← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

بناء العلاج على الوهم وغلبة الظن بعض الناس يحضر مجالس العلاج بالقرآن الكريم، ويرى حالات الصرع، ويسمع القصص المنتشرة عن أمراض المترددين أو المعالجين، فأصبح هذا الوهم يدب إلى نفوسهم وسط مشاكل الحياة الكثيرة، فبمجرد ما يصادف أحدهم في حياته مشكلة، سواء مشكلة زوجية، أو مشكلة اجتماعية، أو مشكلة في العمل، فسرعان ما يظن أن أحداً عمل له سحراً، أو أنه قد صرعه الجن! وقد كنت قبل أيام عند أحدهم فسقطت المرآة وانكسرت، فقال لي: يوجد جني يعاكسني هنا في المحل! زعم هذا لأن المرآة وقعت وانكسرت، وهذا من الوهم المنتشر بين الناس، وكذلك بعض من تحصل مشكلة بينه وبين زوجته سرعان ما يجزم أن هناك من حسده بعينه، ومن سقط على الأرض وأصابه وجع، أو اشتكى من وجع في ظهره، أو حصل له نوع من الألم؛ سرعان ما ينسب هذا للجن، حتى أصبح كل شيء يُنسب إليهم. لقد أصبح مرض الوهم يتسبب فهذا المرض -الذي هو مرض الوهم- هو الذي يتسبب في تصور الحالة حتى تصل إلى الإغماء والتشنجات التي يعبر عنها بالإيحاء الذاتي، أو تظهر نتيجة الخوف أعراض عضوية عادية جداً، لكن سببها هو الخوف أو القلق، وليس سببها الجن، وهكذا أكثر الحالات، وينبغي التنبه لهذا، فقد ترى المريض يتشنج ويصيبه الصرع، ويتكلم ويغير صوته، وهو الذي يدير المسرحية كلها في أغلب الحالات! وهذه الحركات يصطنعها المريض بنفسه نتيجة لكثرة سماع هذه الأمور وتصورها، فأصبحت لديه خبرة وتمرس، وصار متقناً جداً لهذه التحولات، وقد يقول للمعالج: اعرض علي الإسلام، أنا أريد أن أعرف الإسلام، فيشرح له الإسلام، ثم يقول: أنا أسلمت، فيقول له المعالج: اخرج، فيقول: لا، أنا لا أقدر على فراقها، أنا أحبها ولا أريد أن أخرج منها؛ لكي أحميها من الجن الآخرين!! أوهام وقصص وسيناريو محفوظ، والمريض يسيطر عليه هذا الوهم، والمعالج نفسه يقوي هذا المسلك الهستيري، ويتصرف على أنها فعلاً حالة جن؛ لأنه طبعاً ليس عنده علم، فيظل يضرب ويقرأ بالساعات، وإذا عجز عن أن يخرج الجن كانت هذه إحدى حالات التحدي، والمريض نفسه يقول: لا أخرج! فإذا عجز المعالج عن إخراجه فإنه يحضر شيخه وأستاذه وزملاءه، فيتوافدون عليه فوجاً بعد فوج، ويزداد اقتناع المريض أن حالته مس من الجن، ويزداد حماس المعالجين للقضاء على الأعراض التي تزيد يوماً بعد يوم، حتى يزعم البعض أنه قد ارتفع عدد الجان إلى ستمائة مارد، وكل مارد له قصة، فتزيد حيرة هذا المعالج، ويقول لك: أنا أحرقت الجن، ثم يقول المريض: أنا أصلاً من الجن المنظرين، ولو متُّ سوف أحيا مرة ثانية! وآخر يُسلم ويطلب البقاء مع المرأة للدفاع عنها والتصدي لبقية أفراد الجن المشرك الذي يتوافدون عليها من كل حدب وصوب! والعلاج الحقيقي هو إقناع هذا المريض بأنه أسير تفكيره، مثل دودة القز التي تنسج حول نفسها قبواً ضيقاً جداً، وتحصر نفسها فيه، والعالم كله في نظرها منحصر في هذا القبو الضيق! كذلك هذا المريض هو الذي يحدث نفسه بهذا التفكير تماماً، وهو الذي صنع هذا الوهم وحاصر نفسه به، وقبر نفسه في ظلماته، ولا يرى العالم إلا في حدوده الضيقة، فينبغي أن يقنع المريض في هذه الحالة أنه أسير تفكيره، وأنه هو الذي دفع نفسه في هذا الوهم، ويُدعى ليحيا حياة طبيعية، ويؤكد له ذلك كما ذكرنا. فالمريض يتخيل نفسه أنه ممسوس، ويتحدث بحديث الجان على لسانه، ويتمادى في الدور بناءً على المعلومات التي تشرّبها من مجالس الأصدقاء، وأشرطة التسجيل، وحكايات الناس، وقراءة الكتب والجرائد، ويحتاج الأمر إلى بعض التشنجات وحركات الجوارح التي يسببها اعتداء الجن في زعمه! ويتأكد هذا الوهم بعد كل جلسة علاج؛ لأنه يزداد اقتناعاً بأنه ممسوس ومريض، ومع طول فترة العلاج يترسخ في مخيلته أن هذا الجان بالذات جان مارد خطير لا يقدر على إخراجه أحد، الأمر الذي يئول به إلى حالة من اليأس وفقدان الثقة، ويتمادى في صناعة الأفلام والتمثيليات! ومما يزيد المسألة تعقيداً: أن قراءة القرآن عليه وهو في هذه الحالة يظهر بسببها ما يعزز عنده هذا الوهم، ثم يقول في نفسه: لو أن الجني لم يكن موجوداً فلماذا قرأ الشيخ عليّ؟ لا بد أن يكون المس موجوداً فعلاً، فالشيخ عنده خبرة! فهذه الحالة يجب أن يقنع صاحبها بالتخلي عن قناعته، مع الاستعانة بالله في دفع هذا الوهم المسيطر، ولا يكون صاحبه معذوراً. فمثلاً: لو أن رجلاً صار يسرق، ويباشر عملية السرقة وهو مصرّ بقلبه أنه ينفذ جريمة السرقة بتحريض مسيطر من الداخل، ولا يستطيع التخلي عن هذا التحريض! فهل الحل أن نأتي بقارئ يقرأ عليه آية الكرسي حتى نمنعه من السرقة؟! الجواب لا، ليس هذا هو العلاج في هذه الحالة، بل لا بد من أن تقنعه بالعدول عن السرقة، فهو ليس مريضاً معذوراً، بل له إرادة، أو بتعبير أدق: هو مجرم أو سارق، فهل نعذره ونقول: هذا مسكين؟! أو هذا ضحية الجن؟! وهل نقعد نرقيه أم نبين له أنه لابد أن يعدل عن السرقة، وأن السرقة حرام، ووزرها كذا، وعاقبتها كذا، ونرغبه في التوبة وفي ثوابها؟! فأنت تخاطب النفس اللوامة، والشيطان يخاطب النفس الأمارة بالسوء.

стр. 2067

أمثلة لمرضى الوهم بالمس والسحر من الأمثلة التي يحكيها بعض هؤلاء المعالجين أن محامياً كانت له مشكلة مع زوجته تتعلق بالعلاقة الزوجية، فذهب إلى أحد الناس المشهورين ممن يدعي أنه من أولياء الله الصالحين والذين يعالجون وقد كشف عنه كما يزعمون، فقال له هذ الشخص: إنك ممسوس من أنثى من الجان، وإن الجنية تحبك وتعشقك، وأثناء ما كان الشيخ المعالج يحكي له هذا الكلام، ويقول له: إن الجنية هذه سوف تقوم بخنق زوجتك، في الحال بدأت علامات الاختناق تظهر على الزوجة، وكأنها ليست قادرة على التنفس، وتقول: هناك من يخنقني!! ما معنى أنها ما اختنقت إلا لما سمعت هذا الكلام؟ لأن القناعة بدأت تتواجد نتيجة الخلفية القديمة عن الموضوع، ثم هي واثقة بالشيخ الذي يتكلم، فالشيخ يقول له: إن الجنية هي التي تكيدك، وهي التي تعمل على خنق زوجتك، وفوراً أحست الزوجة أن هناك شخصاً يخنقها. أيضاً يقول له: الجنية هذه تعمل لك كذا، والجنية تعمل لك التشنجات، ويبدأ الرجل يحس بالتشنجات، وأن هناك صوتاً يسمعه بأذنيه تهمس به الجنية العاشقة الولهانة إلى آخر هذه الأشياء. إذاً: ما نشأ هذا إلا بعد ما سمع هذا الكلام، فهذا مما يعزز الوهم عند بعض المرضى. ثم ذهب إلى طبيب نفسي، فبيّن له أن الموضوع ليس له أصل، وأن هذا الإيحاء من هذا الشيخ كذب، وسلك معه طريقة صحيحة وأقنعه فعلاً أن هذا الكلام لا أصل له، فزالت الحالة تماماً كأن لم يكن لها أثر. ومما يُحكى أيضاً وهو مثال قريب من سابقه: أن زوجة شخص معالج مكثت وحدها في البيت، وبينما هي جالسة وحدها تفكر في هذا الموضوع الشيق العجيب في أحداثه، فتذكرت حالة من تلك الحالات، وهي أن جنياً عشق امرأة واعتدى عليها مرات، ومع قوة تخيلاتها توقعت أن هذا سيحصل معها، ثم قالت: ولم يحصل معي؟ فهي لوحدها، والجني يريد أن ينتقم من زوجها؛ لأن زوجها هو الذي يطرده من جسد المرضى، واسترسلت في هذا التفكير إلى أن اقتنعت أن فعلاً أنه حصل كذا وكذا وكذا، ودخلت هي وزوجها في قصة طويلة عريضة كلها مبنية على وهم وتخيل لا أصل له. كما أن هناك مرضى يصدقون أنفسهم، وهم في ذلك ليسوا متعمدين للكذب، وهو أيضاً صادق لأن هذا يحدث عن طريق الوهم والإيحاء الذاتي والملابسات التي حوله، والخلفية الفكرية سابقاً، فيتهيأ له ما يجعله يعيش الدور، ويغير صوته ويتكلم، وهناك أناس لديهم مهارة في تقليد أصوات المطربين والفنانين، فما هي المشكلة؟! الرجل ممكن أن يأتي بصوت الطفل، أو عجوز إلخ، هذه ممكن أن تقع، ويمكن أن يكون هناك مس جني حقيقي، وأنا لا أنكر هذا لكن هذا وارد، فلو قلت له: غيّر صوتك كان هذا شيئاً ممكناً، وهو يعيش الدور تماماً، فيمكنه أن يغير صوته إلى صوت امرأة أو طفل أو غير ذلك، وهناك فرق بين الجني الحقيقي وبين هذا الذي يغير صوته. ويدور في فلك هؤلاء الموهمين أناس أصحاب حالات أخرى يتعمدون الكذب ويدعون المس والتلبس للخروج من مأزق معين. مثلاً: جاءت امرأة لبعض المعالجين تدعي المس، هذه المرأة تهجر فراش زوجها، وتنشز عليه، وتنغص عليه حياته، وتقول: إن جنياً لبسها، وأنه يقول لها: لو استجبت لزوجك أفعل بك كذا، وأنه ليس هناك حل غير الطلاق، ولابد أن تطلقي منه إلخ. فبعد فترة من العلاج الذي لم يجد نفعاً ولم يأت بأية نتيجة اعترفت للمعالج بالحقيقة وأنه ليس فيها مس، وأنها لجأت إلى هذه الدعوى للتخلص من زوجها كي تجبره على طلاقها؛ لأن زوجها شحيح بخيل، وكان مما قالت: تحولت حياتنا بسبب الشح إلى جحيم، هل رأيت رجلاً يراقب مقدار الجبن في الثلاجة؟! ويقيس زجاجة الزيت بالمسطرة ليعرف كم من الزيت استعملت؟! وهذا الوضع لا يُصبر عليه. تقول هذه المرأة: لست مجنونة ولا مسحورة ولا ممسوسة، لقد أقدمت على ذلك لأتخلص من هذا الجحيم، ولييئس من حالي فيطلقني. وكان المعالج في البداية تعامل معها ولم يقدر أن يميز حالتها، معنى هذا أنه حتى الذي عنده خبرة تلتبس عليه الأمور، حتى إنه ليضرب، وبعد فترات طويلة يجد أنه ليس هناك نتيجة، ما معنى هذا الكلام؟! وكلكم يقول: لدينا خبرة، وتؤلفون الكتب، وتردون على بعض، وتشتمون المشعوذين، حتى أنتم يخفى عليكم هذه الأشياء! إذاً: نعود إلى مكمن الغموض وهو أنه لا توجد علامات محددة ولا حدود واضحة يقف عندها كل طرف. ومن المشاهدات في المجتمع قضايا عدة، مثلاً: - فتاة مثلاً تُكرَه على الزواج من شخص تكرهه، ولا تستطيع أن تصارح أهلها بأنها لا تريد الزواج منه، فينصحها نساء ماكرات بادعاء كونها ممسوسة، وأن الجني يطالبها بالطلاق وإلا فإنه سوف يقتلها. - امرأة متزوجة تتفق مع عشيقها على أن تتدعي المس، وأن الجني يطالبها بالطلاق، وإذا مسها زوجها فسوف يحصل كذا وكذا. - شاب يؤتى به ليُعالج من مس الجن، فيقرأ عليه فيظهر الجني قائلاً: أنا سلمان بن أبي سليمان، وفجأة ظهر جني آخر، فسأله: ما اسمك؟ فأجاب: أنا جرجر. قال له: أنت نصراني أم يهودي؟ فأجاب الجني: أنا نصراني. قيل له: هل تسلم؟ ويبدأ الحوار: ما هو الإسلام؟ والمعالج يتفنن في أن يعرض عليه الإسلام، وكيف يدخل في الإسلام، ثم يقول: اخرج، وإلا سوف أحرقك بالقرآن، وهذه هي الاسطوانة نفسها المكررة مع كل حالة. يقول أحد الإخوة الحاضرين وقد حدثني عن هذا بنفسه، قال: شكّيت بسلمان بن أبي سليمان هذا، فقلت له بعد أن انتهى من: أنت كذاب، أنت لست ممسوساً، فقال لي: نعم، أنا لست ممسوساً، ولكن هناك مشاكل بيني وبين أبي، وأنا أريد أن أقنعه أني ممسوس حتى يخفف عني الوطأة والضغط. - شاب يتورط في معاكسة الفتيات في الشوارع، ويفعل أشياء غير لائقة، فعندما يعاتب على ذلك يقول: الجني هو الذي يؤزني أزاً على هذا، والجني هو الذي يجعلني أتعرض لمثل هذا! وهذا أخطر ما في الموضوع، فهو يفتح باب الفساد على مصراعيه. - امرأة ترتكب الفاحشة وتقول: الجن هم الذين فعلوا بها كذا وكذا! - يسرق شخص ثم يقول: الجني هو الذي سرق! ولو كان هذا عذراً فذلك يعني أن الحدود في الدولة الإسلامية لا تقام، فأية امرأة تفعل الفاحشة تدعي أن الجني هو الفاعل، فندخل في جو من الغموض والضباب والدخان والوهم الذي لا حدود له، وكأننا لسنا من الإنس، ونتعامل بقوانين وسنن ونواميس أخرى، فالشريعة تهدر هذه الاعتبارات، فأي شخص يثبت في حقه بالبينة الشرعية أنه فعل فعلاً يؤاخذ بجريرته، وإذا سرق سوف تقطع يده، والشرع لن يلتفت أبداً لمثل تلك الأعذا؛ لأن المسألة ليست لعباً ولا عبثاً بأموال الناس وأعراضهم ودمائهم، إن الشرع يهدر تماماً هذا الإدعاء، ولا يصح أبداً أن أي أحد يعمل جريمة ثم يقول: الجني هو الذي يؤزني على فعل هذه الجرائم.

стр. 2068

احتراف العلاج بالقرآن نتعرض بشيء من الاختصار لقضية اتخاذ العلاج كمهنة وحرفة، ومزالق الجهلة؛ لأن بعض الناس قد توسعوا فيه، وانتهزوا الفرصة لجلب الأموال من طريق احتراف علاج الجن، وتحول الأمر من كونه أمر يسد به الحاجة إلى مصدر مفتوح للترف والجشع والابتزاز، وقد يفرض بعضهم أتوات باهظة على الناس بجانب التجارة بجوالين وقناني المياه التي يقرءون فيها القرآن، وتجد أمام المساجد قناني مكتوب عليها: (هذا الماء مقروء عليه قرآن) وتباع بحجة أن الشيخ قرأ عليها قرآناً، وكذلك تجارة في العسل وزيت الزيتون على أساس أنه مقروء عليه ويتخذ دهاناً يدهن به الجسد إلى آخر ذلك، حتى إنني حُدّثت عن شخص طبع لنفسه كرتاً فيه الاسم والوظيفة: معالج بالقرآن، الكشف: عشرة جنيه الحجز: مقدماً العنوان: مسجد كذا، أصبح الموضوع شيئاً مؤلماً جداً في الحقيقة. أيضاً ليس من هدي السلف أبداً، وما كان على عهدهم أناس متفرغون وأصحاب مراكز وعيادات لعلاج مرضى الجن، مع أن المرض موجود في كل زمان، وكان المصاب إذا قابل شيخاً أو عالماً في الطريق فإنه يقرأ عليه دون تكلف، أو يدعو له أو يرقيه، لكن أن ترصد لذلك مجالس ومراكز وعيادات، وبهذه الطريقة لابد أن يقف هذا الأمر عند حده، إن التمادي فيه تمادٍ في تغييب الوعي، والعيش في عالم من الضباب والغمام والغموض لا نهاية له، هذه مسئولية كل واحد منا، العلاج هو إهمال هذا الموضوع تماماً. وكنت أرى أن من إهماله ألا أتكلم، وهذا هو السبب أني حتى الآن ما تكلمت، وهذه أول مرة أتكلم في هذا الموضوع بالتفصيل، فعلاجه إذن أن نهمل تماماً هذا الموضوع، فلا أحد يحكي لأحد، أو يروج الأشرطة، ولا يسمعها، ولا يقرأ هذه الكتب، ولا يذهب لهؤلاء الناس، ومن أصيب بشيء يعالج نفسه بالقرآن الكريم، حتى لو كان مساً جنياً فهو الذي يعالج نفسه، المرأة يرقيها زوجها، والبنت يرقيها أبوها، وهكذا. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم كان فيهم أناس اشتهروا بإجابة الدعاء، كـ سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الذين دعا لهم النبي ﷺ باستجابة دعوته، كذلك أويس القرني أخبر النبي ﷺ أنه مجاب الدعوة، ومع ذلك ما فتحوا مركزاً لعلاج الناس، أو كان الناس يأتون إليهم ليدعوا لهم، ما حصل هذا، وما انصب الناس إليهم من كل حدب وصوب كي يطلبوا منهم الدعاء. إذاً: هذا خلاف هدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى أجمعين، ثم إن الأمر يتطور فيحصل تركيز على القارئ لا على المقروء، تركيز العوام أن البركة كلها في القارئ نفسه، مع غض النظر عن أهمية المقروء الذي هو القرآن الكريم. وأنا لا أعترض على الجعل أو الأجر على الرقية، لأنه جائز، لكننا أصبحنا نبدأ من حيث انتهى الشرع، ونغالي في هذه الأمور حتى تصل إلى حالات مرضية.

