← Акыда

Акыда · id 37020

شرح تطهير الاعتقاد للصنعاني - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (101 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٣] أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية، وأنه خالقهم وخالق كل شيء؛ لأن ذلك أمر فطري فطر الله عليه جميع البشر، لكن لم ينفعهم ذلك، فقد حكم الله عليهم بالكفر؛ لشركهم بالله تعالى في توحيد الإلهية والعبادة، الذي هو المقصود والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين.

стр. 2

تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأصل الثالث: أقسام التوحيد. إن التوحيد قسمان: القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها. ومعناه: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكاً، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل الرابع. والقسم الثاني: توحيد العبادة ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها. فهذا هو الذي جعلوا لله فيه الشركاء، ولفظ (الشريك) يشعر بالإقرار بالله تعالى. فالرسل ﵈ بعثوا لتقرير الأول، ودعاء المشركين إلى الثاني]. بين المصنف رحمه الله تعالى أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الإقرار بوجود الله، وتوحيده في ربوبيته وأسمائه وصفاته، فتوحده سبحانه في أفعاله، التي هي: الخلق والرزق والإماتة والإحياء وإنزال المطر، وتسبيب الأسباب، كل هذه أفعاله سبحانه، فتعتقد أن الله هو الخالق الرازق المالك المحيي المميت مدبر الأمور، مصرف الأمور، مسبب الأسباب، منزل المطر، وتعتقد بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا ما يسمى بالتوحيد العلمي أو التوحيد الخبري؛ لأن الله أخبر بذلك. وأما توحيد العبادة، فهو أن توحد الله في أفعالك أنت أيها العبد! فتتقرب بأفعالك إلى الله عزوجل: بصلاتك وصومك وزكاتك وحجك وبرك لوالديك وصلتك لأرحامك وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وجهادك في سبيل الله، فتوحد الله فيها بأن تصرفها لله تعالى، وهذه الأفعال مقيدة بالشرع، فالعبادة لا تصح ولا تكون عبادة إلا بشرطين: الشرط الأول: أن تكون خالصة لله ، مراداً بها وجه الله والدار الآخرة. الشرط الثاني: أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع، أي: جاء بها الإسلام، وشرعها الله في كتابه أو شرعها النبي ﷺ في سنته، فهذه العبادات توحد الله فيها، بمعنى: أنك تصرفها لله دون غيره، فتصلي لله لا لغيره، وتصوم لله لا لغيره، وتزكي لله لا لغيره، وتحب لله لا لغيره، وهكذا. وعلى هذا فإن العلماء السابقين: كـ شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم قسموا التوحيد إلى قسمين: الأول: توحيد الربوبية، ويسمى: التوحيد العلمي الخبري، وهو: الإيمان بوجود الله، وتوحيده في أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، وهذا يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. لكن لما كثر النزاع وأثيرت الشبه حول الأسماء والصفات، جعل العلماء توحيد الأسماء والصفات قسماً ثالثاً، فقسموها إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وإلا فالأصل أن توحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية، فهما توحيد واحد، فالإيمان بوجود الله، والإيمان بأنه هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، والإيمان بأسمائه وصفاته توحيد واحد. الثاني: توحيد الألوهية وهو: أن توحد الله بأفعالك أنت أيها العبد! ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الثالث: أن التوحيد قسمان: القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها. فقوله: (توحيد الربوبية) أي: أن توحد الله بأفعال الرب، وأفعال الرب: هي الخلق والرزق وقوله: (والخالقية) أي: أن تعتقد أن الله هو الخالق، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]. وقوله: (الرازقية) أي: أن تعتقد أن الله هو الرازق، ونحوها من أفعال العباد، كالإماتة والإحياء، ويدخل في ذلك أيضاً الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأسماء الله معروفة: كالعليم والسميع والبصير والخبير، وصفات الله: كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، وأفعال الله هي صفات الله: كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، وقد فسره المؤلف ﵀ فقال: ومعناه: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكاً، بل هم يقرون به كما سيأتي في الأصل الرابع. يعني: أن هذا التوحيد لا ينكره المشركون، بل يقرون به؛ لأن الله فطرهم على ذلك، والآيات في هذا كثيرة تدل على أنهم يقرون بهذا النوع، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]. وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١]. وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. إذاً: فهم مقرون بهذا التوحيد؛ لأنه أمر فطري فطر الله عليه طوائفه جميعاً، إلا من شذ ففسدت فطرتهم، وعميت بصيرتهم، فأشركوا في توحيد الربوبية، مثل: الدهريين الذين قالوا: إن هذا العالم ليس له مدبر، وإنما يسير بنفسه ويدبر نفسه، وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ومثلهم: الشيوعيون الملاحدة الذين يقولون: لا إله والحياة مادة، ومثلهم: الطبائعيون الذين يقولون: إن الطبيعة هي ذات الأشياء، فالطبيعة هي الخالقة لذات الأرض، أي: هي التي خلقت الأرض، وذات السماء خلقت السماء، وذات النبات خلقت النبات، وكذلك من يقول بالصدفة، وأن هذا العالم وجد صدفة، فهؤلاء شذوا عن المجموعة البشرية، وإلا فإن طوائف بني آدم كلهم مطبقون على الإقرار بهذا التوحيد والاعتراف به، وليس في هذا التوحيد نزاع بين الرسل وبين الأمم، ولهذا أخبر الله عن قوم صالح الذين تمالئوا على قتل نبي الله صالح، أنهم يكفرون بالله، وأخبر تعالى أنهم تمالئوا فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل:٤٥ - ٤٩] تقاسموا بالله يريدون قتل نبي الله، فهم يقرون بالله ولم ينكروا وجوده، وهم مع كفرهم مقرون بهذا التوحيد، كذلك قوم نوح وقوم هود، وقوم إبراهيم وقوم موسى وقوم عيسى وكفار قريش في زمن النبي ﷺ ، كلهم مقرون بهذا التوحيد، ولهذا قال المؤلف: وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكاً، بل هم يقرون به. القسم الثاني: فهو توحيد العبادة، والعبادة معناها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالعبادة: كل ما أمر الله به، وكل ما نهى الله عنه، فالذي أمر الله به يفعله المسلم تعبداً لله، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب، وكل ما نهى الله عنه فإن المسلم يجتنبه، سواء كان نهي تحريم أو نهي تنزيه، فهذه هي العبادة: الأوامر والنواهي، أي: تفعل الأوامر وتترك النواهي. وقال بعضهم: العبادة هي: كل ما أمر به شرعاً من غير اضطراب عرفي ولا اقتضاء عقلي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. أي: كل ما يحبه الله قولاً أو عملاً أو اعتقاداً أو نية ظاهراً أو باطناً، فتصرفها لله وتفردها له؛ بأن تؤدي هذه العبادة ولا تجعل مع الله شريكاً، فتصلي لله ولا تصلي لغيره، وتزكي لله ولا تزكي لغيره، وتصوم لله ولا تصوم لغيره، وتدعو الله ولا تدعو غيره، وتذبح لله ولا تذبح لغيره، وتطوف ببيت الله تقرباً إلى الله ولا تطوف بغير بيت الله، وتنذر لله ولا تنذر لغيره، وهذا النوع هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وبين الأمم، وهو الذي فيه المعركة والقتال والنزاع بين الرسل وبين أممهم، فالنزاع والعداوات والحروب الطاحنة بين الأنبياء وبين الأمم بسبب هذا التوحيد، فالرسل تأمرهم بأن يخلصوا لله العبادة وهم ينازعون في ذلك، فيقولون: نريد أن نعبد الله ونعبد غيره، والرسل تقول: لا تعبدوا إلا الله، ولا تذبحوا إلا لله، ولا تنذروا إلا لله، ولا تدعو إلا الله، وهم يقولون: بل نذبح لله ونذبح لغير الله، ندعو الله وندعو غير الله، حتى قال المشركون للنبي ﷺ : اعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة، وهذا صلح بيننا وبينك! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *

стр. 3

إرسال الرسل لتقرير توحيد الربوبية ودعاء المشركين إلى توحيد العبادة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالرسل ﵈ بعثوا لتقرير الأول، ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم:١٠]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر:٣] ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي: قائلين لأممهم: أن اعبدوا الله، فأفاد بقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل:٣٦] أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم وأنه رب السموات والأرض، فإنهم مقرون بهذا، ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا بصيغة التقرير، نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]. ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]. ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤]. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠] استفهام تقرير لهم؛ لأنهم مقرون به]. قوله: (فالرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا لتقرير الأول) أي: توحيد الربوبية، وهو القسم الأول، ودعاء المشركين إلى الثاني الذي هو توحيد العبادة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا لتقرير الأول؛ لأنهم يقرون الناس على توحيدهم -في الربوبية، وأن هذا التوحيد حق، لذا يجب على كل إنسان أن يوحد الله في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وفي ألوهيته وعبادته، فالرسل عليهم الصلاة والسلام قرروا الناس على توحيدهم للربوبية، وقالوا: نقركم على توحيدكم لله في الربوبية، لكن بقي عليكم أن تقروا بتوحيد الألوهية والعبادة لله، فلا يكفي في الدخول في الإسلام حتى توحدوا الله في الألوهية، ولهذا دعي المشركين إلى الثاني الذي هو توحيد الألوهية، ومثل المؤلف بقوله تعالى في خطاب المشركين: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم:١٠]. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر:٣] أي: أنتم ليس عندكم شك بأن الله فاطر السموات والأرض، إذاً: أقروا بتوحيد الإلهية والعبادة، وأفردوه بالعبادة فهو يدعوكم سبحانه ليغفر لكم من ذنوبكم: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣] فهم معترفون بذلك، وقد اتبع الله بعد ذلك بتوحيد الإلهية فقال سبحانه: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر:٣] أي: لا معبود بحق إلا هو، فاعبدوه ما دمتم تعترفون أنه ليس هناك خالق غير الله، وأفردوه بالعبادة، وانتهوا عن شرك العبادة، فإن الرسل قد بعثوا بالنهي عن الشرك في العبادة، والعبادة كما سبق: جميع ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي، فيفعل المسلم الأوامر ويترك النواهي تعبداً لله ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فقد بين الله أنه بعث في كل أمة رسولاً، يأمر الناس بأن يعبدوه ويوحدوه ويخلصوا له العبادة ويجتنبوا الطاغوت، والطاغوت: هو كل ما عبد من دون الله. وطاغوت على وزن: (فعلوت) صيغة مبالغة، فكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو مطاع أو معبود وهو راض بذلك فهو طاغوت، فالذي يدعو الناس إلى عبادة نفسه طاغوت؛ لأنه تجاوز حده، وحده: أن يكون عبداً لله، فإذا دعا الناس إلى عبادته يكون قد شابه فرعون الذي ادعى الربوبية حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] فهذا طاغوت، بل رءوس الكفر طواغيت، فإبليس طاغوت دعا إلى الشرك، ومن دعا إلى عبادة نفسه فهو طاغوت، ومن رضي أن يعبده الناس فهو طاغوت تجاوز حده، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، فحد العبد: أن يكون عبداً لله ذليلاً خاضعاً ممتثلاً لأمر الله مجتنباً لنهيه، فإذا تجاوز الإنسان حده صار طاغوتاً، أي: أن حدك أن تعبد الله، وأن توحد الله، وأن تدعو إلى عبادة الله، فإذا خرج الإنسان عن هذا الحد وتمرد على الله وعلى رسله وأنبيائه ودعا الناس إلى عبادة نفسه أو رضي بأن يعبد من دون الله أو أمر بمعصية الله، أو حكم بغير ما أنزل الله، أو دعا الناس إلى الشرك والوثنية صار طاغوتاً؛ لأنه تجاوز حده؛ لأن حد الإنسان أن يكون عبداً لله، فإذا تجاوز هذا الحد صار طاغوتاً، فالرسل عليهم الصلاة والسلام بعثهم الله في كل أمة، يأمرون الناس بعبادة الله واجتناب الطاغوت. وقوله: (أي قائلين لأممهم أن اعبدوا الله) أي: تقدير ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦] قائلين لأممهم: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. وقوله: (فأفاد بقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل:٣٦] أي: أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة). إذاً: الرسل أرسلت لتطلب من الناس أن يوحدوا الله في العبادة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:١١٧] لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم، وأنه رب السموات والأرض، فإنهم مقرون بذلك، وإنما بعثوا ليأمروا الناس بعبادة من وحده، وخلاص العبادة له، وطلب توحيد العبادة له، فهم يطلبون من الناس أن يوحدوا الله في العبادة والألوهية، يطلبون من الناس أن يوحدوا الله بأفعالهم ودعائهم وذبحهم ونذرهم وصلاتهم وحجهم، وأن يصرفوها لله لا لغيره، هذا هو الذي بعثت به الرسل، ولم تبعث الرسل لتقول للناس: نعرفكم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت؛ لأنهم مقرون بهذا. وقوله ﵀: (ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا بصيغة التقرير)، أي: أن الآيات لم ترد في توحيد الربوبية إلا بصيغة التقرير، فتقرر الناس على ما يعتقدون، ومثل المؤلف ﵀ بقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [فاطر:٣] (هل) استفهام تقرير. أي: أنتم تقرون بأنه ليس هناك خالق غير الله، فكما أنكم تقولون: لا خالق إلا الله. فيجب عليكم أن تعتقدوا أنه لا إله غير الله، ولا معبود بحق غيره، فهذا استفهام تقرير. ومثَّل بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] وهنا بصيغة التقرير، حيث يخاطب الله المشركين فيقول: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] أي: ألا تعتبرون أنكم تعتقدون أن الله هو الخالق والأصنام ليست خالقة، فتسوون بين الخالق وبين ما لا يخلق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] فهل يستويان؟ لا يستويان، فالذي يخلق هو الذي يستحق العبادة، والذي لا يخلق لا يستحق العبادة. إذاً: هذا احتجاج يحتج الله به عليهم، فكما أنكم تعتقدون بأن الله هو الخالق اعبدوه، ولا تعبدوا هذا المخلوق الذي لا يستحق العبادة، ولا تسوون بين الخالق وبين غير الخالق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]. ومثَّل بقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أي: هم يقولون: ليس هناك شك بأن الله فاطر السموات والأرض، إذاً: اعبدوا الله ما دمتم أنكم لا تشكون بأن الله هو فاطر السموات والأرض، فهو المستحق للعبادة؛ لأن فاطر السموات والأرض هو الذي يستحق العبادة. ومثل بقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤] هذه صيغة تقرير، إذاً: اعبدوه وحده. ومثَّل بقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] أي: هذا خلق الله، فهو الذي خلق السموات والأرضين والملائكة والبشر، والنبات والأشجار والأحجار والماء، فكلها خلق الله، وكذلك النجوم والكواكب، فقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله أروني ماذا خلقوا؟! الجواب لا يخلقون، إذاً: لا يستحقون العبادة. وفي الآية التي بعدها: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠] يعني: هؤلاء المعبودون من الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار أروني ماذا خلقوا من الأرض، هل خلقوا شيئاً من الأرض؟! الجواب: لا، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠] أي: هل هم لله شركاء في السموات؟! الجواب: لا، إذاً: لا يستحقون العبادة. وقوله ﵀: (استفهام تقرير لهم؛ لأنهم به مقرون)، أي: حتى يلزمهم بتوحيد العبادة والألوهية، يلزمهم بما يقرون به على الالتزام بما ينكرونه، وهو توحيد العبادة.

