← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

اعتراف المشركين بربوبية الله في الآيات ذكر الله بعض أنبيائه في هذه السورة الكريمة في الآيات السابقة، وذكر كيف أنه نصرهم على أعدائهم من الكفار، وأنهم بلغوا رسالة رب العالمين سبحانه -والسورة سورة مكية أي: أنها نزلت في زمن كان يؤذى فيه النبي ﷺ وأصحابه- فكأن الله سبحانه يصبرهم بذلك، ويعلمهم بأن النهاية أن يكون النصر لأولياء الله ، فختم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]. فقوله سبحانه: ((آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ))، الاستفهام في الآية لهؤلاء: أن أجيبوا عن ذلك، ومعناه التقرير بأن حقيقة الأمر: أن الله خير من كل شيء، فالجواب معروف منه، وكذلك كان يجيب المشركون، وقد أثبت سبحانه عليهم ذلح، حيث يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فهم يجزمون بأن الله هو الخالق، وأن الله يقدر على كل شيء، وأن غيره لا يقدر على شيء، ولذلك إذا مسهم الضر في البحر ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، فقد اعتادوا إذا نزل بهم الضر أن يجأروا إلى الله فيقولون: يا رب! يا الله! فإذا كشف الله عنهم ذلك رجعوا مرة أخرى إلى شركهم، فمع أنهم موقنون أن الذي ينفع ويكشف عنهم ضرهم وقت الضر هو الله سبحانه، فلذلك إذا سئلوا: آلله خير أم هؤلاء الذين تشركون؟ أجابوا: بل الله خير! فإن سئلوا لماذا تعبدون هؤلاء؟ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وهم بهذا الجواب يخدعون أنفسهم، حيث يقولون ذلك وهم يعتقدون خلافه. يقول الله مبيناً نعمه سبحانه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [النمل:٦٠]، أي: هل تستطيع هذه الآلهة الباطلة من الإنس والجن ومخلوقات أخر لو اجتمعوا أن يخلقوا السموات والأرضين؟ قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠]، ومن أنزل من السماء ماءً؟ جوابهم المعروف: الله الذي فعل ذلك، فكأن الله يذكرهم بالنعم التي يتقلبون فيها ليل نهار، فيقول: هذه السموات التي تظلكم، وهذه الأرضون التي تقلكم، وهذه الشمس والقمر اللذان ينيران لكم، من الذي خلق ذلك كله؟ ولما كان جوابهم: الله ، لم يقل لهم: أرب مع الله، وهنا نلحظ الفرق بين أن يقول: أرب مع الله، وهو مقتضى الاستفهام، أو يقول: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، لأنه إن قال: أرب مع الله، فهم لم ينكروا الرب ، فلا يحتاجون إلى مثل هذا السؤال، فقد أقروا أن الرب الذي يخلق ويدبر ذلك الكون هو الله، ولكن السؤال إذا كنتم تعترفون بأن الرب هو الذي فعل ذلك فهل من إله يعبد مع هذا الرب ؟! هل يستحق من لا يخلق أن يعبد مع من يخلقه؟! لذلك كان الاستفهام إنكاراً لأفعالهم وبعدهم عن الله سبحانه وإفكهم وافترائهم على الله الكذب، فقال: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، أي: هل هناك إله يستحق العبادة مع هذا الإله العظيم الذي خلق وفعل هذا كله؟ وإن كان المفترض أن يكون جوابهم: لا، ولكنهم يعبدون غير الله ويشركون معه سبحانه وحالهم يفيد ذلك؛ لذلك كرر عليهم في كل آية من الآيات بعد أن يذكر النعم هذا السؤال هل إله غير الله يستحق أن يعبد، مع أن الله الذي فعل لكم ذلك، وغيره لم يفعلوا ذلك؟! لو أن إنساناً يقول: إن غير الله ممن لا يصنع ولا يخلق يستحق العبادة، فهذا لا يستحق أن يعيش في هذه الدنيا؛ لأنه لا عقل له ليفهم، فهو كالبهائم بل هو أضل سبيلاً.

стр. 1192

حكمة الجمع والإفراد في الآيات يقول الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل:٦٠]، (من السماء) أي: من السحاب الذي في السماء نزل الماء على الأرض، وقوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ [النمل:٦٠]، أفرد فكان المعنى: من الذي خلق؟ الله سبحانه، ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ [النمل:٦٠]، وأفرد هنا أيضاً، فالضمير في الفعلين عائد على مفرد: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ [النمل:٦٠]، قوله: (فأنبتنا) أما هنا فعبر بنون الجمع، إذ أنه في الأشياء التي لا يدعيها الإنسان لا يحتاج إلى أن يذكر له ضمير الجمع والعظمة، فالإنسان مقر ومعترف. أما لو أن الإنسان يقول: أنا أفعل، فيقول الله سبحانه: نحن نفعل، فيعبر بنون العظمة حتى يعرف الإنسان حقارة نفسه، وأنه لا شيء، وقد يدعي الإنسان فيقول: أنا الذي آتي بالبذرة وأضعها في الأرض، وأصب عليها الماء، وأنا الذي أسمد الأرض وأرعى الحب، وأنا أراعي هذا إلى أن ينبت، فالله يقول: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ [النمل:٦٠]، نحن الذين نفعل ذلك، ولست أنت الذي تقدر على ذلك. فنحن ألهمناك الصواب، وعلمناك كيف تصنع ذلك، وسواء بذرت أم لم تبذر فما شاءه الله كان، أو فعلت أنت أو فعل غيرك، فالله هو وحده الذي يخلق ويرزق، فعبر بنون الجمع هنا لبيان عظمته ، وحقارة خلقه: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠] والحديقة: البستان المحدق بحائط، أي: الذي عليه سور، وقوله سبحانه: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠]، أي: ذات منظر حسن، إذ أن الإنسان حين ينظر إلى الحديقة تعجبه فيسر بمنظرها الجميل الذي جعله الله للإنسان كما جعل فيها طعامه وشرابه، وجعله ينظر إليها فيبتهج بمنظرها، قال: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠].

стр. 1193

القراءات الواردة في قوله وذات بهجة قوله سبحانه: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠]، الجمهور إذا وقفوا على (ذات) ينطقون التاء، وهي مكتوبة: تاء مفتوحة، أما الكسائي فانفرد بأنه إذا وقف عليها يقول: (ذاه) بالهاء، فيقرؤها خلافاً للجمهور، أما في الوصل فينطقونها جميعهم بالتاء، إلا أن الكسائي إذا وقف على (بهجة) قرأها بالإمالة فيقول: (بَهجِه)، بالإمالة، أما الباقون فيقفون عليها. وقوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠]، هنا يؤكد الله الخالق العظيم عليهم، فقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ [النمل:٦٠]، حين عبر بنون العظمة ونفى عنهم الإثبات، والمعنى: لستم أنتم الذين تفعلون ذلك، فأنتم تأخذون بالأسباب فقط، والله هو الذي يقدر ويخلق ويفعل ذلك. ثم يردف قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠]، بسؤال فيقول: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، أي: هل هناك إله يستحق أن يعبد مع الله سبحانه الذي فعل ذلك؟! وهل آلهتكم فعلت ذلك فتستحق العبادة؟ الجواب لا.

стр. 1194

القراءات الواردة في قوله (أئله مع الله) وفي قوله سبحانه: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠] قراءات، الأولى: قراءة الجمهور بالقطع كما هو الرسم في المصحف، ويقرؤها البعض بالمد والتسهيل، ومنهم قالون، وأبو عمرو ويعقوب، (آيله مع الله)، ويقرؤها ورش وابن كثير: (أيله مع الله) بالتسهيل بغير مد. ويقرؤها هشام بوجهين، فيقرأ: (آئله مع الله)، بالمد فيها، ويقرأ كغيره من القراء: (أئله مع الله)، فأصبح فيها أربعة أوجه: (آئله مع الله)، (أئله مع الله)، (أئله مع الله)، (آيله مع الله)، رد عليهم ؛ لأن فعلهم يبين أنهم يعبدون غير الله، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]، ويعدلون: من عدل أي: جعل مع الله عديلاً له سبحانه، كما يضع الإنسان العدل على الجمل، في إحدى الجهتين عدل وفي الأخرى عدل، فهم يعدلون مع الله، أي: يجعلون معه آلهة أخرى سبحانه، يساوونها به ، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]، والمعنى: يشركون.

стр. 1195

عظمة الله في الأرض ثم قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل:٦١]، أي: من الذي جعل الأرض قراراً تستقرون فوقها، مع أنها تدور حول نفسها بسرعة عظيمة جداً في هذا الكون الواسع، وجعلكم لا تشعرون بسرعة سيرها؟ معلوم أن الإنسان عندما يركب وسائل النقل من سيارات وغيرها، أو يركب شيئاً يتحرك عموماً إن لم يكن يمسك نفسه يقع منها، والأرض تتحرك بأسرع من ذلك بكثير، وهي تدور حول نفسها في الكون، ومع ذلك لا يقع الإنسان ولا يستشعر ذلك، فمن الذي جعلها قراراً لهذا الإنسان ليستقر فوقها؟! يقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً﴾ [النمل:٦١]، أي: شق في جوفها أنهاراً تجري فأجراها، وجعل فيها الماء العذب، وجعل في محيطاتها الماء المالح، وكل ذلك بحكمة من الله ، من الذي صنع ذلك؟ وجعل لهذه الأرض رواسي كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:٦١]؛ يرى المتأمل فيها قدرة عظيمة لله الخالق ، فالله جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها، أي: شق في جوف هذه الأرض، فجعل خلالها أي: بين خللها وشقوقها أنهاراً، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل:٦١]، ترسيها وتثبتها، ومعلوم أن للأرض قشرة سطحية رقيقة، وتوجد سوائل في داخل الأرض منصهرة من المعادن المذابة، فلو تركت بلا جبال لاهتزت قشرة الأرض كالمركب أو السفينة فوق هذه السوائل، ولكن الله سبحانه جعل الجبال فيها كالوتد يثبت القشرة الأرضية في باطن الأرض فلا تهتز ولا تتحرك إلا أن يشاء الله . قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل:٦١]، ترسيها فلا تميد بالناس: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:٦١]، أي: البحر العذب والبحر المالح، فقد جعل الله بينهما حواجزاً من قدرته ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]. وسبق في سورة الفرقان أن الله جعل الأنهار تصب في البحار، فإذا صب النهر في البحر لم يختلط ماء البحر بالنهر، ولا ماء النهر بالبحر، لجعله برزخاً بين الاثنين في مصب النهر. قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان:٥٣]، من قدرة الله سبحانه فلا يطغى ملح البحر فيدخل في النهر فيفسده، ولا ماء النهر يدخل في البحر فيحليه، ولكن جعل بين الاثنين برزخاً بقدرته . قال: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]، مانعاً ممنوعاً، فهذا لا يغير هذا، وهذا لا يغير هذا، حتى الكائنات الموجودة في البحر لا تختلط بكائنات النهر، فلا تذهب التي في النهر إلى البحر لتكون كائنات ملحية، والأخرى كذلك، بل من عجيب قدرة الله سبحانه: أن البرزخ بين الاثنين له كائنات مخصوصة، فقد وجد الباحثون أسماكاً في هذا البرزخ لو خرجت منه إلى غيره لماتت، قال سبحانه: (برزخاً)، فهذا البرزخ الواقع في المكان الوسط بين الاثنين حجر محجور أي: يحرم على هذا أن يغير هذا، وعلى هذا أن يغير هذا، ويحرم كذلك على الكائنات، فلا هذه تذهب إلى هذه ولا الأخرى تفعل ذلك، فهو حاجز من صنع الله سبحانه، ثم يستفهم: من الذي صنع ذلك؟ قال: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦١]، فهل هناك إله يستحق أن يعبد مع هذا الخالق العظيم الذي فعل لكم ذلك؟! ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٦١]، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، أي: ما عرفوا أنه الرب الخالق، ولم يستيقنوا، وفرق بين من يعرف ومن يستيقن في قلبه فيعمل من أجل ذلك، فمعرفتهم تلك معرفة كالجاهلية؛ لذلك وصفهم أنهم جاهلون، وأنهم لا يعلمون. وسترى أن كل إنسان يدعي أنه يعرف الله ، ولكن هذه المعرفة هل تفيدك أو لا تفيدك؟ كإنسان يقول: أنا أعرف هذا المكان؛ لأنه قد سمع عن هذا المكان، ولكن لعله لو ذهب إليه لضاع فيه، وكأنه لم يعرف شيئاً. وكذا الإنسان الذي يقول: إن الله خلقني وأنا أعرفه، فيقال له: أنت حين عرفته ما الذي صنعته؟ هل عبدته أم عبدت غيره؟ هل خفت منه سبحانه؟ هل جهزت نفسك ليوم تلقاه فيه سبحانه؟ فيسألك ويحاسبك، فستجد أن الجواب لا فهذه المعرفة لا تنفعه مطلقاً؛ فكأنه لم يعرف شيئاً، إذ لو عرف الله لقدره حق قدره، قال سبحانه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٥]، يعني: بل أكثر هؤلاء الناس لا يعلمون شيئاً عن قدرته سبحانه، فالمعرفة التي تنفع صاحبها هي المعرفة التي ينبني عليها العمل، كمن يعرف الله فيصلي له سبحانه، ويخاف منه سبحانه فيتقرب إليه، ويطيع النبي ﷺ فيما أمر وفيما نهى، فهنا يقال: إنه عرف الله وقدر الله حق قدره. نسأل الله أن يجعلنا ممن يقدرون الله حق قدره. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1196