стр. 2069

احتراف القراءة على المرضى سبب من أسباب التعرض لفتنة النساء ثالثة الأثافي، ومصيبة المصائب، وفتنة الفتن: فتنة النساء قال الله ﵎: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤] الآية، فالفتنة تجر إلى غيرها من الفتن، يقول النبي ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء). ولقد ترخص بعض هؤلاء المعالجين وتساهل وتعدى حدود الشرع بالخلوة، أو باللمس، أو بالنظر، واستدرجهم الشيطان إلى استباحة الخلوة، ثم الكشف عما يحرم كشفه، ثم المس بزعم الرقية، والدهان بالزيت المقروء عليه، وربما بغير حائل، ولا شك أن هذه قرة عين للشيطان، وشيء يدخل على إبليس أعظم السرور، وأنا لا أريد أن أستفيض في مثل هذا، والحقيقة أنه لا ينبغي لي وأنا في مثل هذا المكان أن ألقي على أسماعكم أشياء لا يليق بنا جميعاً أن نحكيها، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]. فهذه أحد المضار والحصاد الذي يحصده المريض وغيره من هذه الفتنة التي يجب إطفاؤها والقضاء عليها، كما يقول الشاعر: كان ما كان مما لست أذكره فظن شراً ولا تسأل عن الخبر أحدهم يشيد بنفسه، إذ إنه في كل يوم يكتشف طريقة جديدة، ولا يقتصر فقط على ما يلتقطه من الماضين، بل صار بعضهم يخترع ويجدد في هذا الفن. فهذا أحدهم يقول: اكتشفت طريقة جديدة للكشف عن المرضى، وسماها: طريقة الكشف بالنظر، وهي ليست طريقة جديدة، بل هي مفتاح شر وسنة سيئة، وهذه الطريقة هي: أن المعالج ينظر في عيني المريض أو المريضة، ويقترب منه مثل طبيب الرمد عندما يكشف على غطاء العين، فيجلس أمام المريض أو المريضة وينظر إلى عينيه، ويأمر المريض أو المريضة أيضاً أن ينظر في عينيه وهو يقرأ القرآن كي يطرد الشيطان، يقول هذا الشخص صاحب هذا الاكتشاف الخطير: ثم أمرت المريضة أن تنظر إلى عيناي ففعلت، فظهر الجني، فأخذت أقرأ عليه وهو يصرخ، وأخذت أنظر في عينيها وأنا أقرأ وأعظه، ثم احترق الجني، وحينما سأله الإخوة الذين قرءوا كثيراً على هذا الجني، قالوا: نحن قرأنا عليه كثيراً ولم ينفع!! قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء! يطلق البصر إلى ما حرم الله ويسميه: (فضل الله يؤتيه من يشاء) الله المستعان! ولما سئل عن مشروعية هذا الذي يفعله من إطلاق البصر بهذه الطريقة، قال: إن الشيخ عبد الخالق العطار -سامحه الله فقد كان صاحب دور خطير في تأسيس هذه الظاهرة- لما سئل قال له: إن هذا الذي ذكرته حق، وله دليل في القرآن الكريم، ألا وهو قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم:٦]، فيستدل بهذه الآية على مشروعية هذا العبث الذي يفعله، وأنه ينظر إلى عين المريضة ويقترب منها بهذه الطريقة. فإذا نظرنا وقرأنا القرآن نعرف أيهم المفتون؟! لا، وإنما إذا قرأنا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] عرفنا من المفتون، وإذا تذكرنا حديث النبي ﵇ حينما أنكر على الفضل بن عباس عندما نظر إلى المرأة الخثعمية، فلوى المصطفى ﷺ عنق الفضل إلى الجانب الآخر، ولما سئل عن ذلك قال: (رأيت شاباً وشابة، فخشيت عليهما الشيطان). والعجب كل العجب من رجل يحمل امرأته أو ابنته أو زوجته بنفسه ويقف ينتظر دوره في الزحام كي يعالج زوجته أمثال هؤلاء الناس! هذا من المصائب التي حصلت في موضوع علاج النساء، وأعتقد أن هذا كافٍ لتحريك من لا يتحرك، ومن خمد أو برد دمه حتى لا يبالي بمثل هذه الأشياء، فالموضوع هذا خط فاصل لا يحق ولا يجوز فيه علاج رجل لامرأة، وبأي حال يجب حسمه، وهذا العبث وهذه الفوضى الأخلاقية يجب أن يحسم الأمر فيها، ولا يقبل فيه الخلاف بإطلاق. ومن قبيح صنيع بعضهم أنه قد يطلب من المرأة أن تفتح عينيها للنظر ليحملق فيهما، وبعضهم يطلب أن تفتح فمها ليحملق فيه بحثاً عن الجني الذي قد يكون مختبئاً هنا أو هناك. فنقول لهؤلاء: أين الغيرة على العرض؟ وأين الخوف من يوم العرض؟ فيصدق أن يقال: (معالجها حراميها)، كما يقول الشاعر: وراع الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب

стр. 2070

قتل النفس المحرمة جهلاً وعدواناً وهذه من الجنايات والمظالم التي ترتكب في هذه القضية، فما أكثر ما نزجر ونستنكر ونشجب هؤلاء الجلادين الذين يعذبون الناس في الدنيا، ونخوفهم بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، وبقول النبي ﷺ : (يكون في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه) وقوله: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) هؤلاء نحملق فيهم وننكر عليهم، ثم نحن فيما بيننا نتغاضى عن هؤلاء المعالجين الذين يمارسون أبشع صور التعذيب البدني والنفسي بحجة إخراج الجن، ويتفنون في إيقاع العذاب الذي قد يصل إلى القتل، ومن الجهل ما قتل. يحكي بعض المعالجين قصة أرويها لكم بحروفها، وهي قصة مريضة تدعى وهيبة، يقول: وهيبة مريضة نفسياً طال مرضها، فذهب بها أهلها إلى مجموعة من الشباب المسموع عنهم علاج مثل هذه الحالات، وعجز هؤلاء الشباب عن أن يفرقوا بين المرض النفساني والمس الشيطاني، وحضرت وهيبة بين أيديهم يقرءون عليها، فلم ينطق الجني، فما كان منهم إلا أن قالوا: إنه شيطان ماكر يرفض أن ينطق، وانهالوا عليها ضرباً على فترات، وهمدت الجثة، وقال الأدعياء: لقد خرج لعنة الله عليه، ولم يكتشفوا بسبب جهلهم أن الذي خرج من وهيبة ليس الجني، وإنما خرجت روحها، اكتشفوا ذلك بعد أن تركوها فترة لتستريح، ثم طلبوا منها القيام، فقالوا: قومي يا وهيبة! فإذا بها قد توفيت، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

стр. 2071

حرمة الاستعانة بالجن من المهم التنبيه على موضوع الاستعانة بالجن، وهذا باب من أبواب الفتن، وقد فتحوه بعد أن كانوا في البداية لا يتجرءون على هذا الوضع، وما كان يقدر أحد أن يفتح أبداً موضوع الاستعانة بالجن إلا وينُظر إليه باشمئزاز، يقول القائل: كيف تستعين بالجن؟ هذا شرك، وهذا كذا وهذا كذا. ثم التقطوا عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية فهموها على غير وجهها، وبدءوا من حيث انتهى شيخ الإسلام، وانطلقوا إلى أبعد الآفاق في موضوع الاستعانة بالجن. الأمر الذي يجب أن نوضحه في نهاية هذا الحديث: أن خبر الجني لا يقبل، فكل شيء جاء عن طريق الجن يشطب عليه، وكأننا ما سمعنا شيئاً، فلو ادعى الجني بأنه يحب كذا، أو يكره كذا، أو دلنا على كذا، أو هذا الجني صالح، أو يساعدني، أو أستعين به، أو يعمل عمليات جراحية، أو يعالج العقم؛ كل هذا يشطب عليه، وكأن شيئاً لم يكن هذا هو المخرج من هذا الوضع. أين العدالة والضبط في خبر الجني؟ من هو هذا الجني؟ هل هو صادق أم كاذب؟ مسلم أم كافر؟ ولو قال بأنه أسلم، فما أدراك أنه صادق؟ وكيف تحققت أنه صادق في هذا؟ هل الإسلام كلمة مجردة تقال هكذا؟ ثم أيضاً يعد هذا فتح باب خطير جداً، أعني: محاولة التعرف على الغيب عن طريق الجني بدأ بعضهم يعمل أشياء فظيعة جداً مثل المندل، ولو سرق شيء قالوا: تعال هات لنا الجن الذين معك، قل لنا: من الذي سرقها، وأشياء أخرى كثيرة فتحت علينا أبواباً من الشرور كنا في عافية منها، ووصل الأمر إلى أن بعضهم يهدد غيره، ويقول بتبجح: أنا معي جني، وسوف أسلطه عليك ليؤذيك، فتحصل خصومة، وهذه أمور في غاية الخطورة.

стр. 2072

نصيحة للمعالجين بالقرآن من المس أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت، وأن الحل الحقيقي -بجانب الالتزام بالشرع في هذه الأشياء كلها- لهذه الظاهرة أن تنكمش، وأن تعود إلى الحجم الذي كانت عليه، وعلينا أن نعلم أن هناك مساً جنياً، لكن ليس كل الحالات تعتبر مساً، فقد تكون ناتجة عن وهم، أو حالات هستيريا، أو خيال يسيطر على الإنسان، أو نتيجة عن حفظ الأدوار وإتقان تمثيلها احتيالاً؛ فينبغي دلالة هؤلاء الناس على الطريق الصحيح. ونختم الكلام بهذه الموعظة لبعض الشعراء نهديها إلى هذه الفئة من المعالجين الذين تعدوا وتخطوا حدود الله وشوهوا وجه الحق: القلب ينشط للقبيح وكم ينام عن الحسن يا نفس ويحك ما الذي يرضيك في دنيا العفن أولى بنا سفح الدموع وأن يجلببنا الحزن أولى بنا أن نرعوي أولى بنا لبس الكفن أولى بنا قتل الهوى فالصدر أصبح كالوهن فأمامنا سفر بعيد بعده يأتي السكن إما إلى نار الجحيم أو الجنان جنان عدن أقسمت ما هذه الحياة بها المقام أو الوطن فلم التلون والخداع؟! لم الدخول على الفتن يكفي مصانعة الرعاع مع التقلب في المحن تباً لهم من معشر ألفوا معاقرة الفتن تباً لهم فعلاجهم قد لطخ الوجه الحسن تباً لمن باع الجنان لأجل خضراء الدمن أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 2073

وقفة مع الجن [٣] عالم الجان عالم يكتنفه الغموض من كل جوانبه، وقد ساهم اهتمام الدعاة بقضايا الجن في توسيع إطار الظاهرة المرضية التي نتجت عن الغلو من قبل عامة الناس في هذه القضايا، وكان للمعالجين أيضاً الحظ الأوفر في تفشي الأوهام، وتضخم مسائل الجان، حتى أصيب البعض بأوهام مرضية لا أساس لها، كما أنها كانت سبباً في إعراض الناس عن التداوي بالطب الحسي، ومن ثَم كونت هذه الظاهرة بيئة خصبة لانتشار الخرافات والمخالفات الشرعية.

стр. 2074

عالم الجن بين الإفراط والتفريط إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فقد شرعنا في بحث ظاهرة التمادي في علاج الجن، ويمكن أن يتلخص حديثنا في النقاط الآتية: - أن الاشتغال بموضوع الجن ومعالجة الجن هو مرض من أمراض الفراغ التي صادفت خواء عند بعض الشباب، فخاضوا فيه بهذه الصورة الملحوظة. - أن هذا المرض انتقل من الأوساط النسائية الفارغة التي كانت تحتكر التخصص في الكلام في هذا الأمر إلى مجتمعات الرجال، بل إلى مجتمعات الدعاة والمشتغلين بالدعوة، ونحن لا نعمم هذه السلبيات، والمقصود هو ذم من يتلبس بشيء من هذه المسالك. - لا خلاف في مشروعية التداوي بناء على قول النبي ﷺ : (لكل داء دواء) وما فيه من العموم. - حيرة المريض بين جفاء طبيبه وغلو شيخه، فالطبيب الذي يتأثر بالمناهج الغربية المادية في التعامل مع هذه القضايا ينكر أموراً هي من صلب الدين ومن صلب العقيدة، كالإيمان بوجود الجن، وغير ذلك من السحر أو الحسد التي ثبتت حقيقتها بأدلة قطعية في القرآن والسنة، فما بين جفاء الطبيب، وغلو الشيخ أو المعالج يحتار المريض بين الفريقين. - من مقاصد الشريعة الإسلامية العليا حفظ النفس وصيانتها، والشرع المطهر لم يدع صحة وعافية وجوارح الناس عبثاً بأيدي العابثين، فهم يخوضون بهم في بحار من الأوهام والغموض والمجهول الذي لا يمسك بزمام ولا بخطام، وإنما هو غموض في غموض في غموض، فلا نملك أدلة قطعية على التشخيص بأنها حالة مس جني، ولا نملك أدلة تثبت هذه المسالك التي أدخلت على أساليب العلاج الذي يذهبون إليه، ثم نرى -مع كل هذا الغموض وكل هذا المجهول- من يتجاسر على أن ينتهك حرمات الله ويعتدى على الأنفس بالتعذيب، والإنهاك، التعذيب البدني بالضرب وبالصعق بالكهرباء أحياناً، وبغير ذلك من هذه الأشياء الوحشية التي فيها مصادمة لحرمة الإنسان المسلم عند الله وفي شريعته. أخيراً: نحن ننكر على الذين يعذبون الناس في السجون والمعتقلات، ونتلو عليهم الآيات والأحاديث التي ترهب من هذا الفعل، وتنذر بشؤم العاقبة، لكننا نغض الطرف إذا سمعنا أن أخاً من هؤلاء المعالجين قد أنهك رجلاً أو امرأة أو صبياً بالضرب وقد يصل الأمر إلى إزهاق روحه؛ بحجة العلاج، فأي علاج هذا؟ ما الذي أدراك أنه جني؟ لابد من ضبط هذا الأمر بضوابط واضحة وقاطعة، قبل أن تستحل العدوان على الناس بالضرب، وإلا كنت واقعاً تحت طائلة التعزير الشرعي، أو الحد إذا جنيت جناية تستوجب الحد، فالأمر ليس فوضى، والعدوان على أرواح الناس وصحة الناس وأبدانهم لا يجوز، والذي وصل في بعض الحالات إلى القتل، فهذا إجرام وانحراف وعدوان على حرمات المسلمين، وليس علاجاً.

стр. 2075

إفراط المعالجين في استخدام الوهم سمعت من سائق يعيش في الساحل الشمالي أن امرأته اشتكت من مرض ما بعدما تزوجا بشهر تقريباً، فذهب بها إلى الطبيبة، فصرفت لها دواءً، وقبل أن تستكمل العلاج الذي وصفته لها الطبيبة إذا بشخص يتطوع ويقول: دعك من الطب، فهناك إخوة معالجون يعالجونها فلعل بها مساً من الجن، هكذا بمنتهى البساطة مع أنه مرض عضوي عادي جداً، فاذهب إلى الجماعة المعالجين للجن، فذهب إلى أحدهم وقرأ عليها ولم ينطق على لسانها جني، فقال: يظهر أن الجني أخرس، أو لعل الجني موجود، لكنه يتعمد ألا ينطق تماماً كما فعل آخرون في جريمة قتل مماثلة، أو لعله لا يوجد جني أصلاً ما دام أن المسألة مبنية على (لعل، وعسى) ولا نملك دليلاً نجزم به فما هو المسوغ للتمادي في الظنون نرجع إلى ما فعله هذا المعالج، ويكرره غيره من المعالجين الذين يزعمون أنهم تخصصوا وتفوقوا وتدربوا وتمرسوا في هذا المجال، ومع ذلك فهم يرتكبون مثل هذه الأخطاء التي ينبني عليها الإقدام بجهل على انتهاك حرمات الناس. فقال له: أحضر لي عوداً متيناً كي أضرب هذا الجني الأخرس الذي يرفض أن يتكلم، فيقول: فذهبت إلى شجرة الزيتون -ويبدو أن الذين يعيشون في الصحراء، يعلمون أن عود شجرة الزيتون عود قوي ومؤلم- وانتقيت عوداً طويلاً يلسع لسعاً مريراً، فأخذ يضرب المرأة على ظهرها ضرباً مبرحاً دون جدوى، ولم ينطق الجني الأخرس. المهم أنه حينما عاد إلى البيت وجد ظهر المرأة أخضر تماماً من كثرة الضرب، فقال لها: هذا يدل على أن الضرب وقع عليك أنت لا على الجني؟ قالت: نعم، قال: ما منعك من أن تتكلمي؟ قالت: أنا كنت منتظرة أن الجني يتكلم، أوهموها أن فيها جنياً، وسيطر عليهم هذا الوهم وكأن الوهم صار حقيقة لا تقبل الجدال، حتى إنه يستحل الضرب وهذا العدوان. وهذه الحالة ينبغي أن يقتص فيها من أمثال هؤلاء ويضرب بجهله وعدوانه، وإلا صار الأمر فوضى بهذه الطريقة. كما نجد آخرين متخصصين في كسر الإصبع الكبير، عالم من الجهل والجهلة، ومن المعتدين على حرمات المسلمين بهذه البدعة التي ابتدعوها، حتى أن المرأة اقتنعت أن فيها جنياً، فهي تعي وتتحمل الضرب ولا تريد أن تتكلم منتظرةً أن ينطق الجني الذي يلبسها. أنا أعتقد أنني لو فتحت حواراً مفتوحاً وكل واحد يحكي ما لديه من القصص، بل من المآسي؛ أظن أن عندكم رصيداً كبيراً من هذه المآسي، لكننا نكتفي فقط بضرب الأمثلة التي تغنينا عن التفاصيل.

