Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩] يذكر لنا ربنا أن موسى قضى الأجل، ويذكر النبي ﷺ أن موسى ﵇ قضى أكملهما وأتمهما، والأجل الأكمل والأتم عشر حجج، أي: عشر سنين.
ولما قضى موسى الأجل وانتهت الفترة سار بأهله؛ لأن الرجل أحق بأهله، ولذلك يقول العلماء: إن الرجل أحق بأهله أن يذهب بها حيث يشاء في أمر حياته ومعاشه، مع حاجته لذلك، إلا أن يكون شرطاً في النكاح عدم الذهاب بها، فجاء في حديث النبي ﷺ : (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج)، فإذا تزوج إنسان من فتاة وأبوها شيخ كبير، وأمها امرأة عجوز، ويحتاجان لخدمتها، فزوجاها من إنسان واشترطا عليه أنها لا تخرج من هذه البلدة التي فيها أبواها؛ فتزوج الرجل منها ثم أراد أن يأخذها إلى بلدة أخرى، فلها شرطها؛ لقول النبي ﷺ : (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج).
إذاً: طالما كانن الشرط مع النكاح أو قبل النكاح وفيه مصلحة للمرأة، فلا بد من الوفاء بهذا الشرط.
فموسى ﵊ لم يشترط عليه الرجل أن البنت تمكث معه، ولكن عشر سنوات وينتهي الأمر، وانتهى الأجل، فسار موسى بأهله و ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩] إذاً: هو خارج من الشام متوجه إلى مصر فتاه في الطريق ﵊، والله يريد ذلك حتى يربي موسى، وكان موسى قوياً شجاعاً ﵊، ولكن في النهاية خاف من فرعون ومن معه لما أرادوا قتله، فأراد الله أن يملأ قلبه بالتوكل عليه ، وعدم الخوف إلا منه وحده ، فالله يخلق الأنبياء ويربيهم.
ولذلك رأينا نبينا ﷺ يوم أن فر عنه الناس يوم حنين، قام وحده ﷺ يقاتل ويدافع في سبيل الله ، وفي يوم حنين كان جيش المشركين عشرة آلاف من هوازن، وجيش النبي ﷺ كان اثني عشر ألفاً، وجيش النبي ﷺ حسب أمر الانتصار لصالحه، فخرجوا للقتال حسراً، أي: ليسوا لابسين دروعاً، وانتظرهم الكفار فوق الجبال، فلما وصل جيش المسلمين رشقوهم بالنبال، وفر الجيش كله، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا سبعون من اثني عشر ألفاً، وإذا بالنبي ﷺ يترجل عن ناقته، ويتوجه إلى الكفار، ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه.
وهذه شجاعة منقطعة النظير، إذ إن المطلوب في هذا القتال هو النبي ﷺ وليس غيره، ومع ذلك يقول ذلك، وهذا مما خلقه الله عليه، ووهبه له سبحانه من الشجاعة العظيمة والقوة العظيمة، حتى كانوا يقولون عنه ﷺ : إنه أوتي قوة أربعين رجلاًَ صلوات الله وسلامه عليه، يقولون: كنا إذا احمي البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، يعني: عندما تشتد المعركة ويشتد القتال يحتمون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.
فالله هو الذي يربي أنبياءه على الأخلاق العظيمة الفاضلة ويعصمهم ، فأراد الله لموسى بهذه التربية أن يحسن التوكل على الله ولا يخاف إلا من الله ، إذاً: لا بد أن يلاقي موقفاً من المواقف الصعبة التي يثبته الله فيها، فمرنه ربه بهذا الليل، فهو في ليل بهيم مظلم وفي برد شديد قاس، وفي مكان تاه فيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا به لا يعرف أين يذهب هو ومن معه من أهله، فسار بأهله ولم يعرف الطريق فإذا بالله يريه ناراً في مكان، قال تعالى: ﴿آنَسَ﴾ [القصص:٢٩] أي: بعد أن كان مستوحشاً استأنس بهذه النار التي رآها من بعيد، وذلك بعدما استوحش من الظلمة، وتاه في الأرض.
قال تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص:٢٩] أي: من جانب الجبل في سيناء عند جبل الطور، كأنه وجد ناراً هنالك، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩].
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص:٢٩] يأمر أهله أن ابقوا وامكثوا في هذا المكان، وأنا أذهب.
وهنا حكمة من الله أن يذهب وحده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيترك أهله في مكان ويطمئنهم، ويذهب هو وحده إلى هذه النار، حتى يأتي بخبر أو جذوة منها، فهو يريد أن يعرف أين الطريق، أو يريد شخصاً يخبره عن الطريق.
فقوله تعالى: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص:٢٩] أي: طالما أن النار موجودة فلا بد أن أحداً أوقدها، إذاً: سيكون هناك شخص يدلني عن الطريق، وإذا لم أجد أحداً، أجد على الأقل جذوة من النار نستدفئ بها في هذا البرد الشديد في ليل الصحراء القاسي.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ [القصص:٢٩] أي: قبس من النار، يعني: قطعة من النار، أو خشبة أشعلها من النار فنستدفئ بها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩] لعلكم تستدفئون بهذه النار.
والقراءات في هذه الآية: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه:١٠] قراءة الجمهور.
وقراءة حمزة: (قال لأهلهُ امكثوا) بضم الهاء فيها.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص:٢٩]، قراءة الجمهور، بسكون الياء في لفظ: ((إِنِّي)).
وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير (إنِّيَ آنست ناراً).
ومثلها: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا﴾ [طه:١٠] هذه قراءة الجمهور.
وفي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر: (لعلِّيَ آتيكم) وقوله: (بخبر أو جذوة من النار) فيها ثلاث قراءات: قراءة عاصم وحده: (جَذوة) بالفتح فيها.
قراءة حمزة وقراءة خلف أيضاً: (جُذوة من النار).
قراءة باقي القراء: (جِذوة من النار لعلكم تصطلون).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1297
تفسير سورة القصص [٢٩ - ٣٢]
في سورة القصص يذكر الله تعالى حفظه لأنبيائه وتوفيقه لهم، فموسى اصطفاه الله بالنبوة وهو لم يكن يعرف ذلك، وقد كلمه الله وأيده بمعجزات وآيات ساطعة لمواجهة فرعون وقومه.
стр. 1298
ذكر قصة موسى في وادي الطور
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص:٢٩ - ٣٢].
يذكر لنا ربنا قصة مسير موسى ﵊ من مدين بالشام إلى أن وصل إلى مصر، وكيف أن الله سبحانه أوحى إليه بالرسالة خلال هذه الرحلة قبل مجيئه إلى مصر، فصار نبياً رسولاً ﵊، وكذلك من الله على هارون فجعله نبياً.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص:٢٩] أي: أخذ زوجه وانطلق من مدين متوجهاً إلى مصر بعدما قضى أكمل الأجلين وأتمهما عشر سنوات.
وقوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩] حيث إنه كان يسير بليل في شدة برد وشدة ظلام، وتاه موسى عن الطريق ﵊، وقد حصل له كل هذا؛ لأن الله أراد أن يربيه ويعوده على الشجاعة وعدم الخوف من أي شيء، فهذا من تعليم الله وتأديبه وتربيته لموسى ﵊.