تفسير سورة النمل الآية [٦٢] من دعا الله وهو مضطر فإن الله يجيبه ولو كان كافراً، فرحمة الله في الدنيا وسعت كل شيء، وهو الذي يكشف السوء عن العباد والبلاد في أمور دينهم ودنياهم، فله الحمد والمنة.

стр. 1197

تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إلى دعاه)

стр. 1198

فقر الإنسان إلى الله وشدة حاجته للدعاء قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] يتذكر الإنسان قول: لا حول ولا قوة إلا بالله أي: لا تحول لأحد، ولا حيلة إلا بالله، ولا قوة لأحد إلا بأن يعينه الله ، وقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فالله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وقد كان النبي ﷺ يدعو ربه قائلاً: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت) والمعنى: اللهم رحمتك أنت وحدك، صاحب الرحمة العظيمة، إياها أرجو، (فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين)؛ لأنه لو وكل الإنسان إلى نفسه، وظن أنه قادر على كل شيء، حينها يملي الله له ويرجيه، ثم يأخذه بسبب ما هو فيه من علو واستكبار. ولذا يقول النبي ﷺ معلماً لنا: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وهنا أخر الفعل وقدم المفعول للاختصاص والتنبيه على أن الله وحده ذو الرحمة التي ترجى، كقولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فالأصل (نعبدك) حيث يقدم الفعل ويليه المفعول، ولكن عندما يقدم المفعول فمعناه: الاختصاص بالله وحده سبحانه. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة:٥] أي: وحدك لا شريك لك، لا أحد آخر، إذ لو قال الإنسان: أعبدك فقد يقال: يعبده ويعبد غيره، مثلما كان الكفار يعبدون الله ويشركون به سبحانه، أما عندما يقول: إياك أعبد فقد قدم المفعول للاختصاص، فأفصح أن العبادة تقتصر عليه وحده لا شريك له. وفي الحديث: يقول النبي ﷺ : (اللهم رحمتك أرجو) إذاً: لا أرجو رحمة من أحد غيرك، فلو قال الإنسان: أرجو رحمتك، فقد يرجو رحمته ورحمة غيره، ولكن عندما يقول: (اللهم رحمتك أرجو) أي: فإن الرحمة الوحيدة تكون من عندك يا رب العالمين! وقد علم النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ أن يدعو بدعاء لو كان عليه دين عظيم أداه الله وأعانه عليه، وهو أن يقرأ آيتين في آل عمران: (﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]، فيا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما -رحمتك أرجو- تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) فعلمه النبي ﷺ أن يطلب رحمة من الله يستغني بها عن رحمة أحد سوى الله، فمن توكل على الله كان الله له نعم المولى ونعم الوكيل، ومن توكل على الله كفاه سبحانه، ورزقه من حيث لا يحتسب. وكم من إنسان وقع في ضيق وفي أزمة، فلما ضاقت عليه الدنيا لجأ إلى الله وحده وناداه: يا رب! فإذا بالله يكشف ما به، فيكون كأمس الدابر، وكأنه لم يحدث شيء، والقصص في هذا المعنى كثيرة جداً.

стр. 1199

قصص لبعض من استجاب الله دعاءهم وكشف كربهم ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية قصصاً، وهي قصص عجيبة جداً، ولكنها ليست بغريبة على قدرة الله فهو ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]. يقول رحمة الله عليه راوياً عن الإمام الحاكم في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية: تقول: هزم الكفار يوماً المسلمين في غزاة، فوقف جواد بصاحبه، -وكان رجلاً صالحاً- أي أنه: حينما كان الكفار قادمين نحوه، إذا بالجواد يقف ولا يهرب به، فيتعجب الرجل ويكلم جواده قائلاً ألم أعدك لهذا اليوم؟! فإذا بالجواد يرد عليه ويقول: إنك لا تعلفني، بل تكل العلوفة إلى غيرك فيظلمونني، فيجيبه الرجل قائلاً: عهد علي إذا رجعنا لأعلفنك في حجري، فيطير به الجواد، ومن ثم يلتزم صاحبه العهد، وهذا أمر عجيب! والنبي ﷺ أخبر عن الذين من قبلنا: أن بقرة تكلمت، وليس أولئك بأحسن من هذا، فإنه من التابعين لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وليس عجيباً على أمر الله أن يحدث ذلك. وفي الصحيح: يقول النبي ﷺ : (ركب رجل ممن كانوا قبلنا بقرة، فاستدارت إليه وقالت: ليس لهذا خلقت -أي: لم أخلق للركوب- إنما خلقت للحرث). وتتمة القصة الأولى التي رواها ابن كثير عن الإمام الحاكم: فلما علم ملك الروم أن في المسلمين رجلاً كلمته دابة قال: لا يصلح إلا أن يكون عندنا، فالمكان الذي يكون فيه سيكون مباركاً، فأرسل إليه من يخطفه ويأتي به إليهم ممن كان من المرتدين، فذهب المرتد إليه وأظهر للرجل الصالح أنه أسلم وحسن إسلامه، فانخدع به، فكأنه خرج معه يوماً، وقد واعد المرتد غيره من الناس عند أطراف البلد ممن هم على شاكلته، فلما وصل هذا المسلم إلى هذا المكان، أخذوه وأرادوا الذهاب به إلى ملك الروم لعله يقتله، ولما يشكل وجوده في المسلمين من قوة حيث أنه مستجاب الدعوة، فإذا بالرجل يدعو ربه ، ويقول: اللهم بك خدعوني -أي: إنما ذهبت مع هذا رجاء أن يسلم، وأن يحسن إسلامه، فقال لله : فاكفنيهم بما شئت. قال الراوي: فخرج سبعان في المكان الذي هو فيه فخططا الرجل الكافر ومن معه، وتركا الرجل الصالح. والأسد عادة لا يفرق بين مسلم وكافر إلا أنه هنا فرق بينهما في هذا الموطن، ولا شك أن الله هو الذي قدر ذلك. ثم ذكر ﵀ قصة هي أغرب من هذه القصة يقول: ذكر ابن عساكر بإسناده عن رجل قال: كنت أكاري على بغل لي في دمشق إلى بلد، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق غير المسلوكة، أي: غير المأهولة، فقال: ادخل في هذا الطريق، فقلت: لا أعرفه، قال: أنا أعرفه ادخل فيه، فلما دخلوا فيه وأصبحوا بعيدين عن الناس، نزل الرجل وأحضر سكيناً ثم أراد قتل هذا الرجل، فتوسل إليه الرجل بكل شيء، وقال له: خذ الدواب التي معي، والمال واتركني، قال: لا، إنما أريد قتلك أنت، يقول الرجل: فقلت له: فاتركني أصلي ركعتين، طالما أنك ستقتلني، فقال: عجل، قال: فقمت فارتج علي القرآن فلم أستطع أن أقرأ، وقد دخلت في الصلاة، والقتل ينتظرني، ولم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً، قال: فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها هذا الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً. قال: فتعلقت بهذا الفارس، وقلت: بالله من أنت؟ قال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهذه القصة ليست بعجيبة على قدرة الله أن يرسل من يغيث هذا. وقد ذكر النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أن رجلاً خرج من قرية ليزور أخاً له في بلدة أخرى، فلما وصل منتصف الطريق، أرسل الله إليه ملكاً، فقال: أين تريد؟ قال: أريد فلاناً في البلدة الفلانية، قال: لم؟ قال: أحبه في الله، قال: ألك حاجة عنده؟ قال: لا، قال: ألك نعمة تردها عليه؟ قال: لا، ولكنني أحبه في الله، قال: فأنا رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته). فليس بعيداً على الله في تدبير كونه أن يرينا من ذلك ما يتعجب الإنسان منه، كأن يبعث إلى هذا من يقتل خصمه، والله يفعل ما يشاء، والذي يقرأ في السير والتأريخ يجد العجائب من إكرام الله لعباده ما هو فوق ذلك بكثير؛ لكن الغرض بيان: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. فكلما اشتدت بالمسلم كربة من الكرب، تذكر أن الله يجيب المضطر إذا دعاه، وكلما اضطر الإنسان، واستشعر الضيق، وعدم القدرة، ولم يجد أحداً حوله قال: يا رب! ويكفيه ذلك. فهذا لوط ﵊، لما ضاقت به الدنيا، ووقف يدافع قومه وحده، وكل قومه يدفعون عليه بابه، ويريدون أخذ أضيافه، وهو لا يعلم أن هؤلاء ملائكة الله سبحانه، إذا به يقول: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨٠ - ٨١] فكان النصر حليفه، ومن يخاف عليهم هم الذين يدفعون عنه، وهذا عجيب من أمر رب العالمين ، ولا غرو فهو يجيب المضطر إذا دعاه، ويستجيب دعاء من ناداه.

