← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37022

رحلة ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (274 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس، وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة، كما مر في أخبارهم. وانصرفوا إلى تلمسان، فوجدوا بها أبا سعيد عثمان بن جرَّار، من بيت ملوكهم، قد استعمله عليها السلطان أبو عنان، عند انتقاضه على أبيه، ومسيره إلى فاس، فانتقض ابن جرار من بعده، ودعا لنفسه، وصمد إليه عثمان بن عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما، فملكوا تلمسان من يد ابن جرار، وحبسوه ثم قتلوه، واستبد أبو سعيد بملك تلمسان، وأخوه أبو ثابت يرادفه. وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس، وغرق أسطوله، ونجا هو إلى الجزائر، فاحتل بها، وأخذ في الحشد إلى تلمسان، فرأى أبو سعيد أن يكف كربه عنهم، بمواصلة تقع بينهما، واختار لذلك الخطيب بن مرزوى، فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عنه للسلطان أبي الحسن، وذهب لذلك على طريق الصحراء. واطلع أبو ثابت وقومهم على الخبر، فنكروه على أبي سعيد، وعاتبوه، فبعثوا ضفير ابن عامر في اعتراض ابن مرزوق، فجاء به، وحبسوه أياماً. ثم أجازوه البحر إلى الأندلس، فنزل على السلطان أبي الحجاج بغرناطة، وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف، فرعى له أبو الحجاج ذمة تلك المعرفة، وأدناه، واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء، فلم يزل خطيبه إلى إن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه، واستيلائه على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه ورعى له وسائله، ونظمه في أكابر أهل مجلسه. وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العلمي، ويدرس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم؛ ثم بعثه إلى تونس عام مَلكَها سنة ثمان وخمسين؛ ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت تلك الخطبة واختفت بتونس. ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها، فسخطه لذلك، ورجع السلطان من قسنطينة، فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته. واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية، فجاء، وملك البلد، وركب القوم الأسطول، ونزلوا بمراسي تلمسان. وأوعز السلطان (أبو عنان) باعتقال ابن مرزوق، وخرج لذلك يحيى بن شعيب من

стр. 37

مقدمي الجنادرة ببابه، فلقيه بتاسالة، فقيده هنالك، وجاء به، فأحضره السلطان وقرعه، ثم حبسه مُدَّة، وأطلقه بين يدي مهلكه؛ واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان، وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق. وحاصروا البلد الجديد، وبها ابنه السعيد، ووزيره المستبد عليه، الحسن بن عمر، وكان السلطان أبو سالم بالأندلس، غربه إليها أخوه السلطان أبو عنان، مع بني عمهم، ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن، وحصولهم جميعاً في قبضته. فلما توفى، أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب، فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس، مستبداً على ابن السلطان أبي الحَجَّاج، فلحق هو بإشبيلية، من دار الحرب، ونزل على بطره، ملكهم يومئذ، فهيّأَ له السَّفِين، وأجازه إلى العدوة، فنزل بجبل الصفيحة، من بلاد غمارة، وقام بدعوته بنو مثنى، وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم، حتى تم أمره، واستولى على ملكه، في خبر طويل، ذكرناه في أخبار دولتهم. وكان ابن مرزوق يداخله، وهو بالأندلس، ويستخدم له، ويفاوضه في أموره، وربما كان يكاتبه، وهو بجبل الصفيحة، ويداخل زعماء قومه، في الأخذ بدعوته. فلما ملك السلطان أبو سالم، رعى له تلك الوسائل أجمع، ورفعه على الناس، وألقى عليه محبته، وجعل زمام الأمور بيده، فوطئ الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفوا الوجوه إليه، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة، ونقموه على السلطان، وتربصوا به، حتى توَثَّب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد، وافترق الناس عن السلطان. وقتله عمر بن عبد الله آخر اثنتين وستين، وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الني نصبه؛ محمد بن عبد الرحمن بن أبي الحسن، فامتحنه، واستصفاه، ثم أطلقه، بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله، فمنعه منهم. ولحق بتونس، سنة أربع وستين، ونزل. على السلطان أبي إسحق، وصاحب دولته المستبد عليه، أبي محمد بن تافراكين،

стр. 38

فأكرموا نزله، وولوه الخطابة، بجامع الموحدين بتونس، وأقام بها، إلى أن هلك السلطان أبو إسحق سنة سبعين، وولي ابنه خالد. وزحف السلطان أبو العباس، حافد السلطان أبي يحيى، مَقَرِّه بقسنطينة إلى تونس، فملكها، وقتل خالداً، سنة اثنتين وسبعين. وكان ابن مرزوق يستريب منه، لما كان يميل، وهو بفاس، مع ابن عمه أبي عبد الله محمد، صاحب بجاية، ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه، فعزله السلطان أبو العباس عن الخطبة بتونس، فوجم لها، وأجمع الرحلة إلى المشرق. وسرحه السلطان، فركب السفين، ونزل بالإسكندرية، ثم ارتحل إلى القاهرة، ولقي أهل العلم، وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه عندهم، وأوصلوه إلى السلطان، وهو يومئذ الأشرف، فكان يَحضُر مجلسه، وولوه الوظائف العلمية، وكان ينتجع منها معاشه. وكان الذي وصل حبله بالسلطان إستداره محمد بن أَقْبُغا آصْ ()، لقيه أول قدومه، فحلي بعينه، واستظرف جملته، فسعى له، وأنجحت سعايته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة، موقر الرتبة، معروف الفضيلة، مرشحاً لقضاء المالكية، ملازماً للتدريس في وظائفه، إلى إن هلك سنة إحدى وثمانين. هذا ذكرُ من حَضَرنا من جُملة السلطان أبي الحسن، من أشياخنا، وأصحابنا؛ وليس موضوع الكتاب الإطالة، فلنقتصر على هذا القَدر، ونرجع إلى ما كنّا فيه من أخبار المؤلف. ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها إلى المغرب والكتابة عن السلطان أبي عنان لم أزَلْ منذ نشَأت، وناهزت مُكبًّا على تحصيل العلم، حريصاً على اقتناء

стр. 39

الفضائل، متنقلاً بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب بالأعيان، والصُّدور، وجميع المَشْيَخَة، وهلك أبواي، رحمهما الله. ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الآبلي، وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين، إلى أن شَدَوت بعض الشيء، واستدعاه السلطان أبو عنان، فارتحل إليه، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين، المستبد على الدولة يومئذ بتونس، إلى كتابة العلامة عن سلطانه أبي إسحق. وقد نهض إليهم من قسنطينة صاحبها الأمير أبو زيد، حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، فأخرج ابن تافراكين سلطانه أبا إسحق مع العرب، أولاد أبي الليل، وبث العطاء في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف. وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله بن عمر بالاستزادة من العطاء، فعزله، وأدالني منه، فكتبت العلامة للسلطان، وهي وضع الحمد لله والشُّكر لله، بالقلم الغليظ، مما بين البسْملة وما بعدها، من مخاطبة أو مرسوم؛ وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين. وقد كنت منطوياً على مفارقتهم، لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي، وعطلتي عن طلب العلم. فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب، وانحسر تيارهم عن إفريقية، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم. وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد، ﵀، فلما دعيت إلى هذه الوظيفة، سارعت إلى الإجابة، لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك، فإنا لما خرجنا من تونس، نزلنا بلاد هوارة، وزحفت العساكر بعضها إلى بعض، بفحص مرماجنة، وانهزم صفنا، ونجوت أنا إلى أُبَّة؛ فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشتاتي، من كبراء المرابطين. ثم تحولت إلى تَبَسَّة، ونزلت بها على محمد بن عبدون، صاحبها، فأقمت عنده ليالي حتى هيأ لي الطريق، وبَذْرَق لي مع رفيق من العرب، وسافرت إلى قَفْصَة،