стр. 2076

خطر الانجرار وراء غيبيات عالم الجن عالم الجن له حقيقة، ونحن لا ننكر مس الجني، وهي حقيقة شوهتها هذه الشعوذة، وهذا الدجل، وهذا الانحراف، والحالات التي فيها مس جني حقيقي هي حالات قليلة جداً جداً بالنسبة لما يحكى من الحالات الوهمية، ومن أسباب شيوع هذا الوهم فيما مضى. ولما الإنسان لديه ولع به كان ذلك من أسباب انتشار هذه الظاهرة، فحينما يسمع بهذا الموضوع شخص يراه موضوعاً شيقاً، وجذاباً ومغرياً، فتدفعه الغريزة والفطرة وحب الاستطلاع والفضول والولع إلى استكشاف ما غيب عنه؛ لأن الإنسان عنده تعطش دائماً لأن يعلم شيئاً عن العوالم الغيبية وعما يحدث في المستقبل، وعما غاب من المخلوقات أو حقائق هذا الوجود، فالإسلام أشبع هذه الفطرة بأن وسع رقعة العقيدة، ومد مساحتها بإخبارنا عن كثير من الأمور الغيبية؛ لتشبع هذا الميل في الإنسان. وقد يكون هذا السبب -وهو حب الاستطلاع والفضول- دافعاً لاستطلاع هذا العالم الغامض بالنسبة إلينا مما قد يؤدي إلى شيوع هذه الظاهرة المرضية التي بصددها. وعلاجاً لهذه الظاهرة لا بد من كبح جماح هذا التطلع، وأن يحد بحدود الشرع، فأنت إذا أردت أن تشبع هذا الفضول والاستطلاع إلى هذه العوالم الغيبية فلا توجد نافذة يمكن أن نطلع من خلالها على الغيوب إلا نافذة الوحي فقط، ولا يمكن أبداً أن نطلع على الغيوب، ونقطع بصدق هذه المعلومات إلا من خلال نافذة الوحي المعصوم، أما ما عدا ذلك فلا أمل قطعاً في التطلع إلى الأخبار الغيبية إلا عن طريق الوحي الشريف.

стр. 2077

عالم الجن والشياطين في القرآن الكريم تعرض القرآن الكريم لموضوع الجن ممثلاً بالشيطان بصفة أساسية، وفي كيد بني آدم، وفي شياطين الإنس والجن، وفصل تفصيلاً مهماً جداً، هذا هو الذي ينبغي أن ننشغل به: عداوة الشيطان لبني آدم، وأن الشيطان يقف وراء كل شرك ومعصية، وأن جنوده يجتهدون في إضلال الناس وإفساد ما بينهم، فنحن مطالبون بمحاربة كيد الشيطان بالاستقامة على طاعة الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧]، هذا موضوع أساسي، لكنه ليس موضوعنا الآن: عداوة الشيطان، وكيف نواجه هذا العدو؟ وكيف نكون منه على حذر؟ وكيف لا نقع في المعاصي؟ هكذا فصل القرآن وحذر من تلبيس الشيطان، وإضلاله إيانا سواء في العقيدة أو العبادات أو الأخلاق، أو غير ذلك من المسالك، هذا هو الموضوع الذي فصل القرآن فيه تفصيلاً عجيباً جداً، وكذلك السنة. أما حقائق عالم الجن، فقد عرض القرآن لها بالتفصيل في سورة الجن، ثم في سورة الأحقاف بصورة عابرة، وما عهدنا أبداً لا من الصحابة ولا من السلف الانغماس في موضوع الجن بهذه الطريقة المرضية الوبائية التي انتشرت وصرفت الناس عن الواقع الذي يعيشونه باعتبارهم من بني آدم إلى واقع من الخيال، وشيء غائب عنا، وأغلب المعلومات التي نتداولها ليست من مصدر الوحي ولكنها أخبار الجن، أو السحرة، أو ممن يزعمون أنهم قد تمرسوا وتدربوا في هذا المجال، لكن أين الخبر المعصوم الذي يجب ألا نتعداه؟ وتساهلنا كثيراً في أن نشرب كماً هائلاً من المعلومات دون أن نتمحص ونتحرى المنهج السلفي الذين نزعم أننا ننتمي إليه. فمثلاً: إذا قلنا لأخ: نريد دليلاً معصوماً على أن الجني يحرق بالقرآن؟ قد يدهش لأن الخبر حقيقة مسلمة، لكن من أين لك هذا؟ من أين أتيتم أن القرآن الكريم يحرق الجن؟ لن يجدوا دليلاً، إنما يتمسكون بعمومات من القرآن الكريم بعيدة تماماً عن تأييد ما ذهبوا إليه، نحن نريد احترام المنهج العلمي في مثل هذه القضية، أين الدليل على هذه الأشياء؟ أين الدليل على هذا الضرب المبرح بهذه الطريقة؟ هل الشريعة التي حرمت العدوان الصول على بدن وروح المؤمن تبيح في نفس الوقت هذا العبث وهذا الانتهاك لحرمات المسلمين بالصورة التي نراها والتي قد تصل إلى القتل في كثير من الحالات؟ أين العقول؟ أين منهج السلف الذي نزعم أننا ننتسب إليه؟ إذاً: ولع الإنسان بمعرفة الغيوب كان المدخل الذي من خلاله راج هذا الموضوع؛ لأننا نسينا أننا لا نتلقى الأخبار إلا من الوحي المعصوم، وفتحنا نافذة جديدة غير نافذة الوحي أخبار تأتينا عن عالم المجهول، وهذا إن كان جنياً بالفعل فإننا لا نعرف من هو، ولا كيف هو، ونعيش في عالم من الوهم، ونصدق هذه الأشياء، وأن الجني يسلم، ثم بعد ذلك يُعرض عليه الإسلام، ويقال له: ما اسمك؟ يجيب بأن اسمه جرجر، ثم يُسأل: من الذي بعثك؟ فيجيب شنودة إلخ، ونفتح أبواب خيال في خيال.

стр. 2078

شناعة ادعاء تأييد قرين النبي ﷺ هناك شخص يدعى محمد إسماعيل من الزقازيق، يدعي أن معه قرين النبي ﷺ ، وأنه يصحح له الأحاديث ويضعفها، وأنه يعطيه الفتاوى من أجل توحيد الصف المسلم وتوحيد المسلمين. وهذا غريب وعجيب، هل نشطب على كل جهود المحدثين الذين بذلوا الأرواح والأنفس والأموال، وسهر الليالي والرحلة في طلب العلم؟! كل هذا يلغى لأن قرين الرسول ﵊ المزعوم يخبرنا مباشرة عن الرسول ﵊، إذاً: ما كان أسهل الأمر، لماذا أتعب المحدثون أنفسهم بالجرح والتعديل والضوابط والاصطلاح والرحلة والسهر؟ لقد كان من السهولة بمكان أن نستقي من هذا المعين الحي المباشر بواسطة أعلى إسناد في العالم، فهو واحد فقط يتلقى من النبي ﵊! هذا عبث، هل رأينا أحداً من علماء المسلمين فعل هذا أو قال بهذا، أو اعتبر هذا مصدراً من مصادر العلم؟ إذا كان من يعرف بالغفلة، وعدم التركيز في مجالس التحديث لا يؤخذ خبره، ويقدح في ضبطه، فكيف نتلقى من كائن مجهول؟! نحن لسنا متأكدين أنه جني أصلاً، وربما كان هو نفس الشخص الذي يتكلم، وإذا كان جنياً من أين لنا أنه مسلم، أثبت أنه مسلم؟ أين الشهود؟ أين الذين عاشروه كي يضبطوا لنا إن كان مسلماً، ثم حتى لو كان مسلماً كيف هو؟ كيف عدالته؟ كيف ضبطه؟ كيف حفظه؟ كيف كيف كيف إلخ؟ فكيف نستطيع أن نتخلى عن هذا المنهج العريق الأصيل الذي تحسد عليه أمة المسلمين كما قال اليهودي مارجليوث: (ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. علم لم تعرف الدنيا له نظيراً، ثم نأتي بهذه الخزعبلات ونقول: إن معنا قرين الرسول ﵊، الحقيقة أن هذا تنازل وانحطاط عن المنهج السلفي بطريقة ما، من كان يتصور أننا نصل إلى هذا المستوى؟ ما الفرق بيننا وبين الصوفية؟ نحن نقارن بين المنهج السلفي والمنهج الصوفي في مناهج التلقي، ونقول: نحن السلفيون منهجنا القرآن والسنة وفق فهم السلف الصالح، ثم نقول: ننتقد الصوفية لما عندهم من مصادر أخرى، كالكشف والإلهام والذوق والوجد والمنامات، ونقول: نحن نختلف معهم اختلافاً أساسياً في مصدر التلقي، أليس هذا انحرافاً في مصدر التلقي حينما نزعم أننا نتلقى من العالم الجني الغيبي من خلال نافذة غير نافذة الوحي المعصوم؟!

стр. 2079

دور الدعاة والمعالجين بالقرآن في نشر الظاهرة المرضية ثمة عوامل أخرى مسئولة عن إشاعة هذه الظاهرة، في مقدمتها أولئك الطائفة من الدعاة الذين نشروا هذه الظاهرة في بداية الأمر، وسجلوا فيها الأشرطة، وخطب الجمعة، دون اعتبار وحذر من طبيعة الجماهير القابلة للغلو في هذا الجانب، بالذات جماهير العوام، وللأسف أيضاً أن نقول: طلبة العلم المزعومين الذين خاضوا في هذا الأمر ليل نهار، وصار شغلهم الشاغل، وانصرفوا حتى عن واجبات الدعوة والتعلم إلى موضوع الجن فكان ينبغي على هؤلاء الدعاة أن يراعوا طبيعة العوام -وطلبة العلم الذين هم في الحقيقة عوام وليسوا طلبة علم- أن عندهم قابلية للغلو في هذا الأمر، فإما أن توضع ضوابط لهذا الأمر، أو لا يطرق أصلاً، وكان ينبغي أن يحصل إشراف جماعي من العلماء على هذه الأشياء. كما أن المعالجين أنفسهم كانوا عاملاً أساسياً في نشر هذه الظاهرة، وكذلك المؤلفون الذين ألفوا عشرات الكتب، بل لو أحصاها أحد لسوف تزيد عن المائة كلها تتحدث عن الجن، سوق رائجة لكل من هب ودب ليكتب عن الجن: مغامراته مع الجن، حوار مع الجني المسلم إلخ، نظرت في بطاقته الشخصية فوجدت أن اسمه كبجور، عرفت من أين أن اسمه: كبجور، على أي أساس صدقت؟ هنالك كتاب كامل على هذا الحوار، ما الدليل على صدقه؟ الرسول ﵊ لما قال: (صدقك وهو كذوب) كان يعني ما يقول، فهو الرسول ﵊ مؤيد بالوحي، وقد حكم لنا أنه صدق في هذا، لكن قال: (وهو كذوب) إشارة إلى أن الجني الشيطاني طبيعته الكذب، وذكرها بصيغة المبالغة، فما بالنا نأخذ بكلمة صدقك ونغفل الطبيعة الأصلية، مع أن الصدق بالنسبة إليه استثناء، أما الأصل الذي ينبغي أن نحسبه في كل ما يأتينا به من أخبار فهو: أنه كذوب. إن أشرطة الكاست لجلسات هؤلاء المعالجين ساهمت بدور كبير في إشغال الرأي العام بهذه القضية، بجانب جلسات الشباب فيما بينهم، جلسات السمر والحكايات والمغامرات للجن، ثم أيضاً حضور جلسات العلاج بدافع الفضول، ثم دخلت في هذه الأزقة بعض الصحف الحزبية التي تريد أن تروج ركودها، وتعالج هذا الركود بأن تلفت أنظار الناس بأي شيء، وتطور الأمر حتى صار حزب الأحرار يعلق إعلانات في كل مكان بطريقة عجيبة جداً، ويتسترون وراء القرآن، ويستغلون القرآن مصدة ومجنة لإرهاب الناس، وإياك أن تتكلم؛ لأنك إذا انتقدت المبالغة في هذا فمعنى ذلك أنك تقول: إن القرآن ليس بشفاء، لا، بل القرآن أعظم شفاء لجميع الأدواء بدنية وروحية ونفسية وكل شيء، لكن ليس بهذه الطريقة التي يمارسونها ويفعلونها، ويتسترون وراء كلمة القرآن الكريم ليستروا ويخفوا عدوانهم، وانتهاك حرمات الناس، ويعزفون على الأوتار الحساسة عند الناس.

стр. 2080

حقيقة المس المس حقيقة لا ننكره قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، أما الطب الغربي فهو طب إلحادي من ناحية الإيمان، ولا يؤمن بالله، ولا بالقرآن، ولا يعترف بقول النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فنحن لا نستغرب إذا أنكر هذا، مع أن الطب الغربي في الحقيقة لو احترم الحقيقة العلمية لحكم على نفسه كما يسمي في الاصطلاح الطبي: (إديوفاتك) يعني: غير معلومة السبب، أغلب حالات الجن غير معلومة السبب، فيقفوا عند حدهم، ويعترفوا قائلين: هذا شيء نجهله، فالجان هنا حالة نسبية، لكن ليس من حقه أن ينكر، هذا هو المنهج العلمي، فهذا ليس مجاله، إنما مجاله هو التعامل التجريبي مع الحالات المباشرة، أما أن يغتر الإنسان بما وصل إليه من العلم حتى يصل إلى حد التمادي وينكر حقائق غيبية، فهذا ليس مجاله، وليس تخصصه.

стр. 2081

التوهم من طرق الإصابة بالمس أكثر المرضى يقعون فريسة الإيحاء الذاتي، وهي حالة مثل حالة الهستيريا تماماً، يسيطر فيها على المريض ويوهمه بأن عنده مثلاً الذبحة الصدرية، أو شلل، وهو في الحقيقة ليس مشلولاً، والبعض من كثرة ما سمع الأشرطة، والمحاضرات، وحفظ الحوار والسيناريو بكل دقة، فمجرد ما يقرأ القرآن ينفعل بنفس الكلام الذي سيطر عليه تماماً. وأقوى دليل على ما نقوله من أن أغلب الحالات حالات وهمية: أنك لو سلكت معه وسيلة الإيحاء والتأكيد بثقة أن هذا مجرد وهم تجد نتيجة إيجابية في كثير جداً من الحالات إذا سلكت هذا العلاج الطبيعي، واستخدمت الأسباب العادية في صرفه عن هذا الوهم، وإقناعه بأن الموضوع لا يعدو أن يكون وهماً سيطر عليه ليس أكثر، وأنه سليم تماماً ومعافى، وأن عنده أعراض واقعية، ونحن لا نقول: إنه يكذب، فقد يحس بخفقان في القلب أو عرق أو اضطراب أو غير ذلك من أعراض القلق المعروفة، لكن هذا له تفسير آخر معقول جداً، فالأعراض موجودة، لكن سببها ليس الجن، أو مرضاً عضوياً، سببها هو مرض نفسي؛ لأن مركز الخوف في المخ بجوار المركز العصبي الذاتي، فإذا اشتعل هذا أثر على الجهاز العصبي الذاتي الذي بجواره، فتحدث هذه الأعراض؛ لأن المركزين متقاربان، لكن هذه الأعراض سببها الشخص نفسه، وليست سبباً عضوياً، وهذه الأشياء معروفة؛ فإتقان التشخيص ينعكس على العلاج الصحيح؛ لأن أغلب الناس إذا دخلوا في هذا الخط يدخلون معافين من الجن، وإذا بهم في النهاية يخرجون وقد لبسهم مائة جني بسبب المعالجين وجهلهم وانحرافهم في التشخيص، كما قال الله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]، فيتمادى الجن، وبالفعل يتسلطون عليهم.

стр. 2082

عودة الأفاضل إلى الطريق المستقيم هذه ظاهرة تستحق التسجيل، ولها دلالتها، وهي: أن أغلب من فيهم الخير لا يستمرون في هذا الخط، فبعد وقت معين يبدءون في التراجع؛ لأن فيهم خيراً، وهناك أشخاص كان يشار إليهم بالبنان في علاج هذه الحالات، ثم إذا بالواحد يندم على ما فعل وعلى خوضه في هذا المجال، ويقطع صلته به تماماً، ويشتكي من العناء الشديد، وهناك آثار لهذه الظاهرة على المعالج نفسه، وهي أن الجن يضحكون على بعض الشباب، فقد كان أحدهم يعالج حالة من الحالات يقول له: سوف يحضر فلان يقرأ عليك، فيصرخ الجني قائلاً: لا لا إلا فلان أنا لا أقدر عليه، سوف يحرقني بالقرآن. يريد الجني أن يفتنه، ويزيد انشغاله بهذه القضية، ويتوهم في نفسه أنه قاهر الجان ولا حل ولا قوة إلا بالله.

