← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٥ - ١٩]. هذه قصة ثانية في هذه السورة الكريمة سورة النمل، يذكر الله فيها سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وما حدث له. يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥] وداود وسليمان من أنبياء بني إسرائيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، آتاهما الله علماً، وداود هو الأب وسليمان الابن، قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، فبعد أن ذكر الله قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أنه دعاه إلى الله فأبى فرعون وغره ملكه الذي هو فيه، وبلغ به التطاول أن قال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فالملك قد يدفع الإنسان إلى الجحود، وإلى الكبر، وإلى عدم قبول الحق، حتى ولو رآه أمام عينيه. ففرعون دفعه ملكه إلى الكفر بالله حتى قال لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، ولكن أنبياء لله عليهم الصلاة والسلام أعطاهم الله الملك والنبوة والعلم، فما زادهم ذلك إلا تواضعاً لرب العالمين سبحانه. ومن هؤلاء: داود وسليمان، ولكن ملك داود لم يكن عظيماً كبيراً كملك سليمان، فقد كان ملكه أعظم بكثير من ملك أبيه، وعبادة أبيه كانت أعظم بكثير من عبادة سليمان. فقد أعطى الله لداود العبادة فقال: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، وهذا ملك من الملوك، ومع ذلك كان لا يأكل إلا من صنعة يده: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١٠ - ١١]. فعلمه الله مهنة صناعة السوابغ من الدروع، وأن يقدر في السرد بتعليم الله له، فيعمل الحلقة على حجم المسمار بحيث لا تنفصم الحلقة ولا تنشق عن زميلتها، فلا يزال يصنع هكذا شيئاً فشيئاً حتى يصنع درعاً سابغاً. وسليمان ﵊ هو أحد الملوك الذين ملكوا الدنيا، وقد سخر الله له الريح يصل بها إلى المكان الذي يريده، وجعل له من الجن والإنس والشياطين جنوداً، بل ومن الطير والدواب كما سيأتي. وقد كان داود أيضاً يسبح بين الجبال، ومن جمال تسبيحه وصوته، ومن شدة خشوعه تسبح الجبال معه وتردد تسبيحه، وتقف الطير عن الطيران حتى تستمع تأويبه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]. والتأويب: مأخوذ من الأوبة وهي: الرجوع إلى الله، ومعناها هنا أي: رجعي الذي يقوله، وسبحي معه لله سبحانه تائبة إليه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ [النمل:١٥] أي: نحن، فالفضل من الله، وقد عبر هنا بنون العظمة لأن هذا الإيتاء عظيم جداً يليق بأن يؤتيه الله ، ويليق بأن ينسب إليه، فنسبه إليه بنون العظمة. ومع أن الله آتاهما الملك إلا أن العلم أعظم إذا ما قورن بالملك؛ ولأن العلم عظيم فلم يحتج هنا إلى ذكر الملك. قال: ﴿وَقَالا﴾ [النمل:١٥] أي: الاثنين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]. فقد عرفا نعمة الله وأنه صاحب الحق سبحانه، والمتفضل عليهم بالنعمة، فقال الأب والابن: الحمد لله، أي: نثني على الله الثناء الجميل الذي يليق به ، فهو المحمود على النعم العظيمة، فالحمد كل الحمد لله الذي فضلنا على كثير، وهنا يبدو التواضع في الكلام: ﴿الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥] ولم يكن يوجد في عصرهما من هو أفضل منهما، فقد فضلهم الله على كل من في عصرهما، ومع ذلك قالا لتواضعهما: على كثير، ولم يقولا: على كل عباده. وموسى ﵊ لما سئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، عتب عليه ربه ، وقال: لا، بل عبدنا خضر أعلم منك؛ وداود وسليمان كانا من قوم موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ﴾ [النمل:١٥]، يعني: فضلنا الله على الكثير من خلقه، ولعل هناك من لا نعلم فمن فضله الله علينا، فيسن للإنسان المؤمن أن يحمد الله ، وأن يقول مثل ذلك، وخاصة إذا رأى مبتلى، فإذا رأى إنساناً مريضاً ابتلاه الله فليقل في نفسه: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلاً. والإنسان إذا ذكر نعمة الله كان جزاؤه من الله أنه يمنع عنه هذا المرض إن شاء .

стр. 1122

تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود) قال الله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل:١٦]، والميراث هنا: ميراث العلم، أما ميراث الملك فقد جعل الله لهذا ملكاً ولهذا ملكاً. وقد كان لداود أولاد غير سليمان عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد قالوا: كان له تسعة عشر ولداً، ولكن الذي ورث العلم وورث النبوة وصار ملكاً بعد أبيه هو سليمان ﵊. فقد ورثه الله العلم والنبوة وهذا أعظم الميراث، وإلا لو كان المقصود الميراث المالي لكان الإرث في التسعة عشر، وليس لسليمان فقط، إذاً: الإرث هنا: هو إرث النبوة، وقد جاء في حديث النبي ﷺ قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة). فالأنبياء لا يورثون معهم من الأموال؛ بل يكون بعد وفاتهم صدقة، وإنما الميراث الذي يورثه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو العلم؛ ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر). أي: من أخذ العلم أخذ بحظ وافر فهو أعظم الميراث، فأعظم النعم التي أعطاها الله لسليمان ولأبيه هي العلم، وهذا هو الذي ورثه داود لابنه، العلم والنبوة، كما أنه صار ملكاً من بعده. وقد قال الله لداود في سورة (ص): ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، مع أن داود نبي ﵊، ومع ذلك فإنه يحتاج للنصيحة، فغيره من باب أولى، فهو ينصح داود ويقول: لا تتبع الهوى يا داود! وأنت ملك من الملوك، فإذا اتبعت الهوى وأنت نبي ملك أضلك عن سبيل الله، قال: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ﴾ [ص:٢٦] أي: يتيهون، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]. وذكر داود وسليمان في سورة الأنبياء فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩]. فالله منّ على داود بأن جعله ملكاً حاكماً، فآتاه حكماً وآتاه علماً من عنده سبحانه، وعلم سليمان أيضاً، والعلم من أعظم ما يؤتاه الإنسان، فآتى الله سليمان وآتى أباه داود علماً وحكمة ونبوة وملكاً. فذكر في سورة الأنبياء أنه فهم أحدهما أكثر من الآخر، قال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء:٧٨] والحرث: الزرع، ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨]، قوم لهم أغنام يدعونها بجوار المزرعة، فإذا بالأغنام تدخل المزرعة، قال ﷺ : (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه). قال تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨] أي: أكلت وخربت الزرع وقلعته، ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ [الأنبياء:٧٨]، والذي يحكم هو داود وسليمان، ومع ذلك لم يقل: لحكمهما، بل قال: (لحكمهم)؛ لأنهما يحكمان في الناس، فالخصوم هم أصحاب الأرض وأصحاب الغنم، والحاكم سليمان وداود، فهم أربعة، فكنا لحكم هؤلاء الأربعة شاهدين. ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وسليمان آتاه الله فهماً، وآتى أباه عبادة عظيمة جداً، ولكنه ميز سليمان بفهم عظيم، وقال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا﴾ [الأنبياء:٧٩]، يعني: أعطينا للأب العلم والملك والحكمة والحكم، وآتينا سليمان حكمة أعظم مما آتينا أباه، فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وقد كان صغيراً ﵊، وكان داود قد حكم أن قيمة ما أفسدته أغنامهم من الزرع يساوي قيمة الغنم، إذاً: تعطى الغنم لأصحاب المزرعة. وهذا الحكم فيه صواب، لكن غيره أحسن منه، فقد حكم بالقيمة ﵇، لكن نظرة سليمان كانت بتفهيم الله أعظم، فلو أنهم أخذوا الأغنام لافتقر أصحابها، ولو أخذ هؤلاء الأغنام لما اعتنوا بها؛ لأنهم أصحاب زرع وحرث وليسوا أصحاب غنم، فلذلك حكم بحكم آخر وهو: أن يأخذ أصحاب الزرع الأغنام فينتفعون بها حتى يصلح أصحاب الأغنام الزرع كما كان، ثم يعيد أصحاب الحرث الغنم لأصحابها، ويعيد أصحاب الغنم الحرث لأصحابه كما كان، ففهم الله سليمان أعظم من داود، مع ذلك لم يخطئ الله داود، وإنما قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]، وكثيرة هي الحوادث التي فهمها الله سليمان ﵇، وغيبها عن أبيه ﵇، ومن ذلك: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما) فالمرأة التي أكل الذئب ولدها أخذت ابن الأخرى خوفاً من زوجها فاختصمتا في الولد، فقالت الكبرى للأخرى: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقضى به للكبرى للشواهد والأمارات التي أمامه، وظن أن الكبرى هي الصادقة. فأخذت الكبرى الغلام، فخرجتا من عند داود إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال: ائتوني بالسكين، حتى أشق الولد بينكما نصفين، فلما قال ذلك قالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فعلم أنها هي الصادقة وأنها أمه، فالأم لا تريد قتل ابنها، وعلم أن الأخرى كاذبة، وإنما أرادت أن تتساويا في المصيبة، فيكون ابنها أكله الذئب، ويكون قد ذبح ابنها فتتساويا في المصيبة، فعلم صدق إحداهما وكذب الأخرى، فقضى به للصغرى، وهذا مما علمه الله سليمان ﵇. قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:١٦]، وهل علموا منطق الطير فقط؟ لا، ولكن هذا الشيء من الغرائب. فقد علم علم الشريعة، وعلم ألسن الناس والجن وغيرهم، لكن أعظم من ذلك مما لا يعرفه الناس علم منطق الطير، وكيف تتكلم الطيور، إذاً: الطير لها لغة تتكلم بها، وكذلك الحشرات وغيرها من مخلوقات الله، فقد جعلها الله أمماً، وكل أمة لها لسان وطريقة تتخاطب بها مع بعضها. وهذا الذي يبحثه علم الحيوان، فإنه يبحث في لغات الطيور وكيفية كلامها، وكيف أن بعضها يرشد إلى الطريق؟ وكيف تسير النحل؟ وما هي الرقصات التي ترقصها في الهواء، والتي تدل على أنها ستذهب للخلية التي وجدت عندها العسل مثلاً. فهنا الله علم أنبياءه منطق الطير، وأثبت في القرآن أنه جعل لها لغة، قال سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ﴾ [النمل:١٦]، أي: لغة الطير: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:١٦] وهذا من ألفاظ العموم التي يراد بها الخصوص، فالله هو وحده الذي له كل شيء، أما غيره من خلقه فقد يؤتيه من الأشياء الكثير، فحين يقول: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:١٦]، فإنه يعني: مما ينبغي لأمثالنا، فهو مقيد بالحسن. والعموم قد يقيد بالعقل، وقد يقيد بالخصوص وغير ذلك، فهذا من العموم الذي يراد به الخصوص، أو الذي قد خصص بالحس وبالعقل، فإن الله أعطى سليمان كل شيء يليق بمثله في ملكه. وكذلك في قوله سبحانه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، فإن الحس يدل على أن هناك مساكن موجودة، فيكون قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٥] من العموم الذي يراد به الخصوص، فهي تدمر كل شيء أراد الله تدميره. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦] أي: أنه فضل واسع عظيم بين من فضله .

