← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37031

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

عبد اللطيف البغدادي

Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.

стр. 36

بألواحٍ من خشب ثمينة محكمة، وأخرج منها أفاريز كالرواشن نحو ذراعين، وبني فوق هذا السطح بيت من خشب وعقد عليه قبة وفتح له طاقات ورواذن بأبواب إلى البحر من سائر جهاته، ثم تعمل في هذا البيت خزانة مفردة ومرحاض، ثم يزوق بأصناف الأصباغ ويدهن بأحسن دهان. وهذا يُتّخذ للملوك والرؤساء بحيث يكون الرئيس جالسا في وسادته وخواصّه حوله والغلمان، والمماليك قيام بالمناطق والسيوف على تلك الرواشن وأطعمتهم وحوائجهم في قعر المركب، والملاحون تحت السطح أيضا وفي باقي المركب يقذفون به لا يعلمون شيئا من أحوال الركّاب، ولا الركّاب تشتغل خواطرُهم بهم، كل فريق بمعزِلٍ عن الآخر ومشغولٌ بما هو بصدده، وإذا أراد الرئيس الاختلاء بنفسه عن أصحابه دخل المخدع، وإذا أراد قضاء حاجته دخل المرحاض، والملاحون بمصر يقذفون إلى ورائهم فهم في قذفهم يشبهون الحبالين في مشيهم القهقرى ويشبهون في تحريكهم السفن من يجذب ثقلا بين يديه ويمشي به إلى خلفه، وأما ملاحو العراق فهم بمنزلة من يدفع الثقل أمامه ويدسر به فسفنهم تتوجه حيث الملاح متجه، وأما سفن مصر فهي تتحرك إلى ضد الجهة التي إليها الملاح متوجِّه، وأما أي الحالتين أسهل والبرهان عليها فموضعه العلم الطبيعي وعلم تحريك الأثقال. الفصل السادس في غرائب أطعمتها فمن ذلك النيدة وهي بمنزلة الخبيص حمراء إلى السواد وهي حلوة لا في الغاية وتتخذ من القمح بأن ينبت ثم يطبخ حتى يخرج نشاه وقوته في الماء، ثم يصفّى ويُطبخ ذلك الماء حتى يغلظ، ثم يُذرُّ عليه الدقيق ويُعقد ويرفع فيباع بسعر الخبز وهذه تسمى نيدة البوش، وقد يُطبخ ذلك الماء وحده حتى ينعقد من غير دقيق وتسمى النيدة المعقودة وهي أغلى من الأولى وأعلى. ويختصون أيضا باستخراج دهن بزر الفجل والسلجم والخسّ، ويستصبحون به ويعملون منه الصابون، وصابونهم رطب أحمر وأصفر وأخضر وبه شبهت الصابونية وإليه نسبت.

стр. 37

وأما أطبختهم فالحوامض منها والسواذج هي المعهودة أو قريبة من المعهودة، وأما المُحلّيات فغريبة وذلك أنهم يتخذون الدجاج بأصناف من الحلويات، وسبيل ذلك أن تسلق الدجاج ثم ترمى في الجلاب ويلقى عليه بندق مدقوق أو فستق أو خشخاش أو بزر رجلة أو ورد ويطبخ حتى ينعقد ثم يتبل ويرفع، وتسمى هذه الأطبخة بالفستقية والبندقية والخشخشية والوردية وست المنوية للتي تعقد ببزر الرجلة لسوادها ويتفنّنون في ذلك تفنناً يحتاج إلى شرح أكثر من هذا. أما الحلويات المتخذة من السكر، فأصناف كثيرة، يؤدي استقصاؤها إلى الخروج عن الغرض ويحوج إلى وضع كتاب مُفرد، وقد يُتخذ منها ما يصلح لمداواة الأمراض ولأرباب الحمية من المرضى والناقهين إذا تاقت أنفسهم إلى الحلوى، فمن ذلك خبيص اليقطين وخبيص الجزر والوردية المتّخذة بالورد والزنجبيلية المتخذة بالزنجبيل، وكأقراص العود وأقراص الليمون والأقراص المُمسّكة وغير ذلك، وكثيراً ما يستعملون الفستق في أطبختهم وحلوائهم عِوَض اللوز وهو الفستق، وهي لذيذة جدا مسمِّنة وموادها لحم دجاج مسلوق منسر جزء، وجلاب جزءان ومثل ثمن الجميع أو تسعة فستق مقشور مهروس، وكيفية عمله أن يمسح اللحم المنسر بالسيرج ويجعل بالدست بحيث يشم النار ويسكب عليه الجلاب ويُضرب حتى ينعقد ثم يُلقى على الفستق ويضرب حتى يختلط ثم يرفع. ومن غريب ما يتّخذونه رغيف الصينية وصفته أن يُؤخذ من الدقيق الحواري ثلاثون رطلا بالبغدادي، ويعجن مع خمسة أرطال ونصف سيرجا عجين خبز الخشكنان ثم يقسم بقسمين ويبسط أحدهما رغيفا في صينية نحاس قد اتخذت لذلك سعة قطرها نحو أربعة أشبار ولها عُرى وثيقة، ثم يعبى على الرغيف ثلاثة أخرفة مشوية محشوة الأجواف بلحم مدقوق ومقلوٍّ بالسيرج والفستق المهروس والأفاويهِ العطرة الحارة بالفلفل والزنجبيل والقرفة والمصطكى والكزبرة والكمُّون والهال الجوزة ونحو ذلك، ويُرشُّ عليه ماء وردٍ قد أذيب فيه مِسك، ثم يجعل على الخرفان وبين خلالها عشرون دجاجة وعشرون فرّوجا وعشرون فرخاً بعضه مشوي محشوٌّ بالبيض وبعضه محشوٌّ باللحم وبعضه مطجّن بماء

стр. 38

الحصرم أو بماء الليمون أو بنحو ذلك، ثمّ يشور بالسنبوسك والقماقم المحشوَّة باللّحم بعضها وبالسكر والحلوى بعضها، وإن شئت أن تزيده خروفا آخر تتخذه شرائح فلا بأس وكذا جُنبا مقلوّا، فإذا نضد ذلك وصار كالفتة تضع عليه ماء ورد قد أُذيب فيه مسك وعود، ثم غُطِّي بالقسم الثاني من العجين بعد أن يمدّ رغيفا ويُلحم بين الرغيفين كما يُلحم الخشكنان بحيث لا يخرج منه نفس أصلا، ثم يقرب إلى رأس التنور حتى يتماسك عجينه ويبتدئ في النضج فحينئذ ترسل الصينية في التنور بِعُراها رويدا رويدا، ويُصبر عليه ريثما ينضج الخبز ويتورد ويحمر ثم يُخرج ويُمسح بإسفنجة، فيرشّ عليه ماء ورد ومسك ويرفع للأكل، وهذا الصنيع يصلح أن يحمل مع الملوك وأرباب الترف إلى منضدياتهم النائية ومتنزَّهاتهم النازحة، فإنه وحده جملة فيها تفصيل سهل المحمل عسر التشعث، جميل المنظر مشكور المخبر يحفظ الحرارة مدة طويلة. وأما عوامّهم فقلّما يعرفون شيئا من ذلك، وأكثر أغذيتهم الصبر والصحناة والدلينس والخبز والنيدة ونحو ذلك، وشرابهم البوظة وهو نبيذ يتخذ من القمح، ومنهم أصناف يأكلون الفأر المتولد في الصحارى والغيطان عند انحطاط النيل ويسمونه سماني الغيط، وبالصعيد قومٌ يأكلون الثعابين والميتان من الحمير والدوابّ، وبأسافل الأرض قد يُتخذ نبيذ من البطيخ الأخضر، وبدمياط يكثر أكل السمك ويُطبخ بكلِّ ما يطبخ به اللحم من الرز والسماق والمدققات وغير ذلك. آخر المقالة الأولى والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين.

