← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

إبراهيم مع قومه لقد أخبرنا الله سبحانه عن إبراهيم ومناظرته مع قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام من دون الله ، فقد ناظرهم في هذه المعبودات الباطلة، ثم حطم أصنامهم، فأرادوا حرقه وقالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٧ - ٩٨]، ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٧٠]. وقد ذكر الله قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام باختصار، وفصل في غير هذه السورة ما اختصره هنا، وختم هنا بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩].

стр. 1052

نوح مع قومه إن قوم نوح كانوا قبل إبراهيم وكذلك قبل هؤلاء الذين ذكرهم الله سبحانه في هذه السورة، وقد ذكر الله لنا أنهم استكبروا استكباراً، وتولوا وأعرضوا عن رسولهم، وأرادوا به الضر، وأوصى بعضهم بعضاً بعدم تصديقه وعدم الإيمان به، فاستمروا على ذلك وهو يدعوهم إلى الله سنين طويلة جاوزت التسعمائة: ألف إلا خمسين عاماً. فلما أصروا على ما هم فيه، واستهانوا بعذاب الله، واستهزئوا برسول الله، جاءهم العذاب من حيث لا يشعرون. فقد كانوا يسخرون من نبيهم كيف يصنع سفينة في الصحراء، ومن أين يأتيها الماء، فإذا بالله يفجر الأرض عيوناً، وينزل من السماء ماءً فيغرق جميع من على الأرض، وينجي المؤمنين مع نبيهم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويختم بالختام الجميل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩].

стр. 1053

قوم عادٍ وثمود يذكر لنا الله قوم عاد وكيف أنه أعطاهم ومكن لهم وجعل لهم نعماً كثيرة من عنده، وقد ذكرهم بها نبيهم ﵊، كما قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣١]. فأبوا وأصروا على ما هم فيه حتى جاءهم العذاب من عند رب العالمين. ويختم ربنا بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]. ثم ذكر من بعدهم ثمود الذين جاءوا وصنعوا صنيعهم، فعذبهم الله بعذاب كعذابهم، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩].

стр. 1054

إهلاك قوم لوط وقوم شعيب لقد ذكر الله قوم لوط الذين أتوا الفواحش العظيمة، واستهانوا برسولهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا طرده ورجمه، فابتلاهم الله سبحانه بأن عذبهم وأهلكهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٥]، وختم هنا في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]. ثم ذكر قوم شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم أهل مدين الذين طلبوا من نبيهم أن يرسل عليهم كسفاً من السماء، أي: قطعاً من السماء، فإذا بالله ينزل عليهم عذابه من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون، فجاءتهم ظلة من فوقهم أظلتهم فظنوا أن فيها الرياح الطيبة والبرودة، وقد قاسوا من الحر سبعة أيام، فاستظلوا بهذا الظل جميعهم، فلما تتاموا تحته إذا بصيحة من السماء ورجفة من الأرض، وإذا بالظلة تمطر عليهم عذاباً وناراً وسموماً، فأهلكهم الله سبحانه، وختم في المرة الأخيرة بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]. وقد كرر الله وراء كل آية من آيات هذه السورة قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، فكان مجموع تكرارها ثمان مرات، والمعنى: أن الله عزيز غالب، وعزته وجبروته على الكافرين، حيث دمرهم أجمعين، ورحمته ورأفته وحنانه على المؤمنين، فجمع سبحانه بين الصفتين: عزيز وبهذه العزة أهلك الكافرين، ورحيم وبهذه الرحمة أنجى المؤمنين، وقد جمع لنا هذا كله في هذا الكتاب العزيز المنزل من عنده.

стр. 1055

القرآن منزل من عند الله على رسوله بواسطة جبريل حسن الختام لهذه السورة الكريمة العظيمة هو قول الله لنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢]، فبعد أن قص علينا هذه القصص العظيمة، وأرانا هذه الآيات، عرفنا أن هذا ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو كلام رب العالمين سبحانه. وقد عرف أهل الكتاب ذلك؛ لأن هذه القصص ما كان يعرفها النبي ﷺ من قبل، وقد كانوا يأتون إلى النبي ﷺ ويسمعون منه بعض هذه القصص فيتعجبون؛ بسبب إحاطته بتفاصيلها على الرغم من أنه لم يخرج خارج مكة ﷺ ليتعلم علماً، ولم يجالس أحداً من أهل الكتاب، وقد يذكر تفصيلات دقيقة لا يعرفها الكثيرون من أهل الكتاب، فيقول الله لهؤلاء ليسكتهم: لا تعجبوا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢] أي: إن هذا القرآن جاء من عند رب العالمين سبحانه، فقد نزله تنزيلاً، ولم يأت من عند أحد غيره. قال الله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] أي: أن هذا القرآن نزله ربنا سبحانه على نبينا ﷺ بواسطة جبريل الروح الأمين، ووصفه الله بهذه الصفة؛ لأنه روح خلقها الله ، وهو أمين كما أن الرسل من أهل الأرض أمناء، فكل رسول منهم يقول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٠٧]، فكذلك هذا الروح الأمين رسول من رب العالمين إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهو أمين بشهادة رب العالمين سبحانه هذه. وهذا القرآن نزله الله تنزيلاً، وتنزيلاً: مصدر من نزل، فهو تنزيل من عند رب العالمين، وهذا فيه إثبات لعلو الله تعالى. وفي هذه الآية قراءات: قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم وهم يقرءونها: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، وباقي القراء يقرءونها بالتضعيف: (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) أي: نزل الله بهذا القرآن من السماء، أما ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] على القراءة الأولى فهو جبريل ﵇. وقد أنزل الله القرآن كله إلى بيت العزة في السماء في ليلة القدر، ثم نزل من بيت العزة إلى الأرض بأمر الله سبحانه لجبريل أن ينزل بآية كذا في الوقت الفلاني، وسورة كذا في الوقت الفلاني، وبكلمة من سورة كذا في الوقت الفلاني، فينزل القرآن بحسب ما يحتاج إليه الناس، فهم يحتاجون إلى أحكام ومواعظ، فينزل الله سبحانه جبريل بما يحتاجونه. قال الله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٤] أي: نزل هذا القرآن على قلب النبي ﷺ وليس على أحد سواه، فوعاه قلبه صلوات الله وسلامه عليه وحفظه، فلما كان ﷺ يطلب من جبريل أن يزوره أكثر مما يزوره، وينزل عليه بالقرآن أكثر مما ينزل عليه من قبل أخبره الله في القرآن عن ضابط نزول جبريل عليه فقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] أي: أن ربك لم ينسك، و ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، ولكن ينزل بقدر، وكل شيء عنده بمقدار، فيعلم سبحانه متى ينزل هذه السورة، ومتى ينزل هذا الحكم، ومتى ينزل هذه الآية، فكل شيء بقدر عند رب العالمين سبحانه. وكان النبي ﷺ يقرأ مع جبريل عندما يأتيه بالقرآن؛ حتى لا ينسى، فإذا بالله يعلمه أدب السماع، وذلك بأن ينصت ولا يتكلم، قال سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] أي: نحن الذين نحفِّظك، ونحن الذين ننسيك ما نريد من ذلك، قال الله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فالله هو الذي يحفظ نبيه ﷺ ، فلا يحتاج إلى معالجة الحفظ، بل يستمع لما يقوله جبريل ولا يحرك به لسانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٥ - ١٨] أي: إذا قرأه جبريل ﵇ عليك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] أي: نحن نبين لك هذا العلم العظيم، وما عليك إلا أن تصغي وتعطينا قلبك وأذنك، ونحن نملؤهما من علمنا. قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] فهو منذر، وهو بشير أيضاً، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر:٢٤]، والنذارة والبشارة إخبار، ولكن البشارة إخبار بما يسر، وقد يكون فيها ما يسوء، ولكن الغالب أنها إخبار بما يسر. والنذارة: الإخبار بما يخيف، وهو التوعد والوعيد، فهنا جاء النبي ﷺ بالاثنين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، فأرسلناك بهذا الحق الذي نزل من السماء بشيراً لمن آمن أن له الجنة، ونذيراً لمن كفر بالله أن عليه العذاب يوم القيامة. قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٤] أي: تخوف وتتوعد هؤلاء المشركين الكفار الذين أبوا إلا العصيان تتوعدهم بالنار في الآخرة، وبالقتل في الدنيا، ولذلك لما كان أهل مكة يؤذنون النبي ﷺ ويسخروا منه كان يقف لهم عند الكعبة صلوات الله وسلامه عليه ويقول: (ألا تسمعون: والله لقد جئتكم بالذبح)، فيقومون من أماكنهم خوفاً من النبي ﷺ ، فبعد أن استهانوا واستهزءوا به وهو يطوف بالبيت إذا بهم يلينون له، ومنه يخافون، ويقولون: (انصرف أبا القاسم فلست بالسفيه). فجاء ﷺ ليبشر المؤمنين، وينذر العصاة والمشركين بهذا القرآن العظيم ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢] أي: هذا الكتاب من عند رب العالمين: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] أي: جاء به جبريل للنبي ﷺ ، فألقاه عليه فحفظه النبي ﷺ ، فأدخله الله قلبه ﵊.

