنت يا مسلم أكثر من الطاعات من أجل أن يأتيك ملك الموت وأنت ثابت، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وأحاديث الدار الآخرة ليست من العقل، وإنما هي من الكتاب والسنة، ولا نستطيع أن نأتي بشيء من عندنا؛ لأن هذا شيء يخرج عن القياس، وإنما نقول: قال الله قال الرسول ﷺ . إذاً: لا تثقل علي المحتضر حين تلقنه لا إله إلا الله، لكن لو أن مجموعة من الصالحين كانوا عند المحتضر فقالوا لأحدهم: يا فلان ألا تقوم لترقي فلاناً، فيقول: يا جماعة أريد منكم قبل أن أرقيه أن توحدوا الله، فقال كل القاعدين حول الميت: لا إله إلا الله، فالمحتضر من ضمنهم سيقول: لا إله إلا الله، وينطق بشهادة التوحيد، فهذا من أجل أن تخرج هذه الكلمة من فمه فيلقى الله عليها، فيبعث في الموحدين يوم القيامة. والميت يحس لكنه لا يتكلم، أليس سيدنا الحبيب ﷺ لما دفن قتلى المشركين في قليب بدر قال: (يا أهل مكة إني وجدت ما وعدني حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قال الصحابة: عجباً يا رسول الله أتخاطب جيفاً؟ فقال: والذ

стр. 39

الوصية بتجهيز الميت وتعجيل دفنه وغير ذلك أيضاً الوصية بالتجهيز وتعجيل الدفن إلا لعذر، كأن ينتظروا من يرجى فيه الخير والصلاح للصلاة عليه، فأحياناً تجد من يوصي أن فلاناً يصلي عليه، ففي هذه الحالة يباح أن يتأخر بالجنازة قليلاً، لكن أن ننتظر ابنها الذي في الجزائر أو في الكويت أو في لندن من أجل أن يأتي بالطائرة غداً، لا، فهذا لا يصح، لكن إن كان في داخل القطار وسيأتي في عدة ساعات يسيرة فممكن، وغير كذا يكون إكرام الميت أن نعجل بدفنه. أن يمنع القيم عليه الورثة من إخوانه وامرأته وأبنائه من رفع الصوت بالنياحة والندب ولطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بدعوى الجاهلية كان تقول المرأة: يا سبعي يا جملي، لمن تتركنا؟ هذا من دعوى الجاهلية، ويقول الرسول ﷺ : (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية). يعني: خرج من الملة والعياذ بالله. وأيضاً المسارعة بقضاء ما علي من الدين، يوصي بذلك؛ لأن أهم شيء يخرج من التركة الدين، فلو كان على أبيك دين فسارع بقضائه؛ لأنه يظل محبوساً في قبره إلى أن يسدد عنه الدين. وأيضاً يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض، والمرأة في خمسة، الثلاثة الأثواب هي الأول: القميص يكون للميت إلى نصفه، والثاني: يكون من حقويه إلى تحت الرجلين، والثوب الثالث: نلف به الجسم كله. ويوصي بألا يكفن بثوب من حرير أو ثوب غال؛ لأن كثيراً من الناس يأتون بثوب غال جداً ويكفنون به الميت، وبعدما ينزل في القبر ينزل واحد بموس أو سكينة ويمزق الثوب؛ من أجل ألا يسرقه الذين ينبشون القبور، فمثل هذا الصنيع يغضب الميت، وحرام أن يدفن الميت في ثوب غالي الثمن. والحمد لله أن الناس قد عرفوا وفهموا وأدركوا هذه الحقيقة. ويوصي بمنع خروج النساء إلى المقابر مطلقاً سواء مع الجنازة أو في الأعياد أو في الجمع؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) فأمك لو قالت لك: أريد أن أزور قبر أبيك حتى لا يغصب علي، فقل لها: لن يغضب عليك، وأنت لو قعدت في بيتك هذا خير، فقد قال الرسول ﷺ لـ فاطمة: (يا فاطمة أين كنت؟ قالت: كنت أعزي في بني فلان، فقال لها: لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: لا يا أبت كيف وقد نهيت؟ قال: لو ذهبت معهم إلى الكدى لما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك). أيضاً يستحب السكوت عند تشييع الجنازة، فقد جاء في الحديث: (إن الله يحب الصمت عند ثلاثة: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة). فلم يقرءون القرآن عند الجنازة مع أنه يستحب الصمت عندها؟! وأيضاً يسرع بالجنازة، فقد قال سيدنا عمر ﵁: إذا حملتم جنازتي فأسرعوا وعجلوا بها، فإن كان خيراً فقد قدمتموني إليه، وإن كان غير ذلك فشر تطرحونه من فوق أعناقكم. ولذلك الميت المؤمن إذا حمل على الأعناق يقول: أسرعوا أسرعوا، لو رأيتم ما أرى ورأيتم ما ينتظرني لأسرعتم بجنازتي، وأما الميت العاصي والكافر فيقول: يا ويلي يا ويلي علام تسرعون؟ لو رأيتم ما أرى لأبطأتم بجنازتي. كذلك جاء في الحديث: (ما من ميت يصلي عليه أربعون لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه يوم القيامة). وإذا كثر عدد المصلين على الميت كان دليلاً على أن الله يكرم هذا الميت. وأيضاً يوصي ويقول: من يضعني في قبري يقول: باسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، وبعد الدفن يقف المشيعون عند قبري ساعة. وأما الناس الذين يجلسون على القبور فحرام فعلهم ذلك، لا تجلس على القبر؛ لأن تجلس على جمرة فتحرق ثوبك خير لك من أن تجلس على قبر ميت، والدولة مسئولة أمام الله عن ساكني القبور. وإذا رأيتم الرجل يأكل أو يشرب أو يتكلم في أمور الدنيا، أو يضحك عند القبور فاعلموا أنه مطموس البصيرة، بعيد عن رب العباد سبحانه. إذاً: يجلس المشيعون بعدما يدفن الميت ساعة، يستأنس الميت بهذا الجلوس والاستغفار والتثبيت عند السؤال.

стр. 40

الوصية بمنع كافة البدع في المآتم أيضاً يوصي بأن يمنع ما جرت به العادة من الإتيان بمن يقرأ القرآن أيام الميتم، أو كل ليلة جمعة، أو في الأربعين أو فيما يسمونه بالذكرى السنوية. والتعزية مشروعة إذا خلت من البدع والمحرمات، وينبغي إحضار أحد العلماء ليفقه الحاضرين في دين الله، وأما أن يؤتى بالمقرئين والمنشدين وغير ذلك من البدع فلا؛ لأن كل هذا شيء لم يرد لا في كتاب ولا في سنة، وإنما هذه بدع يجب أن تنتهي من البيوت، وكان الصحابة رضوان الله عليهم عندما يموت الميت يقفون عند القبر بعد دفنه، والناس الذين دفنوا يعزون أهل الميت يقولون: آجركم الله، البقاء لله، وليس هناك شيء اسمه: البقية في حياتك ولا غير ذلك من الكلام الباطل، وليس هناك أن صاحب الميت وأهله يقعدون في البيت ويلبسون السواد ويأتي الناس للتعزية، ليس هذا من الإسلام. أيضاً يمنع أهل البيت من صنع طعام يجمعون عليه الناس، بل المفروض أن يصنع الطعام لأهل الميت؛ لأنه جاءهم ما يشغلهم، فقد قال الحبيب ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)، لكن النساء لما يحضرن للأسف الشديد في المآتم، هذه أخته وهذه ابنة عمه، وهذه ابنة خاله، وهذه ابنة أخيه، فتراهن يقعدن فيأتي الصبح ثم الظهر ثم العصر فيقوم أهل الميت بتقديم الأكل والقهوة والشاي وغير ذلك، وأهل الميت في حزنهم. أقول: لو رجعت إلى البيت ووجدت نساء في البيت جئن للعزاء فاطردهن والعهدة علي؛ لأن في هذا إبطالاً لبدعة من البدع، إن لم تطردهن أنت فمن الذي سيطردهن! وسيدنا عمر ﵁ لما دخل في مأتم وجد نسوة جالسات بينهن واحدة تعدد مآثر الميت، فقال لـ عبد الرحمن بن عوف: اضربها يا ابن عوف إنها تأمر بالجزع والله قد نهى عنه، وتنهى عن الصبر والله قد أمر به، وإنها تسكب دموعها بدنانيركم. إذاً: لما تجد نساء في البيت اطردهن، سواءً كنّ من قرابتك أو من غير قرابتك، ليس هناك نساء يجلسن في البيت للعزاء؛ لأن اجتماعهن في المآتم شر.

стр. 41

الوصية بالثلث في وجوه البر أيضاً الوصية بمبلغ من المال بحيث لا يزيد عن الثلث، يصرف على الفقراء، وكذلك يقول: وأوصيت أن تكون كتبي للمسجد الفلاني أو للمكتبة الفلانية، وجعلت النظر في هذا لمن يرأس أهل السنة في هذه الجهة، الذي هو الإمام أو الشيخ القادر على ذلك، وبالجملة فإني أبرأ إلى الله من كل فعل أو قول يخالف الشرع الشريف، ومن أخل بتنفيذ هذه الوصية أو بدلها أو خالف الشرع في شيء ذكر أو لم يذكر فعليه وزره، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]. تحررت الوصية في يوم كذا، في سنة كذا هجرية وميلادية، والموصي فلان، والشهود فلان وفلان.