стр. 1123

تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس) قال سبحانه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل:١٧]، أي: الجيش والملك العظيم، ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧] فبدأ بأقوى الأشياء وهي الجن، فهي أقوى من الإنس. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧]، أي: فهم يكفون، والمعنى: وعليهم قادة لهم، والقائد يوزع الجنود ويكفهم فلا أحد يتقدم على سليمان، ولا أحد يتقدم على صفه. فهم لا يتقدمون ولا يسيرون إلا بأمر سليمان ﵊، فكان جنداً عظيماً جداً لا يعلم قدره إلا سبحانه، وقد ذكر المفسرون: أن معسكر سليمان كان مائة فرسخ طولاً، والفرسخ: حوالي خمسة كيلو، يعني: خمسمائة كيلو مليئة بالجنود. وهنا لم يذكر الله أنهم مائة أو أقل أو أكثر، ولكن من الواضح أن أعدادهم جسيمة عظيمة، إذ لو كان عددهم قليلاً لما احتاجوا إلى من يوقفهم ويكفهم، ولكن الأعداد الكثيرة هي التي تتبعثر وتحتاج إلى من يكفها ويمنعها.

стр. 1124

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل) قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]. لقد أعطاه الله ملكاً عظيماً جداً فهو يسير إلى أي مكان يريد أن يصل إليه، يريد أن يصل للشام أو للعراق أو إلى أدنى الأماكن أو إلى أبعد الأماكن فكلها سواء، ففي مرة من المرات أتى على وادي النمل، ولم يذكر لنا الله سبحانه مكان وادي النمل؛ لأنها من العلم الذي لا يفيد، فلا يفيدنا أن نعرف مكان وادي النمل، أو حجم هذه النملة التي كلمت سليمان، بل المهم أنها نملة من النمل الذي نعرفه كبرت أم صغرت، ولو كانت شيئاً آخر لذكر الله لنا هذا الشيء، فكونه نكر وذكر أنهم أتوا على وادي النمل وتكلمت نملة، فيكون المقصود النمل المعهود المعروف. والله جعل للنمل لغة أيضاً تتكلم بها، ومما يثبت ذلك أن النملة تكلمت، والوادي: هو المكان المنبسط الواسع الفسيح، وقد كان فيه نمل كثير: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] وسميت: النملة نملة من التنميل، وهو الحركة الكثيرة، والنملة لا تقعد أبداً فهي دائماً تعمل، فسمي النمل نملاً لكثرة حركته ولقلة قراره. والنمل له مساكن يختبئ بداخلها، قال: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل:١٨]، يعني: لئلا يحطمنكم، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها رويس عن يعقوب ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]. وتحذير النملة فيه دليل على أن النمل له عقل وفهم، فقد أعطاها الله ما تفهم به، وفيه الحب للغير، فهي ما خافت على نفسها وهربت وحدها، ولكن أمرت باقي النمل أن تدخل المساكن حتى لا يحطمهم سليمان ﵇، وأيضاً فهي تفهم ما تقول، قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]، فقد عرفت أنه نبي من أنبياء الله ﵊، وأن الأنبياء لا يظلمون؛ ولذلك التمست له العذر فقالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]. وبينت الآية كذلك: أن النمل يفهم ويعيش في جماعات، وأن له مساكن، وأنه يحذر بعضه بعضاً من ضرر يقع عليه، وعلماء الحشرات يقولون: النمل له فهم عجيب جداً، ويقولون: إن النملة من النوع الذي يدخر طعامه من الصيف للشتاء. فهو فطن وقوي وشمام جداً، ويتخذ القرى، ويشق الحب قطعتين، لأن الحبة لو ظلت على حالها لنزل عليها الماء ونبتت، فحبة الكزبرة لو شقت نصفين ونزل عليها الماء نبتت، فتقطعها النملة أربعة قطع، وهذا من فضل الله . والحشرة هذه عاقلة، وتخاف على أخواتها فتقول: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] قالوا: النمل يأكل في عامه نصف ما يجمعه فقط، كأنه يدخر للزمن. إذاً: فقد حافظت على من معها، وتبسم وسليمان ﵊ ضاحكاً من ذلك.

стр. 1125

تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكاً من قولها) قال الله : ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل:١٩]، وكأنه بدأ بالبسمة، ثم ضحك من عجبه. والبسمة: فتح الشفة شيئاً يسيراً، فإذا فتح فمه فقد ضحك، فإذا أخرج صوتاً فقد قهقه، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يتبسمون؛ ولذلك عائشة ﵂ تقول عن النبي ﷺ : (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً قط حتى أرى لهواته، وإنما كان يتبسم)، ﵊. فنادراً ما كان يضحك ﷺ حتى تبدو نواجذه، وكأن سليمان أيضاً في هذه المرة أعجبه هذا الذي قالته فضحك، وعادة الأنبياء التبسم عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] ودعاء الأنبياء دعاء عظيم. وقد علم الله المؤمنين دعاءً نحوه في سورة الأحقاف فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]. فينبغي على المسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء الكريم الطيب الموجود في سورة النمل وسورة الأحقاف، فهنا قال سليمان ﵊: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل:١٩]، وهي جنس النعم، وإن كانت واحدة والمعنى: نعم، فتأتي النعمة في الإفراد والتثنية والجمع. إذاً: فنعمة تطلق على الواحد، والاثنين، والجمع، وعلى المذكر، والمؤنث، فعلى ذلك هنا: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل:١٩] أي: جنس نعمك العظيمة التي أنعمت علي، فنسب الفضل لصاحبه، وكرر ذلك استلذاذاً بذكر النعمة، فقال: ﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ [النمل:١٩]، ولم يقل: التي أعطيتنيها مثلاً، ولكن أنت المنعم صاحب النعم العظيمة قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل:١٩]، أي: ادفعني لأن أشكر النعم، وأصل الوزع: الكف، وكأنه يقصد هنا: كفني عن أي شيء إلا أنني أشكر نعمك العظيمة التي أنعمت علي. وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة ورش وقراءة البزي عن ابن كثير: (أوزعنيَ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي)، فيذكر الإنسان النعمة عليه وعلى والديه أيضاً، ولولا أنه أنعم علينا بالوالدين لما كنا نحن. فهذه من نعم الله على الولدين وعلينا، ولذلك قال: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل:١٩]، أي: ادفعني للعمل الصالح ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩]، فقيده برضا الله سبحانه؛ فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف حقيقته، فهو يريد العمل الصالح الذي يرضي الله قال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فطلب نفع الدنيا ونفع الآخرة، الصلاح في الدنيا، وإدخاله منهم في الآخرة، قال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ [النمل:١٩] أي: بفضل رحمتك، واجعلني مع عبادك الصالحين. فطلب أن يكون من الصالحين في الدنيا وفي الآخرة. وفي آية الأحقاف: ذكر الله فيها الإنسان المؤمن الذي يبلغ أشد العمر فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف:١٥]، وهو وقت اكتمال كل شيء عند الإنسان، وهو سن الأربعين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]، فيستحب للمؤمن أن يقول ذلك. وقد جاء عن النبي ﷺ النهي عن قتل النمل، فعن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: الهدهد، والصرد، والنملة، والنحلة)، فلا تتعرض لها، طالما أنها ليست مؤذية، فإذا صارت مؤذية تقرص الإنسان وتؤذيه جاز له أن يدافع عن نفسه ولو بقتلها، وقد نهى عن قتل هذه الأشياء، لأنها أمم خلقها الله تسبح ربها سبحانه، فلا معنى لقتلها من غير ذنب أذنبته، ولكن إذا آذت الإنسان جاز له أن يتخلص منها وأن يقتلها. وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء ﵊ فأمر بقرية النمل فأحرقت)، وقد كان نزل تحت شجرة، فلما نام جاءت نملة وقرصته، فقام من تحت الشجرة وأخرج متاعه ثم أمر بحرق النمل، فأوحى الله إليه: (أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟). وكأن الله يعاتب هذا النبي أن قتل الأمة كلها، فهي نزلت تحت شجرة وستذهب، فلا معنى أن تقتل كل هذا النمل وتحرقه، بل اقتل النملة التي قرصتك فقط، فالغرض: أن هذه أمم خلقها الله سبحانه، فإذا لم تؤذ الإنسان لم يجز التعرض لها، فإن كانت تؤذيه بالسقوط على بيته وأكل طعامه جاز له أن يقتلها، ولكن يجتنب في ذلك الحرق؛ لأن الذي يحرق هو الله ، فما جاء عن النبي ﷺ في النهي عن قتل النمل فهو محمول على غير المؤذي والله أعلم. وللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1126

تفسير سورة النمل [٢٠ - ٣١] لقد كان سليمان يتفقد جنوده مع كثرتهم الكاثرة، حتى إنه كان يتفقد جنوده من الحيوانات كذلك، ومنهم الطير، وكان يعاقب من يغيب بغير علمه حتى يرتدع عن ذلك هو وغيره، وفي هذا دليل على أنه ينبغي على الملك أو الأمير أن يتفقد من تحت يده.

стр. 1127

وراثة سليمان للنبوة والملك من داود الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٢٠ - ٣١]. لقد ذكر الله في هذه السورة قصة داود وسليمان، وكيف أن الله سبحانه من عليهما، وآتهما علماً، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، وحمدا الله أن فضلهما على كثير ممن خلق من عباده، قال تعالى: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]. ثم قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل:١٦]، وداود هو الأب ﵊، فورث سليمان منه النبوة والملك دون باقي إخوته، فكان نبياً وملكاً، بل من أعظم ملوك الأرض ملكاً. فملك الأرض جميعها، فكان يتوجه حيث يريد بأمر الله ، فقد سخر له الريح، والطير، والإنس والجن، وأعطاه ملكاً عظيماً لم يعطه أحداً من العالمين. وكان سليمان قد دعا ربه سبحانه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، فاستجاب له ربه، وأعطاه ملكاً لم يكن لأحد من بعده. ولذلك النبي ﷺ في مرة من المرات وهو يصلي تفلت عليه شيطان، فإذا بالنبي ﷺ يمسكه، ويخنقه حتى كاد أن يربطه في سارية من سواري المسجد ليلعب به الصبيان في الصباح، ثم تذكر دعوة سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فتركه النبي ﷺ . إذاً: دعوة سليمان هي أن الله يسخر له أشياء لا تكون لأحد من بعده. قال الله : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل:١٧]، فلقد ملك سليمان الدنيا ﵊، وآتاه الله هؤلاء الجنود، من الجن والإنس والطير: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧] يعني: لكثرتهم العظيمة جداً، يحتاجون لمن يقودهم، ومن يكفهم، ومن يرتبهم، ومن ينظمهم، ومن يسيرهم، ومن يوقفهم، فيحتاجون لمن يوزع هؤلاء، فقال سبحانه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧] يعني: يوجد لهم من قوادهم من يزعونهم.

стр. 1128

تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد) قال سبحانه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل:٢٠] أي: تفقد سليمان في يوم من الأيام الطير، ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠]، وكأنها سنة يعلمها الله لولاة الأمور، فلابد أن يتدبروا وأن ينظروا في ملكهم، وفي أحوالهم، وفي شعبهم، ويتفقدوا الغائب من جندهم، فالهدهد من ضمن جند سليمان ﵊. وتفقد الشيء أي: طلب ما غاب منه، وأصله: من الفقدان، وفقد الشيء أي: غاب عنه الشيء فلم يجده. وتفقده: بحث عن هذا الشيء الغائب. فنظر في الطير ليعلم أن كلهم موجودون، مع أن الطير من أصغر جنود سليمان، ومع ذلك كان يتفقد الطير، ومعناه: أنه لن يترك الإنس والجن، إذاً: فهو يتفقد جميع جنوده. قال سبحانه: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل:٢٠]، والأصل: أن يقول: ((ما له؟)) أين هو؟ فكأنه يعجب من نفسه، ويقول: كيف ضاع مني الهدهد؟ كيف أفلت هذا الهدهد؟ ﴿مَا لِيَ﴾ [النمل:٢٠] أي: عجباً لأمري، ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠]، أي: هل هرب الهدهد أم لم أتنبه له؟ فإذا كان قد هرب من حراسة سليمان فسنأخذ عقوبته. وقراءة ابن كثير وابن هشام وعاصم والكسائي: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل:٢٠]، وباقي القراء يقرءونها: ((ما لِيْ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين))، على اختلاف بينهم في (أرى) عند الوقف والوصل. فـ ورش إذا وقف عليها يقول: ((أرى)) بالتقليل، وأما حمزة والكسائي وأبو عمرو فيقرءون (أرى) بالإمالة عند الوقف عليها.