стр. 1056

القرآن نزل باللسان العربي قال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] أي: أن هذا الإنذار بلسان عربي مبين؛ لأن لسان النبي ﷺ لسان عربي، فالقرآن نزل بلسان العرب، فلو أن القرآن نزل بلسان أعجمي، أو جاء الرسول أعجمي والقرآن عربي لقالوا: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، فسوف يتحيرون في هذا الأمر، وينكرون كون الكلام عربياً ولسان رسولنا أعجمياً، أو العكس من ذلك، فالله أخبر أن الرسول عربي، وأن القرآن عربي: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] والمنطوق به هنا هو أن هذا القرآن بلسان عربي مبين، وفيه إشارة إلى أن هناك كتباً أخرى لم تكن باللسان العربي، فالكتب التي كانت قبل ذلك كانت بألسنة قومها من سريانية وغيرها، لكن القرآن نزل باللسان العربي الذي ينطق به هؤلاء، ويعجزهم الله به.

стр. 1057

ذكر النبي الكريم والقرآن العظيم في الكتب السابقة قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]، فالضمير في (إنه) قد يعود إلى القرآن الذي ذكر قبل ذلك، أو إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا حق وذاك حق. والزبر: جمع زبور، وهي الكتب، والمزبور بمعنى المكتوب، والزبْر الكتابة والتنقيش، فزبر الأولين: هي كتب الأولين السابقة كالتوراة والإنجيل، وقد أخبر الله فيها عن النبي ﷺ ، وعن الكتاب الذي يأتي به. وقد عرف أهل الكتاب صفة النبي ﷺ وأنه عبد الله ورسوله، وأنه سماه المتوكل، وأنه ليس بفظ ولا غليظ، فقول الله لرسوله في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] قد ورد مثله عند أهل التوراة، كما قال ابن سلام وكعب الأحبار: نجد ذلك عندنا في التوراة: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق. أرسلناك لنهدي بك قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً)، فهذا كله عند أهل التوراة، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم بعد ذلك كـ عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ﵄. فهنا ربنا يخبرنا أن ذكر محمد ﷺ موجود عند أهل التوراة وعند أهل الإنجيل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]. كما أخبر الله أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فالرسول ﷺ مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، ولكن أهل التوراة والإنجيل يأتون بالتوراة والإنجيل ويقولون: لا يوجد ذكر النبي ﷺ ؛ لأن التوراة والإنجيل لم تكن بلسان العرب، فقد نزلت باللغة القديمة التي كانت شائعة عندهم وهي اللغة السريانية، ثم ترجموها بعد ذلك وحرفوها فألغوا منها ما أرادوا، فألغوا ذكر محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك من يطلع على الكتب القديمة بلغتها يجد ذكر النبي ﷺ فيها. وقد أخبرني أحد إخواننا الدكاترة الذين كانوا يحضرون رسالة الدكتوراة في اللغات القديمة أنه ذهب إلى الفاتيكان لإتمام دراسة الدكتوراة، وهنالك اطلع على مخطوطة للتوراة، فوجد فيها ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه بلغتهم، ولكن المترجم منها إلى الإنجليزية أو العربية أو الإسبانية أو الفرنسية ليس فيها ذكر النبي ﷺ . ونحن لا يعنينا أن نجد هذا في كتبهم أو لا نجده؛ لأننا نصدق كلام رب العالمين، فربنا يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فأخبرنا بأن النبي ﷺ مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧].

