← Акыда

Акыда · id 37020

شرح تطهير الاعتقاد للصنعاني - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (101 стр.). Показаны 71–101 · переход к 76.

стр. 71

حكم من فعل ناقضاً لإسلامه ثم تاب منه السؤال من فعل ناقضاً من نواقض الإسلام ثم تاب منه فهل يقتل ردة؟ الجواب من تاب تاب الله عليه، والنصوص واضحة في أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

стр. 72

حكم الجهل بمسائل الاعتقاد السؤال ما الرد على من يقول: إنه يعذر بالجهل في باب الاعتقاد، مستدلين بحديث الرجل الذي أمر أولاده أن يحرقوه بعد موته؟ الجواب الجهل ليس كل أحد يعذر به، فالتوحيد الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يعذر بتركه أحد، فمن فعل الشرك وهو يعيش بين المسلمين كأن دعا غير الله، أو ذبح لغيره لا يعذر، إنما يعذر في هذا أهل الفترات الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقد بعث الرسول، وقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر أحد أن يذبح لغير الله في بلاد المسلمين، ولا يعذر لكونه لا يقبل النصيحة، كأن يصم أذنه؛ لكيلا يسمع الحق والقرآن والنصوص الشرعية، فهذا ليس له عذر، إنما الذي يعذر في المسائل الدقيقة الخفية التي يجهل مثلها، كأن يكون في بلاد بعيدة لم يسمع بالإسلام، أو لم يسمع بأشياء خفية منه، مثل قصة الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه، وفي بعض الروايات أنه طلب من بنيه بعد إحراقه أن يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، وقال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً. هذا الرجل قال فيه العلماء: إنه ليس معانداً ولا مكابراً ولا مكذباً ولكنه جاهل، هو يؤمن بالبعث، ويؤمن بقدرة الله، ويعلم أن الله يبعث الناس، ويقول إن الله لو بعثه لعذبه، فيؤمن بقدرة الله، لكنه أنكر كمال تفاصيل قدرته، فظن أنه إذا أحرق وذُر سيفوت على الله فلا يقدر على بعثه، والداعي له في ذلك ليس العناد أو التكذيب، وإنما هو الجهل مع الخوف العظيم، فاجتمع له أمران: جهل وخوف عظيم، فغفر الله له، وأما لو كان مكذباً بالبعث أو عالماً بحرمة فعله أو معانداً لربه فلا ينفعه خوفه منه، هكذا قرر شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم. ومن العلماء من قال: إن هذا في شرع من قبلنا، فلا يكون دليلاً على العذر بالجهل في مسائل الاعتقاد، لكن ما قدمناه هو الصواب.

стр. 73

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٨] إن الحق ما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة لا ما تتابع عليه الآباء والأجداد، أو ما شرعته الأسلاف والأعراف، أو ما زلت به أقدام العلماء والدعاة، فالحق يعرف بدليله لا بقائله، فاعرف الحق تعرف أهله.

стр. 74

الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: هذا أمر عم البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق الأرض شرقاً وغرباً، ويمناً وشاماً، وجنوباً وعدناً، بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها، وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويسرجونها، ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويلبسونها الثياب، ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلوا عن قبر أو قريب منه، أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذكر، أو بعض ما ذكر، ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا. قلت: إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها، صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولة أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه، ويرحلون به إلى محل قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفاً على قبره، فينشأ وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير. بل ترى ممن يتسم بالعلم، ويدعي الفضل، وينتصب للقضاء أو الفتيا أو التدريس أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظماً لما يعظمونه، مكرماً لما يكرمونه، قابضاً للنذور، آكلاً ما ينحر على القبور، فيظن العامة أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر: أن سكوت العالِم أو العالَم على وقوع منكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر]. لا يزال المؤلف ﵀ يذكر سلسلة من الشبهات والأسئلة التي يوردها بعض عباد القبور؛ ليلبسوا بها على الناس، ثم يجيب عنها. يقول المؤلف ﵀: فإن قلت: هذا أمر عم البلاد، يعني: وجود القبور والمشاهد، ومن يطوفون حولها وينذرون لها ويذبحون عندها ويعظمونها، واجتمع عليه سكان الأغوار والأنجاد. يعني: اجتمع عليه سكان المرتفعات والمنخفضات، فالأغوار جمع غور، وهو: المنخفض من الأرض، والأنجاد جمع نجد، وهو: ما ارتفع من الأرض، يعني: اجتمع عليه الناس كلهم في البوادي وفي الأودية، وفوق الجبال، واستمروا على هذا الأمر، واجتمعوا عليه، ولهذا قال: طبق الأرض شرقاً وغرباً، ويمناً وشاماً وجنوباً وعدناً. أي: كل هذه المواطن موجودة فيها القبور في الشرق والغرب واليمين والشمال والجنوب والعدن، بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها، ومعنى: ينذر لها النذور، أي: يقولون لصاحب القبر: إن شفى الله مريضي فلك علي كذا وكذا، أي: لصاحب القبر، وقد يكون النذر من الذبائح أو الحبوب أو الثمار أو النقود، وكذلك يدعونها ويهتفون باسمها، ولهذا قال المؤلف: لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها. ومعنى يسرجونها: يضعون عليها السرج والأنوار، وهذا من وسائل الشرك -أي: وضع القباب على القبور، وإسراجها بالسرج- والآن تسرج بالكهرباء، وهذا تعظيم لها، ويلقون عليها الأوراد والرياحين، وهذا دعوة للشرك، وهذه كلها من وسائله، وكذلك الكتابة عليها، وإلباسها الثياب، بل يصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخشوع والخضوع والتذلل والافتقار إليها. يقول المؤلف: حتى المساجد ما سلمت من هذا، أي: حتى مساجد المسلمين ما تجد مسجداً إلا وفيه قبر، فإن لم يكن داخل المسجد فهو خارجه، وهذا موجود إلى الآن مثلما قال المؤلف: بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر، أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، فيصنعون فيها ما ذكر أو بعض ما ذكر. وهذا موجود حتى الآن، فأي بلد تأتيه -ما عدا بلادنا هذه- لا تجد في الغالب مسجداً إلا وفيه قبر، وقليل من المساجد التي تسلم من القبور، فإما أن تجد القبر داخل المسجد أو خارجه قريباً منه. يقول المؤلف: ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة. يقول: كيف تقول: إن هذا منكر، وهو أمر عم البلاد وطم، وبلغ من الشناعة ما بلغ، فكأنه يقول: الناس لا تتحمل عقولهم هذا، ولا يوافقونك على أن هذا منكر، وأنه بلغ من الشناعة أن يكون من المنكرات الكفرية، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا. يقول: لو كان ما تقولون صحيحاً من أن الطواف بأصحاب القبور والذبح لها والنذر لها كفر؛ لما سكت عليه العلماء، وكيف يسكت العلماء عن مثل هذا؟ و الجواب قال المؤلف ﵀: قلت: هذا الجواب إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت بأن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العوالم، تعلم أن هذه الأمور نشأ عليها الناس وهي شركيات. يقول المؤلف: عليك أن تتجرد من التقليد والتبعية للآباء والأجداد في الباطل، فهذه طريقة المشركين، حيث قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فتجرد من التقليد واتباع الآباء والأجداد والأسلاف في الباطل، واطلب الحق، فالحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه الناس وتواطئوا عليه، فإن النصوص كلها تدل على قبحه وشناعته وكفر ما فعل. فيقول المؤلف: إذا أردت الإنصاف اترك متابعة الآباء والأجداد والأسلاف، وأهل البلد في الباطل، واطلب الحق بدليله، لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل، وقبيلة بعد قبيلة. (فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها مثل الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لها، وتعظيمها، ونسعى في هدم منارها، صادرة عن العامة). يعني هذه صدرت عن العوام وما صدرت عن العلماء، فهل وجدت عالماً يطوف حول القبور؟ أو يذبح لها؟ أو ينذر لها؟ فمن الذي يفعل هذا؟ الذي يفعل هذا هم العوام، والعوام جهال، وفعلهم ليس بحجة. فهم نشأوا على تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل). فيتابعون الآباء ولا يفرقون بين الحق وبين المبطل. (ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته، وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولة أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له، ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره، ويلطخونه بترابه ويجعلونه طائفاً على قبره، فيفعل مثل فعلهم، فينشأ وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير على هذه الأفعال الشركية. بل ترى من يتسم بالعلم، ويدعي الفضيلة وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية، أو المعرفة، أو الإمارة والحكومة معظماً لما يعظمونه). وهذه من المصائب أن يكون من العلماء هم من يشجع العامة على الشرك ويحثونهم عليه، حتى إن القبوريين عندهم بعض العلم وعندهم بعض الشبه وهم قبوريون، وهؤلاء لا عبرة بهم، فالعبرة بعلماء الحق، وعلماء الشريعة، وعلماء الكتاب والسنة، أهل الاستقامة والعلم والعمل، وأما المنحرفون فلا، فإن اليهود فيهم علماء لكنهم أهل ضلال، والنصارى فيهم علماء لكنهم أهل ضلال، وكذلك هذه الأمة فيها علماء ضلال. والعلماء قسمان: علماء دنيا وعلماء آخرة. فعلماء الدنيا هم علماء الضلال، فلا عبرة بهم، ولهذا قال: إن هناك من العلماء من يدعي الفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس والولاية أو الإمارة والحكومة، وهم يعظمون ما يعظمه العامة ويكرمون ما يكرمونه، وهذا تشجيع لهم على الشرك، وإقرار لهم عليه. يقول: (أقرهم على الشرك، آكلاً ما ينحر على القبور). الذي ينحر القبور يؤكل وهو ميتة، وذبيحة شركية، فكيف يؤكل وهو لا يحل، فالذبيحة التي تذبح لصاحب القبر هذه ميتة نجسة، ومع ذلك يأكلها بعض من ينتسب للعلم من علماء الضلال. (فيظن العامة أن هذا دين الإسلام) وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر؛ أن سكوت العالم على وقوع منكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر). إذا سكت الشخص أو سكت العالم فسكوتهم لا يدل على جواز ذلك المنكر، وبين المؤلف ﵀ أن الإنسان قد يسكت لأنه عاجز عن الإنكار، والإنكار يكون باليد ثم باللسان ثم بالقلب، وقد يكون هذا الذي سكت من العلماء ما عنده استطاعة لتغييره؛ لأنه يخشى أن يصيبه ضرر في دينه أو بدنه أو ماله، فيكون معذوراً، فينكر بقلبه.