стр. 1200

من يستجيب الله دعاءهم يقول النبي ﷺ في الحديث: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن)، أي: ثلاث دعوات للإنسان كلما ضاق به الأمر فقال: يا رب! مضطراً، فالله يستجيب له، يقول: (دعوة المظلوم)، فالمظلوم إذا ضاق به الأمر ولم يجد من ينصره، فدعا الله نصره، قال: (ودعوة المسافر) والمسافر غريب في بلد غير بلده، لا يجد من يعينه، وقد تعود الناس أن يعين الإنسان من يعرفه، من جار أو قريب أو نحوه، أما الغريب فلا يجد أحداً، فقد قطن مكاناً موحشاً فأحب أن يرجع إلى بلده، فيفزع إلى الله فيستجيب له. قال: (ودعوة الوالد على ولده) وبالرغم من أن العادة أن الوالد يدعو لولده والله يستجيب، ولكن دعوة الوالد على ولده لا تأتي إلا إذا ضاق به ذرعاً، كأن يكون عاقاً لأبيه لا يطيعه، فإن دعا عليه استجاب الله لهذه الدعوة. ويقول النبي ﷺ : (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام- على السحاب- فيقول الله ﵎: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) فنصر المظلوم آت من عند الله سبحانه، ولو تأخرت الاستجابة شيئاً ما في نظر الإنسان؛ ولكنها آتية ولو بعد حين. يقول الله في هذا المعنى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [يونس:٢٢]، أي: السفينة ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢]: بحيث أن الإنسان ينسى نفسه، وينسى ربه ، قال: ﴿وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس:٢٢]، فيفجأهم هذا الهول، ولذلك لابد أن يكون الإنسان في ذكر لله دائماً، يذكر الله في الرخاء، فيذكره الله ويكون معه عند الضراء. ثم يقول سبحانه: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس:٢٢]، فعندما اشتدت الأمواج والرياح ظنوا أنهم أحيط بهم، قال: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢]، ففي الأوقات العصيبة يذكر الإنسان ربه. ثم يقول سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس:٢٣]، فبعد أن يكشف الله عنه الضر الذي هو فيه ينسى ويتناسى، ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]، أي: إذا بغيتم أو ظلمتم، رجع عليكم مكركم، وسوء صنيعكم. لذلك على المؤمن إذا أحب أن يستجيب الله له في وقت البلاء: أن يكثر من الدعاء في وقت الرخاء، وأن يتواضع لله ولخلقه، فالله يحب المتواضعين.

стр. 1201

تفسير سورة النمل [٦٢ - ٦٣] من رحمة الله أن جعل بابه مفتوحاً لكل محتاج، فمن دعاه أجابه، ومن سأله من فضله أعطاه، ومن رحمته سبحانه أن هدى الإنسان في ظلمات البر والبحر حتى لا يتيه في هذه الأرض الواسعة، وأنزل له من السماء ماءً جعل فيه رزقه، ومع ذلك فإن الإنسان قد يعبد مع ربه غيره، فتعالى الله عما يشركون.

стр. 1202

مجيب دعوة المضطر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٦٢ - ٦٣]. في هذه الآيات -كما ذكرنا قبل- يخبر الله فيها عن آياته، وعما خلق من خلقه، مما يراه كل ذي عينين، وكل من له عقل يفهم ويعرف أن هذه الأشياء لم تخلق سدى، وإنما خلقها الله ليتفكر الخلق فيها، ففي خلق السماوات والأرض وما يأكله الإنسان آيات من آيات الله سبحانه. فهنا يذكر الله عباده بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، أي: من الذي يجيبكم إذا اضطررتم، أو أصابكم الضر ولم تجدوا أحداً يجيركم أو يغيثكم؟ حينئذ تلجئون إلى الله، فتقولون: يا رب! وتجأرون إليه بالدعاء، فيستجيب لكم، يقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، يقول ابن عباس ﵄: المضطر: هو ذو الضرورة المجهود، أي: الإنسان الذي حاقت به مصيبة من المصائب، ووجد نفسه مضطراً يكاد يهلك ويضيع، فيجأر بالدعاء إلى الله وهو مجهود مكدود متعب لا يجد ملجأً له إلا عند الله سبحانه فيسأله حاجته، ويقول السدي: هو الذي لا حول له ولا قوة، أي: لا حيلة له ولا قدرة، بل وقف عاجزاً لا يقدر أن يدفع عن نفسه، فيقول: يا رب! ويلجأ إلى الله فيعطيه. ويقول أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو المفلس، وكله داخل تحت هذا المعنى، فإذا صار الإنسان معدماً لا شيء معه، محتاجاً إلى طعام وشراب ونفقه، والكل يطالبونه بما عليه لهم، وهو لا يجده، فيقول: يا رب! ويطلب من الله سبحانه، ويحسن اللجوء إليه، فالله يعطيه، يقول ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله، أي: وجد أنه لا يوجد أي رابطة بينه وبين أحد، فلا أحد ينفعه، فصار وحيداً لا وسيلة ولا علائق بينه وبين أحد، فإذا به يلجأ إلى الله، فيعطيه الله . ويقول سهل بن عبد الله: هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعياً لم تكن له وسيلة من طاعة قدمها، أي: وجد نفسه مضطراً لم يكن له قبل ذلك ما ينفعه، فقد كان عاصياً لله سبحانه، وفجأة اضطر ووجد نفسه محتاجاً إلى من يغيثه، وانقطع عنه الخلق، واستحيا من نفسه أنه لم يكن له طاعة قبل ذلك، فرفع يديه إلى الله خجلاً من نفسه، وقال: يا رب! فإذا بالله يعطي هذا المضطر الذي لجأ إليه سبحانه. جاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أسألك بالله -يقسم عليه- أن تدعو لي لأني مضطر، وكان مالك بن دينار أحد الصالحين ﵁ -فقال له: طالما أنت مضطر فاسأل الله سبحانه- فإنه الذي يجيب المضطر إذا دعاه. فالإنسان يدعو ربه ويكثر من الدعاء، والله سبحانه يستحيي أن يرفع العبد يديه إليه سبحانه مستغيثاً به ثم يردهما صفراً بدون شيء، فإن الله أكرم من ذلك سبحانه.

стр. 1203

تفسير قوله تعالى: (ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) وبيان حكمة الله من خلق الموت قوله تعالى: ﴿يَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، السوء: هو كل ما يسوء الإنسان، كالضرر الذي ينزل به، فإذا به لا يقدر على كشفه، فيساء منه أو يسوؤه ذلك، فالذي يكشف عنه ما نزل به هو الله . وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، معناه: أن الذي يجعلكم خلفاء هو الله، أي: يستخلفكم في الأرض، بأن يجعل بعضكم وراء الآخر خليفة له، بحيث يذهب إنسان ويخلف الله غيره، ويذهب هؤلاء ويأتي بخلفاء غيرهم، ومعنى الخليفة كما يقول الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، أي: خلفاء يخلف بعضهم بعضاً، ومن نعم الله التي من بها على العباد: الموت، ولذا يقول الله تعالى: ﴿((قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية:٢٦]، فلو ترك الله عبده حياً وعاش مائة سنة ومائتين وألف سنة، كما عمر نوح، فلن تكون له قوة ولا قدرة، ولن يعير عقله كاملاً مكتملاً يرى ويفهم ويعي ما حوله؛ فكلما تقدمت به السنون رد إلى أرذل العمر ونسي وجهل وساء خلقه وقلل من طاعة ربه وصار ضعيفاً، فبعد أن كان يصلي قائماً صلى قاعداً، وبعد أن كان يكثر من الصلاة قلت صلاته، وأصابته الأمراض فإذا به لا يقدر على شيء، قال الله : ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل:٧٠]، وهو العمر الرذيل الذي لا يعلم فيه الإنسان بعد علم شيئاً، فبعد أن كان عالماً يعرف، إذا به لا يعرف شيئاً، وكم رأينا ممن ردوا إلى أرذل العمر لا يجدون شيئاً ولا يقدرون حتى على الصلاة، وإذا جلس أحدهم ليصلي سرح في صلاته واحتاج إلى من يذكره: أنت في الركعة الأولى أو في الثانية وهكذا، وقد يدخل في صلاته ثم ينام وهو فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من أن يرد إلى أرذل العمر، فكان يقول: (أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)، وعندما يصير الإنسان إلى أرذل العمر يكون عند الناس مكروهاً بغيضاً لا يحبونه، وقد ينفر منه الأقربون، فكيف يكون حال إنسان كانت الدنيا في يوم من الأيام تتكلم عنه، واليوم لا يطيق أحد مجالسته أو التكلم معه! الأمريكي السابق أصيب الآن بمرض أنساه كل من حوله، وأنساه نفسه بعد أن كان الحرس حوله يحرسونه في كل مكان، وبعد أن كان يتعالى على الناس ويترفع عليهم، أصبحوا الآن يحرسونه ليمنعوا عن الناس شره؛ لأنه لا يعرف من حوله، وقد كان في يوم من الأيام رئيساً لأمريكا التي تعد أقوى دولة في العالم، وكان الناس ينظرون إليه أنه شيء كبير، لكنه الآن في مصحة في قصر عظيم، داخل غرفة مغلقة، لا يختلط بأحد وعندما يعود إليه عقله يجلس وينظر قليلاً من النافذة وهكذا، فالله جعل بني الإنسان خلفاء في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، وأراح بعضهم من بعض بالموت، بعد أن يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. والموت خير للإنسان المؤمن؛ لأنه إذا مات ابتعد عن الفتن، وصار إلى رحمة رب العالمين سبحانه ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص:٦٠]، فإذا قارنا بين الدنيا والآخرة كان الأفضل للإنسان ما عند الله، ولذلك ما قبض الله نبياً إلا وخيره، فلما جاءت وفاة النبي ﷺ خير بين الدنيا والآخرة، فاختار ما عند الله سبحانه، وقال: (بل الرفيق الأعلى)، أي: أنه طلب الرفيق الأعلى ولم يطلب الدنيا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠]. وكما أن الموت خير للمؤمن من أن يرد إلى أرذل العمر، فهو خير للكافر أيضاً، قال الله سبحانه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨]، فكلما عمر الكافر ازداد إثماً، حتى يتوفى على ذلك، ولذلك كان الموت خيراً له من أن يعيش ويزداد إثماً. وليس معنى أن الله جعل العباد خلفاء في الأرض: أنهم ملوك، إذ ليس كل الناس ملوكاً في الأرض، إنما يكون الملك منهم واحداً، والباقون كلهم رعية، فمعنى جعل الله الناس خلفاء أي: يخلف بعضهم بعضاً، ولو أن الله ترك للناس العمر الطويل، وترك لهم عقولهم، وترك فيهم قوتهم أعماراً طويلة، فسيصبح الملك طول عمره ملكاً، ويظل على ذلك مائة سنة ومائتين، وسوف يكرهه الناس، وهو مع ذلك والناس يكرهوه يظل ملكاً عليهم، إذاً: أليس من رحمة رب العالمين سبحانه أنه لم يطل في عمر هذا الإنسان، بل جعل عمره قصيراً، ثم أخذه برحمته؟ فمن رحمته أنه لا يديم للظالم ملكه، ولا يبقيه في مكانه، ولكن يأخذه سبحانه ويأتي بغيره. وهكذا فكل إنسان كان رئيساً على قومه ووالٍ عليهم، لو أن الله أطال في عمره وأبقاه في مكانه، فلن يرتقي إلى ذلك المكان الذي هو فيه أحد، وكلما ولد مولود فهو من الرعية الذين لا يملكون شيئاً ولا يقدرون على شيء، ولكن من الله على العباد بنعمة الموت، فيقبض هؤلاء، وكل غيرهم محلهم؛ لعلهم يصلحون ويعتبرون فيكونون أحسن ممن كانوا قبلهم. إذاً: فالله سبحانه يمن على العباد في هذه الآيات ويقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، فهو يسألهم سؤالاً فيه إنكار على من يعبدون غير الله سبحانه، وفيه تقرير لوحدانيته سبحانه، وأنه مستحق وحده للعبادة دون غيره. والجواب على هذه الأسئلة: أن الله سبحانه هو الذي يفعل ذلك دون غيره. قال الله تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، يستحق العبادة وقد أعطاكم هذه النعم فهو ﴿يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، و الجواب لا إله إلا الله ولا يستحق العبادة إلا الله، وحده الذي أعطانا هذه النعم العظيمة.