стр. 39

المقالة الثانية الفصل الأول في النيل وكيفية زيادته ونقصانه وقوانين ذلك اعلم أن نيل مصر يمد وقت نضوب مياه الأرض وذلك في شمس السرطان والأسد السنبلة، فيعلو على الأرض ويقيم أياما فإذا نزل عنها حُرثت وزُرعت، ثم يكثر الندى في الليل جدا وبه يتغذّى الزرع إلى أن يُحصد، ونهاية ما تدعو إليه الحاجة من الزيادة ثماني عشرة ذراعا فإن زاد على ذلك، فإنه يروي أمكنة مستعلية وكأنه نافلة، وعلى جهة التبرع ونهاية ما يزيد على جهة الندرة أصابع من عشرين ذراعا وعند ذلك تَستبحر أمكنة يدوم مكثُ الماء عليها، فتفوت زراعتها ويبور من البلاد مما عادته أن يُزرع نحو مما روى مما عاداته أن يشرق، ولنسم الثماني عشرة نهاية الضروري ولنسم العشرين نهاية الإفراط وكل نهاية بين هاتين فلهما ابتداء يقابلها، فابتداء الضروري ست عشرة ذراعا ويسمى ماء السرطان، إذ عنده يستحق الخَراج ويدوي به نحو نصف البلاد ويغل من القوت بمقدار ما يحان أهل البلاد سننهم جمعا مع توسع ويروي سائر البلاد المعتادة بالري بما زاد على ست عشرة ذراعا إلى ثماني عشرة، وهذا يقل بمقدار ما يمير أهل البلاد سنتين فصاعدا، وأما ما نقص عن ست عشرة ذراعا فيروي به ما هو دون الكفاية ولا تحصل منه ميرة سنتهم، ويكون تعذّر القوت بمقدار نقصانه عن ست عشرة ذراعا. وحينئذ يقال أن البلاد قد شرقت، واشتقاقها من قولهم شرقتِ الشمسُ إذا لمعت وظهرت، وشرَّقت اللحم إذا نشرته ليجف، ومنه قيل أيام التشريق لأنّ لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تُبسط، ومنه أيضا قولهم شرق بالماء وبالشراب لأن الماء عند الاغتصاص وانسداد الحلق يظهر ويبرز ولا يلِج، ولمّا كانت الأرض في السنة التي يُوفي نيلها بارزة لا يسترها الماء ولا يخفيها الغمر قيل شرقت ولم تتغط ولم ينلها النيل ويجوز أن يكون التشريق ريحا شرقية، لأنّ الريح الشرقية والقبلية وهي الجنوب هما عندهم دليل نقص الماء وسببه والغربية البحرية وهي الشمال هما عندهم دليل

стр. 40

الزيادة وسببها، فيكون معنى قولهم شرقت البلاد أي كثر هبوب الرياح الشرقية حتى نسفت الماء وأظهرت الأرض، ثم سميت الأرض شرقية باسم الريح وجمعت على شراقي مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي، وأما النيل فهو فعل من نال نيلا ومن نال ينول نولا، يقال نولته تنويلا ونلته نولا إذا أعطيته، والنيل اسم ما يُنال مثل الرعي للمصدر والرعي لما يُرعى وليس هذا من غرضنا ولكنه أمر عنّ فقلنا فيه. فمتى نقص عن الست عشرة ذراعاً فهو ابتداء التفريط المقابل للإفراط، وكنا قد سُقنا في الكتاب الكبير سني الإفراط والتفريط منذ الهجرة إلى سنَتِنا هذه، وأما هنا فإنّما قص ما شاهدناه على ما شرطنا. واتفق أن زيادة النيل بلغت سنة ست وتسعين وخمسمائة اثنتي عشرة ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا، وهذا المقدار نادر جدا، فأنه لم يبلغنا منذ الهجرة إلى الآن، أنّ النيل وقف على هذا الحد قطّ إلّا في سنة ست وخمسين وثلثمائة، فإنّه وقف على دون هذا المقدار بأربع أصابع، وأما وقوفه على ثلاث عشرة ذراعاً وأصابع، فإنه وقع نحو ست مرات في هذه المدة الطويلة، وأما أربع عشرة ذراعا وأصابع، فأنه وقع نحو عشرين مرة، وأما خمس عشرة ذراعا فأكثر من ذلك كثيرا ونحن نسوق أحوال زيادته في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وخمسمائة، ثم نتبع ذلك بما حصل عندنا من علل ذلك وقوانينه، فنقول أن العادة جارية أن تبتدئ الزيادة من أبيب وتعظم في مسرى وتتناهى في توت أو بابه ثمّ تنحطّ، فدخل أبيب في هذه السنة وابتدأ النيل يتحرك بالزيادة وكان قبل ذلك بنحو شهرين قد بدت في مائه خضرة سلقية، ثم كثرت وظهرت في رائحته ذفرة كريهة وعفونة طحلبية كأنه عصارة السِّلق إذا بقي أياما حتى يعفن، وجعلت منه وعاء ضيِّق الرأس فعلاه سحابةٌ خضراء فرفعتها برفق وتركتها تجف إذا بها طحلب لا شك فيه، ويبقى الماء بعد رفع هذه السحابة غير صاف لا خضرة فيه إلّا أن طعمه وريحه باقيان، وتجد فيه أيضا أجساما صغارا نباتية مبثوثة كالهباء ولا ترسب وصار أرباب الحِمية يتجنبون شربه وإنما يشربون ماء الآبار، وأغليته بالنار ظنّا مني أنه يصلُح بذلك كما وصّى الأطباء أن يُفعل بالمياه المتغيّرة فزاد طمعه وريحه كراهة وسهكا فوجِدت عليه، ذلك أنّ الأجزاء النباتية التي هي مبثوثة فيه

стр. 41

يلطّف الطبخ جوهرها فيختلط بالماء اختلاطا أشدّ عن الأول فيظهر التغير في ريحه وطعمه أكثر، ويصير ذلك بمنزلة الماء إذا طُبخ فيه سِلق أو فجل أو نحوه، فإن النار تمزج بين الماء ولطيف النبات، وأما الماء الذي يصلح بالطبخ وإياهُ قصد الأطباء، فهو الذي تغيره بمخالطته أجزاء أرضية، فإنها تنفصل عنه بالطبخ لأن الماء حينئذ يلطف فترسب فيه. ثم أنه دامت خضرته أياما من رجب وشعبان ورمضان، واضمحلّت في شوال، وكان يصحب الخضرة دودٌ وحيوانات، وهذا التغير في الماء يكون بالصعيد أكثر لأنه أقرب إلى المبدأ والمعدن، وانتهت زيادته في الحادي عشر من توت إلى اثنتي عشرة ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا ثم أنحط، وورد في شوال رسول ملك الحبشة ومعه كتاب يتضمّن موت مَطرانهم ويلتمس عوضه، وذكر فيه أنّ مطرهم في هذه السنة ضعيفٌ وأن النيل قليل المد لذلك. وكنا اقتصصنا في ذلك الكتاب حال النيل في هذه السنة وفي السنين الخوالي، رجاء أن نعثر على نسب بينها، وأعراضٍ لها نقف منها على المتجددات من أحوال النيل في سِني النقصان، فيمكننا تقدمة المعرفة وأخذ الأُهبة والإنذار بالحوادث المتوقَّعة، فإن أقباط الصعيد يزعُمون أنهم يتكهنون على مقدار الزيادة في السنة من طين معلوم الوزن ينجّمونه في ليلة معروفة ويزنونه غدوة فيجدونه قد زاد فيحكمون من مقدار زيادته على مقدار زيادة النيل، وقوم يتكهنون من حمل النحل، وقوم من تعسيل النحل. فرأيت في الغالب من حال القاع إذا كان أقلّ مِن المعتاد كانت الزيادة في تلك السنة أقل من المعتاد هذا حكمه الأكثري، فإن أتت الخضرة في أول زيادته وقبيلها، قوِيَ الظنُّ بضعف جريته، فإن طالت أيام الخضرة وضعف مقدار الزيادة قوي الظن جدا بقلَّته، فإن دامت الخضرة في أبيب أذِن بقلّة المدِّ وعلّةُ هذا ظاهرة، أمّا كون قلة القاع دليلا على قلة الزيادة، فلأنّ المطر الذي هو على الزيادة ينبغي أن يكون فيه من الكثرة ما يرد القاع إلى الحالة المعتادة يزيد عليها الزيادة المعتادة وهذه كثرة لا تفي بها أمطار كل سنة ولا توجد كل وقت، مثاله أنّ القاع إذا كان ذراعا مثلا فينبغي أن تكون الزيادة إلى عشر