стр. 75

بعض الأمثلة الدالة على سكوت العلماء عن المنكر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولنضرب لك مثلاً من ذلك، وهي: هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها، قد ملأت الديار والبقاع، وصارت أمراً مأنوساً لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع: في مكة أم القرى، يقبضون من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام، وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون عن الإنكار، معرضون عن الإيراد والإصدار، أفيكون السكوت دليلاً على حل أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك. بل أضرب لك مثلاً آخر: هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله من الفساد، وفرقت عبادة المسلمين، وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين، بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها، وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف، كذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين]. المؤلف ﵀ يقول: إن هذه القبور التي انتشرت في البلدان، ويطوف حولها العامة، وينذرون لها، ويذبحون لها، ويعملون عندها الأعمال الشركية، فسكوت العلماء عليها ليس دليلاً على جوازها؛ لأن العالم قد يسكت لعجزه عن الإنكار. وضرب المؤلف مثلين لمنكرين منتشرين في زمانه ولم ينكرهما العلماء مع أنهما حرام في الكتاب والسنة، وتحريمهما معلوم من الدين بالضرورة، ومع ذلك سكتوا، فكذلك سكوتهم عن كل ما يفعله القبوريون ليس دليلاً على حله وجوازه، بل لعجزهم. المثال الأول: المكوس التي تجبى بغير حق، والمكوس: هي الضرائب، ومن ذلك ما يسمونه بالجمارك، فهذه الضرائب والمكوس التي تؤخذ على الحجاج قبل ثلاثمائة سنة في زمان المؤلف الصنعاني ﵀، يقول: إن الحجاج الذين يدخلون مكة تؤخذ عليهم الضرائب، وهذه الضرائب هي المكوس، وهي حرام، ومع ذلك سكت العلماء عليها، فليس سكوتهم دليلاً على أنها مباحة، بل المكوس محرمة بالكتاب والسنة، وحرمتها معلومة من الدين بالضرورة، حتى إن النبي ﷺ قال للزانية التي زنت وتابت: (إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه). فجعل صاحب المكس أعظم من الزنا، ومع ذلك فسكوت العلماء لا يدل على جوازه. المثال الثاني: المقامات التي كانت في المسجد الحرام في زمان المؤلف الصنعاني، فقد كان يوجد في المسجد الحرام أربع مقامات: المقام الحنفي، والمقام المالكي، والمقام الشافعي، والمقام الحنبلي، وكل مقام يؤمه إمام، وفي كل صلاة يصلي أربعة أئمة، فالإمام الحنفي يصلي وراءه الأحناف، والشافعي يصلي وراءه الشافعية، والمالكي يصلي وراءه المالكية، والحنبلي يصلي وراءه الحنابلة، وقد يصلون في وقت واحد أربع جماعات، يقول: وهذه بدعة قرت بها عين إبليس، وفرقت الأمة، وجعلت الناس كأنهم أربعة أديان، كيف يوجد في دين الإسلام أربعة أئمة في مسجد واحد، ويؤمون في وقت واحد؟ فهذه بدعة، ومع ذلك سكت العلماء عليها، وسكوت العلماء عليها ليس دليلاً على جوازها مع أنها بدعة، هذا على كلام المؤلف، لكن قد يقال: إن هناك من العلماء من تكلم عليها وبين حكمها وإن لم يعلمه الناس كلهم. وكذلك العلماء ما سكتوا على ما يفعل عند القبور بل بينوا، ولا تزال المؤلفات، ولا يزال الخطباء ينكرون ما يفعله القبوريون في زمان المؤلف وقبله وبعده، وكذلك المكوس لا يزال العلماء يبينون أنها محرمة، وهذه المقامات كانت موجودة حتى تولى الملك عبد العزيز ﵀، فلما تولى الملك عبد العزيز ﵀ أزال هذه المقامات الأربعة، وألغى كلمة الأئمة الأربعة، وجمع الناس في المسجد الحرام على إمام واحد يؤمهم، وهذه من الحسنات التي تحسب للملك عبد العزيز ﵀، وكان هذا بفتوى من العلماء أفتوا الملك ﵀ بذلك وبينوا له أن هذه المقامات منكر، وأنه لا يجوز أن يكون هناك أئمة أربعة يؤمون في وقت واحد، فهذا منكر، فألغى الأئمة وجعل لهم إماماً واحداً، وجعل الدين واحداً، يصلي الناس خلف إمام واحد سواءً كان مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً، وهذه من الحسنات التي تحسب للملك عبد العزيز ﵀، ولكن الصنعاني ﵀ ما أدرك عهد الملك عبد العزيز، فهو يتكلم في زمانه عندما كانت هذه الأشياء موجودة، ولهذا قال المؤلف: فلنضرب لك مثلاً من ذلك وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي، المعلوم في الدين بالضرورة حرمتها وقال: ملأت الديار والبقاع، وصارت أمراً مأنوساً لا يلج إنكارها -يعني: لا يدخل إنكارها- إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين -يعني: يأخذون الضرائب- في أشرف البقاع: في مكة أم القرى، فيقبضون من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام، وسكانها من أفضل الأنام. ثم يقول: والعلماء والحكام ساكتون عن الإنكار. هذا لم يعلمه المؤلف، فالعلماء بينوا لكن كونه ما انتشر أو كثير من الناس ما بلغه ليس دليلاً على أنهم لم ينكروا، بل قد أنكر العلماء في زمانه لكن لا يستطيعون إزالته، وهذا يحتاج إلى قوة من السلاطين وهم الذين يمنعون الناس من هذا، فالعلماء بأيديهم البيان والإيضاح، وقد يكون في بعض الأزمان أو في بعض الأمكنة أو في بعض الأوقات بعض العلماء لا يستطيع الإنكار باللسان؛ لأنه يهدد من قبل علماء السوء أو من قبل حكام السوء، فلو سكت فيكون معذوراً في هذه الحالة، وينكر بقلبه ويكون غيره قد أنكر. قول المؤلف: معرضون عن الإيراد والإصدار أفيكون السكوت دليلاً على حل أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك. ثم ضرب المثل الثاني، فقال: هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله من الفساد، وفرقت عبادة المسلمين، وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين -كأنها أديان أربعة-، بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها]. لعله يقصد بالأبدال الذين يخلف بعضهم بعضاً، كما جاء في بعض الأحاديث، والأقطاب: هم العلماء، وليس المراد بالأقطاب أقطاب الصوفية الذين يزعمون أنهم يتصرفون في الكون، أو الأبدال الذين عند الصوفية، فمراد المؤلف شيء غير هذا، ولأن مراد علماء الشريعة والحق أن الأبدال: الذين يخلف بعضهم بعضاً، والأقطاب: الذين لهم مكانة وتمكن في الدين شاهدوها وسمعوا بها وسكتوا عنها، فهذا كلام المؤلف ﵀، ولكن الواقع أنهم ما سكتوا، ففي كل زمان من ينكر المنكر ويقيم الحجة على الناس. أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف، كذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين. وقد سبق أن العلماء ما سكتوا بل بينوا، ولكن العلماء يختلفون، فمنهم من يستطيع أن يبين، ومنه من لا يستطيع فيكون معذوراً، وقامت الحجة بمن بين.