стр. 1299
تربية الله لموسى
ربى الله سبحانه موسى في بيت فرعون فتعلم موسى ﵊ كيف يكون الإنسان وهو في بيت غريب عن أهله، فقد صار كأنه منهم، وصنع موسى ﵇ بعين الله في هذا المكان، ولم يغتر بذلك؛ وهذا بفضل الله من تربيته لموسى، وقد علم موسى من هم أهله من بني إسرائيل فكان يقف بجوارهم، وكان يدافع عنهم، فكانوا لا يظلمون مع وجود موسى وعليه الصلاة والسلام، وهذا من فضل الله على موسى وعلى بني إسرائيل، وقد رباه الله في بيت هذا الفرعون المتكبر الذي يزعم أنه الإله، بل ويزعم أنه الرب، ومع ذلك لم يمل موسى إلى ما هم فيه من بذخ ومن أمور ملك، ومن باطل ما هم فيه، حتى خرج من مصر، وقد ذكر الله لنا من حكايته في مدين، ثم رباه في بيت الرجل الصالح الذي هو في مدين عشر سنين وهو يرعى الغنم، وهذه تربية أخرى من الله ليعود موسى كيف يربي الناس بعد ذلك، وكيف يصبر على أذاهم، فكان صبره عظيماً، وقد كان النبي ﷺ يتعجب من صبره ﵊، ولذلك كان النبي ﷺ إذا ابتلي وأوذي بشيء يقول: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا وصبر) فموسى صبر صبراً عظيماً ﵊، وهذا من قوله سبحانه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، أي: برعايتي، وبكلاءتي، وبحفظي لك، فقد حفظه الله ورباه أحسن تربية على ما رأينا.
وفي هذه الآية يبين الله كيف أنه رباه على عدم الخوف إلا منه وحده لا شريك له، فموسى في ظلام الليل وفي شدة البرد، وفي مكان قد تاه فيه ولا يعرف الطريق، فآنس ناراً، أي: أنه استوحش فآنس هذه النار، فتوقع أن يجد بجوارها أحداً قد أوقدها، لعله يأتي منها بخبر، أين الطريق؟ وكيف يتوجه؟ أو يأتي بقبس من هذه النار، فيصطلي هو وامرأته في هذا المكان الشديد البرد.
قال تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩].
ووصل موسى وحده ﵊ إلى مكان هذه النار، فلما أتاها وجد أمراً عجيباً، وجد شجرة خضراء متقدة ومشتعلة ناراً، ومن العجب أنه لا الماء الذي في الشجرة يطفئ هذه النار، ولا النار تتغير من خضرة هذه الشجرة، فتعجب لأمرها، فلما أتاها ناداه ربه ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص:٣٠]، فوصل إلى الشجرة التي هي في بقعة مباركة في واد في طور سينا في الجبل المبارك، أو في الأرض المباركة.
قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ﴾ [القصص:٣٠] شاطئ المكان أي: جانب المكان.
قوله تعالى: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ [القصص:٣٠]، يفهم من هذا وهو متوجه إليها أن الشجرة كانت على يمين موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، من شاطئ الوادي الأيمن من هذه البقعة المباركة، من أرض تسمى سِيناء، وتسمى سَيناء، وتسمى سينين، وقد ورد ذكرهم في القرآن، (سِيناء) و (سَيناء) قراءتان في الآية، و (سينين) طور سينين، والطور بمعنى: الجبل وسِيناء وسَيناء وسنين بمعنى المباركة، فهي أرض باركها الله ؛ ولذلك أمر الله سبحانه موسى فقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، أي: في مكان اسمه طوى، أو الوادي الذي قدسناه مرتين، وطهرناه مرتين.
قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٣]، فجاءت له الرسالة في هذا المكان ﵊، فهو مكان مبارك نزلت الرسالة على موسى فيه.
ويقول سبحانه: ﴿نُودِيَ﴾ [القصص:٣٠] الذي ناداه هو الله ، يدل على ذلك ما ذكر في سورة طه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢].
وقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ﴾ [القصص:٣٠]، فيخ دلالة على أنه سمع الصوت من داخل الشجرة.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْبُقْعَةِ﴾ [القصص:٣٠] أي: في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿الْمُبَارَكَةِ﴾ [القصص:٣٠] أي: من الشجرة.
قال تعالى: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، فموسى متوجه إلى مصر، ومصر فيها الفرعون الذي قال للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وهو نفسه الذي قال للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فهنا يبين الله لموسى الذي يعلم أن الله هو الرب سبحانه، وأنه هو الأعلى وحده لا شريك له، فيقول له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠].
وقد ناداه سبحانه ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ [القصص:٣٠]، أي: اسمع يا موسى.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] هذه قراءة الجمهور.
وأما قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو فهم يقرءون: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، وهذه الآية نداء من الله سبحانه لموسى، وجمع الله في هذه الآية بين الربوبية له سبحانه: أنه الرب المدبر لكل شيء، وأنه الخالق لكل شيء، وبين الألوهية له سبحانه: أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فالرب الخالق هو وحده الذي يستحق أن يكون إلهاً حقاً معبوداً.
وقوله تعالى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] جمع عالم، أي: كل عالم، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم الحشرات، وعالم الأرض، وعالم السماء، وعالم الملائكة، وكل العوالم العلوية والسفلية، الله خالقها ورازقها ومدبر أمورها، وهو ربها .
стр. 1300
تأييد الله لموسى بالآيات
قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] أي: ارم عصاك على الأرض.
وهنا كان أول العجب لموسى أنه يرى هذه النار في هذه الشجرة، ثم النداء من داخلها، والله يناديه، فيقول له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، فأسمعه الله سبحانه كلامه واختص موسى وحده بذلك ﵊، حتى جاء نبينا ﷺ ولم يكلمه الله على الأرض، فالنبي الوحيد الذي كلم على الأرض واختص بذلك هو موسى ﵊، أما نبينا ﷺ فكلمه الله فوق السموات ﵊، حين رفع إلى سدرة المنتهى، ورأى نوراً، وكلمه ربه سبحانه وفرض عليه الصلاة، أما على الأرض فالذي خاطبه الله وكلمه هو موسى؛ ولذلك وصف بأنه (كليم الله) أي: الذي كلمه الله؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وهذا دليل على أن الله كلم موسى ﵊.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] هذه معجزة ثانية وآية ثانية؛ حتى يعلم أنه رسول، وأن الذي يخاطبه هو الله حقاً، فلابد أن يريه الله معجزاته، فقد رأى هذه الشجرة التي تتقد ناراً وهي لا تحترق، وسمع النداء من جوف هذه الشجرة، ولا يرى شيئاً ﵊، سوى هذه الشجرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] آية أخرى، وهي العصا التي في يد موسى ﵊، وقد ذكر الله ذلك في سورة طه، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، بعدما أمره بقوله سبحانه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، فيستجيب موسى لأمر الله ، ويخلع نعليه لينال بركة هذا الوادي المبارك، أو ليتأدب مع ربه .
ثم يقول الله له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨].
ويسرد الله ذلك: أن موسى يتكلم عن يقين، أن هذه العصا يعرفها جيداً، ويعرف ماذا يعمل بها، عندما يمشي ويتكئ عليها، وليست شيئاً آخر.
وقوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه:١٨] العصا لي ولم أطلبها من أحد، ولم آت بها من أي مكان، فهي معي دائماً.
قوله تعالى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨] أمشي عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨] أي: عندما أرعى الأغنام أضرب أوراق الشجر، فينزل ورق الشجر فتأكل منه هذه الأغنام.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أي: منافع أخرى وحوائج أخرى.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩]، أي: ارم هذه العصا على الأرض التي أنت متأكد أنها عصاك.
فقال سبحانه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠]، أي: فألقى العصا التي يعرفها تماماً على الأرض، فهذه معجزة وآية أخرى لموسى ﵊، وأيضاً هي نوع من التشجيع والتربية لموسى على ألا يخاف من شيء، في وسط هذا الليل البهيم المظلم والبرد القارس والمكان الموحش الذي لا أحد به إلا الله ، فموسى ﵊، يمرن على الشجاعة وعلى ألا يخاف.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل:١٠] أي: أن العصا وقعت على الأرض، فإذا بها دبت فيها الحياة واهتزت تسعى وتتحرك.
قال تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل:١٠] والجان والجنان: الحية والحيات، فقد وجدها موسى كحية عظيمة تسعى وتتحرك في الأرض، وتفتح فمها، فخاف موسى ﵊.