стр. 42

قصيدة شعرية في الوصية قمت منذ سنوات وترجمت هذا الكلام في أبيات من الشعر، ولعلها حين تطبع وتوزع عليكم ستجدونها إن شاء الله، يقول القائل: وإذا أتاني الموت تلك وصيتي بالله لا تبغوا لها تبديلا أرجو حضور الصالحين فإنهم يرجون يوماً للحساب ثقيلا يستغفرون لي الإله لعلني يوم الوداع أفوتكم مقبولا وشهادة التوحيد دوماً لقنوا فقد اطمئن بها الفؤاد طويلا بصري يغمض تلك روحي قد سمت فادعوا إلهاً غافراً مأمولا الآن غطوني بثوب آخر وسلوا الإله اللطف والتسهيلا دفني يعجل لا تخلوا جيفتي من بينكم روحي تروم طويلا لا تلطموا، لا تصرخوا، لا تكفروا سأكون عن أخطائكم مسئولا وقضاء ديني فاحذروا إهماله مما تركت فقد أردت قبولا أثواب تكفيني تكون ثلاثة بيضاً وهذي فضلت تفضيلا ودعوا الحرير فإن ذاك محرم ولم الغلو فلن يدوم طويلا وأيا نساء محارمي وقرابتي أجبن ربكمُ أطعن رسولا بالبيت قرن لا تزرن مقابراً لا تلتمسن لقوله تأويلا صلوا علي ثم اكشفوا نعشي وأحيوا سنة وتبتلوا لإلهكم تبتيلا وإذا خرجتم تتبعون جنازتي فالصمت حينئذ يكون جميلا ولتسرعوا بجنازتي يا إخوتي رب العباد غداً لنا مأمولا باسم الإله كذا على دين الرسول ضموا الرفات ولا أريد عويلا استغفروا لأخيكمُ وكذا اطلبوا تثبيته فعسى يحوز قبولا مالي يقسم قسمة شرعية يا وارثي فنفذوا ما قيلا والثلث للفقراء قدر جائز إن تفعلوا كان الثواب جميلا يا من أخذتم للسرادق محفلاً من أجلكم كان العذاب وبيلا وكذا الولائم فاتركوها واجعلوا حبل الصلاة بربكم موصولا وبرئت من شر ابتداع يبتغى عن سنة لا تبتغوا تحويلا. هذه هي الوصية.

стр. 43

ذكر وصية أبي بكر الصديق ووصية الحجاج بن يوسف والمقارنة بينهما تعال الآن ننظر في وصيتين: وصية سيدنا أبي بكر، ووصية الحجاج بن يوسف، ونقارن بين كلام هذا وكلام هذا. لما شعر أبو بكر بدنو الأجل قالوا له: يا أبا بكر أفلا نطلب لك الطبيب؟ قال: قد جاء، قالوا: وماذا قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. ثم قال: نادوا عمر بن الخطاب، وبعد ذلك كتب: هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة ولم يكتب هذا ما أوصى به أبو بكر الصديق ولا سيادة اللواء فلان أو المستشار فلان أو الدكتور فلان، لا، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة. وهذا أبو الحسن الشاذلي ﵀ لما مات ورآه تلميذه في الرؤيا قال له: ماذا صنع الله بك؟ قال له: راحت تلك الإشارات، وضاعت تلك العبارات، وتاهت هذه الألقاب، وما نفعنا إلا ركيعات صليناها في جوف الليل والناس نيام. فسيدنا أبو بكر قال: هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وفي أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، أني أولي من بعدي فأخذته لحظة من الغيبوبة، والذي كان يكتب هو عثمان بن عفان، ولو كان غير عثمان لكتبها لنفسه، لكنه كتب عمر بن الخطاب، فرجع إلى أبي بكر عقله وفاق من غيبوته فقال: رد علي ما كتبت يا عثمان، قال عثمان: كتبت: إني أولي عليكم من بعدي عمر بن الخطاب قال أبو بكر: عجباً أوحي بعد رسول الله؟! فكان عمر هو الذي أراد أبو بكر أن يوليه الخلافة من بعده، وبعد أن كتب عثمان الوصية أمره أبو بكر أن يخرج إلى المسجد ويقرأ على المسلمين وصية أبي بكر، فقرأ عثمان على المسلمين ما أملاه عليه أبو بكر، فأقام بعض الناس ببلبلة وقالوا: إن عمر كان عنيداً علينا والرسول ﷺ بيننا، وكان عنيداً علينا وأبو بكر بيننا، فما بالك لو صار الأمر إليه. ماذا سيعمل بنا؟! فدخل عثمان ونقل رأي الشعب للخليفة، وأنهم معترضون، فقال سيدنا أبو بكر: أجلسوني، فلما جلس قال: أتخوفونني بالله؟ إن سألني الله يوم القيامة وقال لي: يا أبا بكر من تركت على عيالي؟ أقول: يا رب، تركت على أهلك خير أهلك، تركت عليهم من قال فيه الحبيب ﷺ : (عش حميداً، والبس جديداً، ومت شهيداً)، وقال فيه: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر بن الخطاب) وقال فيه: (لو كان بعدي نبي لكان عمر)، وقال: (الحق بعدي ما كان عليه عمر)، وقال فيه: (ما رآك الشيطان سالكاً في طريق يا عمر إلا وسلك طريقاً آخر). كل هذا ولا تريدون أن أجعل الخلافة لـ عمر بن الخطاب! فاقتنع الحاضرون بغير قهر. ثم قال: يا عمر، إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله حقاً بالنهار لا يقبله في الليل، وإن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقل عليهم ذلك، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخف عليهم ذلك، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف يوم القيامة، ثم قال: ألم تر يا ابن الخطاب أن الله أنزل آية الرجاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية الرجاء؛ لكي يكون العبد راغباً راهباً يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يتمنى على الله غير الحق، فإن أنت حفظت وصيتي، فلا يكونن غائب عليك أحب من الموت، وإن أنت ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت. ثم ننتقل إلى الحجاج، لقد مات في سجن الحجاج (٩٠٠٠٠) مسلم، وقتل (١٤٠٠٠) مسلم بدون جريرة، وتعال إلى حالة الحجاج عند موته؛ من أجل أن تتعظ إن كنت تريد أن تموت مثل موت أبي بكر الصديق أو مثل موت الحجاج والعياذ بالله ولا أحد يريد أن يكون هكذا. نظر الحجاج إلى السماء عند موته وقال: إن ذنبي وزن السماوات والأرض وظني بربي أن يحابي فلئن منّ بالرضا فهو ظني ولأن مر بالكتاب عذابي لم يكن منه ذاك ظلماً وبغياً وهل يهضم رب يرجى لحسن الثواب؟ وكتب آخر كلام له للوليد بن عبد الملك يقول له: قد كنت أرعى غنمك، وأحوطها حياطة الناصح الشفيق برعية مولاه، فجاء الأسد -قصده بالأسد ملك الموت- فبطش بالراعي ومزق المرعى، وقد نزل بمولاك ما نزل بأيوب الصابر، وأرجو أن يكون الجبار أراد بعبده غفراناً لخطاياه، وتكفيراً لما حمل من ذنوبه. إذا ما لقيت الله عني راضياً فإن شفاء النفس مما هنالك فحسبي بقاء الله من كل ميت وحسبي حياة الله من كل هالك لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ونحن نذوق الموت من بعد ذلك فإن مت فاذكرني بذكر محبب فقد كان جماً في رضاك مسالكي وإلا ففي دبر الصلاة بدعوة يلقى بها المسجون في نار مالك عليك سلام الله حياً وميتاً ومن بعدما تحيا عتيقاً لمالك ودخل عليه يعلى بن منذر المجاشعي قال: يا حجاج كيف حالك؟! قال: غماً شديداً، وجهداً جهيداً، وألماً مضيضاً، ونزعاً جريباً، وسفراً طويلاً، وزاداً قليلاً، فويلي إن لم يرحمني الجبار، قال يعلى: يا حجاج! إنما يرحم الله من عباده الرحماء الكرماء، أشهد أنك قرين فرعون وهامان؛ لسوء سيرتك، وترك ملتك، وتنكبك عن قصد الحق وسنن المحجة وآثار الصالحين، قتلت صالحي الناس فأفنيتهم، وأطعت المخلوق في معصية الخالق، وأرقت الدماء، وضربت الأبشار، وهتكت الأستار، وسست سياسة متكبر جبار، لا الدين أبقيت، ولا الدنيا أدركت، أعززت بني مروان، وأذللت نفسك، وعمرت دورهم، وأخربت دارك، فاليوم لا ينجونك ولا يغيثونك إن لم يكن في هذا اليوم ولا ما بعده، لقد كنت لهذه الأمة هماً وغماً، وعياء وبلاء، فالحمد لله الذي أراحها بموتك، وأعطاها مناها بخزيك، وخرجت روح الحجاج. يا إخواننا، هذه طريق الصالحين طريق أبي بكر، وهذه طريق المتجبرين؛ طريق الحجاج. نسأل الله أن يجعل طريقنا طريق الصالحين. اللهم أحسن لنا خاتمتنا في الأمور كلها. اللهم توفنا على الإسلام. اللهم ألحقنا بالصالحين، وارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً. اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا. اللهم أحينا إن كانت الحياة خيراً لنا، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيراً، وأشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 44

سلسلة الدار الآخرة_موجبات عذاب القبر عذاب القبر من أشد ما يقع فيه المذنب، فهي أوقات عصيبة، ولحظات مخيفة، وأهوال ومصاعب، وكروب ومصائب، لا ينجو من آلامه إلا من عمل عملاً صائباً، وكان دائم الأوبة وإلى ربه تائباً. لعذاب القبر مسببات تقود صاحبها لتوقعه فيه، ذكرها الله في كتابه وبينها الرسول ﵊ في سنته، فالفائز من تجنبها، والخائب من وقع فيها.