стр. 40

وأقمت بها أياماً أتَرصد الطريق، حتى قدم علينا بها الفقيه محمد بن الرئيس منصور بن مزني، وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب. وكان هو بتونس، فلما حاصرها الأمير أبو زيد، خرج إليه، فكان معه. ثم بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ملك المغرب، نهض إلى تلمسان، فملكها، وقتل سلطانها، عثمان بن عبد الرحمن، وأخاه أبا ثابت، وأنه انتهى إلى المَدِيَّة، وملك بجاية من يد صاحبها، الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى، راسله عندما أطل على بلده، فسار إليه، ونزل له عنها، وصار في جملته، وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي شيخ بني وطاس، من بني الوزير شيوخهم. فلما بلغ هذا الخبر، أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه على حصار تونس، ومر بقفصة، فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهباً إلى الزاب، فرافاقته إلى بسكرة، ودخلت إلى أخيه هنالك. ونزل هو ببعض قرى الزاب تحت جراية أخيه، إلى أن انصرم الشتاء. وكان أبو عنان لما ملك بجاية، ولى عليها عمر بن علي بن الوزير، من شيوخ بني وطاس، وجاء فارح، مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي؛ فقَتَله في مجلسه. ووثب

стр. 41

هو على البلد، وبعث إلى الأمير أبي زيد، يستدعيه من قسنطينة، فتمشت رجالات البلد فيما بينهم خشية من سطوة السلطان. ثم ثاروا بفارح فقتلوه، وأعادوا دعوة السلطان كما كانت. وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس، يَحْيَاتَن بن عمر بن عبد المؤمن، شيخ بني ونكاسن من بني مرين، فملكوه قيادهم. وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم، فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، وأكثف له الجند، وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته. وارتحلت أنا من بِسَكْرة، وافداً على السلطان أبي عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء، وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه، وردني معه إلى بجاية، فشهدت الفتح. وتسايلت وفود إفريقية إليه، فلما رجع السلطان، وفدت معهم، فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه، إذ كنت شاباً لم يطر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود، ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية، فأقمت عنده، حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين؛ وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس، وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده، وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني، ووصفوني له، فكتب إلى الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه، سنة خمس وخمسين، ونظمني في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه؛ ثم استعملني في كتابته، والتوقيع بين يديه، على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر، والقراءة، ولقاء المشيخة، من أهل المغرب، ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة؛ وحصلت من الإفادة منهم على البغية. وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار، من أهل مراكش إمام القراءات لوقته؛ أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب، كبيرهم شيخ المحدثين الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، سند أهل المغرب، وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفى. ومنهم: قاضي الجماعة بفاس، أبو عبد الله محمد المقري، صاحبنا، من أهل تلمسان. أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي، ورد عليها من المغرب خلواً من

стр. 42

المعارف. ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة القرآن، فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية، فحفظه ثم على مختصري ابن الحاجب في الفقه، والأصول، فحفظهما؛ ثم لزم الفقيه عمران المشدَّالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين وتفقه عليه، وبرز في العلوم، إلى حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسته بتلمسان، فقدمه للتدريس بها، يضاهي به أولاد الإمام. وتفقه عليه بتلمسان جماعة؛ كان من أوفرهم سهماً في العلوم أبو عبد الله المقري هذا. ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الآبلي إلى تلمسان، عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلاوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض أشياع السلطان، لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة، قبل انتحاله العلم، وكان السلطان يعتده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله المقري بعده مجلس شيخنا الآبلي، ومجالس ابني الإمام، واستبحر في العلوم وتفنن. ولما انتقض السلطان أبو عنان، سنة تسع وأربعين وخلع أباه، ندبه إلى كتاب البيعة، فكتبها وقرأه على الناس في يوم مشهود، وارتحل مع السلطان إلى فاس؛ فلما ملكها، عزل قاضيها الشيخ المعمر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاه مكانه، فلم يزل قاضياً بها، إلى أن سخطه لبعض النزعات الملوكية، فعزله، وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين؛ ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس، فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركائبه، ونكر على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ منه (ابن الأحمر) بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، وأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم

стр. 43

بغرناطة، (ومنهم) القاضيان بغرناطة؛ شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي، شيخ الدنيا جلالة وعلماً ووقاراً، ورياسة، وإمام اللسان حوكاً ونقداً، في نظمه ونثره. وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي من أهل المرية، شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس، وسيد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في إساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم؛ فوفدا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوقه للقائهما، فقبلت الشفاعة، وأنجحت الوسيلة. حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما، سنة سبع وخمسين، وكان يوماً مشهوداً. واستقر القاضي المقري في مكانه، بباب السلطان، عطلاً من الولاية والجراية. وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان، بسبب خصومة وقدت بينه وبين أقاربه، امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه، بأن يسحبه إلى مجلس القاضي، حتى انفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدونها محنة. ثم ولاه السلطان، بعد ذلك، قضاء العساكر في دولته، عندما ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها، وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين، اعتل القاضي المقري في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس. ومنهم صاحبنا الإمام العالم الفذ، فارس المعقول والمنقول، صاحب الفروع والأصول، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي، نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمى العلوين؛ وكان أهل بيته لا يدافعون في نسبهم، وربما يغمز فيه بعض الفجرة، ممن يزعه دينه، ولا معرفته بالأنساب، فيعد من اللغو، ولا يلتفت إليه.

стр. 44

نشأ هذا الرجل بتلمسان، وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام، وتفقه عليهما في الفقه، والأصول والكلام، ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الآبلي. وتضلع من معارفه، فاستبحر، وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه، ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه، سنة أربعين، ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عبد السلام، وحضر مجلسه، وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله، ويعرف حقه، حتى لزعموا أنه كان يخلو به في بجته، فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات لابن سينا، بما كان هو قد أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الآبلي، وقرأ عليه كثيراً من كتاب الشفاء لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرصطو لابن رشد، ومن الحساب والهيئة، والفرائض، علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة. وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى، وقدم عالية، فعرف له ابق عبد السلام ذلك كله، وأوجب حقه وانقلب إلى تلمسان، وانتصب لتدريس العلم وبثه، فملأ المغرب معارف وتلاميذ، إلى اضطراب المغرب، بعد واقعة القيروان؛ ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف ابنه أبو عنان، إلى تلمسان، فملكها، سنة ثلاث وخمسين، فاستخلص الشريف أبا عبد الله، واختاره لمجلسه العلمي، مع من اختار من المشيخة. ورحل به إلى فاس، فتبرم الشريف من الاغتراب، وردد الشكوى فأحفظ السلطان بذلك، وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن، سلطان تلمسان، أوصاه على ولده، وأودع له مالاً عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأن الشريف مطلع على ذلك، فانتزع الوديعة، وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في اعتقاله أشهراً، ثم أطلقه أول ست وخمسين وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه، إلى أن هلك السلطان، آخر تسع وخمسين. وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى

стр. 45

الشريف من فاس، فسرحه القائم بالأمر يومئذ، الوزير عمر بن عبد الله، فانطلق إلى تلمسان. وتلقاه أبو حمو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزوجها إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه. وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين. وأخبرني ﵀، إن مولده سنة عشر. ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان، وصاحب الإنشاء والسر في دولته، وكان مختصاً به، وأثيراً لديه. وأصله من برجة الأندلس، نشأ بها، واجتهد في العلم والتحصيل، وقرأ، وسمع، وتفقه على مشيخة الأندلس، واستبحر في الأدب، وبرز في النظم والنثر. وكان لا يجارى في كرم الطباع، وحسن المعاشرة، ولين الجانب، وبذل البشر، والمعروف، وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة، وبها الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى، منفرداً بملكها، على حين أقفرت من رسم الكتابة والبلاغة، فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه، وإيثاره بخطة الإنشاء، والكتابة عن السلطان، إلى أن هلك الأمير أبو زكرياء، ونصب ابنه محمد مكانه، فكتب عنه على رسمه، ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية، واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمداً بأهله وحاشيته إلى تلمسان، كما تقدم في أخباره. فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها، واتصل خبره بأبي عنان، ابن السلطان أبي الحسن، وهو يومئذ أميرها. ولقيه، فوقع من قليه بمكان، إلى أن كانت واقعة القيروان. وخلع أبو عنان، واستبد بالأمر، فاستكتبه وحمله معه إلى المغرب، ولم يسم

стр. 46

به إلى العلامة، لأنه آثر بها محمد بن أبي عمرو، بما كان أبوه يعلمه القرآن والعلم. وربي محمد بداره، فولاه العلامة، والبرجي مرادف له في رياسته، إلى أن انقرضوا جميعاً. وهلك السلطان أبو عنان، واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه، فنقل البرجي من الكتابة، واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء، إلى أن هلك سنة. . . وثمانين. وأخبرني ﵀ أن مولده سنة عشر. ومنهم، شيخنا المعمر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق، شيخ وقته جلالة وتربية وعلماً وخبرة بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس، وأخذ عن مشيختها. وارتحل إلى تونس، فلقي القاضي أبا إسحق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد الله النفراوي، وأهل طبقتهما. وأخذ عنهم، وتفقه عليهم، ورجع إلى المغرب. ولازم سنن الأكابر والمشايخ، إلى أن ولاه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس، فأقام على ذلك، إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان، بعد واقعة القيروان، وخلعه أباه، فعزله بالفقيه أبي عبد الله المقري، وأقام عطلاً في بيته. ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، استدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق، فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه القرآن برواياته، في مجلس خاص إلى أن هلك، ﵀، بين يدي مهلك السلطان أبي عنان. إلى آخرين، وآخرين، من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامة. حدوث النكبة من السلطان أبي عنان كان اتصالي بالسلطان أبي عنان، آخر سنة ست وخمسين، وقربني وأدناني، واستعملني في كتابته، حتى تكدر جوي عنده، بعد أن كان لا يعبر عن صفائه، ثم اعتل السلطان، آخر سبع وخمسين، وكانت قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب

стр. 47

بجاية من الموحدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن التحفظ في مثل ذلك، من غيرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى أنمى إليه بعض الغواة، إن صاحب بجاية، معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ وزيره الكبير، عبد الله بن علي، فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. وكان فيما أنمي إليه، أني داخلته في ذلك، فقبض علي، وامتحنني وحبسني، وذلك في ثامن عشر صفر، سنة ثمان وخمسين. ثم أطلق الأمير محمداً، وما زلت أنا في اعتقاله، إلى أن هلك. وخاطبته بين يدي مهلكه، مستعطفاً بقصيدة أولها: على أي حال لليالي أعاتب ... وأي صروف للزمان أغالب كفى حزنا إني على القرب نازح ... وإني على دعوى شهودي غائب وأني على حكم الحوادث نازل ... تسالمني طوراً وطوراً تحارب ومنها في التشوق: سلوتهم إلا ادَّ كارَ معاهد ... لها في الليالي الغابرات غرائب وإن نسيم الريح منهم يشوقني ... إليهم وتصبيني البروق اللواعب وهي طويلة، نحو مائتي بيتاً، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موقع، وهش لها. وكان بتلمسان فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقه الوجع. وهلك لخمس عشرة ليلة، في رابع وعشرين في الحجة خاتم تسع وخمسين. وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق جماعة من المعتقلين، كنت فيهم، فخلع علي، وحملني، وأعادني إلى ما كنت عليه، وطلبت منه الانصراف إلى بلدي، فأبى علي، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب أمره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدمناه في أخبارهم.

стр. 48

الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والإنشاء ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب مالكه، ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سراً، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة والائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد، فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي سالم. بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا؛ وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة. واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديدة؛ فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبد بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان؛ فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثتته فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور ابن سليمان، وفراره إلى نواح بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رخو بن ماساي، فتلقاه السلطان بالكرامة كما

стр. 49

يجب له، واستوزره نائباً للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غرَّبه منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره واستكفاه. ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صعد إلى فاس. ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة، واستعملني في كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل، أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء العالي منها على أكثر الناس، بخلاف المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغرباً عندهم بين أهل الصناعة. ثم أخذت نفسي بالشعر، فانثال علي منة بحور، توسطت بين الإجاعة والقصور، وكان مما أنشدته إياه، ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة: أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي وأبين يوم البين وقفة ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب لله عهد الظاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشرقت بعدهم بماء غروب يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي يستعذب الصب الملام وإنني ... ماء الملام لدي غير شروب ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكر منزل وحبيب أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاً ... للبدر منهم أو كناس ربيب

стр. 50

عبثت بها أيدي البلى وترددت ... في عطفها للدهر أي خطوب تبلى معاهدها وإن عهودها ... ليجدها وصفي وحسن نسيبي وإذا الديار تعرضت لمتيم ... هزته ذكراها إلى التشبيب إيه عن الصبر الجميل فإنه ... ألوى بدين فؤادي المنهوب لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغض طرفي حاسد ورقيب والدار مونقة محاسنها بما ... لبست من الأيام كل قشيب يا سائق الأظعان يعتسف الفلا ... ويواصل الإسْآد بالتأويب متهافتاً عن رحل كل مذلل ... نشوان من أَيْنٍ ومس لُغُوبِ تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صباً وجنوب إن هام من ظمإ الصبابة صحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب أو تعترض مسراهم سدف الدجى ... صدعوا الدجى بغرامه المشبوب في كل شعب منية من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب هلا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب فتؤم من أكناف يثرب مأمناً ... يكفيك ما تخشاه من تثريب حيث النبوة أيها مجلوة ... تتلو من الآثار كل غريب سر عجيب لم يحجبه الثرى ... ما كان سر الله بالمحجوب ومنها بعد تعديد معجزاته ﷺ ، والإطناب في مدحه: إني دعوتك واثقاً بإجابتي ... يا خير مدعو وخير مجيب

стр. 51

قرت في مدحي فإن يك طيباً ... فبما لذكرك من أريج الطيب ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كل مطيب يا هل تبلغني الليالي زورة ... تدني إلي الفوز بالمرغوب أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحط أوزاري وإصر ذنوبي في فتية هجروا المنى وتعودوا ... إنضاء كل نجيبة ونجيب يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب إن رنم الحادي بذكرك رددوا ... أنفاس مشتاق إليك طروب أو غرد الركب الخلي بطيبة ... حنوا لمغناها حنين النيب ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب الطاعنين الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النقع كل سبيب والواهبين المقربات صوافناً ... من كل خوار العنان لعوب والمانعين الجار حتى عرضه ... في منتددى الأعداء غير معيب تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعز شيمة مرتجى ومهيب ومنها في ذكر إجازته البحر، واستيلائه على ملكه: سائل به طامي العباب وقد سرى ... تزجيه ريح العزم ذات هبوب تهديه سهب أسنة وعزائم ... يصدعن ليل الحادث المرهوب حتى انجلت ظلم الضلال بسعيه ... وسطا الهدى بفريقها المغلوب يا بن الألى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروك بتاجها المغصوب