стр. 4

اعتقاد المشركين أن الأصنام والأوثان تقربهم إلى الله زلفى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه، فهم مقرون بالله تعالى في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨] فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركاً، ونزه نفسه عنه، لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئاً؟]. قوله: (وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوه في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى) وهذا كما أخبر الله عنهم، وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها مثلما ما عبدوا اللات والعزى، واللات كان رجلاً صالحاً، وكان يلت السويق للحجيج، أو هي: الصخرة التي يلت عليها، وكذلك من الأشجار العزى، وكذلك مناة، وهي: جذع كانت على الساحل، فهذه الأصنام والأوثان، وكذلك من عبد المسيح ﵇، ومن عبد أمه، وكذلك من عبد الملائكة، ما فعلوا هذا لأنهم يعتقدون أنهم شركاء لله في خلق السموات والأرض، فالذين عبدوا الأصنام، والذين عبدوا الأوثان، والذين اتخذوا المسيح وأمه، والذين اتخذوا الملائكة، كلهم لم يتخذوهم في أنهم شركاء لله في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لاعتقادهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما أخبر الله في أول سورة الزمر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر:٣] على تقدير: قائلين ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فقط، فهم يعتقدون أنهم لا يخلقون ولا يرزقون ولا يميتون ولا يحيون، ولا ينفعون ولا يضرون، ولكنهم عبدوهم، وذبحوا لهم، ونذروا لهم، ودعوهم من دون الله، وركعوا لهم، وسجدوا لهم؛ لاعتقادهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فكذبهم الله في أنهم يقربونهم إلى الله، بل يبعدونهم عن الله، وحكم بكفرهم بهذا العمل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣]. وفي الآية الأخرى: أخبر أنهم فعلوا ذلك لأنهم يرجون شفاعتهم، أي: حتى يشفعوا لهم عند الله. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] فرد الله عليهم فقال: ليسوا شفعاء، فالله تعالى لا يعلم أن له شريكاً، وهل تنبئون الله بشيء لا يعلمه، وهو لا يعلم أن له شريكاً في السموات والأرض، ثم حكم عليهم بالشرك فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]. والمؤلف ﵀ قد بين ما بينه القرآن الكريم، قال: (لم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى، لأنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما قالوه، فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله) أي: في نفس الكلمات الكفرية هم مقرون بالله، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:٣] إذاً: أقروا بالله، وهذا هو توحيد الربوبية في نفس الكلمات الشركية، ولكن لا يكفي هذا لدخولهم في الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]. فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركاً ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] فهو شرك حينما يدعونهم ويذبحون لهم وينذرون لهم، ويزعمون أنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، فهذا جعله الله شركاً وكفراً، ونزه سبحانه نفسه عنه، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨] فقد حكم عليهم بالشرك، ونزه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهو سبحانه لا يأذن أن يكون له شريك في العبادة.

стр. 5

الشفاعة وشروطها الشفاعة لا بد فيها من شرطين: الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع. الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له، والله لا يأذن لأحد أن يكون شريكاً له في العبادة، ولا يأذن له بالشفاعة، ولا يرضى عن المشرك؛ لأن الله تعالى لا يرضى إلا التوحيد، والمشرك ليس موحداً، فلا يرضى الله عمله، ولا يمكن أن يشفع فيه، فلا يرضى عمل المشرك ولا قوله، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو سبحانه لا يأذن بالشفاعة يوم القيامة إلا لمن كان له مكانة عنده سبحانه، كالرسل والأنبياء والصالحين، لكن لا يشفعون إلا فيمن رضي الله قوله وعمله، وهم الموحدون، فالشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أنه سأل النبي ﷺ فقال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله صادقاً من قلبه) إذاً: أسعد الناس بالشفاعة هم أهل التوحيد، أما المشركون فليس لهم نصيب في الشفاعة، قال : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨]. وقوله: (فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركاً، ونزه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئاً؟) لأن الأصنام والأشجار والأحجار لا يأذن الله لهم في الشفاعة، وليسوا أهلاً لها.

стр. 6

إقرار المشركين بأن الله هو خالقهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأصل الرابع: إن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وأنه هو الذي خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]. وأنه الرزاق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]. وهذا فرعون مع غلوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله تعالى في حقه حاكياً عن موسى ﵇ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]. وقال إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]. وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]. وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر:٣٦] وكل مشرك مقر بأن الله خالقه، وخالق السموات والأرض، وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]. وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه]. هذا هو الأصل الرابع من الأصول التي ذكرها المؤلف، وهو: أن المشركين مقرون بأن الله خالق كل شيء، وقد سبق في الأصل الثالث أن التوحيد قسمان: توحيد الربوبية، وهذا أقر به المشركون. وتوحيد الألوهية، وهذا أنكره المشركون، فالمؤلف رحمه الله تعالى جعله أصلاً مستقلاً بذاته، وهو جزء من الأصل الثالث؛ لأن الأصل الثالث قال فيه: إن التوحيد قسمان: توحيد الربوبية، وهذا أقر به المشركون، وتوحيد الألوهية، وهذا أنكره المشركون، والأصل الرابع قال فيه: إن المشركين مقرون بأن الله خالقهم، ومقرون بأن الله خالق السموات والأرض، وبأنه هو الرازق، وبأنه المحيي، وبأنه المدبر، وبأنه مصرف الأمور، فهم مقرون بأفعال الرب كلها، ومن ذلك أن الله خلقهم، فهذا كله أقر به المشركون، وهذا أمر معلوم من النصوص ولا إشكال فيه. قوله: (إن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم)، ثم استشهد بالآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وأخبر أنهم مقرون بأنه خلق السموات والأرض، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] ومقرون بأن الله هو الرازق، ومقرون بأن الله هو الرزاق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه هو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة، فكل هذا واضح في الآيات الكريمة، ثم استشهد بالآيات: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس:٣١] و الجواب ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] فما دمتم تعترفون بهذه الأمور، أفلا تتقون الله وتعبدونه وتصرفون له العبادة، وتتقون ناره وغضبه وسخطه بترك الشرك، وقد احتج عليهم بذلك، قال الله في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] أي: ما دمتم معترفين بذلك، فتذكروا واعتبروا وأخلصوا العبادة له ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧] وهذا اعتراف، ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٧] أي: أفلا تتقون غضب الله وسخطه وناره، فتحذرون الشرك وتخلصون له العبادة. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٨ - ٨٩] وهذا إقرار منهم ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩] أي: كيف تصرفون؟ وأين ذهبت عقولكم؟ فعبدتم معه غيره، وأنتم معترفون بذلك. وقوله: (وهذا فرعون مع غلوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء -التي ذكر الله عنه أنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]- يقول الله في حقه حاكياً عن موسى ﵊: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]) أي: أن فرعون مع غلوه في كفره، ومع أنه إمام في الكفر -كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] أي: أن هناك أئمة في الكفر، وأئمة لأهل النار، ومنهم فرعون، وهناك أئمة في التوحيد، فالأنبياء أئمة عليهم الصلاة والسلام في التوحيد، وأئمة للمؤمنين، وفرعون من أئمة الكفر، نعوذ بالله من ذلك- ادعى أقبح دعوى، ونطق بالكلمة الشنعاء، وادعى الربوبية والألوهية، وقد أخبر الله عن موسى أنه قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] والعلم بمعنى: اليقين، أي: أن فرعون يعلم ويعتقد في قرارة نفسه: أن الله رب السموات والأرض: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] وأنه ليس عنده شك، بل هو عالم ومتيقن، لكنه جحد الحق، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤] أي: جحدوا بها وقلوبهم متيقنة. وهنا أخبر الله عن موسى أنه قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] ولم يقل: لقد شككت؛ لأن فرعون عنده علم بهذا، ومع ذلك ما نفعه هذا العلم وهذا الإقرار، لأنه عاند وكفر، ولم يتبع وينقاد لشرع الله ولدينه، بل صار كافراً، وإقراره الذي يقوله في توحيد الربوبية لم ينفعه؛ لأنه لا بد من الانقياد والاتباع والتوحيد في العبادة، وكذلك إبليس، فإنه إمام كل كافر، وإمام كل شر وفتنة، وإمام كل قائد إلى النار، وهو معترف ومقر بوجود الله، بل يوحد الله في ربوبيته، ومع ذلك فهو إمام الكفر وإمام الضلال، ولا يكفيه اعترافه بالربوبية لله تعالى، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] فقد أثبت ربوبية الله للعالمين، لكن لا ينفع هذا، ولا يكفيه لإخراجه من الكفر، بل حتى يعبد الله ويخلص له العبادة، وقال الله عنه في آية أخرى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فالشاهد: ربي، حيث أنه اعترف بربوبية الله، وقال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر:٣٦] وهنا أيضاً اعتراف منه بربوبية الله تعالى. قوله: (وكل مشرك مقر بأن الله خالقه، وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم) أي: أن كل مشرك مؤمن بهذا. وقوله: (ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]) أي: ألا تعتبرون، فالذي يخلق هو الذي يستحق العبادة، والذي لا يخلق لا يستحق العبادة. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: أن كل الذين تدعون من دون الله، لو اجتمعوا جميعاً ما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، ومع ذلك وقعوا في خطيئة الشرك في العبادة، لذلك يقول: (والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه).

стр. 7

العبادة هي أقصى باب الخضوع والتذلل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأصل الخامس: أن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولي أعظم النعم، وكان لذلك حقيقاً بأقصى غاية الخضوع كما في (الكشاف). ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله، الذي تفيده كلمته، التي إليها دعا جميع الرسل، وهي: (قول لا إله إلا الله)، والمراد اعتقاد معناها، والعمل بمقتضاها، لا مجرد قولها باللسان. ومعناها: إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كل معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]]. إن أساس العبادة توحيد الله تعالى، ومن لم يوحد الله فعبادته فاسدة، وإذا دخل الشرك العبادة أفسدها، فالصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، فهذه العبادة لا تصح إلا بالتوحيد، فإذا دخل الشرك فيها فسدت وبطلت، كما أن الصلاة تصح بالطهارة، وهذا شرط في صحة الصلاة، فإذا دخل الحدث بطلت الطهارة وفسدت العبادة، وكذلك الشرك إذا دخل في التوحيد بطلت العبادة وفسدت، فتوحيد الله أساس العبادة. يقول المؤلف: (إن العبادة: أقصى باب الخضوع والتذلل) أي: أن العبادة لا بد فيها من الخضوع والتذلل، ولا بد فيها من المحبة، وهذان الركنان لا بد منهما، بأن يخضع الإنسان، ويذل لله مع محبته وتعظيمه وإجلاله، فإذا انفرد أحدهما فلا تكون عبادة؛ لأن الإنسان قد يخضع ويذل لسلطان ظالم، وقد يخضع لعدو لا يحبه، وقد يحب شخصاً لكن لا يخضع له ولا يذل، فإذا أحبه وخضع له وذل، فهذه هي العبادة، فيصير بذلك عابداً له، بكمال المحبة وكمال الذل والخضوع، ولهذا قال المؤلف: (إن العبادة: أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله)، أي: أن العبادة في الخضوع له، يعني: مع محبته وإجلاله وتعظيمه، فالعبادة هي المحبة مستلزمة للخوف والرجاء، فالخاضع الذليل هو: الخائف لله الراجي له؛ لأنه مولي أعظم النعم. والعبادة أركانها ثلاثة: محبة، وخوف، ورجاء، والرجاء داخل في الخضوع والتذلل، فالخضوع والتذلل مستلزم للخوف والرجاء والمحبة، فهذه هي أركان العبادة التي ذكرت في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] دلالة على المحبة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] دلالة على الرجاء، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] دلالة على الخوف. قوله: (وكان ذلك حقيقاً بأقصى غاية الخضوع)، أي: الرب .