стр. 1129

تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذاباً شديداً) قال الله سبحانه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، هنا الحزم، فالملك لابد أن يكون حازماً، ولو أنه ترك الصغار وشأنهم لاستهانوا به، واستهان به الكبار. ولذلك سليمان ﵊ لم يفوت للهدهد غيابه عن مجلسه. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل:٢١]، فبدأ بالعقوبة الشديدة، ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل:٢١]، أو يعتذر، ﴿لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، يعني: بعذر بين، وحجة تنفعه فينجو بها من العذاب والعقوبة. قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة ابن كثير: ((ليأتينني بسلطان مبين)) أي: بحجة بينة واضحة نعذره بها.

стр. 1130

تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به) قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٢]، قوله: ((فَمَكَثَ))، إما أن سليمان مكث فترة ثم بعد ذلك ظهر له الهدهد، أو أن الهدهد طالت غيبته فترة ثم ظهر بعد ذلك. وقراءة عاصم والكسائي وخلف: ((مَكَثَ)). وقراءة باقي القراء: ((فمَكُثَ غير بعيد)) قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]، لقد ظهر الهدهد وجاء إلى سليمان وقال مفتخراً على سليمان: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢]، يعني: إذا كنت تبحث عني فإني قد اطلعت على شيء لا تعلمه أنت، والعلم فخر لصاحبه، وهذا هو عذره الذي أفلت بسببه من الذبح ومن التعذيب. ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢]، يعني: دريت وعلمت علم إحاطة بأمر لا تعرف عنه شيئاً، مع أنك في الشام واليمن قريبة منك، وهو يحصل في اليمن، وهو أنهم يعبدون غير الله سبحانه. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]، وسبأ: بلدة في اليمن، وهي إما أنها: اسم رجل فتكون على ذلك مصروفة، كما هي قراءة الجمهور: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]. وإما أنها: اسم بلدة فتمنع من الصرف للعلمية والتأنيث الذي فيها؛ ولذلك يقرأها البزي وأبو عمرو: ((وجئتك من سبأَ بنبإٍ يقين)) على المنع من الصرف، ويقرأها قنبل عن ابن كثير: ((وجئتك من سبأْ بنبإٍ يقين))، ففيها ثلاث قراءات.

стр. 1131

تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم) قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، وانظر هنا! فهو لم يأته بخبر ظن، ولم يسمع من أحد، وإنما رأى بنفسه هذا الشيء، فما الذي رآه الهدهد؟ قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل:٢٣] أي: أنت رجل تحكم البلد، وهم تحكمهم امرأة، وتملكهم أي: هي ملكة عليهم. قال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، يعني: أن الله أعطاها من كل شيء، وهذا من العام المخصوص بالحس، أو من العام الذي لا يراد عمومه، وإنما يراد الخصوص الذي فيه، يعني: أن الله آتى هذه المرأة من كل شيء يجوز لمثلها أن تمتلكه وأن تكون ملكة عليه، لكن ليس كل شيء أعطاها، فهو لم يعطها شيئاً من الجنة مثلاً، ولكن أعطاها من الدنيا ما يليق بمثلها، إذاً: فكل من ألفاظ العموم، يقول: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، ولكن هنا لا يراد بها العموم، وإنما يراد بها العموم المخصوص بالحس. والحس: هو أن الإنسان يرى ببصره، ويسمع بأذنه عن أشياء لم تؤتها هذه المرأة، قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، وقد كانت هذه المرأة أمرت بصنع سرير لملكها، وسرير الملك يسمى بالعرش، وهو الكرسي الذي يجلس عليه الملك، ولكنها بالغت فيه مبالغة فخمة عظيمة، وقد ذكروا من الفخامة التي كان عليها هذا الكرسي: أن كثيراً منه مصنوع من الذهب والياقوت، والله ذكر أنه: ﴿عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، يعني: عرش كبير وفخم وغال جداً.

стр. 1132

تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) قال الله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]، أي: مع أن الله أعطاهم هذه النعم، وقد رأى ذلك بنفسه. قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]، فقد عبدوا الشمس من دون الله سبحانه، والذي زين لهم عبادة غير الله سبحانه: هو الشيطان، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل:٢٤]، أي: صدهم عن الهدى، وصدهم عن طريق الله سبحانه بأن زين لهم أن يعبدوا مخلوقاً خلقه الله سبحانه، فعبدوا الشمس من دون الله، ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]، يعني: لا يفهمون ولا يعقلون، ولا يهتدون إلى سبيل الحق حتى يتبعوه.

стр. 1133

تفسير قوله تعالى: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض) قال الله تعالى: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٥] أي: فبدلاً من أن يسجدوا للشمس من دون الله، يسجدوا لله . قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل:٢٥]، إما تعقيب من الرب ، وكأنه يقول: هلا سجدوا للرب الذي خلقهم سبحانه؟ فيكون اعتراضاً في ثنايا الكلام من الله على عبادة هؤلاء، أو أن هذا جواب من سليمان ﵊ لما قال له الهدهد: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ [النمل:٢٤] قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل:٢٥] أي: فبدلاً من أن يسجدوا للشمس من دون الله، يسجدوا لله، أو أنه من كلام الهدهد نفسه، فهو يقول: فهلا سجدوا لله بدلاً من هذه الشمس؟ قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل:٢٥]، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة أبي جعفر وقراءة الكسائي وقراءة رويس عن يعقوب: ((ألا)) بالتخفيف، فهما قراءتان: قراءة بالتشديد: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل:٢٥]، ومعناها: هلا سجدوا، فهو أسلوب تحضيض وحث، أي: اسجدوا لله سبحانه ولا تسجدوا لهذه الشمس ولا للقمر. وعلى القراءة الأخرى التي هي قراءة أبي جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب: ((ألا يسجدوا)) فيكون معناها: هلا سجدوا لله سبحانه؟ وكأنها للنداء، فيكون: ألا يا قوم! اسجدوا لله، فكأن هناك شيء محذوف تقديره: يا قوم! ألا يا قوم! اسجدوا لله، فحذفت فصارت: ((ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء))، والله سبحانه الذي يعلم السر والعلن، ويعلم ما هو أخفى من ذلك. والله هو الذي يخرج الخبء، يعني: الشيء المخبوء المستتر في السموات وفي الأرض، فلا يخفى عليه شيء ، فبدلاً من أن يسجدوا للشمس التي لا تعلم شيئاً إلا ما يأمرها به ربها سبحانه، فهلا سجدوا لله الذي يعلم كل شيء، ويخرج ما اختبأ في السموات وداخل الأرض؟ قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ [النمل:٢٥] أي: فكما أنه علم بما اختبأ في السموات وفي الأرض، فإنه يعلم ما تخفيه أنت في نفسك، ويعلم السر والجهر، ويعلم ما هو أخفى من السر. و ((تُخْفُونَ)) بالخطاب، قراءة حفص عن عاصم، وقراءة الكسائي. وباقي القراء يقرءونها: ((ويعلم ما يخفون وما يعلنون)) للغائب، يعني: ما يخفي الخلق وما يعلنون.

стр. 1134

تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦]، وهذا من كلام الهدهد يخبر عن ربه سبحانه، فكأنه يقول: هذه المرأة لها عرش عظيم، ولكن أي عرش هذا؟! الله هو صاحب أعظم عرش، الله هو رب العرش العظيم سبحانه الذي ليس مثله عروش البشر. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [النمل:٢٦]، يعني: الله المعبود الذي يستحق وحده العبادة. فلا معبود بحق سواه، لا شمس ولا قمر ولا غيرها. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦] أي: خالق العرش العظيم هو الرب سبحانه الذي يدبر أمر الكون. وقد وصف عرشها بأنه عرش عظيم، عظمة تليق بحقارتها هي، وحقارة الإنسان، إذاً: الإنسان قد يرى الشيء من الذهب والفضة عظيماً! أما عند الله فلا يساوي شيئاً، فكل الدنيا مهما تعاظمت عند الخلق فلا تساوي عند الله جناح بعوضة، يقول النبي ﷺ : (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) فهذه هي الدنيا. أما الآخرة فهي الأعظم، وعرش الله سبحانه هو الذي يستحق أن يقال عنه: إنه هو العرش العظيم، والله خلق العرش، واستوى عليه كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، استواء يليق به ، وهو مستغن عن العرش وما تحته. والسموات عظيمة عالية، وكرسي الله فوق سمواته سبحانه، ولو جمعت السموات كلها والأرضون بجانب الكرسي لم تكن إلا كحلقة في فلاة، والكرسي العظيم لو قورن بعرش رب العالمين سبحانه كان كحلقة في فلاة، وهذه نسبة الكرسي إلى العرش، فكيف يكون هذا العرش الذي استغنى عنه ربنا سبحانه؟ والعرش يمسكه الرحمن أن يزول، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١]، فمن يمسك السموات والأرض من بعد الله ؟ لا أحد، فالكل يحتاج إلى الله ، العرش فما دونه، والله مستغن عن الجميع، وهو فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته سبحانه. إذاً: الهدهد قال لسليمان ﵊: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢] أي: عندي الذي ليس عندك، أنا عرفت ما لا تعرفه، أنا صغير ولكن أعرف أشياء لا تعرفها أنت، قال الله : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، إذاً: الإنسان لا يفتخر بعلمه، ولا يتعالى على الناس بأن علمه الله شيئاً، فهو لا يدري لعله علم غيره ما لا يعلمه هو، ولم يقدره له. فهنا لما قال الهدهد ذلك لسليمان عرفنا أن الصغير قد يعلم أشياء لا يعلمها الكبير، وقد جاء مثل ذلك عن أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد علم البعض منهم أشياء لم يعلمها البعض الآخر. فهذا عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته وإمامته رضي الله تعالى عنه، وقد قال النبي ﷺ فيه: إنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقال فيه: (لو كان من أمتي محدث لكان عمر) إلا أن هناك أشياء لم يعرفها عمر ﵁، وعرفها غيره من أصحاب النبي ﷺ . من ذلك: الاستئذان الذي يعلمه الكثيرون من الصحابة، كان لا يعرفه عمر رضي الله تعالى عنه، فذهب إليه أحد أصحاب النبي ﷺ الأفاضل وهو: أبو موسى الأشعري فاستأذن على عمر الأولى والثانية والثالثة فلم يأذن له عمر ﵁، فانصرف أبو موسى فإذا بـ عمر يقول: إلي به، أحضروه، فيأتي أبو موسى فيقول: عمر ما الذي صرفك؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف) فانصرفت، فقال: إما أن تأتي ببينة على هذا أو أوجعك ضرباً؛ لأنك تكذب على النبي ﷺ . فذهب أبو موسى مذعوراً رضي الله تعالى عنه، فجاء إلى مجلس من الأنصار فيهم: أبي بن كعب وفيهم: أبو سعيد الخدري وهو مذعور، فقالوا: ما لك؟! فأخبرهم بالخبر، فضحك الجميع من أن عمر لا يعرف هذا! وقالوا: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، أي: أن أصغر شخص فينا هو الذي سيعلم عمر رضي الله ﵎ عنه. فكان أصغرهم أبا سعيد الخدري ﵁، فقام لـ عمر ﵁ وشهد بصدق كلام أبي موسى، ثم جاء خلفه مباشرة أبي بن كعب وهو سيد من سادات الأنصار، بل سيد القراء، كما لقبه بذلك عمر رضي الله ﵎ عنه، وقال له: يا عمر! لا تكن حرباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، يعني: أنه علم ما لم تعمله أنت، فقال: إنما أردت أن أتثبت، يعني: هل هذا الخبر قاله النبي ﷺ أم لا؟ فهنا عمر مع جلالته لم يعرف هذا الأدب من آداب الاستئذان، وأن للإنسان أن يستأذن ثلاث مرات فقط فإن أذن له وإلا انصرف. كذلك: التيمم، فقد خفي على عمر ﵁، مع أنه سمعه من النبي ﷺ ، فكان عمار قد علم ذلك وحدث به، فأرسل إليه عمر يحذره من التحديث بأمر التيمم، فقال: إن شئت لم أحدث به، وتول ما تولاه، يعني: إذا أردت ألا أتكلم وألا أحدث به الناس فسأفعل، فقال عمر: لا، فـ عمار يذكره: أما تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ أنا وأنت إلى مكان كذا، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في التراب، فلما أتينا النبي ﷺ قال: (إنما يكفيك هكذا) وعلمه التيمم، ضربة باليدين على الأرض ثم مسح الوجه والكفين، فلم يتذكر عمر ﵁ الحادثة التي حصلت له هو رضي الله ﵎ عنه، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]. أيضاً: جاء في أمر المرأة الحائض: أنها إذا طافت طواف الإفاضة ثم حاضت قبل طواف الوداع فلتنفر طالما أنها طافت طواف الإفاضة، فهذا الحكم لم يعرفه البعض من كبار الصحابة منهم: عمر ومنهم: زيد بن ثابت ﵄، وعرفه من صغار الصحابة عبد الله بن عباس ﵁، والذي توفي عنه النبي ﷺ وعمره ثلاثة عشر عاماً رضي الله ﵎ عنه. كذلك: غسل رأس المحرم، فالإنسان إذا كان محرماً جاز له أن يغسل رأسه، عرفه ابن عباس ولم يعرفه المسور بن مخرمة رضي الله ﵎ عنه، وأحكام كثيرة من هذا الباب عرفها البعض من الصحابة ولم يعرفها البعض الآخر، وليس هذا عيباً، فالله يخبرنا أن فوق كل ذي علم عليم، والعيب: هو أن يزعم الإنسان أنه يعرف كل شيء، والله قد أخبر عن الإنسان أنه جهول، قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فالإنسان فيه جهل في نفسه، فهو يجهل قدر نفسه، ويجهل حقارة نفسه، ويجهل قدر خالقه العظيم سبحانه، ولذلك يقول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، أي: لو عرفوا الله حق المعرفة وعرفوا قدره حق المعرفة، لعبدوه العبادة التي تليق به . وهنا في هذه الآيات لما قال الهدهد: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢]، لم يجب عليه سليمان في هذا الأمر؛ لأنه تعالى عليه بالعلم، فكان الجواب من سليمان اللائق بذلك هو ما ذكره الله في الآية التي تليها.