стр. 76

الجواب على من زعم أن الأمة اجتمعت على ضلالة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة. قلت: حقيقة الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ على أمرٍ بعد عصره، وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة، وإن كان هذا قولاً باطلاً وكلاماً لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلاً، فعلى زعمهم: لا إجماع أبداً من بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال؛ فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب الأربعة، وعلى ما نحققه: فالإجماع وقوعه محال؛ فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون، ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين فإنها دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق. ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر وما أنكروه بل سكتوا عن إنكاره لما دل سكوتهم على جوازه؛ فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاثة: أولها: الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته. ثانيها: الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد. ثالثها: الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان، فإن انتفى أحدها لم ينتف الآخر، ومثاله: مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين وهو يأخذ أموال المظلومين، فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير على هذا الذي يأخذ أموال المساكين ولا باللسان؛ لأنه يكون سخرية لأهل العصيان، فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين، ولم يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان. فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتاً عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان، وأنه قد أنكر بقلبه، فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم ما أمكن ضربة لازب، فالداخلون إلى الحرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرقت كلمة الدين، وشتتت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلا بالقلب كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين]. المؤلف ﵀ أيضاً يورد سؤالاً ثم يجيب عنه، فيقول: إن قلت: يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة. أي: أنت تقول: الآن القبور منتشرة والعلماء ساكتون، والمكوس منتشر والعلماء ساكتون، والمقامات في المسجد الحرام ما أنكرت والعلماء ساكتون، فيلزم من هذا أن الأمة قد تجتمع على ضلالة، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فما الجواب عن ذلك؟ نقول: إنهم ما سكتوا، فالعلماء بينوا، ولكن العلماء يختلفون فمنهم من يستطيع الإنكار فينكر، ومنهم من لا يستطيع فيكون معذوراً وينكر بقلبه، ومن أنكر قامت به الحجة. والمؤلف أجاب فقال: حقيقة الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ على أمر بعد عصره. فهذا هو الإجماع؛ أن يجتمع العلماء المجتهدون بعد عصر النبي ﷺ على شيء، وأما في عصر النبي ﷺ فالحجة في كلام الله وكلام رسوله، لكن بعد وفاة النبي ﷺ إذا اجتمع العلماء المجتهدون على شيء صار إجماعاً لا يجوز مخالفته. ويقول المؤلف: وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة، يعني يقولون: بعد الأئمة الأربعة لا يوجد إجماع، فهذا الإجماع مستحيل؛ لأن العلماء انتشروا في الأمصار، ولا يمكن حصر أقوالهم، فالذي يقول: إنهم أجمعوا فهذا كلام ليس بصحيح؛ لأنك لو حصرت بعض الأقوال في الشام وفي مصر وفي المغرب وفي المدينة وفي مكة وفي نجد وفي كل مكان فلا تستطيع أن تحصر جميع العلماء، فقد يوجد عالم في بيته لا أحد يعلم عنه، ولا أخذ رأيه ولا قوله، فكيف يكون إجماعاً؟ ولهذا يقول المؤلف: وإن كان هذا قولاً باطلاً لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلاً، فعلى زعمهم لا إجماع أبداً من بعد الأئمة الأربعة؛ فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب الأربعة. يقول: القبور إنما حصلت بعد الأئمة الأربعة، والفقهاء يقولون: لا إجماع بعد الأئمة الأربعة، وعلى ما نحققه من أن الإجماع وقوعه محال؛ لأن علماء الأمة انتشروا في كل مكان، فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كل أرض، وتحت كل نجد، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون، فمن يحصي العلماء؟ ومن يستطيع أن يأخذ أقوال أهل العلم حتى يحصر الإجماع؟! لا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين فإنها دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق. يعني: هذا قول يقوله أئمة التحقيق، يقولون: إن من ادعى الإجماع بعد انتشار العلماء في كل مكان فهو كاذب. وبعض العلماء يقول: يمكن وقوع الإجماع، ولهذا الأصوليون ذكروا إجماع مجتهدي العصر، وقالوا: الإجماع يكون في كل زمان، وقد ثبت عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب. يعني: بعد الصحابة، نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: إن الإجماع الذي ينضبط هو إجماع الصحابة؛ لأن الصحابة محصورون، أما بعد عصر الصحابة فالعلماء كثروا وانتشروا في الآفاق فلا يمكن حصر أقوالهم، أما في عصر الصحابة فيمكن حصر أقوالهم. وهناك من أهل العلم من قال: إنه يمكن الإجماع في كل عصر، وقال: إن الإجماع هو اتفاق مجتهدي العصر على أمر، فإذا اتفق أهل العصر ولم يخالف أحد ثبت الإجماع، وهذا يذكره العلماء الأصوليون في الإجماع. والمؤلف ﵀ يقول: الإجماع مستحيل، ولا يمكن أخذ آراء جميع العلماء، ونقل عن فقهاء المذاهب أنهم يقولون: الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة مستحيل، وأما في زمن الأئمة الأربعة فلا، وأما الإمام أحمد ﵀ فإنه يرى أن الإجماع الذي ينضبط إنما هو في عصر الصحابة، وأما بعد عصر الصحابة فلا ينضبط، ولهذا قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب.

стр. 77

سكوت العلماء عن المنكر لا يدل على جوازه يقول المؤلف: ثم لو فرض أنهم علموا بمنكر وما أنكروه بل سكتوا عن إنكاره لما دل سكوتهم على جوازه؛ فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاثة: أولها: الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته. ثانيها: الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد. وثالثها: الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان، فإن انتفى أحدهما لم ينتف الآخر. يعني: لو فرض وقدر أن العلماء علموا بالمنكر وما أنكروه وسكتوا عنه لما كان سكوتهم دليلاً على الجواز؛ لأن مراتب الإنكار ثلاثة كما في حديث أبي سعيد الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فالعلماء قد يسكتون إذا عجزوا عن الوظيفة الأولى والثانية، إذا عجزوا عن الإنكار باليد واللسان، وأنكروا بالقلب، فلا يكون سكوتهم حجة. ومثل المؤلف بمثال، فقال: ومثاله: مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين وهو يأخذ أموال المظلومين، فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير على هذا الذي يأخذ أموال المساكين باليد ولا باللسان؛ لأنه يكون سخرية لأهل العصيان، فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين، ولم يبق إلا الإنكار الذي هو أضعف الإيمان]. يقول: لو مر أحد العلماء بالمكاس الذي يأخذ الضرائب على المظلومين وسكت، فهل يكون سكوته دليلاً على الجواز؟، لا؛ لأنه لا يستطيع الإنكار لكن نقول: هذا إذا كان يخشى أن يصيبه ضرر في بدنه أو ماله، وأما إذا كان لا يخشى فقد ينكر باللسان، وإذا لم ينكر هو فقد أنكر غيره. يقول المؤلف: فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتاً عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار -يعني الذي يأخذ الضرائب- أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان، وأنه قد أنكر بقلبه؛ فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم ما أمكن ضربة لازب. يقول: إذا رأيت عالماً ساكتاً فالتمس له العذر، وأحسن الظن به أنه عاجز عن الإنكار باليد واللسان. ثم يقول المؤلف ﵀: فالداخلون إلى الحرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية، المراد: المقامات الأربعة: مقام الشافعي، ومقام الحنفي، ومقام المالكي في زمان المؤلف. يقول: الذي يدخل المسجد الحرام ويشاهد هذه الأبنية الشيطانية التي فرقت كلمة الدين، وشتتت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلا بالقلب كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين، والذين كانوا يدخلون المسجد الحرام وما أنكروا هذه المقامات الأربعة معذورين؛ لأنهم لا يستطيعون، ومثله الذي يمر على القبور معذور، لكن نقول للمؤلف: لا، هل كل الذين دخلوا المسجد الحرام ما أنكروا؟ فيوجد من أنكر باللسان لكن ما قبل منه، فقد أدى ما عليه.