стр. 52

جمعوا لحفظ الدين أي مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب لله مجدك طارفاً أو تالداً ... فلقد شهدنا منهن كل عجيب كم رهبة أو رغبة بك والعلى ... تقتاد بالترغيب والترهيب لا زلت مسروراً بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرقوب تحيي المعالي غادياً أو رائحاً ... وحديد سعدك ضامن المطلوب ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة: قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد ولرب وصل كنت آمله ... فاعتضت منه بمؤلم الصد لا عهد عند الصبر اطلبه ... إن الغرام أضاع من عهدي يلحى العدول فما أعنفه ... وأقول ضل فأبتغي رشدي وأعارض النفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد يهدى الغرام إلى مسالكها ... لتعللي بضعيف ما تهدي يا سائق الأظعان معتسفاً ... طي الفلاة لطية الوجد أرح الركاب ففي الصبا نبأ ... يغني عن المستنة الجرد وسل الربوع برامة خبراً ... عن ساكني نجد وعن نجد ما لي تلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد لأبيت إلا الرشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرشد نعم الخليفة في هدى وتقى ... وبناء عز شامخ الطود

стр. 53

نجل السراة الغر شأنهم ... كسب العلى بمواهب الوجد ومنها شي ذكر خلوصي إليه، وما ارتكبته فيه: لله مني إذ تأوبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد شهم يفل بواتراً قضباً ... وجموع أقيال أولي أيد أوريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حق المجد من قصدي ووردت عن ظمأ مناهله ... فرويت من عز ومن رفد هي جنة المأوى لمن كلفت ... آمائه بمطالب المجد لو لم أعل بورد كوثرها ... ما قلت هذي جنة الخلد من فبلغ قومي ودونهم ... قذف النوى وتنوفة البعد أني أنفت على رجائهم ... وملكت عز جميعهم وحدي ورقيمة الأعطاف حالية ... موشية بوشائع البرد وحشية الأنساب ما أنست ... في فوحش البيداء بالقود تسمو بجيدٍ بالغ صعداً ... شرف الصروح بغير ما جهد طالت رءوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد قطعت إليك تنائفاً وصلت ... إسآدها بالنص والوخد تخدي على استصعابها ذللاً ... وتبيت طوع القن والقد بسعودك اللائي ضمن لنا ... طول الحياة بعيشه رغد جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد وافوك أنضاء تقلبهم ... أيدي السرى بالغور والنجد

стр. 54

كالطيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسل من غمد يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد ويرون لحظك من وفادتهم ... فخراً على الأتراك والهند يا مستعيناً جل في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي جازاك ربك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم ما يسدي وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزة أبداً وفي سعد وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيراً، لم يحضرني الآن شيء منه. ثم غلب ابن مرزوق على هواه، وانفرد بمخالطته، وكبح الشكائم عن قربه، فانقبضت، وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره، وإنشاء مخاطباته ومراسمه. ثم ولاني آخر الدولة خطة المظالم، فوفيتها حقها، ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذاً في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة، إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه. وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك، فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه، على من ذكرناه في أخبارهم. ولما مقام الوزير عمر بالأمر، أقرني على ما كنت عليه، ووفر إقطاعي، وزاد في جرايتي، وكنت أسمو، بطغيان الشباب، إلى أرفع مما كنت فيه، وأدل في ذلك بسابقة مودة معه، منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبينه، وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث أثافيتا، ومصقلة فكاهتنا. واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه، إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان، مغاضبا له، فتنكر لي، وأقطعني جانباً من الأعراض، فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان، والمغرب الأوسط، فمنعني من ذلك، أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده. ولج في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة،

стр. 55

واستجرت في ذلك برديفه وصديقه، الوزير مسعود بن رحو بن ماساي، ودخلت عليه يوم الفطر، سنة ثلاث وستين. فأنشدته: هنيئاً بصوم لا عداه قبول ... وبشرى بعيد أنت فيه منيل وهنئتها من عزةٍ وسعادةٍ ... تتابع أعوام بها وفصول سقى الله دهراً أنت إنسان عينه ... ولا مس ربعاً في حمال محول فعصرك ما بين الليالي مواسم ... لها غرر وضاحة وحجول وجانبك المأمول للجود مشرع ... يحوم عليه عالم وجهول عساك، وإن ضن الزمان منولي ... فرسم الأماني من سواك محيل أجرني فليس الدهر لي بمسالم ... إذا لم يكن لي في ذراك مقيل وأولني الحسنى بما أنا آمل ... فمثلك يولي راجياً وينيل ووالله ما رمت الترحل عن قلى ... ولا سخطة للعيش فهو جزيل ولا رغبة عن هذه الدار إنها ... لظل على هذا الأنام ظليل ولكن نأى بالشعب عني حبائب ... شجاهن خطب للفراق طويل يهيج بهن الوجد أني نازح ... وأن فؤادي حيث هن حلول عزيز عليهن الذي قد لقيته ... وأن اغترابي في البلاد يطول توارت بأنبائي البقاع كأنني ... تخطفت أو غالت ركابي غول ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوى ... فطارت بقلبي أنة وعويل وحببت عن سوق رباك كأنما ... يمثل لي نؤي بها وطلول أأحبابنا والعهد بيني وبينكم ... كريم وما عهد الكريم يحول إذا أنا لم ترض الحمول مدامعي ... فلا قربتني للقاء حمول إلام مقامي حيث لم ترد العلى ... مرادي ولم تعط القياد ذلول أجاذب فضل العمر يوماً وليلةً ... وساء صباح بينها وأصيل ويذهب بي ما بين يأس ومطمع ... زمان بنيل المعلوات بخيل تعللني عنه أمان خوادع ... ويؤنسني ليان منه مطول أما لليالي لا ترد خطوبها ... ويؤنسني ليان منه مطول

стр. 56

يروعني من صرفها كل حادث ... تكاد له صم الجبال تزول أداري على الرغم العدى لا لريبة ... يصانع واش خوفها وعذول وأغدو بأشجاني عليلاً كأنما ... تجود بنفسي زفرة وغليل وإني وإن أصبحت في دار غربة ... تحيل الليالي سلوتي وتديل وصدتني الأيام عن خير منزل ... عهدت به أن لا يضام نزيل لأعلم أن الخير والشر ينتهي ... مداه وأن الله سوف يديل وأني عزيز بابن ماساي مكثر ... وإن هان أنصار وبان خليل فأعانني الوزير مسعود عليه، حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان، في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس، وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة، فاتح أربع وستين. وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، حين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة وزيره أبي عبد الله بن الخطيب، وما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته، وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة. ولما أجاز، باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه، حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيمن ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف، في قضاء حاجاتهم، وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترطه له، من التجافي عن حصون المسلمين التي تملكها بأجلابه، ففارقه إلى بلد المسلمين، ونزل بأسجة. وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصراً ينزله، من أمصار الأندلس الغربية، التي كانت ركاباً لملوك