стр. 2083

بُعد السلف عن الاحتراف بالقرآن لما كان هذا المجال غامضاً فإن السلف ما اشتغلوا به بهذه الطريقة، وما فتحوا العيادات التخصصية لعلاج الجن، ولا مراكز علاج بالقرآن، ولا جلس أحدهم في مكان ما ينتظر الناس يتقاطرون ببابه، ويكتب أحدهم إعلانات وكروتاً تعجب من بياناتها الوظيفة: معالج بالقرآن الكريم، والكشف: عشرة جنية ويدفع مقدماً، والحجز مقدماً، وكأنها عيادات، من فعل هذا من السلف يا من تنتسبون إلى السلف؟! كان سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه مجاب الدعوة، والرسول ﷺ دعا له أن يستجيب الله دعوته، وكذلك أويس القرني وما فتح أحد منهم مركزاً لعلاج الناس، ولا تفكر محتجاً بقوله: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، صحيح أن الرقية مشروعة، لكن هذا الغلو هو الذي يجب أن يوقف عند حده؛ لأننا كثيراً ما نبدأ من حيث انتهى الشرع، ونتمادى في الإفراط أو في التفريط، فالسلف كان فيهم من هو مجاب الدعوة، لكن ما فتح أحدهم مركزاً للعلاج، ولا قال: تعالوا إليّ، وأنا أدعو لكم، وأفعل بكم كذا وكذا. إن هذا الموضوع يكتنفه الغموض والضباب، وعدم وضوح الرؤية من بدايته إلى نهايته، الواضح فقط هو ما تقيد بالقرآن والسنة من الرقية الشرعية المنضبطة والملتزمة بضوابط الشرع، كإنسان قابل رجلاً صالحاً فلا بأس أن يطلب منه أن يرقيه، هذه الأشياء هي التي قام عليها الدليل، أما كل ما عدا هذه الأشياء التي يخوضون فيها فلا يسندها دليل، وقد لا نجد دليلاً قاطعاً نستطيع أن نجزم به أن هذه حالة مس جني. نعم. هناك حالات قليلة فعلاً يتضح فيها بجلاء أنه مس، مثلاً: شخص أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا معروف عنه تماماً، ثم إذا به يتكلم لغة إنجليزية في غاية القوة بصوت رجل أو امرأة أو غير ذلك مما يخالف جنسه، فهذه أدلة واضحة حسية نسمعها في الأذن، وكلام حسي يدل على أن هناك جناً بالفعل. لكن هذه حالات قليلة، أما إذا كان الواحد يتكلم بصوت طفلة أو امرأة، فلربما أن المريض نفسه يقلد هذه الأصوات، فقد سمع أخباراً طويلة عن هذا، وحافظ كل الكلام اسمك ماذا؟ اسمي كذا، تسلم أم لا؟ تخرج أم لا؟ أنا أحبها ولا أريد أن أفارقها وتنتهي الحالة في الآخر إلى ما يشبه الأوهام فقط، وهذه الأشياء تعرفونها. ذكرنا أيضاً بدع المعالجين وأحوالهم، وكيف أنهم توسعوا في موضوع الرقى والنشرة حتى دخلوا منطقة السحر المحرمة، والأخذ بأساليب السحرة كما سنفصل إن شاء الله.

стр. 2084

اتخاذ العلاج بالقرآن حرفة ومهنة خلاف هدي السلف ظاهرة احتراف العلاج بالقرآن الكريم ظاهرة جديدة، وانتشرت بطريقة ليست من سلوك السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في شيء، وقد فتح هؤلاء باباً عظيماً جداً من أبواب الفتنة، وهو فتنة النساء، وكيف أن الشيطان يستجلب بعض هؤلاء الناس؛ ولأن العوام جهلة، ممكن لا مرأة أن تأتي بمفردها، ثم يخلو بها، وبحجة العلاج يرتكب معها جرائم توجب الحد، وكبائر الذنوب بحجة العلاج بالقرآن الكريم، حتى يصل الحال ببعضهم أن يدهن الجسد بدون حائل عن طريق هذا الزيت الذي قرأ عليه، فهل يطمع الشيطان في أكثر من هذا اللعب بعقول الناس، وتوريطهم في أكبر هذه الكبائر؟! ذكرنا أن بعض المرضى مصاب حقيقة بالمس، وهذه نادرة وقليلة جداً بالنسبة للكم الهائل الذي نراه ونسمع عنه، وبعضهم يكون مرضه نتيجة الوهم الهستيري المسيطر عليه، فيتقن تمثيل الدور الذي قرأ فيه كثيراً، وسمع فيه أشرطة، وتكلم فيه كثيراً، وبعضهم يكذب متعمداً الكذب لمصلحة شخصية، كما في قصة الشاب الذي شك أحد الحضور في أنه متلبس بالجن، وكله نفس الكلام، أنت من؟ أنا سلمان بن أبي سليمان، أأنت نصراني؟ هل تخرج وتسلم؟ سوف أسلم وأشهد الشهادتين، ثم بعد تلك القصة الطويلة العريضة، قال أحد الحضور أنت كذاب، قال: نعم، الحقيقة ليس بي مس جن، مع أن الكذب راجع على الذي يعالجه، وراج على الحضور جميعاً، لكن هذا الأخ كان عنده بصيرة، فقال له: فعلاً أنا أمثل؛ لأن بيني وبين أبي بعض المشاكل، فأريد منه أن يخفف عني الوطأة قليلاً، فادعيت أنني ملبوس. كذلك قصة تلك التي كانت تشتكي من زوجها البخيل، قعد أحد المعالجين يعالجها بنفس المراحل، وفي النهاية بعدما لم ير أي تحسن في الحالة، قال لها: ما الأمر؟ لأنه لا يرى أي استجابة للعلاج، فقالت: أنا في الحقيقة أفعل هذا وأمثل أنني ملبوسة نتيجة أن زوجي رجل شديد البخل حتى أنه يقيس الزيت بالمسطرة.

стр. 2085

الطريقة المثلى للتعامل مع غيبيات عالم الجن علاقة أهل الإيمان بالشياطين علاقة القهر والإذلال كما روي في الحديث -وإن كان فيه ضعف- عند الإمام أحمد في مسنده: (إن المؤمن لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر)، يعني: كما تأخذ بناصية البعير وتقهره وتذله، فكذلك المؤمن يفعل بشيطانه يقهره ويذله، لا أن يخاف منه، وبعضهم قال: ينضي: يجعله هزيلاً. المؤمن كثير الذكر لله مما يجعل الشيطان هزيلاً ضعيفاً لا يجد فرصة لأن يتغذى ويسمن. أليس إبليس -الشيطان الأحقر- هو الذي فر يوم بدر صارخاً فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٨]، ساعة الجد يخذلهم، فما بالك بجنوده، هم أضعف وأذل وأحقر، فالمخرج والبديل هو أن نحقق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] فنقول للناس: اتخذوه عدواً، إذ لا تصلح معه هدنة، ولا الإحسان إليه، ولا المصانعة ولا المداراة، لا يصلح مع إبليس إلا طريق واحد فقط هو: اتخاذه عدواً، ومعنى اتخاذه عدواً: ألا نطيعه في معصية الله . فمن هذا المدخل نقول للناس: التلفاز كله فساد، وإذا أردت أن تطيع الله ينبغي أن تحمي نفسك من فساده، تضييع الصلاة كفر ونفاق وكذا وكذا، لماذا نحن نربط التزامه بالعلاج؟ بمعنى: أن بعض الناس إذا لم يلق فائدة ربما رجع إلى التلفاز، فنحن لا نطيع الله ونلتزم بالدين إلا على أساس العلاج، فإذا قضيت الحاجة تركنا ذلك لا، المفروض أن تكون دعوة الداعية والمعالج إلى العبودية لله ، وليس إلى تحصيل هذه المصلحة، فنتذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] الكل يبحث على السحرة للعلاج من مس الجن، والفرج لا يأتي إلا من الله ، أين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وأين قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] استعن بالله بالدعاء وبالذكر وبالاجتهاد في الطاعة يكشف ما بك من شر، وقال تعالى حاكياً عن حبيب النجار: ﴿إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] وغير ذلك من النصوص. أيضاً من التنبيهات المهمة: أنه ينبغي أن نتعامل مع هذه الحالات بصفتنا بشراً، ونتعامل مع الواقع الذي نحن فيه، فإذا أصبت بمرض فاذهب إلى الطبيب المختص، فبسبب تدهور فكرك تسلط عليك الجن، ولهذا كثيراً ما يهرع الناس ابتداء إلى المعنيين بعلاج المس دون أدنى تمييز أو تفرقة بين الساحر والمشعوذ، وبين من يعالجون بالقرآن الكريم، وترك الأسباب المعتادة مثل: الذهاب إلى الأطباء المتخصصين في الأمراض العضوية والنفسية. كذلك نجد انعكاسات سيئة لهذه الظاهرة وردود أفعال مشينة بصورة غير عادية كالإعلان الذي ينشره أصحاب حزب الأحرار عن علاج فشل الخطبة المتكرر، فلو أن واحدة خطبت وفشلت الخطبة، أول شيء تهرع إليه هو التفكير في سحر ما تقليداً للنساء، وهذا كله من أساليب العجائز من النساء الجاهلات، ثم صارت هذه الأساليب معترفاً بها حتى بين الرجال، وصار من المألوف أن المرأة إذا خطبت أكثر من مرة ولم توفق أن يعتقد أن فيها سحراً، وأن خطيبها الأول هو الفاعل، وكلام كثير بهذه الصورة المعروفة، بينما نحن نتعامل مع الواقع ومع الحقيقة ونبحث عن الأسباب، ولعل هذا الخاطب من النوع المتلاعب وغير الجاد، وربما الزواج لم يتم لأنه عاجز عن تقديم مستلزماته، أو أن الفتاة نفسها لا ترغب في الزواج، فالأولى أن يبحث عن السبب الحقيقي الذي أدى إلى ذلك نتجنبه، أما أن ندخل في مجال غامض ومبهم ولا حدود له ونقول: سحر أو ليس بسحر، ونفتح باب شر نحن في غنى عنه؟ لا. ومن باب ما نظن أنه مصلحة نقع في الشرك عن طريق الذهاب للسحرة والمشعوذين، فينبغي على الإنسان أن يتعامل مع الأسباب المعتادة؛ فإن اعتراك مرض تذهب إلى الطبيب. وأصبح من المعتاد جداً أن يسمع الواحد منا جنايات بمبررات غير سائغة، وأذكر أن أحد الإخوة سألني مرة فقال لي: الأخت كانت نفسيتها تعبانة قليلاً، فضربتها على رجلها ليخرج الجني، وكسرت لها أصبعها، ويتكلم وكأنه شيء معتاد، وكأنه لم يعمل جريمة، ويحكي ويسترسل في الحديث كأن الأمر ضيافة لها وكرامة. والرسول ﵊ يقول: (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)، أنت مسئول عن هذه الجناية، ولولا غياب الشريعة الإسلامية، والتغاضي عن مثل هذه الأخطاء لعوقب هؤلاء العابثين بصحة الناس وبجوارحهم عقوبة شديدة، ولا شك أن الإسلام بريء من كل هذه الفوضى.

стр. 2086

بين الطب والعلاج بالقرآن خلاصة الكلام يذكره أحد الأخصائيين النفسيين من ذوي الاستقامة، يقول: إن حالات تلبس الجن ثابتة في الكتاب والسنة، ولكنها ليست بهذه الكثرة، والممارس لمهنة الطب النفسي يلاحظ أن معظم الحالات التي تتردد للعلاج لها مسار مرضي محدد، وتسلسل منطقي واضح، واستجابة معقولة للأدوية المتاحة رغم حصولها، فقط يكتفي بالعلاج إذ إن العلامات واضحة كلها تماماً وتبين ما إذا كانت أعراض مرض نفسي أو مرض عضوي، والطب النفسي الآن ليس كما كان من قبل، الطب النفسي الآن عبارة عن (١ + ١ =٢)، فيوجد وضوح كامل في قواعد التشخيص وعلاماته بعد التقدم الهائل في هذا المجال، فلا يصح أن نسيء الظن في هذا المجال الذي عظمه الشرع، وحثنا على السعي إلى أهل الخبرة والثقة من الأطباء. ثم يقول: وإذا كانت هناك نسبة من الأمراض النفسية ما زالت أسبابها الحقيقية غامضة، فهذا يدعونا إلى البحث والدراسة والوصول إلى أسبابها، وليس أضر علينا من تفسير كل الأمراض على تلبس الجن أو السحر أو الحسد؛ لأن ذلك يوقف حركة الاجتهاد والبحث البشري، ولو كان الحال هكذا لما اكتشف علاج مرض واحد. ويقول أيضاً: من الصعوبة على أي شخص أن يجزم بأن حالة معينة هي من تلبس الجن، ولم يثبت عن الرسول ﷺ أنه عالج كل الحالات على أنها تلبس جن أو سحر أو حسد، ولكنه عالج بكل الوسائل: عالج بعض الحالات بالعسل، وعالج بالكي، وعالج بالحمية، وعالج بالحناء، وعالج بالعصابة للرأس إلخ، وأمر صحابته بالذهاب إلى الطبيب مع أن دعاءه ﷺ مستجاب، ولكنه يعلمنا الأخذ بالأسباب. إذاً: التعميم والتعتيم الذي يمارسه بعض المعالجين الآن ما هو إلا جهل بالدين أو بالطب أو كلاهما معاً. ثالثاً: أن رسول الله ﷺ قال: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد)، وما يفعله الكثيرون من المعالجين البدائيين اليوم لا يخرج عن كونه عرافة أو كهانة؛ لأنهم يجزمون بتلبس الجن، والجن غيب عنا، والجزم بالغيب عرافة، وإذا كان بعضهم على علم فالغالبية على درجة شديدة من الجهل، وإذا كان بعضهم تقياً فالغالبية على غير الجادة، وليس هناك رقابة على ممارساتهم لذلك، فالمريض المسكين حين يذهب إلى أحدهم فهو يرمي نفسه في المجهول. رابعاً: أن الاستعاذة من الجن ومن السحر ومن الحسد أمر يسير علمنا إياه رسول الله ﷺ بقراءة المعوذتين، وآية الكرسي، وباقي الآيات في الصباح والمساء، وبتقوية العلاقة بين الإنسان وربه دون الحاجة إلى وسيط، وهذه الأدعية يقرؤها الشخص المريض على نفسه أياً كان نوع مرضه، أو يقرؤها عليه أحد أقاربه أو أصدقائه، ولا يكون هناك شخص بذاته يتولى هذه المهمة ويتخذها وظيفة وإلا أصبحت كهانة صريحة. خامساً: ليس هناك ما يمنع من الجمع، بل إنه من الضروري الجمع بين أخذ الدواء الذي يفرضه الطبيب المتخصص، وبين الدعاء وقراءة القرآن والرقية الشرعية، لا مانع على الإطلاق بجانب الأسباب العادية أن تتعاطى العلاج بالقرآن الكريم وبذكر الله ، وبالرقية الشرعية التي علمنا إياها رسول الله ﷺ ، فكل هذا من أمر الله وقدره وعلينا أن نحارب القدر بالقدر، سواء قدر التداوي بالأدوية، أو التداوي بالقرآن الكريم الذي قال تعالى فيه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]. أما الأخذ بشيء مع إهمال باقي الأشياء فهو من قبيل النقص، فالإنسان جسد ونفس، ولا يمكن الفصل بينهما، وللجسد ما يفيده وللنفس ما يلائمها. يقول أيضاً الدكتور عبد الستار أبو غدة في بحث له قيم جداً حول هذا الموضوع، نلتقط منه بعض العبارات بسرعة، يقول: الأصل في المرض -أي: مرض كان- أن يبحث عن دوائه في الأسباب الكونية الظاهرة المقدور على فهمها وتفسيرها، ولذا لا يصار للبحث عن علاج آخر إلا عند العين، وسنرى أن الحالات المنقولة في السنة كلها فيها الإشارة إلى أن ما بهؤلاء المرضى قد أعيا الأطباء علاجهم، على أنه لا ينافي هذا أن يحصل الاقتران بين العلاج المادي والروحي الذي لا يتنافى اجتماعه مع الأخذ بالأسباب الظاهرة، ذلك أن الالتجاء إلى الله وسؤاله شفاء مريض مصاب بمرض غير معروف، والرقية له لا يقتصر على حالة العجز عن تحقيق الشفاء، وهذا الفصل أيضاً غير مرغوب في الإسلام، أما أن نعتمد فقط على الأدوية، ونهمل جانب الرقية والعلاج بالدعاء وبالذكر، واضح أن الإنسان بدن ونفس وروح، البدن يعالجه الطب، والروح يعالجها القرآن، وليس فيه داعي أبداً للفصل بين هذين الركنين، فالالتجاء إلى الله ، وسؤاله شفاء مريض مصاب بمرض غير معروف لا يقتصر على حالة العجز عن تحقيق شفائه، بل إن ذلك الالتجاء يرافق عملية العلاج للمرض، سواء حصل الأمل بشفائه أو العجز عنه، إنما لا يسوغ الاقتصار على العلاج الروحي ويترك الأخذ بالأسباب الأخرى التي وضعها الله في صورة قوانين طبيعية، وجاءت الشريعة بالتأكيد على أن الأخذ بها لا ينافي التوكل على الله، بل إن عدم الأخذ بها عجز وتواكل منهي عنهما شرعاً، ومستنكران عقلاً وطبعاً. يقول أيضاً: إن الإقدام على وسائل العلاج الروحي الزائدة على الدعاء والتعوذ والرقية من غلظة وشدة وانتهار وتهديد من المعالج موجهة في الظاهر للمريض يحل ذلك لا يحل إلا بعد أن يثبت أنه لا علاج له في الطب، أي: حتى يستيقن أن سبب هذا المرض غير عضوي، وأن يكون المعالج موقناً أيضاً بسلامة تصرفه، وأن تكون عاقبة ذلك مصادقة لما رآه، وإلا لم يكن بمنجاة من القصاص والتعزير، ثم ذكر أموراً من المعوذات المعروفة، والاستعاذة من نزغات الشياطين، وقراءة المعوذتين، وقراءة آية الكرسي، وسورة البقرة، والآيتين من سورة البقرة إلى غير ذلك من الأذكار المعروفة في هذا المجال. ثم وجهت إلى الدكتور: عبد الستار أبو غدة في نهاية هذا البحث بعض الأسئلة -لأنه كان يحاضر بعض الأطباء- فسئل من أحدهم: نحن نعتقد بالجن باعتبارنا مسلمين -والتعبير هذا أدق فقول: (باعتبارنا أو بصفتنا) أولى، ولا داعي إلى كلمة (كمسلمين) التي تقتضي التشبيه- إلا أنه ما الدليل المستخرج من الشريعة على أن الجن قد يسببون الأمراض، وخاصة الأمراض العقلية النفسية؟ وما هو الدليل على أن الشفاء يتم باستخراج أو طرد الجن؟ الجواب وردت بعض الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن الجن قد يتسلطون على ضعاف الناس، ويسببون لهم أحوالاً مرضية لا يجدي فيها العلاج الطبي، وورد أن بعض هذه الحالات عولجت بتقوية نفس المصاب، وذلك بالتعوذ بالأدعية، وزجر الجني المتسلط عليه، ولا يقوى على ذلك إلا من كان قوي الإيمان والعزيمة، حتى يكون سلطانه على الأنفس الشريرة أقوى من سلطانها، فإذا تخلص المصاب مما كان يعانيه، دل ذلك على جدوى العلاج، هذا وإن درجة هذه الأحاديث تصلح للأخذ بها عملاً، ولم تصل إلى درجة أن يبنى عليها اعتقاد، يبدو أنه يقصد عدم التواتر وهذه قضية أخرى. السؤال كيف نتعرف على أن الجني مسيطر على شخص ما؟ الجواب إذا أصيب الإنسان بمرض، أو خلل في جسمه أو عقله، فإن السبيل الذي دعت إليه الشريعة هو الرجوع إلى المختصين من الأطباء، فإذا لم يُجدِ العلاج الطبي فإن من المحتمل أن يكون سبب الإصابة أو المرض غير عضوي، فيضم إليه العلاج الروحي مثل: الأدعية والأذكار وتقوية نفس المصاب، والتغلب على تسلط النفس الشريرة المؤثرة عليه. السؤال ما حكم تعلم كيفية التخلص من الجن؟ الجواب: ليس هناك أمور خاصة تحتاج إلى تعلم أو تعليم، بل كل ما يحتاج إليه العلاج هو الدعاء بالأدعية المأثورة، وترداد الأذكار الواردة، مضافاً إلى ذلك صلاح المعالج وتقواه وقوة نفسه. يقول أيضاً: إن الجوانب الروحية والدينية في علاج الأمراض عامة والنفسية منها بخاصة هي العنصر الدائم في العلاج مهما تبدلت الوسائل الأخرى الخاضعة لمعطيات التجارب والكشوف. أيضاً في كلامه عن العلاجات الروحية الغيبية يقول: ومن الواضح أن العمل بالشيء أو تركه للآخر غير التصديق والجحود، ويقول: حين نقرر العلاج الروحي وتوقع بعض الصور الغيبية لا نلتزم ولا نقبل من صوره إلا ما ثبتت شرعيته بالنصوص الصحيحة، بعيداً عن الخرافات والأوهام، وذلك منهج واضح؛ لأن الإسلام قد وضع الأسس الكفيلة لإبعاد صور الدجل والاستغلال التي يخترعها كثيرون ممن يستغلون حال ضعف المريض واستسلامه لكل من يلوح له بالعلاج، وإن تسليط الأضواء على المنهج الصحيح كفيل بإزهاق الباطل حتى يذهب الزبد جفاء، وبإحقاق الحق حتى يبقى، وهو ما كان قائماً على أدعية وتعويذات مشروعة وهادفة، ولابد أن يؤدي إلى تراكم الشوائب التي علقت بهذا العلاج بسبب الغموض الذي يستغله بعض المشعوذين. إن ما جاء في الطب النبوي من علاجات روحية في المرض والوجع واللدغة والإصابة بالعين مما صح في الأحاديث كله قائم على دعاء الله مباشرة دون وسيط، بأن يلزم الإنسان سواء السبيل للوصول إلى العلاج الناجح، (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ، وهذا الدعاء يصدر من المريض أو ممن يتوسم فيه استجابة دعائه بعيداً عن حمل التمائم والحجب. ثم يقول أيضاًً: وهناك شعار يمكن رفعه في الدعوة إلى رحابة الصدر بهذا العلاج، وهو مستمد من قول النبي ﷺ تعقيباً على استعراضه بعض الرقى المتداولة، وإقرار ما كان منها خالياً من الشوائب المخلة بالعقيدة أو السلوك الإسلامي، حيث قال ﷺ : (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وإن تسليط الأضواء على هذا النوع من العلاج إباحة للنفع، كما أن من ينكر عن جهل مضمونه ومستنداته يوصد باباً للنفع، ويصد عن سبيله. وهنا يرد على الأطباء الذين ينكرون العلاج بالقرآن والذكر وبالعلاج الروحي، يقول الرسول ﷺ : (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، ما دام فيه انضباط بالضوابط الشرعية المعروفة، وسد هذا الباب وإغلاقه على الناس يعد م