стр. 1204

معنى قوله تعالى: (قليلاً ما تذكرون) قال الله : ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]، أي: أن الإنسان كثير النسيان، فهو مشتق من اسمه، فقد سمي إنساناً لكثرة نسيانه، وكثير من الناس ينسون ربهم سبحانه، وفضله، ويجحدون نعمه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]. وفي قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]، ثلاث قراءات: (قليلاً ما تذَّكِّرون)، (قليلاً ما يَذَّكرون)، والمعنى في الجميع: أن الإنسان كثير النسيان يغفل عن عبادة الله سبحانه، ويتغافل عن النعم ولا يشكر ربه سبحانه عليها، ففي كل يوم يدعو ربه، وبعد أن يستجيب له ينسى الله . فبعض الناس يكون رئيسه في عمله ظالماً، فيدعو عليه بالهلاك، فلما أزاح الله عنه الظلم، وصار في مكان رئيسه، إذا به يظلم الناس، ونسي كم دعا الله على هذا الذي ظلمه، وإذا به يقول: هذه هي طبيعة العمل، وكما كان يقول الذي قبله يقول الذي بعده، فالإنسان فيه ظلم ونسيان. إذاً: فقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]، هذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة حمزة، والكسائي، وخلف، ويقرؤها أبو عمرو، وهشام، وروح عن يعقوب: (قليلاً ما يذِّكرون)، ويقرؤها باقي القراء: (قليلاً ما تذَّكَّرون)، هذه ثلاث قراءات، والمعنى واحد.

стр. 1205

الهادي في ظلمات البر والبحر قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٦٣] أي: من الذي يهديكم؟ ولا يعرف هذه النعمة العظيمة إلا من تاه وضل الطريق، فقد يدخل بسيارته الصحراء، ثم يتوه ولا يعرف طريق العودة، فينظر يميناً وشمالاً، ويقول: يا رب يا رب، فيدله الله بمطلع الشمس على المشرق، وبغروبها على المغرب، وبالنظر في النجوم يعرف الشمال من الجنوب، وهكذا يستدل بأشياء خلقها الله فيعرف طريقه، وقد يرسل الله إليه من يدله، كأن يجد إنساناً أمامه، فيسأله فيدله على طريق النجاة، بعد أن ضل يوماً أو يومين في هذا المكان، فمن الذي هداه ودله على هذا الذي دله على الطريق؟ إنه الله . وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل:٦٣]، في الظلام الدامس، فقد يكون الإنسان في البحر يقود سفينة وفجأة لا يعرف أين يذهب، والله ينير بالقمر مكاناً؛ حتى يعرف هذا الإنسان طريقه، أو ربما تتعطل السفينة في البحر، وتتوقف أجهزتها عن العمل، والنور ينطفئ ولا يستطيع من في السفينة أن يرو شيئاً، وإذا بالله يلهمهم كيف يصلحون العيب الذي فيها، ويضيء لهم ربهم بعد ظلمة شديدة، وإذا بهم يتناسون ربهم الذي دعوه قبل ذلك. فقوله: يهديكم، أي: بالدلالات على المشرق والمغرب، والشمال والجنوب، ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل:٦٣].

стр. 1206

بشرى الرياح بالمطر قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل:٦٣]، أي: أن الإنسان إذا كان في غاية الحر فإن الله يرسل رياحاً ترطب ما هو فيه، وإذا به في الشتاء ينتظر المطر ولا مطر، وفجأة تهب الرياح فينتظر البشارة من الله؛ لأن الرياح ما دامت شديدة فستسوق السحاب، وتنزل ماء على الناس، إذاً: فالله يرسل الرياح بشارة للخلق بهطول المطر. و (يرسل الريح)، هذه قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، وفي القرآن كلمة: (الرياح) و (الريح)، ومن فرق بين الكلمتين فقال: إن الرياح للخير، والريح للشر فقد أخطأ فيها؛ لأنه لم يطلع على القراءات التي في كل القرآن، والتي فيها: (الرياح) و (الريح)، فقوله: إن الريح تأتي في الشر، والرياح تأتي في الخير بناء على أنه اطلع على قراءة واحدة فقط، وهي قراءة حفص عن عاصم، ولم يطلع على قراءة أبي جعفر الذي يقرأ: (الرياح) بالجمع في كل القرآن، فإذا جاءت الريح قرأها: الرياح، وهي قراءة متواترة، فالصواب: أن الريح والرياح يأتيان بالخير ويأتيان بغير ذلك. وكلمة: (بشراً) يقرؤها بالباء عاصم فقط، ويقرؤها نافع وأبو جعفر المدنيان وابن كثير المكي، والبصريان أبو عمرو ويعقوب: (نُشُرَاً بين يدي رحمته)، بضمتين، ويقرؤها ابن عامر (نُشْراً بين يدي رحمته). ويقرأها حمزة والكسائي وخلف الكوفيون: (نَشْرَاً بين يدي رحمته)، والنشر: من النشور، وكأنه هنا نشر الشيء بمعنى: أحياه، فيرسل الله الرياح لتنشر رحمة رب العالمين ، وتنزل الأمطار فيحيي بها الأرض بعد موتها، أي: ينبت الأرض، فنشرها بمعنى: رفعها وأحياها بعدما أماتها، وأغاث عباده بهذا الماء الذي نزل من السماء، و ﴿بُشْرًا﴾ [النمل:٦٣]، من البشارة أي: أنه يفرح عباده بذلك، فالآية عندما تقرأ بقراءتين كأن لها معنيين، وكل قراءة لها حكم من الأحكام، فهنا أرسل الله الرياح للبشارة، وأيضاً للنشور؛ لتنشر وترفع وتحيي بفضل الله ما أمات من نبات بإنزال المطر من السماء. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1207

تفسير سورة النمل [٥٩ - ٦٦] يذكر سبحانه في هذه الآيات أن من نعمه على خلقه أنه يهديهم في ظلمات البر والبحر بالنجوم والعلامات التي خلقها، وأنه ينزل لهم المطر، ثم يسألهم: من الذي بدأ الخلق ثم هو قادر على إعادته؟ ومن الذي يعلم غيب السماوات والأرض؟ و الجواب إنه الله الذي لا إله إلا هو.

стр. 1208

استحقاق الله للعبادة دون ما سواه الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٣ - ٦٦]. يخبر الله الناس عن نعمه ويعددها عليهم في هذه السورة بهذه الصور، فيذكر في أولها قوله سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩]، ثم يسأل الناس سؤالاً فيه استفهام، وفيه التقرير بالجواب، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]، والجواب عند الجميع: الله خير وأبقى . ثم يعدد النعم التي أنعمها على عباده بهذه الصورة الجميلة في تقريره لنعمه سبحانه، واستفهامه استفهام إنكار على من يعبد غير الله : من خلق السماوات والأرض؟ قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، والجواب، أنه لا إله إلا الله، أي: لا يستحق أن يعبد إلا الله الذي يفعل ذلك، والذي يخلق ويرزق : ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]، فيعقب وراء الاستفهام الذي مضمون الجواب فيه أنه: لا إله إلا الله، وهم يعرفون ذلك، فيقول مثبتاً عليهم كفرهم وشركهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]، يعدلون بالله غيره، ويعبدون غير الله مع الله، فهم قوم مشركون. سؤال آخر: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦١]، والجواب أنه: لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة سوى الله وحده لا شريك له، يقول الله سبحانه معقباً: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٦١]، أي: الأكثرون منهم لا يعرفون ربهم حق المعرفة، وما قدروا الله حق قدره، وإن عرفوا ربوبيته فقد جهلوا أو تجاهلوا أمر ألوهيته ، فهم لا يعرفون الله حق معرفته . وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، أي: الأكثرون لا يؤمنون، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فالأكثرية من الناس على غير طريق الله سبحانه، والأكثرون يشركون بالله، ويقعون في الكفر بالله سبحانه. ثم قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، من يفعل ذلك؟ الجواب هو الله، الفعال لما يريد، يقول الله سبحانه: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]. أي: أنه يقل تذكر الإنسان لربه سبحانه، فهو في غفلة وسهو ونسيان، إلى أن تنزل به مصيبة فيتذكر ويقول: يا رب يا رب، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون من دونه سبحانه، فلما نجاهم ربهم إلى البر، إذا بهم يشركون، فهم في البحر وفي الضر يوحدون الله، فإذا أنجاهم من المصائب رجعوا إلى شركهم وإلى كفرهم، وإلى دعاء غير الله سبحانه: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].