стр. 45

رحلة الإنسان إلى قبره الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده. وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: فهذه بمشيئة الله : هي الحلقة الرابعة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، وهي الحلقة التي تخص الأسباب الموجبة لعذاب القبر، والأسباب المنجية من عذاب القبر. فاللهم نجنا من عذاب القبر يا رب العالمين! واجعل هذه الجلسات خالصة لوجهك الكريم. اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا. اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله. واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: تحدثنا في الحلقة السابقة عن الوصية التي يجب أن يكتبها المسلم، وقلنا: إن من لم يكتب وصيته قبل أن يموت فلن يؤذن له بالحديث مع أهل القبور، ومن لم يكتب وصيته قبل أن يموت فسيحاول أن يكلم الناس يوم القيامة ولن يكلموه؛ لأن الملائكة سوف تخبر الناس أن هذا قد مات ولم يكتب وصيته. إذاً فكتابة الوصية أمر بمنتهى الأهمية، وكتابة الوصية أمر يجب ألّا يغفله المسلم، ويستوي في هذا من عنده مال ومن ليس عنده مال، فهي وصية لا تخص المال في كثير الأمر ولا قليله، ولكن الوصية تخص كيفية الغسل، والبراءة من أي شيء يقال في الشرع الحكيم في قليل الأمر أو كثيره: من مسألة الدفن، واستقدام من يأتي ليقرأ على الميت سواء على القبر أو في البيت، أو الكلام الفارغ من المسلمين، وما زالت قلة الأدب سارية بني المسلمين في بدع الجنائز، من ذبح أمام النعش، إلى المغالاة في الكفن، والإتيان ببعض الناس من أجل قراءة ختمة أو ما يسمى بالعتاقة، كل هذه بدع لم يأذن الله بها ولا رسوله ﷺ ، كما أن مسألة دواوين العزاء، والمقرئين المحترفين الذين ليس لهم عمل إلا أنهم يبتزوا أموال الناس تحت عنوان قراءة القرآن، وكل واحد يظن أن هذا القرآن يصل إلى الميت، وهذا غير صحيح، قال ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) وتجد مثل هذه المناسبات للأسف الشديد في المساجد، وفيها من المنكرات ومن البدع ومن السرقات والبلايا ما يغضب الله ، وما لا يستطيع الإنسان حصره تحت بند واحد أو عدة بنود، ولكنها عناوين كثيرة للبدع، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل. وكما قال لنا أهل العلم: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، يعني: إذا عملت السنة في أضيق الحدود أحسن لك من أن تجتهد في أمر بدعي؛ فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والعياذ بالله رب العالمين، وأهل البدع كلاب جهنم، يعني: كل مبتدع في الدنيا ويؤلف في الدين على ما يريد، فإنه يأتي ينبح على أهل النار في النار والعياذ بالله، فأنصح نفسي وأنصحكم بالبعد عن البدع جعلنا الله وإياكم من المحاربين للبدع، ولأهل البدع، ومن القائمين على أمر الله وأمر رسوله ﷺ . فيأتي ملك الموت لقبض روح العبد، فيصبح الواحد منا -بعد أن كان في عداد الأحياء- صار في عداد الأموات، فيتحلل البدن ويعود إلى ما جاء منه وهي الأرض، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥]، إذاً الرجوع مرة أخرى يكون إلى الأرض التي خلقنا أو كوِّنا أو أنشئنا منها. فأول ما يدخل العبد القبر إذا كان -والعياذ بالله- عاصٍ، فإن القبر يقول له: (لقد كنت فرحاً وأنت على ظهري، فسوف تصير اليوم حزيناً وأنت في بطني، كم أكلت وأنت على ظهري من الألوان) أي: ألوان الطعام والشراب، (فاليوم يأكلك الدود في وأنت في بطني، لقد كنت تسير على ظهري -في الدنيا- وأنت أبغض عباد الله إلي، فاليوم ترى صنيعي بك)، ويضمه القبر ضمة تختلف فيها أضلاعه والعياذ بالله. وإذا كان العبد صالحاً فإن القبر يقول له: (يا عبد الله! لقد كنت أحب عباد الله إلي وأنت على ظهري، فسوف ترى صنيعي بك، فينفتح له القبر مد البصر، فيرى مقعده من الجنة) اللهم اجعلنا منهم يا رب العباد، واختم لنا بخير، آمين يا رب العالمين، ولا تجعل الدنيا ولا الشيطان ولا الأولاد يلهونا عن عبادتك يا رب العالمين. فعندما ينتزع ملك الموت الروح، ويحملك أهلك على الأكتاف، هنا انتهت المسألة كلها، فإن كنت في الدنيا تعادي وتحارب وترفع قضايا، تختلس وتناقض وتكذب وتنحرف، فقد جاءك من لا مهرب منه ولا انفكاك. وهنا يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤]، يا ليت الدنيا ما غرتني، ولا الأولاد، ولا الزوجة التي كانت تكلفني فوق الطاقة، ولا أخي وأختي وخالي وعمي الذين قاطعتهم من أجل الشيطان الذي غرني وقطعني عن أهلي وعن أحبابي، وعن أقاربي وعن إخواني، وعن كل من أمرني ربي أن أصله. وقد يضيق صدرك بأمور شتى: أمور العيال، وقلة ذات اليد، وغيرها من الهموم، وما من هم أنزلته بالله إلا وزال؛ لأنك أنزلته بمن يقول للشيء كن فيكون، وإذا أنزلت الهم بالناس ما زادك الناس إلا غماً وهماً. لكن إن أنزلت الأمر بالله زال، قل: اللهم اشرح لي صدري، رب يسر لي أمري، رب وفقني، رب أذهب عني بلايا الدنيا وابتلاءاتها، فربنا أقرب إليك من حبل الوريد، ولعلكم تذكرون شوقي أمير الشعراء لما كان يخاطب الذين يرفعون الأثقال فيقول: إن الذي خلق الحديد وبأسه جعل الحديد لساعديك ذليلا زحزحته فتخاذلت أجلاده وطرحته أرضاً فصل صليلا لمَ لا يلين لك الحديد ولم تزل تتلو عليه وتقرأ التنزيلا؟ قل لي نصير وأنت بر صادق أحملت إنساناً عليك ثقيلا أحملت ديناً في حياتك مرة أحملت يوماً في الضلوع غليلا؟ أحملت في النادي الغبي إذا التقى من مادحيه الحمد والتبجيلا أحملت مناً بالنهار مكرراً والليل من مُسدٍ إليك جميلا تلك الحياة وهذه أثقالها وُزِنَ الحديد بها فعاد ضئيلا فكل هموم الحياة عندما يوزن الحديد بها فإن الحديد يصبح خفيفاً، وما أثقل صحبة الثقلاء! وصحبة البعيدين عن رحمة الله ، ولذلك المؤمن عندما تصاحبه فإنه كالنحلة، إن أكل أكل طيباً، وإن أطعم أطعم طيباً، وإن وقف على عود لا يخدشه ولا يكسره. مات منصور بن عبد الله، وهو أحد تابعي التابعين وهو رجل صالح، فرآه ابنه في المنام، فقال له: أبت ماذا صنع الله بك؟ قال: يا بني! سألني: يا منصور! بم جئت؟ يا رب جئتك بست وثلاثين حجة، قال: ما قبلت واحدة منها، ثم قال له: بم جئتني يا منصور؟! قال: جئتك بثلاثة آلاف وستين ختمة، قال: ما قبلت واحدة منها. ثم قال له: يا منصور! بم جئتني؟ قال: يا رب! جئتك بك، قال: لقد جئتني فغفرت لك. لا إله إلا أنت صاحب الفضل، إن قبل فتكرماً، وإن رد فعدلاً؛ لأن ربنا لو تكرم علينا وغفر لنا فإن ذلك بكرمه، يا كريم! أكرمنا يا رب العباد! وسيدنا عطاء بن أبي رباح لما أفاض من عرفات أخذته سنة عند المشعر الحرام قبل الفجر، فرأى في المنام ملكين يقول أحدهما للآخر: كم حج البيت هذا العام؟ أي: كم عدد الحجاج؟ فقال له: ستمائة ألف، قال له: وكم قبل ربنا منهم؟ قال له: ما قبل إلا من ستة، فقام سيدنا عطاء مرعوباً، ونحن للأسف الشديد لو أحدنا رأى الرؤيا هذه فإنه يمني نفسه ويقول: أنا من الستة، والصالح من اتهم نفسه، فما يزال الرجل يتعلم ويتعلم، فإن ظن أنه علم فقد بدأ يجهل. فقام سيدنا عطاء مرعوباً من الرؤيا فقال لمن حوله من الناس، وكان حوله كثير من الناس: ألحوا على الله بالدعاء في أيام الحج، اجئروا إلى الله بالدعاء. وفي آخر يوم في منى أخذته سنة من النوم، فلقي نفس الملكين وكان أحدهما يقول للآخر: كم حج البيت هذا العام؟ فقال له: ستمائة ألف، قال له: وكم قبل الله منهم؟ قال له: ما قبل الله إلا ستة، قال له: لكن هذا قليل! قال: لكن ربنا الكريم أعطى مع كل واحد من الستة مائة ألف. والسماء لم تبك على الكافر الفاجر المجرم، ولن يدخل الجنة ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، فلو أن الجمل دخل في خرم الإبرة فإن الكافر حينئذ سيدخل الجنة، والقضية أن الجمل لن يدخل في ثقب الإبرة إذاً فلن يدخل الكافر الجنة. إذاً فالذنوب نوعان: نوع ستحاسب عليه في القبر، ونوع ستحاسب عليه أمام الله يوم القيامة، فإما أن يعفو الله عنك تكرماً وتعطفاً ومنة وفضلاً منه، وإما أن يأخذك بجريرتك فيحاسب على صغير الأمر وكبيره. فالصحابي الذي استشهد في إحدى الغزوات كان الصحابة يقولون له: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله! وكان أحد خدم رسول الله ﷺ ، فقال: (لو ترون ما أرى لرأيتم قبره وقد اشتعل عليه ناراً، فقالوا: لماذا يا رسول؟! قال: من أجل شملة قد غلها بدون وجه حق) يعني: وهو يحارب، وبعدما انتصر المسلمون أخذ شملة -مع أن الجندي له جزء من الغنائم- لكن أخذه بدون إذن القائد أو الموزع، أو بدون إذن حبيب الله ﷺ ، فلما غل الشملة بدون وجه حق اشتعل القبر عليه ناراً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]، والغُل هو الطوق الذي يوضع في الرقبة والغُل غير الغِل، فالغِل هو الحقد أو الفوران النفسي نتيجة الغضب، وهذا غير الغ