стр. 8

توحيدالله هو رأس العبادة وأساسها وقوله: (ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله) أي: أن توحيد الله هو رأسها وأساسها، بل ولا تصح العبادة إلا بالتوحيد (الذي تفيده كلمته التي إليها دعا جميع الرسل، وهي: (قول لا إله إلا الله)، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، والإله هو المعبود، و (لا): نافية للجنس، تنصب الاسم وترفع الخبر، وإله: اسمها، والخبر محذوف تقديره: لا إله حق إلا الله، لا معبود حق إلا الله، والمراد كما يقول المؤلف: هو: (اعتقاد معناها، والعمل بمقتضاها، لا مجرد قولها باللسان)، أي: لا يكفي النطق باللسان، بل لا بد أن تعرف معناها، وأنها مشتملة على نفي وإثبات. فلا إله: نفي، إلا الله: إثبات، والشيء الذي تنفيه: جميع أنواع العبادة تنفيها عن غير الله، والشيء الذي تثبته: جميع أنواع العبادة تثبتها لله، والقول بـ (لا إله) براءة من الشرك، وكفر بالطاغوت. و (إلا الله) إيمان بالله. وعليه فلا بد من أمرين: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، ولا يوجد توحيد إلا بأمرين: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] وكلمة التوحيد مشتملة على كفر وإيمان، ولا يوجد توحيد إلا بأمرين: نفي، وإثبات، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: نعبدك ولا نعبد غيرك، وقولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] تساوي معنى (لا إله إلا الله)؛ لأن تقديم الظرف يفيد الاختصاص، فليس هناك عبادة إلا بأمرين: نفي، وإثبات، كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، فـ (لا إله) براءة من كل معبود سوى الله، براءة من الطاغوت، وكفر به أياً كان، (إلا الله): إثبات العبادة بجميع أنواعها لله، ولا بد من العمل بمقتضاها، ومقتضاها: أن تلتزم الأوامر وتجتنب النواهي، ولا بد من الإخلاص، أي: أن كلمة التوحيد لابد لها من شروط، لا بد أن تعرف معناها، ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك، ولا بد من الصدق المانع من النفاق، ولا بد من الانقياد بحقوقها، وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا هو العمل بمقتضاها، ولا بد من القبول لها المنافي للترك، ولا يكفي مجرد قولها باللسان. قوله: (ومعناها: إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية) كما سبق، والنفي هو: البراءة من كل معبود دونه كما سبق، وهذا في صدر الكلمة (لا إله)، وإفراد الله بالعبادة والإلهية هذا في عجزها (إلا الله). قوله: (وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي)، ولذلك لما أمرهم النبي ﷺ بكلمة التوحيد (قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]) وقد سبق أن ذكرنا أن أبا جهل نفض يديه ونكص على عقبيه، وقال: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].

стр. 9

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٤] جاءت الشريعة الإسلامية بأنواع العبادة التي يتقلب فيها المسلم، فجاءت بالعبادة الاعتقادية، والعبادة اللفظية، والعبادة البدنية، والعبادة المالية، كما بين الله تعالى في كتابه أن دعوة الأنبياء من لدن آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ هي: الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة، والنهي عن الشرك، والتحذير من الغلو في الصالحين، وصرف العبادة لغير الله تعالى، وجعل ذلك شركاً مع الله تعالى.

стр. 10

أنواع العبادات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعاً: اعتقادية: وهي أساسها، وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد، الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك مما يجب من لوازم الإلهية. ومنها اللفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر، ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به كما أسلفنا عنه، إلا أنه لم يمتثل أمر الله بالسجود فكفر، ومن نطق ولم يعتقد، حقن ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين. وبدنية: كالقيام، والركوع، والسجود في الصلاة، ومنها: الصوم، وأفعال الحج، والطواف. ومالية: كإخراج جزء من المال، امتثالاً لما أمر الله تعالى به. وأنواع الواجبات والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال، والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها]. هذا فصل في أنواع العبادات، قوله: قوله: (إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعاً) أي: أن العبادة التي يتعبد بها المسلم أنواع: منها اعتقادية يعتقدها بقلبه، ومنها: لفظية ينطق بها بلسانه، ومنها: عملية يعملها بجوارحه.

стр. 11

العبادة الاعتقادية قوله: (اعتقادية: وهي أساسها، وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد، الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك مما يجب من لوازم الألوهية) أي: أن يعتقد المسلم بأن الله هو الرب، الخالق، الرازق، المدبر، فيوحده في ربوبيته، ويعتقد بأنه هو المعبود بحق، وأنه لا شريك له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأن كل معبود سواه باطل، وأنه لا معبود بحق غيره، وأن يوحده بأفعاله هو، وغير ذلك مما يجب من لوازم الألوهية، وهذا اعتقاد لا بد منه، ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم، ومن اعتقد أن أحداً يستحق العبادة غيره، فإنه يكون مشركاً، ولو صلى وصام وزكى، فلا بد أن يعتقد بأنه يجب إفراد الله بالعبادة في جميع أنواعها.

стр. 12

العبادة اللفظية ومنها اللفظية: وهي التي يتلفظ بها بلسانه، وأعلاها: النطق بكلمة التوحيد، أي: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فمن اعتقد ما ذكر، ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، فإذا قال شخص: أنه يعتقد بأن الله هو الرب، الخالق، الرازق، المدبر، ويعتقد بأن الله هو المستحق للعبادة، لكن رفض أن ينطق بكلمة التوحيد، فلا يكون مسلماً، بل لابد أن يعتقد بها وينطق بالشهادتين، فإذا امتنع وكان قادراً على النطق بالشهادتين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأن أصل التوحيد وأساس الملة: أن يشهد الإنسان لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، فمن رفض أن يشهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، وهو يعتقد بها مع قدرته فإنه يقتل، ولا ينفعه اعتقاده في الباطن بأن الله مستحق للعبادة، إذ لو كان معتقداً أن الله مستحق للعبادة لنطق بالشهادتين، لأنه لا يمنعه شيء ما دام أنه قادر، ولذلك يقول المؤلف: من امتنع كان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به كما أسلفنا عنه، إلا أنه لم يمتثل أمر الله فكفر. قوله: (وكان كإبليس) فيه نظر؛ لأن إبليس مقر بلسانه، لكن كفره بالإباء والاستكبار، فقد قابل إبليس أمر الله بالإباء والرفض، فاعترض على الله حين أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤] فرفض وقال: ليس من الممكن أن أسجد له، فأنا عنصري مخلوق من نار، وعنصره مخلوق من طين، والنار أحسن من الطين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول! وهذا اعتراض على الله، ولذلك كان أول من قاس قياساً فاسداً هو إبليس، ولا يوجد قياس مع النص، فإذا جاءك النص فسمعاً وطاعة، ولا تقس كإبليس، الذي جعل الله جزاؤه أن طرده من رحمته، وجعله شيطاناً رجيماً.

стр. 13

أنواع الكفر الكفر أنواع: كفر جحود، والجاحد كافر، وكفر بالرفض والإباء والاستكبار، مثل: كفر إبليس وفرعون واليهود، مع إقرارهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]. ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]. وكفر أبي طالب عم النبي ﷺ كفر استكبار، وهو القائل: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً فحمله تعظيمه لآبائه وأجداده أن يشهد عليه بالكفر، وهؤلاء كلهم حملهم الإباء والاستكبار ما يشهد عليهم بالكفر. إذاً: كفر إبليس ليس كما قال المؤلف: (أن من اعتقد ما ذكر، ولم ينطق لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس) حيث أن كفر إبليس لم يكن بعدم النطق، بل إن كفره كان بالإباء والاستكبار، وعليه من أبى النطق وأنكر هذا يكون كافراً؛ لأن كفره عندئذ كفر جحود. إذاً: قد يكون الكفر بالإباء والاستكبار، كمن نطق بالشهادتين، وهو يعرف هذا فرفض الذكر، أو رفض عن الانقياد والاتباع، ومن هذا الباب من أبى النطق بالشهادتين، فيكون كافراً؛ لأنه امتنع عن نطقه بالشهادتين. والخلاصة: أن العبادات أنواع، منها: اعتقادية، ومنها: لفظية، وهي: النطق بكلمة التوحيد، فمن امتنع عن النطق بكلمة التوحيد مع القدرة على ذلك فإنه لا يكون مؤمناً؛ لأن الكفر يكون بالجحود، ويكون بالإباء والاستكبار، وإن كان مصدقاً فيكون بالشك، ويكون بالإعراض، فهذه أنواع الكفر، فكفر إبليس بالإباء والاستكبار، وكذلك كفر فرعون، وكفر اليهود كذلك بالإباء والاستكبار والرفض، فقد رفضوا أمر الله وأمر رسول الله، ولم ينقادوا لشرع الله ودينه، وكان كفرهم بالرفض والإباء والاستكبار، ولهذا قوله: (من اعتقد ما ذكر، ولم ينطق لم يحقن دمه وماله، وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به) كما أسلفنا عنه، لكنه أبى واستكبر، ولهذا قال: (إلا أنه لم يمتثل أمر الله بالسجود فكفر، ومن نطق بها ولم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين) وهذا يسمى كفر النفاق: هو وكفر النفاق: أصل كفر الإباء والاستكبار، وكفر الإباء والاستكبار: أن يتكلم وينطق، لكن يمتنع من العمل ويرفض، وكفر النفاق: أن يعمل، لكنه مكذب في الباطن، وذلك مثل المنافقين في زمن النبي ﷺ : يصلون ويحجون ويجاهدون مع النبي ﷺ لكنهم كفار؛ لأنهم لم يصدقوا بقلوبهم. إذاً: الكفر أنواع: كفر جحود وكفر وإباء واستكبار، وكفر نفاق، وكفر شك، وكفر إعراض، فالذي يشك في الله، أو في كتابه، أو في رسوله، أو في دينه، أو في الجنة، أو في النار، أو في الرسل، أو في الأنبياء، يكون كفره بالشك، وكذلك من يعرض عن دين الله، فلا يتعلمه ولا يعمل به، فكفره يكون كفراً بالإعراض، ومن أبى واستكبر ولو كان مقراً مصدقاً يكون كفره بالإباء والاستكبار، ومن جحد يكون كفره بالجحود، ومن عمل ولكنه مكذب في الباطن، فكفره يكون النفاق.

стр. 14

العبادات البدنية من العبادات ما هي عبادة لفظية، مثل: قراءة القرآن، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذه عبادات لفظية، ومنها: عبادة قولية، كما أن هناك عبادات عملية أو بدنية: كالقيام، والركوع، والسجود، والصلاة، والصوم، وأفعال الحج، والطواف، كل هذه عبادات بدنية، ومنها: عبادات مالية: كإخراج جزء من المال امتثالاً لأمر الله تعالى، مثل: الصدقات، والزكوات، والتبرعات للمشاريع الخيرية، كل هذه عبادات مالية. وقوله: (وأنواع الواجبات والمندوبات في الأموال، والأبدان، والأفعال، والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها) وضابطها ما سبق، أي: أن ضابط العبادات: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فيشمل كل ما جاء به الشرع، وكل ما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ من الأوامر والنواهي، وما يفعل المسلم من الأوامر، وما يترك من النواهي، سواء كان أمر إيجاب، أو أمر استحباب، وسواء كان النهي نهي تحريم، أو نهي تنزيه، وهذا يشمل الأقوال والأفعال والاعتقادات والأعمال والنيات، وكلها داخلة في ذلك.