стр. 57

المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تم قصده من ذلك. وتجافى عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين، واستوحشت أنا من عمر، إثر ذلك كما مر. وارتحلت إليه، معولاً على سوابقي عنده، فغرب في المكافأة كما نذكر (إن شاء الله تعالى). الرحلة إلى الأندلس ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس، بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العباس، من حفدة السلطان أبي يحيى، وأني أمر على الأندلس، وأجيز إليه من هنالك. وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها يومئذ الشريف أبو العباس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح، السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب، انتقل سلفه إلى سبتة من صقلية، وأكرمهم بنو العزفي أولاً وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد، فتنكروا لهم. وغربهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة، فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق، فأسروهم. وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم، رعاية لشرفهم، فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه. وفاس هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة. وانقرض بنو العزفي ودولتهم، وهل والد الشريف، وصار هو إلى رياسة الشورى. ولما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه، واستولى على المغرب، وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير، والياً من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسك بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان. وبث فيهم الشريف دعوته، فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان. وأمكنوه من بلدهم ة فولى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي، كافل تربيته في صغره. وأفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة، فلم يكن يقطع أمر دونه. ووفد على السلطان بعض الأيام، فتلقاه من الكرامة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته. وكان معظماً وقور المجلس، هش اللقاء، كريم الوفادة، متحلياً بالعلم

стр. 58

والأدب، منتحلاً للشعر، غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولما مررت به سنة أربع وستين، أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، وبلوت منه ما لا يقدر مثله من الملوك، وأركبني الحراقة ليلة سفري، يباشر دحرجتها إلى الماء بيده، إغراباً في الفضل والمساهمة. وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب. ثم خرجت منه إلى غرناطة، وكتبت إلى السلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني. وليلة بت بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنئني بالقدوم ويؤنسني، ونصه: حللت حلول الغيث بالبلد المحل ... على الطائر الميمون والرحب والسهل يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المهدَّإ والكهل لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل وودي لا يحتاج فيه لشاهد ... وتقريري المعلوم ضرب من الجهل أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت، أزمة الأحياء لميته، ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته. لو خيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء، ويرف نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلاً عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط يلم بسياج لمته، أو يقدح ذباله في ظلمته، أو يقدم حواريه في ملته، من الأحابش وأمته، وزمانة روح وراح، ومغدى في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورقى وجراح، وانتخاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح، وبين قدومك

стр. 59

خليع الرسن، ممتعاً - والحمد لله - باليقظة والوسن، محكماً في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعاً بظرف المعارف، مالئاً أكف الصيارف، ماحياً بأنوار البراهين شبه الزخارف لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي ثمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملكني أزمة آرابي، وغبطني بمائي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، منتهى الطية، وملتقى للسعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية. فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريك، متجملة بزيك، عاقلة خطا مهريك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار، لا، بل للقاء من وراء البحار، والسلام. ثم أصبحت من الغد قادماً على البلد، وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين، وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره، بفرشه وماعونه، وأركب خاصته للقائي، تحفياً وبراً، ومجازاة بالحسنى؛ ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع علي وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان نزلي؛ ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجي في خلوته، والمواكبة في ركوبه، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه، وأقمت على ذلك عنده، وسفرت عنه سنة خمس وستين إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بتره بن الهنشه بن أذفونش، لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة، بهدية فاخرة، من ثياب الحرير، والجياد المقربات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيلية، وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية سلفنا بإشبيلية. وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم بن زَرْزَرَ اليهودي، المقدم في الطب

стр. 60

والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان، وقد استدعاه يستطبه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع - بعد مهلك رضوان القائم بدولتهم - إلى الطاغية، فأقام عنده، ونظمه في أطبائه. فلما قدمت أنا عليه، أثنى علي عنده، فطلب الطاغية مني حينئذ المقام عنده، وأن يرد علي تراث سلفي بإشبيلية، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزودني وحملني، واختصني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان، فأقطعني قرية إلبيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة، وكتب بها منشوراً كان نصه: ثم حضرت المولد النبوي لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة، وإنشاد الشعراء، اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليْلتئذ: حي المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني إن الألى نزحت داري ودارهم ... تحملوا القلب في آثارهم دوني وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسماً لا يناجيني [أمثل الربع من شوق فألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني] [وبنهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال قلبي عليها غير مأمون] سقت جفوني مغاني الربع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون قد كان للقلب داعي الهوى شغل ... لو لأن قلبي إلى السلوان يدعوني أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ... منكم وهل نسمة عنكم تحييني ما لي وللطيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلاً يداويني

стр. 61

يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسناً سوى جنة الفردوس والعين أعندكم أنني مما مر ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقاً ولولاكم ما كان يصبيني يا نازحاً والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قرباً يناجيني أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوماً بحال عنك يسليني ترى الليالي أنستك إدكاري يا ... من لم تكن ذكره الأيام تنسيني ومنها في وصف الإيوان الذي بناه لجلوسه بين قصوره: يا مصنعاً شيدت منه السعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين صرح يحار لديه الطرف مفتتناً ... فيما يروقك من شكل وتلوين بعداً لإيوان كسرى إن مشورك ... السامي لأعظم من تلك الاواوين ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون ومنها في التعريض بمُنصَرَفي من العدوة: من مبلغ عني الصحب الألى تركوا ... وفي وضاع حماهم إذ أضاعوني أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحييني وأنني ظاعناً لم ألق بعدهم ... دهراً أشاكي ولا خصماً يشاكيني لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلب الطرف بين الخوف والهون

стр. 62

سقياً ورعياً لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظ غير مغبون ارتاد منها ملياً لا يماطلني ... وعداً وأرجو كريماً لا يعنيني وهاك منها قواف طيها حكم ... مثل الأزاهر في طي الرياحين تلوح إن جليت دراً وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين عانيت منها بجهدي كل شاردة ... لولا سعودك ما كادت تواتين يمانع الفكر عنها ما تقسمه ... من كل حزن بطي الصدر مكنون لكن بسعدك ذلت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين وأنشدته سنة خمس وستين في إعذار ولده، والصنيع الذي احتفل لهم فيه، ودعا إليه الجفلى من نواحي الأندلس، ولم يحضرني منها إلا ما أذكره: صحا الشوق لولا عبرة ونحيب ... وذكرى تجد الوجد حين تثوب وقلب أبى إلا الوفاء بعهده ... وإن نزحت دار وبان حبيب ولله مني بعد حادثة النوى ... فؤاد لتذكار العهود طروب يؤرقه طيف الخيال إذا سرى ... وتذكي حشاه نفحة وهبوب خليلي إلا تسعدا فدعا الأسى ... فإني لما يدعو الأسى لمجيب ألما على الأطلال يقض حقوقها ... من الدمع فياض الشئون سكوب ولا تعذلاني في البكاء فإنها ... حشاشة نفسي في الدموع تذوب ومنها في تقدم ولده للأعذار من غير نكول: فيَمَّمَ منه الحفل لا متقاعس ... لخطب ولا نكس اللقاء هيوب