стр. 1058

علماء بني إسرائيل يعرفون النبي الكريم يقول الله : ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧] أي: أولم يكن الأمر آية لهؤلاء أن يعلمه علماء بني إسرائيل؟ وهنا: (أن يعلمه) مصدر مؤول، وهم اسم (يكن)، فيقول: أولم يكن علم علماء بني إسرائيل آية لهؤلاء؟ ولذلك فالجمهور على القراءة بالنصب في (آية): ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧]. وقرأ ابن عامر: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: هذه آية، وهي ما يعلمه علماء بني إسرائيل عن النبي ﷺ وعن هذا القرآن العظيم، وقد عرفوا ذلك، فأرسل أهل مكة إلى اليهود في المدينة يسألونهم عن النبي ﷺ ، يقول ابن عباس ﵄: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد ﷺ ، فقال اليهود: هذا هو زمن النبي، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته. فعرفت يهود أن زمن النبي ﷺ قد أظلهم، وكان اليهود مستذلين من الأوس والخزرج من أهل المدينة، وكانوا موالين للأوس أو للخزرج، وذلك حتى لا يكونوا وحدهم في المدينة، فإما أن يتولوا الأوس أو يتولوا الخزرج، بحيث إن هؤلاء يدافعون عنهم أو هؤلاء يدافعون عنهم، وكان إذا اشتد أهل الشرك بالمدينة من الأوس والخزرج أو غيرهم من كفار أهل المدينة، على اليهود فإنهم آنافهم ويذلونهم، فكان اليهود يقولون لهم: لقد أظلكم زمان يبعث فيه نبي، ونحن سنتبع هذا النبي ونقاتلكم معه، فمن كثرة ما قال ذلك اليهود في المدينة أصبح أهل المدينة ينتظرون ذلك النبي، وكلٌ منهم يريد السباق إليه صلوات الله وسلامه عليه، والعجب أن اليهود الذين كانوا يهددون الأوس والخزرج بهذا النبي لم يدخلوا في دينه ﷺ ، ولم يؤمن به إلا القليل منهم كـ عبد الله بن سلام، ثم بعد ذلك كعب الأحبار.

стр. 1059

رهبان النصارى يدلون سلمان الفارسي على الدين الحق وممن أسلم مع النبي ﷺ وقد عرف اليهود والنصارى وعاش معهم طويلاً: سلمان الفارسي ﵁، فقد كان أبوه من المجوس، وكان صاحب نيرانهم، وكان ذا رتبة كبيرة فيهم، وكان يحب ابنه سلمان ﵁، ومن شدة خوفه عليه كان يحبسه في البيت، فشب ﵁ وهو لا يعرف شيئاً عن الدنيا، وكل ما يعرفه هي النيران التي كان أبوه يصنعها ويوقدها لقومه، والمكان الذي هو فيه، وفي مرة من المرات أرسله أبوه لشيء، فخرج فمر على ناس يتعبدون، فسأل عن هؤلاء فقالوا: نصارى، فرجع إلى أبيه وأخبره عن هؤلاء، فقال له: إنهم على باطل، وأمره أن يدعهم ولا يأتيهم مرة أخرى، فذهب إليهم من وراء أبيه، فحبسه أبوه لما علم بذلك، ثم هرب من أبيه وذهب إلى راهب من رهبان النصارى وأعجبه توحيده، فقد كان على الحق قبل بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان من النصارى الموحدين، فلما أتاه مكث معه فترة، ولما جاءته الوفاة دله أن يذهب إلى فلان فيعبد الله معه، فتوجه سلمان إلى ذلك الراهب من النصارى الذين كانوا على التوحيد، وتعبد لله معه إلى أن قربت وفاته، فقال له سلمان: إلى من أذهب؟ قال: اذهب إلى فلان فاعبد الله معه، وهكذا حتى مر على ثمانية عشر من النصارى أو نحو ذلك، فيمر عليهم واحداً واحداً، وكل واحد إذا جاءته الوفاة قال له: اذهب إلى فلان واعبد الله معه، وهكذا ظل ﵁ يبحث عن الدين الحق، وهؤلاء النصارى كانوا على التوحيد قبل النبي ﷺ على خلاف غيرهم ممن كانوا يثلثون، وفي النهاية عندما كان آخر راهب قال له: والله لا أعرف أحداً على وجه الأرض على ما نحن عليه من التوحيد، -وقد كانت الأرض مليئة بالنصارى، ولكنه يقصد من كانوا على التوحيد-، وقد أضلك زمن يبعث فيه نبي، ففرح سلمان ﵁، وقال: أين هذا النبي؟ قال: في المدينة. فأحب سلمان الفارسي أن يتوجه إلى المدينة، فانتظر إلى أن جاءت سفينة وفيها بعض العرب، وكان العرب في جاهليتهم أشراراً ليس عندهم وفاء ولا عهد إلا من رحم الله ، فأخذوا منه أجرة من أجل يوصلوه إلى المدينة، وبعد أن ركب معهم صيروه عبداً عندهم، وهذا من نذالتهم وخيانتهم للوعود، ولذلك مقتهم الله ، وأخبرنا النبي ﷺ في الحديث: (أن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم جميعهم إلا بقايا من أهل الكتاب). أي: إن الله مقت العرب والعجم من أهل الأرض، وقعت كفار أهل الكتاب الذين ثلثوا وعبدوا غير الله ، وزعموا أنهم يعرفون الله، قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. وقد كان العرب في جاهليتهم شر خلق على وجه الأرض، فكان يأكل بعضهم بعضاً، ويغتصب بعضهم بعضاً، ويخون بعضهم بعضاً، وليس فيهم أمن ولا أمان، وتغير القبيلة على القبيلة الأخرى والثانية عليها، فمقت الله أهل الأرض جميعهم قبل مجيء نبينا ﷺ إلا بقايا من أهل الكتاب، فذهب سلمان معهم إلى المدينة وباعوه لليهود وأخذوا ثمنه، وهو في كل ذلك صابر ينتظر النبي ﷺ ، وقد عرف من هؤلاء الرهبان صفة النبي ﷺ . إذاً فـ سلمان كان من المجوس ولم يكن من النصارى، ثم تنصر بعد ذلك مع هؤلاء الذين كانوا على التوحيد، وانتظر النبي ﷺ فمكث في المدينة ولم يشهد مع النبي ﷺ بدراً؛ لأنه كان ما زال عبداً رضي الله ﵎ عنه. ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة إذا بـ سلمان يتشوق إليه، فسمع اليهودي مع قريبه يقول: لقد جاء محمد، فسمع ذلك وهو فوق النخلة، فكاد يسقط منها لما سمع ذكر النبي ﷺ ؛ من شدة فرحه، وذهب يسأل اليهودي عن النبي ﷺ ، فإذا باليهودي يلطمه ويقول: مالك وله، اذهب إلى عملك. فرجع إلى عمله ﵁، وذهب ذات مرة إليه ﵊ وقد ادخر من طعامه شيئاً، فأعطاه إياه وقال مختبراً له: هذه صدقة، فأخذها النبي ﷺ وأعطاها لأصحابه، فأكلها أصحابه ولم يأكل منها، فتبين لـ سلمان أنه نبي؛ لأن النبي لا يأكل الصدقة، وقد عرف من أهل الكتاب أن النبي يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فجاءه مرة أخرى بتمر وقال: هذه هدية، فقبله النبي ﷺ وأكله، ثم جاء سلمان يدور حول النبي ﷺ ، فانتبه النبي ﷺ للذي يريده سلمان، وأنه يريد أن يرى خاتم النبوة كالبيضة على كتف النبي ﷺ ، فألقى النبي ﷺ ما عليه من رداء، فنظر إلى خاتم النبوة، وعرف النبي ﷺ وصدق وآمن رضي الله تعالى عنه. فهذا واحد ممن كان من أهل الكتاب، وقد عرف النبي ﷺ بعلامته.