стр. 1209

تفسير قوله تعالى: (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل:٦٣] أي: من الذي يدلكم وأنتم في ظلمة البحر، بأن يهديكم بالنجوم وبالعلامات التي ترونها، ويخرجكم من ظلمة البر والبحر، من الذي يفعل ذلك؟ ومن الذي يرسل هذه الرياح بشراً بين يدي رحمته ونشراً، فينشر لكم به الأرض بعد موتها، ويحيي به الأرض، ويخرج بهذا المطر النبات؟ ومن الذي يسير هذه السحاب إلا الله ، فتستبشرون بالرياح، وتستبشرون برؤية السحاب؟ ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٣]، والجواب أنه: لا إله إلا الله، تعالى الله عما يشركون. قال الله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل:٦٤]، أي: من الذي بدأ الخلق؟ الكل يقولون: الله هو الذي بدأ الخلق، ومن يعيد هذا الخلق كما بدأه؟ وهل إعادة الخلق أصعب من بدء الخلق؟ بل كله هين على الله ، ولذلك يخبرنا أنه سيخلق الخلق مرة ثانية، قال: (وهو أهون عليه)، أي: أنه هين على الله سبحانه أن يعيد الخلق مرة ثانية، قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، فإعادة الخلق مرة ثانية أهون من بدء الخلق، فإذا كان بدء الخلق هيناً على الله سبحانه، فكيف تكون الإعادة؟! ولكنهم ينكرون، فهم يثبتون أنه سبحانه بدأ، لكنهم ينكرون المبعث، يقول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]، أي: سنرجع مرة ثانية. وقال: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء:٤٩]، أي: سيرجعنا مرة ثانية، هذا صعب لن يكون، هذا مستحيل، فينكرون شيئاً أثبتوا أصله، فهم يقولون: الذي خلقهم في البداية هو الله ، فهذا الإله العظيم الذي خلق، أليس قادراً على الإعادة مرة ثانية؟ وأنتم تفكروا في أحوالكم، إذا صنع أحدكم آلة من الآلات وبعدما صنعها فككها، أليست إعادتها على هذا الذي صنعها أهون عليه من ابتداء صنعها واختراعها؟! تفكروا في أنفسكم حتى تعرفوا قدرة ربكم . قال: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٦٤]، أي: من الذي تطلبون منه: يا رب ارزقنا، يا رب توكلنا عليك! من الذي يفعل بكم ذلك؟ الكل يقول: الله. ولو أنكر الكافر بلسانه فهو يعرف بقلبه، والذي يدل على ذلك: أن الله شهد عليهم أنهم مقرون بأنه الخالق، قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، . فكأن هؤلاء الكفار وإن نطقوا بألسنتهم بأشياء يكذبون بها، فإنهم في داخلهم يعرفون الله ، حتى لو أنكروا وقالوا: الذي خلقتنا الصدفة أو الطبيعة، مثلما يقول الملحدون الدهريون، فيقال لهؤلاء: هذه الطبيعة التي أوجدتكم، أو هذه الصدفة التي تزعمون، هل هي قادرة عليمة حكيمة تعلم ماذا تعمل، وتقدر عليه؟ سيضعون صفات الله لهذه الطبيعة، وفي النهاية يوجد خالق خلقهم، ولكن يفرون من أن يقولوا: الله، حتى لا يكلفوا، وحتى لا يعبدوا الله . فالكافر ينكر ربه مكابرة وجحوداً، حتى لا يقال له: اعبد الله ، وحتى لا يقول لهم النبي ﷺ : أنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فينكرون إلهه سبحانه حتى لا يتابعوه في دينه، ﵊. فالذي يبدأ الخلق والذي يعيد الخلق وهو أهون عليه هو الله سبحانه، والذي يرزق العباد من السماء فينزل المطر، ويستجيب الدعاء، ويخرج لهم ما تنبته الأرض من نبات ومن ثمار هو الله، يقول الله: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٤]، هل إله مع الله يستحق أن يعبد؟ فكأنه أثبت الربوبية، ثم أنكر عليهم أن يشركوا في إلوهيته غيره سبحانه، فقال: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]، فكل آية يختمها بما يناسبها، فلما ذكر مجموعة من الأدلة على ما أنعم به على عباده، ختم بهذا الختام الجميل، قال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤] أي: هاتوا الدليل على ما تقولون، من أن غير الله يستحق أن يعبد، فإذا قالوا: نعبد اللات والعزى، فما الدليل على أنها تستحق العبادة؟ هاتوا الدليل النقلي، والدليل العقلي الذي يدل على ذلك؟ والدليل النقلي: أن يكون معك كتاب من عند الله، أو آثار من علم لتقول: اعبدوا هذا من دون الله، وهيهات أن يأتوا بمثل ذلك. والدليل العقلي: لماذا تعبد هذا الحجر الذي خلقته أنت، وصنعته أنت، وهو لا ينفع نفسه فضلاً عن أن ينفعك، ولا يضر نفسه ولا يضر أحداً؟ فالعقل لا يجيز ذلك، ولا معك برهان على ما تقول، قال سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]، يعني: في دعواكم هذه.

стр. 1210

تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) قال الله: ﴿قُلْ﴾ [النمل:٦٥] أي: لهؤلاء القوم: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وحده لا شريك له، فهو الذي يعلم غيب السموات وغيب الأرض، وهذه الآلهة التي تبعدونها لا تعرف شيئاً من هذه الغيوب، فالله وحده سبحانه هو علام الغيوب، ولا يطلع على غيبه إلا من شاء من رسله عليهم الصلاة والسلام، ولذلك تقول عائشة ﵂: من زعم أن محمداً ﷺ يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية. يعني كذب على الله من ادعى أن النبي ﷺ يعرف ماذا سيكون في غد، فهو لا يعرف ﷺ ولا غيره من خلق الله ماذا سيكون في غد، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]. أيضاً جاء عن النبي ﷺ : (أنه حضر عرساً لأناس من الأنصار، فسمع جارية تغني وتقول في مدح النبي ﷺ : وفينا نبي يعلم ما في غد، فنهاها النبي ﷺ عن هذا وقال: لا يعلم الغيب إلا الله، قولوا ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان أن تقولوا ذلك). فلا أحد في السموات ولا في الأرض يعلم الغيب إلا الله سبحانه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]، أيان أي: متى، والمعنى: أنه لا يدري أحد متى يموت، ومتى يبعث.

стр. 1211

تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة) يقول سبحانه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [النمل:٦٦]، فيها قراءتان، قراءة الجمهور: (بل ادارك علمهم في الآخرة)، وقراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: (بل أدرك علمه في الآخرة)، من الإدراك، فإما أن يكون فيه إنكار على هؤلاء على وجه الاستهزاء بهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ [النمل:٦٦]، مستهيناً ومستهزئاً بهم؛ فهم يدعون أنهم يعلمون وهم أجهل الجاهلين، لا يفهمون شيئاً، ولا يعرفون شيئاً، فيستهزئ بهم ربهم سبحانه. وإما أن يكون معنى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [النمل:٦٦]، أنه في الآخرة يدارك علمهم، ويتكامل يوم القيامة، فيعرفون حقيقة ما كانوا ينكرون، وكل إنسان معه شيء من العلم في الدنيا، لكنه يوم القيامة يكون أمامه عين اليقين وحق اليقين، فيرى بعينه الجنة والنار، ويرى بعينه الآخرة، فيكتمل علم الخلق يوم القيامة، حين يجدون ما كان غائباً أمامهم مشاهداً، فسيكتمل العلم لكل الخلق من كافر ومؤمن يوم القيامة، وكذلك أدرك علمهم في الآخرة، أي: فسيكون الإدراك يوم القيامة، فيعرفون ويستيقنون حين لا ينفعهم العلم، ولا ينفعهم هذا اليقين، ويكونون في النار. فيكون المعنى: بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به. قال سبحانه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ [النمل:٦٦]، يعني: أنهم في شك منها الآن، ويوم القيامة يصلون إلى اليقين فيعرفون، لكن لا تنفعهم معرفتهم. ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]، أي في عمى عن الآخرة، ولذلك لا يعملون لها، أما المؤمن فهو يرى الآخرة كلما قرأ كتاب الله سبحانه، وكلما مرت به عظة من العظات، وكلما مر به ميت محمول إلى قبره، فهو متذكر للآخرة ليل نهار، يعلم أنه راجع إلى الله، وأنه سائله ومحاسبه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ونسأله ألا يجعلنا من الغافلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1212

تفسير سورة النمل [٦٧ - ٧٥] لقد أنكر كفار قريش والعرب البعث بعد الموت، وادعوا أن هذا مما وعد به آباؤهم الأولون، وأنه من الأساطير المكذوبة، وقد أمرهم الله أن يسيروا في الأرض حتى ينظروا كيف كان عاقبة أمثالهم من المجرمين الذين كذبوا رسل الله، وخوفهم بأنه قد يكون اقترب منهم عذاب الله الذي يستعجلونه، ولكن من فضل الله على الناس أنه لا يعاجل بالعقوبة من عصاه، عسى أن يتوب ويرجع إلى مولاه.

стр. 1213

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النمل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٦٧ - ٧٥]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل:٦٧]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن تكبر الكفار وإنكارهم أن الله يعيد الخلق كما بدأه أول مرة، فقالوا مستنكرين للنبي ﷺ : ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل:٦٧]، أي: أئنا لمبعوثون، فكانوا يستنكرون ذلك وقد أعماهم الله عن التفكر في أن الله هو الذي خلقهم أول مرة، وقد أقروا على ذلك بأنفسهم، وشهدوا أنهم مخلوقون، وأن الله هو الذي خِلقهم، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فالله قد خلقهم، وأرسل رسولاً إليهم ينبئهم أنهم مبعوثون ومسئولون ومحاسبون، وأن مصيرهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فأنكروا حتى لا يكلفهم ربهم سبحانه، وحتى لا يأمرهم النبي ﷺ بأفعال لا يريدون فعلها، فلذلك استنكروا وقالوا: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٢ - ٣]، أي: بعد أن نكون تراباً أنرجع مرة أخرى؟ هذا مستحيل. وما وجه الاستحالة فيها إذا كان الله هو الذي خلقكم من عدم، وجعلكم تراباً وأوجدكم بهذا الخلق الذي تقرون به؟ وكيف تنكرونه وتتعجبون من أن يعيدكم الله مرة أخرى، وهو على كل شيء قدير؟ هنا يقول سبحانه: ((أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ))، هل نخرج ونبعث ونحاسب مرة أخرى؟ هذا بعيد. إن السبب في إنكارهم البعث هو: الأماني، فالإنسان عندما يحب أن يعمل المعصية، يتعامى ويتغافل عن الدار الآخرة، ولا يريد أن يذكره أحد بالبعث، أو الجنة والنار. والكافر يريد أن يأكل ويشرب، ويأتي ما يشتهي من شهوات باطلة، ثم لا يسأله ولا يحاسبه أحد، فإذا ذكر بالآخرة، لا يريد أن يذكرها، فإذا قلت له: لا تفعل هذا وهو يريد أن يفعله، تغافل عن الدار الآخرة. فاستنكروا على النبي ﷺ وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧]، وأي ملة هذه التي لم يسمعوا بها، وقد كان قبلهم النبي عيسى وموسى وإبراهيم ونوح وآدم ﵈؟ فكلهم أخبروا العباد بأنهم ميتون، ومبعوثون إلى ربهم، وحذروهم من بطش ربهم . أي ملة هذه التي يقولها هؤلاء الكفار، ويتكلمون عنها؟ وما الذي بأيديهم من آثار ومن علم حتى يزعموا ذلك؟ إنهم كذابون، وكما يقال: رمتني بدائها وانسلت، ومع ذلك يقولون عن النبي ﷺ : ساحر كذاب، فيختلفون الكذب ثم يرمون به النبي ﷺ والمؤمنين. فقال الله تعالى هنا: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل:٦٧]، فقد نظروا إلى أنفسهم وقالوا: نحن الآن على قيد الحياة، وآباؤنا أموات، فيذهب أحدهم إلى قبر، ويأتي إلى النبي ﷺ برأس محطم لإنسان ميت، من زمن بعيد ويفتته بيده، ويقول له: أتزعم أن ربك يبعث هذه مرة ثانية؟ فقال له النبي ﷺ : (يبعثها ويدخلك النار)، جزاء تكذيبك أيها الإنسان! فالله يحيي العظام بعد أن تكون رميماً. قوله تعالى: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل:٦٧]، إذا جاء الاستفهام بهذه الصورة: (أَئِذَا)، و (أَئِنَّا) ففيه قراءات، فيقرأ هذه الآية نافع وأبو جعفر بالإخبار في الأولى، والاستفهام في الثانية، فتكون القراءة: (إذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)، وعلى الوجوه التي يقرءون بها بالتسهيل وبالمد فيها، فـ قالون عن نافع يقرأها: (إذا متنا وكنا تراباً آئنا لمخرجون)، فيمدها، وكذلك أبو جعفر يمد في الثانية (آئنا) ويسهل فيها (أئنا). يقرأها ورش كما يقرأها نافع وأبو جعفر، ولكن بدون مد فيقول: (إذا متنا وكنا تراباً أئنا لمخرجون). ويقرأها ابن عامر والكسائي بالعكس في ذلك، فيستفهم في الأولى ويخبر في الثانية، فيقول: (أَئِذَا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وعلى أصول ابن عامر سيقرأها ابن ذكوان: (أئذا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وهشام يقرأ بالمد فيها: (آئذا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وباقي القراء يقرءونها بالاستفهام في الاثنين: (أئذا) و (أئنا)، وهو على أصولهم، فـ أبو عمرو وابن كثير يقرؤها: (أئذا متنا وكنا تراباً أئنا لمخرجون). إذاً: باقي القراء يقرؤنها بالتحقيق في الهمزتين: (أئذا) (أئنا). فهنا استفهام استنكاري من الكفار، يستنكرون كيف يموتون ويكونون تراباً، وعظاماً، ثم يرجعون مرة ثانية، إن هذا لرجع بعيد. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النمل:٦٨]. وذكر في سورة المؤمنون أيضاً: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ﴾ [المؤمنون:٨٣]، والقرآن يتفنن في السياق، فهنا يذكر بصيغة وهناك يذكر بصيغة، أخرى، فيقدم ويؤخر بما يتناسب مع السياق القرآني. فقدم (هذا) هنا، وقال: ((لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا)) أي أنهم قالوا: إذا كان النبي ﷺ جاء يعدنا بأنا سنبعث مرة أخرى، فإن آباءنا من قبل قيل لهم ذلك، ولم نر أحداً منهم بعث، فكأنهم ينظرون إلى الدنيا ويقولون: أين أجدادنا؟! لم لم يبعثوا؟! فهم يريدون من الله أن يميتهم ويبعثهم أمامهم حتى يؤمنوا بذلك. قوله: (إِنْ هَذَا) أي: الوعد والكلام، ((إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، والأساطير: جمع أسطورة، والأسطورة: الكلام الخرافي المكتوب، أي: هذه خرافات قديمة كان يقولها السابقون، فهذا كله من أساطيرهم وخرافاتهم.