قال سبحانه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل:١٠] فالذي يولي مدبراً، أي: وجه ظهره إليه، والذي يعقب، أي: يرجع مرة أخرى وينظر، ولكنه لم يعقب، حيث جرى موسى ﵊ من شدة الخوف، وقد أراد الله أن يخيفه ثم يطمئنه حتى يتعود موسى ﵊ على الشجاعة في المواقف التي ستكون أقل من ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل:١٠] أي: أعطى ظهره وجرى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل:١٠] أي: لم ينظر إلى هذا المكان، ولم يرجع إليه.
وقال الله لموسى: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ [النمل:١٠] أي: ارجع إلى مكانك مرة أخرى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] كأنه يقول: لأنك من الآمنين، أو نؤكد لك أنك من الآمنين، ارجع إلى مكانك.
فرجع موسى إلى مكانه فأمره الله أن يأخذ هذه العصا مرة ثانية وهو في غاية الرعب، والحية تسعى أمامه، ولكن الله طمأنه، وقال: ﴿خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١]، أي: سوف نرجعها مرة أخرى عصا كما كانت في يدك.
فأمسك موسى ﵊ بالثعبان فإذا به يرجع عصا مرة أخرى.
فمن يمسك ثعباناً من رأسه، ولكن موسى ﵊ شجعه ربه سبحانه بهذه التربية العظيمة، فأمسك بهذه الحية التي تسعى، فإذا بها ترجع مرة ثانية إلى هيئتها الحقيقة.
وحجم الحية ذكره الله لنا في سورة طه أنه لما حاج موسى فرعون وجاء السحرة فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا بهذه الحبال والعصي يخيل إلى موسى من سحر هؤلاء أنها تسعى، فأمره الله ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف:١١٧] فلما ألقاها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧]، وهذا يدل على أنها حية ضخمة جداً التي كانت مع موسى ﵊.
وقوله تعالى: ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧] أي: تأكل كل العصي، وكل الأشياء التي أمامها، والتي ظن هو أنها حيات، فصارت شيئاً ضخماً، وعندما يؤمر موسى أن يأخذ هذه الحية الضخمة بيده مرة ثانية فهو شيء مرعب ومخيف، ولكن الله يطمئنه فيقول: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١] فيمسكها موسى مرة ثانية، فهو أمسك حية تسعى فصارت عصا مرة ثانية.
فهنا يعلم الله موسى حتى لا يخاف ﵊ إذا حدث هذا أمام فرعون، فلو أنه كان للمرة الأولى أمام فرعون وهو خائف، ويمسك العصا ويرميها فتصبح حية، فمن الممكن أن يخاف موسى ويهرب أمام فرعون ويهرب من هم موجودون، ولكن الله يربي موسى على الشجاعة، فإن هذه الحية تمرين وتدريب على ذلك، فعندما تصير حية هناك لا يخاف موسى ﵊، قال الله : ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] فأمنه الله مما يحاذر الآن من أمر هذه الحية، وبعد ذلك مما هو قادم عليه مع فرعون وملئه.
قال تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص:٣٢].
قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [القصص:٣٢] آية ثالثة، فالشجرة التي فيها النار آية من آيات الله سبحانه، وكلام الله لموسى آية من آياته سبحانه، والعصا التي صارت حية آية من آياته، وهذه آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [القصص:٣٢] فالجيب: هو مكان دخول الرأس من القميص، فأمره الله أن يدخل يده في جيبه، فأدخل موسى يده في جيبه.
قال تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص:٣٢]، وقد كانت يده سمراء، حيث إن موسى ﵊ كان أسمر، فلما أدخل يده في جيبه، خرجت يده من جيبه بيضاء شديدة البياض لها شعاع كالشمس.
قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص:٣٢] أي: تحولت إلى البياض، وهذا البياض ليس برصاً ولا بهاقاً، ولكن آية من آيات الله وجمالاً منه سبحانه فوق جمال موسى، أن تخرج بيضاء من غير سوء، ثم ترجع اليد مرة أخرى إلى ما كانت عليه.
فهي آية من آيات الله ليثبت موسى وليريه أن هذا حق من عند الله سبحانه.
قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص:٣٢]، أي: إذا خفت ضع يدك على صدرك؛ يذهب الخوف؛ لذلك كان ابن عباس ﵁ يذكر أنه ما من إنسان يخاف فيضع يده على صدره متوكلاً على الله منفذاً لذلك، إلا ويذهب الله ذلك عنه، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص:٣٢] هذه قراءة حفص عن عاصم بفتح الراء وبسكون الهاء.
وأما قراءة شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (مِنَ الرُّهْبِ) وهو نفس المعنى.
وقراءة بقية القراء: (مِنَ الرَّهَبِ) بالتحريك فيها، والمعنى: أنه إذا خشيت وأرهبت ضع يدك على صدرك؛ يذهب عنك الرعب، ويذهب عنك الرهب، فيطمئن موسى ﵊، فيقول له ربه سبحانه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص:٣٢].
فهذه جملة آيات وجميعها لموسى ﵊، ولكن منها ما هو لفرعون
стр. 1301
تفسير سورة القصص [٣٢ - ٣٥]
اصطفى الله موسى ليكون رسولاً إلى فرعون وقومه، وأيده بأخيه هارون وبمعجزتي العصا ويده التي تخرج بيضاء من غير سوء، وطلب موسى العون من ربه في تبليغه الرسالة دليل على افتقاره إلى ربه واتكاله عليه، وسورة القصص توضح لنا ذلك.
стр. 1302
اصطفاء الله سبحانه لموسى عليه وسلم بالرسالة إلى فرعون وملئه
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة القصص: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص:٣٣ - ٣٧].
لما ذكر الله كيف أنه أوحى إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو بالوادي المقدس طوى، وأن الله أراه آيات؛ ليربيه ويمرنه على الشجاعة وعدم الخوف من فرعون، وعلى أن يتشجع في الدعوة إلى الله ، ففي هذا الوقت الذي أوحى إليه كان موسى ﵊ تائهاً في صحراء شاسعة، في ليل مظلم، وبرد شديد، ومعه زوجه ليس وحده في الطريق، فإذا به يرى نوراً أمامه أو ناراً مشتعلة، فظن أنه إذا أتاها يحصل منها على قبس أو يعرف منها خبراً عن الطريق، فلما أتاها كان الوحي من الله ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١١ - ١٣].
فجاءته الرسالة من رب العالمين سبحانه، وجاءه الاصطفاء والاتباع والاختيار من الله حيث قال له ربه: أنا اخترتك فاستمع لوحينا، ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]، ثم قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤]، فبدأ بالتوحيد، فالله هو الإله المعبود وحده لا شريك له، والإله: هو المستحق للعبادة ، وإن كانوا زعموا بوجود آلهة غير الله سبحانه، وهي آلهة باطلة، ولذلك معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أقر وأستيقن من قلبي وأؤمن كأني أرى أمامي هذا الذي أقوله، فأنا أشهد بالحق كأني أعاين هذا الحق الذي أشهد به، أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة حقاً إلا الله ، ولا معبود حق إلا الله، فالمعبودات الباطلة كثيرة، فهذا فرعون نصب نفسه إلهاً على قومه، واستخف بهم، وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فأطاعوه فيما هو فيه.
فزعم فرعون أنه إله، بل تعدى وزعم أنه رب، حاشا لله أن يكون له شريك ، فلما قال لهم ذلك، فهو إله من الآلهة الباطلة، والله يذر الآلهة، ويقول سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، فالآلهة الباطلة كثيرة، ولكن الإله الحق المعبود واحد لا شريك له، فعندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، معناه: أنه لا يوجد إله حق إلا إله واحد ؛ ولذلك أنت تعلم بوجود آلهة كثيرة كلها باطلة ولكن الإله الحق واحد؛ ولهذا لا يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، بمعنى: أنه لا إله موجود إلا الله، هذا خطأ، فالآلهة الموجودة كثيرة، إنما التقدير الصحيح: لا إله حق إلا الله .