стр. 42

أذرع وكون هذا أيسر من الأول، وأيضا، فأن جرية النيل الأصلية مادّتها عيون، وأما زيادته فمادتها أمطار، ونقصان العيون دليل على احتراق السنة ويبس الهواء وقلة البخار فيقل المطر لذلك، وأيضا فإنّ المدّ الزائد على القاع أكثره في الغالب ثلاث عشرة ذراعا فإذا، كأن القاع ذراعا أو ذراعين ثم زاد عليه أكثر المد وهو ثلاث عشرة ذراعا، لم يلحق ماء السرطان. وأما كون الخضرة دليلا على قلة الزيادة، فلأن النيل الماضي يغادر نقائع وغدرانا بعضها ينضب وبعضها يطحلب ويعطن ويأسن، فإذا مرت بها أمطار ضعيفة اختلطت بها وصبّتها إلى النيل، ولم يكن فيها من الكثرة ما يغلب على النقائع فيصلحها، بل النقائع تغلب على الأمطار المتّصلة بها فتحيلها إلى الفساد وينحط منها مقدار بعد مقدار ويتواصل إلينا، وكلما كانت الأمطار أضعف وأقل، كانت أيام جري الخضرة أطول فإذا كانت أمطار قوية، غسلت تلك المستنقعات وغلبت عليها وحورتها بسرعة، مغمورة بطين تجرفه بقوّتها فيخفي منظرها، ويتعفى أثرها، وأيضا فإن الأنهار الخارجة من جبل القمر تجتمع بأخرى إلى بركة عظيمة ذات مساحة فسيحة ومن هذه البركة يخرج هذا النيل، ولا شك في أن هذه البركة ملؤها دائم فيطحلب ولا سيّما شطوطها وضحاضحها، فإذا وقع الوسمي وجرى إليها سيوله، أثارت ما في قعرها وحركت ما كان ساكنا فيها وانكسح أيضا ما في الشطوط إلى الأوساط وانسحبت إلى حمل الجرية فاستصحبته، وأما كون الخضرة في أبيب دليل النقصان فلأن أبيب مظنة الزيادة وغلبة الماء على هذه الأوشاب، فإذا بقي على خضرته إبّان زيادته أذِن بقلَّته، وهذه الأجزاء النباتية التي تصحب الماء إنما هي حطام النبات المتكوِّن في الماء وحوله كالبردي والديس والسمار المطحلب وغير ذلك، فتعفّن فيه وتصفّر أجزاؤه وتنبعث معه، ومما يوجب انبعاثها أيضا نقصان الماء من تلك البركة فإن ماءها إذا قلّ اتصلت الجرية بقعرها فانسحب كدَرُها وراسِبها، وإذا كانت غمرا كانت الجرية من أعلاها وصفوها فاعرف ذلك، ولهذا لا تأتي هذه الخضرة إلّا في السنة التي يحترق فيها النيل وكلما كان احتراقه أشد، كان ظهور الخضرة أكثر، وفي السنة التي كون نيلها غمرا لا يحترق لا ترى الخضرة، لأن كثرته لكثرة مبدية وارتفاع جريه عن مقر كدورته، فإذا اجتمعت هذه الدلائل كلها أو جلّها في سنة، فظنّ ظنا قوياً بأنّ الزيادة قليلة فيها فهذه

стр. 43

فائدة هذا الاقتصاص، وفيه فوائد أُخر منها أنّ من يأتي بعد إذا أضافه إلى ما يشاهده، يوشك أن يعثر منه على مناسبة أو دلالة أخرى على مقدار الزيادة والنقصان في كل سنة، ومنها أن أصحاب الأحكام النجومية إذا تأمّلوا المُدد التي بين النقصانات والزيادات، واعتبروا أحوال الكواكب والاقترانات فيها وطوالع مصر وبلاد السودان وأرباب الولايات فيها من الكواكب ومزجوا ذلك، أمكن أن تقوم لهم مما يتكرر صورة تجريبية في مقدار الزيادة والنقصان، فإني إلى الآن لم أر لمنجِّمي مصر بذلك عناية، ولم أجد عندهم ما تسكن إليه النفس سوى كسر ولا ينبني على أصل. فإنه بهذا الطريق استخرج معظم أحكام النجوم، وذلك أنّهم شاهدوا حوادث أرضية تقترن بنصبات فلكية وحركات علوية ورصدوا ذلك فألفوه يتكرر، فنسبوا تلك الحوادث إلى تلك الهيئات والنصبات فصاروا متى عثروا في تسييرهم لحركات الأشخاص العلوية على مثل تلك النصبة والهيئة حكموا بوقوع مثل تلك الحادثة، ويُروى عن أهل التجربة من قدماء الأقباط أنه إذا كان الماء في اثني عشر يوما مِن مسرى اثنتي عشرة إصبعا من اثنتي عشرة ذراعا فهي سنة ماء وإلّا فالماء ناقص، ورأيتُ بعض من شرحَ الثمرة لبطليموس، ذكر في تفسير الكلمة الأخيرة التي يقول في أولها: النيازك تدلّ على جفاف الأبخرة فإذا كان في جهة واحدة دلّت على رياحٍ تعرض في تلك الجهة، وإذا كانت شائعة في الجهات كلّها، دلت على نقصان المياه واضطراب الهواء وعلى جيوش تختلف، فقال هذا المفسر: إنِّي لأذكر في سنة تسعين ومائتين أنّ الشهب بمصر انتثرت وعمّت الجوَّ بأسره، فارتاع الناس ولم تزل تكثر فلم يمضِ لذلك جزءٌ من السنة يسير، حتى ظمئ الناس وبلغ نِيل مصر ثلاث عشرة ذراعا واضطربَ الناس اضطراباً، زالت به دولة الطولوني من مصر وانتشرت في سنة ثلثمائة من سائر جهات الجو فنقص النيل أيضا ووقعت همرجات واضطرابٌ في المملكة، وهذه لعمري دلائل قوية ولكنّها عامة لجميع الأقاليم وليست خاصة بمصر فقط، على أنه أيضا قد وقع هذا الحادث بعينه في سنتنا هذه من تناثُرِ الكواكب في أوَّلها ونشيش الماء في آخرها وتغير مَلِكٌ لمصر فيها بعمِّه الملك العادل بعد حرب كانت بينهما.