стр. 1060

إسلام عبد الله بن سلام لقد كان النبي ﷺ يذهب إلى أهل الكتاب وإلى مكان تلاوتهم للتوراة في مدراسهم، ويجلس معهم وهم يكرهون منه ذلك؛ لأنه لم يأت من أجل أن يجاملهم ﷺ أو يصلي معهم، بل جاء من أجل أن يدعوهم إلى الله، لذلك كانوا يكرهون أن يأتي إليهم ﷺ ؛ لأنه ما جاء إلا ليأمرهم أن يدخلوا في هذا الدين العظيم، فيقول لهم: ألا تجدون صفتي عندكم في التوراة؟ فيقولون: لا نجدها، فيظل يستحلفهم ﷺ حتى يخرج إليه عبد الله بن سلام ﵁ ويقول: والله إنك لرسول رب العالمين، وإنهم ليعرفون ذلك، فيخرج مع النبي ﷺ ويسلم، ويكون ممن شهد له النبي ﷺ في رؤيا رآها أحد الصحابة أو رآها هو أنه أمسك بعروة، فشهد له النبي ﷺ أنه يتمسك بالإسلام حتى يتوفاه الله . وكأنه كان مع بعض اليهود لما قال ذلك، وكأن الكثيرين لم يكونوا يعرفون أنه أسلم، فقال للنبي ﷺ : اكتم إسلامي عن هؤلاء حتى يأتوا وسلهم عني، فسألهم عن عبد الله بن سلام ﵁، فكان جوابهم: أنه سيدنا وابن سيدنا، وأنه حبرنا وابن حبرنا، ومدحوه وأباه مدحاً عظيماً. فقال لهم النبي ﷺ : (أرأيتم لو أسلم؟ قالوا: معاذ الله)، أي: حاشا لله لا يمكن أن يسلم، فقال النبي ﷺ : (أرأيتم إن أسلم؟ فكرروا)، فخرج ابن سلام يأمرهم أن يتابعوا النبي ﷺ ، فإنهم يعرفون أنه على الحق، فقالوا: (شرنا وابن شرنا)، ورجعوا عن كلامهم الذي قالوا.

стр. 1061

حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه إن الله يخبرنا هنا بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧] أي: دعك من هؤلاء الجهلة الذين لا يقرءون ولا يكتبون، ولذلك لما أتاهم النبي ﷺ مرة في مدراسهم وهم جالسون في كنيستهم سألهم عن الرجم -وقد أتوه برجل وامرأة قد زنيا-: (أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا)، فأما أهل العلم منهم فيعرفون، وأما الأغلبية منهم فجهلة لا يقرءون؛ لأن كتابهم بلغة غير لغتهم، وهم لا يقرءون لا بلغتهم ولا بلغة غيرهم، وإنما يعتمدون على من يقرأ في التوراة، وقد علم النبي ﷺ أن حكم الرجم مما لم يحرفوه في التوراة، فإنهم قد حرفوا أشياء لكن حكم الرجم هذا لم يحرفوه، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣] أي: هاتوا التوراة واتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يضع يده على الآية التي فيها الرجم ويقرأ ما قبلها وما بعدها؛ حتى لا يراها النبي ﷺ ، فإذا برجل ممن معه يقول: ارفع يدك واقرأ الذي تحت يدك، فرفع يده فقرأها، فبهت القوم لما سمعوا ذلك. وهذا من إفكهم وكذبهم على الله سبحانه، فقارئهم يضع يده على آية في كتاب الله وهو من كبرائهم، فإذا كان قارئ التوراة يفعل ذلك فكيف بباقي هؤلاء أولاد القردة والخنازير لعنة الله عليهم؟! فالله يخبرنا أن علماءهم يعرفون ذلك تماماً فيقول: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧] أي: أن يعلموا أن هذا القرآن كلام رب العالمين، وأن هذا النبي ﷺ مرسل من عند الله. قال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ [الشعراء:١٩٨] أي: هذا الوحي وهذا القرآن العظيم، ﴿عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨] كما يدعون، فقد كانوا يدعون أن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلم النبي ﷺ ، ثم يقولون: إن رجلاً اسمه رحمن موجود في اليمامة هو الذي يعلم النبي ﷺ ، وهم يعرفون أنهم كذابون في ذلك، وأن ما ادعوه غير موجود، فيقول الله سبحانه -يخاطب عقولهم لو كانوا يفهمون-: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ١٩٩] أي: إذا كان بالغة العربية فلا يريدون أن يؤمنوا، أو باللغة الأعجمية فسيقولون: نحن لا نفهم ماذا يقول، فلا يؤمنون به.

стр. 1062

طبع الله على قلوب المجرمين فلا يؤمنون حتى يروا العذاب قال الله : ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٠] أي: كأمثال هؤلاء المجرمين سلكنا في قلوبهم الكفر والتكذيب والجدل بالباطل، كما تقول: سلكت الخيط في الخرز، أي: أدخلته بداخلها، فأنت عندما تخرز السبحة والعقد فإنك تدخل الخيط في الثقوب الموجودة فيها، وكأن هذا الكفر انسلك بداخل قلوب هؤلاء، فلا يخرج من قلوبهم. قال الله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الشعراء:٢٠١] أي: لا يؤمنون ولا يصدقون إلا أن يروا عذاباً كعذاب الأمم السابقة، وفي هذه الحالة يندمون حين لا ينفع الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم، فلا ينفعهم شيء إذا آمنوا حين يأتيهم العذاب. قال سبحانه: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٢] أي: فإذا جاءهم العذاب فإنه يأتيهم فجأة فينزل عليهم وهم لا يشعرون، فإذا جاء العذاب يقولون: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٣] أي: يطلبون النظرة، وطالما أنهم يطلبون الانتظار فلماذا لم يسلموا ويتبعوا النبي ﷺ ؟!