стр. 78

إبطال دعوى الإجماع السكوتي قال المؤلف ﵀: [ومن هنا يعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في بعض ما يستدلون عليه: إنه وقع ولم ينكر فكان إجماعاً. ووجه اختلاله: أن قولهم: (ولم ينكر) رجم بالغيب؛ فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك: أنه كم من أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك وأنت منكر له بقلبك، ويقول الجاهل إذا رآك تشاهده: سكت فلان عن الإنكار، ويقوله إما لائماً أو متأسياً بسكوته، فالسكوت لا يستدل به عارف، وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال: فعل فلان كذا وسكت الباقون فكان إجماعاً مختلاً من جهتين: الأولى: دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان، لما عرفت من عدم دلالة السكوت على التقرير. الثانية: قولهم: فكان إجماعاً؛ فإن الإجماع اتفاق أمة محمد ﷺ ، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف حتى يعرب عنه لسانه. قال بعض الملوك -وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله وفيهم رجل ساكت-: لما لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم. فما كل سكوت رضا، فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد؟!]. المؤلف ﵀ يقول: وبهذا تعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في بعض ما يستدلون عليه: إنه وقع ولم ينكر فكان إجماعاً، فهذا يسمى الإجماع السكوتي، وفيه خلاف في صحته وحجيته، فمن العلماء من صححه واحتج به، ومنهم من منعه، فالمؤلف يقرر أن الإجماع السكوتي ليس بصحيح؛ لأن الساكت لا ينسب له قول حتى يتكلم. ثم بين وجه بطلانه، فقال: ووجه اختلاله أن قولهم: (ولم ينكر) رجم بالغيب. قولهم: أنه وقع ولم ينكر، فالإنكار يكون بالقلب، فهل اطلعتم على قلبه؟ فإنه قد يكون أنكر بالقلب، فيقول المؤلف: فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان. يعني: أنه يخاف من ضرر يصيبه في بدنه أو ماله أو أهله فيكون معذوراً. ثم يقول: وأنت تشاهد بنفسك وفي زمانك أنه كم من أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك لعجزك عنه، وأنت منكر له بقلبك. ويقول الجاهل إذا رآك تشاهده: سكت فلان عن الإنكار بقوله، لماذا يقول: سكت فلان عن الإنكار، أو متأسياً بسكوته، فعندما يقول: سكت فلان عن الإنكار ثم يلومه يقول: لماذا لم يتكلم؟ أو يريد أن يقتدي به ويتأسى بالسكوت، فالسكوت لا يستدل به على رضا العالم، وكون العالم يسكت هذا ليس بدليل. وكذلك يعلم اختلال قولهم في الاستدلال: فعل فلان كذا وسكت الباقون فكان إجماعاً. يقول: هذا باطل من وجهين: الأول: دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان، لما عرفت من عدم دلالة السكوت على التقرير؛ لأنه قد يكون منكراً. الثانية: قولهم: (فكان إجماعاً)، فالإجماع لا يفعله واحد ويسكت الباقون، فيقول: الإجماع تعريفه هو: اتفاق أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور. فهذا هو الإجماع، وليس أن يفعله واحد ويسكت الباقون، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف حتى يعرب عنه لسانه، قال بعض الملوك -وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله وفيهم رجل ساكت-: ما لك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم. يقول المؤلف: فما كل سكوت رضا، فما كل من سكت يقال: إنه راضٍ؛ فإن هذه المنكرات -مثل المنكرات التي تكون حول القبور والمكوس والمقامات التي في الحرم الشريف- أسسها جبابرة ظلمة بيدهم السيف فلا يستطيع أحد أن ينكر عليهم، فالذي ينكر يقطعون رقبته؛ فلذلك سكتوا، فسكوتهم لا يدل على الرضا بل لعجزهم، ولهذا قال: فإن هذه المنكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه؛ لأنهم ظلمة، إذا كتب شيئاً أو تكلم إلى أحد أوقع العقوبة في من يريد، وأعراضهم تحت قوله وكلمته، فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد؟! فدل على أن سكوتهم لعذر.

стр. 79

من ذرائع الشرك بناء القباب والمشاهد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه غالب -بل كل من يعمرها- هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزروه الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبراً قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضرر، وبفلان النفع؛ حتى يغرسوا في جبلته كل باطل. ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللعن على من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها، وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فإن ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة]. يقول المؤلف ﵀: هذه القباب والمشاهد التي بنيت على القبور هي أعظم ذريعة للشرك والإلحاد، بل إن الشرك وقع في بعضهم لما بنيت القباب والمشاهد، فذبح لها بعض الناس ونذر لها وطاف بها، يقول: فهي أكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه؛ لأنها من وسائل الشرك، فغالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء الوثنيون الجهلة الظلمة والولاة، إما على قريب لهم يبنون عليه، أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل -يعني: صاحب القبر-، أو عالم أو صوفي أو فقير، والفقير هذا مصطلح عند الصوفية يسمونه الفقير، أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفون زيارة الأموات، يعني: يزورونه زيارة شرعية، فيدعون له ويترحمون عليه، ويتذكرون الآخرة من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، فهذه هي الزيارة الشرعية حتى ينقرض من يعرفها أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيقع في الشرك، يعني: الأولون زاروه زيارة شرعية، ثم يأتي من بعدهم فيجد وسائل الشرك فتغريه إلى الشرك، فيجد من بعدهم قبراً قد شيد عليه البناء، وهذا من وسائل الشرك المؤدية إلى الاستغاثة به، فتسرج عليه الشموع ويفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعبدونه لأنهم يعتقدون أنه ما أسرجت عليه السرج، ووضعت الورود والرياحين عليه إلا لأنه ينفع ويضر، فيقعون في الشرك. فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السدنة -السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وكذا وفعل- بالقصص أنه فعل كذا وأنه دعاه فلان فأجاب دعاءه وجاءه فلان فحصل له كذا، فيأتون بالقصص التي يكذبون بها على الميت حتى يغروا الناس بالشرك، وأنزل بفلان الضرر، وبفلان النفع، يقول: حتى يغرسوا في جبلته كل باطل، ولهذا الأمر ثبتت الأحاديث النبوية باللعن على من أسرج على القبور. كحديث: (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) فاتخاذ المساجد على القبور والسرج وسيلة إلى الشرك، وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فإن ذلك كله منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة.

стр. 80

خطأ الاستدلال ببناء القبة على قبر رسول الله على جواز ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: هذا قبر رسول الله ﷺ قد عمرت عليه قبة عظيمة وأنفقت فيها الأموال. قلت: هذا جهل عظيم بحقيقة الحال؛ فإن هذه القبة ليس بناؤها منه ﷺ ، ولا من أصحابه، ومن لا تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره ﷺ من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين وهو قلاوون الصالحي، المعروف: بـ الملك المنصور في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في تحقيق النصرة بتخليص معالم دار الهجرة، فهذه أمور دولية لا دليلية يتبع فيها الآخر الأول. وهذا آخر ما أردناه مما أوردناه لما عمت به البلوى، واتبعت الأهواء، وأعرض العلماء عن النكير الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامة إليه، وصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ولم نجد من الأعيان ناهياً عن ذلك ولا زاجراً]. يقول المؤلف ﵀: أنت تقول: إن القباب منكر، وأنها من وسائل الشرك، فهذا قبر النبي ﷺ بنيت عليه قبة فسكت الناس ولم ينكروها، فكيف تقول: إن بناء القبة على القبر منكر ومن وسائل الشرك؟! فأجاب المؤلف ﵀ فقال: هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، فهذه القبة من الذي وضعها؟ هل وضعها الصحابة؟ هل وضعها التابعون؟ هل وضعها العلماء؟ هل وضعها الصالحون؟ من الذي وضعها؟ هذه القبة وضعها بعض الملوك الجهلة المتأخرين، وهذه القبة من أبنية بعض ملوك مصر وهو قلاوون الصالحي المعروف بـ الملك المنصور في سنة ثمان وسبعين وستمائة، وذكره في: تحقيق النصرة بتخليص معالم دار الهجرة، هذا الكتاب للعلامة زين الدين أبي بكر بن الحسين بن عمر أبي الفخر المراغي المتوفى سنة ثمانمائة وستة عشر. يقول المحشي: والمشهور أن اسمه كنيته. فهي أمور دولية لا دليلية، فهذه الأمور فعلها بعض الملوك وما فعلها بعض العلماء ولا الصحابة ولا التابعين حتى تكون دليلاً، فهي أمور دولية لا دليلية، أمور لا تكون دليلاً وإنما فعلتها بعض الدول، وأفعالهم ليست حجة يتبع فيها الآخر والأول. ثم يقول المؤلف: هذا آخر ما أردناه من هذه الرسالة مما عمت فيه البلوى، واتبعت فيه الأهواء، وأعرض العلماء عن النكير الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت عليه العامة، وصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ولم نجد من الأعيان ناهياً عن ذلك ولا زاجراً. سبق أن قلنا: إن العلماء أنكروا، وأن منهم من يستطيع الإنكار فينكر في الرسائل والمؤلفات والخطب وأمام الناس، ومنهم من قد يعجز، فالذي يعجز يسقط عنه ويكتفى بمن أنكر، لكن هذا على كلام المؤلف.

стр. 81

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٩] يقوم الضلال والمشعوذون بكثير من خوارق العادات ويدعون أنها من الكرامات، وإنما ذلك سحر وشعوذة واستعانة بالجن والشياطين، فيقومون بسحر أعين الناس والتلبيس عليهم، والعبرة باتباع الكتاب والسنة، فمن اتبعهما فما يقع على يديه من الخوارق هي من الكرامات، ومن خالفهما فما يقع على يديه من الخوارق إنما هي من السحر والشعوذة.