стр. 1214

تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل:٦٩] أي: كما أجرمتم أنتم انظروا إلى السابقين كيف أجرموا، وماذا كانت عقوبتهم، وكيف كانت عاقبتهم، فينظرون ويسيرون شمالاً وجنوباً، ففي الشمال يسيرون إلى أرض كان فيها ثمود قبل ذلك في حجر ثمود، وهم يعرفونه تماماً، ويسيرون إلى فلسطين، فيأتون إلى قرى قوم لوط وينظرون كيف صنع بهم؟! وكيف أهلكهم الله؟! وهم كانوا يعرفون ذلك، فالله يقول: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ))، أي: انظروا الذين كذبوا من قبلكم كيف صنعنا بهم، لقد توعدتهم رسلهم بعقوبة من عند الله وجاءتهم العقوبة والعذاب، وسيروا جنوباً وانظروا أين ذهب قوم عاد، لقد أهلكهم الله وأزالهم، فما ترى لهم من باقية. يقول سبحانه للنبي ﷺ : قل لهؤلاء: امشوا، وسيروا في الأرض فانظروا واعتبروا، ((كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ))، والعاقبة: هي النتيجة، وهي ما يعقب الشيء، فهؤلاء أجرموا، فسيروا وانظروا كيف أهلكهم الله وجعلهم آية، وكيف كانت نتيجة إجرامهم. وقوله: ((الْمُجْرِمِينَ)) أي: المكذبين لرسلهم.

стр. 1215

تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٠]. يقول الله لنبيه ﷺ : ((وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ))؛ لأنه كان يحزن من إجرامهم، وكفرهم، وكان يود لو أنهم أسلموا، فكان حزنه شديداً صلوات الله وسلامه عليه، فالله سبحانه يصبره ويطمأنه، ويقول له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، أي: لا تهلك نفسك عليهم، إنما عليك أن تبلغ، ولكن لا تحزن حتى تميت نفسك على هؤلاء، فهم لا يستحقون ذلك. قوله: ((وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)) فيها قراءات: قراءة الجمهور ((عَلَيْهِمْ)) بكسر الهاء، ويقرأها حمزة ويعقوب: (عليهُم) بضم الهاء. وقوله تعالى: ((وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) أي: لا يكن صدرك ضيقاً بسبب مكر هؤلاء. وفيها قراءات: قراءة الجمهور: (ضَيْقٍ)، بفتح الضاد، وقراءة ابن كثير: (ضِيق) بكسرها، فإذا قرأها كلها يقول: (ولا تحزن عليهمُ ولا تكن في ضِيق مما يمكرون). فالله يصبر النبي ﷺ ويقول له: لا تحزن ولا يضق صدرك بما يمكر هؤلاء، فمهما مكر المستهزءون فنهايتهم إلى الله ليجازيهم، وذلك في الآخرة أو أنه في الدنيا سيعاقبهم بعذاب من عنده، فيهلكهم كما أهلكهم في يوم بدر وغيرها، فلا تكن في ضيق من مكرهم واستهزائهم.

стр. 1216

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون) قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٧١]، أي: أن النبي ﷺ كلما قال لهم -يخوفهم بيوم القيامة-: اتقوا الله، وخافوا يوم الحساب، يقولون: متى يوم الحساب؟ إنك تتوعدنا به وبأنه قريب، ولكنا لا نرى مما تتوعدنا به شيئاً، وكيف تقول إن الله يقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١]، ولم يأت أمر الله هذا؟ إذاً: فالله يقول لنبيه ﷺ : إنهم يقولون لك: ((مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ))، وهم ينتظرون جواباً منه ﷺ ، فالله يقول جواباً على سؤالهم: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل:٧٢]، أي: لماذا تستعجلون؟ فعسى أن يكون بعض ما تستعجلونه، وربما أتاكم ما توعدون قريباً وقد كان ذلك، فـ أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم يوم بدر كانوا كلهم صرعى، فألقاهم المسلمون في قليب بدر، ووقف النبي ﷺ على هذا القليب ينادي على هؤلاء الكفار: أن جاءكم ما توعدون. وقوله: ((قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ))، أي: قد اقترب منكم بعض الذي تستعجلون من العذاب، و (رَدِفَ) بمعنى: تبع أو أتبع، فكما يقولون: فلان رديف لفلان، أي: آت بعده، فالمعنى: أن الموت آت بعدكم مباشرة، فلا تستعجلوه.

стр. 1217

تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٣]، أي: أن نعم الله عظيمة، والنبي ﷺ لعله ضاق صدره من هؤلاء الكفار، ومن أذاهم له، فقال له الله : ((وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ))، فلا تستعجل، لعل الله يتفضل على بعض هؤلاء، فيؤمنوا ويدخلوا في دينك، وبالفعل فقد أسلم كثير من هؤلاء الكفار، سواء قبل هجرة النبي ﷺ كعمر بن الخطاب ﵁، أو بعد هجرته ثم هاجروا إليه، أو بعد ما فتحت مكة، وحسن إسلامهم، كـ أبي سفيان الذي كان شيخ قريش في الجاهلية، وكان من أشد الناس أذى للنبي ﷺ ولمن معه من المؤمنين، ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه. فربنا يقول: ((وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ))، فمن فضل الله على الناس أن جعل درجات عالية في الجنة، لا ينالها الإنسان بعمله فقط، ومهما عمل فلن يصل إليه، ولكن الله يرفعه إليها بالابتلاء والصبر، فالنبي ﷺ والمؤمنون يصبرون، -والصبر لا يكون إلا على البلاء، أو الجهاد في سبيل الله سبحانه- فيرفعهم الله بهذا الصبر درجات. إن الله خلق العباد فمنهم كافر ومنهم مؤمن، وأفعال الله كلها خير، خلق الكافر وهو شر، ولكن وجوده خير للمؤمن، ليدعوه إلى دين الإسلام، فإما أن يستجيب فيحصل على الأجر العظيم، والنبي ﷺ يقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) أو أنه لا يستجيب، فيحارب ويقاتل المسلم فيقتل المسلم فيكون شهيداً، أو يغلب المسلم فيكون له الأجر عند الله والغنيمة، فكل أفعال الله خير لو تفكر الإنسان. يقول الله سبحانه: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ))، أي: يتناسون نعم الله، وقد ذكرنا بهذه النعم في الآيات السابقة. قوله تعالى: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ)) أي: أكثر الناس، ((لا يَشْكُرُونَ))، نعم الله عليهم.

стр. 1218

تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٧٤]، أي: أن الله يعلم ما تكن صدور الناس، من إيمان، أو كفر، أو نفاق، أو مكر، أو استهزاءٍ، أو استهانة، أو تدبير يدبرونه، أو حب لله، أو بغض للمؤمنين. وقوله تعالى: ((وَمَا يُعْلِنُونَ)) أي: من أقوال وأفعال، فيجهرون بها.

стр. 1219

تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) ثم يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥]، هذا أسلوب حصر وقصر، والمعنى: لا يمكن أن يفوت الله شيء في السموات ولا في الأرض، فكل شيء غاب عن الخلق في السموات والأرض فإن الله يعلمه، سواء كان صغيراً أو كبيراً، أو دقيقاً أو حقيراً أو عظيماً، فكله يعلمه الله سبحانه. وقوله تعالى: ((وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ)) أي: ما من شيء يغيب في السموات ولا في الأرض، وعبر عنها بكلمة: (غائبة) وكأنها صفة لمحذوف تقديره: (خصلة)، أو أي شيء غائب، فعبر عنه بذلك، والتقدير: ما من خصلة في السموات والأرض تغيب عن الخلق إلا والله قد علمها، وأثبتها في كتاب مبين عنده. وقوله: (مُبِينٍ)، بمعنى: بين ظاهر، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ عند الله ، مكتوب فيه كل شيء، ويظهر يوم القيامة كل ما فيه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1220

تفسير سورة النمل [٧٦ - ٨١] يبين القرآن لأهل الكتاب أكثر ما يختلفون فيه، ففيه الهدى والرحمة لمن آمن به، ولكنهم لم ينتهوا عما هم عليه من الضلال، بل أعرضوا عن هذا الهدى وصدوا عنه، فمن كان أعمى فمن أين يرى؟ ومن كان أصم فكيف يسمع؟ فهم صم بكم عمي لا يعقلون.

