Полный текст (48 стр.). Показаны 36–48 · переход к 41.
стр. 36
فمحال أن يعتقد القلب هذا الفرح حتى يدوم له ذلك، وتزول عنه أفراح النفس، ثم يصير في فرحه بالله حزيناً، لأنه محبوس عنه برمق الحياة في دار الدنيا، مشتاق إلى ربه ، قد أنس به، واشتاق إلى لقائه، واستوحش من الدنيا وأهلها، وهمته ذكر الله، وعبودية شهوته، وموته راحته ويوم عيده.
وتحقيق ما وصفنا من ضرر فرح النفس، أن الله حرّم المعازف والخمر على لسان نبيه ﷺ ، وما نطق به الوحي في شأن الخمر، وذلك أن الله لما خلق الفرح، وجعل له بابا، فلما خلق الجنة، خرجت الأغراس
من باب الرحمة، وخرج غرس العنب من باب الفرح، فلذلك أوّل ما أكل آدم ﷺ حين دخلها العنب، فامتلأ فرحاً.
وروى عن رسول الله ﷺ انه سئل: (ما أول ما يأكل أهل الحنة من الجنة؟ قال: العنب): وأول ما أكل آدم العنب، فامتلأ فرحاً، ووضع من الفرح في تلك النار التي فيها الزينة بباب النار التي سميت شهوات، فجعل ذلك الفرح حظ إبليس، حتى يأخذه فيضعه في الأشياء التي يغوي الآدميين بها، فلما أضل إبليس المشركين بذلك الفرح، دخل الأشجار وكل معبود من دون الله ، فصوّت منها بذلك الفرح، فكل من يتبع صوته، سبى ذلك الفرح قلبه، حتى يجيبه إلى الشرك وإلى عبادته، فهو يرى أنه يعبد الشجرة والوثن، وإنما يعبد الطاغوت، وإبليس طغى حتى بلع غاية الطغيان، فقيل طاغوت، وذلك قول الله : (كلّ حزب بما لديهم فرحون). فذلك الفرح لكل حزب من الذي أعطى إبليس، حتى أورده على قلوبهم بصوته، وذلك قوله : (واستفزز من استطعت منهم بصوتك). وصوته مع ذلك الفرح، ولولا ذلك ما أجابوه، فهم فرحون بأديانهم، وإنما يفرحون بالله ، ولكن غير مقبول منهم، وهم يحسبون أنهم مهتدون بذلك الفرح، لأنهم تناولوه من إبليس، لا من هداية الله ومعرفته، وإنما وصل إلى غواية آدم صلى الله عيه وسلم، بما استفرحوا من الفرح.
стр. 37
وروى في الخبر أنه دخل الجنة صوت من مزمار له، حتى كادت حواء تطير من الفرح، فقالت ما هذا الصوت؟ قال: لسروري بمكانكما، ثم قلب المزمار، فناح نياحة أخذ بقلبها، حتى امتلأت حواء خوفاً، فقالت: ما هذا الصوت؟ فقال حزنا عليكما أن تموتا أو تخرجا منها. فهناك دلهما على شجرة الخلد، لكي يأكلا منها، فيخلدا فيها. ففي وقت الفرح دلهما على شجرة الخلد، ولتخويف الزوال دلاهما بغرور، حتى ذاقا الشجرة، فلما صارا محجوبين بالهم، فلما ذاقا عريا من اللباس،
وانكشف الغطاء عن الذنب، فوليا في الجنة هاربين، فبالفرح، خلص العدو إليه، حتى أكل من الشجرة، فصرعه. وحرم الله الخمر لما فيها من ذلك الفرح، لأن إبليس لما سرق العنب من سفينة نوح ﵊، وافتقده نوح ﵇، جاءت الملائكة، حتى يقضي جبريل ﵇ بينه وبين نبي الله صلى اله عليه وسلم على الثلث والثلثين، فكل ما وجده نيا أو مطبوخاً فيه بقية من حظه لم تأكله النار، خاض فيه يديه بفرحة الذي أعطى، حتى يتحول ذلك الفرح من يده إلى ذلك الشراب، وإنما يزبد ويغلي بحرارة يده الملعونة خلق من النار، فإذا شربه الشارب، وقد تحول ذلك الفرح من يده في ذلك الشراب، دب في هذا الشارب، وانكمن العقل، لتدنس يده ورجاسته، فشاربه يحتمل مرارته، وذهاب عقله، وتلف ماله، وألم جسده، والآفات التي تحل به، فإنما يحتمل ذلك كله من أجل ذلك الفرح الذي دب فيه، حتى يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، ووجد سبيلاً إلى أن يحرش بينهم، ويغري بعضهم ببعض، فحرمه الله ، لئلا يفرح بفرح هو حظ إبليس لعنه الله تعالى.