стр. 82

إبطال كرامات الصوفية وخوارق العادات عندهم بعدما أنهى المؤلف الرسالة أتى بسؤال يتعلق بالصوفية وبالسحرة. قال المؤلف ﵀: [فإن قلت: قد يتفق للأحياء وللأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور فإن هذه جلبت القلوب إلى الاعتقاد بها؟ قلت: أما المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي فهم من أجناد إبليس اللعين، ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حلل التلبيس والتزيين، فإن إطلاق الجلالة منفرداً عن إخبار عنها بقولهم: (الله، الله) ليس بكلام ولا توحيد، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني، ولو أن رجلاً عظيماً صالحاً يسمى بزيد، وصار جماعة يقولون: زيد زيد، لعد ذلك استهزاء وإهانة وسخرية، ولا سيما إذا زاد إلى ذلك تحريف اللفظ. ثم انظر هل أتى في لفظ من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ والذي في الكتاب والسنة ما هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل، وهذه أذكار رسول الله ﷺ ، وأدعية آله وأصحابه خالية عن هذا الشهيق والنهيق والنعيق الذي اعتاده من هو عن الله وعن هدي رسوله وسمته ودله في مكان سحيق. ثم قد يضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماء جماعة من الموتى مثل ابن علوان أحمد بن الحسين وعبد القادر والعيدروس، بل قد ينتهي الحال إلى أنهم يفرون إلى أهل القبور من الظلم والجور، كـ علي رومان وعلي الأحمر وأشباههما، وقد صان الله رسوله ﷺ وأهل الكساء وأعيان الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الضلال، فيجمعون أنواعاً من الجهل والشرك والكفر]. المؤلف ﵀ يرد شبهة في هذا الموضوع حيث يقول: إنه قد يتفق للأحياء والأموات أن يتصل بهم جماعة يفعلون خوارق من العادات يتسمون بالمجاذيب، فما حكم الإنكار إليهم؟ وما حكم فعلهم؟ يقول المؤلف ﵀: هؤلاء يسمونهم المجاذيب الصوفية، وبعضهم يدعي أنه يتصرف بالكون، والمجاذيب يكونون ضعفاء العقول، ويزعمون أن بعضهم يسمى المجانين وأنه ليس له عقل، وقد يكون مرمياً في زبالة ويكون شعره وأظافره كلها متروكة ويقول: إن هذا من الأقطاب الذين يتصرفون في الكون، وهو مريض ولا عقل له، نسأل الله العافية. يقول: فهذا من الاعتقادات الفاسدة، وخوارق العادات التي تفعل عن طريق الشعوذة، ويقول: هؤلاء الذين يسمون بالمجانين -وهم الصوفية- يزعمون أنهم يذكرون، وهم يجعلون الناس على طبقات: عامة وخاصة وخاصة الخاصة. فالعامة كلهم من الأنبياء والرسل ذكرهم لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وأما الخاصة فيقولون: ما يحتاج إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، بل يكفي لفظ الجلالة: الله الله الله الله حتى إن بعضهم يجلس فيقول: الله الله من العصر وحتى يؤذن المغرب، ويدور حتى يسقط، فهذا ذكر المجاذيب، وهو ذكر الخاصة. وأما خاصة الخاصة فيقولون: ما يحتاج أن يذكر لفظ (الله) وإنما يأخذ الهاء، فيقولون: هو هو هو هو، وهوهه كالكلاب! فهذا ذكر خاصة الخاصة عند الصوفية، وهذه الكلمة (هو) ليست جملة مفيدة، فلابد أن تضيف إليها جملة أخرى حتى تفيد معنى، مثل الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فالذي يقول: الله الله ما يسمى هذا ذكراً؛ لأن الكلمة الواحدة ليست جملة مفيدة، فيسمون الأنبياء والرسل وأتباعهم بالعامة! ويسمون الذين يترقون عن هذه الدرجة وأنكروا أفعالهم وأسقطوا عنهم التكاليف يسمونهم الخاصة، وأذكارهم: الله الله الله! وخاصة الخاصة هم الذين وصل بهم الحال إلى القول بوحدة الوجود، وأذكارهم: هو هو هو هو! إشارة إلى الله. يقول المؤلف ﵀ منكراً عليهم: الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم أجناد إبليس اللعين، ومن أعظم حمر الكون -جمع حمار- الذين ألبستهم الشياطين حلل التلبيس والتزيين. يقول: فإن إطلاق لفظ الجلالة مفرداً عن إخبار عنها -بقولهم: الله الله- لم يكن كلاماً ولا توحيداً، ولا جملة مفيدة، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلائه عن معنى من المعاني، ويضرب مثالاً فيقول: لو أن رجلاً عظيماً صالحاً يسمى بزيد، فصار جماعة يقولون: زيد زيد زيد زيد، فلا يفيد شيئاً، وإنما يعد ذلك استهزاءً وإهانة وسخرية، فكذلك الذي قال: الله الله الله الله يكون سخرية واستهزاء، ولا سيما إذا زاد إلى ذلك تحريف اللفظ. ثم يقول: انظر هل أتى في لفظة من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ هل أتى دليل من الكتاب والسنة يقول: اذكر الله الله الله الله؟ لا يوجد، فلابد أن تضيف إليها كلمة أخرى، إذ الذي فيها هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل، وهذه هي أذكار رسول الله وأدعيه آله وأصحابه خالية عن هذا الشهيق والنهيق والنعيق، فقول: الله الله الله الله هو هو، هذا شهيق لا يوجد دليل يدل على أنه ذكر حتى تضيف إليها كلمة أخرى. ثم قد يضيفون إلى لفظ الجلالة الشريفة أسماء جماعة من الموتى، فهذا يقول: الله يا ابن علوان! يا عبد القادر! الله يا عيدروس! بل قد ينتهي الحال إلى أنهم يفرون إلى أهل القبور من الظلم والجور كـ علي رومان وعلي الأحمر وأشباههم، وقد صان الله سبحانه رسوله وأهل الكساء وأعيان الصحابة عن تلفظ هؤلاء الضلال بهم مع الله، يعني: هؤلاء يقولون: إن الله صان النبي ما يقولون: الله ومحمد، أو يقولون: الله أهل الكساء هو علي وفاطمة والحسن والحسين وصانهم الله عن أفواه هؤلاء، ما يقولون: الله يا حسين يا كذا، وما يجمعون أنواعاً من الجهل والشرك والكفر، لكن قد يقول بعض الشيعة هذا الكلام، ويفعلون كما ذكر المؤلف، يقول: الله وينسب إليه علياً أو الحسن والحسين.

стр. 83

الأعمال التي يقوم بها الصوفية لإضلال الناس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون الجلالة، ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة والبطالة خوارق عادات، وأمور تظن كرامات كطعن أنفسهم بالآلات الحادة، وحملهم لمثل الحنش والحية والعقرب، وأكلهم النار ومسهم إياها بالأيدي، وتقلبهم فيها بالأجسام. قلت: هذه أحوال شيطانية، وإنك لملبس عليك إن ظننتها من كرامات للأموات، أو حسنات للأحياء لما هتف هذا الضال بأسمائهم وجعلهم أنداداً وشركاء لله تعالى في الخلق والأمر. فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنهم أولياء لله تعالى، فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب أو السالك شريكاً له تعالى ونداً؟ إن زعمت ذلك فقد جئت شيئاً إداً، وصيرت هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم -وحاشاهم عن ذلك- عن دائرة الإسلام والدين، حيث جعلتهم أنداداً لله راضين فرحين، وزعمت أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال المشركين التابعين لكل باطل، المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يسجدون لله تعالى سجدة، ولا يذكرون الله وحده، فإن زعمت هذا فقد أثبت الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمت بذلك ضوابط الإسلام وقواعد الدين المبين والشرع المتين. وإذا عرفت بطلان هذين الأمرين علمت أن هذه أحوال وأفعال طاغوتية، وأعمال إبليسية يفعلها الشياطين لإخوانهم من هؤلاء الضالين، معاونة من الفريقين على إغواء العباد، وقد ثبت في الأحاديث: أن الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان، وهذا أمر مقطوع بوقوعه، فهم الثعابين التي يشاهدها الإنسان في أيدي المجاذيب، وقد يكون ذلك من باب السحر، وهو أنواع، وتعلمه ليس بالعسير، بل بابه الأعظم: هو الكفر بالله تعالى، وإهانة ما عظمه الله من جعل مصحف في كنيف ونحوه، فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق؛ فإن للسحر تأثيراً عظيماً في الأفعال، وهكذا الذين يقبلون الأعيان بالأسحار وغيرها]. يقول المؤلف ﵀: إن قلت: إن هؤلاء الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ الجلالة: الله الله يضيفون إلى ذلك عمل أهل الخلاعة والبطالة خوارق العادات، وأمور تظن كرامات، كطعن أنفسهم بالآلات الحادة، وحملهم لمثل الحنش والحية والعقرب، وأكلهم النار، ومسحهم إياها بالأيدي، وتقلبهم فيها بالأجسام. يقول: هؤلاء الصوفية بعضهم يضيف إلى هذا الذكر والورد أعمالاً وخوارق شيطانية ويظنها كرامات، ويقول لك: إن معه كرامات وإنه ولي، وهو يذكر الله الله الله، ومع ذكره يعمل خوارق شيطانية فيسحر أعين الناس، ويطعن نفسه بالآلات الحادة، ومعلوم أن الذي يطعن نفسه بالآلات الحادة يموت، لكن هو يسحر الأعين ويخيل لهم أنه يطعن نفسه، وهو لا يطعن نفسه وإنما يمر به حوله، كما يفعل بعض السحرة الذين يخيلون للناس أنهم قطعوا رقبة فلان، فيأخذ رأسه ويكون أمام أعينهم مقطوعاً وهو ما قطعه ولكن سحر أعين الناس، وكما يفعل بعض السحرة يأتي إلى البعير فيخيل للناس أنه يدخل في فم البعير ويخرج من دبره، وهو في الواقع يأتي من حوله، لكن الأبصار مسحورة، فهذه كلها من أفعالهم. ومثل ذلك حملهم لمثل الحنش والحية والعقرب، وكونه يأكل النار في فمه ويمسحها بالأيدي، ويدخل النار، كل هذا من الأعمال الشيطانية، ولهذا قال المؤلف: قلت: هذه أحوال شيطانية، وإنك لملبّس عليك إن ظننتها كرامات للأموات. فلما هتف هذا الظالم بأسمائهم جعلهم أنداداً وشركاء لله في الخلق والأمر، يعتقد أنهم يتصرفوا في الكون وأنهم كذا، فهؤلاء الموتى أصحاب القبور أنت تفرض أنهم أولياء لله، فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب أو السالك شريكاً لله تعالى ونداً؟! لا يرضى إذا كان صالحاً، وإن زعمت أنه راضٍ فقد جئت شيئاً إداً، أي: أمراً عظيماً، وصيرت هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم -وحاشاهم عن ذلك- عن دائرة الإسلام والدين، حيث جعلتهم أنداداً لله راضين فرحين. فلو كان يرضى صاحب القبر أن يفعل به هذا لصار طاغوتاً ومشركاً، وهو لا يرضى فكيف تصيره طاغوتاً، وتجعله مشركاً؟! وزعمت أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال المشركين التابعين لكل باطل، المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله وحده، فإن زعمت هذا وقلت: إنها كرامات، فقد أثبت الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمت بذلك ضوابط الإسلام وقواعد الدين المبين والشرع المتين. فإذا عرفت بطلان هذين الأمرين -يعني: ما سبق من أفعال الصوفية، وكذلك الممخرقين- علمت أن هذه أحوال وأفعال طاغوتية، وأعمال إبليسية يفعلها الشياطين لإخوانهم من هؤلاء الضلال معاونة من الفريقين، وقد ثبت في الأحاديث أن الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان، وهذا أمر مقطوع به، فقد يتشكل الشيطان بصورة حية أو عقرب أو قط أو كلب، فهم الثعابين التي يشاهدهم الناس في أيدي المجاذيب، فقد يكون في يده ثعبان وهو جني قد تصور، ولو ذكرت الله وسميت لذهب، وقد يكون ذلك من باب السحر وهو أنواع، وتعلمه ليس بالعسير، بل بابه الأعظم هو الكفر بالله، فمن أراد أن يتعلم السحر فإنه يكفر بالله، فإما أن يسب الله، أو يسب الرسول، أو يطلب منه أن يبول على المصحف، أو يلطخه بالنجاسة، فإذا كفر والعياذ بالله علمه السحر. ولهذا قال: بل بابه الأعظم هو الكفر بالله، وإهانة ما عظمه الله من جعل المصحف في كنيف ونحوه. فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في عينيه من أحوال المجاذيب التي يراها خوارق، فيظن أن هذه خوارق وأن هذه كرامات وهي أفعال شيطانية. فيقول المؤلف: فإن للسحر تأثيراً عظيماً في الأفعال، وهكذا الذين يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها.