стр. 1063

استعجال الكافرين للعذاب يقول الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٤] أي: إنهم يطلبوا من النبي ﷺ العذاب، وليس عذاب البشر إنما هو عذاب رب العالمين سبحانه، فقد كانوا جهلة، ومن جهلهم: أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] أي: يا الله! نريد العذاب الآن قبل يوم القيامة، وهذا دليل على جهل هؤلاء، فالعاقل لا يطلب من ربه هذا الشيء، وقد أعمى الله أبصارهم بل بصائرهم فلم يفقهوا ولم يفهموا حتى ما يقولون، فالدعاء الذين يدعونه لم يفهموه، ولعلنا سمعنا أن دعاءهم في يوم بدر هو: اللهم أهلك أقطعنا للرحم، أي: الذي يقطع الرحم، يقصدون النبي ﷺ ، وهو يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] أي: أنا أريد أن أصل الرحم الذي بيني وبينكم، وهم يقولون: هو أقطعنا للرحم، صلوات الله وسلامه عليه. ومن دعائهم كذلك قولهم -كما حكى الله عنهم-: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فيدعون بدعاء لا يقوله إلا إنسان غافل غبي لا يفهم ما يقول، فبدلاً من أن يقولوا: أرشدنا إلى الحق واهدنا إليه، يقولون: إذا كان هذا حق فأنزل علينا عذاباً من عندك. قال الله سبحانه عن هؤلاء: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٤ - ٢٠٦] أي: لو تركناهم يتمتعون ويأكلون ويشربون ويلبسون ويتزوجون سنين طويلة، وفي النهاية جاءهم الموت: ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٦]، فهل أغنى عنهم هذا المتاع الذي تمتعوه؟ وهل أغنى عنهم طعامهم وشرابهم وقصورهم وبيوتهم؟ فلو كانت تغني لأغنت عن السابقين، ولكن: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧].

стр. 1064

الهلاك يكون بعد الإنذار ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٨] أي: إننا أنذرنا السابقين فلما لم يستجيبوا جاءهم العذاب، وكذلك ننذر هؤلاء، وهذه ذكرى من الله رب العالمين: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٩]، وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، فقد أنذرهم الله وأعطى لهم الإعذار، فأرسل إليهم رسوله صلوات الله وسلامه عليه. فإن يؤمنوا فهو خيرٌ لهم، وإن يكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1065

تفسير سورة الشعراء [١٩٨ - ٢٢٧] ذكر الله تعالى في آخر سورة الشعراء أن الكفار لا يؤمنون بهذا القرآن العظيم، ولا بما فيه من الوعد والوعيد، وذكر الله تعالى أن هذا القرآن الكريم تنزيل من رب العالمين وليس من تنزيل الشياطين، فإن الله قد منعهم من استراق السمع عند نزول القرآن على محمد ﷺ ، وذكر أن الشياطين تتنزل على أوليائهم من الكهان والشعراء الذين هم في كل واحد يهيمون، وأمر الله تعالى في هذه الآيات نبيه ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، وأن يخفض جناحه لأتباعه المؤمنين.

стр. 1066

تفسير قوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في آخر سورة الشعراء: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ٢١١]. في هذه الآيات من آخر هذه السورة يخبرنا ربنا سبحانه عن هذا القرآن العظيم أنه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، ولو أن الله سبحانه نزل هذا القرآن على رجل أعجمي لكذب العرب، ولقالوا: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤] أي: أقرآن عربي على لسان إنسان أعجمي؟!! قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، فهم معترضون على كلام رب العالمين في جعل قرآن أعجمياً ينزل على رجل عربي، فالله سبحانه جعل القرآن العظيم بلغة العرب، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢]، وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. وقال سبحانه هنا: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ٢٠٠]. يعني: كذلك التكذيب أو الكفر بالقرآن العظيم الذي وقع فيه هؤلاء المشركون سلكناه في قلوب المجرمين.

стр. 1067

معنى قوله تعالى: (لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم) قال تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الشعراء:٢٠١] أي: لا يؤمنون إلا مجبرون حين يرون العذاب أمامهم، ولا ينفعهم إيمانهم في ذلك الحين. قال تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٢]، فإذا جاءهم العذاب من عند رب العالمين فإنه يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. قال تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٣] أي: يطلبون الانتظار من الله قليلاً حتى يؤمنوا ويدخلوا في هذا الدين؟ وكذلك سلك الله التكذيب في قلوب هؤلاء كما كان من قبل في قلوب سابقيهم فلم يؤمنوا، كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب الأيكة وقوم إبراهيم حتى رأوا أمامهم عذاب رب العالمين سبحانه، فإذا جاء العذاب بغتة فلا ينفعهم إيمانهم إن أرادوا أن يدخلوا في هذا الدين؛ لأن الإيمان ينفع من آمن بالغيب، وصدق به من غير أن يرى ملائكة الله وعذاب الله سبحانه. قال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٤] أي: أفبعذاب رب العالمين يستعجلون؟! وهل عرفوا مدى عذاب رب العالمين؟! وهل عرفوا قوة الله سبحانه ﵎ وبطشه وأخذه للظالمين؟! قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فلو عرفوا قدر الله سبحانه وقوته وجبروته وملكوته لاستجابوا، ولما استعجلوا العذاب، ولما قالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]. قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٥]، يقول الله للنبي ﷺ : أخبرني عن هذا الأمر، فلو أننا متعناهم سنين، ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٦] وفي النهاية يأتيهم أجلهم وهو موتهم، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧]، وهذه عبرة لهؤلاء وعبرة لكل إنسان، فالإنسان الذي يطلب المتعة في الدنيا ولا يفرق أهي من حلال أو من حرام، فربنا يقول لهذا الذي يطلب من نعيم الدنيا: لو متعناه سنين فسيأتيه موته في النهاية، فإذا لم يأت الموت هذه السنة، فسيأتي في السنة القادمة، وإذا لم يأت اليوم فسيأتي غداً، فإذا جاء الموت هل يغني عنك هذا الذي تمتعت به، وهذا الذي كسبته من حرام وأكلته؟! فالإنسان يتفكر ويعتبر بمصير هؤلاء السابقين، واحذر الحرام واحذر التسويف، فمهما سوفت ففي النهاية سيأتي الموت. وقد يأتي الموت للإنسان وهو على غير توبة، فيرجع إلى ربه فيحاسبه حساباً شديداً، فليتب الإنسان من الآن إلى الله ، وليحذر الانكباب على الدنيا، وليحذر طلب الدنيا المحرمة؛ حيث إنها تغطي عليه، وتعمي عينيه، وفي النهاية يأتي الموت كما جاء للسابقين عليه.