فكذلك أصوات المعازف والملاهي، تلك الأصوات ممزوجة بالفرح الذي بيده، فلا يلتذ المستمع إلا بما يمازجه من الفرح الذي بيد العدو، فإذا مازجه وسمع الآدمي، هاج بالفرح منه، ودب في جميع جسده، وطرب حتى وثب ورقص كالقرد، فحرم الله هذه المعازف، للفرح الممازج من حظ العدو فيها، وأطلق
стр. 38
هذه الأشياء التي لا غنية بالآدمي عنها، مما هو له غذاء أو معاش، ثم حذره أن يلهيه ذلك الفرح حتى يأشر ويبطر، ويتعدى الحدود. فالكيس حسم باب الفرح عن نفسه، من كل حلال أو حرام، ومن جميع أعمال البر، مما يجد في النفس استرواحاً إليه. وبه فرحا، حتى ملأها غماً، حتى طهر قلبه. وتجلت فيه أنوار العزيز الماجد الكريم، على ما ذكرنا بديا، وعريت الملائكة من الشهوات
والجوارح والأجسام والأجواف والضرورات، فلا يحتاجون إلى طعام ولا شراب، ولا كسوة ولا كن يستكنونه من الحر والبرد، فنجت من فتن الآدميين وضروراتهم، ومكايد العدو، وأظهر خلقهم من التدبير بقوله (كن). وعاملهم من ملك الجبروت، ومقاومتهم في ملك الجلال، وأظهر خلقنا من يده، وعاملنا من ملك الرأفة والرحمة، ومقاومنا في ملك المحبة؛ فالملائكة مجبورون على حال واحد، لا ينفكون ولا ينقلون عنها. والآدميون خدم بين يديه ، يتقلبون من حال إلى حال، وكل أحوالهم خدمة، وإنما صار هكذا لأن المعرفة من الملائكة على الأبصار، والمعرفة من الأميين على القلوب، والقلب أمير على الجوارح، فحركات الجوارح كلها من تقلب القلب بمشيئاته، ومشيئاته بمشيئات ربه ، فأي جارحة حركها فإنما محركها قلبه، والقلب شاخص إلى الله بولهه في تلك الحركة، فتلك خدمة منه له، مأخوذة هذه اللفظة من خدمة الساق، لأن الآدمي إذا قام منتصباً، قام على خدمة ساقه، فهو بالقلب قائم بين يدي ربه ، ومنه تتأدى الحركات إلى الجوارح، حتى تظهر على الجوارح، فقيامه ونهوضه إلى ربه بتلك الحركة هو خدمته، وهو النية التي ينوى بها العبد في كل عمل،
стр. 39
والنية النهوض، يقال في اللغة. ناء ينوء، أي نهض ينهض، فالقلب يرتحل إلى الله ، حتى يصل إلى سورة المنتهى إن كان له طريق، فإن حبس في الطريق فللتهمة احتبس، ولسوء الأدب منع وانسد الطريق، فعلى أي حال كان، فقد نهض من مكانه إن وجد الطريق أو لم يجد. ويقول للجارحة التي تعمل ذلك العمل تحركي بذلك العمل في حركاتك، وانفذي العمل على أثري، فإني واقف بالباب، أبتغي من ربي مرضاته، بما ينفذ إليه على أثري، فهذه النية.
ثم الناس في نياتهم على درجات، على تفاوت عقولهم؛ ولذلك قال رسول الله
ﷺ ، فيما يروى عنه، قال: (يعملون الناس الخير ويعطون أجورهم على قدر عقولهم). وروي عن الله قال: يا موسى، إنما أجزي الناس على قدر عقولهم). قال له قائل: صف لنا شيئاً منه، كيف تفاوت على قدر العقول؟ قال: مثل رجل دخل المسجد فوجد الصف الأول قد قام، فوقف في الصف الثاني، فقد سقط من درجة الصف الأول،
стр. 40
ودرجته أنه جاء عن رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، وجاء إن الرحمة تنزل على الإمام مائة رحمه، فيأخذ من بحياله خلفه مثل ما للإمام، ثم الذي عن يمينه إلى منتهى خمسة وسبعين، ثم الذي عن يساره خمسون، فمن دخل المسجد فوقف في الصف الثاني عن غفلة لم ينل من صلاة الرب شيئا، ولا من هذه الرحمة التي وصفت عن ابن عباس ﵁، فمن دخل فنوي أني لو وجدت مكانا لدخلت في الصف الأول، فبهذه النية استوى هو بالصف الأول، وله مثل أجورهم لما نوى، كأنه فيهم. ثم إذا تمنى أن يدخل في الصف الأول، ونوى ذلك، وامتنع وتحرج مخافة أن يؤذى مسلما، أو يضيق عليه، يضاعف أجره على من في الصف الأول، بما اتقى أذى المسلم.