стр. 84

بعض الأمثلة على ما يقوم به السحرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالثعابين والحيات حتى أوجس في نفسه خيفة موسى ﵇، وقد وصفه الله بأنه سحر عظيم، والسحر يفعل أعظم من هذا؛ فإنه قد ذكر ابن بطوطة وغيره أنه شاهد في بلاد الهند قوماً توقد لهم النار العظيمة، فيلبسون الثياب الرقيقة ويخوضون في تلك النار، ويخرجون وثيابهم كأنها لم يمسها شيء، بل ذكر أنه رأى إنساناً عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه، ثم قطعهما عضواً عضواً، ثم رمى بكل عضو إلى جهة فرقاً حتى لم ير أحد شيئاً من تلك الأعضاء، ثم صاح وبكى، فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على انفراده وانضم إلى الآخر، حتى قام كل واحد منهما على عادته حياً سوياً. ذكر هذا في رحلته، وهي رحلة بسيطة، وقد اختصرت، طالعتها بمكة عام ست وثلاثين ومائة وألف، وأملاها علينا العلامة مفتي الحنفية في المدينة السيد محمد بن أسعد ﵀]. يقول المؤلف ﵀: السحر الآن معروف من قديم، وقد انتشر السحر في زمان موسى ﵊ في مدائن مصر وقصر فرعون، فأرسل الله تعالى موسى ﵊ فكذبه فرعون، وحصلت بينه وبين السحرة مناظرة وأعطى الله موسى العصا فصارت حية أكلت جميع ثعابين السحر التي وضعها هؤلاء في الوادي كله، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. ولهذا قال المؤلف: وقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالثعابين والحيات، وجعلوا فيها الزئبق، وصارت تتلوى، حتى أوجس في نفسه خيفة موسى، قال الله: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨]، وقد وصفه الله بأنه سحر عظيم، قال: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]. والسحر يفعل أعظم من هذا، ثم ذكر القصة التي ذكرها ابن بطوطة وغيره، وابن بطوطة هذا معروف أنه ليس بمحقق، وأنه قد كذب على شيخ الإسلام ابن تيمية كما ذكر في الحاشية حيث قال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية مشبه. وقال: إني أدركت ابن تيمية يخطب ويقول: إن الله ينزل مثل نزولي عن هذا المنبر، فهو ما أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية، وإنما لما دخل البلاد كان شيخ الإسلام مسجوناً في ذلك الوقت، ولكن هذه القصة التي ذكرها ابن بطوطة هي من أفعال السحر وقد تكون صحيحة، وليس كل ما ذكره ابن بطوطة صحيحاً، فقد يكون بعضه صحيحاً وبعضه غير صحيح، فقد تكون هذه القصة صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، ولا يستغرب من السحرة أنهم يفعلون مثلما ذكر ابن بطوطة، يقول: شاهد في بلاد الهند قوماً توقد لهم النار العظيمة، فيلبسون الثياب الرقيقة ويخوضون في تلك النار، ثم يخرجون منها وثيابهم كأنها لم يمسها شيء. وهذا شيء معروف، فإنهم يدخلون النار أمام الناس، ويأكلون المسامير، ويشقون بطونهم أمام الناس، كل هذه من أفعال السحرة؛ لأنهم يسحرون أعين الناس. ويقول: إنه ذكر أنه رأى إنساناً عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه ثم قطعهما عضواً عضواً، ثم رمى بكل عضو إلى جهة فرقاً حتى لم ير أحد شيئاً من تلك الأعضاء، ثم صاح وبكى، فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على انفراده وانضم إلى الآخر، حتى قام كل واحد منهما على عادته حياً سوياً. فهذا إما أنه سحر أعين الناس ولم يقطعها، وإما أنه قطع أشياء غير الشخص هذا، يقول: ذكر هذا في رحلته، وهي رحلة بسيطة اختصرتها، وذكر أن هذه قصة طالعها في مكة عام ست وثلاثين ومائة وأنه أملاها عليه العلامة مفتي الحنفية في المدينة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الأغاني لـ أبي الفرج الأصبهاني بسنده: أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج، فرآه جندب ﵁ فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحر في البقرة، قال جندب: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣]، ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر معها، فانذعر الناس، فحبسه الوليد وكتب بذلك إلى عثمان ﵁، وكان على السجن رجل نصراني، فلما رأى جندباً يقوم الليل ويصبح صائماً قال النصراني: والله إن قوماً هذا شرهم لقوم صدق، فوكل بالسجن رجلاً ودخل الكوفة، فسأل عن أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بن قيس، فاستضافه فرأى أبا محمد - يعني: الأشعث - ينام الليل ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج من عنده وسأل: أي أهل الكوفة أفضل؟! فقالوا: جرير بن عبد الله، فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فاستقبل القبلة فقال: ربي رب جندب، وديني دين جندب وأسلم. وأخرجها البيهقي في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى الأسود: أن الوليد بن عقبة كان يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأس رجل ثم يصيح به فيقوم صارخاً، فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى. ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبة ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه وقال: إن كان صادقاً فليحيي نفسه؛ فأمر به الوليد ديناراً صاحب السجن فسجنه. بل أعجب من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وفيها: أن امرأة تعلمت السحر من الملكين ببابل هاروت وماروت، وأنها أخذت قمحاً فقالت له -بعد أن ألقته في الأرض-: اطلع فطلع. فقالت: احقل فأحقل. ثم تركته ثم قالت: ايبس فيبس، ثم قالت له: اطحن، فاطحن. ثم قالت له: اختبز فاختبز، وكانت لا تريد شيئاً إلا كان. والأحوال الشيطانية لا تنحصر، وكفى بما يأتي به الدجال، والمعيار اتباع الكتاب والسنة ومخالفتهما]. هذه القصة كما قال هي في كتاب الأغاني لـ أبي الفرج الأصفهاني، وهو: علي بن الحسين أبو الفرج الأصفهاني الأموي صاحب كتاب الأغاني، وهو شيعي، وكان معروفاً في كتابه بذكر الأخبار وأيام الناس والشعر والغناء والمحاضرات، ويأتي فيها بأعاجيب، وكتب الأدب لا يعتمد عليها في ذكر القصص، ولكنها قصة تذكر، ذكر أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة في الكوفة، وكان أميراً للكوفة، فجعل هذا الساحر يسحر الناس، فيخيل لهم أنه يدخل في جوف البقرة ويخرج منها، وفي الواقع لا يدخل في جوفها لكن العيون مسحورة، فيضع السحر في العيون، ثم يخيل لهم أنه يدخل في جوف البقرة، ويخرج من دبرها، وهو في الواقع يمشي حولها، وبين يديها ورجليها، فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحر في البقرة قال جندب: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣]، ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر معها، وقال: إن كان صادقاً فليحيي نفسه، فانذعر الناس، فحبسه الوليد؛ لأنه تصرف هذا التصرف من دون إذنه، وكتب في ذلك إلى عثمان ﵁. وكان على السجن رجل نصراني، فلما رأى جندباً يقوم الليل ويصبح صائماً، قال النصراني: والله إن قوماً هذا شرهم لقوم صدق، فوكل بالسجن رجلاً ودخل الكوفة. يعني: إذا كان هذا محبوساً وهو من شرهم فهذا يدل على أن القوم صالحون، وكان هذا سبب إسلامه. فسأل عن أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بن قيس، فاستضافه، فرأى الأشعث ينام الليل، ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج من عنده وسأل عن أهل الكوفة: أي أهل الكوفة أفضل؟ فقالوا: جرير بن عبد الله؛ فوجده ينام الليل ثم يصبح ويدعو بغدائه، فاستقبل القبلة فقال: ربي رب جندب، وديني دين جندب وأسلم. يقول: هذه أخرجها البيهقي في السنن مع وجود مغايرة في القصة، فذكر بسنده الأسود: أن الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيقوم صارخاً، وهذه ذكرها العلماء كما في كتاب التوحيد وفي غيره: أن الوليد كان يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأس الرجل، فيدخل في البقرة ثم يصيح به -يعني: أمام الناس- فيقوم. يعني: يخيل للناس أنه ضرب رأسه وأنه قتل، ثم يصيح به فيقوم. فقال الناس: سبحان الله! يحيى الموتى، وهو في الواقع أنه ما ضربه لكن العيون مسحورة، ولو ضربه ما يمكن أن يكون حياً، فرآه رجل من صالحي المهاجرين، جاء أنه جندب ﵁، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه، فجاء إلى الساحر فذهب يلعب لعبته تلك، فاخترط جندب سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقاً فليحيي نفسه، فأمر به الوليد دينار -وهو المسئول عن السجن- فسجنه؛ لأنه افتأت على الأمير ولم يأخذ رأيه، وتصرف هذا التصرف، وجندب أنكر المنكر؛ لأنه قادر ﵁، وصبر على السجن. قال المؤلف ﵀: بل أعجب من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة. وهذه القصة ذكرها الحافظ ابن كثير ﵀: أن هذه المرأة تعلمت السحر، وأنها تقول كلمات ذكرها في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]. وكما ذكر المؤلف: أن امرأة تعلمت السحر من الملكين ببابل هاروت وماروت، وصارت لا تقول شيئاً إلا حصل لها، ومن ذلك أنها أخذت