стр. 1221

تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النمل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٧٦ - ٨١]. في هذه الآيات من سورة النمل يخبر الله فيها عن هذا القرآن العظيم، كيف أنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، فهم يزعمون أنهم أهل التوراة، وأن عندهم علم عظيم من عند الله سبحانه، فالله يخبرهم أنهم مختلفون في هذا الذي جاءهم من عنده، فقد حرفوه وبدلوه وغيروه وكتموه وأخفوا بعضه، فجاء القرآن ليبين لهم ما هم فيه مختلفون، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]. فكان الواجب عليهم -وقد علموا أن النبي ﷺ رسول رب العالمين، وأنه نبي حق، وسمعوا ما جاء في القرآن مما هو عندهم، ولا يطلع عليه الكثيرون منهم- أن يتبعوا هذا القرآن، لكنهم اختلفوا فيما عندهم من العلم، فإذا بالله يذكر حقيقة الشيء الذي حرفوه، وكيف كذبوا على الله وعلى رسله عليهم الصلاة والسلام. ومن المعلوم أن بعض اليهود ذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: نسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، فعندما يجيبهم يقولون له: صدقت -ويقبلون يده ورجله ﷺ ، ومع ذلك لا يدخلون في دينه- فيقول: ما يمنعكم أن تتبعوني؟ فيقولون: نخاف من بني إسرائيل -أي: من يهود- أن يقتلوننا، وإن داود دعا ربه أنه لا يزال من ذريته نبي، فنحن ننتظر نبياً من ذريته، فهم في حقيقة أمرهم يخاف بعضهم من بعض، ويخافون أن يقتل بعضهم بعضاً، فطمعوا في الدنيا، وتركوا الآخرة، وأعرضوا عنها، فالله فضحهم وأخبرهم في كتابه عما كانوا فيه يختلفون، وأنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات، وأن اختلافهم سببه البغي فيما بينهم. إذاً: جاءهم العلم من رب العالمين، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، وكأن العلم الذي نزل من عند الله عليهم كالمطر، إذا نزل على أرض صالحة أخرج ما فيها من نبات طيب، وإذا نزل على أرض خبيثة لم تنتفع به، وإذا نزل على نبات مر أخرج ثماراً مرة، فهؤلاء جاءهم كتاب رب العالمين وعرفوا ما فيه، ولكن قلوبهم ملئت بالبغي والغل والحسد، فاختلفوا وقتل بعضهم بعضاً بغياً بينهم، فالله أخبر بما كانوا فيه يختلفون، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، وقد أطلع الله نبيه ﷺ على ما كانوا يكيدون له، وما كانوا يقولونه فيه، كما أطلعه على بعض الأشياء التي حرفوها، ففضحهم أمام النبي ﷺ ، فقد جاءوا إليه برجل وامرأة قد زنيا، فسألهم النبي ﷺ : (ما تجدون عندكم في التوراة؟ -وكانوا يخفون هذا الحكم- قالوا: نجد في كتابنا أن نسخم وجوههما، ونطوف بهما منكسين على حمار، فقال لهم النبي ﷺ : أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا -فكذبوا ومعهم التوراة وفيها الرجم- فقال لهم النبي ﷺ : ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣]، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يقرؤها ويضع يده على آية الرجم ليخفيها، فقرأ الذي أمامها والذي خلفها، ولم يقرأ ما تحت يده، ثم قال: لا أجدها، فقال له أحد اليهود: ارفع يدك واقرأ ما تحتها، فرفع يده، وما استحيا من الله ، ومن الناس، فقرأ الآية التي كان يخفيها بيده). وهكذا كانوا يتعاملون مع توراتهم التي يقولون عنها: إن فيها علماً عظيماً، فإذا بالنبي ﷺ يأمر برجم اليهوديين ويقول: (اللهم اشهد أني أول من أقام دينك بعد أن بدلوه)، ففضحهم ربهم على لسان النبي ﷺ وفي كتابه العزيز بأنهم اختلفوا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، فقص عليهم القرآن ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦].

стр. 1222

تفسير قوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) قال الله عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:٧٧]، فقوله: ((وَإِنَّهُ لَهُدًى)) أي: يهدي به الله من يشاء من خلقه، وقوله: ((وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ))، أي: أن القرآن يقرؤه المؤمن ويقرؤه المنافق، والذي ينتفع به هو المؤمن، أما المنافق فلا ينتفع به، فرحمة الله قريب من المحسنين، فمن أحسن في تلاوته وفي عمله أحسن الله إليه، ومن أساء وأعرض واتخذ القرآن لعباً ولهواً، أو اتخذه حرفة يتكسب بها، ولم ينظر إلى الدار الآخرة، فالله يعرض عنه، ولا يجعل القرآن له هداية ولا رحمة؛ لأن هذا القرآن هدى ورحمة للمؤمنين، يهديهم إلى الصراط المستقيم، وإلى سبيل رب العالمين، ويرحمهم الله به.

стр. 1223

تفسير قوله تعالى: (إن ربك يقضي بينهم بحكمه) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل:٧٨]، أي: بين بني إسرائيل وبين خلقه جميعاً، يقضي بينهم بحكمه يوم القيامة فيما اختلفوا فيه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل:٧٨]، فالله يحكم يوم القيامة، ولا معقب لحكمه، والإنسان في الدنيا إذا اختصم مع غيره فلعله يخيفه ويأخذ حقه منه، ولعله أمام الحاكم يأتي بشهود زور يشهدون له، أما يوم القيامة فالحساب عند رب العالمين سبحانه، والحكم بينهم للملك الحق العدل المبين. ((وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)) أي: وهو العزيز الغالب الذي لا يمانع، القادر القاهر، ، فإذا جاءوا يوم القيامة فلا يتكلم أحد أمام رب العالمين، ويختم الله على أفواههم كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. فالله سبحانه ذكر أنه يقضي بحكمه، وكم من إنسان في الدنيا يصلح أن يحكم بين الناس، ولكن لا يقدر على ذلك لضعفه، فقد يعرف المسألة ويعرف الحق فيها، ولكنه يخاف أن يقوله؛ لكي لا يؤذيه أحد الخصمين، وكم من إنسان يحكم بين اثنين، فيحيف وينصر أحدهما على الآخر، وكأنه قريب منه؛ لأنه أدلى بحجة صحيحة في زعمه، وليست بحجة صحيحة، وهذا إن مضى وجاز على الناس، فلا يجوز على رب العالمين . فالإنسان يدلي بحجته يوم القيامة، ويأتي الضعيف فيقول: يا ربي سل هذا: فيم قتلي؟ أو فيم أكل مالي؟ أو فيم لطمني؟ أو فيم ظلمني؟ والله يسأله: لم فعلت كذا؟ فلا يقدر أن يكذب، فتنطق جوارحه بالحق ويدين نفسه في يوم الجزاء ويوم الدين، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل:٧٨]، أما في الدنيا فيظهر الله الحق الذي أخفاه أهل الكتاب، ويأتي بالحق في كتابه ليحكم به بين الناس، وأما يوم القيامة فيؤاخذ الظالم ويعاقبه، فإما أن يدخله النار، وإما أن يأخذ من حسناته ويعطيها المظلوم، حتى يكتفي ويشعر أنه أخذ حقه وانتصر عليه، فقوله: ((وَهُوَ الْعَزِيزُ)) أي: الغالب، و ((الْعَلِيمُ))، الذي يقضي بعلمه وحكمه، والذي يعلم كل شيء، ما ظهر وما خفي، ويعلم السر وأخفى، فيقضي بينهم يوم القيامة بحكمه ((وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)).

стр. 1224

تفسير قوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين) ثم يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]، والفاء هنا: عاطفة على ما قبل، والتقدير: إذا كان الأمر على ذلك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل:٧٩]، أو بسبب ذلك توكل على الله سبحانه. ومعنى (توكل على الله): اعتمد عليه وفوض أمرك إليه، وهو ناصرك ومؤيدك سبحانه. ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]، وكأنه يقول له: لأنك ((عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ))، أو فإنك ((عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ))، فلذلك ينبغي عليك أن تفوض أمرك إلى الله فهو وكيلك وناصرك، ومعنى ((إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ)) أي: على شريعة من عند ربك، والمبين أي: الواضح الظاهر الذي لا خفاء فيه، والذي عرف الجميع أنه الحق من عند رب العالمين.

стр. 1225

تفسير قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى) ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠]، قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، هذا هو الأصل، فالميت انحجب عن الدنيا، فلا يسمع شيئاً من أمورها، إلا ما يشاء الله أن يسمعه إياه، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ وأصحابه دفنوا ميتاً ثم تولوا عنه، فقال النبي ﷺ : (إنه ليسمع قرع نعالهم)، فالميت حين يوضع في قبره، وينصرف عنه الناس، فإن الله يسمعه أصوات انصرافهم، وبعد انصرافهم يصير وحيداً في قبره، وينقطع أمره عن الدنيا، فلا يسمع شيئاً، ولا يعرف شيئاً مما يدور فيها. إذاً: الأصل أن الموتى لا يسمعون، إلا أن يجعل الله صوته يصل إليهم، كما حدث في يوم بدر، فقد جاء في حديث أبي طلحة الأنصاري ﵁: (أن النبي ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، -أي: من عتات قريش وكفارهم، كـ أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من كبار الكفار- كانوا قتلوا في يوم بدر فأمر النبي ﷺ بهم فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث -أي: في بئر من الآبار التي كانت موجودة في ذلك المكان، فلم يحفروا لهم قبوراً ولا غيره، ولكن رموهم في داخل بئر من الآبار- وكان النبي ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، -أي: إذا غلب قوماً وانتصر عليهم أقام بمكان القتال ثلاثة أيام صلوات الله وسلامه عليه- فلما كان ببدر في اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه -وهم لا يعرفون أين سيذهب ﷺ فقالوا: ما نراه ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الركي- أي: جاء على حرف البئر- وجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ -أي: أيسركم الآن لو كنتم أطعتم الله ورسوله- فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فتعجب عمر وقال: يا رسول الله! أتكلم أجساداً لا أرواح لها؟! -أي: جثثاً مرمية لا تسمعك- فقال النبي ﷺ : والذي نفس محمد بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، بمعنى: أنهم يسمعونني الآن، وإن كانت العادة أنهم لا يسمعون، ولكن الله أسمعهم الآن كلام النبي ﷺ ، فيقول الله هنا في هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]. إذاً: الأصل أن الموتى لا يسمعون شيئاً من كلام أهل الدنيا، ولا مما فيها، إلا ما يشاء الله أن يسمعهم على لسان رسوله ﷺ ، أو كما أسمعهم انصراف الناس عنهم. يقول الله : ((وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ))، الصم: جمع أصم، وهو الذي لا يسمع، فإذا ناديته ولى مدبراً عنك، فكأن هؤلاء المشركين كما قال الله فيهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]، وقال: ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]. فالأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا يتكلم، والأعمى الذي لا يرى، من المستحيل أن يحس أو يشعر بمن يناديه، فإذا ذهب فلا يمكن أن يعيده هذا النداء، وقلبه بيد الله يقلبه كيف يشاء. فلذلك أخبر عن هؤلاء الكفار أنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]، إذا نودوا ليرجعوا لا يرجعون، وهم لا يعقلون، وكيف يعقلون وقد انقطعت عنهم حواسهم، وغاب عنهم شعورهم، يقول الله سبحانه: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل:٨٠]، والكافر أشد من هذا الأصم الأبكم الأعمى، وإذا جاء الأصم الأبكم الأعمى يوم القيامة قال لربه: يا رب! لم أسمع ولم أعلم، وما جاءنا من عندك من نذير، فيرحمه الله ، أما الكافر فلا يرحمه؛ لأنه كان ينظر ويسمع ويعي ويعقل، ومع ذلك أعرض عن النبي ﷺ ، فكان كالأعمى والأصم، فالله يقول: ((إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى))، هؤلاء، ((وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ))، أي: لا تسمعهم، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (ولا يسمع الصم الدعاء) أي: أن الإنسان الأصم لا يسمع دعاءك إذا ناديته، وهذا الكافر كهذا الأصم الذي لا يسمع، فلا تسمعه دعاءك إلا أن يشاء الله، وقوله تعالى: ((إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ))، أي: أعرضوا عنك، ولم يريدوا أن يسمعوا لك، وكانوا إذا أتوا إلى النبي ﷺ استغشوا ثيابهم؛ كي لا يرونه، فكان الواحد منهم يضع أصبعه في أذنه ويغطي عينيه حتى لا يسمع كلامه ﷺ ولا يراه، وهذا الذي فعله الكفار مع نوح، فقد شكا نوح لربه سبحانه أنه كلما دعاهم إلى الله ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧]، وهذا حال الكفار والمنافقين أيضاً، فقد كان النبي ﷺ يمر وهو راكب على حمار بـ عبد الله بن أبي بن سلول فإذا بالرجل يستغشي بثوبه على وجهه ويقول للنبي ﷺ -وقد جاء مسلماً يدعوهم إلى الله- يا أيها الرجل! ما أحسن ما تقول إن كان ما تقول حقاً، ارجع إلى بيتك فمن أتاك منا فأخبره، أي: لا تكلمنا، واذهب إلى بيتك، والذي يأتي إليك يريد أن يسمع فكلمه. فهذا رده على النبي ﷺ ، فهو أصم أعمى القلب، لا يفهم ولا يعقل، وظل على هذا العمى حتى أخذه الله وهو على ذلك، وقد أساء إلى النبي ﷺ إساءات عظيمة، فكفر في قلبه وإن خالف بعد ذلك وأظهر الإسلام بلسانه، لكن قلبه ممتلئ بالغل والحقد على الإسلام دين رب العالمين. فالمقصود أن الله يقول لنبيه ﷺ : لا تقدر أن تسمع من أصمه الله سبحانه، وأذهب عقله، فلا يفهم ولا يعي.