стр. 44

الفصل الثاني في حوادث سنة خمس وتسعين وخمسمائة ودخلت سنة سبع مفترسة أسباب الحياة، وقد يئس الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وأشعر أهلها البلاء وهرجوا من خوف الجوع وانضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا في البلاد ومُزِّقوا كل مُمزَّق، ودخل إلى القاهرة ومصر منهم خلق عظيم، واشتدَّ بهم الجوع ووقع فيهم الموت، وعند نزول الشمس الحمل وبئَ الهواء ووقع المرض والموتان، واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجِيَف والكلاب والبعر والأرواث، ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم فكثيرا ما يُعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون، فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل. ورأيت صغيراً مشويا في قفة، وقد أُحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وامرأة يزعُم الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما. ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد جُرِّدت عظامه عن اللحم، فأُكل وبقي قفصا كما يفعل الطباخون بالغنم، ومثل هذا أعوز جالينوس مشاهدته ولذلك تطلبه بكل حيلة، وكذلك كلّ من آثر الإطلاع على علم التشريح، وحينما نشم الفقراء في آكل بني آدم كأن الناس يتناقلون أخبارهم ويفيضون في ذلك استفظاعا لأمره وتعجّبا من ندوره، ثم اشتد قربهم إليه واعتيادهم عليه بحيث اتّخذوه معيشةً ومطيّة ومدَّخرا وتفنَّنوا فيه، وفشا عنهم ووُجِد بكلِّ مكان من ديار مصر، فسقط حينئذ التعجب والاستبشاع واستهجن الكلام فيه والسماع له. ولقد رأيت امرأةً يسحبها الرّعاعُ في السوق وقد ظفر معها بصغير مشويٍّ تأكل منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره، فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلّا لكثرة تكرُّرِه على إحساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحقُّ أن يُتعجب منه. ورأيتُ قبل ذلك بيومين صبيا نحو الرهاق مشوياً وقد أخذ به شابان أقرَّا بقتله وشيِّه وأكلِ بعضه.

стр. 45

وفي بعض الليالي بعد صلاة المغرب كان مع جارية فطيمٌ تلاعبه لبعض المياسير فبينما هو إلى جانبها، اهتبلت غفلتها عنه صعلوكةٌ فبقرت بطنه، وجعلت تأكل منه نيّا، وحكى لي عدة نساء أنه يُتوثَّب عليهنَّ لاقتناص أولادهن ويحامين عنهم بجهدهن. ورأيت مع امرأةٍ فطيماً لحيماً فاستحسنتُه وأوصيتها بحفظه، فحكت لي أنها بينا تمشي على الخليج أنقضَّ عليها رجلٌ جافٍ ينازعها ولدها، فترامت على الولد نحو الأرض حتى أدركها فارسٌ وطرده عنها، وزعمت أنه كان يهمُّ بكلِّ عضوٍ يظهر منه أن يأكله وأنَّ الولد بقيَ مدةً مريضا لشدة تجاذبه بين المرأة والمفترس، وتجدُ أطفال الفقراء وصبيانهم ممَّن لم يبقَ له كفيل ولا حارسٌ منبثِّين في جميع أقطار البلاد وأزقَّةِ الدروب كالجراد المنتشر، ورجالُ الفقراء ونساؤهم يتصيَّدون هؤلاء الصغار ويتغذون بهم وإنّما يعثر عليهم في الندرة وإذا لم يحسنوا التحفذُظ. وأكثر ما كان يطلع من ذلك مع النساء وما أظن العلَّة فيه إلّا أنَّ النساء أقلّ حيلة من الرجال وأضف عن التباعد والاستتار، ولقد أُحرق بمصر خاصة في أيام يسيرة ثلاثون امرأةً كلّ منهنّ تُقرُّ أنها أكلت جماعة، فرأيت امرأةً قد أُحضرت إلى الوالي وفي عنقها طفل شوي، فضربت أكثر من مائتي سوط على أن تقر فلا تُحيرُ جوابا، بل تجدها قد انخلعت عن الطباع البشرية ثم سحبت فماتت. وإذا أحرق آكل أصبح وقد صار مأكولا لأنه يعود شواء ويستغني عن طبخه، ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضا حتى فني أكثرهم، ودخل في ذلك جماعة من المياسير والمساتير منهم من يفعله حاجة ومنهم من يفعله إستطابة، وحكى لنا رجل أنه كان له صديق أدقع في هذه النازلة فدعاه صديقه هذا إلى منزله ليأكل عنده على ما جرت به عادتهما قبل، فلما دخل منزله وجد عنده جماعة عليهم رثاثة الفقر وبين أيديهم طبيخٌ كبير اللحم وليس معه خبز، فرابه ذلك وطلب المرحاض فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدمي وباللّّحم الطري فارتاع وخرج فارّاً. وظهر من هؤلاء الخُبثاء من يصيد الناس بأصناف الحبائل ويجتلبونهم إلى مكانهم بأنواع المخاتل، وقد جرى ذلك لثلاثة من الأطبّاء ممّن ينتابني، أما أحدهم فإنّ أباهُ خرج فلم يرجع، وأما الآخر فإنّ امرأةً أعطته درهمين على أن يصحبها إلى مريضِها، فلما توغّلت به

стр. 46

مضايقَ الطرق استرابَ وامتنعَ عنها وشنّع عليها فتركت درهميها، وأما الثالث فإنّ رجلاً استصحبه إلى مريضه في الشارع بزعمه، وجعل في أثناء الطريق يصدف بالكسر ويقول اليوم يُغتنم الثوابُ ويتضاعفُ الأجرُ ولمثل هذا فليعمل العاملون، ثم كثر حتّى ارتاب منه الطبيب ومع ذلك فحسن الظن بقلبه وقوة الطمع تجذبه، حتى أدخله داراً خرِبة فزاد استشعاره وتوقّف في الدرج وسبق الرجل فاستفتح، فخرج اليه رفيقه يقول له: هل مع إبطائك حصل صيد ينفع، فخرج الطبيب لما سمع ذلك، وألقى نفسه إلى إصطبل من طاقة صادفها السعادة فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله عن قضيته فأخفاها عنه خوفا منه أيضا، فقال: قد علمت حالك فإنّ أهل هذا المنزل يذبحون الناس بالحيل. ووجد بأطفيح عند عطار، عدة خوابي مملوءة بلحم الآدميّ وعليه الماء والملح فسألوه عن علة اتخاذه والاستكثار منه، فقال: خِفت إذا دام الجدب أن يهزل الناس وكان جماعاتٌ من الفقراء قد آووا إلى الجيزة وتستّروا ببيوت طين، يتصيّدون فيها الناس وفطن لهم وطلب قتلهم فهربوا، ووَجد في بيوتهم من عظام بني آدم شيء كثير، وخبرني الثقة الذي وجد في بيوتهم أربعمائة جمجمة. ومما شاع وسُمع من لفظ الوالي أن امرأة أتته سافرةً مذعورةً تذكر أنها قابِلة، وأنّ قوماً استدعوها وقدّموا لها صحنا فيه سكباج مُحكم الصّنعة مكمَّل التوابل فألْفَته كثير اللحم، مبايناً اللّحمَ المعهود، فتقززت منه ثم وجدت خلوة ببنت صغيرة فسألتها عن اللحم، فقالت أنها فلانةً السمينة دخلت لتزورنا فذبحها أبي وها هي معلقة إرباً، فقامت القابلة إلى الخزانة فوجدتها أنابير لحمٍ فلمّا قصّت على الوالي القصة أرسل معها من هجَم الدار وأخذ من فيها وهرب صاحب المنزل ثم صانع عن نفسه في خُفية بثلثمائة دينار ليحقن بذلك دمه. ومن غريب ما حدث من ذلك، أن امرأةً ذات مالٍ ويسار كانت حاملا وزوجها غائب في الخدمة وكان يجاورها صعاليك، فشَّمت عندهم رائحة طبخ فطلبت منه كما هي عادة الحبالى فالفته لذيذا فاستزادتهم، فزعموا أنه نفذ فسألتهم عن كيفية عمله فأسروا إليها أنه لحم بني آدم فواطأتهم على أن يتصيَّدوا لها الصغار وتُجزلُ لهم العطاء فلما تكرَّر ذلك منها فضرِيَت وغلَبت عليها الطِّباع السبعية، وشى بها جواريها خوفاً منها،