هذا معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأما أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: هو رسول هذا الإله الحق الذي أرسله إلينا برسالة، وبشريعة من عنده ، إذاً: نحن نعبد الإله العظيم وحده لا شريك له، عن طريق المتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الله وإلى ما يرضيه سبحانه، وإلى كيفية إقامة شرعه عن طريق معرفة سنة النبي ﷺ ، وما جاء به من عند ربه من كتابه وسنته.
стр. 1303
تأييد الله لموسى ﷺ بالآيات وبأخيه هارون دليل على افتقار موسى إلى ربه
عرفنا أن الله سبحانه أوحى إلى موسى، قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]، فإذا كان الله قد اختاره فلا بد أن يبين الله أن الذي يكلمه هو نفسه سبحانه، وأنه هو الذي يؤيده بمعجزات، فأمره الله أن يلقي عصاه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠]، وأمره الله أن يدخل يده في جيبه، قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل:١٢]، وهذه معجزة أخرى، قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣] أي: نريك الآيات العظيمة الكبيرة التي تقر بها عينك ويطمئن بها قلبك.
قال الله : ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص:٣٢]، أي: فإذا خفت يا موسى فاضمم جناحك إليك، واضمم يدك إلى صدرك، يذهب الله عنك ما تعانيه من خوف، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ [القصص:٣٢] أي: آيتان قويتان من عند الله سبحانه إلى فرعون وملئه؛ لكي يعرفوا بهما الحق الذي أنت عليه، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص:٣٢] أي: خارجين عن طاعة الله.
وقال موسى متعللاً ويطلب من الله التثبيت أكثر: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص:٣٣ - ٣٤].
هنا تعلل موسى بعلتين، لا ليترك الرسالة، ولكن ليعينه الله سبحانه، وليثبته، فهو يعترف بالضعف وبالعجز، وأنه محتاج إلى الرب ليعينه، فحري بالإنسان الذي يتوسل إلى الله ويتضرع إليه بعجزه أن يعينه الله ، فالإنسان الذي يقول: يا رب، فإن الله معه؛ لأن الله يستحيي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفراً، فموسى دعا ربه سبحانه وهو في مدين قال تعالى: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، فانظروا إلى أدب سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو يتأدب في طلبه مع الله سبحانه، فمعنى قوله: يا رب، أنت أنزلت إلي خيراً كثيراً وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي أنزلت.
стр. 1304
الأنبياء لا يطمعون في الدنيا ولكن لا غنى لهم عن بركة الله
اختبر الله أيوب ﵊، وامتحنه ثماني عشرة سنة، ثم من عليه ، بأن رد إليه صحته، ورد إليه ماله، وأعطاه الأولاد، وملأ له الخزائن التي كانت تملأ بالقمح وبالذرة أو بالشعير ذهباً، ثم إذا به يبتليه سبحانه ويمتحنه وينزل له من السماء جراداً من ذهب، فيبسط أيوب ﵊ ثوبه ليأخذ هذا الذهب، فقال الله لأيوب: ألم أكن أغنيتك عن هذا، أي: ما مقدار الجراد الذي هو من ذهب أمام الخزائن المملوءة بالذهب عندك، فإذا بالجواب العظيم من أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أن الأمر ليس في الذهب، ونحن نعلم أن هؤلاء الأنبياء الذين عصمهم الله سبحانه لا مطامع لهم بالدنيا، فلما سأله الله: لماذا تبسط ثوبك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك، فهناك أشياء تنزل من السماء قريبة العهد بنا من الله ، فهو لا يستغني عن بركته أبداً حتى لو أعطاه ما أعطاه، ولذلك كان النبي ﷺ يفعل ذلك حين ينزل المطر من السماء، فيحسر ثوبه ﵊ لينال من بركة ما نزل من السماء، فهذا المطر طهور، حيث قال الله : ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨].
فكان يحسر ثوبه لينال من بركة هذا الماء المنزل من السماء.
стр. 1305
أسباب طلب موسى عون ربه على تبليغ رسالته
قال موسى ﵊ معترفاً بعجزه: إني ضعيف، ولن أذهب لقوم لا يسمعون لي، فأنا قد قتلت منهم نفساً، فأخاف أن يستقبلوني بالقتل، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣]، أي: أنا هربت منهم عشر سنين وقد قتلت منهم نفساً ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣]، أي: أخاف أن يقتصوا مني وأن يقتلوني بهذه النفس.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣]، على قراءة الجمهور، وأما قراءة يعقوب: (فأخاف أن يقتلوني).
السبب الثاني: وهو أن في لسانه عقدة، وهو صغير كأن فرعون أراد قتله لأمر فعله موسى، وهو أن موسى ﵊ لما حمله فرعون، قيل: إنه شده من لحيته، أو أنه عبث بها، فهم فرعون بقتله، فحاولت امرأة فرعون أن تصرف فرعون عن قتله، وتقول: إنه صبي لا يميز ولا يفهم، فأراد فرعون أن يعرف هل موسى يميز أو لا يميز، فقالت امرأة فرعون لفرعون: أره جوهرة وأره ناراً، فإن أخذ الجوهرة يقتل، فقيل: إنه مس جمرة بلسانه ﵊، ولم يمس الجوهرة، فالله أرى فرعون أن هذا الصبي لا يفهم الذي يفعله، حتى ينجيه الله منه، فكان موسى في لسانه عقدة، إذا نطق يصعب عليه النطق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وهذا سبب قول فرعون لقومه لما ذهب موسى يناظرهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] فكلمة مهين أي: حقير، حيث إنه كان هارباً منا ثم رجع إلينا وهو لا يعرف أن يتكلم، ففرعون يعير موسى بأن فيه عقدة في لسانه، وأنه لا يجيد الكلام، قال تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
فموسى ﵊ يعترف بعجزه لربه سبحانه، ويقول: إن لساني ضعيف، لا أستطيع أن أنطق ولا أستطيع أن أجادل هؤلاء، وإن أقصى ما يتمناه موسى أن يكون معه من يستطيع أن يتكلم عنه؛ ولذلك قال الله تعالى على لسان موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤]، وطلب موسى من ربه أن يزيل ما بلسانه من عقدة لا يقدر معها على الإبانة والإفصاح، فاستجاب الله له، فقال سبحانه في سورة طه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥]، أي: أفسح صدري، ولا تجعله ضيقاً حرجاً؛ لأن الإنسان الضيق الصدر لا يستطيع أن يصبر على كلام الخصوم، فإنه إذا استمع إلى كلامهم سرعان ما يثور، وقد كان موسى ﵊ فيه حدة، وفيه غضب لله، فكان سريع الغضب لله ، ولذلك كان بنو إسرائيل يحبون هارون أكثر من موسى، وهارون كان أكبر من موسى بسنة، وكان أكثر ليناً مع بني إسرائيل من موسى، ولذلك لما مات هارون وهو مع موسى، ورجع موسى اتهموه بقتل هارون، قالوا: أنت قتلته؛ لأنه كان ألين منك وأرق منك قلباً، وهذا كذب وافتراء على موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
لما دعا موسى ربه كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] دعاه دعوة أخرى فقال: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٦]، فإن توفيق الإنسان يكون بالله ، فموسى ﵊ لا يقدر على شيء بنفسه، إلا أن يقدره الله له، فطلب من الله أن يشرح له صدره، وأن ييسر له هذا الأمر الذي يتوجه إليه، ويدعو إليه ربه قال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾ [طه:٢٧ - ٢٩]، فقال: وزيراً وهنا قال: ﴿رِدْءًا﴾ [القصص:٣٤]، فالوزير: هو المؤازر، والمناصر والمدافع، أي: اجعل من يكون معي وزيراً يحمل معي الأوزار، والأثقال، ويحمل معي أعباء النبوة، وقوله تعالى: ﴿رِدْءًا﴾ [القصص:٣٤] أي: ناصراً ومدافعاً، يدافع عني بشيء آخر.