стр. 46

أسباب عذاب القبر

стр. 47

التثاقل عن الصلاة المكتوبة أول سبب من أسباب عذاب القبر: التثاقل عن الصلاة المكتوبة، وبالذات صلاة الصبح، وعقاب مثل هذا في القبر -والعياذ بالله- أن النبي ﷺ رأى أن الملائكة تأتي بإنسان وتضرب رأسه بالحجارة، فيتفتت الرأس، ويتقسم أجزاء ويتكسر، فيجمع الله رأسه مرة أخرى، فيفعلون به كما فعلوا في المرة الأولى، ويظل هكذا إلى قيام الساعة، فهذا عقاب المسلم الذي يدعي الإسلام، ولكن عندما يسمع الأذان يتثاقل قليلاً، فبينما هو في هذا الضلال إذ مات وهو على هذا الضلال، فيبعث يوم القيامة وهو على هذه الحال، هذا جزاء من يؤخر الصلاة فقط، وليس معناه أنه لا يصلي. قال ﷺ وهو يصف المنافقين: (يقعد أحدهم حتى توشك الشمس أن تسقط فيقوم ليصلي) صلاة العصر، أي: أنه يؤخر الصلاة إلى أن تكاد الشمس تغرب. والصلاة في أول الوقت رضوان، وفي أوسطه رحمة، وفي آخره مغفرة، وهذا يدل على أن الصلاة في آخر الوقت هي ذنب يحتاج للمغفرة، وللأسف أن المسلمين يقولون: إن العشاء وقتها ممدود، وهذا خطأ، فإن صلاة الوتر هي التي وقتها ممدود، فيجب علي أن أصلي العشاء في وقتها وأما الوتر فتأخيره لا بأس به. إذاً التثاقل عن الصلاة المكتوبة من موجبات عذاب القبر، وما أجمل أن يقوم الإنسان إلى صلاة الصبح -أي: صلاة الفجر- فيوقظ زوجته للصلاة، فإن لم تستجب له يقوم بسكب ماء على وجهها. فقد جاء في حديث عن النبي ﵊: (رحم الله رجلاً أيقظ زوجته لصلاة الفجر -أو الصبح-، فن لم تستيقظ نضح في وجهها الماء البارد، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها لصلاة الصبح، فإن لم يستيقظ نضحت في وجهه الماء البارد فاستيقظ).

стр. 48

الكذب السبب الثاني: الكذب، وأنا -والله أعلم- أستطيع أن أقول أن ثمانية وتسعين بالمائة من المسلمين كذابون، وليس في الإسلام ما يسمى بالكذبة البيضاء، فهذه كلها مسميات باطلة، وهناك من يطلق بعض التسميات على الأشياء المحرمة، فمنهم من يقول: إن هناك كذبة بيضاء، وأخرى سوداء وكلاهما كذب محرم، ويطلقون على الخمر المحرم مشروبات روحية، ويطلق على الخلاعة وقلة الأدب والرقص والباليه الذي تكون البنت فيه عريانة كما ولدتها أمها، ولا يستر إلا شيء يسير من الجسم، يطلق عليه فن، وهذا كله من أبطل الباطل، وقد أخبر النبي ﵊ عن هذا وقال: (سوف يأتي زمان على أمتي يسمون الحرام بغير اسمها). فيقومون بتغيير المسميات فيسمون الربا فوائد واستثمار وأرباح، وفي الحقيقة هي خسائر ومصائب. ولا يباح الكذب إلا في مواطن حددها الشرع الشريف. فالكذب يباح في الإصلاح بين المتخاصمين، والكذب في الحرب، وكذب الرجل على زوجته ليصلح من شأنها، وهذا كله ليس بكذب. وكان الكذب مذموماً عند السلف وإن كان كذباً على الحيوان، فقد روي عن أحد المحدثين أنه ذهب إلى محدث آخر يريد أن يأخذ الحديث عنه، فوجده يشير إلى ناقته بجمرة فيوهمها أن في حجره طعاماً حتى تتبعه، فسأله قائلاً: أفي حجرك شيء؟ قال: لا، فقال: إن كنت ستكذب على الناقة فلن تستحي أن تكذب في حديث رسول الله ﷺ ، ورفض أن يأخذ الحديث عنه. والكذب نجده منتشراً بكثرة في هذه الأيام سواء في الأسرة بأن تكذب الأم على أبنائها، أو على مستوى المجتمع، فإن المسلسلات كلها مبنية على الكذب، وما يحدث فيها من زواج وعقد وغيرها وهذه من الثلاث التي جدهن جد وهزلهن جد، وسيحاسب من يقومون بهذا يوم القيامة على هذه الكذبات. إذاً: ثاني سبب من موجبات عذاب القبر: الكذب بكل أشكاله.

стр. 49

أكل الربا السبب الثالث: أكل الربا، وهذا من موجبات العذاب في القبر ويوم القيامة، وقد رأى سيدنا الحبيب ﷺ رجالاً يسبحون في أنهار الدم، فقال: (من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا)، وقد جاء في حديث آخر: (درهم واحد أشد عند الله من ست وثلاثين زنية) وإذا كان المجتمع بأكمله يقوم على نظام الربا، فما هو الحل؟! نسأل الله الرحمة. وقال ﵊: (سوف يأتي زمان على أمتي من لم يتعامل منهم بالربا أصابه غباره)، أي: شيء من آثاره، فمرتبك -على سبيل المثل- داخل فيه جزء من ضريبة الملاهي وضريبة الخمور، وهذا كله من الربا. ولن أخوض كثيراً في الحديث عن الربا؛ لأن الحديث عنه يدمي قلبي، ولكن ندعو الله سبحانه أن يتوب علينا وعليكم من الربا صغيره وكبيره، قليله وكثيره.

стр. 50

من تظهر شعرها للأجنبي من موجبات عذاب القبر: من ترى شعرها أجنبياً، والأجنبي كل من يحل له أن يتزوج بها، حتى وإن كانت متزوجة، بمعنى: أن ابن عمها وابن خالها وابن خالتها وجارها وابن جارها وصاحب البيت والبواب والسواق والطباخ وموظف الكهرباء والزبال، كل هؤلاء لا يحل للمرأة أن تظهر لهم شعرها، فإذا أظهرت لهم شعرها عذبت في القبر ثم علقت في جهنم من شعرها يوم القيامة، وهذا كذلك ذنب من الذنوب التي توجب العذاب، نسأل الله أن يتوب على كل العرايا في مصر وفي غير مصر من دول الإسلام، ونسأل الله أن يرحمنا من غضبه، وأن يرسل علينا رحمته وهدايته لنا ولنسائنا وبناتنا، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير. والكارثة أن الغيره تجدها عند الحيوانات، بينما تنعدم في بعض الناس، وهذا غير مقبول. وهذه المرأة تستحق العذاب في القبر إذا كان شعرها مكشوفاً فمن باب أولى من كانت عارية والعياذ بالله.