стр. 1068

معنى قوله تعالى (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) ومعنى قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧] أي: لم يغن عنهم لا القصور ولا الحصون ولا الأتباع، ولا يغني عنهم شيء أمام عذاب رب العالمين سبحانه. وقوله تعالى: (أفرأيت) هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء. ويقرأها ورش بالمد فيقول: (أفرآيت إن متعناهم سنين). ويقرأها الكسائي: (أفريت إن متعناهم سنين) فهذه أربعة قراءات لهذه الكلمة.

стр. 1069

تفسير قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٨] يعني: ما من قرية أهلكناها إلا وقد أزلنا أعذارهم: بأن أرسلنا إليها رسلاً، وبأن أنذرناهم وحذرناهم، فأصروا على طغيانهم، وبعدهم عن ربهم، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر.

стр. 1070

معنى القرية وأصل هذه الكلمة والقرية: هي المدينة، وأصلها من القري: وهو الاجتماع؛ لأن الناس يجتمعون فيها جموعاً كثيرة، فسميت (قرية) لذلك، فالقرية تطلق على المدينة وهي البلدة العظيمة، ورسل الله دائماً يكونون من أهل القرى، ولا يكونون من الريف ولا من البدو، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، فالرسل دائماً من القرى، وليسوا من الأرياف ولا من البدو، والسبب في كونهم من القرى أن أهل القرى -يعني: المدن- أرق طباعاً، لأن كثرة الناس تؤدي إلى احتكاك إنسان بإنسان آخر فيتولد عندهم أخلاقيات وذوقيات معينة، وأما أهل البدو فقليل، وكل إنسان يكون في حاله، فالبداوة تعطيهم جفاء وغلظة. فالأنبياء لم تكن طبيعتهم الجفاء ولا الغلظة، فهم من أهل القرى الذين يختلطون بالناس ويعيشون مع الناس، فيألفون ويُألفون؛ فالله يمرنهم ثم بعد ذلك يرسلهم إلى قومهم حتى يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٨] أرسلنا فيهم رسولاً ينذرهم ويخوفهم، فربنا قد أعذر للقوم وأزال عذرهم، وليس لهم عند الله عذر ولا حجة، قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].

стр. 1071

تفسير قوله تعالى: (ذكرى وما كنا ظالمين) يقول سبحانه: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٩]. يعني: إرسالنا وإخبارنا ذكرى للأقوام وتذكرة لكم، وذكرى هنا في موضع نصب، أي: ذكرناكم ذكرى. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٩] كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] أي: فيستحيل أن يظلم الله سبحانه.

стр. 1072

تعريف الظلم والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو: أخْذ حق الغير، وكيف يظلم الله سبحانه وكل شيء ملك له سبحانه؟ فالله الخالق وكل ما سواه مخلوق، فكل شيء عبد له سبحانه، ويملكه وما ملك. إذاً: فالإنسان مخلوق لرب العالمين، والله يصرف الأمور بحكمته وبقدرته وبعلمه سبحانه وربحمته، فعلى ذلك كيف يظلم؟ قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].

стр. 1073

تفسير قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء:٢١٠]. فهؤلاء الكفار الذين يتهمون النبي ﷺ أن له رئياً من الجن، أي: له صاحب، مثلما كان يقال للشعراء وأن كل شاعر له جني يلقنه ما يقوله من شعر، فقالوا: إن النبي ﷺ له جني يأتيه، وقالوا له ﷺ : إذا كنت قد جئتنا بهذا الشيء تريد أن تكون ملكاً ملكناك علينا، يعني: اترك الذي أتيت به، وكن ملكاً ويكفي. وإذا كان بك طب جمعنا لك الأطباء وجمعنا أموالنا وعالجناك، أي: إن كان ما بك رئي من الجن ذهبنا بك فطببناك. وإذا كنت تحتاج مال جمعنا أموالنا وأعطيناك، فقال ﵊: كل هذا لا أريده؛ لأنه رسول رب العالمين سبحانه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء:٢١٠] كما يزعم هؤلاء البشر أن شيطانه يأتيه بهذا القرآن.

стр. 1074

تفسير قوله تعالى: (وما ينبغي لهم وما يستطيعون) يقول سبحانه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:٢١١] أي: يستحيل أن الشيطان يتكلم بهذا القرآن العظيم؛ فالقرآن يحرق الشياطين، فكيف يتكلم الشيطان بهذا القرآن؟! ولو كان لهم أن يتكلمون به فإنهم لا يقدرون أبداً أن يتكلموا به.

стр. 1075

تفسير قوله تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون) قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٢]، لقد عزل الله الشياطين عن استراق السمع من السماء، وكانت الشياطين يرتقي بعضهم فوق بعض إلى السماء حتى يسترقوا السمع، وهذا ابتلاء من الله ، فإذا أراد الله شيئاً سبب أسبابه وقدر مقاديره، فشاء أن ينزل الخبر من السماء إلى أهل الأرض. وكان الكهان في الجاهلية كثيرون، وهذه فتنة يفتن الله بها خلقه، وكانوا يصادقون ويصاحبون الجان، فكل كاهن له من الجن من يأتيه بخبر من الأخبار، والجان والشياطين يرقى بعضهم بعضاً إلى السماء، وأشار النبي ﷺ بالكفين واحدة فوق الأخرى، أي: بعضهم فوق بعض، فكل جان يركب على الآخر حتى يصعدوا إلى السماء، ثم يسترقوا السمع، والله يشاء أن الملائكة تتكلم بخبر السماء، فملك من الملائكة يكلم ملكاً آخر بأنه سيحدث كذا، وأمرنا بكذا، فهذه الكلمة يسمعها هذا الشيطان أو الجني الذي في السماء، ويلقيها إلى من تحته، وهكذا إلى أن تصل إلى الكاهن. فإذا شاء الله ألا تنزل هذه الكلمة إلى الأرض أرسل عليهم شهاباً يحرق جميعهم، أو يحرق من سمع ذلك، فلا ينزل هذا الخبر إلى الأرض، وإذا شاء أن يفتن عباده فينزل خبر السماء إلى الأرض تركهم، فينزل الخبر، وقد يحرق هذا الشيطان الذي سمعه وغيره لا يحرقه، وينزل الخبر إلى الأرض، فيأتي الجني إلى صاحبه الكاهن فيقر في أذنه هذا الشيء كما تقر الدجاجة، أي: مثلما تقرقر الدجاجة، ويزيد مع الخبر مائة كذبة، ويأتي هذا الكاهن يخبر الناس أنه سوف يحصل كذا، فيحصل هذا الشيء الذي أخبر به الكاهن ويفتتن الناس، فإذا بالناس يصدقون الكهان ويعتقدون فيهم. ولو أن أخبار الكهان كلها كاذبة فسيقول الرسول ﷺ أن أخبار الكهان كاذبة، فكانوا سيقولون له: نحن نعلم هذا، ولا نصدقهم لأنهم كاذبون، ولكن لا بد وأن يكون من أخبار الكهان ما فيه صدق، وبعد ذلك يأتي التشريع بعدم تصديق الكهان لا في صدق ولا في كذب، فيبتلي الله العباد هل يصدقون الله سبحانه ويستجيبون لما يقول، أو يكذبون ويستجيبون للكهان وللشياطين؟ فهذه فتنة أراد الله سبحانه أن يختبر عباده بها، فالشياطين يقول الله سبحانه فيهم: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٢]، فهم يكذبون عليكم، فإنهم قد يسمعون خبراً واحداً فيزيدون فيه كذبات كثيرة. ومعنى قوله تعالى: ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٢] أي: عن أخبار السماء، فقد عزلهم الله ومنعهم من ذلك إلا بشيء يريد فتنة الخلق به.