стр. 15

الرسل مبعوثون للدعوة إلى إفراد الله بالعبادة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا تقررت هذه الأمور فاعلم: أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه؛ ولذا قالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠]. أي: لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟ فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنه لا يعبد، بل أقروا بأنه يعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله تعالى غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] أي: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وكان يسمعهم النبي ﷺ عند قولهم: لا شريك لك. فيقول: (قدْ قدْ، أي: أفردوه ﷻ ، لو تركوا قولهم: إلا شريكاً هو لك) فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف:١٩٥] فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى، ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب وبالنذور والنحر لهم، إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم لديه. فأرسل الله تعالى الرسل تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده. وهذا هو توحيد العبادة، وقد كانوا مقرين -كما عرفت في الأصل الرابع- بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده]. خلاصة هذا الكلام: أن الرسل بعثهم الله تعالى لدعوة الناس إلى توحيد العبادة، وإفراد الله بالعبادة، وإخلاص العبادة له . وأما توحيد الربوبية، وإن كان توحيداً مطلوباً وتوحيداً صحيحاً -وهو أحد أنواع التوحيد- إلا أنه أمر فطري أقر به المشركون ولم ينكروه، بل ولم يخالفوا فيه؛ فلهذا بعث الله الرسل بتوحيد العبادة، وإخلاص العبادة له ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وهذا هو الأمر الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وسيلتان إلى توحيد العبادة، فإذا عرف المسلم ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، فعليه أن يعبد هذا الرب الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى. والمؤلف ﵀ يبدأ ويعيد، ويكرر هذا من أول الرسالة إلى آخرها، ويبين أن الرسل بعثوا لأمر الناس بإفراد الله بالعبادة ونهيهم عن الشرك، وأن توحيد الربوبية أمر فطري أقر به المشركون؛ ولهذا فإن الرسل ما دعتهم إليه، لأنهم يقرون به، ولأنهم موحدون لله في الربوبية، ولكن الرسل إنما بعثهم الله بتوحيد العبادة، وإفراد الله بالعبادة، والنهي عن الشرك، فهذا خلاصة هذه الرسالة من أولها إلى آخرها، وهذا خلاصة كلام المؤلف؛ ولهذا يقول المؤلف ﵀: (وإذا تقررت هذه الأمور فاعلم: أن الله تعالى بعث الأنبياء عليم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة) أي: يدعون الناس إلى أن يفردوا الله بالعبادة، والعبادة كما سبق هي: الأوامر والنواهي التي جاءت بها الشريعة، فالأوامر يفعلها المسلم امتثالاً لأمره، والنواهي يتركها، وبهذا دعت الرسل الناس إلى أن يفردوا الله بالعبادة ويخصوه بها، فالرسل من أولهم -وهو نوح ﵊ إلى آخرهم -وهو نبينا وإمامنا محمد ﷺ يدعون الناس إلى العبادة وإفراد الله تعالى بالعبادة. قوله: (لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه) لأنهم مقرون بذلك، فهم لم يدعوهم إلى إثبات أن الله خلقهم، لأنهم معترفون بهذا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١]، ولهذا قوله: (لا) يعني: لم يبعثوا إلى إثبات أن الله خلقهم، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، وقد ذكر المؤلف: أنه قرر هذا وكرره. وقوله: (لذا قالوا) أي: أن الأمم قالوا لرسلهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠] وهذا كما أخبر الله عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠] أي: لنفرده بالعبادة فقط، فقوم نوح وغيرهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، ونوح ﵊ أمرهم بأن يفردوا الله بالعبادة، فقال: لا تعبدوا إلا الله، وهم يريدون أن يعبدوا الله ويعبدون معه غيره، فيشركون بالله؛ ولهذا أنكروا عليه أمرهم بإفراد الله بالعبادة. وقوله: (فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله) أي: هذا هو الذي اعترضوا عليه، وإلا فهم يعبدون الله، لكنهم يريدون أن يعبدوا الله ويعبدوا معه غيره، ولذلك أنكرت الرسل عليهم عبادة غير الله معه، ولم ينكروا عليهم توحيد الربوبية؛ لأنهم مقرون به، ولم ينكروا عليهم عبادة الله؛ لأنهم يعبدون الله، لكن أنكروا عليهم الإشراك في توحيد العبادة. ولهذا قوله: (ولم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى). أي: ما أنكروا وجود الله، بل هم معترفون بوجود الله، ولم يقولوا: إنه لا يعبد، بل هم يعبدون الله، وأقروا بأنه يعبد، ولكنهم أنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أنداداً، يعتقدون أنهم الأمثال والنظراء، وجعلوهم معبودين، وسووهم بالله في المحبة والتعظيم والإجلال، سواء من الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار والأنبياء والصالحين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] أي: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، وقد كان المشركون يقولون في تلبيتهم للحج: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. فعندما يقول المسلم: لبيك لا شريك لك. هذا توحيد، ولكن قولهم: إلا شريكاً. هذا نقض للتوحيد، حيث أنهم أثبتوا لله شريكاً، وهذا من جهلهم حين أثبتوا لله شريكاً يملك؛ فأنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وجعل يعلمهم تلبية التوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأبطل قولهم: إلا شريكاً هو لك؛ لأن هذا هو الشرك، وكان يسمعهم النبي ﷺ عند قولهم: لا شريك لك، ويقول: قد أفردوه ﷻ ، لو تركوا قولهم: إلا شريكاً هو لك، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن ابن عباس ﵁، وفيه: (كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ : ويلكم قد قد) حيث أنهم يقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت، وهذا من جهلهم، حيث أنهم يعبدون الله بزعمهم وهم يشركون. وقوله: (فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به) أي: أنهم حينما أشركوا بالله في نفس الشرك إقرار بالله، فأقروا بالله ووجود الله، ووحدوا الله في الربوبية، لكن أثبتوا معه غيره، فكونهم يقرون به ويشركون معه غيره فهم يعبدونه ويعبدون معه غيره، وهذا دليل على أنهم أقروا بتوحيد الربوبية، وأقروا بوجود الله، فنفس شركهم إقرار بوجود الله، وإقرار بالربوبية، واستشهد بقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢] أي: مع الله، إذاً: أثبتوا وجود الله. وقوله تعالى: ((وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ)) وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف:١٩٥] [القصص:٦٤] كل هذا في إثبات العبادة لله تعالى مع إشراك غيره معه. ففي نفس الشرك أقروا بالله، فأقروا بالله ووجود الله، ووحدوا الله في الربوبية، لكن أشركوا معه، فكونهم يقرون به ويشركون معه غيره، دليل على أنهم أقروا بتوحيد الربوبية، وأقروا بوجود الله، فنفس شركهم إقرار بوجود الله، واستشهد المؤلف بقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢] يعني: مع الله! إذاً: أثبتوا وجود الله، فقوله: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص:٦٤]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف:١٩٥] هذا كله فيه إثبات لوجود الله، ولهذا قال المؤلف: [فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى، ولم يعبدوا الأنداد] يعني: أن المشركين لم يعبدوا الأنداد، إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى. وقوله: [بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم]. أي: بالخضوع، والذل، والمحبة، والدعاء، والركوع، والسجود، وغيرها، ولماذا عبدوا الأنداد؟! قال: [لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم لديه] كما سبق أن الله أخبر عن ذلك بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. وقال سبحانه

стр. 16

دعوة الأنبياء واحدة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأرسل الله الرسل تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده. وهذا هو توحيد العبادة] توحيد العبادة هو: إفراد الله بالعبادة. قال: [وقد كانوا مقرين -كما عرفت في الأصل الرابع- بتوحيد الربوبية، وهو: أن الله هو الخالق وحده، والرازق وحده. ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم -وهو نوح ﵇ إلى آخرهم -وهو محمد ﷺ هو توحيد العبادة. ولذا تقول لهم الرسل: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢]. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. وقد كان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد، ومنهم من يعبد أحجاراً ويهتف بها عند الشدائد] وهي في الأصل صور رجال صالحين، كانوا يحبونهم ويعتقدون فيهم، فلما هلكوا صوروا صورهم تسلياً بهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولاً فعبدوا الأحجار، ومنهم أيضاً من يعبد المسيح، ومنهم من يعبد الكواكب ويهتف بها عند الشدائد. قال: [فبعث الله محمداً ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله وحده، بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، أي: بربوبية السماوات والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومؤدى كلمة: (لا إله إلا الله) معتقدين لمعناها، عاملين بمقتضاها، وألا يدعوا مع الله أحداً]. قوله: (ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم وهو نوح ﵊ نوح هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك، وبعثه الله إلى بنيه وغير بنيه، وما كان قبله إلا أنبياء، أولهم آدم الذي كان نبياً إلى بنيه، ولم يقع الشرك في زمانه، وإنما وقعت المعصية، وهي قتل قابيل أخاه هابيل، ومضت عشرة قرون وكلهم على التوحيد، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس:١٩] قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد، ثم اختلفوا فوقع الشرك، فبعث الله نوحاً). وقبله كان شيث، وكذلك آدم، إلا أنهم لم يرسلوا إلى قوم شرك، فآدم أرسل إلى بنيه، وأما نوح فأرسل إلى بنيه وغير بنيه، وأرسل بعد وقوع الشرك، ولهذا كان نوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك، وآخرهم نبينا وإمامنا محمد ﵊، وكلهم دعوتهم واحدة؛ فهم يدعون الناس إلى توحيد الله، وإفراد الله بالعبادة، وينهونهم عن الشرك. ولهذا كانت تقول لهم الرسل: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢]. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. وقد كان المشركون يعبدون عبادات متنوعة كما قال المؤلف ﵀: (منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد، ومنهم من يعبد أحجاراً يهتف بها عند الشدائد) وكان منهم أيضاً من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأشجار، ومنهم من يعبد النجوم والكواكب. قوله: (فبعث الله محمداً ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله وحده، بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية) يعني: كما وحدوا الله في الربوبية فعليهم أن يوحدوا الله في الألوهية. وقوله: (بربوبيته السماوات والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومؤدى كلمة: (لا إله إلا الله) معنى ومؤدى كلمة (لا إله إلا الله) هو التوحيد، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله. وقوله: (معتقدين لمعناها) أي: إثبات العبادة لله، ونفي العبادة عن غير الله. وقول المؤلف ﵀: (عاملين بمقتضاها) مقتضاها: أداء الواجبات وترك المحرمات، وألا يدعو مع الله أحداً.

стр. 17

الحذر من الغلو في الصالحين وجاء في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس قال: (كانت ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء رجال صالحين من قوم نوح فهلكوا، فلما هلكوا حزنوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فأوحى إليهم الشيطان أن صوروهم، فصوروهم وجعلوها في مجالسهم أنصاباً، فلم تعبد، ثم لما جاء من بعدهم وطال عليهم الأمد عبدوهم). فهم إنما صوروهم ليتشوقوا إلى العبادات، وليتذكروا عبادتهم، ثم جاء من بعدهم فوسوس إليهم الشيطان وقال: إنما دعى آباؤكم الله بهؤلاء، يعني: أنهم يستسقون بهم المطر، فعبدوهم من دون الله، فوقع الشرك.

стр. 18

إفراد الله بالعبادة وحده قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد:١٤]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. أي: من شرائط الصدق في الإيمان بالله، ألا يتوكلوا إلا عليه، وأن يفردوه بالتوكل، كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار]. قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد:١٤] يعني: لا يمكن لأي مخلوق من دون الله أن يستجيب لهم، وإذا كان لا يستجيب لهم، فكيف يُعبد؟ إذاً لا يستحق العبادة. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] يعني: توكلوا على الله إن كنتم مؤمنين، فجعل من شرط الإيمان التوكل على الله، والتوكل يجمع أمرين: فعل الأسباب النافعة، ثم تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه في حصول النتيجة، وتقديم الجار والمجرور دليل على أنه شرط في صحة الإيمان، ولهذا قال المؤلف: (أي من شرط الصدق في الإيمان ألا يتوكلوا إلا عليه، وأن يفردوه بالتوكل، كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمر الله عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذباً منهياً عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها دون كل أحد، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦] و: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، كما عرف من علم البيان، أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا الله، ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا إلا الله، ولا تتقوا غيره، كما في (الكشاف)]. قوله: (وأمر الله عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] يعني: نخصك يا الله! بالعبادة، فمعناها هو معنى: لا إله إلا الله، وهذا مستفاد من تقديم الضمير، ولهذا لو لم يقدم الضمير الخاص بـ (نعبده) فإنها لا تفيد التوحيد؛ لأن التوحيد لابد فيه من أمرين: نفي، وإثبات، فالنفي قول: (لا إله)، والإثبات: (إلا الله)، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] يفيد النفي والإثبات، يفيد هذا من تقديم الضمير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] والمعنى: نعبدك ولا نعبد غيرك، أو نخصك بالعبادة، وهذا مستفاد من تقديم الضمير، ولهذا قال المؤلف: (لا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله) يعني: لا يصدق من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] وهو مشرك، لأن المشرك لا يكون صادقاً، وإنما يكون كاذباً، ولا يكون صادقاً إلا إذا أفرد الله بالعبادة، ولهذا قال: (وإلا كان كاذباً منهياً عن أن يقول هذه الكلمة). إذ كيف يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] وهو مشرك بالله؟ إذاً: معنى الآية: نخصك بالعبادة ونفردك بها دون كل أحد. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١] يعني: اعبدوني ولا تعبدوا غيري، وخصوني بالعبادة والتقوى. وقول المؤلف: (كما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر) يعني: أن الأصل أن نقول: نعبدك، فلما قدم (إياك) وهو حقه التأخير أفاد الحصر، والمعنى: نحصر العبادة لله ، وحصر العبادة معناه: أن يخص الله بالعبادة. أي: لا تعبدوا إلا الله، ولا تتقوا غيره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللجأ إلى الله، والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات: من الخضوع والقيام تذللاً لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله ]. يعني: أن إفراد الله بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يُخص سبحانه بجميع أنواع العبادات، فلا يكون الدعاء إلا لله، ولا يكون النداء في الشدائد والرخاء إلا لله، ولا تكون الاستعانة إلا بالله، واللجأ يكون لله، والنذر والنحر وجميع أنواع العبادات: من الخضوع والقيام تذللاً، والركوع والسجود، والطواف والتجرد عن الثياب، يعني: في الإحرام، فالمحرم إذا أحرم بحج أو عمرة تجرد من المخيط، ولبس إزاراً ورداء، والحلق والتقصير، كله يكون لله، والحلق والتقصير يكون في الحج والعمرة، فالحاج أو المعتمر يحلق رأسه ويقصر عبادة، فيتحلل بذلك من العمرة أو الحج، ولا يجوز أن يكون ذلك إلا لله .