стр. 51

كنز الذهب والفضة ومن الموجبات لعذاب القبر: كنز الذهب والفضة، والذي لا يؤدي زكاة ماله، والذي لا يراعي حق ربنا في الزكاة، وعقاباً أن يأتيه ثعبان أخبر الحبيب عنه فقال: (ثعبان أقرع له زبيبة) فيعذبه على عدم إخراجه للزكاة. وأخبر رسول الله ﵊ عما يوجب العذاب فقال: (يا معشر النساء أكثرن من الصدقة؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قلن: ولم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير)، فالتي تؤذي زوجها بلسانها تتعرض للسخط الإلهي. وقد جاء في حديث النبي ﵊: (من باتت وزوجها غضبان عليها باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح أو حتى تنزع) أي: حتى تسترضيه، وقال ﵊: (ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنة: الولود الودود، التي إن غضبت من زوجها أو غضب منها زوجها دخلت عليه حجرته وصافحته وقالت: لن أذوق غمضاً حتى ترضى عني، هي في الجنة، هي في الجنة، هي في الجنة). وكان سيدنا عمر ﵁ يوصي النساء من أهل بيته فيقول لإحداهن: يا بنيتي هذا جنتك أو نارك، إن أطعتيه ستدخلي الجنة -أي: في طاعة الله-، وإن عصيتيه ستدخلي جهنم، إلى درجة أنه وصل الأمر أن يقول الحبيب المصطفى ﷺ : (من طلب زوجته -لحقه الشرعي- وهي على قتب -أي: فوق ظهر جمل- فمنعت نفسها منه باتت الملائكة تلعنها)، وويل لمن تلعنه الملائكة، فيجب على المرأة أن تتجنب إيذاء زوجها بلسانها، وإن تقدر ظروف حياته ولا تحمله فوق طاقته. وقد تحمِّل المرأة الزوج فوق الطاقة سواءً المادية أو المعنوية، وهذا مثله مثل القتل فإنه نوعان: قتل مادي وقتل معنوي، فالقتل المادي: أن يُضرب واحد بحديدة فيقتل، أو يدوسه بسيارة، أو يضربه بمسدس. وأما ثاني نوعي القتل: أن أدخل الاكتئاب والحزن على مسلم أو مسلمة من المسلمين حتى يموت كمداً، بمعنى: الإساءة، فهناك أشخاص ليلاً ونهاراً وهم تحت رقابة أهاليهم حتى يموت كمداً، وهذا يحاسب على أنه قاتل يوم القيامة، ومثله مثل الموظف الذي يعاند موظفاً مسكيناً، فيضغط عليه إلى أن يخرجه من العمل. إذاً من أنوع وأسباب موجبات عذاب القبر -والعياذ بالله-: من تؤذي جيرانها بلسانها، وتحمل زوجها فوق طاقته، وتؤذي زوجها أيضاً بلسانها، ولنسائنا في الصحابيات أسوة حسنة، فإن الواحدة منهن تقول لزوجها بالليل: ألك حاجة؟ يقول: جزاك الله خيراً! تقول: أتدعني أصلي لربي الليلة؟ فتستأذنه أن تتنفل وتتهجد لله. ويجب على الزوجة من أجل أن تصوم الإثنين أو الخميس أن تستأذن من الزوج، فإنه يوجد أزواج يتضررون من صيام زوجاتهم الإثنين والخميس.

стр. 52

أكل مال اليتيم ومن الأسباب الموجبة لعذاب القبر: أكل مال اليتيم، يقول النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)، وما قصص القتل التي نسمعها: أن الولد قتل خاله أو قتل عمه الذي كان كفيلاً له ووصياً عليه بعد موت أبيه إلا دليل على أن الوصي هذا أساء إلى اليتيم، ولن يقتل اليتيم كافله إلا بسبب معاناة شديدة عاناها معه. والمرأة التي تترمل على أبنائها الأيتام وترفض الزواج مع أن هذا من حقها، أجرها كبير، فالحبيب المصطفى ﷺ أول من يفتح له باب الجنة، فإن رضوان يقول: لم يؤذن لي أن أفتح لأحد قبل رسول الله، قال ﵊: (فأجد امرأة تريد أن تسبقني، فأسألها: يا أمة الله؟! فتقول: إنها امرأة مات زوجها وترك لها يتامى فقعدت عليهم) فيدخلها الرسول معه. ولا يصح للإنسان أن يأكل شيئاً من أموال الورثة الأيتام، فقد كان سيدنا عمر قاعداً عند صحابي يحتضر، فعندما فاضت روحه قام سيدنا عمر فأطفأ النور، فقال له: يا أمير المؤمنين! لم ذاك؟ قال: صار للورثة حق في هذا الزيت، أتريدون أن تطعمونا ناراً يوم القيامة؟ فأقارب الميت الذين يجلسون بحجة أنهم يواسون زوجة الميت فيأكلون ويشربون من أموال اليتامى، فهم لا يأكلون إلا النار، وسيعذبون بذلك في القبر ويوم القيامة. فأكل مال اليتيم -والعياذ بالله رب العالمين- من الأسباب الموجبة لعذاب القبر، فليتق الله ربه من كفل يتيماً من الأيتام، وليتق الله ربه من كان في رقبته أيتام يتولى الإنفاق عليهم، قال تعالى لأمثال هؤلاء: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦].

стр. 53

قطع الطريق ومن موجبات عذاب القبر وعذاب جهنم يوم القيامة: قطع الطريق، وقاطع الطريق هو الذي يقطع على الناس الطريق في الليل أو في غيره، ولا بد من إقامة الحد على أمثال هؤلاء، فقد قال ﵊: (لحد واحد يقام في الأرض خير لأمتي من مطر سبعين عاماً)، وحد وجزاء قاطع الطريق أن تقطع يده ورجله من خلاف -يعني: ذراعه اليمين مع رجله الشمال- أو يصلب، أو ينفى من الأرض، وهذا عقاب قاطع الطريق والذي يطلق عليه حد الحرابة، وقس عليه مروِّج المخدرات الذي يجلب أنواع المخدرات، فكل هؤلاء يجب أن يطبق عليهم حد الحرابة؛ لأن هؤلاء من المفسدين في الأرض. والغريب ألا تقوم السلطات بإقامة الحد على أمثالهم، وإنما يقومون بإدخاله السجن، فيكتسب فترة دخوله السجن مهارات أخرى من فنون السرقة وقطع الطريق.

стр. 54

خطباء الفتنة ومن موجبات عذاب القبر: خطباء الفتنة الذين يثيرون النعرات القبلية، ويألبون الناس ضد بعضهم، الخطباء المروجون لكل شر، فخلقوا النزاعات بين الناس، وأصبحنا كأننا في عالم الغابة مرة أخرى، وقد كان الصحابي يضع التمرة في فم أخيه فيجد حلاوتها في فمه. وكل هذه الأعمال التي يقوم بها بعض الخطباء لن تنفعهم يوم القيامة، ولن ينفعهم في القبر ما عملوه وما نافقوه وما صنعوه. وقد وصف أحد الحكماء حال الإنسان منذ أن يموت إلى أن يدخل القبر، وهو أبو العتاهية فقال: وكأنْ بالمرء قد يبـ ـكي عليه أقربوه وكأن القوم قد قا موا فقالوا: أدركوه سائلوه كلموه حركوه لقنوه فإذا استيأس منه الـ ـقوم قالوا حرفوه حرفوه وجهوه مددوه غمضوه عجلوه لرحيل عجلوا لا تحبسوه ارفعوه غسلوه كفنوه حنطوه وإذا ما لُفَّ في الأكـ ـفان قالوا فاحملوه أخرجوه فوق أعوا د المنايا شيعوه فإذا صلوا عليه قيل هاتوا واقبروه فإذا ما استودعوه الـ ـلأرض رهناً تركوه خلَّفوه تحت ردم أوقروه أثقلوه أبعدوه أسحقوه أوحدوه أفردوه ودعوه فارقوه أمسكوه خلَّفوه وانثنوا عنه وخلَّوه كأن لم يعرفوه وقال أبو العتاهية أيضاً وهو في لحظات الاحتضار أو الموت: كأن الأرض قد طويت عليا وقد أخرجت مما في يديّا كأني يوم يُحثى الترب قومي مهيلاً لم أكن في الناس شيا كأن القوم قد دفنوا وولوا وكلٌ غير ملتفتٍ إليا كأني صرت منفرداً وحيداً ومرتهناً هناك بما لديّا كأن الباكيات علي يوماً وما يغني البكاء علي شيّا ذكرت منيتي فبكيت نفسي ألا أسعد أُخيَّك يا أُخيّا ألا من لي بأنسك يا أخيا ومن لي أن أبثك ما لديا ثم قال: أشهد أن لا إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وفاضت روحه. وهذا يدل على أن تاريخ حياته كان خيراً، فيختم له بخير، اللهم أحسن خاتمتنا يا رب العالمين.

стр. 55

الهمز والغمز واللمز ومن موجبات عذاب القبر: الهمز والغمز واللمز، يقول تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، والهماز هو الذي يهمز الناس، واللماز هو الذي يلمز الناس، والغماز الذي يتغامز على الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١] أي: فرحين؛ لأنهم يتغامزون على الذين آمنوا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١]. نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، فربنا عندما يعطيك شيئاً من الإيمانيات ثم ينزعه منك فهذا أمر سيء. اللهم أكرمنا ولا تهنا يا رب العالمين.