стр. 47

فهجم عليها فوجد عندها من اللّحم والعظام ما يشهد بصحة ذلك فحُبست مقيَّدة وأرجئ قتلها احتراما لزوجها وإبقاءً على الولد في جوفها. ولو أخذنا نقصُّ كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر، وجميع ما حكيناه مما شاهدناه لم نتقصَّده ولا تتبعنا مظانَّه وإنّما هو شيء صادفناه اتّفاقا بل كثيرا ما كنت أفرُّ من رؤيته لبشاعة منظره. وأما من يتحين ذلك بدار الوالي فإنه يجد منه أصنافا تحضر مع آناء الليل والنهار، وقد يوجد في قدرٍ واحدة اثنان وثلاثة وأكثر، ووجد بعض الأيام قِدر فيها عشر أيد كما تُطبخ أكارعُ الغنم، ووجد مرة أخرى قِدر كبيرة وفيها رأسٌ كبيرٌ وبعض الأطراف مطبوخا بقمحٍ وأصنافٍ من هذا الجنس تفوت الإحصاء. وكان عند جامع ابن طولون قوم يتخطَّفونَ الناس، ووقع في حبالتهم شيخ كتبي بَدينٌ ممّن يتبيّعنا الكتب فأفلت بجريمة الذقن، وكذلك بعض قُوَّام جامع مصر وقع في حبالة قوم آخرين بالقرافة فتداركه الناس فخلص من الوهق وله حصاص وأما من خرج من أهله فلم يرجع إليهم فخلقٌ كثير وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على امرأةٍ تجرية وبين يديها ميت قد أنتفخ وتفجر وهي تأكل من أفخاده فأنكر عليها فزعمت أنه زوجها، وكثير ما يدّعي الآكل أن المأكول ولده أو زوجه أو نحو ذلك، ورُئي مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت إنّما هو ولد ابنتي وليس بأجنبي منّي ولإن آكله خير من أن يأكله غيري. وأشباه هذا كثير جداً حتى أنك لا تجد أحدا في ديار مصر إلّا وقد رأى شيئا من ذلك، حتى أرباب الزوايا والنساء في خدورهن. ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وهذه البلية التي شرحناها وجدت في جميع بلاد مصر ليس فيها بلد إلّا وقد أكل فيه الناس أكلا ذريعا من أسوان وقوص واليوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحي، وخبرني بعض أصحابي وهو تاجر مأمون حين ورد من الإسكندرية بكثرة ما عاين بها من ذلك، وأعجب ما حكى لي أنه عاين أرؤس خمسة صغارٍ مطبوخة في قدر واحدة بالتوابل الجيدة،

стр. 48

وهذا المقدار من هذا الاقتصاص كافٍ فإني وإن كنت قد أسهبت أعتقد أني قد قصّرت. وأما القتل والفتك في النواحي فكثيرٌ فاشٍ في كلِّ فجٍّ ولا سيّما طريق الفيوم والإسكندرية، وقد كان بطريق الفيّوم ناس في مراكب يرخِّصون الأجرة على الركاب فإذا توسَّطوا بهم الطرق ذبحوهم وتساهموا أسلابهم، وظفر الوالي منهم بجماعة فمثَّل بهم، وأقرَّ بعضهم عندما أُوجع ضربًا أنّ الذي خصّه دون رفقائه ستة آلاف دينار. وأما موت الفقراء هزلاً وجوعاً، فأمرٌ لا يطيق عمله إلّا الله وإنّما نذكر منه كالأنموذج يستدلُّ به اللبيبُ على فظاعة الأمر. فالذي شاهدناه بمصر والقاهرة وما تاخم ذلك أن الماشي أين كان لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميتٍ ومن هو في السياق أو على جمعٍ كثير بهذا الحال، وكان يرفع عن القاهرة خاصة إلى الميضأة كل يوم ما بين مائة إلى خمسمائة، وأما مصر فليس لموتاها عدد ويُرمَونَ ولا يوارون، ثم بآخرة عجز عن رميهم فبقوا في الأسواق بين البيوت والدكاكين وفيها الميت منهم قد تقطع وإلى جانبه الشوّاء والخبّاز ونحوه. وأما الضواحي والقُرى، فإنه هلك أهلها قاطبةً إلّا ما شاء الله، وبعضهم انجلى عنها اللهمَّ إلّا الأمهات والقرى الكبار كقوص والاشمونين والمحلّة ونحو ذلك، ومع هذا أيضا فلم يبق فيها إلّا محلة القسم وإنّ المسافر ليمر بالبلدة فلا يجد فيها نافخُ ضرمة ويجد البيوت مفتَّحة وأهلها موتى متقابلين، بعضهم قد رَمّ وبعضهم طري وربما وجد في البيت أثاثه وليس له من يأخذه. حدثني بذلك غير واحد كل منهم حكى ما يعضدُ به قول الآخر، قال أحدهم: دخلنا مدينة فلم نجد فيها حيواناً في الأرض ولا طائراً في السماء فتخللنا البيوت، فألفينا أهلها كما قال الله : [جعلناهم حصيدا خامدين] فتجد ساكني كل دار موتى فيها الرجل وزوجته وأولاده، قال: ثم انتقلنا إلى بلدٍ آخر ذكر لنا أنه كان فيه أربعمائة دكّان للحياكة فوجدناها كالتي قبلها في الخراب، وأنَّ الحائك ميتٌ وأهله موتى حوله،

стр. 49

فحضرني قوله تعالى: [إن كانت إلّا صيحة واحدة فإذا هم خامدون] قال: ثم انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه كالذي قبله ليس به أنيسٌ وهو مشجونٌ بموت أهله، قال: واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزراعة فاستأجرنا من ينقلُ الموتى مما حولنا إلى النيل كلّ عشرةٍ بدرهم، قال: ولكن قد بدلت البلاد بالذئاب والضباع ترفع لحوم أهلها. ومن عجيب ما شاهدتُ أني كنتُ يوما مشرفاً على النيل مع جماعة فاجتاز علينا في نحو ساعة نحو عشرة موتى كأنّهم القرب المنفوخة هذا من غير أن نتصدى لرؤيتهم ولا أحطنا بعرض البحر، وفي غد ذلك اليوم ركبنا سفينة فرأينا أشلاء الموتى في الخليج وسائر الشطوط كما شبَّهها ابن حجر بأنابيش العنصل وخبرت عن عيّاد بفرضة تنيس أنه مرَّ به في بعض نهار أربعمائة غريق يقذف بهم النيل إلى البحر الملح، وأما طريق الشام فقد تواترت الأخبار أنّها صارت مزرعة لبني آدم بل محصرة، وأنه عادت مأدبة بلحومهم للطير والسّباع وأنّ طلابهم التي صحبتهم من منجلاهم هي التي تأكل فيهم. وأول من هلك في هذه الطريق أهل الحِرَف عندما انتجعوا إلى الشام وانتشروا في هذه المسافة مع طولها كالجراد المحسوس، ولم تزل تتواصل هلكاهم إلى الآن وانتهى انتجاعهم إلى الموصل وبغداد وخراسان وإلى بلاد الروم والمغرب واليمن ومُزِّقوا كلّ مُمزَّق. وكثيراً ما كانت المرأة تملُص من صبيتِها في الزحام فيتضوَّرون حتى يموتوا. وأما بيع الأحرار فشاع وذاع عند من لا يراقب الله، حتى تُباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة، وعُرض عليَّ جاريتان مراهقتان بدينار واحد، ورأيتُ مرة أخرى جاريتين إحداهما بكر ينادَى عليها بأحد عشر درهما. وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ، بخمسة دراهم فعرَّفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية، وكثيرا ما يترامى النساء والوِلدان الذين فيهم صباحة على الناس بأن يشتروهم أو يبيعوهم، وقد استحل ذلك خلقٌ عظيم ووصل سبيهم إلى العراق وأعماق خراسان وغير ذلك.