كذلك روى عن رسول الله ﷺ في شأن النية، وفي شأن التقوى؛ عن أبي كبشة الأنصاري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أحدثكم حديثا فاحفظوه، إنما الدنيا أربعة نفر: عبد رزقه الله فيها مالا وعلما، فهو يتقي الله ، ويصل رحمه فيه، ويعطي الله منه حقه، فهو بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، فهو يتخبط في ماله بغير علم، فلا يتقي فيه ربا، ولا يصل فيه رحما، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل.
стр. 41
وعبد لم
يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا عملت بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء.
حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا زريق بن الورد الرقي، حدثنا أسلم بن سالم، عن عبد الغفار بن ميمون، عن عبد الملك الجزري، قال: قال رسول الله ﷺ : (من ترك الصلاة في الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلماً أو يزاحم أحداً، فصلى في الصف الثاني أو الثالث، أضعف الله أجره على من صلى في الصف الأول). فهذا بعقله نال زيادة الثواب على الصف الأول، والآخر بغفلته وجهله سقط عن هذا الثوب. فهذا تفسير: (إنما أجزى الناس على قدر عقولهم). ولذلك قال رسول الله ﷺ ، فيما يروى عنه. (لا يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا ما عقدة عقله).
وحدثني بذلك أبي ﵀، حدثنا جندل بن واثق الكوفي، حدثنا عبد الله بن عمر الرقي، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ .
فالصادقون المخلطون قلوبهم محجوبة بالشهوات، فنيتهم النهوض بالقلب، إذا نهضوا لم يجدوا منفذا، فيقفون حيث بلغوا من الجو. وأما الذين فتح لهم في الغيب، فإن قلوبهم تنهض إلى العلا، حتى تبلغ مقامه، فهناك يبتغي مرضاة ربه تعالى، وحركات الجوارح عند فراغه من العمل تلحقه على أثره، فذلك النهوض هو نيته؛ والسابقون الذين وصلوا إلى الله في مقامه، يترضى ربه ، ثم يلحقه العمل على الأثر، فالنيات متفانية، فهؤلاء خدم.
стр. 42
وأما الملائكة ﵈، فإنما يعملون في مصافهم ومقاومهم على الأبصار، وإنما خص جبريل ﵊ من بين الملائكة. لأنه خادم ربه ، لأنه بين يديه على ساقيه يخدمه باختلاف الأحوال، وأهل السموات في
مصافهم؛ فالملائكة في أعلى الخلق مكاناً، وهم سخرة للآدميين. فأما إسرافيل ﵊ فقابض الوحي، ومؤديه إلى جبريل ﵇، وصاحب الصور، يدعوهم إلى الحشر وقبض الجزاء. وأما جبريل ﵇ فصاحب الرسالة. وأما ميكائيل ﵇ فقابض أرزاق الآدميين، والموكل بالقطر والنبات والرياح لمعاش الآدميين. وأما ملك الموت ﵇ فقابض أرواحهم، وأما حملة العرش فموكلون بالاستغفار للآدميين. وأما الكوريون وأهل عليين فموكلون بالاستغفار والتضرع، والبكاء على أهل الذنوب من الآدميين.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما أسرى بي، سمعت دوياً، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا بكاء الكوريين على أهل الذنوب من أمتك). وأما أهل السموات فموكلون في صلاتهم بالاستغفار ووفارة التقصير؛ وآخرون موكلون بالرياح، وآخرون موكلون بالسحاب، وآخرون موكلون بالشمس، وموكلون بالقمر، وموكلون بالنبات، وموكلون بالجبال، وموكلون بالبحار، وموكلون بالليل والنهار، وموكلون بالحر، وموكلون بالبرد، وموكلون برزق الخلق صباح كل يوم، موكلون بالثلج، وموكلون بأعمالهم: حفظة كتبة، وموكلون بالحراسة، وهم