стр. 1226

تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٨١]، فالنبي ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم، بمعنى: يدل، أما أن يأخذ الإنسان ويحوله من دين إلى دين فلا يقدر. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، أي: أنت -يا محمد- تدل وتبين، و ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، أي: لا تقدر أن تحوله إلى الإسلام، ولو كان النبي ﷺ يقدر على ذلك لحول عمه أبا طالب الذي دافع عنه وعن الإسلام دفاعاً عظيماً، ومع ذلك أبى إلا أن يموت كافراً، فالنبي ﷺ يحاول أن يدعوه ويدخله في الدين، والله يقول له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، كذلك الآية هنا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨١]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة: (وما أنت تهدي العميَ عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) أي: الذي يسمع فينتفع، وإلا فالكل يسمع، ولكن الذي يسمع فينتفع هو الذي يؤمن بكتاب رب العالمين، ويسلم نفسه ويوجه وجهه إليه سبحانه. نسأل الله أن يجعلنا منهم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1227

تفسير سورة النمل الآية [٨٢] يخبر الله تعالى عن الدابة التي ستخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، وهذه الدابة عندما تخرج تكلم الناس وتخاطبهم بأن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، ثم تسم الناس على جباههم وعلى أنوفهم، فمن كان مؤمناً كتبت على جبهته أنه مؤمن، ومن كان كافراً كتبت على جبهته أنه كافر، حينها لا ينفع نفساً إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل، فكل يعرف نفسه هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار.

стр. 1228

تفسير قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]. يخبر الله في هذه الآية من سورة النمل أنه إذا جاء أمر الله سبحانه ووقع القول على الخلق، والقول هو حكم الله وقضاء الله وقدره سبحانه، وغضب الله ، فإذا كان أكثر أهل الأرض من المجرمين الكافرين نزل عليهم غضب الله سبحانه واستحقوا العذاب واستحقوا العقوبة. وقالوا أيضاً في قوله تعالى: (إذا وقع القول عليهم) أي: حق عليهم القول من الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، ولا يأتي بعد ذلك إلا الكفار والفجار، فيستحقون غضب الله عليهم، كما أخبر عن قوم نوح أن نوحاً قال لربه مستغيثاً ومستجيراً به: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٥ - ٧]، فأخبر عن قومه أنهم كفار مجرمون مستكبرون، فأوحى إليه ربه فقال: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، فإذا كان الأمر أن الإيمان وقف على ذلك، أن هؤلاء مؤمنون والباقي كلهم كفار، ولن يأتي مؤمنون بعد ذلك، فعلى ذلك يستحق هؤلاء الكفار عقوبة رب العالمين سبحانه. ثم قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦]، أي: لا تحزن على هؤلاء، فستأتيهم المصائب وسيأتيهم العقاب من الله سبحانه.

стр. 1229

أقوال الصحابة في معنى قوله (وإذا وقع القول عليهم) كذلك هنا قوله: (وإذا وقع القول عليهم)، يقول أبو سعيد الخدري وابن عمر ﵄: (إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وجب السخط عليهم) أي: يستحقون سخط الله إذا كانوا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر. ويقول ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ((وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)) قال: يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن، فهذا يكون يوماً من الأيام أن الله بعدما ينتشر الدين ويعم الأرض كلها يقبضه الله بعد ذلك، ويقول ابن مسعود: (أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال ﵁: يسرى عليه ليلة فيصبحون منه قفرة)، نسأل الله العفو والعافية، يعني: إذا صار من يحفظ القرآن يحفظه للدنيا ليس للدين استحقوا ذلك، وفيهم قال النبي ﷺ : (أكثر قراء أمتي منافقوها). فإذا كان حفاظ القرآن من المنافقين استحقوا ذلك، وإلا فقد قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبضه بقبض العلماء)، أي: الصالحون من أهل العلم الذين يعملون بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فقد أخبر النبي ﷺ ، أن الله لا ينزع العلم من قلوبهم، ولكن يقبضهم هم، أما أهل الفسق وأهل النفاق، فالله يأخذ من صدورهم كتابه كما أخبر هنا. ويقول ابن مسعود ﵁: (يسرى عليه ليلة فيصبحون منه قفرة، وينسون لا إله إلا الله)، فسيصل الأمر إلى أن الناس ينسون لا إله إلا الله، وهذا الذي جاء فيه الحديث عن النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، يعني: يصبح الناس يتهارجون كتهارج الحمر، ويستباح الزنا في الطرقات، فالله يقبض الصالحين وتقوم الساعة على شرار الخلق وهم على ذلك. يقول ابن مسعود ﵁: (ينسون لا إله إلا الله ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم؛ وذلك حين يقع القول عليهم) يعني: إذا وقع القول عليهم إذا بالله يأخذ منهم كتابه فيصيرون بغير كتاب فينسون. ويقول أيضاً ابن مسعود ﵁: (أكثروا من زيارة هذا البيت، من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه) يعني: حتى الكعبة، وجاء في حديث آخر للنبي ﷺ : (أنها تهدم، يهدمها ذو السويقتين من الحبشة)، رجل من الحبشة يأتي للكعبة محارباً فيهدم الكعبة، فإذا هُدمت لا تقام مرة ثانية، فينسى الناس مكانها لتقادم الزمان بهم، ويرفع منهم القرآن، وينسون العلم. في هذا الحين يحق عليهم قول الله ، فتأتي العلامات الكبرى للساعة، ومن العلامات الكبرى: خروج الدابة التي ذكرها الله في الآية.

стр. 1230

معنى حديث: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب) جاء في حديث رواه ابن ماجة عن ربعي بن حراش عن حذيفة ﵁، والحديث صححه الألباني، قال: قال رسول الله ﷺ : (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب). قوله: (يدرس) من درس الشيء بمعنى: قدم وبلي وخلق وانمحى وزال، وهنا: يدرس القرآن بمعنى: ينمحي، مثل الثوب، فالثوب يكون جديداً ويكون لونه ظاهراً جيداً، فتأتي عليه الشمس تحيله إلى شيء آخر ويصير خلقاً بالياً قديماً، ثم يتمزق فهنا أخبر النبي ﷺ : أن الإسلام سيأتي عليه زمان يكون هذا حاله، يدرس كما يدرس وشي الثوب، حينها تقوم الساعة على هؤلاء الذين يدرس عليهم الإسلام، ولا يكون ذلك إلا في نهاية الزمان، بعد أن ينزل المسيح عيسى بن مريم ﵊، ويعم العدل في الأرض ويحكم بالإسلام، ولا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا ودخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله. بعد ذلك يرجع الناس مرة ثانية إلى أخلاقهم السيئة، ثم يكونون شرار الخلق، ثم تقوم الساعة على هؤلاء، يقول النبي ﷺ : (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)، يعني: يصل الأمر أنهم لا يعرفون أي شيء عن الإسلام، إلا أن العجائز والشيوخ الكبار يذكرون كلمة لا إله إلا الله فقط، لا ما يعرفون شيئاً آخر غير هذه الكلمة. قال أحد الرواة واسمه صلة، قال: (ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟) -يعني: إذا كان وصل الأمر أنهم لا يعرفوا شيئاً عن الدين، فماذا تغني عنهم لا إله إلا الله؟! (فأعرض عنه حذيفة - وكأن سؤاله ليس له وجه- فكرر عليه السؤال ثانياً وثالثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار، يا صلة! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار). فأخبر أنهم معذورون في هذا الحين، لأنه رفع منهم القرآن، وأخذ منهم العلم، ولم يبق معهم علماء، فتمسكوا بآخر شيء عندهم كلمة لا إله إلا الله، فهم لا يعرفون غيرها، فتنفعهم هذه الكلمة، وتنجيهم من النار. يقول الله سبحانه: ((وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)) يعني: استحقوا غضب الله واستحقوا عذاب الله ، الذي قال فيه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، فإذا وجب عليهم هذا القول بكونهم شراراً، إذا بالله يخرج لهم آية من الآيات الكبرى للساعة، والساعة قبلها علامات وآيات، وقد عدها النبي ﷺ عشر آيات تكون قبل قيام الساعة، من هذه الآيات طلوع الشمس من مغربها، ومن هذه الآيات خروج المسيح الدجال، ونزول المسيح عيسى بن مريم ﵊ ليحكم بين الناس بالإسلام، وقيل: المسيح الدجال. ومن هذه الآيات التي أخبر عنها النبي ﷺ : نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم. ومنها أيضاً: ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وهكذا.
следующие страницы →