стр. 50

وأعجب من جميع ما اقتصصناهُ أنّ الناسَ مع ترادفِ هذه الآيات عاكفون على أصنامِ شهواتِهم لا يرعوُون منغمسون في بحر ضلالاتهم، كأنهم هم المستثنون، فمن ذلك اتخاذهم بيع الأحرار مُتَّجرا ومكتسبا، ومنه عهارتهم بهؤلاء النسوة حتى أن منهم من يزعُم أنه افتضَّ خمسين بِكراً ومنهم من يقول سبعين كلّ ذلك بالكسر. وأما خراب البلاد والقُرى وخلوّ المساكن والدكاكين، فهو مما يلزم هذه الجملة التي اقتصصناها وناهيك أن القرية التي كانت تشتمل على زهاء عشرة آلاف نسمة تمرُّ عليها فتراها دمنة وربما وجد فيها وربما لم يوجد، وأما مصر فخلا معظمها وأما بيوت الخليج وزقاق البركة وحلب والمقس وما تاخم ذلك، فلم يبقَ فيها بيتٌ مسكونٌ أصلا بعد ما كان كلّ قطرٍ منها قدر مدينةٍ زحمةٍ من الناس، حتّى أنّ الرباع والمساكن والدكاكين التي في سرة القاهرة وخيارها أكثرها حال خراب، وإن ربعاً في أعمر موضع بالقاهرة فيه نيِّفٌ وخمسون بيتا كلّها خالية سوى أربعة بيوت أَسكنت من يحرس الموضع. ولم يبق لأهل المدينة وقود في تنانيرهم وأفرانهم وبيوتهم إلّا خشب السقوف والأبواب والزروب. ومما يقضي منه العجب أن جماعة من الدين ما زالوا مجدودين سعدوا في دنياهم هذه السنة فمنهم من أثرى بسبب متجره في القمح، ومنهم من أثرى بسبب مال انتقل اليه بالإرث، ومنهم من حسنت حاله لا بسبب معروف، فتبارك من بيده القبض والبسط ولكلِّ مخلوق من عنايته قسط. وأما خبر النيل في هذه السنة، فإنه احترق في برمودة احتراقاً كثيراً وصار المقياس في أرضٍ جزر وانحسر الماء عنه نحو الجيزة، وظهر في وسطه جزيرة عظيمة طويلة ومقطعات أبنية وتغيّر الماءُ في ريحه وطعمه ثم تزايد التغير ثم انكشف أمره عن خضرة طحلبية كلّما تطاولت الأيام ظهرت وثرت كالتي ظهرت في أبيب السنة الخالية، ولم تزل الخضرة تتزايد إلى آخر شعبان، ثم تناقصت إلى أن ذهبت وبقي في الماء أخيراً نباتية منبثّة فقط، وطاب طعمه وريحه ثم أخذت في رمضان تنمى وتقوى جريته إلى اليوم السادس عشر منه، فقاس فيه ابن أبي الرداد قاع البركة فكان ذراعين وأخذ في زيادةٍ ضعيفة بأضعف من

стр. 51

السنة الخالية، ولم يزل في زيادة ضعيفة إلى ثامن ذي القعدة وهو السابع عشر من مسرى فزاد إصبعا ثم وقف ثلاثة أيام، فأيقنَ الناس بالبلاء واستسلموا للهلَكة ثم أخذ في زيادات قوية أكثرها ذراع إلى ثالث ذي الحجّة وهو السادس من توت فبلغ خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا ثم أنحطَّ من يومه وأنهزم على فوره ومسَّ بعض البلاد محلة القسم فكأنما زارها طيف خياله في الحلم. وإنّما انتفع به ما كان من البلاد مطمئنّا فأروى المنخفضات كالغربية ونحوها، غير أن القُرى خالية من فلاح أو حرّاث أصلاً فهم كما قال الله تعالى: [فأصبحوا لا يرى إلّا مساكنهم]، وإنما أرباب الحِراث يجمعون شذاذهم ويلتقطون أفرادهم، وقد عزَّ الحرَّاث والبقرُ جدّا حتى يُباع الثور الواحد بسبعين دينارا والهزيل بدون ذلك، وكثير من البلاد ينحسر عنه الماء بغير حقِّه ولغير وقته، إذ ليس لها من يمسك الماء ويحبسه فيها فتبور لذلك مع ريّه، اوكثير ممّا روي يبور لعجزِ أهله عن تقاويه والقيام عليه، وكثير ممّا زُرع أكلته الدودة وكثيرٌ مما سلِم منها ضوي وعطب. ونهاية سِعر القمح في هذه السنة خمسة دنانير، وأما بقوص والإسكندرية فبلغ ستة دنانير. ومِن الله سبحانه يُرجى الفرج وهو المتيحُ للخير بمنِّه وجوده. الفصل الثالث في حوادث سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ودخلت هذه السنة والأحوال التي شرحناها في السنة الخالية على ذلك النظام أو في تزايد، إلى زهاء نصفها فتناقص موت الفقراء لقلَّتهم لا لارتفاع السبب الموجب وتناقصَ أكلُ بني آدم ثم أنقطع خبره أصلا. وقلَّ خطف الأطعمة من الأسواق وذلك لفناء الصعاليك وقلَّتهم مِن المدينة، وانحطّت الأسعارُ حتى عاد الأردب بثلاثة دنانير لقلة الآكلين لا لكثرة المأكول، وصفت المدينة بأهلها، واختصرت واختصر جميع ما فيها على تلك النسبة وألِفَ الناس البلاء واستمروا على البلاء حتى عاد ذلك كأنه مزاج طبيعي.