стр. 2087

سلسلة حول دخول البرلمان_طريق البرلمان الرأي والرأي الآخر الأصل في دخول الدعاة إلى البرلمان للإصلاح والدعوة المنع؛ لأن في الدخول مفاسد كثيرة، وتنازلات عديدة، وقد أثبتت التجارب الكثيرة المتتابعة أن هذا الطريق شره أكثر من خيره، وأضراره أكثر من منافعه، ومن أبى إلا الدخول فلا نضلله؛ لأن دخوله مبني على اجتهاد ونظر، وهو أيضاً لا يجوز له أن يضلِّل من خالفه، والواجب علينا أن نعذر بعضنا بعضاً في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف.

стр. 2088

الإسلام دين ودولة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: (تنقض عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة)، والشاهد من هذا الحديث قول النبي ﷺ : (فأولهن نقضاً الحكم) وفي هذا دليل على أن الإسلام دين ودولة، وأن الاشتغال بالسياسة بالمفهوم الإسلامي هو من صميم هذا الدين، بل -كما قال النبي ﷺ من عرى هذا الدين، فأول عرى الإسلام نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة، وقال النبي ﷺ : (من مات وليس في عنقه بيعة فميتته ميتة جاهلية) يعني: بيعة للحاكم المسلم. هذا، ونحن نتعرض لموضوع الساعة وهو ما يتعلق بالعمل السياسي في المفهوم الإسلامي فلا ينبغي أن ننحصر في مفهوم الحكم، فإذا قلنا: العمل السياسي في الإسلام فلا نعني فقط ما يتعلق بالحكم، وإنما مصطلح العمل السياسي أوسع بكثير من مجرد الحكم، فالسياسة تشمل قيادة الناس، والاهتمام بالأمور العامة، وشئون الحكم منها، وعلاقة الدول بعضها ببعض، وغير ذلك. فمن المسلمات التي لا يقول بعكسها إلا من ليس له حظ في الإسلام أن الإسلام دين ودولة، وربما لم يجتمع وصف الرسالة مع وصف الحكم والملك إلا للنبي ﷺ ، وقد اجتمع وصف نبي وملك في حق داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام, أما رسول بجانب الحكم والقيادة فالوحيد الذي جمع بينهما في أكمل صورة هو رسول الله محمد ﷺ ، فقد جمع بين مهمة الدعوة والبشارة والنذارة، وبين ممارسة واجبات الحاكم والسيادة، فقد كان هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﷺ ، وفي نفس الوقت كان حاكماً وقائداً وليس مجرد مرشد أو مبلغ كما يدعي البعض, بل كان حاكماً كما قال له الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال له : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] إلى آخر الآية، وكان قائداً كما قال الله له: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٨٤]، بل عاتبه الله في إذنه للذين استأذنوه في التخلف عن الجهاد فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، ومارس القيادة العسكرية حينما عين أسامة بن زيد ﵄ قبل وفاته مباشرة لغزو الروم, وقال ﵊: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) إشارة إلى اختيار النبي ﷺ له للخلافة.

стр. 2089

الآثار المترتبة على غياب الخلافة الإسلامية لقد مارس المسلمون السياسة في عهود الخلافة لمدة تقارب الثلاثة عشر قرناً، ابتداء من أروع أنموذج للخلافة الراشدة بعد النبي ﵊ في عهد الخلفاء الراشدين، ثم في عهد بني أمية، ثم في عهد بني العباس، ثم في عهد بني أيوب، ثم في عهد بني عثمان, على تفاوت في درجة الالتزام بالشريعة كمرجعية إسلامية بصورة كاملة، ولا شك أن الأنموذج الأمثل للسياسة كان في عهد الخلفاء الراشدين، ثم بعد ذلك كانت المسألة نسبية، لكن بقي الإسلام هو الإطار المرجعي العام الذي يتحاكم إليه المسلمون بلا نقاش ولا خلاف أو انحراف بينهم في ذلك، حتى سقطت الخلافة العثمانية في سنة (١٩٢٣م) , والخلافة كانت قد آلت إلى مراحل من الضعف نتيجة الانحراف عن الشريعة الإسلامية في فتراتها الأخيرة, التي ظهر فيها الانحلال والتدهور، فكانت مهيأة للسقوط, فما فعله أتاتورك هو أن الجدار كان آيلاً للسقوط فهو دفعه بيده فسقط ولو كان جداراً متيناً لما سقط بتلك السهولة، لكن كانت هناك أسباب أخرى للضعف انتهت بانهيار الخلافة العثمانية وغيابها، لكن كان المسلمون حتى في حالات الضعف يعزون أنفسهم بأن لهم خليفة ولهم بيعة في عنقه، ولهم كذا وكذا، لكن حتى هذا الوضع الشكلي الذي آلت إليه الخلافة العثمانية انتهى بإقصائها تماماً على يد أتاتورك وأعوانه. وأول شؤم بعد سقوط الخلافة وضعف المسلمين في تلك المرحلة هو تقسيم الأمة الإسلامية إلى أقاليم جغرافية متعددة على أيدي أعداء الإسلام من الإنكليز والفرنسيين وغيرهم من أعداء الله ؛ تطبيقاً لمبدئهم المعروف: فرق تسد, وكان الإنكليز وراء ما يسمى بالثورة العربية، وأشرفوا على عملية الانفصال بين الأتراك وبين العرب. والأثر الثاني أن هذه الأقاليم خضع معظمها للاستعمار العسكري الكافر سواء انجلترا أو فرنسا أو إيطاليا أو هولندا أو روسيا، ثم حكمتها حكومات أقامها الاستعمار ممن يطيعه، مما نستطيع أن نسميه استعماراً وطنياً كما هو الحال الآن في العراق، حيث تنتقي الدولة المستعمرة أناساً يقومون هم بالتصدي لتنفيذ سياساتها وأغراضها، فهذا نوع من الاستعمار لكن بأيدي أناس من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. ثم بعد ذلك شرع الكفار المستعمرون في استبدال القوانين الإسلامية والنظم الإسلامية بقوانين كافرة تنافي شريعة الإسلام، وهذه مرحلة الاستعمار التشريعي. ثم بعد ذلك بدأ الزحف إلى مناهج التعليم فغيرت، ونشأت بسببها أجيال تعتنق المفاهيم الغربية وتعادي الإسلام ولا تعتز بالانتماء إلى الهوية الإسلامية، وهذا هو الاستعمار التعليمي والفكري. لقد ألغيت الخلافة الإسلامية تماماً من الوجود, بل صدر في تركيا قانون يعتبر أن العمل لاسترداد الخلافة الإسلامية أو الدعوة إليها جريمة يعاقب عليها, حتى أن أربكان لما أراد أن يرشح نفسه للرئاسة أراد بعض الصحفيين أن يورطه في كلام يطبق عليه هذا القانون فبالتالي يقصى عن النشاط السياسي، فقال له: إذا وصلت إلى الحكم فكيف ستحكم تركيا؟ فاضطر أن يجيب إجابة تصور الخوف والوضع المتردي الذي وصل إليه المسلمون في تركيا, وأجاب إجابة ذكية ليهرب من هذا الفخ الذي نصبه له هذا الصحفي، وفي نفس الوقت يجيب بما يعتقده فقال: سوف أحكم تركيا بالنظام الذي كان يحكمها يوم أن كانت تسود العالم. وكل هذا هروباً من كلمة النظام الإسلامي حتى لا يتهم بأنه يريد إعادة الخلافة! وبعد ذلك جاءت مرحلة نهب ثروات المسلمين واستغلالها وإذلال المسلمين, ثم أتت بعد ذلك مرحلة خروج الاستعمار من بلاد المسلمين، لكنه لم يغادر إلا بعد أن أرسى دعائم استمرار هذه الأنواع من الاستعمار، وترك خلفه واقعاً مغايراً للإسلام يصعب تغييره إلا أن يشاء الله .

стр. 2090

العلاقة بين الإٍسلام والديمقراطية من هذا الركام الذي وصل إلينا من خلال الاحتكاك بالعالم الغربي ومن خلال سفراء الغرب لدينا أو تجار الشنطة الثقافية كما يطلقون عليهم أن نبعت فكرة الديمقراطية كنظام يتبع، وأنه المخرج، وأنه النظام الأمثل إلى غير ذلك, فكانت هذه الفكرة من الأفكار التي وردت إلينا من الغرب، والغرب يحاول تسخيرها ليصل بها إلى مصالحه في البلاد الإسلامية. والديمقراطية لو فرض جدلاً أنها تطبق فإنها نظام وفكرة نابعة من الثقافة الغربية, وهي تعني حكم الشعب نفسه بنفسه، يعني: أن يكون الشعب هو مصدر السلطات, والإسلام يرفض الديمقراطية تماماً باعتبارها لا تتوافق مع عقيدتنا ولا مع ثقافتنا الإسلامية لأسباب كثيرة سوف نفصلها إن شاء الله تعالى فيما بعد, لكن أهم الفروق التي بين النظامين: أن الدعاة إلى الإسلام يقولون: خير الهدي هدي محمد ﷺ , ويقولون: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] , ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] ويقولون: إن الإسلام هو محور الحياة وهو منهج الحياة, امتثالاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، أما دعاة الديمقراطية الغربية فهم يقولون: خير الهدي هدي الغرب! إذاً: يوجد افتراق عقائدي من المنبع ومن الأصل, نحن عقيدتنا أن خير الهدي هدي محمد ﵌, أما هم فيقولون: خير الهدي هدي الغرب, وهو النموذج الأمثل الذي ينبغي أن نتبعه، وهو المخرج، بخلاف شعارنا أن الإسلام هو منهج الحياة, والعبارة التي تشيع الآن وهي (الإسلام هو الحل) هي عبارة صحيحة، لكنها عبارة قاصرة, الإسلام فعلاً هو الحل وهو المخرج كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، لكن هي عبارة قاصرة؛ لأن الإسلام لا ينظر إليه على أنه مجرد حل, بل هو بالنسبة إلينا منهج متكامل للحياة، حتى لو كلفنا الغالي والنفيس, ولو كلفنا دماءنا وأموالنا وأرواحنا فإننا نبذل ذلك طواعية في سبيل إعداده, فعبارة (الإسلام هو الحل) قاصرة، لأن بعض الدول الكافرة قد تدرس النظام القضائي في الإسلام فترى أنه الحل الأمثل فعلاً لمشكلتها فتمتثله, لا طاعة لله ولرسوله، ولا تأخذ به من باب العبودية لله ، وإنما من باب إدراك المصالح التي تتحقق من تطبيق الشريعة الإسلامية, فهم قد يقولون: (الإسلام هو الحل) في جزئية معينة, أما نحن فلا ننكر عبارة (الإسلام هو الحل) إذا أطلقها مسلمون واعون, لكن نقول: هي عبارة قاصرة، وأشمل منها أن نقول: الإسلام هو منهج الحياة المتكامل، ونحن لا نلجأ إليه فقط ليحل مشاكلنا، ونحصد ما يترتب على امتثاله من بركات, وإنما نمتثله حتى ولو كان التزامنا به يكلفنا أرواحنا ودماءنا وأموالنا، فإننا نبذلها في سبيل الله ﵎. أما الديمقراطية فهي تعني حكم الشعب بالشعب وللشعب, فبدل ما يعبد وثن واحد: هبل أو اللات أو العزى, فإن الشعب كله يكون آلهة له حق التشريع والتحليل والتحريم, فالحكم في الديمقراطية للأغلبية أياً كانت نوعية هؤلاء الناس، أما في الإسلام فمفهوم الشورى بالمعنى الشرعي الواسع يخالف هذا، والذين يتخذون القرارات التي تحتاجها الأمة هم الصفوة من أهل الحل والعقد, وهم أولو الأمر كما سماهم الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] , فهم الذين يحددون القرارات المصيرية، ويقودون الأمة للخير، أما أن يكون الحق لكل الناس وآحاد الناس فهذا يتعارض تماماً مع شريعة الإسلام, نعم توجد أغلبية في الإسلام, ولكنها أغلبية الصفوة من العلماء والفقهاء والحكماء والقادة العسكريين والخبراء ونحوهم في كل مجالات الحياة, فالصفوة المنتقاة هم الذين تراعى أغلبيتهم، وليس رجل الشارع الذي أشار إليه النبي ﷺ قبل الساعة في قوله: (ينطق الرويبضة, قيل: ومن الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمور العامة). هذه إشارة عابرة في حكم الديمقراطية، فبيننا معشر المسلمين وبين الغرب اختلاف في الثقافة، فإن الغرب له موقف من الدين بناء على تجربته السابقة في القرون الوسطى المظلمة، حيث عانى فيها الغرب عناء شديداً جداً من تسلط الكنيسة وظلمها وقهرها للناس ومحاربتها للعلم وفساد العقيدة التي كانت تدعوهم إليها مع تصادمها مع الفطرة, فكان رد الفعل أن ثار الغربيون على الكنيسة وأقصوها عن الحياة ورفعوا الشعار المعروف: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس, أما عندنا فالإسلام دين العلم, ودين الفطرة, ودين التوحيد, ولا يوجد أي مسوغ لأن ننادي بفصل الدين عن الحياة؛ لأننا لم نعرف مثل هذا النوع من الحكم القهري الظالم المتسلط الذي يحارب العلم ويحارب التطور ونحو ذلك؛ ولذا فإن الغرب لما تخلى عن عقيدته الفاسدة تقدم, فتم الربط بأن التقدم لا يكون إلا بالتخلي عن الدين, وحصل نوع من التعميم الظالم لهذه القاعدة, والحقيقة أن هذه القاعدة تنطبق على كل الأديان ما عدا الدين الإسلامي, فكل الأمم غير أمة الإسلام إذا تمسكت بدينها تقهقرت, وإذا تخلت عن دينها تقدمت في علوم الدنيا، فمثلاً اليابان لما حصل منهم تمرد على عبادة الإمبراطور، وتخلوا عن عقيدتهم, وفصلوا دينهم عن دولتهم؛ تقدموا وترقوا, وكذلك الغرب لما تخلى عن العقيدة النصرانية المحرفة تقدم وتطور، أما المسلمون فإنهم يعاملون من الله معاملة خاصة, يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، فكلما تمسكت الأمة بدينها ترقت وقويت, وكلما تخلت عنه ذلت وضعفت كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، فهذا قانون؛ لأن تركنا لدين الله كفر بنعمة الله , فإن كفرنا بنعمة الله ورفضنا ديننا ولم نحترم شريعتنا فإننا نعود إلى ما كنا عليه قبل الإسلام في مؤخرة الأمم وفي ذيل الأمم.