стр. 43
المعقبات؛ وموكلون بالهداية على القلوب، وموكلون بالهداية في الأسفار بالاستقامة، موكلون بإتمام الكلام، فإذا قال: الحمد لله، قال الملك: رب العالمين، وإذا قال العبد: سبحان الله، قالت الملائكة: وبحمده، ويكتب ذلك لصاحبها، وموكلون بصلاة الآدميين في صفوفهم، فكلما زاد رجل زاد معه ملك معه رحمة؛ وموكلون بحجهم، وفي مشاهدهم وموقفهم، وموكلون بالزحف للنصر عند لقاء العدو؛ وموكلون بجنائزهم للتشييع، فهم أمام الجنازة؛ وموكلون بليلة القدر: ونزول الروح، والتسليم على الآدميين؛ وموكلون بالأعياد وحمل الجوائز؛ وموكلون بالتثبيت للآدميين في أعمالهم؛ موكلون بنزع الأرواح منهم، ورفعها إلى الله عز
وجل مع ملك الموت؛ وموكلون بتشييع أرواحهم إلى العرض على الله ، في مقام العرض؛ هذا كله في الدنيا، ثم إذا قامت القيامة، فموكل بنفخ الصور، وموكل بالبشرى للموحدين، وموكل بحمل الكسوة للآدميين، وموكلون بالرحمة، ليقسموها عليهم، وموكلون بجنبات النار، ينادون ربهم ، يسألونه السلامة وموكلون بوزن الأعمال، وعرض الدواوين، وموكلون بحمل الأعمال من الخزائن إلى الموقف؛ وموكلون بتشيعهم إلى الجنان من الموقف؛ وموكلون في الجنان بالخزانة: قهارمة، وزوار، وحملة هدايا من رب العالمين؛ وجبريل ﷺ موكل في الدنيا بأداء الوحي، وتبليغ الرسالة، ويوم القيامة بوزن الأعمال، وفي الجنة بالنداء من بطنان العرش، للزيارة إلى رب العالمين.
стр. 44
فوجدنا الملائكة كلهم مسخرين لنا في الدنيا، ويوم القيامة، وفي الجنان إلى الأبد، فآدم ﵇ خليفة الله في أرضه، والملائكة جند الخليفة، يعملون له ولولده ما ذكرنا في ولده، فما خرّب ولده عمرته الملائكة، وما أفسد ولده أصلحه الملائكة، وما دنس ولده غسلته الملائكة وطهرته.
وروي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: قالت الملائكة، يا ربنا منا المقربون ومنا الصافحون المسبحون، ومنا الكرام الكاتبون، ومنا ومنا، جعلت الدنيا لبني آدم يأكلون ويشربون، فاجعل لنا الآخرة، قال: لن أفعل. فعاودوه بمثل مقالتهم، فقال: لن أفعل. ثم عاودوه في الثالثة، فقال: لن أفعل، لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان، هم عبادي المقربون، والملائكة عباد مجبورون، ومكرمون بالعبادة والطهارة، والآدميون خدم وتجار معاملون،
стр. 45
فالمعرفة رءوس أموالهم، والحركات تجاراتهم، ومرضاة الله أرباحهم، قال الله : (والله يعلم متقلبكم ومثواكم)، تقلبوا في مرضاته، وثووا في جناته، تحت عرشه في جواره، فأكرم الله تعالى هذا المؤمن بمعرفته، فأحرزه في
ذمته، وحرم عرضه ودمه وماله، وعظم حرمته، فأعلمهم بالله أعظمهم حرمة، وأقربهم وسيلة، وأكرمهم عليه، فمثل العلم به كمثل رجل نظر إلى شخص رجل، حتى عرفه بالوجه، فهو ساكن القلب، حتى إذا عرفه بخصلة من خصال الشرف، فوجد قلبه قد تغير له إلى التعظيم والإجلال، فإن كان قد جمعت هذه الخصال في رجل واحد، مما وصف الله بها نفسه، من الجود والغنى، والرأفة والرحمة، والسماحة والكرم، والمعرفة بالأمور، والقوة والتدبير، ومحاسن الأخلاق، عظم شأن الرجل عندك، حتى تهتم في ذكره وأوصافه، فمن كشف له الغطاء حتى عرف ربه بأسمائه الحسنى، وبأمثاله العلا، كان أسبى لقلبه، والهج لذكره.