стр. 56

الخوف من المخلوق وعدم الخوف من الخالق من ضمن موجبات عذاب القبر: الخوف من المخلوق وعدم الخوف من الخالق، وأغلبنا للأسف يخاف من المخلوق ولا يخاف من الخالق، فالمرتكب للكبيرة دائم الخوف من المخلوقين، فمثلاً: الذي يرتكب كبيرة من الكبائر في مكان لا يراه فيه أحد، فلو أن جرس المكان الذي هو فيه رن فإن قلبه يكاد يختلع خوفاً، فمثل هذا خاف من المخلوق، والله يرى الإنسان من أول المعصية وهو الخالق، فيكون بذلك قد خاف من المخلوق ولم يخف من الخالق، واستعظم أمر المخلوق واستقل من أمر الخالق، ومن قلة الأدب أن الإنسان يخاف من عبد لا يملك لنفسه فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً، ولا يخاف من الخالق، وهذا أمر خطير. قال أهل العلم: اهتزاز قلبك عندما اهتز الستر الذي بينك وبين الناس أثناء ارتكاب المعصية، ولم يهتز قلبك خوفاً من الخالق سبحانه دليل على انطماس البصيرة. ومن خاف من الخالق أخاف الله منه المخلوقات كلها، فهذا سيدنا سهل بن عبد الله أحد الصالحين، كان في الجبل يحتطب، فأخذ حزمة من الحطب وأراد أن يضعها على حماره، فوجد الأسد قد قتل الحمار وأخذ يأكل منه، فسجد لله ودعا قائلاً: وعزتك وجلالك! لن أحمل حطبي إلا فوق من أكل حماري، فجاء الأسد إلى سهل بن عبد الله وكأنه كلب معلم، فوضع الحطب عليه وعاد إلى البيت، فاستغرب الناس من منظر الأسد والحطب فوقه، فقال سهل: نحن قوم نخاف من الخالق فطوع لنا المخلوقات كلها. فالمخلوقات صارت مطوعة له؛ لأنه يخاف من الخالق، ولذلك فإن المسلم إذا خاف من الخالق فإن الكل يحترمه ويحبه ويخاف منه، ومن اتقى الله أحبه الناس شاءوا أم أبوا. ويدخل تحت ذلك من موجبات عذاب القبر: من يقدم كلام المخلوق على كلام الخالق، بمعنى أنه يصدق الحالف بغير الله ولا يصدق الحالف بالله، والمؤمن لا يتلاعب بالأيمان، ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، فلا يكثر الإنسان من الحلف؛ لأن كثير الحلف يعرف أنه كذاب، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠]، وكأن الحلاف يهون عند الله بسبب كثرة أيمانه. ولذلك إخوة يوسف عندما كانوا كذابين أكثروا من الحلف، ولما كانوا صادقين ما حلفوا، ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]؛ لأن ما خرج من القلب وصل إلى القلب. وعندما كانوا صادقين في المرة الثانية، قال لهم: أخوهم الكبير: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف:٨١]، وفي قراءة: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨١ - ٨٢]، فهنا معهم شهود، لكن في المرة الأولى قال: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٧]، إذاً القرآن يعطينا حقائق غريبة. فمن يقدم كلام الخالق على كلام المخلوق، ومن يصدق كلام المخلوق ويكذب الحلف بالله ، ومن لا يتأثر بآيات القرآن ويتأثر بمزامير الشيطان من أغاني وغيرها من أنواع الطرب فإن هذا موجب لعذاب الله في القبر.

стр. 57

خيانة الأمانة من ضمن موجبات عذاب القبر: خيانة الأمانة، فالوضوء أمانة، والصلاة أمانة، فعندما لا يتم الإنسان الصلاة في وقتها فهو خائن للأمانة، والوظيفة أمانة، ومعاملة الزوجة بما يرضي الله أمانة، ومعاملة الزوجة لزوجها بما يرضي الله أمانة، فإن قصَّر الإنسان في شيء فهو خائن للأمانة. فالمرأة التي تقوم بإخراج أسرار البيت إلى الخارج، والرجل الذي يقوم بإخراج أسرار البيت إلى الخارج، هذا فيه خيانة للأمانة، ومن ذلك أن يضع الإنسان مبلغاً من المال عند آخر فيضيعه، ومن يأتمنك على سر فتقوم بإفشائه فهذا من الخيانة. فالموضوع كبير وخطر وقد تصيبنا الابتلاءات بسبب ذنوبنا التي لا ندري عنها، فيجب على كل واحد أن يراجع حساباته ويتوب؛ عسى الله أن يتوب علينا وعليه.

стр. 58

الفحش والبذاءة ومن موجبات العذاب: فحش اللسان وبذاءته، وهذه من الكوارث والبلايا الموجودة في المسلمين والمسلمات، ولو تكلم الواحد كلمة بذيئة واحدة فإن الملائكة تبتعد عنه ميلين، قائلة له: ما أنتن الرائحة التي خرجت من فمك! وريحتك قذرة، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما مر على جثة أو رمة كلب أسود منتنة، وكان معه جماعة من الحواريين فقال أحدهم: ما أقبح لون هذا الكلب! وما أنتن رائحته! فقال سيدنا عيسى: ولكن ما أشد بياض أسنانه. فلا يريد أن يتكلم بشيء بذيء وإن كان على الكلب، ولذلك فإن سيدنا الحبيب ﷺ قالوا له: هذا سرق يا رسول الله! فقال: (لا تقولوا سرق، وإنما قولوا: أخذ). ومن ذلك ما قاله اليهودي: (السام عليك يا محمد! -يعني: الموت عليك- فقال: وعليكم، فقالت السيدة عائشة: وعليكم السام واللعنة، يا أبناء القردة والخنازير، فقال ﵊: يا عائشة! المؤمن ليس بفاحش ولا بذيء ولا صخاب في الأسواق)، على الرغم من إساءتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].

стр. 59

ارتكاب البدع ومن ضمن موجبات عذاب القبر: ارتكاب البدع، ومن ذلك ما يقوم به جماعة من الصوفية، فيقومون بعمل حلقة يطلقون عليها: حضرة، ويريدون بذلك أن يرتقوا إلى غير ذلك من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، فمثل هذا الشيء لم يقم به الرسول ﵊ ولا أبو بكر ولا عمر، ولا يعقل أن يقوم به أحدهم، فإن هذا الشيء ما جاء إلا في عصور التخلف، ولم يرد عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن تابعيهم. وهم بذلك يدّعون أنهم يتفكرون، والإسلام يدعونا إلى التفكر في جميع أمور حياتنا وفي المخلوقات التي نراها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، وقال تعالى وهو يحث: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا﴾ [الأنعام:١١]، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [النمل:٦٩]، أي: تفكروا، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، فكثير من آيات القرآن تدعو إلى إعمال الفكر والعقل.

стр. 60

القول على الله بغير علم ومن موجبات عذاب القبر: القول على الله بدون علم، فكل واحد يفتي ويقول على الله بدون علم، فيجد الإنسان من الناس من يفتي بجواز خلع الحجاب مع أن البنت قد وصلت إلى سن النساء اللاتي ظهرت مفاتنهن، وهناك بعض الفتاوي التي ظهرت في هذه الأيام والتي تدل على أن قائلها قد أفتى بها دون علم.

стр. 61

الرشوة ومن موجبات عذاب القبر والنار يوم القيامة: الرشوة، فالراشي والمرتشي والرائش كل هؤلاء في النار، كل هؤلاء في جهنم، والنبي ﵊ يقول: (أفلا جلس في بيت أبيه وأمه أكان يهدى إليه شيء؟)، فهدايا العمال غلول، فأي شيء يدخل على الموظف من غير مرتبه وغير متعلق في عمله فهذه رشوة، والحلال بيّن في كتاب الله، والحرام بيّن في كتاب الله إلى أن تقوم الساعة. من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد نكتفي بهذا القدر من الدرس، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، جزاكم الله خيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 62

سلسلة الدار الآخرة_المنجيات من عذاب القبر تبدأ رحلة الإنسان إلى الدار الآخرة من الموت ودخوله القبر، وفي القبر يبدأ الحساب، وهناك أعمال توقع الإنسان في العذاب في القبر، كما أن هناك أعمالاً تنجيه من هذا العذاب، نسأل الله السلامة.