стр. 2091

نظرة التيارات الإسلامية في دخول البرلمانات مشاركة الدعوة الإسلامية في البرلمانات أو الاندماج عموماً في العمل السياسي فيها أقوال كثيرة سنفصلها فيما بعد إن شاء الله تعالى, فمن قائل: إنها وسيلة دعوية فعالة يمكن تطويعها لخدمة الإسلام، ومن خلالها يمكن التصدي للمنافقين وأعداء الإسلام؛ لإزاحتهم عن الصدارة ليتولى الأمور من هم أحق بها وأهلها, ومن قائل في الطرف الآخر: إن هذا الاندماج في العمل السياسي أو في البرلمانات وتعليق الآمال على مثل هذه الأساليب هو نوع من السراب، ويؤيدون قولهم بأن التجربة طويلة حتى الآن, ومع ذلك ما أتت بفوائد كما يطمح إلى تحقيقها من خلال هذا النوع من النشاط. ومعرفة الراجح من هذا الخلاف مهم جداً؛ لأن الخلاف في مسألة واحدة ويقول فيها فريق: إنها واجبة، والآخر يقول: إنها حرام، ولو كان الخلاف في شيء يقول فريق عنه: إنه مكروه، ويقول الفريق الآخر: إنه حرام, أو يقول بعضهم: إنه واجب، والآخر يقول: إنه مستحب؛ لكان الأمر أهون، أما خلاف في شيء واحد وفريق يقول: إنه واجب ومحتم، والآخر يقول: إنه حرام ويأثم من فعله؛ فهذا النوع من الخلاف مما تتنزه عنه الشريعة, لكن باختصار شديد نقول: إن الأقرب -والله تعالى أعلم- أن دخول البرلمان الأصل فيه الحظر، والدخول فيه نوع من الرخصة بشروط, والأصل الحظر للمحاذير الشرعية الكثيرة في الدخول في مثل هذه المجالس، لكن أقصى ما يمكن أن يقال: إن دخولها رخصة مشروطة بشروط كما سنبين ذلك إن شاء الله ﵎. والكلام في هذا الموضوع فيه شيء من التحفز والانفعال لكثير من الناس، وعندما نختلف ينبغي أن يكون خلافنا راقياً ومنضبطاً بآداب الشرع الشريف، فنحن لا نتناول القضية في ظل الانفعالات العاطفية والتحفز الذي قد يئول إلى تهارج وإلى تناكر، لكن نقول: إن قضية الترشيح لدخول البرلمانات لأجل التمكين للدعوة الإسلامية اختلف فيها العلماء المعاصرون، والتيار السلفي في الأعم الأغلب من حيث المبدأ يرفض الخوض فيها بإيجابية، وهذا الموقف في حد ذاته ناشئ عن اعتبارات سوف نذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل فيما بعد, فالذي يتحصل باستقراء مواقف علماء السلفيين عموماً في هذه القضية هو رفض الدخول كدعوة، لكن ممكن السكوت عن مشاركة أفراد وآحاد من الناس، فنحن مع ترجيح القول بتجنب المشاركة في هذه البرلمانات لكننا لا نضلل المخالف, وفي مثل هذه القضية لا يضلل المخالف؛ لأن سلوكه وموقفه ناشئ عن اجتهاد فقهي ونظر مصلحي, وينبغي أن تتسع صدورنا لاستيعاب أدلته وفهم وجهة نظره, فالمخالف لا يدخل وهو يقول: إنني أعطي حق التشريع للشعب ليحل أو يحرم, لكنه يقول: أنا أدخل؛ لأن نص الدستور أن الدين الرسمي للدولة هو دين الإسلام، وبالتالي ينبغي أن نلزم هؤلاء الناس بالالتزام بهذه المادة وتطبيقها، ونطالبهم بأن يغيروا كل شيء إلى ما يوافق هذا النص، حتى لا يصبح مجرد نص صوري شكلي لا أثر له في الناحية الواقعية. وللأدلة التي يذكرها من يحرمون الدخول في البرلمان أجوبة عنها للفريق الآخر سوف نذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل فيما بعد، لكن من أهم الاعتبارات الموجودة عند أغلب السلفيين لرفض الدخول في مثل هذه الأنشطة, هو الجانب الاعتقادي، فأخطر ما في الموضوع هو أن الشعب يكون مصدر السلطات, فعند المسلمين أن الله هو الحاكم وهو مصدر السلطات، قال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠] , فهذا المجلس التشريعي قائم على الديمقراطية, وقائم على إعطاء حق التشريع لهؤلاء البشر. أمر ثان وهو: أن السياسة تعتبر لعبة، وليست لعبة بمعنى تهريج, لكن لعبة بالدين، لها قواعد وقوانين تحكمها, فالسياسة تقوم على المصالح ولا تعرف المبادئ, تعرف القاعدة المكيافلية: الغاية تسوغ الوسيلة, وما أكثر الأساليب الحزبية والسياسية المعروفة, والواقع في عامة البلاد الإسلامية أن دخول هذه الحلبة والمشاركة في هذه اللعبة يستلزم دفع ضريبة, والسلفية بالذات إذا دفعت هذه الضريبة فسوف تفقد أهم مقوماتها وأهم أسباب وزنها وثقلها واستقامتها على الشرع الشريف, وهذه الضريبة ثمنها فادح, وسوف نوضح هذا إن شاء الله تعالى فيما بعد, ونوضح أن السلفيين لا يستطيعون أن يدفعوا هذه الضريبة.

стр. 2092

فشل التجارب الإسلامية الداخلة في البرلمانات مما يثبطنا عن النظر بأمل إلى هذه الممارسات أن حصاد التجارب الإسلامية السابقة غير مشجع, فالإخوان المسلمون لهم أكثر من سبعين سنة وهم يحاولون الدخول في البرلمانات وإحداث التغيير من خلالها ولم يفلحوا، حتى حسن البنا ﵀ رشح نفسه في البرلمان مرتين، ولكن أجبر على التراجع, فدخول الدعاة في البرلمانات محاولة للتغيير، ولا داعي أن نسميها مغامرة، لكن التجارب الكثيرة السابقة في العالم الإسلامي توضح النتيجة، فهناك تجربة الجزائر، ففرنسا التي تدعي أنها حامية حمى الحرية، كان رئيسها يقول: لو نجح الإسلاميون في الجزائر فسوف نحتل الجزائر! هكذا يقول بمنتهى الصراحة، فهم الذين أسسوا الديمقراطية، ولكنهم يرفعون شعار: لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، مثل الشعار الذي كان أيام عبد الناصر: لا حرية لأعداء الحرية، فهم يعرفون التصادم والتعارض بين عقيدة الإسلام وبين العقيدة الديمقراطية, فالغرب يشجع الديمقراطية في بلاد المسلمين لأي اتجاه غير الاتجاه الإسلامي؛ لأن الديمقراطية لعبة أمريكية، والإصلاحات مفروضة من أمريكا، فهل النموذج الديمقراطي الذي جاء من أمريكا سيعيد لنا الخلافة الراشدة؟! انظروا النموذج الديمقراطي الذي في العراق, والنموذج الذي في تركيا, والنموذج الذي في الجزائر ونحو ذلك, فحصاد التجارب السابقة واللاحقة لا تشجع على أننا نعقد الآمال بأن يتم التغيير من خلال هذه المجالس, إنما يتم التغيير من خلال النائحة الثكلى, ومن خلال أبناء الدعوة الإسلامية الذين يجتهدون في هذه الدعوة, ويبذلون في سبيلها.

стр. 2093

تميز الدعوة السلفية في الفكر والمنهج الدعوة السلفية بدأت في مصر منذ سنة (١٩٧٥) أو (١٩٧٦م)، والإخوان المسلمون كانوا في نفس الوقت موجودين، وكنا دائماً ندعو الإخوان أن يهتموا بالعلم والعقيدة ونحو ذلك, ورغم أن الإخوان كانوا موجودين قبلنا بخمسين سنة، ومع ذلك فإن الإخوان في الناحية العلمية ما زالوا في مكانهم، وللسلفيين بفضل الله مردود إيجابي للنشاط الدعوي العلني السلمي الذي سلكته الدعوة السلفية, وهو أثر واقعي واضح جداً في هذا الحصاد المبارك الذي انعكس في آثاره الميدانية على أمور كثيرة جداً من مجالات الحياة, مثل الاهتمام بطلب العلم, والالتزام بشريعة الإسلام, فهذا التغيير وهذه الأفكار الميدانية هي أثر مبارك لآثار هذه الدعوة، فالدعوة ليست عقيمة، ولا ينبغي أن ينظر إليها بنوع من الازدراء، بل بالعكس، فإن الدعوة السلمية العلنية التي نتبناها أثمرت ثماراً مباركة يلمسها القريب والبعيد حتى الإخوان المسلمين، فكان ينبغي لهم أن يستفيدوا من هذه التجربة, في يوم من الأيام ما كان لنا مسجد هنا غير مسجد عباد الرحمن، وهو الذي ولدت فيه الدعوة, وكنا نحارب ولا نجد مسجداً آخر, حتى مسجد عباد الرحمن هددنا فيه، وذهب بعضهم إلى الرجل الذي بنى المسجد وساوموه ليتخلص من الدعاة الذين فيه، ووعدوه أن يأتوه بدعاة حقيقيين، فصمد ولم يستجب لهم, فقد كنا في حالة غربة شديدة جداً، وكان عدد الإخوة قليلاً جداً نحو العشرة فقط في أول الأمر، إلى أن أذن الله بنشاط الدعوة فنمى الخير وتكاثر, وصار للدعوة أثر واقعي لا يستطيع أحد أن يجحده. إذاً: الدعوة ليست نشاطاً عقيماً، بل الرصيد الحقيقي للدعوة هم أبناؤها المنتمون إليها، فكل واحد منهم يشكل لبنة, ويحمل عقيدة محددة، عندما تقول: أنا سلفي, فسلفي تساوي أنه يعتقد في الأسماء والصفات كذا, وفي القدر كذا, وموقفه في القضية الفلانية كذا, وموقفه من الفرق الضالة كذا إلى آخره، فتوجد قضايا محددة لا يمكن أن يختلف فيها سلفيان أبداً، التوحيد المنهج السلوك الاتباع وليس الابتداع رفض المظاهر الشركية ونحو ذلك, فالسلفية كلمة نوعية وراءها ما يدل على أن هذه اللبنات هي التي سوف يحترق قلبها على دعوة الإسلام, أما الاتجاه الثاني فليجربوا أكثر وأكثر، فنحن موقفنا مبني على أن الدعوة ليست عقيمة, بل هي دعوة مثمرة، وبركاتها -ولله الحمد- محسوسة وملموسة، فبالتالي رضينا بهذا الطريق، ونحن -والحمد لله- ماضون فيه، ونسأل الله أن يوفق الجميع.

стр. 2094

بعض مفاسد الدخول في البرلمانات الأصل في الانضمام للبرلمانات هو المنع إلا لضرورة مثل الميتة، فهي في حالة الضرورة تكون رخصة بشروط, وأهم هذه الشروط الالتزام بالضوابط الإسلامية في دخول مثل هذه البرلمانات والتواجد فيها. والحقيقة أن الإخوان المسلمين حيرونا وصدمونا صدمة شديدة في الفترات الأخيرة, حتى يقول الإنسان: هل عندهم تقية مثل تقية الشيعة؟ بعضهم يقول كلاماً خطيراً جداً يهدم الدعوة من الأساس، كما حصل من الدكتور عبد المنعم أبو فتوح والدكتور عصام العريان , ذكروا تصريحات مؤلمة جداً في الحقيقة, وهذا الخطاب السياسي فيه نوع من الازدواجية في الخطاب, فإن من ضمن الشروط الأساسية للدخول في حلبة اللعبة السياسية أنك تتخلى عن مبدئك, ولا ينفع عندنا قاعدة: الغاية تسوغ الوسيلة, لابد أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية مشروعة، فالقاعدة المكيافيلية لا تليق بالمسلمين، وإن كانت هي الثمن للدخول في السياسة فلا نريدها؛ لأن الخسارة فادحة في هذه الحال, وذلك عندما نلبس على الناس العقيدة، ونخلط أمور الدين الأساسية التي ليست قابلة للمساومة، فبعض الدعاة مثلاً في ثقل الدكتور القرضاوي عفا الله عنه يقرر أن اليهود والنصارى مؤمنون، وأنهم قد يدخلون الجنة، أو يترحم على البابا, ويقول: البابا الله يرحمه! فمثل هذه الأخطاء الجسيمة هو متأول فيها تأويلاً فاسداً؛ ولذا لا نكفره بهذا، ولكن نقول: تأوله فيه ضلال مبين, ونسأل الله أن يهديه ويصلح حاله، وأن يوفقه للرجوع عن هذا الكلام, فالتجاوز عندهم وصل إلى تخطي الخطوط الحمراء التي لا يجوز أبداً تعديها ولا تجاوزها؛ لأن هذه قضية إسلام وكفر. كنت أتمنى أن جماعة الإخوان المسلمين تصدر بياناً رسمياً في ثاني يوم مباشرة لتعقب على كلام أبو الفتوح، وتتبرأ من هذا الضلال المبين وهذا الانحراف الخطير عن الرسالة, وماذا بقي بعدما نقول: إننا نؤمن بحرية الإلحاد وحرية الزندقة, ولو أن رئيس الدولة كان نصرانياً أو زنديقاً أو ملحداً فمرحباً ولا توجد مشكلة, ولو أن الشعب عرضت عليه الشريعة الإسلامية فقال: لا، فنحترم اختيار الشعب إلى آخر الكلام الذي في غاية الضلال، الديمقراطية كمصطلح قد تلتبس على بعض الناس بالشورى, ولا يعرفون الفرق بينهما، لكن بعض التصريحات هي في غاية الخطورة وفي غاية الإيلام. فهذه الأشياء تؤدي إلى ضعف الثقة في إمكانية أن يلتزم الذين يخوضون هذه المغامرة بالضوابط الشرعية التي هي شرط للدخول في البرلمان، وجماعة الإخوان لا أعتقد أنها تتبنى هذه التصريحات الخطيرة؛ لأن هذا يعتبر قضاء على عنصر التميز الأساسي, فتصير مثل أي حزب علماني, فينبغي لهم التبرؤ من هذه التصريحات على أعلى مستوى.

стр. 2095

الراجح في حكم المشاركة في البرلمانات نحن نرجح القول بتجنب المشاركة في البرلمانات في الوضع الحالي، إلا أننا لا نضلل المخالف؛ لأن سلوكه ناشئ عن اجتهاد وعن نظر مصلحي، وبالتالي فموقفنا هو التجنب, والتجنب هذا ليس سلبياً؛ لأنه مبني على أدلة شرعية، ومبني على ربط المسألة بالعقيدة، وبإمكانية النفع الذي يأتي من جراء هذه المسالك، لكن مع ذلك لو ذهب إنسان ينتخب الإخوان المسلمين فإننا لا نزجره؛ احتراماً للخلاف الفقهي في هذه المسألة، لاسيما إذا كان المرشح أمامه معادياً للإسلام أو من هؤلاء القوم الذين يستعينون بأمريكا التي تسن لنا السكين, وتسنه لسوريا أيضاً، وقد فرحت بموضوع الحريري للضغط على سوريا، والعراق فيه ما فيه، وأهل السنة الآن يعانون في العراق أشد أنواع الاضطهاد والقهر, فهذه الورقة مثل مسمار جحا عندنا في مصر, وقد عقد مؤتمر في أمريكا يقولون: إن في مصر اضطهاداً للأقباط، وأن كذا ألف قبطي قتلوا خلال ثلاثين سنة, وأننا نعمل عملية إبادة عرقية للأقباط، ونمثل بجثثهم بعدما نقتلها، وأن المسلمين يخطفون بناتهم، ويقهرونهن على الإسلام أو على الزواج إلى آخر هذه الأكاذيب، مع أن أسعد أقلية في العالم هي الأقلية القبطية, وهذه أكاذيب غير صحيحة أساساً؛ لأن الإسلام هو الذي يضبطنا, فأصبحت هذه الورقة تضغط بها أمريكا على مصر وفي نفس الوقت تسن لنا السكين, فنرجو أن الإخوان عندما يدخلون في هذه المجالس أن يتصدوا في يوم من الأيام للمطامع المتوقعة المطالب بها فيما بعد, فقد يكون من وراء هذه المجالس خير، وهذا سوف يسرنا ولا يزعجنا, فدعهم يحاولون الإصلاح من هذه المجالس، ونحن لا نضلل المخالف لنا في هذه المسألة؛ لأنه يوجد فيها خلاف فقهي بين العلماء، فالشيخ أحمد شاكر ممن أيدوا دخول البرلمانات, وكذا الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وكذا الشيخ الألباني على مضض. على أي الأحوال نقول: هل سيحصل تغيير في الفترات الآتية؟ العملية ما زالت في المطبخ، والوجبة سنتناولها لمدة خمس سنوات, وهذه المدة -خمس سنوات- كافية لتقويم هذه التجربة والحكم عليها، ونرجو أن يكون تطور المسألة في صالح الإسلام وفي صالح المسلمين. والذي نطلبه من إخواننا الإخوان المسلمين أن يطبقوا علينا القاعدة التي يحترمونها، وهي: ليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، فنحن مختلفون معكم في هذه المسألة, فلماذا التشنج والتهارج الذي يحصل بين الشباب أحياناً بسبب الاختلاف في هذه المسألة؟ هذه القاعدة أنتم طبقتموها مع الشيعة، وطبقتموها مع النصارى, وطبقتموها مع العلمانيين, وطبقتموها مع حزب الوفد, وطبقتموها مع كل الناس, فنحن أولى الناس بها، فليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. على أي الأحوال ينبغي أن تكون العلاقة بين جماعات الدعوة هي علاقة التكامل، ووظائف الدعوة الإسلامية كانت تقوم بها إمبراطورية عظيمة، لها وظائف وولايات كثيرة جداً من الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكفالة اليتامى، وجمع الزكاة وتوزيعها، والجهاد والدفاع عن البلاد الإسلامية، فهذه الوظائف العظمى كانت تقوم بها دولة الخلافة، ثم لم يبق لهذا الكيان السياسي وجود, والجماعات الإسلامية الآن تحاول كل منها أن تقف على ثغرة, وهذه الواجبات الشرعية لا توجد أي جماعة عندها إمكانات لتقوم بكل شيء.