وابن آدم مطبوع على سبعة، وهي الغفلة، والشك، والشرك، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب، فهذه سبعة أخلاق، فإذا جاءه نور الهداية حتى عرف ربه ووحده، ذهبت الغفلة، وذهب الشك والشرك؛ فهو يعلم ربه يقيناً، وينفى عنه الشرك، وزوال الشك عنه، ثم لما جاءت الشهوة، فأظلم الصدر بدخانها وفورانها، ذهب بضوء علمه واستنارته، وتحير في أمر ربه كالشاك، وظهر شرك الأسباب، فكلما أزداد العبد معرفة وعلماً بربه ، استنار قلبه وصدره، وانتقص من الغفلة،
стр. 46
ومن هذه الخصال السبع كلها، حتى يمتلئ صدره من عظمة الله وجلاله، فعندها كشف الغطاء، وصار يقيناً، وزايله شرك الأسباب، وماتت الشهوة، وذهب الغضب، وذهبت الرغبة والرهبة، فلا يرغب إلا إلى الله ، ولا يرهب إلا منه، ولا يغضب إلا في ذات الله ولله، ولا يشتغل بشهوة إلا بذكر الله .
стр. 47
قال له قائل: صف لنا من رياضة النفس شيئاً: قال: إن النفس إذا اعتادت اللذة والشهوة، والعمل بالهوى، أقبل على فطمها عن العادة في كل شيء، فكلما اشتد
عليها فطم شيء فأقبل ذلك الشيء حتى تفطمها عنه، حتى يصير قلبك حراً، يألف مع الله ببره ولطفه، فقد رأيت البازي كيف يلقى في البيت، وتخاط عيناه، حتى ينقطع عن الطيران، ويربى باللحم، ويرفق به، حتى يأنس بصاحبه، ويألفه إلفاً، إذا دعاه فسمع صوته أجابه.
فكذلك النفس. إنما تجيب ربها فيما أمرها بعد فطامها عن عادات الأمور التي اشتهت ولذت، فإذا فطمها ألزمها الدعاء، وثناء الرب ومدائحه ونجواه، حتى تأنس بذلك، وتألف الذكر، حتى ينكشف الغطاء بعد ذلك، فيألف ربه .
وكذلك تجد الصبي قد ألف ثدي أمه، حتى لا يكاد يصبر عنه ساعة، فإذا فطمته اشتد على الصبي، وبكى وقلق، فإذا دام الفطم نسيه، وأقبل على الطعام والشراب، فكلما وجد حلاوة الأطعمة والأشربة هجر الثدي، وعاف ذكر اللبن.
وكذلك تجد الدابة تؤخذ من الدواب السائمة، لتؤدب وتعود الركوب، ففي الابتداء تنفر عن اللجام والسرج، فتشكل حتى تسرج، وتلجم حتى تعتاد، وتعلم السير حتى تصير أذنها إلى العنان، وقلبها إلى إشارات الراكب بذلك العنان، فإذا بلغ بها القنطرة وثبت وثبة لا تدعها تجور، فتعتاد ذلك، فليس في كل مكان يوجد قنطرة، فيهودها الوثب وسيرها في جلبة الصناعيين، مثل الحدادين والنجارين فإذا نفرت من تلك الأصوات أو تركت سيرها، أدبها حتى لا تنفر ولا تتحير، حتى تصير أديبة سيورة.
стр. 48
فكذلك الآدمي، يؤدب كما تؤدب هذه الطيور والدواب، بالفطم عن عاداتها، وكل شيء تجد النفس لذته في وقت تفرح بذلك الشيء، فإذا فرحت به فقد تدنس بذلك الفرح، فيصير غشاء عليه، حجاباً له من ذلك الفرح؛ فكان أهل الصدق في هذه الطريق يلزمون هذا الباب الذي وصفت، فكل شيء تفرح نفوسهم به من وجود
لذة ذلك الشيء كائناً ما كان، من طعام أو شراب، أو لباس أو أهل، أو ولد، أو أخ، أو مؤنس، أو أصحاب، أو أمكنة، أو عرض من عروض الدنيا؛ فكانوا يتوقون الفرح لذلك، فيأخذون من ذلك الشيء ألي لا بد لهم منه على الضرورة، ثم يهربون من لذته، خوفاً على النفس أن تفرح بذلك، فإذا دام على ذلك صاحبه، فذلك تقوى الباطن. وأما تقوى الظاهر فهو حفظ الجوارح مع الخلق والملائكة.
فإذا فعل ذلك فأدى الفرائض لمواقيتها وحددوها، واستعان على النفس برؤية الموتى والمقابر وأهل السجون، والمواضيع التي فيها النيران العظيمة، من الأتون ومذاب جواهر الزجاج، فإن في ذلك قمعاً للنفس، أورثه فعله بنفسه الغم، ومن الغم الهم والأحزان. ولذلك قال رسول الله ﷺ : (ما عبد الله بمثل طول الأحزان).
تم كتاب الرياضة، بحمد الله ومنه
وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.