стр. 63

وراح كما راح الحسام من الوغى ... تروق حلاه والفرند خضيب شواهد اهدتهن منك شمائل ... وخلق بصفو المجد منك مشوب ومنها في الثناء على ولديه: هما النيران الطالعان على الهدى ... بآياتفتح شأنهن عجيب شهابان في الهيجا غمامان في الندى ... تسح المعالي منهما وتصوب يدان لبسط المكرمات نماهما ... إلى المجد فياض اليدين وهوب وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة: أبى الطيف أن يعتاد إلا توهما ... فمن لي بأن ألقى الخيال المسلما وقد كنت استهديه لو كان نافعي ... وأستمطر الأجفان لو تنقع الظَّمَا ولكن خيال كاذب وطماعة ... تعلل قلباً بالأماني متيما يا صاحبي نجواي والحب لوعة ... تبيح بشكواها الضمير المكتما خذا لفؤادي العهد من نفس الصبا ... وظبي النَّقَا والبان من أجرع الحمى ألا صنع الشوق الذي هو صانع ... فحبي مقيم أقصر الشوق أو سما وإني ليدعوني السلو تعللاً ... وتنهاني الأشجان أن اتقدما لمن دمن اقفرن إلا هواتفاً ... تردد في أطلالهن الترنما عرفت بها سيما الهوى وتنكرت ... فمجت على آياتها متوسما وذو الشوق يعتاد الربوع دوارساً ... ويعرف آثار الديار توهما تأوَّبني والليل بيني وبينه ... وميض بأطراف الثنايا تضرما

стр. 64

أجد لي العهد القديم كأنه ... أشار بتذكار العهود فأفهما عجبت لمرتاع الجوانح خافق ... بكيت له خلف الدجى وتبسما وبت أرويه كؤوس مدامعي ... وبات بطاعني الحديث عن الحمى وصافحته عن رسم دار بذي الغَضَى ... لبست بها ثوب الشبيبة معلما لعهدي بها تدني الظباء أو انسا ... وتطلع في آفاقها الغيد أنجما أحن إليها حيث سار بي الهوى ... وأنجد رحلي في البلاد وأتهما ولما استقر، واطمأنت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستئثار وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر باستقدام أهلي من مطرح اغترابهم بقسنطينة، فبعث عنهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الأسطول بالمرية، فسار لاجازتهم في أسطوله، واحتلوا بالمرية. واستأذنت السلطان في تلقيهم، وقدمت بهم على الحضرة، بعد أن هيأت لهم المنزل والبستان، ودمنة الفلح، وسائر ضرورات المعاش. وكتب الوزير ابن الخطيب عندما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه استأذنه في القدوم، وما أعتمده في أحواله: سيدي، قدمت بالطير الميامين، على البلد الأمين، واستضفت الرفاء إلى البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البَراءة المعربة عن كثب اللقاء، ودنو المزار، وذهاب البعد، وقرب الدار؛ واستفهم سيدي عما عندي في القدوم على المخدوم، والحق أن يتقدم سيدي إلى الباب الكريم، في الوقت الذي يجد المجلس الجمهوري لم يفض حجيجه، ولا صَوَّح بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم، والسلام. ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيلوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي

стр. 65

للسلطان، واشتماله علي، وحركوا له جواد الغيرة فتنكر. وشممت منه رائحة الانقباض، مع استبداده بالدولة، وتحكمه في سائر أحوالها، وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية، بأنه استولى عليها في رمضان خمس وستين. واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء لمودته، فارتَمَض لذلك، ولم يسعه إلا الإسعاف، فودع وزود، وكتب لي مرسوم بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصه: هذا ظهير كريم، تضمن تشييعاً وترفيعاً، وإكراماً وإعظاماً، وكان لعمل الصنيعة ختاماً، وعلى الذي أحسن تماماً، وأشاد للمعتمد به بالاغتباط الذي راق قساماً وتوفر أقساماً، وأعلن له بالقبول إن نوى بعد النوى رجوعاً أو آثر على الظعن المزمع مقاماً. أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه، الأمير عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نصره، وأعلى ذكره، للولي الجليس، الحظي المكين، المقرب الأود الأحب، الفقيه الجليل، الصدر الأوحد، الرئيس العلم، الفاضل الكامل، المرفع الأسمى، الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن بن الشيخ الجليل، الحسيب الأصيل، الفقيه المرفع المعظم، الصدر الأوحد الأسنى، الأفضل الأكمل، الموقر المبرور، أبي يحيى أبي بكر، ابن الشيخ الجليل الكبير، الرفيع الماجد، القائد الحظي، المعظم الموقر، المبرور المرحوم، أبي عبد الله بن خلدون. وصل الله له أسباب السعادة، وبلغه من فضله أقصى الإرادة، أعلن بما عنده، أيده الله، من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفع، وإن كان غنياً في الإعلان. وأعرب عن معرفته بمقداره، في الحسباء العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتصال رضاه عن مقاصده البرة وشيمه الحسان، من لدن وفد بابه، وفادة العز الراسخ البنيان، وأقام المقام الذي عين له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله ذلك في ظل اليمن والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربى على الخبر بالعيان، والتمسك بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد

стр. 66

والأوطان. وبعد أن لم يذخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعة، فولاه القيادة والسفارة، وأحله جليساً معتماً بالإشارة، وألبسه من الحظوة والتقريب أبهى الشارة، وجعل محله من حضرته مقصوداً بالمثل معنياً بالإشارة، ثم أصحبه تشييعاً يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له بر الوجهة من جميع آفاقه، ويجعله بيده رتيمة خنصر، ووثيقة سامع أو مبصر، فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره، وتمليه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين الود، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من الحظوة والبر ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء ليتحول، ولا الاعتقاد الكريم ليتبدل، ولا الأخير من الأحوال لينسخ الأول. على هذا فليطو ضميره، وليرد متى شاء نميره، ومن وقف عليه من القواد والأشياخ والخدام، براً وبحراً، على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق هذا الاعتقاد، في كل ما يحتاج إليه من تشييع ونزول، وإعانة وقبول، واعتناء موصول، إلى أن يكمل الغرض، ويؤدى من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض، بحول الله وقوته. وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ستة وستين وسبع مائة. وبعد التاريخ العلامة بخط السلطان، ونصها: صح هذا. الرحلة من الأندلس إلى بجاية وولاية الحجابة بها على الاستبداد كانت بجاية ثغراً لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين. ولما صار أمرهم للسلطان أي بكر بن يحيى منهم، واستقل بملك إفريقية، ولى في ثغر بجاية ابنه الأمير أبا زكرياء، وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير عبد الله. وكان بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط، ينازعونه في أعماله، ويُجَمِّرون العساكر على بجاية، ويجلبون على قسنطينة، إلى أن تمسك السلطان أبو بكر بذمة من السلطان أبي