стр. 19

حكم صرف العبادة لغير الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن فعل شيئاً من ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره فقد أشرك في العبادة، وصار من تفعل له هذه الأمور إلهاً لعابديه، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجراً أو قبراً أو جنياً أو حياً أو ميتاً، وصار العابد بهذه العبادة، أو بأي نوع منها عابداً لذلك المخلوق مشركاً بالله، وإن أقر بالله وعبده؛ فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم، وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم غنيمة. قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، لا يقبل الله عملاً شورك فيه غيره، ولا يؤمن به من عبد معه غيره. قوله ﵀: (ومن فعل شيئاً من ذلك) يعني: من أنواع العبادة التي سبقت: من الدعاء والنداء والنذر والنحر والحلق والتقصير والركوع والسجود أو غيره، لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فقد أشرك في العبادة. وقوله: (وصار من تفعل له هذه الأمور إلهاً لعابديه) يعني: من ركع لشخص أو سجد له أو نحر له أو ذبح له صار إلهاً له، أياً كان هذا الذي تفعل له، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجراً أو قبراً أو جنياً أو حياً أو ميتاً، فكل من تفعل له هذه الأشياء صار معبوداً لهذا الشخص الذي يفعل هذا، وصار العابد بأي نوع من أنواع العبادة عابداً لذلك المخلوق، ومشركاً بالله، وإذا كان مقراً بالله ومشركاً به، فإن هذا لا ينفعه، ما دام أنه يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فلو عبد الله وأقر بربوبيته ووجوده، وبأسمائه وصفاته، لكنه يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فإنه يكون مشركاً. وقوله: (فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك). أي: أن المشركين أقروا بالله وتقربوا إليه وعبدوه، فجوا وصلوا وصاموا يوم عاشوراء في الجاهلية، لكنهم مشركين؛ لأنهم يعبدون معه غيره، فلم تنفعهم هذه العبادات، ولم تخرجهم عن الشرك كما قال المؤلف: (فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم) والرسول ﵊ قد قاتلهم، واستحل دماءهم وأموالهم، لأنهم أشركوا مع الله غيره. قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيره تركته وشركه)، وأما قوله: (لا يقبل الله عملاً شورك فيه غيره) ظاهره أنه حديث، لكن يقول المحشي: لم أجد من أخرجه بهذا اللفظ. (ولا يؤمن به من عبد ما سواه) يعني: لا يؤمن بالله الإيمان الصحيح من عبد معه غيره.

стр. 20

الأسئلة

стр. 21

معنى قول: (هذا الشيء منافٍ لكمال التوحيد الواجب) السؤال ما معنى قول أهل العلم: هذا الشيء ينافي كمال التوحيد الواجب، أو ما معنى ينافي كماله الواجب؟ الجواب المعنى: أنه ينقص التوحيد ويضعف الإيمان، فمثلاً: قول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فهذا من كمال الإيمان، فمن الواجب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فإذا كان الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فهذا نقص في الإيمان، فالإنسان يحب لنفسه الخير، ويحب لنفسه أن يؤتيه الله علماً نافعاً، ومالاً حلالاً وأبناء صالحين، فيجب عليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فإذا كنت لا تحب لأخيك ما تحب لنفسك من ذلك، فهذا نقص في الإيمان، ويكون إيمانك ضعيفاً ناقصاً. كذلك قوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) فإذا قدم الإنسان محبة المال أو الولد أو الصديق، أو الأبناء أو الإخوان أو التجارات أو المساكن على محبة الله ورسوله، صار ناقص الإيمان وضعيف الإيمان، ومرتكباً لكبيرة، ومن هنا توعد الله من قدم شيئاً من الأصناف الثمانية على محبة الله ورسوله بوعيد شديد، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤] فقد حكم الله عليهم بالفسق، فمن قدم محبة شيءٍ من المال أو الأبناء أو الآباء أو المساكن على محبة الله ورسوله، فإيمانه ناقص وضعيف، ومرتكب لكبيرة. كذلك قوله ﵊: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) وبوائقه يعني: غوائله وشره، فمن لم يأمن جاره شره، فهو ناقص الإيمان؛ لأنه فاته كمال الإيمان الواجب. وهكذا قوله ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فإذا لم يقل خيراً، ولم يصمت عن الشر، أو لم يكرم ضيفه، أو آذى جاره، يكون إيمانه ضعيفاً ناقصاً؛ لأنه فاته كمال الإيمان الواجب.

стр. 22

حكم طلب الشفاعة من الأولياء أو أصحاب القبور السؤال ما حكم من أتى إلى صاحب القبر، وقال: يا ولي الله! اشفع لي عند الله، أو ادع الله لي، وهل هذا العمل شرك أكبر أم هو بدعة محرمة؛ لأنه توسل بأمر غير مشروع؟ الجواب هذا العمل شرك أكبر، فإذا قال للولي: يا ولي! اشفع لي عند الله، فقد أشرك مع الله، وهذا هو الذي كفر الله به المشركين بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس:١٨] والدعاء: عبادة. وقال الله تعالى: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ولم يقل: ادعوني وادع الولي، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]. وقال سبحانه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] أي: من المشركين. وقال سبحانه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] فمن دعا غير الله فقد أشرك بالله. وقد حكم الله عليه بالكفر فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٦] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٥]. ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦] ولفظ: (من دون الله) عام، أي: من دعا غير الله، والذي يأتي إلى القبر ويقول: يا فلان! يا ولي الله! اشفع لي، فقد دعا غير الله، فيكون شركاً بنص القرآن، والمشركون قد كفرهم الله بهذا؛ لأنهم يدعونهم ويطلبون منهم الشفاعة، وهم يعلمون أنهم لا يخلقون ولا يرزقون، فالذي يقول: إن هذا بدعة وليس بشرك. فهو جاهل أو ملبس، يريد أن يلبس الشرك على الناس، ويسميه بدعة.

стр. 23

قول العلماء في عوام المشركين السؤال ما هو قول العلماء في عوام المشركين؟ الجواب عوام المشركين حكمهم حكم علمائهم، فقد أخبر الله أن التابعين والمتبوعين كلهم في النار، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] أي: التابعين والمتبوعين، وقال : ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ:٣١] فهؤلاء المتبعون، ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]. وهذا حوار بينهم ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾ [سبأ:٣٢ - ٣٣] ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [سبأ:٣٣] فكلهم أسروا الندامة، التابعون والمتبوعون، فالعوام والعلماء حكمهم كلهم في النار، نسأل الله العافية.

стр. 24

حكم طلب المساعدة من المخلوق السؤال الفزع إلى المخلوق القادر على المساعدة هل يعد شركاً، وهل ينافي كمال التوحيد، وهل طلب المساعدة من الغير يعد من المخلات بكمال التوحيد؟ الجواب إذا كان حياً قادراً فلا بأس أن تطلب منه؛ لأن هذا من الأمور العادية المحسوسة، كأن تقول: يا أخي! ساعدني في إصلاح سيارتي، أو يا أخي! أرجوك أن تساعدني في إصلاح مزرعتي، أرجوك أن تقرضني ديناً، أو أن تقضي ديني، فلا بأس في ذلك، كذلك الغريق إذا استغاث بسباح يعرف السباحة، كأن يقول: أنقذني، أخرجني. والشرك عندما يدعو ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو دعا حياً قادراً ليس بمستطيع، أما إذا دعا الحي الحاضر القادر فلا بأس في هذا؛ لأن هذا من الأمور الحسية، وأسبابه ظاهرة.

стр. 25

أنواع التوسل بغير الله وحكم كل نوع السؤال إذا قال شخص: يا رب! إني أتوسل إليك بفلان، وفلان هذا من الأموات، فما حكم هذا القول؟ الجواب التوسل ثلاثة أنواع: توسل يكون شركاً، ويكون بدعة، ويكون مشروعاً. النوع الأول: التوسل الشركي: كأن يتوسل بدعاء الميت أو الغائب، أو يتوسل بالذبح له، أو النذر له، ويتوسل إلى الله في أن يشفع له عند الله، فهذا شرك، وهذا هو الشرك الذي كان يفعله المشركون، مثال ذلك: أن يتوسل إلى الله بدعاء هذا الميت فيقول: يا فلان! أغثني، يا فلان! اشفع لي، ويتوسل إلى الله بالذبح له، وبالنذر له، وبالصلاة له. النوع الثاني: التوسل البدعي: وهو أن يتوسل بذات الشخص لا ليدعوه، ولكن يدعو الله، كأن يقول: يا الله! أتوسل إليك بفلان، أتوسل إليك برسول الله، فهو لم يدع غير الله، بل دعا الله لكن الوسيلة بدعة، حيث أنه توسل بقرب فلان، وكأن يقول: اغفر لي بجاه فلان، اغفر لي بجاه نبيك أو بجاه أنبيائك، فهذا كله بدعة وليس شركاً؛ لأنه ما دعا غير الله، بل دعا الله لكن الوسيلة بدعة. النوع الثالث: التوسل المشروع: كأن يتوسل إلى الله بإيمانه بالله، كأن يقول: اللهم إني أسألك بإيماني بك وبرسولك، أسألك بعملي الصالح، كما أخبر الله في كتابه عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران:١٦] فهم توسلوا إلى الله بالإيمان، وكذلك التوسل إلى الله بالعمل الصالح، والتوسل إليه بالتوحيد، كتوسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، حيث أنهم توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فأحدهم توسل ببر والديه، والثاني بعفته عن الإماء، والثالث بأمانته، ففرج الله عنهم، وكذلك التوسل إلى الله بدعاء الحي الحاضر، كأن يدعو هو وأنت تؤمن، فيسأل الله لفقرك وحاجتك، فهذا كله توسل مشروع، وبهذا يتبين أن التوسل ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.

стр. 26

حجة من يرى التوسل بالذات والرد عليه السؤال كيف نرد على من يستدلون على شفاعتهم بالأولياء بقصة عمر بن الخطاب لما استشفع بـ العباس عم الرسول ﷺ ، وذلك عندما اشتد بهم الجدب، فدعا الله أن ينزل المطر؟ الجواب إن عمر بن الخطاب ﵁ استشفع بـ العباس، يعني: بدعاء العباس، وقال عمر لما أجدبوا: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتكفينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، قم يا عباس فادع الله، فقام العباس ودعا وهم يؤمنون، فهم ما توسلوا بذات العباس، بل توسلوا بدعاء العباس، ولو كانوا يتوسلون بذات العباس لتوسلوا بذات النبي ﷺ ، إذ هو موجود في قبره ﵊، وهو حي في قبره حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء، فلما لم يتوسلوا بالنبي ﷺ وعدلوا إلى التوسل بـ العباس، دل على أنهم يتوسلون بشفاعته ودعائه وهو حي حاضر، ولهذا قال عمر في آخر الدعاء: قم يا عباس فادع الله، فقام العباس يدعو الله وهم يؤمنون، فـ عمر استشفع بدعاء العباس وهو حي حاضر، وهذا لا بأس به، وإنما الممنوع هو: التوسل بالميت أو بالغائب أو بذاته؛ لأنه لو كان التوسل بذات العباس لتوسلوا بذات النبي ﷺ ؛ لأن ذات النبي ﵊ أوجه من ذات العباس، فلما عدلوا عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بـ العباس، دل على أنهم توسلوا بغير الذات، ألا وهو الدعاء، ولهذا قال عمر: قم يا عباس! فادع الله، وهذا حجة على من يرى التوسل بالذات. وعمر بن الخطاب توسل بدعاء العباس لأنه قريب النبي ﷺ .