стр. 2096

فضل المنهج السلفي وآثاره على الأمة من أعظم وظائف الدولة الإسلامية وظيفة حراسة الدين, ثم سياسة الدنيا بالدين, وحراسة الدين تكون بأساليب كثيرة جداً, والتيار الوحيد الذي يستحق بكل جدارة أن يؤتمن على حراسة الدين وحراسة الشريعة هو التيار السلفي, ولا أقول ذلك تعصباً، ولكن إقراراً بالوضع القائم، وليس ذلك بطلبة العلم من أمثالنا، ولكن بعلمائنا الجبال الكبار الذين ما زال تراثهم يهدينا ويرشدنا وينفعنا, من علمائنا الأحياء أو الأموات رحمهم الله تعالى, فالتيار السلفي هو الوحيد المؤهل لأن يقوم بوظيفة حراسة الدين، وصيانة الشريعة من التحريف, وتنقيتها من البدع والشركيات، وحماية وبعث التراث الإسلامي, والدفاع عن العقيدة السلفية, وتصحيح عقائد الناس, واتباع الدليل في القضايا الفقهية، ونبذ التقليد والتعصب المذهبي, ونشر العلم الشرعي, وإقامة الحجة على خلق الله, وصيانة المفاهيم الإسلامية من أي تحريف تحت ضغط العولمة أو تحت ضغط الأمر الواقع، ولا يوجد أي تيار من التيارات الإسلامية على مستوى العالم مؤهل لأن يقوم بهذه المهمة سوى التيار السلفي، فالوظيفة الأساسية للدعوة السلفية هي حراسة الدين, وصيانة المفاهيم من أن تتزلزل في عصر زلزلة الثوابت, نحن الآن في فتن يصبح فيها الرجل مؤمناً ويمسي كافراً, زمن تضطرب فيه المفاهيم, والأمور التي كانت غير قابلة للنقاش أصبحت قابلة للنقاش بسبب كثرة الإلحاح عليها وتكرارها من الفضائيات من جهة، ومن التبشير النصراني من جهة، ومن الشيعة من جهة، ومن الصوفية من جهة، ومن العلمانيين من جهة، ومن أعداء الإسلام في الغرب من جهة، فالسهام تتكالب علينا من كل جانب، فأصبحت مهمة صيانة المفاهيم من التغيير من أعظم المهمات؛ ليبقى الإسلام محفوظاً, وهو محفوظ شئنا أم أبينا؛ لأن الله تكفل بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، لكن حفظه له أسباب، ومنها الاجتهاد في حراسة الدين ومفاهيمه من أي تغير. ولا يليق بالدعوة السلفية في الأوضاع الحالية أن تلبس ثوب الدخول في الاتجاه البرلماني؛ لأن هذا الدخول لا بد فيه من ضريبة الدفع, فلا بد أن تقول في قضايا المرأة كذا, وفي القضايا الطائفية تقول كذا, وقضايا الولاء والبراء تلغيها تماماً من القاموس, وقضية التوحيد والشرك والبدع، فلابد من عملية تقليم أظافر حتى يسمح لك بالدخول في حلبة اللعبة السياسية، فاللعبة السياسية لها ثمن, والدعوة السلفية بالذات لا يصلح أن تدفع هذا الثمن, ويوم أن يكون هناك ضمانات أنها لن تدفع هذا الثمن فهذه قضية أخرى, لكن الواقع الأليم يشهد بالتنازلات التي تتم من رموز كبيرة جداً على مستوى العالم, وللأسف الشديد نسمع تصريحات تدع الحليم حيراناً من شدة شذوذها عن كلام أهل العلم، بل عن مسائل الإجماع, فلا يستطيع أن يتأهل لهذه الوظيفة -وهي حراسة الدين وصيانته من البدع ومن الشركيات ومن الانحرافات ليصل للأجيال المقبلة نقياً من هذه الانحرافات- سوى التيار السلفي على مستوى العالم كله. التيار السلفي نظرته لقضية الحكم نظرة معتدلة, التيار السلفي يرى أن الواجب في كل مرحلة هو ما يستطاع في تلك المرحلة, ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, ونظرية أن الحكم غاية في حد ذاتها هذه نظرية غير دقيقة, فبعض الكتاب مثل سيد قطب ﵀ أو المودودي ﵀ وغيرهما كانوا يتكلمون دائماًَ على موضوع الحكم الإسلامي، وكأن الحكم الإسلامي نظارة لابسها على عينيه, ومن خلالها يفسر كل القرآن الكريم كما في الظلال, فيجعل قضية الحكم هي القضية المحورية حتى قال المودودي: إن الغاية من بعثة الأنبياء هي إقامة الحكومة الإسلامية. بل تجاوز المودودي رحمه الله تعالى إلى قوله: إن من الأنبياء من نجح في إقامة الحكومة الإسلامية ومنهم من كذا! وكبرت كلمة، فالأنبياء لا يوصفون بالفشل، فالواجب أن تبلغ الحق، فمن الأنبياء من يأتي يوم القيامة ومعه واحد فقط، ومن الأنبياء من يأتي ومعه اثنان استجابا له، ومنهم من يأتي وليس معه أحد، فالمسألة أنك تبلغ الحق وتؤدي ما عليك بغض النظر عن النتيجة، فقضية الحاكمية هي جزء من قضية التوحيد, وليست كل القضية, الإمامة أو الحكم هي القضية الجوهرية عند الشيعة أساساً, فالإمامة عند الشيعة صلب الدين، بل يوجبونها على الله، ويعتقدون أنه يجب على الله ألا يترك الأمة إلا بإمام، وهذا تأثر بالمنهج الاعتزالي الضال, أما نحن فنقول: وجوبه على الأمة وليس على الله كما يدعي المعتزلة والإمامية، فنظرتنا للحكم أشمل وأوسع, ففي كتب أصول الفقه في بحث الحكم يذكرون الحكم والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه إلى آخر هذه الأقسام, فالحكم في الشرع الإسلامي يشمل الحكم بما أنزل الله على نطاق الأفراد وعلى نطاق الجماعات, فيجب الالتزام بشرع الله ما أمكن، فإذا لم نعش تحت ظل من يحكمنا بالشرع بصورة كاملة ففي هذا الحال نحن ملزمون بأن نمتثل قوله وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فأت بما استطعت مما كلفك الله ﵎، فإذا فشلنا في إقامة الحكم أو صار ذلك عسيراً علينا فعلينا أن نقيم حكم الله في أنفسنا، وقد ترجم البخاري في صحيحه باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟ فقد تغيب الجماعة بمعناها السياسي، لكن لا يمكن أن تغيب بمعناها العلمي؛ وذلك لأن الرسول ﵇ ضمن لنا بقاءها فقال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم أو من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) أو كما قال ﷺ ، فالجماعة بمعنى إقامة الحجة على الناس وحفظ الدين والكيان العلمي الذي يوضح منهج الحق منهج أهل السنة والجماعة؛ لا تغيب أبداً, ولا يمكن أن تزول عن الأرض بالكلية, وقد تتخلف الجماعة بالمفهوم السياسي كما هو وضعنا الآن, لكن لا تتخلف بالمعنى العلمي بسبب التراث السلفي, وبسبب جهود علماء السلفيين في خلال القرون كلها من بداية الصدر الأول إلى يومنا هذا, فهم الذين يحفظون ويحرسون هذا الدين من التحريف، ويحفظون حجة الله قائمة على خلقه, فلا يعني أننا نعجز عن إقامة الحكم أن نترك العمل، فالوظائف الأساسية موجودة، والهدف ليس هو إقامة الحكم فقط, فهذه جزئية من الجزئيات, لكن الهدف هو تعبيد الناس لربهم, فالله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فالهدف هو تعبيد الناس لربهم ما أمكن, فأنت تبذل كل ما تستطيع في الدعوة فعلي أن أسعى وليس علي إدراك النجاح.

стр. 2097

اللعبة السياسية تتصادم مع المنهج السلفي اللعبة السياسية فيها تحريف للمفاهيم المجمع عليها، حتى التي هي حد فاصل بين الإيمان والكفر، وبين السنة والبدعة، فهذه الأمور غير قابلة للمساومة أبداً حتى تبقى حجة الله قائمة على الخلق نقية ناصعة، ولا يحصل فيها هذا الامتزاج الذي يكون ثمناً وضريبة تدفع من أجل الدخول في اللعبة السياسية؛ ولهذا فإن السلفيين أشد الناس نفوراً من اللعبة السياسية؛ لأن وظيفتهم الأساسية حراسة الدين، وهم أحق الناس بالقيام بهذه الوظيفة، بل هم الوحيدون المؤهلون لأدائها على خير وجه. والخطاب السياسي في اللعبة السياسية يحتاج دائماً إلى التقية؛ لأنه يريد أن يصل إلى هدف، والغاية تسوغ الوسيلة, لكن لابد أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية مشروعة، أما هذه القاعدة المكيافلية فلا تليق بنا, فكيف أجعل الهدف هو المقعد في المجلس، والوسيلة أن أتنازل عن عقيدتي؟ كيف نرضى بالشر ونقول: يمكن أن يكون الحاكم زنديقاً أو ملحداً أو نصرانياً؟ كيف نبيح حرية الإلحاد وحرية الرأي وحرية الفكر المخالف للشرع؟ كيف لا ننكر الكتب الإلحادية؟ لماذا نضحي بعقيدتنا ومنهجنا ومحور حياتنا في سبيل مقعد؟! إذاً: لا داعي للدخول في البرلمان في هذه الحالة؛ لأن شروط الرخصة لم تتوافر، والتنازل يتجاوز الخطوط الحمراء، وبالتالي فهذا خلط وتمييع للدين. طه حسين أدخل التعليم المختلط في الجامعة بمكيدة، وأدخل الفتيات في الجامعة سراً، ثم أصبح أمراً واقعاً، فحصل عدوان على الأعراض من جراء هذا الاختلاط, فقال له بعض الصحفيين: أتنظر إلى شؤم الاختلاط الذي أنت دبرت مكيدته؟ فقد حصل كذا وكذا وكذا! فرد طه حسين وقال: لابد من ضحايا! فنقول: تضحي بالأعراض من أجل ماذا؟ فالعرض أغلى شيء فكيف تضحي به؟ ومن أجل ماذا نضحي به؟ فلا يصح أن نضحي بعقيدتنا في سبيل مقعد في مجلس الشعب, فالشرط الأساسي للرخصة عدم التنازل, وعدم استخدام التقية؛ لأن التقية في قضايا العقيدة والقضايا الجوهرية يترتب عليها تلبيس الحق على جماهير الناس، فتلتبس عليهم الأمور, وتختلط عليهم مفاهيم أساسية تمس العقيدة، يقول الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، ثم انظر ماذا بعدها: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩]. فالتنازل عن أي قضية من حقائق الدين أو تلبيسها بما يخالف مفاهيم الدين جريمة كبرى وانحراف خطير يمس بأصل الدين, نعم قد يحصل تنازل بصورة عملية في بعض الظروف الضاغطة على المسلمين, لكن في قضايا عملية وليس في قضايا علمية أو اعتقادية، قد يضطر المسلمون مثلاً أن يبذلوا الأموال في سبيل فكاك أسرى المسلمين, وهذه الأموال سينتفع بها الكفار ويتقوون بها، لكن نحن نضطر أن ندفعها لهم في سبيل مصلحة أهم، وهي استنقاذ المسلمين من أيديهم, والرسول ﵊ في صلح الحديبية رد بعض المسلمين إلى الكفار وقال: (إن الله سوف يجعل لهم فرجاً ومخرجاً)، فهذا تنازل عملي في سبيل تحقيق مصالح وبركات عظيمة جداً كانت من جراء صلح الحديبية، وليس هذا تنازلاً اعتقادياً وحاشاه ﵊، فالتنازل العملي في المواقف العملية هو من باب ترجيح المصالح, وليس فيه تزييف للشريعة, وليس فيه تغيير للأحكام؛ لأن النصرة في الدين أصل قائم كما قال الله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال:٧٢]، والله يقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء:٧٥]، فقضية النصرة قائمة, لكن في الآية الأولى قال الله: ((وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ))، فالتنازل في القضايا العملية يرجع إلى قاعدة ترجيح المصالح أو ارتكاب أخف الضررين لتفويت الضرر الأعظم, ومثاله أن النبي ﷺ أراد أن يعاهد تميماً يوم الخندق على أن يتركوا قتال المسلمين ويرجعوا ولهم ثلث ثمار المدينة, فأراد أن يبذل لهم ثلث ثمار المدينة مقابل أن ينفضوا عن الأحزاب, فقال الأنصار: يا رسول الله! أهذا شيء أمرك الله به فنطيع أم شيء تصنعه لنا؟ فقال لهم النبي ﷺ : (رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأحببت أن أنفس عنكم إلى حين) يعني: هو شيء أصنعه لكم لأخفف عنكم, فقالوا: والله! يا رسول الله لا نعطيهم إلا السيف, فهنا أراد النبي ﷺ أن يتنازل في قضية عملية، وليس في قضية علمية أو قضية تمس الاعتقاد.

стр. 2098

سراب الديمقراطية خلاصة ما نستطيع أن نقوله فيما يتعلق بهذه القضية: نحن لا نعقد كثيراً من الأمل -في ضوء الأدلة الشرعية وفي ضوء تجارب الواقع في مصر أو في خارجها- على أن الديمقراطية تنفع الدعوة، بل هي سراب, والرصيد الحقيقي للدعوة هو أبناؤها الذين يعيشون لها ويعيشون بها ويحيون من أجلها, هذا هو الرصيد الحقيقي للدعوة الذي تنعقد عليهم الآمال, أما أن المخالفين بمنتهى البساطة سوف يفسحون لنا الطريق ويقولون: تعالوا اقعدوا مكاننا، واحكموا بالشرع الشريف, فهذا نوع من السراب، وبعض الباحثين ألف كتاباً أسماه: سراب الديمقراطية، فهي سراب في الحقيقة، لكن مع ذلك نحن نقر بأن هناك اختلافاًً بين العلماء المعاصرين مناطه مدى ما يتحقق من مصالح أو يدفع من مفاسد بهذه المشاركة، لكن معظم علماء السلفيين يرفضون الدخول في هذه الأشياء، ويتجنبونها بناء على الاعتبارات التي ذكرنا، وأهمها الخطر الاعتقادي، ثم الدخول في حلبة السياسة التي لها ضريبة قد تدفعها بعض الاتجاهات، لكن الاتجاه السلفي بالذات لا يستطيع أن يترخص في دفع هذه الضريبة, وإذا زالت هذه الضريبة فقد يختلف الكلام, لكن مع وجود هذه الضريبة فلا تقبل ذلك الدعوة السلفية، وليس من حقها؛ لأنها مؤتمنة على الحفاظ على جوهر الدين نقياً، وهذا في حد ذاته من المكاسب التي لا تقدر بثمن، ولا توازيها على الإطلاق المكاسب المتوهمة من جراء هذا الأمر، فنحن نؤكد أننا على هذا الموقف, إلا أننا لا نضلل المخالف؛ مراعاة للخلاف الفقهي فيها، واعتباراً بأن سلوكه ناشئ عن اجتهاد وعن نظر مصلحي, وفي نفس الوقت نقول: لعل وعسى، ولن نقول كما قال الشاعر: يقلقني الوجد فآتيكم والقلب مملوء من اليأس لكن قد يكون هناك بصيص أمل، ونرجو لهم إذا نجحوا أن يحدثوا تغييراً، وإن كانوا مخطئين في ذلك فنسأل الله أن يعفو عن خطئهم، والعملية الآن تتم داخل المطبخ، والمطبخ مقفول بقوة، فننتظر خروج الوجبة التي سنأكلها لمدة خمس سنوات. سوف تدري إذا انجلى الغبار أفرس تحت رجلك أم حمار فإذا انجلى غبار هذه المباراة, فعندنا خمس سنوات تكفينا لنقوم التجربة، ونرى العاقبة، فنرجو الله أن يوفق المسلمين إلى ما يحب ويرضاه، وأن يعز هذا الدين، وأن يمكن له في الأرض، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت, أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 2099

سلسلة حول دخول البرلمان [٢] نظرية السيادة السيادة المطلقة في الحكم والتشريع، والأمر والنهي والإباحة هي لله ، فهو المتفرد بصفات الألوهية، وهذا على خلاف ما هي عليه اليوم الحكومات العلمانية، والبرلمانات الديمقراطية، فقد جعلت السيادة للشعب، فله أن يختار لنفسه نظاماً أو قانوناً وإن كان معارضاً لشرع الله، وهدي رسوله.