стр. 67

الحسن، ملك المغرب الأقصى من بني مرين، وله الشفوف على سائر ملوكهم. وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان، فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد، وملكها عنوة، وقتل سلطانها أبا تاشفين، وذلك سنة سبع وثلاثين. وخف ما كان على الموحدين من إصر بني عبد الواد، واستقامت دولتهم. ثم هلك أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين، وخلف سبعة من الولد، كبيرهم أبو زيد عبد الرحمن، ثم أبو العباس أحمد، فولى الأمير أبا زيد مكان أبيه، في كفالة نبيل مولاهم. ثم توفي الأمير أبو زكرياء ببجاية سنة ست وأربعين، وخلف ثلاثة من الولد، كبيرهم أبو عبد الله محمد، وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا حفص عليها، فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن أبي زكرياء، وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه. وبادر السلطان فرقع هذا الخرق، بولاية أبي عبد الله عليهم كما طلبوه. ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين، وزحف أبو الحسن إلى إفريقية فملكها، ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب. وأقطع لهم هنالك، إلى أن كانت حادثة القيروان، وخلع السلطان أبو عنان أباه. وارتحل من تلمسان، إلى فاس، فنقل معه هؤلاء الأمراء، أهل بجاية وقسنطينة، وخلطهم بنفسه، وبالغ في تكرمتهم. ثم صرفهم إلى ثغورهم: الأمير أبا عبد الله أولاً، وإخوته من تلمسان، وأبا زيد وإخوته من فاس، ليستبدوا بثغورهم، ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن، فوصلوا إلى بلادهم، وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين، فانتزعوها منه. واستقر أبو عبد الله ببجاية، حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بجبال المصامدة، وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين، فهزم ملوكها من بني عبد الواد، وأبادهم، ونزل المدية، وأطل على بجاية. وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه، وشكا إليه ما يلقاه من زَبُون الجند والعرب، وقلة الجباية. وخرج له عن ثغر بجاية فملكها، وأنزل عماله بها. ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب، فلم يزل عنده في حفاية وكرامة. ولما قدمت على السلطان أبي عنان آخر خمس وخمسين واستخلصني، نبضت عروق السوابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله، واستدعاني للصحابة فأسرعت، وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك. ثم

стр. 68

كثر المنافسون، ورفعوا إلى السلطان، وقد طرقه مرض أرجف له الناس، فرفعوا له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية، وأني عاقدته على ذلك، على أن يوليني حجابته، فانبعث لها السلطان، وسطا بنا، واعتقلني نحواً من سنتين إلى أن هلك. وجاء السلطان أبو سالم، واستولى على المغرب، ووليت كتابة سره. ثم نهض إلى تلمسان، وملكها من يد بني عبد الواد، وأخرج منها أبا حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس، وولى على تلمسان أبا زيان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي تاشفين، وأمده بالأموال والعساكر من أهل وطنه، ليدافع أبا حمو عن تلمسان، ويكون خالصة له. وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية معه كما ذكرناه، والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواماً تباعاً. ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة، وترك أخاه أبا العباس بها، فخلعه، واستبد بالأمر دونه. وخرج إلى العساكر المجمرة عليها من بني مرين، فهزمهم، وأثخن فيهم. ونهض السلطان إليه من فاس، سنة ثمان وخمسين، فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه، فبعثه إلى سبتة في البحر، واعتقله بها، حتى إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين، أطلقه من الاعتقال، وصحبه إلى دار ملكه، ووعده برد بلده عليه. فلما ولى أبا زيان على تلمسان، أشار عليه خاصته ونصحاؤه، بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم: فبعث أبا عبد الله إلى بجاية، وقد كان ملكها عمه أبو إسحق صاحب تونس، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين، وبعث أبا العباس إلى قسنطينة، وبها زعيم من زعماء بني مرين. وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها، فملكها لوقته. وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية، فطال إجلابه عليها، ومعاودته حصارها. ولجَّ أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحق. وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم. وتوليت كِبْر ذلك مع خاصة السلطان أبي سالم وكبار أهل مجلسه، حتى تم القصد من ذلك. وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهداً بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه، ومعنى الحجابة - في

стр. 69

دولنا بالمغرب - الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد. وكان لي أخ اسمه يحيى أصغر مني، فبعثته مع الأمير أبي عبد الله حافظاً للرسم، ورجعت مع السلطان إلى فاس. ثم كان ما قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها، إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب، وأظلم الجو بيني وبينه. وبينا نحن في ذلك، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يد عمه، في رمضان (سنة) خمس وستين، وكتب الأمير أبو عبد الله يستقدمني، فاعتزمت على ذلك، ونكر السلطان أبو عبد الله بن الأحمر ذلك مني، لا يظنه لسوى ذلك، إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب، فأمضيت العزم، ووقع منه الإسعاف، والبر والألطاف. وركبت البحر من ساحل المرية، منتصف ست وستين. ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب أهل دولته للقائي. وتهافت أهل البلد عليَّ من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبلون يدي، وكان يوماً مشهوداً. ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدَّى، وخلع وحَمَل؛ وأصبحت من الغد، وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي، واستقلت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة بجامع القصبة، وأنا مع ذلك، عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة لا أنفك عن ذلك. ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة، أحدثتها المشاحة في حدود الأعمال من الرعايا والعمال، وشب نار هذه الفتنة عرب أوطانهم من الدواودة من رياح، تنفيقاً لسوق الزبون يمترون به أموالهم. وكانوا في كل سنة يجمع بعضهم لبعض، فالتقوا سنة ست وستين بفرجيوة، وانقسم العرب عليهما. وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العباس، فانهزم السلطان أبو عبد الله، ورجع إلى

стр. 70

بجاية مفلولاً، بعد أن كنت جمعت له أموالاً كثيرة أنفق جميعها في العرب. ولما رجع أعوزته النفقة، فخرجت بنفسي إلى قبائل البربر بجبال بجاية المتمنعين من المغارم منذ سنين، فدخلت بلادهم واستبحت حماهم، وأخذت رهنهم على الطاعة، حتى استوفيت منهم الجباية، وكان لنا في ذلك مدد وإعانة؛ ثم بعث صاحب تلمسان إلى السلطان (أبي عبد الله) يطلب منه الصهر، فأسعفه بذلك ليصل يده به على ابن عمه، وزوجه ابنته، ثم نهض السلطان أبو العباس سنة سبع وستين، وجاس أوطان بجاية، وكاتب أهل البلد، وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله، بما كان يرهف الحد لهم، ويشد وطأته عليهم؛ فأجابوه إلى الانحراف عنه، وخرج السلطان أبو عبد الله يروم مدافعته، ونزل جبل ليزو معتصماً به؛ فبيته السلطان أبو العباس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد بن رياح بمكانه ذلك، بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش. وكبسه في مخيمه وركض هارباً، فلحقه وقتله، وسار إلى البلد بمواعده أهلها. وجاءني الخبر بذلك، وأنا مقيم بقصبة السلطان وقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر، والبيعة لبعض الصبيان من أبناء السلطان، فتفاديت من ذلك، وخرجت إلى السلطان أبي العباس، فأكرمني وحباني، وأمكنته من بلده، وأجرى أحوالي كلها على معهودها. وكثرت السعاية عنده في، والتحذير من مكاني. وشعرت بذلك، فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك، فأذن لي بعد لأْي؛ وخرجت إلى العرب، ونزلت على يعقوب بن علي. ثم بدا للسلطان في أمري، وقبض على أخي، واعتقله ببونة؛ وكبس بيوتنا يظن بها ذخيرة وأموالاً، فأخفق ظنه. ثم ارتحلت من أحياء يعقوب بن علي، وقصدت بسكرة، لصحابة بيني وبين شيخها أحمد بن يوسف بن مزني، وبين أبيه، وساهم في الحادث بماله وتجاهه.