стр. 85

الأسئلة

стр. 86

أحكام الصلاة في المسجد الذي بجواره قبر السؤال إذا كان القبر بجوار المسجد هل تجوز الصلاة فيه؟ الجواب إذا كان هناك قبر داخل المسجد فلا تصح الصلاة في المسجد؛ لقول النبي ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) سواء كان القبر من الأمام أو الخلف داخل المسجد فهو في المسجد، ولا تصح الصلاة، وأما إذا كان خارج المسجد فلا يعتبر منه والصلاة صحيحة، ولا يجوز إبقاء القبر في المسجد، والحكم للسابق، فإن كان المسجد هو السابق ووضع فيه القبر فإنه يجب نبش القبر ونقله إلى المقبرة، وإن كان القبر هو السابق وبني عليه المسجد فيجب هدم المسجد ونقله إلى مكان آخر، فالحكم للسابق؛ لأن هذا المسجد بني على القبر فيكون محرماً، وأما إذا كان المسجد هو السابق والقبر دفن في المسجد فيجب نبش القبر ووضعه مع القبور.

стр. 87

حكم لبس لباس الكفار السؤال لبس لباس الكفار في البيت أو في الملعب هل يعتبر معصية؟ الجواب نعم لا شك فيه، يقول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم). فالتشبه بهم معصية وحرام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أقل أحواله أنه حرام وإلا ظاهره الكفر؛ لأن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم). وإذا لبس لباسهم معظماً لهم ولدينهم صار ردة عن الإسلام.

стр. 88

حكم من أسلم ثم فعل ما ينقض ذلك السؤال إذا قال أحد من الكفار: لا إله إلا الله، ثم تبين لنا أنه ارتكب ما يخالفها من عبادة غير الله أو غيرها هل يستتاب ثم يقتل، أو يقتل دون استتابة؟ الجواب إذا قال الكافر المشرك: لا إله إلا الله، وكان لا يقولها في كفره فيجب الكف عنه، ثم ننظر بعد ذلك، إن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ما يناقض الشهادتين فإنه يقتل باستتابة أو بغير استتابة، فهذا على حسب حاله الآن، فإذا كان يجهل ذلك فلابد أن يبين له، والمرتد هل يستتاب أو لا يستتاب؟ إذا كان يجهل فإنه يستتاب.

стр. 89

حكم لبس لباس الكفار في بعض الشركات السؤال أعمل في شركة، ومن شروط العمل أن نلبس ملابس الكفار، فما الحكم؟ الجواب عليك أن تتفاهم مع هذه الشركة، وعلى الإخوان المسلمين أن يتفاهموا مع الشركة، ويطلبوا منهم ترك هذا اللباس ويبينوا لهم، وإذا كانت الشركة في هذه البلاد يرفع أمرهم، ويلزمون بلباس المسلمين لا بلباس الكفرة، فإن لم تستطع فاترك هذه الشركة، ولا تلبس لباس الكفار، فالأعمال كثيرة الآن، فالتمس عملاً آخر.

стр. 90

حكم وجود قبر النبي ﷺ في المسجد النبوي السؤال هل يعتبر قبر النبي ﷺ داخل المسجد أو خارجه؟ الجواب النبي ﷺ دفن في بيته، فكان بيت النبي ﷺ خارج المسجد، فلما مات النبي ﷺ دفن في بيت عائشة، وكان البيت في الخارج، واستمر ذلك إلى قرب القرن الأول، ثم جاء الوليد بن عبد الملك لما تولى الخلافة وأراد أن يوسع المسجد، فوسعه من الجهة التي فيها بيوت النبي ﷺ حتى أدخل البيوت، وهذا من أغلاطه وأخطائه، والواجب على الوليد أن يوسع من الجهة الأخرى، وقد أنكر عليه العلماء، فالنبي ﷺ ما دفن في المسجد، والمسجد ما بني على القبر، لا هذا ولا هذا، النبي ﷺ دفن في بيته، والبيت خارج عن المسجد، المسجد مبني في حياة النبي ﷺ ، والبيت خارج المسجد، فالنبي ﷺ دفن في بيته في عهد الصحابة، ثم جاء الوليد بن عبد الملك بعد مدة ووسع المسجد فأدخل فيه البيوت، فهذا خطأ منه.

стр. 91

الصحيح في مسألة الإجماع السؤال ما هو الصحيح في مسألة الإجماع، هل هناك إجماع بعد الأئمة الأربعة أم لا؟ الجواب يقول الإمام أحمد ﵀: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول قوي، فهو يقول: إن العلماء كثروا بعد الصحابة وانتشروا في الآفاق، فلا يمكن أخذ أقوالهم؛ لأن الإجماع معناه: أن يتفق علماء العصر على شيء واحد. ولا يستطيع أحد أن يجمع العلماء؛ لأن العلماء انتشروا في الشام ومصر والعراق وفي كل مكان، بخلاف الصحابة في زمنهم فإنهم معروفون، ويمكن أخذ أقوالهم بسهولة، فإذا أجمعوا أمكن جمع أقوالهم، لكن بعد الصحابة انتشر العلماء وكثروا، وهو قول قوي، والأصوليون يرون أن الإجماع ينعقد بعد عصر الصحابة، وأنه إذا اتفق علماء العصر على شيء كان إجماعاً.

стр. 92

حكم الكتابة على القبر السؤال إذا كتب على القبر أو بجدار قرب القبر اسم صاحبه، لأجل الذي يريد زيارة الميت من الأقارب حتى لا ينساه، فهل هذا جائز أم لا؟ الجواب لا تجوز الكتابة على القبر، وهذا من وسائل الشرك، وقد جاء في الحديث: (أن النبي نهى أن يجصص القبر، وأن يكتب عليه) ولكن لا بأس بجعل علامة على القبر، فيضع عليه شيئاً من البناية أو الأحجار أو الخرق أو ما أشبه ذلك غير الكتابة، أما الكتابة فلا تجوز، فقد نهي عنها.

стр. 93

معنى قول ابن الأمير: (ضربة لازب) السؤال ما معنى قول المؤلف في المتن: ضربة لازب؟ الجواب يعني: شيئاً ثابتاً لا يحرك.

стр. 94

كيفية اتصال المجاذيب بالأموات السؤال كيف يتصل المجاذيب بالأموات كما يقول المؤلف؟ الجواب المجاذيب هم الصوفية الذين يدعون أنهم انجذبت قلوبهم أو كذا، فيدعون أنهم يتصرفون في الكون، فهم يتصلون بالسحرة ويوهمون أنهم يتصلون بالأموات، فيقول: إنهم أيضاً يعملون شيئاً من الشعوذة مع التصوف.