стр. 1135

تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) قال الله تعالى: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٧ - ٢٨]، فإما أن يكون عندك ما ليس عندنا، أو أنك تكذب، فسنفتش في حالك وننظر ونتحرى في الأمر، ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧]. ثم قال سبحانه: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨]، ولاحظ أن سليمان لما قال له الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل:٢٣]، لم يقل شيئاً، ولما أخبره: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، لم يقل شيئاً، فلما قال له: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٤]، كان لا بد أن يتكلم، ولا بد أن يدعو إلى الله سبحانه، لذلك قال: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨]، يعني: اذهب بهذا الكتاب وهو عبارة عن رسالة يدعوهم فيها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينظر ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨]، فكتب له كتاباً وأمره أن يذهب إلى هذه المرأة وإلى قومها. وقوله: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨]، فيها ثلاث قراءات: القراءة الأولى: قراءة أبي جعفر وقراءة أبي عمرو وقراءة عاصم وقراءة حمزة أيضاً: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨] بالسكون! ويقرؤها قالون وهشام بخلفه ويعقوب: ((فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ)) باختلاس الكسرة. وباقي القراء يقرءونها بالإشباع وكأنها ياء: ((فألقهِ إليهم)). إذاً: في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبلغيهم دعوة رب العالمين سبحانه، وقد فعل ذلك النبي ﷺ ، فقد كتب الكتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى غيرهم من الملوك، يدعوهم إلى الله سبحانه، فيقول: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فدعاهم النبي ﷺ إلى دين رب العالمين. وفي قصة سليمان مع الهدهد لما أمره أن يذهب بالكتاب تعليم للأدب في ذلك، فقد أمره أن يضع الكتاب عندهم، ثم يتولى عنهم، أي: أعطهم فرصة يقرءون فيها الكتاب، وراقبهم ماذا سيفعلون؟ وانظر ماذا يرجعون؟ أي: في ردهم فيما بينهم. والملكة كانت تسمى: بلقيساً، فقد كانت ملكة سبأ وذكر الله عنها أن لها عرشاً عظيماً، فملكت قومها وساستهم، وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فلا ينبغي في دين الإسلام أن تكون المرأة حاكمة، أو تكون خليفة، أو تكون أميرة على الناس، فهذا ليس من وظيفة النساء، وأخبر النبي ﷺ أنه إذا وصل الأمر إلى ذلك، وأصبحت المرأة رئيسة على الناس، وأميرة عليهم فإن هؤلاء قوم لا يستحقون الفلاح، (لن يفلح قوم) أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة إذا ولوا أمرهم امرأة، وقد أخبرنا الله سبحانه على لسان النبي ﷺ : أن النساء ناقصات عقل ودين، فإذا جاء الرجال وجعلوا الناقصات فوقهم فعلى ذلك لن يفلح الجميع، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إذاً: النساء ليس لهن من أمر ولاية المسلمين أو إمارة المسلمين شيء. أما الكفار فكان عندهم ذلك، فهؤلاء ولوا عليهم هذه المرأة، وكذلك لما قتل كسرى ولوا بعده ابنته عليهم، وقال النبي ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فدمر الله ملكها، وتمزق ملكهم بعد ذلك. قال سليمان هنا: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل:٢٨]: وفيه حسن الأدب بالتنحي مع من تعطيه كتاباً، فإذا فتح إنسان رسالة أو كتاباً من أحد فلا تنظر معه ولا تقرأ الكتاب، ولا تظل واقفاً بجواره، ولكن الأدب أن تبتعد عنه قليلاً حتى يقرأ الكتاب ثم يعطي الرد بعد ذلك، قال: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨]. وذهب الهدهد إلى هنالك، ولم يذكر لنا ربنا كيف رجع إلى هذه الململكة، وانظر الفرق بين القصص القرآني وبين الحكايات التي يذكرها البشر، إذ لو كانت حكاية يذكرها البشر لقالوا: الهدهد أخذ الكتاب وطار به، ووصل إلى هنالك، وجلس ينتظر فرصة من أجل أن ينزل عليهم الكتاب، وألقى عليهم الكتاب، وهذه كلها أشياء لا تفيدنا في شيء، ولذلك يعرض عنها القرآن.

стр. 1136

تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري) قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩]، إذاً: الكتاب وصل على الصورة التي أرادها سليمان، وقرأت الكتاب وهذا هو الذي يريده سليمان، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ﴾ [النمل:٢٩]، وفيها: احترام الملك للوزراء الذين عنده، والملأ: الأشراف، يعني: يا أكابر القوم! فهي تحترم من معها حتى يحترموها، ففيها كيف يتعامل الملك، وكيف يتعامل الكبير مع من حوله، فلا يتعامل معهم بالاحتقار، أو أن رأيي فوق رأي الجميع، وأنا أفهم وغيري لا يفهم شيئاً، وكلام هذه المرأة يدل على أنها كانت امرأة عاقلة. ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] وكسرى عندما وصل إليه خطاب النبي ﷺ مزقه فوراً، فدعا عليه النبي ﷺ بقوله: (مزق الله ملكه)، فمزق الله سبحانه ملكه. لكن المرأة تأدبت، وهي لا تعرف كيف هي قوة سليمان؟ والذي استطاع أن يوصل إلي هذه الرسالة، ماذا يستطيع أن يفعل معي؟ لذلك احتاطت في كلامها، وكبرت القوم بقولها: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ﴾ [النمل:٢٩]، أي: علية القوم وأشرافهم. ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ [النمل:٢٩] أي: لم يأت بهذا الكتاب رسول وإنما إلقي إلي، ونزل إلي من السماء. ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩]، فوصفت الكتاب بأنه كتاب كريم؛ لأدب سليمان ﵊، فأدبه في الخطاب الذي أرسله إليها، هو الذي دفعها إلى أن تقول بأنه: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩]. وقد قالوا: وصفته بذلك لما تضمن من لين القول، فإن سليمان ﵊ أرسل إليها بقول لين، وليس بقول شديد، يعظها فيه، ويأمرهم بعبادة الله ، قالوا: كان فيه الموعظة في الدعاء إلى عبادة الله سبحانه، وفيه حسن الاستلطاف من غير أن يتضمن سباً ولا لعناً، ولا شيئاً يغير النفوس، فكان الكتاب كتاباً كريماً من سليمان. وهذه عادة الرسل، فإن الله لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] مع أن فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] وقال: ﴿فَأوْقِد لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]، فكان كذاباً سفيهاً، متعالياً جباراً، ومع ذلك أمر الله موسى ﵊ وأخاه أن يقولا له قولاً ليناً، وهكذا يجب أن يكون الخطاب مع من تدعوهم إلى الله ، خطاباً ليناً، فقالت المرأة لما وجدت الخطاب ليناً: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩].

стр. 1137

تفسير قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، أي: هذا الكتاب مختوم من رجل اسمه سليمان، ولعلها سمعت عنه ولكنه لم يسمع عنها. قال: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، وهذه البسملة الوحيدة في القرآن كله، والتي اتفق على أنها بعض آية من هذه السورة الكريمة واختلف في غيرها، وإن كان الجمهور على أنها آية كاملة في أول الفاتحة، وهذا هو الصحيح، والبعض على أنها آية منفصلة في كل سورة. والصواب: أنها آية منفصلة في أول كل سورة، إلا الفاتحة فهي أول آية فيها، لقول النبي ﷺ : (وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها). فبدأ خطابه ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن السنة: أنك عندما تبدأ الكتاب تبدأه ببسم الله الرحمن الرحيم. فقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [النمل:٣٠] أي: ابتدائي مستعيناً ببسم الله ، فأستعين بالله سبحانه، ذاكراً اسمه مبتدأً به، باسم الله المعبود ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [النمل:٣٠]، العظيم الرحمة لجميع خلقه في الدنيا وفي الآخرة. ﴿الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، بالمؤمنين .