стр. 1076

تفسير قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين) قال سبحانه: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]، وحاشا له ﷺ أن يدعو غير الله سبحانه، وهذا من باب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، ويقال للنبي ﷺ الذي هو خليل رب العالمين، وأقرب الخلق إلى ربه سبحانه: إياك أن تعبد غير الله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وإذا قيل هذا للنبي ﷺ فغيره من باب أولى، وكل إنسان يخاف على نفسه، وربنا يخاطب نبيه ﷺ هذا الخطاب وهو عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فيخاطبه ربه بأن يحذر من الشرك، فغيره أولى بهذا الخطاب فمن أشرك فهو من الخاسرين، فلذلك يتقي الإنسان ربه ويخاف من الوقوع في الشرك بهذا التحذير وأمثاله. فمن دعا مع الله إلهاً آخر، فالنتيجة أن يكون من المعذبين.

стр. 1077

تفسير قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، أمر الله النبي ﷺ بالإنذار، وأول من ينذر هم أهله القريبون منه، وبعد ذلك يتوسع إلى غيرهم.

стр. 1078

إنذار النبي لقومه من عذاب الله لما نزلت هذه الآية قام النبي ﷺ خطيباً على قومه يدعوهم وينذرهم، وفي الحديث الصحيح عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص) وقريش هي قبيلة النبي ﷺ ، فناداهم ودعاهم النبي ﷺ ، فأنذر الجميع وخصص البعض منهم، فقال: (يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار! يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار! يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) يعني: في الدنيا، فسأصل هذه الرحم، فتكون هناك نداوة بيني وبينكم، ولا يوجد بُعد ولا جفاء بيني وبينكم، وأما في الآخرة فلا أملك لكم من الله شيئاً. فالداعية أولى من يعظهم هم الأقربون منه، فيعظ نفسه وأهله وهم: زوجه وأولاده وأبيه وأمه ثم جيرانه ثم أصدقائه، فالأقربون أولى بالمعروف، فيبدأ بهؤلاء كما أمر الله نبيه ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين.

стр. 1079

تفسير قوله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]، حتى يستجيب الناس لمن يدعوهم إلى الله لا بد من أن يتواضع الداعي إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، فالدعوة بالحكمة أن تكون مع الناس في غاية الهدوء، فادعهم إلى الله ولا تنفرهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. والموعظة نوعان: موعظة شديدة وموعظة حسنة، فادع الناس الموعظة الحسنة؛ لعلهم يستجيبون، قال النبي ﷺ : (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس).

стр. 1080

تفسير قوله تعالى: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون) قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٦]، فإذا رفضوا أن يستجيبوا لك فتبرأ من أعمالهم كالشرك بالله سبحانه، أو ترك التوحيد وعصيان الله سبحانه. ومعنى قوله تعالى: ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٦] أي: متبرئ من أعمالكم.

стр. 1081

تفسير قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم) قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧]، هذان الاسمان تكررا في هذه السورة كثيراً وهما: العزيز الرحيم، مع أن الغالب أن الرحيم يأتي مع الغفور، والعزيز يأتي مع الحكيم، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١]، وقال تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦]، وأما في هذه السورة فقال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧]؛ لأن في هذه الآيات يخبر الله عن الفريقين المؤمنين والكفار، فالكفار يأخذهم ويرينا فيهم عزته وقدرته سبحانه، فأرانا كيف صنع بقوم نوح ومن بعدهم، وأما المؤمنون فيرحمهم سبحانه. أخذ بها الكفار وأدخلهم النار، ورحمته كانت في المؤمنين، فقد رحمهم وأدخلهم جنته ونصرهم في الدنيا، ويوم القيامة يجعلهم من أهل رحمته، فهو العزيز الرحيم. فكما خذل الكفار من قبل وهزمهم فكذلك هؤلاء الكفار فإنه سيخذلهم ويهزمهم سبحانه، وكما رحم المؤمنين السابقين فكذلك سيرحم هؤلاء المؤمنين اللاحقين. ويأمر الله نبيه ﷺ أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وخفض الجناح هو اللين، وهو نفس المعنى الذي يقوله الله للإنسان تجاه أبيه وأمه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، والجناح هنا بمعنى الجانب، وكأن الإنسان فيه جانب شدة وجانب لين، فيقول: اخفض جانبك اللين للوالدين وللمؤمنين وتواضع لهم، فإذا عصوك فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٦ - ٢١٧].

стр. 1082

القراءات في قوله تعالى (وتوكل) وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ [الشعراء:٢١٧] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧]. وقراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر: (فتوكل على العزيز الرحيم).

стр. 1083

معنى حسبي الله ونعم الوكيل والتوكل أن تكل أمرك إلى الله خالقك ومدبر أمرك، ثقة به سبحانه، وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ومعنى حسبي الله أي: الله كافيني، وهو نعم الوكيل، أي: نعم من أَكِل إليه عملي. والإنسان في الدنيا قد يوكل إنساناً يقوم له بشيء لا يقدر عليه، فيقول له: يا فلان! اعمل لي كذا، فيقول: أنا لا أستطيع أن أعمله، وفلان يستطيع أن يعمل لك هذا الأمر، فهذا في الدنيا، فوكيل الإنسان ونائبه يقوم مقامه، ويكون أميناً على أعماله. فالوكالة مبناها على النيابة والأمانة، أي: أمينك ونائبك في العمل، فتوكله أن يقوم بالعمل مكانك، فهو وكيلك ونائب عنك في بعض الأمور دون بعض، وأما الله فهو وكيلك في جميع أمورك، فتتوكل عليه سبحانه، وتثق به، وترجع الأمر كله إليه؛ ثقة أنه يدبر الأمر كله، وأنت إذا عجزت عن الشيء ولم تقدر عليه فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، أي: الله كافيني، ويدبر لي أمري كله، وينجيني وينصرني وهو معي، فالله يدبر أمرك وينصرك، ويقف معك، فهو وكيلك سبحانه، فتكل أمرك كله إلى الله، وهذا معنى قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حيلة لا تحول ولا قوة لأحد على شيء إلا بمعونة ربه سبحانه، فهو مدبر الكون كله سبحانه.