стр. 95

الفرق بين زيارة القبور الشرعية والبدعية السؤال هل يجوز أن أزور قبراً معيناً من القبور وأدعو لصاحبه بالمغفرة؟ الجواب نعم، هذه الزيارة الشرعية كما سبق، وهي أن تأتي القبر بدون سفر إذا كان في البلد، فتأتي وتسلم عليه، فتقول: السلام عليك يا فلان ورحمة الله وبركاته، وسواء كان قريباً أو بعيداً تدعو له بالمغفرة وتنصرف، والزيارة فيها فائدتان: فائدة للحي بأن يتذكر الموت ويرق قلبه، وفائدة للميت بأن يدعو له، فهذه هي الزيارة الشرعية. وأما الزيارة البدعية فهي أن يزوره ثم يجلس ليقرأ القرآن، أو يزوره ويصلي عند قبره ركعتين، فهذا الفعل بدعة ومن وسائل الشرك، والزيارة الشركية أن يزوره ثم يدعوه من دون الله، ويذبح وينذر له. لكن الزيارة الشرعية أن تزور الميت وتدعو له وتتذكر الآخرة ويرق قلبك، ثم تنصرف.

стр. 96

حكم حضور المهرجانات التي ترتكب فيها أمور شركية السؤال يقام في أيام الإجازات عدد من المهرجانات، ويقام فيها ألعاب السيف، ويقام فيها أمور وأفعال خارقة للعادة، فما حكمها وما حكم حضورها؟ الجواب ينظر في هذه الألعاب، فإن كانت من ألعاب السحرة فلا تجوز، ولا يجوز حضورها إلا مع الإنكار إن كان يجد منكراً. وإذا كانت عندنا في البلاد فيكتب إلى المسئولين، وترفع إلى ولاة الأمور حتى تزال، وإذا كانت خارج البلاد فينكر الإنسان بالاستطاعة وإلا فلا يحضرها؛ لأن الواجب على الإنسان أن ينكر المنكر، فإن زال وإلا فليترك هذا المكان، فإذا كان يفعل الشرك في هذا المكان وسكت صار حكمه حكم شركي، وإذا كان أمراً منكراً صار حكمه حكم هذا المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، فبين الله أن من سكت وحضر المنكر فحكمه كحكمهم، فإذا كانوا يشركون بالله وسكت ولم ينكر فإنه يكون حكمه كحكم المشركين، وإذا كانوا يشربون الخمر وسكت فحكمه كحكم من يشرب الخمر، وإذا كانوا يغتابون الناس فحكمه كحكم من يغتاب الناس، فهو مثلهم عليه إثمه إذا سكت، والواجب أن تنكر، فإن امتثلوا وتركوا وإلا فقم عن المكان، ولا تكون شريكاً لهم في الإثم.

стр. 97

ضابط معرفة الكرامة السؤال ما هو الضابط في معرفة الكرامات من الأحوال الشيطانية؟ الجواب الضابط هو حال الشخص، فإذا كان الشخص مستقيماً من المؤمنين المستقيمين فهذه كرامة حصلت له بسبب اتباعه للنبي ﷺ ، كما حصل لـ عمر بن الخطاب ﵁ عندما كشف له عن جيشه وهو في العراق، فجعل يقول: يا سارية الجبل، فألقى الله الكلمة في أذنه فلزم الجبل. ومثلما حصل لـ خالد بن الوليد حيث أكل السم عندما أراد أن يفتح حصناً من الحصون، إن صحت هذه القصة. وكما حصل لـ أسيد بن حضير وعباد بن بشر عندما خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما السوط في الطريق، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما في سوطه حتى وصل إلى أهله، فهذه من الكرامات، فإذا كان الشخص مستقيماً فهذه كرامة، وإذا كان الشخص منحرفاً فهذه حالة شيطانية، فإذا كان فاسقاً أو ساحراً مشعوذاً فالخوارق التي تحصل له هي حالة شيطانية، فقد يطير الساحر في الهواء، وقد يغوص البحار، وقد يدخل النار، وقد تحمله الشياطين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن بعض الشياطين تحمل بعض السحرة إلى عرفة في أيام الحج، في يوم عرفة، وترجع به كل يوم، ويظن أنه وافق الحجاج وهو لم يحرم ولم يفعل شيئاً من أفعال الحج.

стр. 98

مراتب إنكار المنكر السؤال ما هي ضوابط الإنكار؟ الجواب الإنكار كما سبق يكون باليد، فيستطيع إذا كان في أهله وبيته أو أميراً أو له سلطة أن يغير باليد، فإن عجز فإنه يغير باللسان، فيبين وينصح إذا كان من أهل العلم، فإن كان سيصيبه ضرر فينتقل إلى الإنكار باللسان، فلو أنكر بلسانه فضربوه أو أوقعوا به ضرراً في نفسه أو على ماله فإنه ينكر بالقلب، فيكره هذا المنكر ويفارقه، وتظهر علامة الإنكار على وجهه.

стр. 99

حكم قول (الله الله) عند التعجب السؤال هل يجوز قول: الله الله عند التعجب؟ الجواب ينبغي أن يضيف إليه: الله أكبر! الله أكبر! والنبي ﷺ قال: (الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده) فإذا تعجب من شيء كان يقول: الله أكبر، أو يقول: سبحان الله، فيأتي بجملة مفيدة، فلا يصلح الله، وإنما تقول: الله أكبر، فهذا فيه تعظيم لله وأنه أكبر من كل شيء.

стр. 100

حكم قتل الساحر السؤال ما حكم قتل الساحر؟ الجواب الساحر يجب قتله من قبل ولاة الأمور، وليس الناس هم الذين يقتلونه وإلا صارت المسألة فوضى، لكن يرفع به إلى ولاة الأمور، فإذا ثبت أنه ساحر فإنه يقتل، قال ﷺ : (حد الساحر ضربة بالسيف) إن ثبت في المحكمة الشرعية أنه ساحر قتل من قبل ولاة الأمور. وهل يقتل كفراً أو حداً؟ على خلاف، والصواب أنه إذا كان سحراً ويتعلق بالشياطين فإنه يقتل كفراً. نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 101

مرتبة أحاديث المهدي من حيث الثبوت السؤال هل الأحاديث التي وردت في المهدي صحيحة؛ علماً بأن البخاري ﵀ في صحيحه لم يذكر أياً منها؟ الجواب المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وهو أول أشراط الساعة الكبار جاء فيه أحاديث كثيرة، وفيها: أن اسمه محمد بن عبد الله المهدي، فاسمه كاسم النبي ﷺ ، وكنيته نفس كنيته، وأنه من سلالة فاطمة، وأنه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وأنه يكون في آخر الزمان، وفي زمانه يخرج المسيح الدجال، ثم ينزل عيسى ابن مريم، وتكثر الفتن في زمانه، ويبايع له بين الركن والمقام في وقت ليس للناس فيه إمام، فيحكم بالعدل، ويكون أهل السنة والجماعة في ذلك الوقت في الشام، تلجئهم الفتن إلى هناك، وتحصل حروب في زمانه، وتفتح القسطنطينية، وتحصل ملاحم عظيمة جاءت فيها أحاديث منها الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها الموضوع، فبعضها ثابت ولم يخرجه البخاري ولا مسلم، وإذا صح هذا الحديث فإنه يقبل حتى ولو لم يخرجه الشيخان، وهناك أحاديث صحيحة تركوها للتخفيف، فإذا ثبت وصح السند، ولم يكن الحديث شاذاً ولا معلاً فهو صحيح. والأحاديث في هذا ثابتة، والمهدي عند أهل السنة هو غير المهدي عند الشيعة، والرافضة الشيعة يدعون أن المهدي في آخر الزمان هو الذي دخل سرداب سامراء سنة ستين ومائتين، وأنه سيخرج يحكم فيتبعه الشيعة، وهو كذب؛ لأن أباه الحسن العسكري مات عقيماً ولم يولد له، فجعلوا له ولداً وأدخلوه السرادب، قالوا: إنه دخل السرداب وهو ابن سنتين أو ثلاث أو خمس، يقول شيخ الإسلام: مضى عليه أربعمائة سنة، وهذا في زمانه، والآن قد مضى عليه ألف ومائتا سنة؛ لأنه دخل في زعمهم سنة ستين ومائتين وما خرج إلى الآن، ونحن الآن في ألف وثلاثمائة، وهو خرافة؛ فأبوه مات عقيماً ولم يولد له، ولو فرضنا أنه دخل السرداب فكيف سيعيش هذه المدة الطويلة؟ ومثل هذا الطفل فإنه يحتاج إلى حضانة وعناية، وهو خرافة لا أصل له. ثم أيضاً هم الآن يقولون: ما في جهاد في سبيل الله ولا كذا ولا أحد يعرف مصير الناس حتى يخرج المهدي، يعني: مصير الأمة الآن ما هو معروف حتى يخرج المهدي؟! فهذا يدل على أن الشيعة ما هم عليه كله خرافة وضلال لا أساس لها من الصحة، نسأل الله السلامة والعافية! وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع على الهدى، ورزقنا جميعاً العلم النافع، والعمل الصالح، وتوفانا على الإسلام غير مغيرين ولا مبدلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.