قال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤]، أي: يستطيع أن يتكلم ويجيد التعبير عما يقول، فهذا فصيح اللسان، وأما البليغ: فهو الإنسان الذي يتكلم بكلام موجز قليل يعبر به عن معان كثيرة، والله سبحانه جعل للأنبياء هذه الخصائص، جعلهم يجيدون التعبير عن الأشياء العظيمة بألفاظ قليلة، وأجود بلاغة بلاغة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال ﷺ عن نفسه قال: (أوتيت جوامع الكلم)، أي: مجامع الكلام، فكان النبي ﷺ يعبر بالكلمات الموجزة التي تشرح في مجلدات كثيرة، فلو أخذنا قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار)، فقد بنى عليه العلماء قواعد فقهية ومسائل كثيرة جداً، وخرجوها من هاتين الكلمتين.
стр. 1306
اختلاف القراءات في قوله تعالى (فأرسله معي ردءاً يصدقني)
قوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤]، فقراءة الجمهور: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ [القصص:٣٤]، وقراءة حفص عن عاصم: (أرسله معيَ ردءاً يصدقني)، فقوله: (ردءاً)، هي قراءة البعض، وقراءة نافع: (ردا يصدقني)، وكذلك قراءة أبي جعفر، ولكنه يقرأ: (أرسله معي ردا يصدقْني)، وكأن (يصدقْ) جواب الأمر، حيث إن قوله: (أرسلهْ معي) طلب فكانت مجزومة على قراءة نافع، وكذلك قراءة أبي جعفر.
وبقية القراء يقرءون: (فأرسله مَعِي ردءاً يصدِّقُني).
فموسى ﵇ طلب من الله أن يعينه بهارون، فيكون معه وزيراًَ، ويكون معه معيناً ومدافعاً، ومقوياً له ﵊؛ لأنه يخاف من تكذيب هؤلاء.
واستجاب له ربه سبحانه، فقال سبحانه في سورة طه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، أي: كل ما سألت، فكل الذي طلبته: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٥٢ - ٣٢]، كل هذا استجبنا لك فيه، قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، وليس الآن فقط، فقد مننا عليك قبل ذلك بنعم كثيرة، قال تعالى في سورة القصص: ﴿سَنَشُدُّ﴾ [القصص:٣٥]، أي: سنقوي، ﴿عَضُدَكَ﴾ [القصص:٣٥]، أي: أمرك، وأصل العضد: يد الإنسان، وذراع الإنسان عضده، فهو يمسك الأشياء بيده ويبطش بها ويأخذ ويعطي، ويعبر بذلك عن القوة، فقال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص:٣٥]، أي: سنقويك في أمرك، بأخيك هارون.
قال تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص:٣٥]، والسلطان: هو الحجة والبيان من الله ، أي: بيان قوي وحجة قاهرة باهرة، قال تعالى: ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص:٣٥]، فالله يعصمهما؛ لأنهما نبيان من أنبياء الله، وقد قيل: إنه كان أنفع أخ لأخيه على مر التاريخ موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فهو الوحيد الذي نفع أخاه بمثل هذه المنفعة العظيمة؛ لأن النبوة ليست كسباً يكتسبها الإنسان، فالوحيد الذي فعل به ذلك هو هارون؛ ببركة دعاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالله جعل أخاه بدعائه نبياً.
قال تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص:٣٥]، وهنا طمأن الله موسى أن فرعون لن يستطيع عليه، لذلك كان موسى في غاية الشجاعة، حين يكلم فرعون ويرد عليه الحجة التي كان يقولها فرعون، فحجة فرعون ضعيفة، ويرد عليه موسى بالحجة القوية، التي يبهت بها فرعون، فلا يقدر أن يرد عليه، قال تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥].
هنا أخبر الله سبحانه أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هو وهارون الغالبان، وليس هما فقط، بل قومهما معهما، فقال تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥]، وذلك حين نعطيكم الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص:٣٥]، فبالسلطان الذي من الله، وبقوة المناصرة من الله، لا يصلون إليكما.
ثم قال تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص:٣٥]، أي: لا يصلون إليكما وأنتما معكما الآيات من عند الله، قال تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص:٣٥]، أي: بتأييدنا ستغلبون هؤلاء: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥]، فكان وعد الله حقاً، فقد نصر الله موسى وهارون وقومهما على القوم الظالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1307
تفسير سورة القصص [٣٦ - ٤٩]
يخبر الله تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرض ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة الدالة على صدقهما فيما أخبرا عن الله من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتيقنوا أنه من عند الله عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، فكان عاقبتهم أن أهلكهم الله جميعاً، وذلك جزاء الظالمين.
стр. 1308
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦].
ذكر لنا ربنا في هذه الآية وما قبلها كيف أنه أرسل إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل عليه الوحي لما جاء موسى إلى طور سيناء، فالله كلمه وأسمعه سبحانه كلامه، وأوحى إليه بأنه صار رسولاً له سبحانه، قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]، أي: استمع لوحينا، فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
ثم أمره سبحانه أن يذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون إنه طغى، وذلك بعدما سأل موسى ربه سبحانه أن يجعل هارون معه نبياً، جاءت الرسالة لموسى ﵊، وتوجه موسى إلى فرعون فذهب إليهم بآيات الله سبحانه التي علمه ربه والتي دربه عليها.
стр. 1309
ذكر محاجة موسى لفرعون وقومه
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [القصص:٣٦] ومكث فيهم موسى فترة طويلة يدعوهم إلى الله سبحانه، وناظرهم وحاجهم، وقال له فرعون: من هذا الرب الذي تدعو إليه؟ أو لك رب غيري؟ فموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أجاب فرعون بإجابات فصيحة وبليغة، وقد شفاه الله مما كان بلسانه من عقدة، فأجاب فرعون وحاجه، ولم يقدر فرعون على الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام كما تقدم في الآيات في سورة طه، قال: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٤].
وفرعون كان يقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فبين موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن الذي يخلق والذي يرزق، والذي ينزل من السماء ماء وينبت به أزواجاً من نبات شتى، والذي يطعمكم ويسقيكم ويعطيكم هو الله .
وفرعون يعلم في نفسه أنه حقير وأنه ليس إلهاً، وأنه كذاب يكذب على قومه، وفرعون لم يكن له أولاد، فكان يكذب على قومه ويخدعهم ويقول: أنا ابن الشمس؛ وذلك لأنه لم يكن له أبناء، فكان يوهمهم أنه ليس منهم وإنما هو ابن للشمس، فاتبعوه وعبدوه من دون الله ، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وأوهمهم أنه يقدر على الخلق فقال: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، فاستخفهم فأطاعوه.
فيبن موسى للجميع أن الرب الله : ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:٢٦]، قال فرعون لقومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧] فقال موسى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٨]، ففرعون رمى موسى بالجنون؛ لأنه لا يقدر على المواجهة بالقول وبالحجة، فإذا به يذكر قومه بما كان عليه موسى قبل ذلك، قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، أي: أنا خير من هذا الذي يزعم الخيرية، وليس عنده ما يدل على ذلك.
فلم يقدر فرعون في معرض المناقشة أن يأتي بجواب مقنع أو برد مفحم على ما يقوله موسى، وإنما غاية ما هنالك أنه يعجب القوم منه ويقول: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:٢٥] وقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧]، فلما لا يجد بداً من أنه يواجه بالقوة يقول له: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] أي: فلجأ فرعون إلى التهديد وإلى الوعيد، فموسى يقول له: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٣٠]، أي: أولو جئتك بآية بينة من عند رب العالمين: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء:٣١ - ٣٣].