стр. 1138

تفسير قوله تعالى: (ألا تعلوا علي واتوني مسلمين) قال تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣١]. أي: احذروا من الكبر، واحذروا من ترك عبادة الله سبحانه. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣١] أي: تعالوا إلي مستسلمين لله رب العالمين، عابدين الله، تاركين هذه الشمس التي تعبدونها من دون الله، فالكتاب فيه الاختصار، وفيه الحزم. فقد حذرهم فيه من الكبر، ومن عدم تأمل العواقب، وبدأ بذكر اسمه، فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] ثم بدأ بذكر الله المعبود الذي يستحق وحده العبادة، وذكر اسمين من أسمائه اللطيفة الكريمة، وهي أنه رحمن ورحيم. فكأنه قال لها: إنك إذا عبدت الله فهو الذي سيرحمك . قالوا: وفيه من السنن: أنك عندما تكتب لإنسان فتبدأ بذكر نفسك فتقول: من فلان إلى فلان. وكذا كان النبي ﷺ يكتب إلى الملوك وإلى غيرهم، فيقول: من محمد رسول الله ﷺ إلى فلان بن فلان، ففيه: أنك تبدأ بالإخبار عن نفسك. وبعض أهل اللغة فرقوا بين من يكتب إلى كبير من القوم، ومن يكتب إلى غيره. فقالوا: إذا كتب إلى كبير كالذي يكتب إلى والده، أو إلى إنسان كبير في الرتبة وغيرها، فليبدأ به يقول: إلى فلان من فلان. ولكن هنا في القرآن ذكر لنا ربنا : أنه بدأ باسمه هو فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٠ - ٣١] فبدأت تتشاور مع قومها في الذي ستفعله في ذلك؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1139

تفسير سورة النمل [٢٩ - ٣٨] ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعضاً من قصة بلقيس ملكة سبأ مع سليمان ﵇، فلما أن أرسل سليمان الهدهد بالرسالة إليها فقرأتها ثم مدحتها ووصفتها بالكرم، وأنه خطاب لا على عادة أهل التكبر والطيش، بل هو كلام محكم موزون، قليل المبنى، كثير المعنى، ابتدأ بذكر المرسل، ثم الاستعانة بالله، ثم الأمر لها بعدم العلو والتكبر على دين الله ونبيه، وأن تأتي إليه مع قومها مسلمين، وكانت عاقلة ذكية، فاستشارت قومها واستقر الرأي على إرسال هدية إلى سليمان؛ لتعرف بها حاله أهو نبي فيتبع أم ملك فيقاتل؟ وكان مآل هذه الملكة وقومها إلى الإسلام واتباع نبي الله سليمان ﵇.

стр. 1140

دعوة سليمان لبلقيس وقومها إلى التوحيد الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣١]. يخبرنا الله عن قصة بلقيس لما جاءها الهدهد برسالة سليمان ﵊، وكيف أنه أرسل الهدهد بهذه الرسالة إليها. وقد ابتدأ هذه الرسالة بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]. وهذا الخطاب الذي أرسله سليمان ﵇ لـ بلقيس كان فيه دعوتها إلى توحيد رب العالمين سبحانه، وأن تأتي مذعنة خاضعة لرسول رب العالمين ﵊، فأرسل إليها: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣١]، أي: مستسلمين للرب ، وألا تعبدوا غيره من المعبودات الباطلة. وقدمنا: أن سليمان ﵊ كان قد افتقد الهدهد مرة، فلما سأل عن الهدهد ولم يجده، توعده وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١] قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٢]، يعني: وظهر الهدهد وجاء إلى سليمان ﵇ وقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] يعني: علمت علماً لا تعلمه أنت، وأحطت بخبر في بلاد قريبة منك وأنت لا تعلم عنها شيئاً، وكان سليمان بالشام وهؤلاء باليمن. فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]، أي: نبأ ليس كذباً، وليس عن طريق أحد غيري، بل أنا الذي رأيت بنفسي، وليس المخبر كالمعاين، فالذي يعاين الخبر ويراه يكون منه على يقين، أما الذي يخبر عنه فليس على مثل يقين المشاهد. والنبأ معناه: الخبر الذي غاب عن الإنسان، ومنه النبي والنبيء، يعني: الذي ينبأ بأخبار من الغيب لم يكن يعرفها، ولا يعرفها أحد من البشر سواه، فيخبره الله بالنبوءة بأخبار الغيب. والخبر هو: أني وجدت امرأة ملكة على بلاد اليمن، وهي ملكة سبأ، وهذه المرأة لها عرش عظيم، غير أنها تعبد هي وقومها الشمس من دون الله. وهذه المرأة كانت غنية جداً؛ ولذلك الهدهد يقول لسليمان ﵇: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، يعني: مما يؤتاه البشر، فقد أوتيت أشياء كثيرة مما يؤتاه البشر، وأوتيت غنى عظيماً، ولها عرش عظيم يدل على قدرة من معها على البناء وعلى الصنع وعلى التجميل، وهذا العرش قد انبهر منه الهدهد ووصفه بأنه عرش عظيم. فلما قال ذلك لسليمان، وأنهم يعبدون غير الله سبحانه قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]، قال الله : أو قال سليمان تعقيباً على كلام الهدهد: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥]، أو قالها الهدهد. وفي هذه قراءتان: الأولى: (ألَا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء). بتخفيف اللام في (ألا) والثانية: (ألَّا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء). بالتشديد. والمعنى: التحضيض والحسم، هلا سجدوا لله بدلاً من هذه الأشياء الباطلة التي يعبدونها من دون الله سبحانه؟ فلما سمع سليمان ﵊ من الهدهد ذلك: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧] يعني: هل هو يتعلل لأنه غاب وسليمان هدده بأن يذبحه أو يعذبه عذاباً عظيماً، أم هو صادق في كلامه؟ ﴿قَالَ سَنَنظُرُ﴾ [النمل:٢٧]، يعني: نتحرى، وكأن القرآن هنا يشير إلينا أن الإنسان لا يندفع، وليأتس بهؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فسليمان ﵇ تهدد وتوعد الهدهد وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]. فإذاً: يجب على الإنسان إذا غضب من شيء أن ينتظر حتى يهدأ وحتى ينظر في الذي عند هذا الآخر من العذر، فإذا أخبره بعذره قبل هذا العذر. ولذلك قال سليمان ﵊: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١] يعني: بعذر بين أو بحجة قاطعة، فجاء الهدهد بهذا الخبر فقال سليمان: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧]. ثم قال له: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨]، فأخذ الهدهد كتاب سليمان، وذهب إليهم، وألقاه إلى هذه الملكة. فلما رأت الكتاب، وقد علمت أنه لم يأتها به أحد من البشر، أدركت أن هذا الخطاب أتى من فوق، ثم فتحت الخطاب، فقالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، فهذا الخطاب الكريم من سليمان. ثم قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كريم﴾ [النمل:٢٩]، وكتاب معناه: مكتوب، يعني: رسالة مكتوبة، ومكتوب فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، فكأنه قدم نفسه، بحيث لو كانت غبية أو متطاولة فشتمت أو سبت كان شتمها وسبها لأول من ذكر، ولا تسب الله تعالى، فلذلك بدأ باسمه هو فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٠ - ٣١]. فذكر كلمات قليلة يسيره فيها البدء بالمرسل، ثم ذكر الله الخالق سبحانه ببعض صفاته العظيمة، وفيه التلطف مع هذه المرأة لعلها تستجيب وتدخل في هذا الدين. ولذلك لما وجدت هذه الصيغة قالت: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] يعني: لم يبدأ بالشتم والتهديد، ولكن بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، دال على أن الله هو المعبود ، وكأنه يقول: أنا أكتب كتابي هذا مستعيناً بالله وحده سبحانه الذي هو الإله المألوه الذي يستحق العبادة وحده، كذلك هو الرحمن الذي يرحم عباده في الدنيا وفي الآخرة، وهو الرحيم سبحانه. فالرحمن صاحب الرحمة التي تعم الخلق جميعهم، والرحيم صاحب الرحمة العظيمة الخاصة بالمؤمنين. قال سليمان: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل:٣١]، وهذا هو مضمون الخطاب: لا تعلوا علي، ولا تستكبروا، ثم قال: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣١]، أي: مستسلمين لله رب العالمين، طائعين عابدين له لا تعبدون غيره سبحانه. فلما قرأت على قومها الكتاب، أو أخبرتهم بمضمونه، أظهرت هنا حكمتها، وأنها ليست مندفعة، فلم تندفع في التهديد والوعيد، مع أنه ذكر عنها أنها تملك جيشاً عظيماً جداً، ويكفي في قوتهم ما صرح الله به هنا من كلام جنودها وقادتهم لما قالوا: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل:٣٣]، فأثبت الله ذلك، ولم يكذب ما قالوه، فهم أصحاب قوة عظيمة في أبدانهم، وأصحاب قوة عند القتال.

стр. 1141

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) ثم قالت مستشيرة لهؤلاء الأقوام: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل:٣٢]. قَالَتْ: (يَا أَيُّهَا المَلَأُ)، ولم تقل: يا أيها الناس! فهي لم تخاطب الجميع، بل خاطبت القواد والوزراء، إذاً: فقد كان لها مجلس شورى مكون من أكابر القوم، وفي استشارتهم دليل على حلمها وعلمها وحكمتها. فالإنسان الذي لا يستشير إنسان أحمق، وفيه غباء واندفاع وطيش، وهذا يرى أنه وحده الذي يفهم الأمر وغيره لا يستحق أن يفكر، ولا يستحق أن يؤخذ برأيه، أما الإنسان الحكيم فهو الذي يستشير. ثم قالت: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ [النمل:٣٢]، يعني: لم أكن منفذة أمراً، ولا سأقضي في هذه القضية بشيء، ولا أفصل برأي من الآراء حتى تشهدوا مجلسي وتسمعوا مني وأسمع منكم، ثم نخرج برأي يتفق عليه الجميع. وفي قوله تعالى عنها: (حتى تشهدون) قراءتان: قراءة الجمهور: (حتى تشهدون)، فإذا وصلوا فسيكون النون مكسوراً. أما قراءة يعقوب فبالياء في آخرها: (حتى تشهدوني)، سواء وصل أم وقف.

стр. 1142

تفسير قوله تعالى: (قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد) قال تعالى عن قومها: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ [النمل:٣٣]، يعني: في أبداننا، وعدة الحرب موجودة عندنا. ونحن ﴿وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل:٣٣]، أي: ومجربون في القتال، ولدينا صلابة وقوة عند القتال. ثم أظهروا أيضاً التواضع معها فقالوا: ﴿وَالأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل:٣٣]، يعني: اصنعي ما ترينه مناسباً. فهي تواضعت وسألت، وهم تواضعوا وقالوا: ﴿وَالأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل:٣٣]، فردوا الأمر إليها. قالوا: ﴿فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣]، يعني: نحن طوع أمرك.