стр. 27

الشك مع دفعه لا يعد كفراً ولا شركاً السؤال الشك الذي يأتي للإنسان ويقاومه، هل يعد شركاً أو كفراً؟ الجواب الشك مع مقاومته لا يعد شركاً ولا كفراً، لكن إن كان المرء يشك في الله، أو في القيامة، أو في الجنة، أو في النار، وليس عنده يقين أن هناك جنة أو نار فهو شاك، ولا يدري هل الله مستحق للعبادة أو غير مستحق للعبادة؟ فهذا كفر شك، أما الخواطر والوساوس التي ترد على الإنسان وهو يدافعها، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وهو يعلم ذلك لكن عنده شكوك، ويأتيه الشيطان ويوسوس له، وهو يعلم يقيناً أن الله هو المستحق للعبادة، ويعلم يقيناً بكتب الله، ورسوله، ومصدق باليوم الآخر، ومصدق بالبعث والنشور، فهذا ليس كفر شك، لكن إذا جاءت الوساوس فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يضره ذلك؛ لأن الشيطان يريد أن يعيبه ويقول كما جاء في الحديث: (آمنت بالله ورسله). وإذا وجد شيئاً من الوساوس، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا يزال أحدكم يقول: من خلق كذا من خلق كذا) فالشيطان يقول له ذلك (حتى يقول من خلق الله؟! فإذا وجد ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله). وفي لفظ يقول: (﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:١ - ٣] ثم لينته) أي: يقطع الوساوس وخاصة التفكير فيها، وينتهي ويفكر فيما ينفعه في أمور دينه ودنياه. إذاً: عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وعليه أن يقول: آمنت بالله ورسله، وعليه أن يقطع التفكير، فتزول هذه الوساوس بإذن الله، أما إذا كان عنده شك في ربوبية الله، أو في ألوهيته، أو في أسمائه وصفاته، أو في الجنة، أو في النار، أي: لا يدري هل هناك جنة؟ أو هل هناك نار؟ فإن هذا الشك شك كفر، أما الوساوس التي ترد على الإنسان وهو مؤمن بالله ورسوله، فهذه من الشيطان يريد أن يعذبه، فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقطع التفكير ويقول: آمنت بالله ورسله.

стр. 28

شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب السؤال هل شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب تتحقق فيها شروط الشفاعة رغم أنه ليس من أهل التوحيد؟ الجواب هذه شفاعة خاصة مستثناه، خاصة بالنبي ﷺ وبعمه، وهذه الشفاعة ليس فيها إخراج من النار، وإنما فيها التخفيف في العذاب؛ لأن أبا طالب خف كفره بنصرة النبي ﷺ والدفاع عنه، فلما خف كفره شفع له النبي ﷺ شفاعة تخفيف لا شفاعة إخراج من النار، ولذلك جاء في الحديث في صحيح مسلم وغيره: (أن النبي ﷺ سئل، فقيل له: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويؤويك، فهل نفعته؟ قال: نعم. وجدته في غمرات من نار، فأخرجته إلى ضحضاح منها، يغلي منها دماغه). وفي لفظ: (إن أهون الناس عذاباً أبو طالب، فإنه في ضحضاح من النار يغلي منها دماغه). وفي لفظ: (إن أهون أهل النار عذاباً، لرجل منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه). وفي لفظ: (إن أهون أهل النار عذاباً، لرجل له شراكان من نار يغلي منهما دماغه). وفي لفظ: (إن أهون أهل النار عذاباً، لرجل في أخمصيه جمرتان يغلي منهما دماغه) وهو يظن أنه أشد أهل النار عذاباً، من شدة ما يجد، وهو أخفهم. فهذه الشفاعة خاصة مستثناة، خاصة بالنبي ﷺ وخاصة بعمه، ثم أيضاً هي ليست شفاعة في إخراجه من النار، بل شفاعة في تخفيف العذاب فقط؛ لأنه خف كفره، وهذه شفاعة مستثناة دلت عليها النصوص.

стр. 29

متى يكون النطق بكلمة التوحيد نافعاً لصاحبه السؤال يقول: إن فرعون حينما رأى العذاب آمن، ولكن لم ينفعه ذلك، فهل من نطق بكلمة التوحيد عند الموت تنفعه كما نفعت اليهودي، وقول النبي ﷺ لـ أبي طالب: (كلمة أحاج لك بها عند الله)؟ الجواب كلمة التوحيد إذا نطق بها الإنسان المريض ولم يحضر الأجل بعد تنفعه؛ ولهذا نفعت اليهودي لما جاءه النبي ﷺ وقال: (قل: لا إله إلا الله. فنظر إلى أبيه، فقال: أطع أبا القاسم) فكلمة التوحيد تنفعه إذا كان في مرض الموت ما لم تصل الروح إلى الحلقوم، أما إذا وصلت الروح إلى الحلقوم فلا ينفع ذلك؛ لأن الأمر قد انتهى؛ ولأنه حينئذ يكشف له عن المستقبل، ويكون غيبه شهادة، فيعاين الملائكة، وهذا هو الذي حصل لفرعون عندما، لما وصلت روحه إلى الحلقوم فآمن، لكن لم ينفعه ذلك؛ لأن هذا إيمان المضطر، قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فقال الله له: ﴿آلآنَ﴾ [يونس:٩١]، أي: تؤمن لما وصلت الروح الحلقوم ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] فلا ينفع الإيمان إذا وصلت الروح إلى الحلقوم، وإذا نزل العذاب كذلك لا ينفع، وفرعون نزل به العذاب، نزل به العذاب ووصلت الروح إلى الحلقوم فلا ينفع في هذه الحالة، وأما الرجل اليهودي الذي آمن فلم ينزل به العذاب، ولا وصلت الروح إلى الحلقوم، فلهذا نفعه، وقد استثنى الله أمة واحدة وهم قوم يونس ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] فهؤلاء استثناهم الله.

стр. 30

حكم من ينطق بالشهادة وهو كافر السؤال من الناس من يشهد كافراً ينطق بالشهادة وقد يشرح له معناها، وقد لا يشرح معناها، فما حكم هذا الفعل وهل يكون هذا الذي ينطق بالشهادة محقون الدم؟ الجواب إذا نطق بالشهادتين وهو لا يقولها في حالة كفره يحكم له بالإسلام، وإذا قالها عن إيمان وصدق ثم مات يحكم عليه بالإسلام، وإذا بقي ولم يمت ينظر: إن التزم بأحكام الإسلام فهو مؤمن، وإن نقضها بأفعاله حكم عليه بأنه مرتد ويقتل، كأن لم يلتزم بالصلاة ورفض وقال: لا أصلي، أو عمل ناقضاً. أما إذا قالها ثم مات وهو لا يقولها في كفره فيحكم عليه بالإسلام. فإن قيل: ليس لديه أعمال إلا النطق بالشهادتين؟ فالجواب: ولو كان ذلك، إذا قالها في حالة كفره يحكم عليه بالشهادتين، لكن إن بقي وعاش يشرح له مقتضى الشهادتين ويبين له، ويؤمر بالعمل بمقتضاها وبحقوقها، فإذا رفض وعمل ناقضاً من النواقض يستتاب فإن تاب وإلا قتل، أما إذا مات وهو لا يقولها في كفره فنحكم عليه بالإسلام مثل اليهودي الذي قالها، وحكم عليه النبي بالإسلام قال: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار).

стр. 31

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٥] بين الله تعالى أن إقرار المشركين به مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معه في العبادة لا تنفعهم، بل ولا تنقذهم من عذاب الله تعالى، لأن شأن من أقر بالله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، كما أن الاعتقاد في غير الله تعالى في النفع والضر شرك بالله تعالى، ولا ينفعه إقراره بربوبية الله تعالى.

стр. 32

قوادح التوحيد الكامل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الإقرار بالله تعالى لا يكفي في التوحيد مع الشرك في العبادة. إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معه في العبادة، ولا أغنى عنهم من الله شيئاً، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون، وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله تعالى، فنحروا لهم النحائر، وطافوا بهم، ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم، وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله تعالى بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين، ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية. فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل، وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]. مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام: قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] أي: ما يقر أكثرهم في إقراره بالله، وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان]. يبين المؤلف ﵀ أن إقرار المشركين بتوحيد الربوبية مع شركهم في توحيد العبادة لا ينفعهم ولا يفيدهم ولا يدخلهم في الإسلام، بل ولا يخرجهم من دائرة الكفر، ولا ينقذهم من عذاب الله عند دخولهم في النار، حتى يوحدوا الله ويفردوه بالعبادة، ولهذا قال: (فصل: الإقرار بالله لا يكفي في التوحيد مع الشرك به في العبادة) ولعل هذا العنوان من المحشي. يقول: (إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معهم في العبادة، ولا أغنى عنهم من الله شيئاً، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون). قوله: (أن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم: أنهم يضرون وينفعون) فيه نظر؛ لأنهم لا يعتقدون في الأصنام أنها تضر وتنفع، بل يعتقدون أن الذي يضر وينفع هو الله، لكن هم عبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى وليشفعوا لهم، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فهم يعلمون أن الأصنام هذه لا تضر ولا تنفع، وأن الذي يضر وينفع هو الله، لكن يقولون: هؤلاء صالحون، أو أنبياء، أو أحجار تسبح الله، فهي تقربنا إلى الله، وتنقل حوائجنا إلى الله، وتشفع لنا عند الله، ونحن نعلم أنه ليس بيدها شيء من الضر والنفع، والذي يضر وينفع إنما هو الله .

стр. 33

علاقة توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله] هذا هو الصواب، وهو أنهم إنما عبدوهم لأنهم يعتقدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله، وهذا هو المعلوم عند كثير من المشركين، وقد يوجد بعض المشركين من يعتقد النفع والضر في غير الله، فيكون مشركاً في الربوبية، لكن هذا قليل، وإنما الغالب على المشركين أنهم يعتقدون أن الضر والنفع بيد الله، وشركهم إنما هو في العبادة، فيعتقدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عند الله، ولهذا قال المؤلف: فنحروا لهم النحائر، وطافوا بهم، ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم، وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين، ولم يعتد بإقرارهم هذا) بمعنى: أنه لا ينفهم إقرارهم بتوحيد الربوبية مع شركهم في العبادة. (لأنه نافاه فعله) يعني: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية قد نافاه شركهم في العبادة، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية. وقوله: (فمن شأن من أقر لله بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة) أي: ينبغي لمن أقر بتوحيد الربوبية أن يعبد هذا الرب الذي أقر بأنه الخالق الرازق المدبر المحيي الذي بيده النفع والضر، ولهذا قال الله تعالى محتجاً عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، ثم جاء الدليل ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] أي: الله تعالى الذي خلقكم وخلق الذين من قبلكم هو المستحق للعبادة، فيحتج عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية، يعني: كما أفردتموه بتوحيد الربوبية فأفردوه بالعبادة. يقول المؤلف: (فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل). وهو توحيد الربوبية. قوله: (وقد عرفوا في ذلك وهم طبقات النار). أي: لما دخل المشركون النار اعترفوا بأن سبب خلودهم في النار هو شركهم في العبادة، واسمع قول الله عنهم حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] فأخبر الله أنهم يقولون ذلك وهم في طبقات النار، والأصل أن يقول: دركات النار؛ لأن النار دركات، وكل دركة سفلى أعظم عذاباً من الدركة التي أعلى منها. وأما الجنة فهي طبقات ودرجات، وكل درجة عليا أعظم نعيماً من الدرجة التي تحتها. قالوا وهم في دركات النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] يقولونها للذين عبدوهم؛ لأن العابدين والمعبودين كلهم دخلوا النار، فلما كانوا في دركات النار صار بينهم محاورة، فاعترف الذين عبدوا الرؤساء والكبراء، فقالوا: لقد كنا في الدنيا في ضلال مبين، وأقسموا على ذلك فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] ووجه ضلالهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨]، فهم يخاطبون معبوديهم. وما سووهم بأنهم يخلقون أو يرزقون أو يضرون أو ينفعون، وإنما سووهم بالمحبة والتعظيم والإجلال والدعاء والذبح والنذر، فلما سووهم بالمحبة والإجلال والتعظيم كانوا معهم في النار. قوله: (مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام) يعني: كونهم أشركوا بالله في توحيد العبادة نقض إقرارهم بتوحيد الربوبية، وصيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام رب العالمين. قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]). فإقرارهم بالله هو توحيد ربوبية، وشركهم كان في توحيد العبادة، فجمعوا بين الأمرين: توحيد الربوبية، والشرك في العبادة، فلم ينفعهم توحيد الربوبية، ولهذا قال المؤلف: [أي: ما يقر أكثرهم في إقراره بالله، وبأنه خلقهم وخلق السماوات والأرض إلا وهم مشركون بعبادة الأوثان].