стр. 1084

تفسير قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم) قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨]، فلا تغيب عنه، فهو يرعاك ويحرسك ويكلؤك سبحانه، ويراك في كل أحوالك: حين تقوم لله مصلياً بالليل أو بالنهار، وحين تقوم داعياً إلى الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، ولما تدعو الإنس فيكيدون لك فإن ربك سبحانه يكيد بهم لك، فلا يقدرون على شيء، فالله وكيلك وهو يحرسك، وقد قال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فقد عصمه سبحانه من الناس فما استطاعوا أن يفعلوا به شيئاً إلا أن يحرشوا أو يؤذوا، والله يرد كيدهم في نحورهم.

стр. 1085

بعض المواقف التي تبين عصمة الله تعالى لنبيه عندما كان ﷺ يطوف بالكعبة كان المشركون جلوساً يستهزئون به، وكلما طاف ومر عليهم شتموه مرة بعد أخرى، وفي النهاية وقف لهم وقال: (ألا تسمعون؟! والله! لقد جئتكم بالذبح)، فلما سمعوا أرعبهم الله سبحانه وأخافهم، فقالوا: انصرف أبا القاسم! فوالله ما علمناك جهولاً. ويأتي رجل من خارج قبيلة قريش إلى قبيلة قريش يستجير بهم على أبي جهل، فإنه قد أخذ ماله ولم يعطه إياه، وينادي في الناس: من ينصرني على أبي جهل؟! فرأوها فرصة ليضحكوا ويستهزئوا بالنبي ﷺ ، فأخبروه أن يذهب إلى محمد ليأتيه بماله، وذهبوا وراء الرجل لكي يضحكوا ويقضوا ليلهم بالضحك على النبي ﷺ ، فطرق الرجل باب النبي ﷺ ثم قال: ظلمني أبو جهل وأخذ مالي، فالنبي ﷺ خرج معه وذهب إلى دار أبي جهل وطرق الباب، فخرج أبو جهل ونظر للنبي ﷺ ، وما يكون منه ﷺ إلا أن يقول: ادفع للرجل ماله، والناس وراءه منتظرين أن يضحكوا ويقهقهوا على النبي ﷺ ماذا سيحصل؟! وإذا بالأمر ينعكس، وإذا بـ أبي جهل يرعب ويصفر وجهه ويتقهقر ويقول: نعم يا أبا القاسم! فيدخل إلى البيت ويأتي بالمال ويدفعه للرجل، فينقلب الأمر ويضحك الناس على أبي جهل، وبعد ذلك سألوه عن ذلك، فقال: والله! لقد رأيت وراءه فحلاً من الإبل، ولو لم أستجب له لقضمني. وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. فالنبي ﷺ يبلغ الناس ويتوكل على العزيز الرحيم، فالله هو الغالب القوي على هؤلاء الكفار، فلن يضيعك، فاعمل لله والله معك، وهو يعصمك من الناس، فإنه يراك في كل أحوالك.

стр. 1086

تفسير قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين) قال الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] أي: فالله يراك قائماً وراكعاً وساجداً وفي كل أحوالك.

стр. 1087

تفسير قوله تعالى: (إنه هو السميع العليم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢٢٠]، فالله هو العزيز الغالب سبحانه، والله هو الرحيم، فيرحمك ويرحم المؤمنين، والله سميع بما يقول هؤلاء لك، وما تقوله أنت لهم. والله عليم يعلم أحوال الجميع، ويفعل بهم ما يشاء سبحانه.

стр. 1088

تفسير قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) قال سبحانه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء:٢٢١]. والنزول يكون من الأعلى إلى الأسفل، فكأن الشياطين تقدر على المشي وعلى الطيران أيضاً، وتنزل من أعلى إلى أسفل، فهي تطير وتصل إلى المكان الذي يشاء الله ، وتنزل على صاحبها.

стр. 1089

تفسير قوله تعالى: (تنزل على كل أفاك أثيم) قال الله سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢٢]، والرسول ﷺ يتنزل عليه الوحي من السماء مع ملك كريم، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١]، وأما هؤلاء فتتنزل عليهم الشياطين وتوسوس لهم وتكلمهم بكلام باطل وبأكاذيب. والإفك هو الحديث الكذب، ورجل أفاك: كثير الكذب شنيعه، فهو الذي يكذب أكاذيب مفضوحة وشنيعة وكبيرة، فالشياطين تنزل على كل إنسان كذاب، و (أَثِيمٍ): هو كثير الإثم.

стр. 1090

تفسير قوله تعالى: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) قال سبحانه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٣]. قوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [الشعراء:٢٢٣] صفة لهؤلاء الشياطين أنهم يسترقون السمع من السماء، فيلقونه إلى أصحابهم من الكهان من أهل الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٣] يعني: كلام الشياطين أكثره كذب، وقد يكون فيه شيء من الصدق، ولم يجعل الله كل كلامهم كذباً؛ لكي يبتلي العباد. ولو أن الله أمر العباد بألا يسرقوا وبغض في قلوبهم السرقة، ولا يوجد في قلب الإنسان حب للمال، فالإنسان لن يسرق. ولو أنه قال: لا تزنوا، ولم يجعل عند الإنسان شهوة، فلن يزني؛ لأنه لا يوجد عنده شهوة أصلاً، ولكن يخلق بداخله الشهوة ثم يهذبها له، ثم يأمره بفعل الحلال ويحذره من الوقوع في الحرام، فهذا هو محل الاختبار: هل سيطيع الإنسان ربه أو سيعصيه سبحانه؟ وكذلك الشياطين أكثرهم كاذبون، ولكن بعض الأخبار قد تكون أخباراً صادقة على النحو الذي ذكرناه من أنهم يسمعون خبراً من الملائكة وينزلون به إلى الأرض، فيشاء الله أن يحرقهم قبل أن ينزلوا بهذا الخبر، وقد ينزل الخبر قبل إحراق هؤلاء الشياطين، فينزل الخبر الصدق، ويزيدون عليه أكاذيب كثيرة، فأكثرهم كاذبون.
следующие страницы →