هذه الآيات التي أراها الله لموسى قبل ذلك ودربه عليها حتى لا يفزع موسى حين يراها للمرة الأولى، فلما ألقى العصا فإذا هي ثعبان مبين، فيفزع فرعون ومن معه، ولا يفزع موسى ﵊، ثم يأخذ هذه الحية من الأرض فترجع مرة ثانية عصا، ويريهم يده ويخرجها من جيبه فإذا بها كالشمس لها شعاع، فيتعجبون لذلك، ففرعون حين رأى ذلك سارع بأن يقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء:٣٤] وقال في سورة طه: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٨] أي: لنأتينك بسحر أعظم من هذا السحر الذي أتيت به أو مثله، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨] هذه حجة الإنسان المهزوم الذي يرى نفسه ضعيفة.
ففرعون حين رأى ما فعل موسى وذلك بفضل الله سبحانه، رأى نفسه مهينة حقيرة وأنه غير قادر على مجابهة موسى فقال: أعطنا وقتاً حتى نأتي لك بسحر مثل هذا الشيء، ولذلك قال: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨]، أي: نختار مكاناً وسطاً يجتمع فيه الناس كلهم.
ففرعون يرى نفسه ضعيفة، فيلجأ إلى السحرة، ويبعث إليهم من أقصى الأرض ومن أدناها، من شمال مصر ومن جنوبها، فيجتمع إليه السحرة الذين يرغبون في القرب من فرعون، ويرغبون في مال فرعون.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤١]، أي: هل ستجعل لنا جائزة إن كنا نحن الغالبين؟ يقول لهم: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤٢] أي: سأعطيكم أجراً إن غلبتم موسى، ليس هذا فحسب، بل سأقربكم إلي وستكونون جلسائي.
فلما اجتمع السحرة وألقوا حبالهم وعصيهم وهم كفار وقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] فهم يقسمون بعزة فرعون إنهم هم الغالبون، فهم عندما ألقوا كان منظرها منظراً مخيفاً، حتى إن موسى عليه وعلى نبينا ﵊ فزع، وإذا بالله يطمئنه ويثبته ويقول: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] أي: أنت أعلى من هؤلاء، وأنت ستغلبهم، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه:٦٩]، فألقى عصاه فإذا بها تأتي إلى كل هذه الحبال والعصي التي أخافت موسى فتلتهمها ولا تترك منها شيئاً، ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
فالسحرة الآن عرفوا ما هو الحق، فخروا لله سجداً ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:٤٧ - ٤٨]، أما فرعون فإنه لم يؤمن؛ لأنه يظن أن ذلك يضيع منه الملك، وطمس الله على قلبه ولم يهده، ليكون إماماً إلى النار والعياذ بالله، فإذا بفرعون يستكبر على هؤلاء، ويقول: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] أي: ستنظرون من الذي هو أشد عذاباً، أهذا الإله الذي يتوعدكم موسى به، أو أنا؟ فالسحرة قد استيقنوا من أمر ربهم سبحانه، وقد دخل الإيمان في قلوبهم، فإذا بإيمانهم إيمان قوي، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] لا نفضلك على هذه الآيات، وأقسموا بالذي فطرهم وهو الله أنهم لا يؤثرون فرعون على ما جاءهم من الآيات والبينات.
فإذا بفرعون يقتل هؤلاء السحرة، ويقطع يداً ورجلاً من كل إنسان، ويصلبهم على جذوع النخل، فكانوا في أول النهار كفاراً سحرة، وكانوا عن الله بعداء، وإذا بهم في آخر النهار يصيرون مؤمنين شهداء، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
فالسحرة جاءوا إلى فرعون حتى يقربهم، فإذا بهم يرون الآيات فيؤمنون بالله وحده لا شريك له ويقتلون شهداء، ويخاف قوم موسى من فرعون، فإذا بالله يؤيده بآيات وراءها آيات كما قال هنا: ﴿فَلمَّاَ جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦].
стр. 1310
ذكر الآيات التي أرسلها الله على فرعون وقومه
ذكر أن الله أيد موسى بتسع آيات بينات من عنده سبحانه، منها: اليد والعصا، فهما آيتان من عند الله سبحانه.
وكذلك قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، فهذه خمس آيات من الله لهؤلاء القوم.
ثم بعد ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:١٣٠] آيتان أخريان، فالجملة تسع آيات من عند الله ، فهو سبحانه أخذهم بالقحط وعدم المطر وقلة المياه وعدم الثمرات، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠].
فهرعوا إلى موسى وطلبوا منه أن يدعو الله لعله يكشف عنهم فيؤمنوا، فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فأرسل عليهم الطوفان، فهم لما نقص الماء استجاروا، فإذا بالله يرسل عليهم الماء شديداً عليهم، فيجأرون ويلجئون إلى موسى أن يكشف عنهم، فيدعو ربه فيكشف عنهم، فيرجعون إلى الكفر ولا يؤمنون، فأرسل عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فإذا بهم يرون هذه الآيات، آية وراء آية تملأ بيوتهم وأراضيهم فيفزعون إلى موسى، أكل الجراد ثمارهم، فإذا بهم يجأرون إلى موسى ويقولون: ادع ربك يكشف عنا هذا، ونؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فلما كشف عنهم الجراد الذي أكل زروعهم فإذا بهم لا يؤمنون، ويرجعون إلى تكذيبهم وإلى عادتهم الأولى، فإذا بالله يرسل عليهم الضفادع فملأت بيوتهم، فإذا بهم يستغيثون بموسى، فكشف الله عنهم فكذبوه، فأرسل عليهم الدم في طعامهم وفي مياههم حتى كان الشيء أمامهم يجدونه مليئاً بالدم، فإذا بهم يستغيثون بموسى فيكشف عنهم، ومع ذلك لم يعتبر هؤلاء القوم، والله له حكمة في أن يؤخر عذابهم حتى إذا أهلكهم، رأى الناس كيف يأخذ الله الظالم المعاند أخذ عزيز مقتدر.
فهنا يخبر الله سبحانه عن قولهم في هذه الآيات لما جاءتهم: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص:٣٦] أي: مختلق، ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦] أي: أول مرة نسمع مثل هذا الكلام، وهذا ليس جواباً بحجة، فهؤلاء قالوا: ما سمعنا بهذا الكلام قبل ذلك، هذا ليس رداً للحجة، ولكن الحجة ترد بمثلها، فلم يكن عند فرعون ولا قومه من الحجج ما يردون بها على موسى إلا أن يقولوا: لم نسمع بهذا.
стр. 1311
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى ربي أعلم وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص:٣٧].
(ربي أعلم) هذه قراءة الجمهور.
وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: ((ربيَ أعلم)).
قوله: ((وَمَنْ تَكُونُ لَهُ)) هذه قراءة الجمهور.
وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((ومن يكونُ له)).
قوله: ((ومن يكون له عاقبة الدار)) يعني: من تكون له العاقبة الحسنة يوم القيامة.
قوله: ((إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)) أي: مهما ظلمتم أيها القوم فإن عملكم لا ينجح، ولن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال فرعون لقومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] يقول: ((ما علمت)) وهو كذاب في نفسه ويعرف ذلك، وقال: ((يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)) يبجلهم ويعظمهم حتى يستجيبوا له، ولم يقل: (يا أيها الناس) ولكن قال: ((يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)) أي: يا كبار القوم يا وزراء يا رؤساء، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
ثم قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص:٣٨] أي: سأذهب لأبحث عن الإله الذي يقول عنه موسى هذا، مع أنه لا يوجد في الأرض إله غيري، بزعمه وبكذبه لعنة الله عليه، فقال لـ هامان وزيره: ((فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ)) أي: اصنع لي طوباً أحمر من الآجر قوياً شديداً وابن لي صرحاً عظيماً وبرجاً عالياً هائلاً، حتى أطلع على هذا البرج وأنظر أين إله موسى هذا الذي يقول عنه، قال: ﴿فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص:٣٨].