стр. 1143

تفسير قوله تعالى: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) وهنا أيضاً ظهرت حكمتها وحنكتها وسياستها، وأنها كانت عاقلة، فلم تقل: أنتم عددكم كبير وألوف، فنبعث له جيشاً لتدميره، ولكن قالت لهم حتى تريهم رأيها: افرضوا أننا انهزمنا؟ فسيدخل هذا الملك بمن معه بلادنا فيدمرها ويذل سادة القوم؛ ولذلك قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤]. وهذا حاصل في غير جند الإسلام، فإنهم يدخلون القرى ليعمروها، وهم ممنوعون من التخريب والإفساد، وإنما يدعونهم إلى توحيد رب العالمين . فجهاد المسلمين ليس لتخريب الديار، بل لإعمار البلاد، ولإعمار قلوب العباد، ولإدخال العباد في عبادة الله بدلاً من عبادة العباد من دون الله رب العالمين. فالإسلام يأمر المقاتلين أن إذا أتيتم قرية فلا تبدأوا بالقتال، ولكن ابدأوا بدعوة هؤلاء إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فإن أطاعوا لذلك فكفوا عنهم، واجعلوا حاكمهم منهم، بشرط أن يحكمهم بشرع الله . فهذا الدين جاء ليحكم العباد لا بشريعة العباد، أو شريعة الغاب، ولكن بشرع رب العالمين سبحانه. وفي هذا الدين: أن الناس سواسية كأسنان المشط، فخيرهم عند الله أتقاهم، وأقربهم إلى الله المؤمن التقي، إذاً: فإذا فتح الإسلام أرضاً حكمها بالعدل. وقد عرفت اليهود ذلك، فلما ذهب إليهم عبد الله بن رواحه ﵁ يخرص أرض خيبر، أرادوا أن يدفعوا له رشوة من أجل أن يخرص بالظلم، فقال: والله إنكم لأبغض الخلق إلي، ولا يمنعني ذلك من أن أعدل بينكم فيما أرسلني فيه النبي ﷺ . فقال اليهود: بهذا قامت السموات والأرض، يعني: بالعدل الذي أنتم عليه قامت السموات والأرض. فدين الإسلام دين العدالة، فإذا فتح البلاد عدل بين أهلها، لكن أي ملك من الملوك إذا فتح أرضاً خرب فيها، فسجن أهلها، وجعل أعزة الناس فيها أذل الناس وأحطهم. والناظر في أحوال البلاد يرى كيف يصنع الكفار مع الناس إذا أخذوا بلادهم، وكيف يذلون أهلها، وكيف يخرجون أوضع الناس فيجعلونه الرفيع فيهم، والرئيس عليهم، ويأخذون أعلى الناس فيجعلونهم تحت التراب، ولا يهمهم ما الذي يصنعونه، فيبيحون البلاد، ويغتصبون النساء، ويدمرون البلاد، ويقولون: إن الوقت وقت حرب نفعل فيه ما نشاء لأننا الغالبون، فلا حساب علينا، ولا محاكمة لنا، فالقانون قانون الغاب، القوي الغالب يفعل ما يشاء بالضعفاء، ولا يقدر أحد أن ينكر، وهذه شريعة الغاب المعروفة منذ القدم. ولذلك أرسل الله تعالى النبي ﷺ بهذا الدين العظيم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، أي: يأمرك أن تعدل، وأن تحسن، وأن تؤتي ذوي القربى حقهم، ثم قال: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، أي: وينهى عن المنكر، والظلم، وأن يبغي بعضكم على بعض. وقد سمع هذه الآية الوليد بن المغيرة، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. قالت الملكة هنا: وهذا إما أن يكون قولاً لها، وإما أنه تعقيب من رب العزة سبحانه، وفعلاً يحدث هذا الشيء، وكذلك يفعل الملوك، إلا من رحم الله وجعله على شريعة الإسلام يحكم بين الناس بالعدل. وقد رأينا النبي ﷺ كيف دخل مكة حين فتحها، ومعه جيش جرار أرعب أهل مكة، فلما فتحها ولاذ الناس ببيوتهم أرسل منادياً ينادي: (من دخل الحرم فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن)، فأمن الناس صلوات الله وسلامه عليه، ولما قال بعض من معه في جيشه: اليوم يوم الملحمة -يعني: يوم القتال- فأرسل ينفي ذلك، ويقول: (بل اليوم يوم المرحمة) أي: يوم الرحمة. ثم جمع أهل مكة وقال لهم: (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم)، وهم الذين قتلوا عمه حمزة رضي الله ﵎ عنه، ومثلوا بجثته، وقتلوا مصعباً وغيره من المسلمين، وهم الذين شجوا وجه النبي ﷺ ، وكسروا المغفر أو البيضة على رأسه، وأرادوا قتله، ومع ذلك يقول لهم ﷺ : ما تظنون أني فاعل بكم؟)، قالوا: (أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء). ولما قال بعض أصحابه: (اليوم يستباح الحرم، قال: لا، اليوم يعظم الحرم). وبدأت بلقيس بهذا القول: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤]؛ من أجل ألا يشهد عليها الملأ بالقتال، فاستحثت عقولهم: أن فكروا قبل أن تفعلوا شيئاً، فلو دخل الملوك عليكم وهزموكم دمروا قراكم وبلدكم. وفي هذه الآية مبدأ الشورى الذي أمرنا الله به، حين قال لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فأمره سبحانه أن يشاور المؤمنين، ومن هذا الذي من المؤمنين رأيه أرجح من رأي النبي ﷺ ، وهو المؤيد بالوحي من السماء. ولكن مهما كان الأمر فسنة رب العالمين في خلقه الشورى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فالإنسان الذي يحكم هو واحد، ورأيه رأي واحد، ولكن إذا استمع إلى مجموعة أضاف عقولهم إلى عقله، ولذلك كان العاقل هو الذي يستشير، وقد قال الله يمدح المؤمنين بما فيهم النبي ﷺ : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فهو يشاور المؤمنين ويعمل بما نتج عن الشورى من رأي، وقد يخطئون، ومع ذلك يأخذ برأيهم صلوات الله وسلامه عليه. ففي يوم أحد كان رأي النبي ﷺ : أنه لا يخرج من المدينة، وقد رأى رؤيا تؤيد ما قاله ﷺ ، فقد رأى أن المدينة حصن عظيم، ولكن أكثر المؤمنين كان رأيهم أن يخرجوا لقتال المشركين، فنزل على رأيهم صلوات الله وسلامه عليه، واستجاب لهم، ولبس لأمة القتال، فلما وجدوا أنهم فرضوا عليه شيئاً خلاف رأيه تراجعوا، وقالوا للنبي ﷺ : ننزل عن رأيك، فقال ﷺ : (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمة القتال أن ينزعها حتى يقاتل)، فلما خرجوا إلى ساحة الحرب نزل النبي ﷺ وأصحابه منازلهم، وأمر الرماة ألا يفارقوا موضعهم، ولكنهم لما عصوا النبي ﷺ حاقت بهم الهزيمة بعد ذلك. وقد أخذ النبي ﷺ بمشورة القوم في مواطن كثيرة، وكان يقول يوم بدر: (أشيروا علي أيها الناس!)، فقال سعد بن معاذ ﵁: (يا رسول الله! لعلك تعنينا - أي: الأنصار-؟ قال: نعم، قالوا: يا رسول الله! سر أينما شئت، ووال من شئت، وعاد من شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، فوالله لو خضت بنا برك الغماد لخضناه معك). يعني: نخوض هذا البحر حتى نصل إلى المكان الذي تريده. واستشارهم في يوم أحد، واستشارهم في غير ذلك. بل استشارهم في أمر يخصه ﷺ حين تكلم الملعون عبد الله بن أبي بن سلول بحديث الإفك، فقال النبي ﷺ : (أشيروا علي يا قوم!) أي: في هذا الأمر، فلما استشارهم صلوات الله وسلامه عليه حدث بين الناس كلام، وكاد أن يقوم بعضهم إلى بعض، فأسكتهم النبي ﷺ ورجع إلى بيته. والغرض مما ذكر: أن يعلم أن مبدأ الشورى مبدأ عظيم، فلا يخيب أبداً إنسان يستشير، بل الذي يتهور ويندفع هو الأحرى بالخسران والخيبة. فالمرأة كانت عاقلة وذكية؛ ولذلك استشارت من معها؛ حتى يعرفوا منزلتهم عندها، ثم بعد ذلك ألقت بالنصيحة: أن الحرب سجال، فقد ننتصر، ولكن الهزيمة واردة، فلو حصلت الهزيمة فسيدخلون بلادنا، وهذا الذي أرسل هدهداً برسالة، معناه: أن معه جنوداً كثيرين، فاحتمال الهزيمة كبير.

стр. 1144

تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) ثم قالت بعد ذلك: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل:٣٥]، أي: سنختبر هذا الذي أرسل الرسالة، هل هو نبي من الأنبياء أم أنه ملك ملك من الملوك؟ فلو كان ملكاً فسيقبل الهدية، ونتعامل معه بناءً على ذلك، أما لو كان نبياً فلن يقبل هذه الهدية، وهذا الذي حدث. ثم قالت: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥] أي: بالذي سيرجع به المرسلون الذين سنبعثهم. فإذاً: ستبعث هدية ليس مع واحد؛ لأنها تقول: (بم يرجع المرسلون)، وهنا لم تقل: الرسل، ولكن قالت: ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، فكأن العدد ضخم؛ ولذلك ذكرت جمع المذكر السالم هنا. فإذاً: هي اختارت هدية عظيمة جداً، وأرسلتها لسليمان ﵇ مع مجموعة كبيرة من الناس. أما تفصيل ما في الهدية فلم يهتم القرآن بذلك، وما الذي أرسلته إليه، هل أرسلت إليه غلمان، أم أرسلت إليه وصائف، أم أرسلت إليه ذهباً وفضة؟ أياً كان ذلك فقد أغناه الله وأعطاه فوق ذلك، ويكفي أنه نبي، فالنبي لا طمع له في الدنيا أصلاً. فعلى ذلك لا يعنينا ما هي هذه الهدية التي أرسلتها إليه، ولكن من الواضح أنها هدية عظيمة. ثم ذهبوا بهذه الهدية إلى سليمان ﵊، وهي قالت: ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾ [النمل:٣٥] يعني: سأنظر ما الذي سيعمل بها، وبناء على ذلك سنتعامل معه، فإن كان طماعاً فليس برسول، فسنتعامل معه بمنطق القوة، ونرسل إليه جنودنا الأقوياء. لكن لو رد الهدية، فهذا يعني أنه رجل عظيم قوي، وأنه يحتقر هذه الهدية، فالغالب سيكون نبياً من الأنبياء، ولا طاقة لنا به.

стр. 1145

تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال) قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل:٣٦]، أي: لما أتوا إلى سليمان بهذه الهدية، أو جاءه رسول هذه الملكة، وقال: قد جئت ومعي هدية من هؤلاء. فقال سليمان مباشرة يرد عليهم: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل:٣٦]، يعني: تدفعون لي رشوة على أمر الله ، وما أرسلت إليكم إلا لتسلموا لله رب العالمين، فتدفعون لي مالاً حتى أترككم على كفركم وشرككم، قال: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦].

стр. 1146

القراءات في قوله تعالى: أتمدونن بمال وفي قوله تعالى: (أتمدوننِ بمال) ثلاث قراءات: قراءة الجمهور: بكسر النون (أتمدوننِ). وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو: (أتمدونني بمال)، فإذا وصلوا نطقوا بالياء، وإذا وقفوا حذفوا الياء، فالوقف: (أتمدوننِ) كالجمهور، والوصل (أتمدونني بمال). وقراءة ابن كثير بالياء في الحالين: (أتمدونني بمال)، سواء وقف أو واصل.