стр. 2100

زيف الديمقراطية الموجودة عند الغرب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنشرع إن شاء الله تعالى في دراسة قضايا الساعة بنوع من التفصيل والتنظير، بحيث أنها تبقى ملفات تصلح مع الزمن خاصة أننا في هذه الأيام نخوض نوعاً من التجارب الجديدة ينبغي أن تضاف إلى رصيد الدعوة وخبرتها فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الواقع الذي نعيشه، ومع احترامنا لوجهة نظر إخواننا: الإخوان المسلمين، ونعذرهم باعتبار أن الخلاف في هذه المسألة معروف، حتى إن بعض العلماء السلفيين لهم اجتهاد في إباحة الحل البرلماني، لكن دعونا نخوض هذه التجربة ونرصدها، ونستفيد منها ما ينبغي أن يكون لنا رصيداً، ونعتقد أن أعظم وأهم فائدة هو ما أشرت إليه مسبقاً أنه لن يحمل هم هذه الدعوة، ولن يجري تمكينها إلا على يد النائحة الثكلى، وهي الأم التي فقدت ولدها، فتخيل كيف تبكي عليه! وكيف تحزن عليه! فلا يمكن أن يحمل هم الدعوة وهم الدين إلا أهله الذين رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، والذين ارتضوا هذا المنهج وعاشوا من أجله، وماتوا في سبيله، فهؤلاء هم لبنات الدعوة وأصحابها. أما المشجعون والمتحمسون عاطفياً للإسلام فهم ليسوا الثقل الحقيقي بالنسبة للدعوة، الثقل الحقيقي هو فيمن يتبنونها، ويقتنعون بها، ويضحون من أجلها، أما المصفقون والمتعاطفون فساعة الجد لا يبقى منهم معنا أحد، وإنما نريد النائحة الثكلى، وليس النائحة المستأجرة. ومع ذلك أنا أعتقد أن التجربة سوف تزيد وعينا لزيف الدعوة الديمقراطية، والديمقراطية لا تزيف عندنا فقط، الديمقراطية في أي نظام هي تزيف حتى في أمريكا، فالنظام الرأسمالي له طرق أخرى يكون فيها التزييف، وعندنا في هذا الوقت اختراع طرق عجيبة للتزييف مثل أطفال الأنابيب، وأطفال المفاتيح، وعندنا في هذا الوقت نظام جديد يطلق عليه نواب الظرف وهو أنه يوزع على الناخبين ظروفاً بسعر أصواتهم التي يعطونها له، يعني: بعض المرشحين يحكي لي موضوع نواب الظرف هذا، فقلت له: من الممكن أن يأخذ منه الفلوس ويدخل ينتخب شخصاً غيره، يعني: يأخذ خيري وينتخب غيري، قال لي: هو يعطيه قبل دخول اللجنة نصف المبلغ ويعطيه موبايل بكاميرا، ويدخل في الداخل ينتخب ويصور بالكاميرا، ويطلع خارج يأخذ بقية المبلغ، وهذه في الحقيقة أشياء عجيبة جداً، والتجارب سوف تزيد رصيدنا من أننا نقدر فعلاً أن نحكم على هذا الاتجاه، هل هو فعلاً فيه خيارات بغض النظر عن اعتقادنا نحن أنه يخالف الشرع من الأساس، لكن نقول: حتى إخواننا الذين عندهم أمل وطموح أن يحدث التغيير لحال الأمة بهذه الطريقة أعتقد سيستفيدون كثيراً، ونحن أيضاً سنستفيد معهم من هذه التجربة. الديمقراطية تزيف في كل العالم لماذا؟ لأنها نظام بشري، والنظام البشري لابد أن يخضع للأهواء، يعني: أمريكا التي تدعي أنها صاحبة رسالة لتجمل وجهها القبيح وتقول: حقوق الإنسان والبيئة، والديمقراطية والإصلاح. وأمريكا نفسها إذا نحن قعدنا تضربنا وتأمرنا بأن نقف، وعندما نقف تضربنا وتأمرنا بأن نقعد، فهي لا تريد لنا استقراراً؛ لأن عدم الاستقرار هو الذي يسوغ تدخلها كما حصل في العراق، وكما حصل من يلتسن لما ضرب مبنى البرلمان المنتخب في روسيا بالأسلحة والنار، وقد حوصر فيه النواب، فهذا ذبح للديمقراطية حقهم، لكن الغرب كله سكت وهلل؛ لأنهم كانوا يريدون انهيار المعارضة ضد يلتسن لأجل الوضع الذي كان معروفاً في روسيا. فنحن متعودون على أن الشرق بالأولى يتعامل مع موضوع الديمقراطية نفس تعامل المشرك الجاهلي مع صنم العجوة، الإله الذي كان يعبده، وفي ساعة الاحتياج والجوع يأكل الصنم رغم أنه إلهه، والأمر نفسه يحدث عند الغرب فتراهم يمجدون الديمقراطية والإصلاح وكذا وكذا، لكن إذا جاعوا يلتهمون هذا الإله ويأكلونه في بطونهم، فهذا نموذج متكرر وليس حالة مفاجئة، فهذه الأساليب موجودة بصورة أو بأخرى تتفاوت بين مجتمع إلى آخر، لكن السبب أنه نابع من الأهواء البشرية، وهذه إحدى المزايا العظمى للشريعة الإسلامية أنها منهج رباني معصوم من الأهواء. ولذلك لو تأملنا القرآن الكريم سنجد دائماً الهوى أنه يكون في مقابلة الوحي، فهما عدوان لا يلتقيان وضدان لا يجتمعان أبداً، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص:٥٠] يعني: للوحي ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] ولو استقرأت القرآن فستجد دليلاً للوحي في مقابلة الهوى، فالتحيز يكون نتيجة للهوى، ونتيجة العنصرية في اللون أو الجنس أو نحو ذلك، وسوف تجد هذا في هذه النظم الوضعية الأرضية، أما النظم المنزهة عن الهوى فهو النظام الإلهي الذي يتجسد في القرآن الكريم. فنموذج صنم العجوة موجود، وهذه هي الديمقراطية؛ لأنها نابعة من نظام بشري غير معصوم، فبالتالي يحصل اتباع الهوى، وهذا ما أشار إليه الله في القرآن الكريم في سورة الحديد حينما نعى على النصارى اتباعهم وإحداثهم الرهبانية، فقال : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] فقوله تعالى: ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)) هذا إثبات أنها بدعة في النصرانية، ولم يشرعها الله ، فتحريم الطيبات وتحريم الحلال هذا ابتداع من البشر. قوله: ((مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)) أي: ما شرعها الله ولا أمرهم بها. قوله: ((إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)) هذا استثناء منقطع، بمعنى: ولكن كتبنا عليهم أن يبتغوا رضوان الله عن طريق العبادات المشروعة لا المبتدعة، ومع أنهم ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم إلا أنهم لم يرعوها حق رعايتها، فهنا الذم يكون أشد وأبلغ؛ لأنك تبتدع مبدأ ثم أنت لا تحترمه ولا تلتزمه فهذا أجدر بالذم، ونفس الشيء في الديمقراطية التي ابتدعوها ما كتبناها عليهم، وما رعوها حق رعايتها، وما أسهل ما تلتهم بكل ما أمكن من الأساليب. ففي تركيا مثلاً توجد انتخابات وحرية وكذا وكذا، وليس عندهم تزوير، لكن عند ساعة الجد وعند أي اختراق للون الإسلامي أو الطيف الباهت فإنه يحسم الأمر ويحل البرلمان. وفي الجزائر كانت تجربة صارخة، فمن الذي صنع الديمقراطية في الأصل؟ هم الغرب. وفي الكويت في يوم من الأيام حُلّ البرلمان بجرة قلم. وأنا أعتقد أن برلماننا العظيم سوف يكون برلماناً منحلاً على غرار الجماعة التي يصفونها بأنها منحلة، بمعنى: أنها حزب منحل، وإن كانت الكلمة لا تخلو من نوع من اللمز، لكن يبدو هكذا أنه سوف يبقى البرلمان كله منحلاً، والله المستعان!

стр. 2101

نظرية السيادة ناقشنا هذا الموضوع منذ زمن بعيد، وكانت المحاضرة بعنوان: (السيادة للقرآن لا للبرلمان) فالسيادة هي الوجه القانوني للعملة ذات الوجهين، أما الوجه الآخر فهو الديمقراطية، وهي الوجه السياسي لهذه العملة، وقد كنت لخصت في تلك المحاضرة بحثاً قيماً للدكتور: صلاح الصاوي يناقش نظرية السيادة، وهذا يعتبر بحثاً تأصيلياً جيداً؛ لأنه يجمع بين توضيح موقف القانون، وبالتالي يتكلم عن القضية بأسانيدها المعترف بها عند أصحابها، ثم يربطها بالشرع في مقارنة جيدة بين النظامين.

стр. 2102

أصل نظرية السيادة ونشأتها يذكر هنا في بحثه أن نظرية السيادة أصلاً هي نظرية فرنسية الأصل، نشأت في نهاية العصور الوسطى، ونشأت دفاعاً عن سلطة الملوك، لأنه كانت هناك سلطات أخرى تنازع سلطة الملوك، وبالتالي أراد الملوك بنظرية السيادة أن يتميزوا عن السلطات الأخرى التي كانت تنازعها سلطة أمراء الإقطاع في الداخل، وسلطة الإمبراطور أو البابا في الخارج، وكان النزاع على أشده بين الملك من ناحية، وبين البابا من ناحية أخرى، أو بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، فهذا أدى إلى نشأة هذه النظرية، وكل طرف أراد أن يوجد النظريات التي تسوغ أو تدعم موقفه في مواجهة خصمه. كان هناك نظرية السيادة وكان فيه نظرية (السيفين المتقاطعين)، والمراد بها السلطتان، يعني: تجعل لكل من السلطة الدينية والسلطة الزمنية مجالاً مستقلاً لا تتعداه، هذه النظرية كانت غامضة لم تستطع أن تحدد بوضوح اختصاص كل طرف من هذين الطرفين بجانب الطموح والطمع من كل سلطة، إلا أنها تعتدي على سلطة الآخر وتخضعه، من أجل ذلك سعى كل فريق -السلطة الزمنية الممثلة في الملوك، والسلطة الدينية الممثلة في الباباوات- في تدعيم مطامعه، وإخضاع الطرف الآخر. فأصل نظرية السيادة هي نظرية قذف بها الباباوات في وجه خصومهم من الملوك أو أمراء الإقطاع في الداخل، والقانون الفيزيائي يقول: لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويضاده في الاتجاه، فلما قذفت الباباوية بنظرية السيادة في وجه خصومها كان رد فعل بعض الملوك الطامحين أن استخدموا نفس السلاح، وردوه إلى نحور الباباوات مطالبين بإخضاع الكنيسة للسلطة الزمنية، ومن ثم تلقف القانونيون الفرنسيون هذه النظرية، وصاغوا منها نظرية السيادة دفاعاً عن سلطة الملوك. إذاً الذي طالب بهذه النظرية هم الباباوات فجوبهوا من الملوك بنظرية السيادة التي صاغها القانونيون من أجل أن يخضعوا الكنيسة لسلطة الملوك لإبطال مساعي الباباوات وسلطة الكنيسة.

стр. 2103

تعريف السيادة عند القانونيين القانونيون لهم في تعريف السيادة اتجاهان: الاتجاه الأول: يرى أن السيادة خاصية من خصائص السلطة، مفادها عدم وجود سلطة أخرى أعلى منها أو مساوية لها في الداخل، وعدم الخضوع لسلطة دولة أخرى في الخارج، وهذا يعكس مرحلة من مراحل تطور نظرية السيادة وهي المرحلة الأولى، حيث لم تكن تفهم على أنها سلطة سياسية، لكنها خاصية لسلطة سياسية معينة، وهي سلطة الملك. الاتجاه الثاني: يرى أن السيادة هي السلطة العليا الآمرة للدولة، والتي لا تعرف فيما تنظمه من علاقات سلطة أعلى منها أو مساوية لها، أو هي الحق في إصدار الأوامر إلى كل الأفراد المقيمين على إقليم الدولة، أو هي سلطة عليا على المواطنين والرعايا لا يحدها قانون. وهذا تطور ثان للتعريف الثاني يمثل مرحلة أخرى من مراحل تطور نظرية السيادة عندما تم الفصل بين الملك والسيادة، فأصبحت السيادة عنصراً من عناصر تكوين الدولة، لم تعد -كما كانت في الماضي- مجرد خاصية من خصائص السلطة التي هي سلطة الملك، بل تجاوزت ذلك إلى اعتبارها مرادفة لسلطة الدولة، مما أعطاها المضمون الإيجابي لهذه السلطة، وأكد هذا المضمون سلطة عمل القوانين.

стр. 2104

مفهوم خصائص السيادة السيادة: هي عبارة عن إرادة عليا تتميز بخصائص لا توجد في غيرها من الإرادات، وجماع هذه الخصائص أنها الإرادة التي تحدد نفسها بنفسها، فصاحب السيادة لا يمكن أن تلزمه إرادة أجنبية عنه بالتصرف على نحو معين، وهو لا يلتزم بالتصرف على نحو معين إلا إذا أراد هو ذلك كما أشار إلى ذلك دوبي في كتابه (السيادة والحرية) وهذا يعني أن سلطة صاحب السيادة مطلقة؛ لأنها لو لم تكن كذلك سوف تعتمد على إرادة أخرى تقوم بتحديدها، مما يتعارض مع ما تقرر لها من أنها سلطة أصيلة، بمعنى: أنها لم تتلق هذه الخاصية من إرادة سابقة عليها، أو من إرادة أعلى منها. إذاً: نستطيع أن نجمل خصائص مفهوم السيادة فيما يلي: أولاً: الإطلاق، يعني: أنها سلطة مطلقة. ثانياً: السمو. ثالثاً: الوحدانية والتفرد. رابعاً: الأصالة. خامساً: عدم القابلية للتملك. سادساً: العصمة من الخطأ. فأول خصائص السيادة: الإطلاق، فصاحب السيادة لا يفرض عليه قانون، بل القانون هو تعبير عن إرادته، وليس لإرادة أجنبية عنه أن تلزمه بالتصرف على نحو معين؛ لأنه لا توجد إرادة تساميه أو تساويه، إرادته آمرة دائماً، وليس لأحد قبله حقوق، وعلاقته بغيره علاقة السيد بالرعية، أو المتبوع بالتابع، وعلى الرعية أو التابع تنفيذ ما يصدر عنه من أوامر، ليس بسبب مضمون الأوامر أو فحواها، ولكن لأنها صادرة عن إرادة هي بطبيعتها أعلى من إرادتهم. يقول أحد فلافسة نظرية السيادة: إنه لا يتفق مع طبيعة النظام السياسي نفسه أن يفرض على صاحب السيادة قانوناً لا يستطيع أن يخالفه أو ينقضه. إذاً: هذا فيما يتعلق بأنها سلطة مطلقة، فصاحب السيادة لا يمكن أن يفرض عليه قانون، بل القانون يعبر عن إرادته هو. الخاصية الثانية: السمو، فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، العلو والفوقية، وهذه كلمة حساسة عند السلفيين (الفوقية)، فعندهم الفوقية للسيادة، فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، وسلطة تعلو كافة السلطات، لا توجد فيما تنظمه من علاقات سلطة أعلى منها، ولا سلطة مساوية لها. الخاصية الثالثة: الوحدانية والتفرد، فلا يوجد على الإقليم الواحد إلا سيادة واحدة، إذ لو وجدت سيادتان على إقليم واحد لفسدت أحواله، ووجه ذلك أنه لو صدر من كل منهما تكليف يناقض ما أصدرته الأخرى فلا يخلو الأمر من أحد هذه الأحوال: تنفيذ التكليفين المتضادين معاً، وهو محال، أو الامتناع عنهما معاً، وفي ذلك إبقاء لسيادتهما معاً، أو إنفاذ واحدٍ منهما فقط فيكون صاحبه هو الأحق بالسيادة، وتبطل سيادة ما سواه. الخاصية الرابعة: الأصالة، فهي قائمة بذاتها، يعني: السيادة قائمة بذاتها لم تتلق هذا العلو من إرادة سابقة عليها أو إرادة أعلى منها. الخاصية الخامسة: عدم القابلية للتملك، السيادة غير قابلة لأن يتملكها أحد، فإذا اغتصبها من ليس أهلاً لها، وفرض على الناس سلطانه مدة من الزمن طالت هذه المدة أو قصرت، فإنه لا يستطيع أن يدعي شرعية سلطته أو شرعية سيادته مهما طال الأمد، فغصب السيادة سيظل دائماً غصباً لا يثبت بالحيازة، ولا يسوغه التقادم. الخاصية السادسة والأخيرة: العصمة من الخطأ، فنظرية السيادة تنزع إلى اعتبار إرادة الأمة إرادة مشروعة، وأن القانون يعد مطابقاً لقواعد الحق والعدل، لا لسبب إلا لأنه صادر عن إرادة الأمة أو ممثليها، ولذلك فإن هذه النظرية تنسب إلى الأمة أو الشعب صفة العصمة من الخطأ حتى قال أحد زعماء وفقهاء ذلك العصر وهو بابلي: حينما يتكلم القانون يجب أن يصمت الضمير، هذه هي السيادة كما أصدرها الكتاب الفرنسيون، ونصَّت عليه القوانين الفرنسية المتعاقبة، وكما انتقلت منها بعد ذلك إلى معظم الدساتير في كثير من بلدان العالم، السيادة سلطة عليا آمرة تفردت بالحكم، فلا تشرك في حكمها أحداً، إرادتها هي القانون، وتوجيهاتها هي الشريعة الملزمة. إذاً: تفردت بالحكم فلا تشرك في حكمها أحداً. ثانياً: تفردت بالعلو، فلا تعرف سلطة أخرى تعلو عنها أو تساويها. ثالثاً: قائمة بذاتها، فلم تكتسب سلطانها من إرادة أخرى. رابعاً: حقوقها مقدسة لا تقبل التنازل، ولا يسقطها التقادم، معصومة من الخطأ، فكل ما يصدر عنها هو الحق والعدل. إذاً: يضع الدكتور الصاوي تعريفاً للسيادة بناء على هذه الخصائص فيقول: إن السيادة هي السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال. أو بتعبير آخر: هي السلطة العليا المطلقة التي تملك وحدها الحق في إنشاء الخطاب المتعلق بأفعال المواطنين على سبيل التكليف أو الوضع. والتكليف قد يكون تكليفاً بفعل شيء، أو تكليفاً بتركه، أو تخييراً بين الفعل والترك، فخطاب التكليف هو الخطاب المتعلق بجعل الشيء واجباً أو محرماً أو مباحاً، أما الوضع فهو الربط بين شيئين برابطة السببية أو الشرطية أو المانعية. فخطاب الوضع: هو الخطاب المتعلق بجعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً، وعلى هذا فالسيادة: هي السلطة العليا المطلقة التي تفردت بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال، فهي التي تملك جعل الفعل واجباً أو محرماً أو مباحاً، وهي التي تملك جعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً. والذين درسوا أصول الفقه يشاهدون التشابه الشديد في قضية الحكم، ومبحث الحكم في كتب أصول الفقه سواء الحكم الوضعي أو الحكم التكليفي. يقول: هذا ويلاحظ أن السيادة والديمقراطية تعبيران عن فكرة واحدة، فالسيادة هي التعبير القانوني، والديمقراطية هي التعبير السياسي، وعلى هذا فنظرية سيادة الأمة: هي التعبير القانوني عن الديمقراطية التي تميز نظام الحكم في الدول الرأسمالية.

стр. 2105

السيادة في المجتمعات الغربية ثم يناقش بعد ذلك قضية: السيادة في المجتمعات الغربية، فيذكر تحت عنوان: (انتقال السيادة إلى الأمة على يد الثورة الفرنسية) يعني: السيادة فيما مضى كانت تمزج بين شخص الملك وبين الدولة، فنظام الحكم قبل الثورة الفرنسية كان قائماً على المزج بين الشخصيتين: شخصية الملك وشخصية الدولة، وعبر عنها في أوضح صورها لويس الرابع عشر بقولته المشهورة: أنا الدولة! أنا الدولة! وكان الملك هو صاحب الحق في السيادة بمقتضى ما له من الصفات الشخصية، وكانت تتركز فيه وحدة سلطة الدولة، فلما قامت الثورة الفرنسية توجه النظام إلى أساس آخر، وهو المزج بين الأمة والدولة، وأصبحت السيادة ملكاً للأمة، وأخذت فكرة سيادة الأمة طريقها إلى القانون العام الفرنسي، وفي المادة الثالثة من إعلان حقوق الإنسان الصادر في (١٨٧٩م) النص على أن السيادة للأمة، وعلى أن القانون هو التعبير عن إرادة الأمة. خلاصة هذا: أن السيادة للأمة باعتبارها شخصاً متميزاً عن الأفراد المكونين لها، فالسيادة ليست ملكاً لأفراد الأمة مستقلين، فليس لكل منهم جزء من السيادة، وإنما للسيادة صاحب واحد، وهو الأمة التي هي شخص جماعي مستقل عن الأفراد الذين يكونونها، فالإرادة العامة للأمة التي صارت مستقراً ومستودعاً لهذه السيادة هي ذلك الوجود المعنوي أو المجازي الذي انبثق من مجموع الإرادات الفردية، واستقل عنها.
следующие страницы →