وهنا قوله: ((لعلي)) فيها قراءتان: يقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (لعليَ) بفتح الياء، والباقون (لعليْ أطلع) بسكونها.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨] الكذاب هو الذي يعلم أنه إنسان ضعيف، وأنه يحتاج إلى برج، ولو كان إلهاً لما احتاج إلى برج ليصعد عليه، والناس لو كانوا عقلاء لفهموا ذلك، ولكن الله وسمهم ووصفهم بأن عقولهم خفيفة وأنهم أغبياء لا يفهمون، قال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤].
صعد فرعون فوق هذا الصرح العالي البناء المرتفع الهرم الذي بناه له لينظر في السماء، ثم نزل بعد ذلك وقال: ما رأيت إلهاً، فموسى يكذب عليكم فلا يوجد شيء فوق في السماء، وكأنه صعد إلى السماء أمام قومه، وقال قبل أن يصعد: ((وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) فهو لما صعد رجع إليهم وزعم لهم أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يكذب.
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٣٩]، أي: فرحوا بما أخبرهم به فرعون لما رجع إليهم، وقال: ما رأيت إلهاً، فاستكبروا في الأرض بغير الحق وظنوا في أنفسهم أن الله لا يحاسبهم ولا يجزيهم، وظنوا أنهم لو بعثوا لكانوا أفضل حالاً مما هم عليه الآن، ولذلك كانوا يحنطون جثثهم ويجعلونها في القبور حتى يرجعوا للملك مرة ثانية.
قراءة الجمهور ((لا يُرْجَعون)).
وقراءة حمزة والكسائي وخلف ونافع ويعقوب: ((لا يَرْجعون)).
стр. 1312
تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ويوم القيامة هم من المقبوحين)
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٤٠].
وبعد هذه الاستطالة خلال سنين طويلة إذا بالله ينصر جنده، ليعلم النبي ﷺ والمؤمنون أنه مهما طال زمن الاضطهاد، ومهما طال زمن الأذى على المؤمنين، أنه لابد وأن يأتي يوم ينصر الله عباده ويهزم هؤلاء الكفرة، ففعل بفرعون ما سمعنا، قال: ((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)).
وانظر إلى التعبير: ((فنبذناهم)) والنبذ هو الإلقاء بالشيء الحقير، كأنه شيء تقدر عليه وتملكه فتأخذه بيديك وترميه بيدك؛ لحقارته وضعفه ولقوتك وقدرتك.
فأخبر الله سبحانه أنه نبذ فرعون وألقاه في اليم كما تلقى المهملات، قال: ((فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)) أي: هذا الذي علا واستكبر يرمى كالزبالة بداخل اليم، فانظر وتعجب لأمر الله سبحانه.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] أي: جعلنا فرعون وملأه وجنوده أئمة يدعون إلى النار بإغوائهم، فهم كانوا يغوون الناس ويدعونهم إلى الضلالة، فكانوا أئمة الضلالة هم ومن اتبعهم في النار.
قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ﴾ [القصص:٤١] أي: لا يجدون ناصراً لهم، ففرعون وجنوده في نار جهنم لا ينصرهم أحد.
وقال تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص:٤٢] أي: قفينا على آثارهم، فمن يسمع بذكر فرعون وجنوده، يقول: لعنة الله عليه وعليهم، لا أحد من المؤمنين يذكرهم بخير، إلا ما كان من أهل الاستخفاف ومن أهل الحماقة ومن أهل الجهل، الذين يقولون: آباؤنا الفراعنة فيفتخرون بهم، فهؤلاء أتباعهم وأشياعهم، ومن افتخر بهم كان سبيله النار وراء فرعون؛ كما جاء عن النبي ﷺ : (أن رجلين في عهد موسى افتخرا وذكرا الآباء، فأحد الاثنين افتخر بالآباء عن الآخر، فقال له: أنا فلان بن فلان بن فلان، وعد تسعة آباء له، وقال الآخر: أنا فلان بن فلان بن الإسلام، -أي: يكفيني شرف الإسلام، فافتخر بدين رب العالمين سبحانه- فأوحى الله إلى موسى: أن قل لهذين المفتخرين: أنت افتخرت بتسعة آباء من الكفار أنت عاشرهم في النار، وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة).
فهذا الذي افتخر بالآباء الكفار كهؤلاء الذين يقولون: أجدادنا الفراعنة، يعني: يفتخرون بالكفار، فهذا مآلهم: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص:٤٢] فكل من يقلد فرعون ويتبعه فهو ملعون في الدنيا، ففرعون وجنوده وملؤه من ذكرهم من المؤمنين، قال: لعنة الله على فرعون وعلى أشياعه وعلى أتباعه وعلى جنوده.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤٢] أي: من أهل القبح، يقبحهم الله، ويشوه وجوههم، ويحشرهم في نار جهنم زرق العيون سود الوجوه، على أقبح ما يكون من الكلاحة قبحهم الله، فمن يسمع بذكرهم يقول: لعنة الله عليهم وقبحهم الله، ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨]، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود:٩٩]، بئس ما يردون عليه يوم القيامة وبئس ما يعطون من عطاء في نار جهنم والعياذ بالله، فاحذروا وحذروا من يفتخر بآل فرعون، فإنما هم جهلاء لا يدرون، يفتخرون بالكفار الذين يتبعونهم في الدنيا، فيتبعونهم في نار جنهم يوم القيامة، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
стр. 1313
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣].
لما أخبرنا الله بقصة فرعون وكيف أنه سبحانه أهلكه وأتبعه في هذه الدنيا لعنة، وجعله هو وقومه يوم القيامة من المقبوحين، وجعلهم أئمة يدعون إلى النار، ذكر بعد ذلك للنبي ﷺ أن الله قد آتى موسى الكتاب، يعني: التوراة من بعد هلاك قرون سابقة، يعني: لم يكن هذا الأمر جديداً، ولم يكن بدعاً من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن كما فعل الله بقوم فرعون فعل بقرون سابقة بأقوام قد كفروا بالله سبحانه وكذبوا المرسلين، فأهلكهم الله سبحانه، كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم لوط وأصحاب مدين وغير ذلك من الأمم التي أهلكها الله ، فقد جعلهم الله عبرة، وآتى موسى الكتاب يذكره بهؤلاء كيف صنع بهم.
قوله: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)) أي: أعطيناه وأنزلنا عليه التوراة، ((مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى)) القرون: جمع قرن، والقرن الأمة من الناس الذين يدركهم زمان واحد، فنقول مثلاً: القرن الذي فيه النبي ﷺ ، فكل من رأى النبي ﷺ وعاش مع النبي ﷺ ، ثم عاشوا بعد النبي ﷺ وقد رأوه فهؤلاء قرن، حتى إذا انقرض هؤلاء، فقد انقضى قرن من القرون، ثم قرن يليهم الذين لم يروا النبي ﷺ ، ورأوا أصحاب النبي ﷺ فهؤلاء قرن حتى ينقضي آخر هؤلاء ممن رأى الصحابة، فيأتي قرن آخر وهم الذين لم يروا أصحاب النبي ﷺ ورأوا الذين من بعدهم وهكذا، قرون في أزمنة متتالية، فأهلك الله قروناً كثيرة، إما بالعذاب، وإما بالموت الذي يأتي على الجميع.
قوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: آتينا موسى التوراة بصائر للناس ليتبصروا وليتذكروا، وليعتبروا بهذه التوراة التي أنزلها الله على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿وَهُدًى﴾ [القصص:٤٣] من الضلالة لمن عمل بها.
فإذاً: التوراة تبصرة للناس وكذلك هداية من الضلالة لمن عمل بها ورحمة من الله ، فإنزال الكتب السماوية رحمة من الله للعباد.