стр. 1147

القراءات في قوله تعالى: (فما آتاني الله) وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ [النمل:٣٦] ثلاث قراءات: قراءة يعقوب وحمزة: (أتمدو~نِّي بمال) بمد طويل فيها وإدغام. وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وحفص أيضاً ورويس (فما آتانيَ الله خير مما آتاكم)، فإذا وقفوا فسيكون الوقف بالنون فقط. ويقرأها أبو جعفر وورش في روايته عن نافع (فما آتان) في الوقف كما ذكرنا، والباقون يقرءون: (فما آتانِ الله خير مما آتاكم) وصلاً ووقفاً. ثم قال تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل:٣٦]، أي: الذي أعطاني الله تعالى من النبوة ومن الملك خير من هذا المال الذي أتيتم به. قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦]، يعني: أنتم تظنون أن هذه الهدية لها قيمة عظيمة، فمثلكم يفرح بها، أما أنا فلا أفرح بمثل هذه الهدية، فقد آتاني الله النبوة، وآتاني الملك، والمال العظيم. والعادة في بني البشر: أن الإنسان كلما كان غنياً كلما كانت له مطامع، وازداد نهماً وحرصاً على المال، وخاصة لماذا كانت هدية عظيمة من ذهب أو فضة ونحوهما، ولكن هذا النبي الكريم ﵊ قد عصمه الله من ذلك. ولذلك جاء عن النبي ﷺ : (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال أو وطالب دنيا) فطالب العلم لا يشبع من طلب العلم، وطالب الدنيا لا يشبع من طلب المال وطلب الدنيا. فلما رد هذه الهدية علمت أنه نبي، فهي امرأة كافرة، وهو لا يقبل هدية الكفار. وجاء عن نبينا ﷺ مثل ذلك، أنه لم يقبل هدايا المشركين، وجاء عنه أنه قبلها. ففي الحديث الذي رواه أبو داود ورواه الترمذي عن عياض بن حمار: (أنه أهدى للنبي ﷺ هدية، أو ناقة، فقال النبي ﷺ له: أسلمت؟ فقال: لا، قال: فإني نهيت عن زبد المشركين)، والزبد: العطاء والرفد والمنحة والهدية، فبين النبي ﷺ أنه نهي عن ذلك. وفي حديث آخر: (أن عامر بن مالك -الذي يوصف أو يلقب بملاعب الأسنة- قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك، فأهدى للنبي ﷺ هدية، فقال النبي ﷺ : إني لا أقبل هدية المشركين). وفي حديث آخر: أن أم أسماء بنت أبي بكر ﵄، واسمها: قتيلة بنت عبد العزى قدمت على ابنتها أسماء بهدايا، وهي عبارة عن ضباب وأقط وسمن، وكانت أسماء مسلمة وأمها كافرة، وأم أسماء التي هي قتيلة كانت كافرة وهي غير أم عائشة ﵂ التي هي أم رومان فقد كانت مسلمة، فقدمت عليها في وقت الهدنة التي بين الحديبية وبين فتح مكة بذلك، فسألت أسماء النبي ﷺ : (إن أمي قدمت وهي راغبة)، يعني: راغبة في الصلة، فتوصلني وأصلها. فالنبي ﷺ قال: (صلي أمك، وأمرها أن تقبل هدية أمها). وبناء على ذلك اختلف العلماء في هدية المشرك: فبعض العلماء منعوا؛ لقول النبي ﷺ : (إني نهيت عن زبد المشركين)، ولرده ﷺ هدايا المشركين. والبعض الآخر أجازوا؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء أن تقبل هدية أمها، وأيضاً قد طلب من سهيل بن عمرو أن يرسل إليه هدية من ماء زمزم. فأرسل إليه سهيل هدية من ماء زمزم، وأرسل له هدايا معها، فقبلها منه النبي ﷺ . وبعض العلماء فصل فقال: إذا كانت هذه الهدايا كنوع من جعل الإنسان المسلم يوافقهم على ما هم فيه ويواطئهم، فتكون مداهنة، فلا تقبل هذه الهدية. أما إذا كان قبول الهدية فيه تأليف لصاحبها، رجاء أن يسلم بعد ذلك، فيجوز عندها قبول هدية المشرك. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (تهادوا تحابوا) فالهدية تجلب المحبة؛ لذلك أمر المؤمنين أن يتهادوا فيما بينهم، ورفض هدية المشركين للعلة نفسها. إذاً: إذا أهدى المشرك هدية للمسلم ووجد نوع من أنواع المودة، بحيث تنقلب المودة إلى محبة بين المسلمين والمشركين، ثم تنقلب موالاة بعد ذلك، بحيث إذا فصل القتال بين المسلمين والمشركين لا يرضى المسلم أن يقاتله؛ لأنه أهدى له هدية قبل ذلك؛ فهذا لا يجوز بحال من الأحوال؛ وذلك ولذلك رفض النبي ﷺ هدايا المشركين إلا أن يتألفهم بقبولها حتى يدخلوا في دين الله ﵎. ولذلك لما جاءت الهدية لسليمان، قال: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦]، يعني: تفرحون من أجل أن تقولوا: نحن بعثنا لسليمان هدية قوامها كذا وكذا، فتفرحون بذلك، ثم تفتخرون.

стр. 1148

تفسير قوله تعالى: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) قال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ [النمل:٣٧] أي: من بلدهم، ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]. فإذاً: ما قالته الملكة صحيح وهو قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، فهي بنظرها أن هذا إفساد، ولكن في نظر سليمان ليس إفساداً؛ لكونهم كفاراً يعبدون الشمس من دون الله، فيستحقون أن يقاتلوا حتى يسلموا أو يقتلوا. فقال: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]، فالجواب كان حاسماً شديداً، ولذلك المرأة فهمت ذلك، وقالت: سأذهب إليه بنفسي، خوفاً منه صلوات الله وسلامه عليه. فقال سليمان ﵊: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ [النمل:٣٧]، أي: لا طاقة لهم بها، وجنود سيلمان من الجن ومن الإنس ومن الطير، فلا أحد يقدر على هؤلاء إلا رب العالمين سبحانه، فلذلك قال ببرود: ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ﴾ [النمل:٣٧]، وهذا أسلوب قسم، أي: أقسم أننا سنخرجكم من هذه الديار طالما أنتم على شرككم أذلة وأنتم صاغرون. ولذلك كانت المرأة ذكية، فطالما أن سليمان ﵇ قد حلف أنه سيخرجنا، فسنخرج نحن باختيارنا، ونذهب إليه بدلاً من أن يأتي إلينا فيدمر علينا هذه البلدة. قال سليمان ﵊: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]، أي: مهانون أذلة.

стр. 1149

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) ثم قال لجنوده: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨]، فكأن سليمان ﵊ جاءه من يخبره بمجيئهم، إما عن طريق الوحي أو عن طريق جنوده من الجن أو من الطير، فكأنه قال: ما داموا جاءوا إلينا فسنريهم ما نحن فيه من ملك حتى يحتقروا ملكهم الذي أطمعهم في الدنيا، ودفعهم أن يعبدوا غير الله سبحانه. وكذلك ليحتقروا هذه الهدية التي أرسلوها، ثم يرجعوا إلى صوابهم، فيعبدوا الله ، فدبر تدبيراً عظيماً حتى يريهم ملكاً لم يروا مثله قبل ذلك أبداً، ولن يروا مثله بعد ذلك أبداً، وهو ما ذكر الله هنا من الصرح الممرد من قوارير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1150

تفسير سورة النمل [٣٦ - ٤٤] لقد أرسل الله رسله وجعل معهم من الدلائل والمعجزات ما يفوق ما أعطاه الله لملوك الأرض وأهلها الذين يرسل إليهم هؤلاء الأنبياء، وقد آتى الله سيدنا سليمان ملكاً ومعجزات جعلت ملكة سبأ تعلم أن ذلك ليس من شأن الملوك، بل من شأن الأنبياء المؤيدين بالوحي، وقليل أولئك الملوك الذين يتغلبون على أهوائهم ويتبعون رسالات الله تعالى، ويؤمنون برسله.

стр. 1151

تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان فإن ربي غني كريم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٣٦ - ٤٤].

стр. 1152

الحكمة التي اتصفت بها الملكة بلقيس يذكر لنا ربنا قصة سليمان ﵊ مع ملكة سبأ وهي بلقيس، لما أرادت أن تختبر سليمان وتعرف هل هو نبي من الأنبياء أم هو ملك من الملوك؟ وقد أرسل إليها خطاباً يأمرها بالإسلام، وأن تأتي إليه ولا تتكبر عليه. فلما قرأت الرسالة وكانت امرأة حكيمة استشارت من معها، فلم تكن متهورة مندفعة بحيث ترد عليه جواباً على رسالته، فأبدو أنهم أقوياء: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣]. ولكنها ذكرت من حولها أن أمر القوة وأمر الحرب يحتمل أن ننتصر أو أن ننهزم، فإذا انهزمنا أمامه دخلت جنوده إلى أرضنا، ودخل هذا الملك إلى أرضنا فأفسد فيها وقالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]. ثم تروت ووجدت فكرة أخرى فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل:٣٥]، يعني: إلى هؤلاء القوم وليس لسليمان وحده، ولكن لأهل هذه البلد أو لكبارها بما فيهم ملكهم، قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]. وعندما يرجع إلينا هؤلاء الذين نرسلهم إليه بهذه الهدية نعرف أمره، فإذا كان ملكاً قبل هذه الهدية فنتعامل معه على أنه ملك من الملوك وأنه طماع، فإما أن نرضيه بمال، وإما أن نغزوه ونحاربه، وأما إذا كان غير ذلك فهذا نبي من الأنبياء ولا يسعنا إلا أن نأتي إليه.

стр. 1153

موقف سيدنا سليمان من هدية بلقيس فلما ذهبت الهدية إلى سليمان رد عليهم رداً سريعاً ولم يستشر أحداً، بل قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦]. أي: أنتم الذين تفرحون بمثل هذه الهدايا، فأنتم تهدون إلى الإنسان لتفخروا عليه بهديتكم، ارجعوا بهذا الشيء فإننا لا نقبله منكم، ولنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون، فكأنه قال للرسول أو لكبير القوم الذي جاءه: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]، فقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ﴾ [النمل:٣٧]، فيه قسم من سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إذ قال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ [النمل:٣٧]، وهذا دليل على القسم؛ لوجود اللام في أول الفعل المضارع، والنون المثقلة في آخره، وكأنه يقول: والله لنخرجنهم منها أذلة، أو ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٧]. فإننا دعوناهم في الخطاب فلم يلبوا، أما الآن فسنخرجهم من هذه الأرض: ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]. فلما بلغ الأمر إليها إذا بها تتجهز للذهاب إليه، فلم ترد أن يأتي سليمان إليهم فيطردهم من أرضهم، فقالت: نحن نذهب إليه في البداية مستسلمين فيعاملنا معاملة كريمة.

стр. 1154

عظيم تسخير الله لسليمان فلما بلغ سليمان أنهم خارجون إليه، وعلم سليمان بذلك إما عن طريق الوحي وإما عن طريق جنوده من الجن وغيرهم أحب أن يريها آية من آيات قدرة الله سبحانه الذي أقدر سليمان عليها، فقال لمن معه: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨]، وإلا فماذا يعمل بعرشها؟ لكنه يريد أن يريها آية من الآيات، ولا مطمع له في عرشها. لكن هذا العرش هو الذي جعلها تتعالى وتستكبر على الخلق، وجعلها تعبد غير الله سبحانه، فينقل من اليمن إلى الشام وهي مسافة طويلة جداً في وقت يسير، وهي تخرج من بلدها تاركة عرشها هنالك فتأتي إلى الشام فتجد عرشها هناك، وهذا شيء عجيب جداً، فأراد سليمان أن يريها أنه رسول كريم مؤيد بالمعجزات. وهذا يدفعها إلى أن تؤمن بالله سبحانه، وكأن الهدف من إتيانه بعرشها أن يريها معجزة من المعجزات الحسية لعلها تسلم وتدخل في دين رب العالمين، فلما سأل من حوله لم يقل: يا أيها الناس؛ لأن الناس لا يقدرون على هذا الشيء، ولكن قال: يا أيها الملأ! فهم أعلى الناس الذي يدخلون عند سليمان، ويكون أكرمهم عليه أتقاهم لربه ، فربنا فضل بعض الناس عنده كما قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وكذلك هو التفضيل عند أنبياء الله ، فهم يفضلون ويقربون ويدنون منهم الأتقى من الخلق. فسأل هؤلاء الملأ الذين حوله وفيهم الإنس وفيهم الجن، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل:٣٨]، وهو يعلم من قدرة الله سبحانه أنه سيأتيه بهذا العرش من هذا المكان إلى هذا المكان. فكان الإتيان بالعرش مقدور لسليمان ﵊؛ لأن الله سخر الجان والشياطين والريح له، ولكن هو يريد شيئاً سريعاً قبل أن يأتوا. فهذه المرأة في الطريق وستأخذ ثلاثة أيام أو يومين، وهو يريد أن يأتي العرش الآن قبل أن تدخل هذه المرأة، فلما قال ذلك إذا بجنوده يجيبون: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل:٣٩]، والعفريت: هو المارد القوي، فالمردة من الجان مسخرون لسليمان ﵊، فقال هذا: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، أي: قبل أن تكمل هذه الجلسة الذي أنت فيها، وهذه قدرة عظيمة جداً، فلا تقدر أي طائرة ولا أي صاروخ أن يأتي له بهذا قبل أن ينفض المجلس.