стр. 34

شرك الرياء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل سمى الله تعالى الرياء في الطاعات شركاً، مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عبد الله لا غيره، لكنه خلط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة، وسماها شركاً، كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). بل سمى الله تعالى التسمية بعبد الحارث شركاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]. فإنه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لما حملت حواء -وكان لا يعيش لها ولد- طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله تعالى الآيات، وسمى هذه التسمية شركاً، وكان إبليس تسمى بالحارث). والقصة في الدر المنثور وغيره]. يقول المؤلف ﵀: (بل سمى الله الرياء في الطاعات شركاً) يعني: كما قال الله في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) فسماه شركاً مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عبد الله لا غيره، لكنه خلط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل الله له عبادة، وسماها شركاً. والمرائي فيه تفصيل، والرياء ينقسم إلى نوعين: رياء أكبر، وهو رياء المنافقين الذين أسلموا ودخلوا في الإسلام نفاقاً، وهذا مخرج من الملة. ورياء أصغر، وهو الرياء الذي يصدر من المؤمن في العبادات، في الصلاة أو الصيام أو غيرها من العبادات وهو لا يخرج العبد من الملة، وإنما يحبط العمل الذي قارنه إذا استرسل فيه، أما إذا طرأ في العبادة ودافعه واستعاذ بالله فلا يضره، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن عبادته لا تبطل اعتماداً على نيته الأولى، ومنهم من قال: إنه لما استرسل فيه بطلت عبادته. وقول المؤلف هنا ليس على إطلاقه، ولهذا قال المؤلف: [كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا أغنى عن الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]. فإنه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة أن النبي ﷺ قال: (لما حملت حواء -وكان لا يعيش لها ولد- طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لكِ ولد حتى تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات، وسمى هذه التسمية شركاً، وكان إبليس يتسمى بالحارث). وقصته في الدر المنثور وغيره]. هذه القصة سندها ضعيف ولا تثبت، لكن الآية كافية في هذا، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف:١٨٩]. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: آدم، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: حواء، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: ثقل الحمل، ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ [الأعراف:١٨٩] آدم وحواء، ﴿رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩] سليم الأعضاء، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠] أي: لما وضعت سليماً. ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] وهذا الشرك إنما هو في التسمية لا في العبادة، كما قال: (جعلا له شركاء في التسمية لا في العبادة) وهذا لا يبعد أن يكون سبباً من الأبوين كما أكلا من الشجرة، فيكون ذنباً آخر، لكون الشيطان خدعهم مرة أخرى كما خدعهم في المرة الأولى، خدعهما فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، ثم خدعهما بعد ذلك بعد إهباطهما إلى الأرض فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في التسمية ولهذا قلنا: هذا شرك في التسمية لا في العبادة، فإنهم ما أطاعوه في العبادة، وإنما طاعوه في شرك التسمية. ثم قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] قال كثير من المفسرين: هذا في الذرية. أي: يشركون ما لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون. فأول الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] أي: آدم وحواء جعلا له شركاء في التسمية، ثم قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] أي: في ذرية بني آدم. أما هذا الأثر فهو ضعيف عند أهل العلم. وهذا نفس ما ساقه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] ومقصوده: أن معنى الآية كاف، ويستفاد من الآثار التي وردت عن السلف -وإن كان في سندها ضعف-: أن الشرك الذي وقع منهما إنما هو في التسمية والطاعة لا في العبادة. فمقصود المؤلف الفائدة، بقطع النظر عن صحة الآثار كما ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد.

стр. 35

الاعتقاد في غير الله تعالى في النفع والضر شرك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الاعتقاد في غير الله تعالى في النفع والضر شرك. قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، أو أنه يقرب إلى الله تعالى، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به، والتوسل إلى الرب تعالى -إلا ما ورد من حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ ، أو نحو ذلك- فإنه قد أشرك مع الله تعالى غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلاً عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي، أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات: من عافية مريضه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأي مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام. والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني]. هذا الفصل يبين فيه المؤلف ﵀ أن من أشرك بالله في العبادة أو الربوبية فإن أعماله حابطة، ويكون مشركاً بالله ، ولا ينفعه إقراره بربوبية الله، ولهذا قال: (قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، أو أنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من الحوائج بمجرد التشفع به والتوسل، فهو مشرك) أي: من اعتقد في الشجر أو الحجر أو القبر أنه ينفع أو يضر، فهذا أشرك في الربوبية. لكن الغالب على المشركين أنهم لا يعتقدون أنهم ينفعون أو يضرون، وإنما الذي يعتقدوه في الأشجار والأحجار والقبور والملائكة والجن أنهم يقربونهم إلى الله، وأنهم يشفعون لهم، وهذا الذي عليه غالب المشركين. أما من اعتقد أن أحداً ينفع أو يضر فهذا إشراك في الربوبية، والواجب أن تعتقد أن الله هو الخالق الرازق المالك النافع الضار، ومن اعتقد أن أحداً ينفع أو يضر فقد أشرك في الربوبية، زائداً عن الشرك في العبادة والألوهية، وهذا يوجد في بعض المشركين على قلة، لكن غالب المشركين يقرون بالربوبية، ومن اعتقد أن أحداً يقرب إلى الله، أو يشفع عنده فقد أشرك في العبادة كما قال المؤلف: [أو يشفع عندهم في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع، والتوسل إلى الرب تعالى] يعني: من اعتقد أن أحداً يقرب إلى الله بمجرد التشفع والتوسل، كأن يدعو غيره أو يذبح له، ويعتقد أنها وسيلة إلى الله فقد أشرك مع الله.

стр. 36

حديث الأعمى وكلام العلماء فيه وقوله: [والتوسل إلى الرب تعالى -إلا ما ورد من حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ فإنه قد أشرك مع الله غيره]. الحديث الذي فيه مقال هو حديث الأعمى، وقد جاء من طرق متعددة، وخلاصته: أن رجلاً أعمى جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يرد إلي بصري. فقال: إن شئت صبرت، وإن شئت دعوت الله. فقال: بل ادع. قال: قم فتوضأ، وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك، نبي الرحمة أن تقضى حاجتي)، فذهب الأعمى وتوضأ ودعا الله بأن يشفع فيه نبيه، ودعا له النبي ﷺ ، فرد الله إليه بصره. فالصواب في الحديث: أنه حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، كما بين ذلك المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فالحديث ثابت، وفيه أن الأعمى توسل إلى الله بدعاء النبي ﷺ في أن يقبل الله شفاعة النبي ﷺ ، فالرسول ﵊ حي حاضر دعا لهذا الرجل، فرد الله عليه بصره، وهذا ليس فيه شيء، والممنوع إنما هو: أن يتوسل بالميت، بأن يدعوه من دون الله، أو يتوسل بذاته، أو يجعل ذاته وسيلة، فهذا شرك، أما إذا كان حياً حاضراً يدعو، وأنت تؤمن فهذا لا شيء فيه، وهذا من التوسل المشروع، وهذا هو الذي فعله الرجل الأعمى مع النبي ﷺ ، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يشفع له بأن يدعو الله أن يرد إليه بصره، فدعا النبي ﷺ الله، وسأل الأعمى الله تعالى أن يقبل فيه شفاعة نبيه، فشفعه الله فيه، فرد الله إليه بصره. فقول المؤلف: (إلا ما ورد في حديث فيه مقال) هو حديث الأعمى، وحديث الأعمى الصواب فيه: أنه صحيح، وليس فيه مقال ولا توسل ممنوع، وإنما الأعرابي توسل بدعاء النبي ﷺ وهو حي حاضر. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقده المشركون في الأوثان) أي: هم يعتقدون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم. وقوله: (فضلاً عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي). أي: من نذر لميت أو حي، أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله من الحاجات، فيطلب من الميت أن يقضي حاجته، أو يشفي مريضه، أو أن يرد غائبه، فهذا هو الشرك، ولهذا قال المؤلف: (من عافية مريضه، أو قدوم غائبه) فيدعوهم يا فلان! اشف مريضي، واردد غائبي، وأنا في حسبك وفي جوارك، فهذا شرك. وقوله: [فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام، والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كان تفعله الجاهلية]. أي: أن الذي ينذر بالمال للميت حتى يشفع له، أو ينحر على قبره أو عند قبره، أو يتوسل به، بأن يعبده من دون الله، أو يدعوه من دون الله، يقول المؤلف: [هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً]. فالجاهليون كانوا يتقربون بالذبح والنذر للأصنام والأوثان.

стр. 37

الأسماء لا تغير المعاني والحقائق قال المصنف: [وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً] يقول: لا فرق بينهم إلا في تغيير الأسماء، فالمشركون القدامى يذبحون وينذرون لأي شيء من الأصنام والأوثان، والمتأخرون يذبحون وينذرون للولي، ولصاحب القبر الذي يسمونه ولياً أو قبراً، ولا فرق بين فعل هؤلاء وهؤلاء إلا في التسمية، والتسمية لا تغير من الحكم شيئاً، ولهذا قال المؤلف: [والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء ما شرب إلا خمراً، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية. وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها، وصدق ﷺ ؛ فإنه قد أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذاً، وأول من سمى ما فيه غضب الله تعالى وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين: إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم ﵇: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها شجرة الخلد؛ جذباً لطبعه إليها، وهزاً لنشاطه إلى قربانها، وتدليساً عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة. وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله تعالى ظلماً وعدواناً أدباً، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين، وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس، حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد]. يقصد المؤلف بكلامه هذا: أن الأسماء لا تغير المعاني والحقائق، وإنما العبرة بالمعاني والحقائق. فالمشركون السابقون يتقربون للأصنام والأوثان، فيذبحون وينذرون لها، والمتأخرون يتقربون للقبور والمشاهد والأولياء، والحكم واحد. فهؤلاء يسمونه صنماً وهؤلاء يسمونه قبراً ومشهداً، وكل منهم يصرف له العبادة والمعنى واحد، فكلهم يشركون وإن تغيرت الأسماء، فالعبرة بالمعاني والحقائق. ولهذا لما قال الذين أسلموا حديثاً للنبي ﷺ في غزوة حنين حين مروا على المشركين، ولهم سدرة يعكفون عندها ويعلقون عليها أسلحتهم، قالوا: (يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط. فقال النبي ﷺ : قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة). فالنبي ﷺ جعل مقالتهم مثل مقالتهم، فبنو إسرائيل قالوا: اجعل لنا إلهاً، وأصحاب النبي ﷺ قالوا: اجعل لنا ذات أنواط. فالرسول ﷺ قال: المقالة هي المقالة،؛ لأن العبرة بالمعاني وليست بالألقاب. كذلك هؤلاء الأوائل يذبحون للأصنام والأوثان، والمتأخرون يذبحون للقبور والمشاهد، فالحكم واحد. وكذلك من شرب الخمر وسماها شراب الروح، فهي خمر وإن سماها شراب الروح، والذي يتعامل بالربا ولا يسميه ربا، بل يسميه فائدة أو عمولة أو ربحاً مركباً، لا تخرج عن كونها ربا. قوله: (وأصل ذلك تدليس) أي: أن إبليس هو الذي شرع للناس تغيير الحقائق، إذ أمر آدم وحواء أن يأكلا من الشجرة التي نهى الله آدم عنها، وسماها شجرة الخلد حتى يهز النشاط ويلبس عليهما، ويجرهما إلى الأكل منها فيطيعوه في المعصية. قوله: [فإن من شرب الخمر وسماها ماء ما شرب إلا خمراً، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه بالتدليس]. يعني: يستحق عقاباً أشد. فالذي يشرب الخمر عقابه ثمانين جلدة، أما الذي يغيرها ويسميها شراب الروح، فينبغي أن يزاد له في العقوبة؛ للتدليس والكذب في التسمية. قوله: [وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين: إبليس لعنه الله؛ فإنه قال لأبي البشر آدم ﵊: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] فسمى الشجرة التي نهى الله آدم عن قربانها شجرة الخلد؛ جذباً لطبعه إليها، وهزاً لنشاطه إلى قربانها، وتدليساً عليه بالاسم الذي اخترعه لها) وهو: شجرة الخلد، فلو قال: الشجرة التي نهى الله عنها ما قرب إليها آدم. لكن لما قال: شجرة الخلد. صار فيه تلبيساً وتدليساً. وقوله: (كما يسمي إخوانه) يعني: إخوان إبليس. قوله: (المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة) الحشيش محرم، وهو نوع من المخدر، ويسميه البعض: لقمة الراحة، حتى يغر الناس. قوله: (وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلماً وعدواناً أدباً). يعني: الضرائب التي يأخذونها بغير حق، يسمونها أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة. فيروج لها بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب. وقوله: (كما يحرفون في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة) كأن هذا كان في زمن المؤلف، يسمونها النفاعة، مثل: الذي يسمونها عمولة، أو مساعدة، أو معاونة، وهي محرمة. وقوله: (وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين، وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس، حيث سمى الشجرة المنهية شجرة الخلد) فاقتدى به الفسقة، وصاروا يسمون الخمر بغير اسمها، ويسمون الحشيشة بغير اسمها، والربا بغير اسمه، اقتداء بإبليس حيث سمى الأسماء بغير اسمها تغريراً بالناس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك تسمية القبر مشهداً، ومن يعتقدون فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن؛ إذ هم معاملون لهم معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونها استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها، وكل قوم لهم رجل ينادونه، فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه يقولون: يا زيلعي، يا ابن العجيل، وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس، وأهل مصر: يا رفاعي، يا بدوي، والسادة البكرية وأهل الجبال: يا أبا طير، وأهل اليمن: يا ابن علوان. وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر. وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام كما قلنا في الأبيات النجدية: أعادوا بها معنى (سواعاً) ومثله (يغوث) و (ود) بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم نحروا في سوحها من نحيرة أهلت لغير الله جهرا على عمد وكم طائف حول القبور مقبلا ويلتمس الأركان منهن بالأيدي]. يقول المؤلف ﵀: (إن من ذلك تسمية القبر مشهداً) فيسمون القبر الذي يعبدونه من دون الله مشهداً؛ حتى يلبسوا على الناس، لأنهم لو سموه معبداً لانصرف الناس عنه، ولكن عندما سموه مشهداً صار تلبيساً. وقوله: (ومن يعتقدون فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن) يعني: إذا قال: هذا قبر ولي. وهم يعبدونه من دون الله فهو صنم ووثن، ما داموا يصرفون له العبادة من دون الله فهو وثن، ولو سموه قبراً أو مشهداً. قوله: (إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونها استلامهم لأركان البيت) يعني: كثير من المشركين صرفوا العبادة لأصحاب القبور، حتى إن بعض المشركين من الشيعة ألف كتاباً سماه: (حج المشاهد) يعني: حج القبور، إذا أقبل على القبر يقول: يحرم من مسافة كذا كما يحرم الحاج والمعتمر، ثم إذا وصل إلى القبر استلمه وطاف به، ثم بعد ذلك يذبح، ثم يحلق رأسه، ثم يهنئ بعضهم بعضاً، فيقول: تقبل الله منك، فإذا قيل له: هل تبيع هذه الحجة إلى القبر بحجة إلى بيت الله. فيقول: لا. فيدعو الميت حتى يشفي مريضه ويرد غائبه، أنه لابد أن يقرب له الذبائح. والطواف بالقبور شرك ومحرم، وهو عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، وما يفعله القبوريون عند أهل القبور هو عين ما يفعله عباد الأصنام عند أصنامهم. ثم يقول المؤلف بعد ذلك: [فإذا أبان العلماء ذلك للأئمة والملوك؛ وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى الناس؛ يدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله؛ فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين] أي: أن يقاتلوا ويجاهدوا.