стр. 71

مشايعة أبي حمو صاحب تلمسان كان السلطان أبو حمو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بالصهر في ابنته، وكانت عنده بتلمسان. فلما بلغه مقتل أبيها، واستيلاء السلطان أبي العباس ابن عمه صاحب قسنطينة على بجاية، أظهر الامتعاض لذلك. وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطاتهم، بإرهاف حده، وشده سطوته، فانحرفوا عنه باطناً، وكاتبوا ابن عمه بقسنطينة كما ذكرناه. ودسوا للسلطان أبي حمو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلما استولى السلطان أبو العباس، وقتل ابن عمه، رأوا أن جرحهم قد اندمل، وحاجتهم قد قضيت، فاعصَوصَبوا عليه؛ وأظهر السلطان أبو حمو الامتعاض للواقعة يسر منه حسواً في ارتغاء، ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية، بما كان يرى نفسه كفؤها بعده وعديده، وما سلف من قومه في حصارها، فسار من تلمسان بحر الشوك والمدر، حتى خيم بالرشة من ساحتها، ومعه أحياء زغبة بجموعهم وظعائنهم، من لدن تلمسان، إلى بلاد حصين، من بني عامرة وبني يعقوب، وسويد، والديالم والعطاف، وحصين. وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند، أعجله السلطان أبو حمو عن استيعاب الحشد، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع. وبعث السلطان أبو العباس عن أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو من قسنطينة، كان معتقلاً بها، وأمر مولاه وقائد عسكره بشيراً أن يخرج معه في العساكر، وساروا حتى نزلوا بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمو، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السلطان، وأبلغهم النذير

стр. 72

أنه إن ملك بجاية اعتقلهم بها، فراسلوا أبا زيان، وركبوا إليه، واعتقدوا معه. وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن، ودفعوا شرذمة كانت مجمرة إزاءهم، فاقتلعوا خباءهم. وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشة. وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا، وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السلطان في مخيمه، فحمل رواحله وسار، وكضت الطرق بزحامهم، وتراكموا بعض على بعض، فهلك منهم عوالم، وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنهب من كل ناحية، وقد غشيهم الليل، فتركوا أزودتهم ورحالهم. وخلص السلطان ومن خلص منهم بعد عصب الريق، وأصبحوا على منجاة. وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى تلمسان، وكان السلطان أبو حمو قد بلغه خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان بعدي في أخي وأهلي ومخلفي، فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة. وكانت الأمور قد اشتبهت، فتفاديت بالأعذار، وأقمت بأحياء يعقوب بن علي، ثم ارتحلت إلى بسكرة، فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزنى. فلما وصل السلطان أبو حمو إلى تلمسان، وقد جزع للواقعة، أخذ في استئلاف قبائل رياح، ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية، وخاطبني في ذلك لقرب عهده باستتباعهم، وملك زمامهم، ورأى أن يعول علي في ذلك، واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها: الحمد لله على ما أنعم، والشكر لله على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، على أنك تصل إلى مقامنا الكريم، لما اختصصناكم به من الرتبة المنيعة، والمنزلة الرفيعة، وهو قلم خلافتنا، والانتظام في سلك أوليائنا، أعلمناكم بذلك. وكتب بخط يده عبد الله، المتوكل على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له. وبعده بخط الكاتب ما نصه: بتاريخ السابع عشر من رجب الفرد الذي من عام تسعة وستين وسبعمائة عرفنا الله خيره. ونص الكتاب الذي هذه مدرجته، وهو بخط الكاتب: أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد، ووالى رعايتكم. إنا قد ثبت عندنا، وصح لدينا ما انطويتم عليه من المحبة في مقامنا، والانقطاع إلى جنابنا، والتشيع قديماً وحديثاً لنا، مع ما نعلمه من محاسن

стр. 73

اشتملت عليها أوصافكم، ومعارف فقتم فيها نظراءكم، ورسوخ قدم في الفنون العلمية والآداب العربية. وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي - أسماه الله - أكبر درجات أمثالكم، وأرفع الخطط لنظرائكم، قرباً منا، واختصاصاً بمقامنا، واطلاعاً على خفايا أسرارنا. آثرناكم بها إيثاراً، وقدمناكم لها اصطفاء واختياراً، فاعملوا على الوصول إلى بابنا العلي أسماه الله، لما لكم فيه من التنويه، والقدر النبيه، حاجباً لعلي بابنا، ومستودعاً لأسرارنا، وصاحب الكريمة علامتنا، إلى ما يشاكل ذلك من الأنعام العميم، والخير الجسيم، والاعتناء والتكريم. لا يشارككم مشارك في ذلك ولا يزاحمكم أحد، وإن وجد من أمثالك فاعلموه، وعولوا عليه، والله تعالى يتولاكم، ويصل سراءكم، ويوالي احتفاءكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتأدت إلي هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه، جاء إلى أشياخ الدواودة في هذا الغرض، فقصت له في ذلك أحسن مقام، وشايعته أحسن مشايعة، وحملتهم على إجابة داعي السلطان، والبدار إلى خدمته. وانحرف كبراؤهم عن خدمة السلطان أبي العباس إلى خدمته، والاعتمال في مذاهبه، واستقام غرضه من ذلك، وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله ببونة، وقدم علي ببسكرة، فبعثته إلى السلطان أبي حمو كالنائب عني في الوظيفة، متفادياً عن تجشم أهوالها، بما كنت نزعت عن غواية الرتب. وطال علي إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس، فوصل إليه الأخ، فاستكفى به في ذلك، ودفعه إليه. ووصلني مع هذه الكتب السلطانية كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب من غرناطة يتشوق إلي، وتأدى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن الأحمر، فبعث إلي به من هنالك ونصه: بنفسي وما نفسي علي بهينة ... فينزلني عنها المكاس بأثمان حبيب نأى عيني وصم لأنتي ... وراش سهام البين عمداً فأصماني وقد كان هم الشيب - لا كان - كافياً ... فقد أدَّني لما ترحل همان

стр. 74

شرعت له من دمع عيني موارداً ... فكدر شربي بالفراق وأظماني وأرعيته من حسن عهدي جميمه ... فأجدب آمالي وأوحش أزماني حلفت على ما عنده لي من رضى ... قياساً بما عندي فأحنث أيماني وإني على ما نالني منه من قلى ... لأشتاق من لقياه نَُغْبَةَ ظمآن سألت جنوني فيه تقريب عرشه ... فقست بجن الشوق جن سليمان إذا ما دعا داع من القوم باسمه ... وثبت وما استثبت شيمة هيمان وتالله ما أصغيت فيه لعاذل ... تحاميته حتى ارعوى وتحاماني ولا استشعرت نفسي برحمة عابد ... تظلل يوماً مثله عبد رحمان ولا شعرت من قبله بتشوق ... تخلل منها بين روح وجثمان أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فاسأل به أية درج، بعد لأن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأنى بالصبر على إبر الدبر، لا. بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم والشهر، تحت حكم القهر، ومن للعين إن تسلو سلو المبصر، عن إنسانها المبصر، أو نذهل ذهول الزاهد، عن سرها الرائي والمشاهد، وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه وإن نزحت، وإذا كان الفراق، هو الحمام الأول، فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق، عمل الراق، وكادت لوعة الاشتياق، إن تفضي إلى السياق. تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أمر الصبر عصيانا أقرع سني ندماً تارة ... واستميح الدمع أحيانا

стр. 75

وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، اسأل نون النؤى عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين، وأحار وبين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله بسال عن جفوني المؤرقة، ونائم عن همومي المتجمعة والمتفرقة. ظعن عن ملال، لا متبرماً منا بشر خلال، وكدر الوصل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وفائه. أقل اشتياقاً أيها القلب إنما ... رأيتك تصفي الود من ليس جازيا فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأندب في ربع الفراق آسى له، وأشكو إليه حال قلب صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعديه على ظلم ابتدعه. خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لنشرت ألوية العتب، وبثثت كتائبها، كمناء في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحاً خزر الأسنة وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة وتقود من مجموع الطرس والنقس بلقاً تردي في الأعنة، ولكنه آوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة الغوار عن الشمال واليمين، حرم الحلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير
следующие страницы →