стр. 63

أهمية الأخذ بالأسباب أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: هذه بمشيئة الله هي الحلقة الخامسة في سلسة حديثنا في موضوع: الدار الآخرة. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا! بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم العظيم ولا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله رددته. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، نعوذ من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، ونعوذ بك رب أن نقول زوراً، أو نغشى فجوراً، أو نكون بك من المغرورين، نعوذ بك من عضال الداء، وشماتة الأعداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجأة النقمة، ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم تب على كل عاص، واشف كل مريض، واقض دين المدينين، وفرج كرب المكروبين، واشرح كل صدر ضيق، اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، ووفقنا إلى ما تحبه وترضاه، وإن أردت عبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا نادمين ولا مبدلين، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك مسلمين موحدين يا رب العالمين! وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقة الرابعة عند الحديث عن موجبات عذاب القبر، نسأل الله أن يجعل قبورنا وقبور المسلمين والمسلمات روضة من رياض الجنة، وإن لم نكن أهلاً يا رب! لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا، فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! هناك من الذنوب ذنوب توجب عذاب القبر، وهناك من الذنوب ذنوب والعياذ بالله يعذب الإنسان عليها إذا لم يتب منها. اللهم تب علينا يا رب! والمسألة كلها مسألة توبة، والإمام الشافعي يقول: من واجب الناس أن يتوبوا، لكن ترك الذنوب أوجب فلا أحد يعتمد على عفو الله باقترافه للذنب، ولا يقل: أغلط ورحمة ربنا واسعة، فقد لا تناله رحمة الله، فربنا يرحم من يشاء، وهذه مسألة في علم الغيب، والإنسان تماماً مثل الولد الذي ينام طول السنة ويمني نفسه الأماني الكاذبة أن يكون الأول على الجمهورية، فهو مجنون، فإن أراد أن يكون الأول على الجمهورية فإنه يذاكر ليل نهار، ويجلس الليل والنهار في المذاكرة وفي العمل وفي الجد وفي الاجتهاد، وبعد ذلك يحسن الظن بالنتيجة وبالامتحان. وأما الذي ينام طول السنة ويأتي قبل الامتحان يمني نفسه الأماني الكاذبة بأن الموجهين والمدرسين كلهم سوف يأتون بامتحان سهل، وسينجحوننا كلنا، ويجعلونا كلنا أوائل فهذا غير عاقل، وهو مثل المذنب أو اللص أو السارق أو المرتشي أو المرابي أو مرتكب الفواحش أو المغتاب أو النمام، فكل هؤلاء يعملون الذنب، وأثناء ذهابهم إليه يدعون الله بالستر، وهذا سوء أدب مع الله، ثم يرجع بعد الذنب يستغفر وينوي أن يرجع مرى أخرى، وقد روي في الأثر: المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه. فالذنوب منها ما يوجب عذاب القبر فقط، ومنها ما يوجب العذاب في القبر وفي الدار الآخرة، ومن فضل الله أن جل أو معظم عذاب الأمة المحمدية في قبورها؛ إكراماً من الله وكرامة منه لخاتم النبيين سيدنا محمد ﷺ ، فجل العذاب سيكون إن شاء الله في القبر، لكن لا تفكر أن عذاب القبر هذا شيء سهل، أو ميسور، أو يستطيع الإنسان أن يحتمله، وإنما هو شيء فوق طاقة البشر، والثعبان في القبر إذا لدغ الإنسان فإنه يجري السم في عروقه سبعين عاماً، فالمسألة صعبة، وليست سهلة، والإنسان لا يمني نفسه الأماني الكاذبة، فإن قوماً غرتهم الأماني فقالوا: نحسن بالله الظن، ووالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. اللهم اجعلنا من المحسنين لأعمالهم يا رب! ومن المخلصين في أعمالهم يا رب إنك يا مولانا على ما تشاء قدير. فالعبد المسلم يحسن العمل ويحسنه، وسنضرب مثالاً بسيطاً؛ لنرى كيف أننا نقصر في أعمالنا التي نعلم أن الله يطلع عليها، ويريد أن يجدنا فيها في أحسن حال، فأنت إذا صليت في المسجد وخشعت في صلاتك، فإن هذا لأحد اعتبارات ثلاثة: الاعتبار الأول: احتمال أن طبيعة صلاتك أنك خاشع فيها. اللهم اجعلنا من الخاشعين في صلاتهم يا رب! الاعتبار الثاني: أن الناس جالسين في المسجد ينظرون إليك، فلو نقرت الصلاة لنظروا إليك نظرة استخفاف. الاعتبار الثالث: أن فيك كبراً، نسأل الله السلامة؛ لأنك لا تحب أحداً يعدل عليك ويقول لك: صلاتك ليست صلاة يا أستاذ! فهذه اعتبارات ثلاثة تجعلك تخشع في الصلاة، ولكن الاعتبار الأساسي أنك تصلي لله، وما دامت الصلاة لله فاجعل في ذهنك أن الله ناظر إليك منذ أن تكبر وإلى أن تسلم، وينادي مناد من قبل العلي الأعلى من تحت العرش: (لو يدري المصلي من يناجي لما انصرف من صلاته)، وكم من أناس سفهاء العقول بمجرد أن يحظو بلقاء مع وزير أو رئيس وزراء أو رئيس أو ملك أو مسئول أو رجل مشهور يقولون له: لو سمحت صورة، ويضعها في الألبوم، فهو يفخر أن يأخذ صورة مع أحد هؤلاء؛ حتى يظهر نفسه أنه فوق، فما بالك وأنت تخاطب العلي القدير سبحانه؟ فما دمت تعلم أن الله ناظر إليك ومطلع عليك في كل عمل، وما دمت مقتنعاً أن الله يراك في كل شيء فحسن عملك. اللهم حسن أعمالنا يا ربنا!

стр. 64

موجبات عذاب القبر

стр. 65

الكذب من موجبات عذاب القبر الكذب، والكذب عند الله لون واحد، وهو ألوان عند المصريين المسلمين، فقد صيروا للكذب ألواناً، والمجتمع كله قائم على الكذب للأسف، وفي الحديث: (أيكون المؤمن كذاباً يا رسول الله؟! قال: كلا)، فالمؤمن قد يكون جباناً وبخيلاً، ولكنه لا يكذب، والكذب أم الكبائر مع الخمر، والكذاب لا يزال يكذب ويكذب حتى يكذب على نفسه، ثم يكذب على الله . اللهم اجعلنا من الصادقين يا رب! وكان الحسن البصري عندما يقرأ قول الله : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] يقول: يأتي ربنا بالصادق يوم القيامة ويسأله عن صدقه، فيقول: يا رب! سوف تسأل الصادقين عن صدقهم فما بالنا نحن أهل الكذب؟ والحسن هو رضيع أم سلمة، وتلميذ علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄. والصدق للأسف يظن الناس أنه ليس فيه نجاة، وأن الكذب فيه نجاة، فتكذب المرأة على زوجها إذا أمرها بعدم الخروج من البيت من غير إذن، وتقول لك: أصلاً يا أستاذ! لو صدقت فسوف يطلقني ويخرب البيت، فأنا أكذب، فيقول لها الزوج: احلفي، فتضع يدها على المصحف وتقول: أقسم بالله العظيم وحق هذا المصحف أنني لم أخرج، وهي قد خرجت، فهذا يمين غموس يغمس صاحبه في النار يوم القيامة، وليس له كفارة إلا التوبة؛ لأنها تحلف وهي مقتنعة أنها كاذبة، والعياذ بالله رب العالمين. والكذب لا ينجي، والصدق هو الذي ينجي، فإن ظننت أن الصدق فيه الهلكة فإيمانك ضعيف، والمؤمن صادق لا يعرف الكذب.

стр. 66

أكل الربا ومن الذين يعذبون في القبر ويوم القيامة في النار: آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، نسأل الله أن يبعدنا وإياكم عن الربا.

стр. 67

كشف المرأة لبعض جسمها أمام الأجانب وأيضاً من أظهرت شعرها للأجنبي أو رجلها أو ذراعها أو رقبتها أو جلست عند الكوافير. نسأل الله أن يقنع نسائنا بالحجاب، ولو ظهر أبو بكر مرة أخرى لحارب رجالاً يرفضون الحجاب لنسائهم، ولحارب وقاتل النساء اللاتي يرفضن الحجاب، وقلنا ولا زلنا نؤكد: إن التي ترفض الحجاب وتقول: لا يوجد شيء اسمه حجاب، هذه كافرة مرتدة عن دين الله؛ لأنها ردت أمر الله على الله، وكأنها تقول: أنا أرد عليك كلامك يا رب! ولا يوجد شيء اسمه حجاب، وهذه مثل التي تقول: لا أصلي، وأما إذا لم تحتجب المرأة أو تنتقب وقالت: أنا والله مقصرة وغلطانة وربنا يهديني فأتوب إلى الله ، فهذه مؤمنة عاصية، وإن شاء الله يتوب الله علينا وعليها وعلى المسلمين والمسلمات. وهناك فرق بين من يرفض الأمر وبين من هو مقتنع بالأمر ولكنه متكاسل في تنفيذه. وقد رأينا من تؤذي جيرانها وزوجها بلسانها، ومن تحمل زوجها فوق طاقته النفسية بعد الغلاء والعيال والجيران، فنقول للمرأة: لا تحملي زوجك فوق الطاقة، وإن ظلمك فظلمه عليه، ولا تردي الظلم بظلم وإلا كنتما معاً ظالمين يوم القيامة، فالخيرية أن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، فنحن نريد أن تعود إلى البيوت السكينة مرة ثانية، وأن يرجع الرجل إلى البيت فيجد المرأة ووجهها باسم، وقد قال الرسول ﷺ : (خير ما أنعم الله به على عبده بعد أن يرزقه الإيمان به ، أن يرزقه زوجة إذا نظر إليها سرته). وهذه هي التي قال عنها ربنا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم:٢١]، أي: من نعم الله علينا، ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]، وهذا هو السكن النفسي، أن تسكن إلى زوجتك، وأن تكون امرأتك حبيبتك وصديقتك وصاحبتك وأختك وأمك وبنتك وأقرب الناس لك، لا تخفي عنها شيئاً؛ لأنها مريحة، وراعية لمالك وعيالك، وأنت كذلك تعاملها معاملة طيبة، فتجد منها أسلوباً سلساً وكلاماً طيباً وأدباً في الحديث وخفضاً لصوتها أمام الناس، ولا تنشر أسرارك خارج البيت، ولا تؤذيك حتى تضج منها، وتقول: ليتني ما تزوجت، والله يجازي من كان السبب، ويظل يشتكي منها. وأنا واثق إن شاء الله أن هذه الدروس من العلم سوف تؤتي الثمرة إن شاء الله عند رجالنا ونسائنا، وكما أوصي نساءنا برجالنا، فأوصي أيضاً رجالنا بنسائنا. فاللهم حسن معاملتنا أزوجاً وزوجات يا رب العالمين!