стр. 38

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٦] إن للقبوريين شبهاً يحتجون بها، ويتشبثون بها للدلالة على صحة أفعالهم الشركية والبدعية، وهذه الشبه ليست بشيء إذا ما وضعناها في الميزان العلمي، وعرضناها على الكتاب والسنة، وقد قام العلماء بمناقشتها وبيان وهائها.

стр. 39

تفنيد شبهات القبوريين في الاستغاثة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. قلت: هذا تلبيس؛ فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]، وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم؛ وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلا الله تعالى من عافية المريض غيرها. بل أعجب من هذا: أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش، ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأولون. ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور أنه جاء إنسان بدراهم وحلية نسائه وقال: هذه لسيده فلان -يريد صاحب القبر- نصف مهر ابنتي؛ لأني زوجتها وكنت ملّكت نصفها فلاناً: يريد صاحب القبر. وهذه النذور بالأموال وجعل قسط للقبر، كما يجعلون شيئاً من الزرع يسمونه (تلماً) في بعض الجهات اليمنية. وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام! وهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل:٥٦] بلا شك ولا ريب. نعم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب؛ حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قال ﷺ لـ عمر ﵁ لما خرج معتمراً: (لا تنسنا يا أخي من دعائك)، وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم، يعني: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وقد قالت أم سليم ﵂: (يا رسول الله خادمك أنس! ادع الله له)، وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاء منه ﷺ وهو حي، وهذا أمر متفق على جوازه. والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن يشفوا مرضاهم، ويردوا غائبهم، وينفسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعهم، ويدروا ضروع مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٧]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤]، فكيف يطلب الإنسان من الجماد، أو من حي الجماد خير منه؟! لأنه لا تكليف عليه]. هذه من سلسلة الشبهات والأسئلة التي يوردها المؤلف مما ترد على ألسنة القبوريين، فيقول ﵀: فإن قلت: إن الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. هذه شبهة يوردها بعض القبوريين، فيقول قائلهم: أنت تقول: إن الاستغاثة شرك، وأنا عندي دليل على أن الاستغاثة ليست بشرك. فإن قلت له: وما دليلك؟ يقول لك: ثبت في الصحيحين وغيرهما: (أن الناس يوم القيامة إذا دنت الشمس من رءوسهم وزيد في حرارتها استغاثوا بالأنبياء، فيأتون أولاً آدم فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربك، فيعتذر قائلاً: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني أكلت من الشجرة التي نهاني الله عنها، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا -في لفظ: إلى إبراهيم بعد آدم، وفي اللفظ الآخر أنهم يذهبون بعد آدم إلى نوح- إلى نوح، ويأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيعتذر ويقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة أغرقتهم بسببها، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيعتذر لهم إبراهيم بكذباته الثلاث، وهي في حقيقتها تورية، ثم يحيلهم إلى موسى، فيقول لهم: اذهبوا إلى موسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى فيعتذر لهم ويقول إنه قتل نفساً بغير حق، ثم يقول لهم: اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيعتذر عيسى لهم ويقول: إنه اتخذ وأمه إلهين من دون الله، ويقول لهم: اذهبوا إلى محمد؛ فإنه خاتم النبيين، فيشفع نبينا ﵊ فيهم، ويقول: أنا لها أنا لها). فهذا الحديث يستدل به القبوريون ويقولون: هذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست منكراً؛ لأن هؤلاء الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى، فليست الاستغاثة منكراً، و الجواب قال المؤلف: قلت هذا تلبيس؛ فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد، أي: هذا تلبيس منكم أيها المشركون! لأن الناس حينما يستغيثون يوم القيامة بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى هذا وهم أحياء، والاستغاثة بالحي لا شيء فيها إذا كان يقدر على التنفيذ، كإنسان غريق في البحر وعنده سباح فقال للسباح: أغثني، والسباح عنده قدرة على إنقاذه فأنقذه، فمثل هذا لا شيء فيه، وكذا لو أن إنساناً عليه ديون فاستغاث بمن يعينه على قضاء دينه فأغاثه، فلا بأس في ذلك، وعلى هذا فقس، وإنما الممنوع هو الاستغاثة بالميت؛ لانتهاء الأمل فيه، وكذا تمنع الاستغاثة بالغائب الذي لا يسمع، أو الاستغاثة بالحي في شيء لا يقدر عليه إلا الله، فهذا وأمثاله من الشرك. فالمؤلف يقول لهم: هذا تلبيس منكر؛ لأن هذا الدليل الذي ذكرتموه إنما هو دليل على أن الاستغاثة بالحي الحاضر جائزة، والذي ننكره عليكم هو الاستغاثة بالأموات، أو بالغائبين، أو بالأحياء الذين لا يقدرون. قال المؤلف: ومن الأدلة على جواز الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي. وذلك أن موسى خرج -قبل النبوة- في مصر فوجد رجلين يقتتلان كما قص الله علينا ذلك في سورة القصص، فقال سبحانه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] أي: واحد من بني إسرائيل من جماعة موسى والآخر قبطي، فاستغاث الإسرائيلي بموسى؛ لأنه من جماعته، أي: من بني إسرائيل، ومعنى استغاث به، أنه قال له أغثني، فأغاثه موسى، فضرب خصمه ضربة فقضى عليه، أي: قتله، فلما علم فرعون وملؤه صاروا يطلبونه، وجاء رجل من أقصى المدينة ينصحه قائلاً: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] فخرج من مصر. الشاهد من هذا: أن موسى أغاث الإسرائيلي، لكن إنما استغاثه الإسرائيلي لأنه حي حاضر، فأغاثه موسى. وكان هذا قبل النبوة ثم تاب الله عليه، وبعد ذلك أرسله الله تعالى، فهذا من الأدلة على جواز الاستغاثة بالحي الحاضر القادر، وقد قال الله في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]. يقول المؤلف: وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، فهذا هو الشرك، كأن يقول: يا فلان أغثني، أو يا فلان رد غائبي، والمستغاث به ميت، ويقول: أنا في حسبك وجوارك فلا تخيب رجائي، اشفع لي عند الله، أنقذني من النار! أدخلني الجنة! ارزقني! انصرني على عدوي! فهذا هو الشرك بعينه؛ لأنه -أي: المدعو ميت- ليست بيده أسباب الإجابة، وكذلك الغائب والحي الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولهذا قال المؤلف: وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلا الله من عافية مريض ونحوه. بل الأعجب من هذا: أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباعهم ممن يعتقدون فيهم يجعلون لوليهم المزعوم حصة من الولد إن عاش! ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش! وهذا من شركهم. ومعنى: يجعل له حصة من الولد أن يقول مخاطباً صاحب القبر: إن عاش هذا الولد فلك نصفه، أي: نصف كسبه، أو يقول مثلاً في بنته: إن عاشت هذه البنت حتى تتزوج فلك نصف المهر، أي: لصاحب القبر، ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش، أو في بطن الدابة أو غيرها، ويشترون من صاحب القبر الحب بكذا ويعطونه منه؛ حتى لا تصيبه عاهة، فيقول المؤلف في هذا ومثله: إنه شرك ما بلغ إليه المشركون الأولون. قوله ﵀: ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور: أنه جاء إنسان بدراهم وحلية نسائه وقال: هذه للسيد فلان -يريد صاحب القبر- نصف مهر ابنتي، أي: لما زوج ابنته أخذ نصف المهر وأعطاه للسيد صاحب القبر، ونصف المهر جعله لها، وقال -أي: الناذر لصاحب القبر- إني زوجتها وكنت قد ملكت نصفها سيد فلان، أي: أنه ملك نصفها لصاحب القبر، فلما تزوجت أعطى نصف المهر لصاحب القبر. يقول المؤلف: وهذه النذور بالأموال، وجعل قسط للقبر كما يجعلون شيئاً من الزرع يسمونه تلماً في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام! وهو داخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل:٥٦] بلا شك ولا ريب، فإن هذا جاء في القرآن، أي: جاء أن المشركين يجعلون نصيباً من الزرع وال

стр. 40

ما يجوز من الاستغاثة وما لا يجوز يقول المؤلف: مع أن استغاثة العباد يوم القيامة بالأنبياء إنما هي ليدعوا الله لهم ليفصل بينهم يوم القيامة بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض. ويعني ﵀: أن العباد حينما يستغيثون يوم القيامة بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد، هذه استغاثة حي بحي، وهذا لا بأس به؛ لأن الناس أحياء والأنبياء أحياء، واستغاثة الحي بالحي القادر لا إشكال فيها، والممنوع هو: استغاثة الحي بالميت، أو بالغائب، أو بالحي غير القادر، ولهذا قال المؤلف: وهذا لا شك في جوازه، أعني: طلب دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، ومن ذلك قوله ﷺ لـ عمر ﵁ لما خرج معتمراً: (لا تنسنا يا أخي من دعائك)، وفي لفظ: (لا تنسني يا أخي من دعائك)، لكن هذا الحديث فيه ضعف؛ لأن في سنده عاصم بن عبيد الله العمري وهو ضعيف، ولكن المعنى صحيح، وقد دلت النصوص على أنه لا بأس بدعاء الحي للحي، ومن ذلك قول الله تعالى وقد أثنى على الأحياء لاستغفارهم لمن سبقهم بالإيمان: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وقد قالت أم سليم ﵂: (يا رسول الله خادمك أنس، ادع الله له)، وهذا في الصحيحين وغيرهما، فدعا النبي ﷺ لـ أنس، وهذا دعاء حي حاضر لحي حاضر. يقول المؤلف: وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاء منه ﷺ وهو حي، وهذا أمر متفق على جوازه، يعني دعاء الحي للحي، والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن يشفوا مرضاهم، هذا هو الشرك، وهو طلب بعض الأحياء من صاحب القبر أن يشفي مريضه، أو طلبهم من الحي غير القادر أن يشفي مرضاهم وليس من شاف إلا الله، أو أن يرد الغائب، أو ينفس عن الحبلى -أي: الحامل-، أو يسقي زرعهم، أو يدر ضروع مواشيهم، أو يحفظها من العين، فكل هذا شرك، سواء طلبه من الميت أو من الغائب أو من الحي الحاضر؛ لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. يقول المؤلف: هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٧] أي: هم لا ينصرون أنفسهم فكيف ينصرونكم؟ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤] فكيف يطلب الإنسان من الجماد، أو من حي الجماد خير منه!! لأنه لا تكليف عليه.
следующие страницы →