стр. 52

وحُكي لي أنه كان بمصر تسعمائة منسجٍ للحُصُر، فلم يبق إلّا خمسة عشر منسجا، وقِس على هذا سائر ما جرت العادة أن يكون بالمدينة من باعةٍ وخبازين وعطّارين وأساكفة وخيّاطين وغير ذلك من الأصناف، فإنه لم يبق من كلّ صنفٍ من هؤلاء إلّا نحو ما بقي من الحصريين أو أقل من ذلك. وأما الدجاج فعُدِم رأسا لولا أنه جُلب منه شيءٌ من الشام، وحكي لي أن رجلا مصريا شارف الفقر فأُلهِم أن اشترى من الشام دجاجا بستين دينارا، وباعها بالقاهرة على القماطين بنحو ثمانمائة دينار، ولما وُجد البيض بيع بيضة بدرهم ثم بيضتين ثم ثلاثا ثم أربعا واستمر على ذلك، وأما الفراريج فبِيعَ الفرّوجُ بمائة درهم ولبث برهة يباع الفروج بدينار فصاعدا. وأما الأفران فإنّها تُوقَد بأخشابِ الدُّور، فيَشتَرِي الفرّانُ الدار بالثمن البخس ويقد زروبه وأخشابه أياما ثم يشتري آخر، وربما كان فيهم من تُنشِّطه نذالته فيخرج ليلاً يجوس خلال الديار فيحتَطِبها ولا يجد ذاعراً. وكثيرا ما تُقفر الدار بمالِكها ولا يجدُ لها مشتريا فيفصِل أخشابها وأبوابها وسائر آلاتها فيبيعها ثم يطرحها مهدومةً وكذلك أيضا يفعلون بدور الكسرا. وأما الهلاليةُ ومعظم الشارعِ ودور الخليج وحارة الساسة والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها أنيس، وإنّما ترى مساكنهم خاوية على عروشها وكثيرا من أهلها موتى فيها، ومع ذلك فالقاهرة بالقياس إلى مصر في غاية العمارة وأهلها في غاية الكثرة. وأما الضواحي وسائر البلاد فيباب رأسا، حتى أن المسافر يسير في كل جهة أياما لا يصادف حيوانا إلّا الرِّمم ما خلا البلاد الكبار كقوص وأخميم والمحلة ودمياط والإسكندرية، فإنّ فيها بقايا، وأما ما عدا هذه وأمثالها فإنّ البلد الذي كان يحتوي على ألوف خالٍ أو كالخالي. وأما الأملاك ذوات الآجر المعتبرة، فأن معظمها خلا أو لم يبق دأب أهلها إلّا حراستها بسد أبوابها وتحصين مسالكها أو إسكانها من يحرسها بأجرة، اللهم إلّا ما كان من الملك في قصبة المدينة فإن بعضه مسكون بأخف أجرة، وأعرف ربعا في أعمر موضع بالمدينة كانت أجرته في الشهر مائة وخمسين دينارا، فعادت في هذه السنة إلى نحو عشرين دينارا، وآخر في مثل موضعه كانت أجرته في الشهر ستة عشر دينارا، فعادت إلى فُويق الدينار، وجميع ما لم نذكره على هذا القياس أفهمه. والذي دخل تحت الإحصاء من الموتى ممن كفَّ وجرى له اسم في الديوان وضمّته الميضات في مدّة اثنين وعشرين شهراً أولها شوال من سنة ست وتسعين، وآخرها رجب من سنة ثمان وتسعين، مائة ألف وإحدى عشرة ألفا إلّا آحادا وهذا مع كثرته نزر في جنب الذين هلكوا في دارهم وفي أطراف المدينة وأصول الحيطان، وجميع ذلك نزر في جنب من هلك بمصر وما تاخمها، وجميع ذلك نزر في جنب من أُكل في البلدين، وجميع ذلك نزرٌ جدا في جنب مَن هلك وأُكل في سائر البلاد والنواحي والطرقات وخاصة طريق الشام، فإنّه لم يرد أحدٌ من ناحيةٍ فسألته عن الطُّرق إلّا ذكر أنها مزروعةً بالأشلاء والرِّمَم وهكذا ما سلكته منها. ثم أنه وقع بالفيّوم والغربية ودمياط والإسكندرية موتان عظيم ووباءٌ شديد لا سيما عند وقت الزراعة، فلعلّه يموت على المحراث الواحد عدة فلاحين، وحُكي لنا أن الذين بذروا غير الذين حرثوا وكذلك الذين حصدوا. وباشرنا زراعةً لبعض الرؤساء فأرسل من يقوم بأمرِ الزراعة فجاء الخبر بموتهم أجمعين، فأرسل عِوضهم فمات أكثرهم، هكذا مراتٍ في عدة جهات وسمعنا من الثقات عن الإسكندرية أن الإمام صلَّى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، وأن تركةً واحدة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا، وأن طائفة كبيرةً من أهلها تزيد على عشرين ألفا انتقلوا إلى برقة وأعمالها فعمروها وقطنوها، وهذه برقة كانت مملكة عظيمة وخربت في زمن اليازوري وعلى يديه، وكان وزيرا ظالما، فجلا عنها أهلها وسكن كثير منهم بالإسكندرية، وكان هذا الحادث تقاص في الطبيعة. ومن عجيب ما اتفق لشيخ من أطباء يهود مصر ممّن ينتابني سوى من سبق ذكرهم، أن استدعاه رجل زبونه ذو شارة وشهرة بستر ودين وجدة، فلمّا حصل في المنزل أغلق الباب ووثب عليه فجعل في عنقه وهقا ومَرَتَ المريض خصيتيه غيرَ أنه لم تكن له معرفة بالقتل فطالت المناوشة وعلا ضجيجه فتسامع الناس ودخلوا، فخلَّصوا الشيخ وبه رمقٌ يسير وقد كسرت ثنيّتاه وحُمل إلى منزله مغشيا عليه وأحضروا الفاعل إلى الوالي فسأله ما حملك على ما فعلت، فقال: الجوع فضربه ونفاه. واتفق سحرة يوم الاثنين السادس والعشرين من شعبان وهو الخامس والعشرون من بشنس، أن حدثت زلزلة عظيمة اضطّرب لها النّاس، فهبّوا مِن مضاجِعهم مدهوشين، وضجوا إلى الله سبحانه، ولبثت مدة طويلة كانت حركتها كالغربلة أو كخفق جناح الطائر وانقضَت على ثلاث رجفات قويّة مادَت بها الأبنية واصطفقت الأبواب وصرصرت السقوف والأخشاب، وتداعى من الأبنية ما كان واهيا أو مشرفا عاليا ثم عاودت في نصف نهار يوم الاثنين، إلّا أنها لم يحس بها أكثر الناس لخفائها وقِصر زمانِها وكان في هذه الليلة بردٌ شديدٌ يحوج إلى دثِار خلافَ العادة، وفي نهار ذلك اليوم تبدّل بِحرٍّ شديد وسموم مفرط يضيق الأنفاس ويأخذ بالكظم وقلما تحدث زلزلة بمصر بهذه القوة. ثم أخذت الأخبار تتواترُ بحدوث الزلزلة في النواحي النائية والبلاد النازحة في تلك الساعة بعينها، ولذا صحَّ عندي أنها حركت في ساعة واحدة طابقةً من قوص إلى دمياط والإسكندرية ثم بلاد الساحل بأسرها والشام طولا وعرضا وتعفّت بلادٌ كثيرةٌ بحيث لم يَبقَ لها أثرٌ وهلك مِن الناس خلقٌ عظيم وأمَمٌ لا تُحصى، ولا أعرف في الشام بلدا أحسن سلامة من القدس فإنّها لم تُنْكَ فيه إلّا ما لا بال، كانت نكاية الزلزلة ببلاد الإفرنج أكثر منها في بلاد الإسلام كثيرا. وسمعنا أنّ الزلزلة وصلت إلى أخلاط وتخومها وإلى جزيرة قبرص، وأن البحر ارتطم وتموَّجَ وتشوَّهت مناظره فانفرق في مواضعَ وصارت فِرقه كالأطواد وعادت المراكب على الأرض وقذف سمكا كثيرا على ساحله. ووردت كتب من الشام ودمشق وحماه تتضمن خبر الزلزلة، ومما اتصل لي من ذلك كتابان أوردتهما بلفظهما، نسخة الكتاب الوارد من حماه ولما كان سحرة يوم الاثنين السادس والعشرين من شعبان حدثت الزلزلة، وكادت الأرض تسير سيراً والجبال تمور موراً، وما ظنَّ أحدٌ من الخلق إلّا أنها زلزلة الساعة، وأتت دفعتين في ذلك الوقت، أما الدفعة الأولى فاستمرَّت مقدار ساعة أو تزيد عليها، وأما الثانية فكانت دونها ولكن أشدَّ منها وتأثَّر منها بعض القِلاع فأوّلها فقلعة حماه مع إتقانها وعمارتها وبارين مع اكتنازها ولطافتها، وبعلبك مع قوتها ووثاقتها، ولم يرد عن البلاد الشاسعة والقلاع النازحة إلى الآن ما أذكره. ثم حدث في يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه عند صلاة الظهر زلزلة استوى في عِلمها اليقظان والنائم، وتزعزع لها القاعدُ والقائم، ثم حدثت في هذا اليوم أيضا وقت صلاة العصر وصل الخبر من دمشق بأنَّ الزلزلة أفسدت فيها منارة الجامع الشرقية وأكثر الطوسة والبيمارستان جميعه وعدة مساكن تساقطت على أهلها وهلكوا. نسخة الكتاب الوارد من دمشق المملوك ينهي حدوث زلزلة ليلة الاثنين سادس وعشرين شعبان وقت انفجار الفجر وأقامت مدة، قال بعض الأصحاب: أنها مقدار ما قَرأ سورة الكهف، وذكر بعض المشايخ بدمشق أنه لم يشاهد مثلها فيما تقدّم، وممّا أثرت في البلد سقوط ست عشرة شرفة من الجامع وإحدى المآذن وتشقق أخرى وفيه الصاحي يعني النسر وانخساف الكلاسة ومات فيها رجلان ورجلٌ آخر على باب جيرون وتشقق بالجامع مواضعُ كثيرة وسقط بالبلد عدة دور. وذكر عن بلاد المسلمين أنّ بانياس سقط بعضها وصفد كذلك ولم يبقَ بها إلّا مَن هلك سوى ولد صاحبها وكذلك تِبنين ونابلس لم يبق لها جدار قائم سوى حارة السمرة ويذكر أن القدر سالم والحمد لله. وأما بيت جن فلم يبق منه إلّا الأساس والجدران وقد أتى عليها الخسف وكذلك أكثر بلاد حوران غارت لا يعرف لبلد منها موضع يقال فيه هذه القرية الفلانية، ويقال أن عكله سقط أكثرها وصدر ثلثها وغرفة خسف بها وكذلك صافينا،