стр. 68

أكل مال اليتيم ورأينا أن الله يعذب والعياذ بالله آكل مال اليتيم.

стр. 69

قطع الطريق ورأينا أيضاً قاطع الطريق، ويصدق عليه حد الحرابة؛ ليأمن الناس على بيوتهم وعلى أعراضهم، وسوف يأتي زمان قبل قيام الساعة ينتشر فيه الأمان في بلاد المسلمين، فتلعب الصبية بالحيات والعقارب، وترعى الذئاب مع الغنم، وتلعب النمور مع الأسود لا يضر هذا هذا، ولا هذا ذاك، ويترك الرجل بابه مفتوحاً ومتجره مفتوحاً؛ لانتشار الأمان، وعودة الخلافة الإسلامية مرة ثانية، وقيام شرع الله في الأرض، فاستبشروا خيراً إن شاء الله، فرغم كل هذا الضنك الذي نحن فيه ما زال هناك أمل في الله . اللهم حول حالنا إلى أحسن حال يا رب العالمين!

стр. 70

إثارة الفتن ومن المعذبين في القبر: خطباء الفتن وأصحاب الإشاعات والمولعون بها، الذين يثيرون الناس على الناس، مثل الذي يثير المستهلك على التاجر، والجهال والدولة على العلماء، والعلماء على الناس. نسأل الله أن يحسن معاملة المسلمين بعضهم مع بعض.

стр. 71

الهمز واللمز والغمز الهماز واللماز والغماز الذي يغمز الناس بالكلام وبالإيذاء. نسأل الله العفو والعافية، ولقد رأيت بعض الأولاد جلوساً يضحكون على رجل كفيف، نسأل ربنا أن ينير بصائرنا وأبصارنا، ومن حرمته يا الله! من نور البصر فلا تحرمه من نور البصيرة يا رب العالمين. فمن أكبر الكبائر عند الله من كمه أعمى، أي: من يخدع أعمى حتى يوقعه حفرة مثلاً، والعياذ بالله رب العالمين.

стр. 72

تعذيب الحيوان ومنها: تعذيب الحيوانات، ولسنا بحاجة إلى جمعية الرفق بالحيوان ولا غيرها، ونحن كلنا مسئولون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار الظلم الذي نراه.

стр. 73

الغلول قد عرفنا كيف اشتعل القبر ناراً على من غل شملة في غزوة من الغزوات بدون وجه حق، والإنسان الذي يأخذ ورقة من مكان عمله أو أستيكة، أو قلماً، أو يركب سيارة العمل لزيارة أولاده، أو يستخدم تلفون المصلحة للأغراض الشخصية؛ لا بد أن يدفع ثمن المكالمة التي تكلمها، سواءً كان قطاعاً خاصاً أو عاماً، فإذا استخدمت هذا التلفون حتى تسلم على خالتك وعمتك وبنت أختك وبنت أخيك وقريبك وصاحبك فقد استخدمته بدون حق، مثل الذي غل الشملة على أيام رسول الله ﷺ ، فإذا اضطررت أنك تستخدم تلفون المصلحة فتصدق بما يوازي ثمن هذه المكالمة، أو ادفع ثمنها للجهة صاحبة الحق بوسيلة أو بأخرى، كأن تشتري ورقة دمغة أو غيرها، وهكذا الذي يركب في الأتوبيس من غير تذكرة، كأن لم يستطع أن يصل إلى مكان التذاكر من الزحمة، فعليه أن ينزل ويشتري تذكرة أتوبيس من المحطة ويقطعها ولا يركب بها، أو يتصدق بما يوازي ثمن التذكرة وإلا يكون آكلاً في بطنه ناراً يوم القيامة، وأنا أقول هذا حتى تصل الأمانة إليكم. اللهم اجعلنا من أهل الأمانة ومن المحافظين عليها يا رب العالمين. أيضاً هناك نقطة مهمة: إذا كنت بيتكم الساعة العاشرة صباحاً فلا تسرج النور بالكهرباء، فإذا كنت قاعداً في المصلحة أو في المكتب فلا تسرج النور، واتق الله؛ لأن الفلوس ليست من جيبك، بل أنت راعٍ فيما خولك الله. وأما أن تقول: هذا على قدر فلوسهم فلا، بل استقيل، وانظر عملاً يعجبك ما دام أنك لم يعجبك الخمسين والستين جنيه أو مائة جنيه أو مائة وخمسين، واذهب وانظر الذي يعطيك ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه ما دام أنك خبير وخطير. فإذا رضيت بما قسم الله لك بارك الله لك في القليل. اللهم بارك لنا في القليل وحببنا فيه وفي الحلال يا رب العالمين!

стр. 74

الخوف من المخلوق دون الخالق ومن موجبات عذاب القبر: الخوف من المخلوق دون الخالق، وللأسف أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين يخافون من المخلوق ولا يخافون من الخالق.

стр. 75

تقديم كلام المخلوق على كلام الخالق وأيضاً من موجبات عذاب القبر: تقديم كلام المخلوق على كلام الخالق، فإذا كنت تسمع القرآن ودخل عليك أحد يريد أن يكلمك في موضوع فيمكن أن تؤخره قليلاً، وثواب المستمع كالتالي تماماً، ومستمع الغيبة كالمغتاب تماماً، ومستمع النميمة كالنمام تماماً، والعياذ بالله، وقد قال بعض أهل العلم: من قال لزوجته: أقسم بالله أو أنت طالق إن لم أقص عليك أحسن قصة سمعتها في حياتي ولم يقص عليها قصة يوسف فقد وقع الطلاق؛ لأنه لا أعظم من قصص القرآن، وربنا يقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]. وهارون الرشيد قال لزوجته مرة: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم سأل الفقهاء فقالوا: يا أمير المؤمنين! حاجة في علم الغيب، امرأتك طالق، فسأل أبا حنيفة قال: يا أمير المؤمنين! أسألك سؤالاً، قال له: نعم، قال له: هل تخاف من الله؟ قال: نعم، قال له: فإن شاء الله أنت من أهل الجنة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]. ولما قال لها: أنت طالق إن بت في ملكي الليلة، أفتى الفقهاء بطلاقها، وقال أبو حنيفة: تبيت زوجة أمير المؤمنين في المسجد؛ لأنه ملك الله وليس ملك أمير المؤمنين. ونعوذ بالله من عدم التأثر بالقرآن، والتأثر بمزامير الشيطان وآيات النفاق التي هي الأغاني وصوت الشيطان. نسأل الله أن يتوب على المغنيين والمغنيات الأحياء ويغفر للأموات، ويتوب علينا جميعاً من الاستماع إلى هذه الفوضى التي تنبت النفاق في القلب. اللهم وضع مكانها إيماناً وحكمة يا رب العالمين! وأيضاً من لا يصدق الحلف بالله ، والخائن للأمانة، والفاحش، وبذيء اللسان الذي يتكلم بالكلمات السيئة، وأصحاب البدع وهم كلاب أهل النار والعياذ بالله رب العالمين، والذي يأكل بالدين ما لم يأذن الله به، والقول على الله بدون علم في الفتاوى. واليوم إذا قلنا: إن عندنا ثمانية وأربعين مليون مسلم فعندنا ثمانية وأربعون مليون مفت في الدين! وأبو بكر ﵁ لما سئل في الكلالة مرة: ما الكلالة يا أبا بكر؟ قال: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان سيئاً فمن نفسي، وهذا هو الأدب من أبي بكر. وعمر بن الخطاب خطب على المنبر فسأله أعرابي بعد أن هم بالنزول من فوق المنبر: يا أمير المؤمنين! يقول ربنا: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس:٣١] ما الأب؟ فنكس عمر رأسه، قال: الله أعلم، الله أعلم، أنا لا أدري، هل في المسجد من يجيب الرجل، فقال أحد الصحابة: نعم يا أمير المؤمنين! الأب: ما تأكله الأنعام من الحشائش التي تنب في الأرض، ألم تقرأ بعدها يا أمير المؤمنين: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٣١ - ٣٢]. فالفاكهة لنا والأب لأنعامنا، فـ عمر نكس رأسه وقال: كل الناس أفقه منك يا عمر! وأيضاً الرشوة والمسكرات والمخدرات، والخمر، والبيرة، والهروين، والحشيش، والأفيون، والبيرند، وكل هذه حرام؛ لأنه (ما أسكر كثيره فقليله حرام). وأثبتت الأبحاث ضرر البيرة، وأن فيها شيئاً من الكحول. وأيضاً نبشر المدخنين بأن السيجارة فيها مادة تسمى الروم، ولو وضعت نقطة من مادة الروم هذه في كأس ماء وشربه شارب لسكر. والسجائر والتدخين والشيشة حرام؛ لأن المدخن إن كان غنياً فهو مسرف: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، وإن كان المدخن فقيراً فهو سفيه، والله يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥]. فالمدخن إن كان فقيراً فهو سفيه، وإن كان غنياً فهو مسرف، وكلاهما شر. والله بعث لنا وإلينا رسول الله ﷺ ليحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث، وقد ثبت أن السجائر وهذه الأشياء كلها ليست من الطيبات، وإنما هي من الخبائث. اللهم تب على كل مدخن يا رب العالمين!
следующие страницы →