стр. 1155

فضل أهل العلم على أهل القوة ولكن سليمان علم أن لله قدرة أكبر من ذلك، فطلب الأسرع من ذلك: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠]، وكأن التفضيل هنا لأهل الكتاب، ولحملة دين رب العالمين سبحانه. وهذا أحد جنود سليمان ﵊، فقد تعلم الكتاب من سليمان ﵊، وكأنه اختبار لقدرة هؤلاء الجنود الذين أعطاهم الله ما أعطاهم من قدرة، وهذا الذي عنده علم من الكتاب لو أراد الله سبحانه أن نعرفه لأخبرنا عنه ، ولكن لم يرد ذلك فلم يخبرنا عنه، لكن المفسرون خاضوا في ذلك وذكروا أسماء فقالوا: هذا رجل اسمه آصف بن برخيا، ولكن لا يعنينا كثيراً اسم هذا الرجل، فهو أحد المؤمنين الذين مع سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فما علم الله آصف هو جزء مما علم سليمان ﵊، فهو رجل من عباد الله سبحانه فضله الله ، وأراد أن يرينا فضل أهل العلم على أهل القوة، فالعفريت من الجن هو من أهل القوة، وقد قال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك، فسيكون في مدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ولكن الذي عنده علم من الكتاب لن ينتقل من مكانه، ولكن سيدعو الله ، والله على كل شيء قدير، فكأنه عرف كيف يدعو الله فيستجيب له ربه . وقد قالوا: إنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، واسم الله الأعظم ليس شيئاً مخفياً أو مستحيلاً أن يعرف، بل قد جاء في أحاديث النبي ﷺ اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.

стр. 1156

الثقة بالله سبب لإجابة الدعاء واسم الله الأعظم ليس كل إنسان سيدعو به يصل إلى مراده الذي يطلبه، وإنما الأمر أمر قلبي، فالإنسان إذا وصل قلبه بالله ، وكان على ثقة بالله سبحانه حصل على ما يريد. فكلكم تعرفون كيف تدعون الله سبحانه، وكيف تلحون على الله في الدعاء، ولكن من الذي سيكون كهذا الرجل الذي يدعو فيستجيب الله له؟ فنحن ندعو كثيراً: يا رب! أنزل علينا المطر، فأحياناً ينزل وأحياناً لا ينزل، أو يتأخر المطر. ولكن لما قام النبي ﷺ على المنبر، وسأل ربه أن ينزل المطر غيثاً مغيثاً عاجلاً، وذلك عندما جاء إلى النبي رجل وقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال، وهلكت العيال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا). وكان واقفاً يخطب على المنبر ﷺ فقطع الخطبة وسأل الله ، وكان لا يوجد في السماء سحاب، فإذا بسحابة تنشأ من وراء الجبل فتتوسط السماء فتمطر على الجميع أسبوعاً كاملاً بدعوة النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد قام كفار قريش قبل هجرته فقالوا له: (لن نؤمن لك حتى تفلق لنا هذا القمر فلقتين ونراه، فقال: إذا فعلت آمنتم؟ قالوا: نعم، فقام ﷺ وسأل ربه وأشار بيده إلى القمر فانفلق فلقتين، فلقة وراء الجبل، والأخرى أمام الجبل فلم يؤمنوا، بل قالوا: سحرتنا). وهذه آية من الآيات الحسية التي رأوها أمامهم، والتي يؤيد الله أنبياءه بها حتى يؤمن بهم الخلق، فهنا سليمان ﵊ أيده الله بمعجزات وبآيات، ومن ذلك هذه المعجزة: أن رجلاً من أتباعه يدعو ربه أن يأتي بالعرش إلى سليمان ﵊، فيستجيب الله دعاءه. وهذا الرجل ليس عنده كل علم الكتاب، بل عنده علم من الكتاب، فقد عرف ربه ، واستيقن به، وسأله فأعطاه.

стр. 1157

اسم الله الأعظم ما هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب؟ لقد جاءت ثلاثة أحاديث عن النبي ﷺ يبين لنا فيها الجواب، وقد علم الله رجلاً من خلقه المؤمنين أن يدعو بدعاء، فإذا بالنبي ﷺ يقول: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب). وهذا الرجل دعا فقال: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحداً)، فإذا بالنبي ﷺ يقول: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب). ورجل آخر أيضاً دعا ربه سبحانه، وسمعه النبي ﷺ يدعو ويقول: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!)، فقال رسول الله: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب). وأيضاً يقول ﵊: (اسم الله الأعظم في هاتين السورتين، في سورة آل عمران، وفي سورة طه، وهو الحي القيوم، والرحمن الرحيم). وإذا سألت الله أعطاك مع إخلاصك، مع معرفة الله أنك تستحق ذلك، ولذلك قال ﷺ : (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام!)، ومما ينبغي الدعاء به: اسم الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وتدعوا بيا ذا الجلال والإكرام، أو يا حي يا قيوم، أو يا رحمن يا رحيم، أو تدعو باسم الله الحنان المنان، بديع السماوات والأرض ذي الجلال والإكرام، فإذا سألته بهذا أعطاك واستجاب لك. وكلنا نسأل ربنا سبحانه، ولكن هل يحقق لكل منا ما يريده عاجلاً كما حقق لهذا الرجل؟ هذا يرجع إلى أمرين: الأمر الأول: راجع إلى الله سبحانه الذي قضاه، ومن قضائه أنه ينفذ ذلك الشيء ويعطي هذا الشيء لهذا الإنسان، وهذا مبني على علمه وحكمته وقدرته سبحانه. الأمر الآخر: راجع إلى قلب العبد، هل هو مخلص واثق في الله أم لا؟

стр. 1158

ما عند سليمان من الأعوان هو من فضل الله إن العفريت الذي قال: إنه سيأتي بالعرش قبل قيام سليمان من مجلسه قال: إنه قوي على هذا الشيء، وأنا أمين لست بخائن فآتيك بهذا الشيء ليس بغيره، وأما الآخر فقال: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل:٤٠]، أي: علم بكتاب الله الذي أنزله على موسى ﵊، وبالصحف التي أوتيها داود قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠]، يعني: أغمض عينيك وافتحها وستجده أمامك. وهذه السرعة ليست في قدرة إنس ولا جن أن يفعلوا ذلك، وإنما هي قدرة الله ، فهذا العبد سأل ربه فاستجاب له وأتى بهذا العرش إليه. وكان سليمان ﵊ واثقاً من ذلك، فهذا عنده علم من الكتاب. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل:٤٠]، أي: رأى العرش حالاً أمامه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠]. أي: فليس بقوتك ولا بقوته، ولكن من فضل الله أن علمنا الكتاب، وسخر لنا الإنس والجن والدواب، وسخر لنا هذا من فضله سبحانه، فهذا تفضل الله علي وما عطاءه ذلك لي إلا ابتلاءً وامتحاناً منه سبحانه، وما قال بفضلي وقدرتي لأنني ملك أو نبي، بل قال: هذا اختبار من الله هل سأشكر أم سأكفر؟ ليعلم الناس أنه مهما أعطاكم الله من نعم فاشكروا الله ، ومهما أعطاكم الله من نعم فاعلموا أن الذي يعطي قادر على أن يسلب ويأخذ. فإذا أعطاك الله فإنما يبتليك هل تشكر أم تكفر؟ فقال سليمان ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]، وهذه قراءة الجمهور، ومنهم من يمد ومنهم من يقصر، وقراءة نافع وأبي جعفر: ﴿لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]. وعاقبة الشكر منفعة، فإنما أشكر الله لأنتفع أنا، فلن ينتفع الله بشكري شيئاً، ولن يزداد بحمدي ولا بشكري ولا بعبادتي شيئاً، فأنا أحمد الله لنفسي لأنتفع أنا. وانتفاعي هو كما قال الله سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] أي: إن تشكر الله يزدك من هذه النعمة ومن هذا الفضل، ولذلك سليمان ﵊ يقول: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]، ومن كفر وجحد نعمة الله ونسب الفضل لنفسه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. وأصل الكَفر: الستر، وكفر الشيء بمعنى: ستره وغطاه، فالذي يكفر بالله كأنه يغطي النعم ويحجبها ويقول: ليست من عند الله، بل هي مني أنا، فأنا الذي أتيت بها، وأنا أستحق ذلك، وينسى ربه ويكفر، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [النمل:٤٠]، قال سليمان: ﴿فَإِنَّ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠] أي: الله الذي أعبده والذي خلقني: ﴿غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. أي: غني عن العباد وعن عبادتهم، كريم سبحانه يعطي من شكر ومن كفر ، ولذلك لما دعا سيدنا إبراهيم ﵊ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٦]، وهذا من أدبه ﵊، فلم يقل: ارزق المؤمنين الذين يعبدونك، وارزق الكفار الذي يجحدونك ويسبونك، بل كان الأدب من إبراهيم أن قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة:١٢٦]، ثم توقف عند مقام الأدب ﵊، فأجاب الله بكرمه سبحانه قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:١٢٦]، فالمؤمن يتأدب في دعائه لربه ، والله يفعل ما يشاء، قال سليمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، فهو سبحانه ﵎ يكرم خلقه بما يشاء، فيكرم بالإيمان فيهدي من يشاء من خلقه سبحانه.

стр. 1159

تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)

стр. 1160

مراد نبي الله سليمان من تنكير عرش بلقيس عندما جاء العرش إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٤١]، أي: غيروا من هذا العرش لونه، وغيروا الذهب فانقلوه من مكان لمكان، والنكر: هو عكس المعروف، وهذا شيء نكر أي: منكر، فأمرهم أن يغيروه لكي يعرف هل هي ذكية فطنة حكيمة تفهم أم لا؟ فلعلها إذا فهمت ذلك عرفت قدرة الله سبحانه، فرجعت إلى ربها سبحانه. فإذا فهمت أن الله يؤيد المؤمنين بهذه المعجزة، وهي: إتيانهم بهذا العرش من هذا المكان إلى هذا المكان فستؤمن، وإذا كانت مكابرة فستنظر إلى العرش وهي تعلم أنه عرشها ثم تقول: ليس لي؛ لتنكر هذه الآية وهذه المعجزة، وإذا كان فيها خير فستصدق وستؤمن أنه نبي مؤيد بالمعجزات، وستدخل في دين رب العالمين سبحانه. فأراد أن ينظر إلى عقلها وإلى حكمة هذه المرأة وذكائها، فقال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٤١] وكأنه يريد أن يقيس شيئاً على شيء، فإذا اهتدت لهذا العرش فسنأمل أن تهتدي إلى ربها، وأن تسلم، وأن تدخل في دين رب العالمين سبحانه، فاختبرها بشيء ليدله على شيء آخر وراء ذلك. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ [النمل:٤٢]، عرض عليها هذا العرش وقال أحد الجنود: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل:٤٢]، فنظرت إليه وقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، أي: كأنه عرشي جاء إلى هذا المكان، وكانت عاقلة، فإنها لو قالت: هذا عرشي فمن المؤكد أنها لم تنتبه للتغير الظاهر فيه، ولو قالت: ليس هو لكانت لم تسمع عن عرش آخر كعرشها بهذه الفخامة والزخرف الذي فيه، فلما تغير ما عليه والمنظر منظر عرشها، توسطت في الجواب بذكاء وقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢].
следующие страницы →