стр. 53

وأما جبل لبنان فهو موضعٌ يدخل الناس إليه بين جبلين يجمع منه الريباس الأخضر، فيقال أن الجبلين انطبقا على من بينهما وكانت عدتهم تناهز مائتي رجل وقد أكثر الناس في حديثها. وأقامت بعد ذلك أربعة أيام في النهار والليل، ونسأل الله لطفه وتدبيره وهو حسبنا ونعم الوكيل. ومن عجيب ما شاهدنا أن جماعةً ممّن ينتابني في الطبّ وصلوا إلى كتاب التشريح، فكان يعسر أفهامهم، وفهمهم لقصور القول عن العيان فأخذنا أن بالمقس تلاقيه رمم كثيرة فخرجنا إليه فرأينا تلا من رِمَمٍ له مسافة طويلة، يكاد يكون ترابه أقلّ من الموتى به، نحدسُ ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفا فصاعدا وهم على طبقات في قرب العهد وبُعدِه. فشاهدنا من شكل العظام ومفاصِلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما أفادنا علما لا نستفيده من الكتب، إمّا أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه أن يكون ما شاهدناه مُخالفا لِما قيل فيها، والحسُّ أقوى دليلاً من السمع، فإنّ جالينوس وإن كان في الدرجة العُليا من التحرِّي والتحفُّظ فيما يباشره ويحكيه، فإنَّ الحسَّ أصدق منه. ثم بعد ذلك يتخيل لقوله مخرج إن أمكن، فمن ذلك عَظم الفك الأسفل، فإن الكل قد أطبقوا على أنه عظمان بمفصلٍ وثيقٍ عن الحنك، وقولنا الكلّ إنَّما نُعني به ها هنا جالينوس وحده، فإنه هو الذي باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينيه وصنَّف فيه عدة كتب معظمها موجودٌ لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب. والذي شاهدناه مِن حال هذا العضو أنّه عَظمٌ واحد وليس فيه مفصلٌ ولا درز أصلا، واعتبرناه ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي جمجمة بأصنافٍ من الاعتبارات فلم نجده إلّا عظما واحدا من كلِّ وجه، ثم أننا استعنا بجماعة مفترقة اعتبروه بحضرتنا وفي غيبتنا، فلم يزيدوا على ما شاهدوه منه وحكيناه، وكذلك في أشياء أخرى غير هذه وليت مكَّنتنا المقادير بالمساعدة ووضَعنا مقالةً في ذلك تحكي في ما شاهدناه وما علمنا من كتب جالينوس، ثم أني اعتبرت هذا العَظم أيضا بمدافن بوصير القديمة المقدَّم

стр. 54

ذكرها، فوجدته على ما حكيت ليس فيه مفصلٌ ولا درز، ومن شأن الدروز الخفية والمفاصل الوثيقة إذا تقادم عليها الزمان أن تظهر وتتفرّق وهذا الفك الأسفل لا يوجد في جميع أحواله إلّا قطعة واحدة. وأما العجز مع العجب ذكر جالينوس أنه مؤلَّفٌ من ستَّةِ أعظم ووجدته أنا عظما واحدا واعتبرته بكلّ وجهٍ من الاعتبار فوجدته عظما واحدا، ثم أني اعتبرته في جثة أخرى فوجدته ستة أعظم كما قال جالينوس وكذلك وجدته في سائر الجثث على ما قال إلّا في جُثَّتين فقط فإنِّي وجدته فيهما عظما واحدا وهو في الجميع موثّق المفاصل ولست واثقاً بذلك كما أنا واثق باتّحاد الفك الأسفل. ثم أننا دخلنا مصر فرأينا منها دروباً وأسواقا عظيمةً كانت مغتصَّة بالزحام، والجميع خالٍ ليس فيه حيوانٌ إلّا عابر سبيل في بعض الأحايين، وأن المارّ فيها ليستوحش ومع ذلك، فقلما ينفكُّ قطر منها عن جثَّةٍ وعظامٍ متفرقة حتى خرجنا إلى موضعٍ يسمّى إسكرجة فرعون، فرأينا الأقطار كلها مغتصّة بالجثث والرِّمم وغلبت على الآكام بحيث جلَّلتها وكادت تغلب على ترابها ورأينا في هذه الإسكرجة وهي وهدة عظيمة حينما أشرفناعليها الجماجم بيضا وسودا، ووجدنا بعضها على بعض طبقات، وقد أخفى كثرتها وتراكمها سائر العظام حتى كأنها رءوسٌ لم يكن معها أبدان، يشبِّهها من ينظُرُها ببطيٍخ قد قُطع وجُمع حتى صار كالبيدر، ثم رأيتها بعد أيام وقد عرقتها الشمس وابيضَّت فشبهتها ببيضِ النعام المتراكم. ووجدتُ في ذي الحجة بمصر امرأةً ذَبحت صبيّا لتأكُله، فأُخذت وغرِّقت وقد ارتفعت هذه الحال وانقطع خبرها ومشاهدتها لم يوجد سوى هذه المرأة، ومن عجيب الكائنات في هذه المدّة أن مولودا في سبع وتسعين وُلد برأسين وولد مولودٌ آخر أبيض الشعر، ورأيته وليس هو كبياض الشيب، بل يحيل إلى صهويّة ما،

стр. 55

ولدت في هذه السنة بغلة ولدت ميتا وبقي في دار الوالي أياما كثيرة، وفي سنة ثمان وتسعين وجدت سخلة ذات لبن كان يخرج من حلمتها كأنه خيطٌ دقيق وأُحضرت بدار الوالي مرات، وآخر ما أحضرت وعمرها أربعة أشهر. وأما خبر النيل في هذه السنة فنحن نسوقه باختصار أمّا أولا، فإنه احترق في طوبة، ثم تزايد احتراقه حتى صار مخاضات للناس والدواب، وظهرت الحفرة فيه في جمادى الآخرة الكائن في برمهات، وتزايدت جدا في رجب حتى ظهرت في طعمه ولونه وريحه ثم تناقصت حتى ذهبت أصلا وانتهى احتراقه في رمضان، وأنحسر عن المقياس نحو ثمانمائة ذراع، وأطالع أبي الرداد باستقرار الماء يوم الثلاثاء لخمس بقين من بؤونة وأربعٍ بقين من رمضان من سنة ثمان وتسعين فكان القاع ذراعا ونصفا وكان في السنة الخالية ذراعين، وابتدأ في الزيادة في السنة الخالية من هذا اليوم، فأمّا في هذه السنة فإنَّ زيادته تأخَّرت إلى الخامس والعشرين من أبيب، لم يزد في هذه المدة سوى أصابع، حتى ساءت ظنونُ الناس وشملهم اليأس وظنوا أنّ حادثا وقع بفوهته وعند مبدأ جريته، ثم أخذ في الزيادة حتى أنسلخ أبيب وهو على ثلاث أذرعٍ ووقف يومين، فاشتدّ هلع الناس لخروجه في التوقف عن المعتاد، ثم أنه أندفع بقوةٍ وزيادات متداركة وجبالٍ من المياه متدافعة، فزاد ثماني أذرع في مدّة عشرةِ أيام منها ثلاث أذرع متوالية، وانتهى في رابع توت وهو الثاني عشر من ذي الحجة إلى ستَّ عشرة ذراعا تنقصُ إصبعا وقام يومين، ثم أخذ ينحطُّ متباطئا وينصرفُ رويدا، فهذا ما قصدت اقتصاصه من أحواله هذه الكائنة، فليكن آخر المقالة ومنتهى الكتاب. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمد النبي الأميِّ وعلى آله الطيبين الطاهرين. كتبه مؤلفه الفقير إلى الله تعالى عبد اللطيف بن يوسف ابن محمد البغدادي في رمضان سنة ستمائة بالقاهرة.