كان من الممكن أن يكتفي سبحانه بما جعل في قلوب العباد من فطر تعرف ربها سبحانه ويحاسبهم على ذلك، وقد أخبرنا في كتابه أنه جمع هؤلاء الخلق في يوم من الأيام وفي زمن الأزمنة قبل أن يوجدهم هكذا على هذه الأرض، فأخذهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] هذا ميثاق من مواثيق الله على عباده، لا يذكر العباد هذا الموقف، ولكن الله يذكرنا به: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
كأن الناس وهم في الدنيا يغفلون عن ذلك، ولكن كل إنسان في قلبه ما يدل على خالقه سبحانه، فالذي يقول: لا خالق لا رب لا إله، هذا كذاب شهد الله أن في قلبه ما يدله على الخالق سبحانه، حتى وإن نطق بلسانه بخلاف ذلك.
ومن أفظع وأعظم هؤلاء الكذابين فرعون، هذا الذي قال للناس وأمرهم أن يعبدوه من دون الله، قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، أي: ما علمت من يستحق العبادة إلا أنا، فهذا الكذاب اللعين قال ذلك، وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فلا استقر على هذا الذي قاله ولا استمر عليه حتى مات، بل لما أهلكه الله قال مستغيثاً بالله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠].
هذا الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]، فهذا أعظم الكذابين المفترين قال في وقت هلاكه وغرقه: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠].
صدق الله العظيم حيث أخبرنا في كتابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فكل إنسان مهما تعالى ومهما استكبر ومهما زعم أنه مخلوق بالصدفة، فإن في قلبه ما يدل على خالقه ، ولكنه جاحد، فقال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، فهم يكذبون آيات الله مع معرفتهم أنها الحق، فربنا جعل في قلوب العباد فطراً تدلهم على خالقهم .
أيضاً أخذ عليهم الميثاق الذي غفلوا عنه، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، كذلك جعل في كل إنسان عقلاً يتفكر ويعرف أن كل أثر يدل على المؤثر في هذا الأثر، وكل شيء يدل على واجد هذا الشيء، فالإنسان بعقله لو فكر واستقام عقله وبعد عن الهوى وعن الشهوات وعن العصبيات لعرف أن الله هو خالقه، وأنه الحق الذي يستحق العبادة .
كان من الممكن أن يكتفي ربنا بذلك، ولكن نزل الكتب رحمة منه سبحانه، كما قال هنا: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى﴾ [القصص:٤٣] تبصيراً للناس، فإن كنت متغافلاً فهذه الكتب تدلك على خالقك ، وتدلك هذه الآية على معجزة من معجزات نبيك صلوات الله وسلامه عليه، وتهديك إلى صراط مستقيم.
قوله: ((وَرَحْمَةً)) أي: أن إنزال الكتب رحمة من رب العالمين، لو لم ينزل الكتب لاستحق الخلق عذاب رب العالمين.
قوله: ((لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) أي: لعلهم يتذكرون الآن ما نسوه قبل ذلك، فيهتدون، ولعلهم يذكرون النعم ويعبدون خالق هذه النعم سبحانه، ويقيمون على إيمانهم، ويثقون بثواب الآخرة.
стр. 1314
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر)
قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ذاكراً نعمه عليه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤] يعني: هذه القصة ساقها الله وكرر ذكرها في القرآن، فقد ذكر موسى في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة، وذكر ما أنزله عليه وما فعله بنو إسرائيل معه، وما فعله فرعون معه قبل ذلك، كل ذلك لم يره النبي ﷺ ، ولم يقرأه، ولم يجلس مع أهل الكتاب يحدثونه عن ذلك، ولكن معجزة من معجزاته، فقد جاءهم بالتفاصيل التي حدثت بين موسى وفرعون، فهذه رحمة من رب العالمين على النبي ﷺ ، وآية من آياته، ومعجزة للنبي ﷺ أن أطلعه الله على شيء ما كان يعرفه هو ولا يعرفه العرب الذين جلس معهم ﷺ وهو منهم.
فلذلك يقول الله هنا مذكراً له ولهم بهذه النعمة: أنت لم ترَ ذلك فليتعظ هؤلاء وليتعظ أهل الكتاب، وليتذكروا أن هذا لا ينطق بكذب، قد جاءكم بما قاله موسى وما فعله مع فرعون، وما فعله الله مع بني إسرائيل ومع فرعون، فكيف عرف النبي ﷺ ذلك؟ لا شك أنه وحي من رب العالمين.
فلذلك يقول: ((وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ)) أي: لم تكن بجانب الجبل الغربي، يعني: إذا جئت أنت إليه وجعلت وجهك جهة القبلة يكون هو تجاه الغرب.
قوله: ((إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ)) أي: أوحينا إليه بأمر الرسالة، ((وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ)) أي: لم تشهد ذلك حتى تحدث به، كم بينك وبين موسى؟ آلاف السنين.
стр. 1315
تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر)
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص:٤٥].
قوله: ((ولكنا أنشأنا قروناً)) أي: أوجدنا وخلقنا قروناً يأتيهم رسول يذكرهم، وبعد ذلك يتباعد الزمن بينهم وبين رسولهم فيتطاول عليهم العمر، فإذا بهم يرجعون إلى الكفر وإلى الضلال، فقال: ((فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ)) أي: طالت عليهم السنون فنسوا ربهم .
قوله: ((وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)) أي: لم تكن مقيماً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، يعني: قصة موسى ﵇ مع صاحب مدين، لم تكن أنت معهم حتى تعرف كيف تزوج موسى، وكيف حدثت له هذه القصة التي هي من خصوصيات موسى، عرفها أهل الكتاب وأنتم لم تعرفوها إلا من عند الله سبحانه، حين أخبركم بها.
فقوله: ((وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا)) أي: مقيماً ((فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)) أي: تذكرهم بالوعد والوعيد، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي: أرسلناك إلى هؤلاء كما أرسلنا موسى إلى قومه، وكما أرسلنا شعيباً إلى قومه وهكذا.
стр. 1316
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٦].
أي: لم تحضر جانب الجبل في المكان الغربي منه حيث نزلت الرسالة على موسى ﵊.
قوله: ((إِذْ نَادَيْنَا)) أي: كلمنا موسى وناديناه.
((وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)) أي: رحمة بكم أنتم أيها المؤمنون، بأن أوحى إليكم بهذه الرسالة الخاتمة التي تعظ الناس وتعلم الناس، وهي الشريعة الأخيرة التي تنزل من السماء على الخلق، فرحمكم الله بذلك.
وفي صحيح مسلم قال النبي ﷺ : (إن الله اطلع إلى أهل الأرض فمقتهم جميعهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) أي: مقتهم الله قبل مبعث النبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا على الكفر وكانوا على الشرك بالله، حتى أهل الكتاب كانوا على الكفر والشرك، إلا بقايا من أهل الكتاب ممن عرفوا الله وعرفوا أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وانتظروا النبي ﷺ ، فكان تنزيل هذا القرآن رحمة من الله بالخلق، وإلا لو ماتوا على ذلك لكانوا كلهم في النار.
((وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)) يعني: هؤلاء الذين كان فيهم ﷺ لم يأتهم نذير إلا بقايا من ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ لأن موسى لم يرسل إليهم، لذلك لا يعرفون شيئاً عن شرع موسى، ولم يدعُ هؤلاء، والمسيح عيسى ﵊ لم يدعُ هؤلاء، وإنما بعث إلى خراف بني إسرائيل الضالة، فهؤلاء من قرون لم يأتهم نذير، فلذلك كانوا أهل فترة، حتى جاءهم النبي ﷺ فبلغهم الرسالة، فاستحقوا الوعد واستحقوا الوعيد بعدما جاءهم النذير من رب العالمين، ((وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)).
إذاً: من نعمة الله على النبي ﷺ وعلى الخلق أنه أرسله رحمة للخلق جميعهم، للإنس وللجن، وهذه من خصائصه، قال: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وأرسلت إلى الناس كافة).
стр. 1317
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص:٤٧].
أي: لولا نزلت عليهم بلية وعذاب من السماء، ليس بظلم من الله، ولكن بما كسبت أيديهم، فهؤلاء لو أهلكهم الله بعذاب فإنما ذلك بسبب كفرهم وشركهم، فهم كانوا يعرفون الله سبحانه، حتى ذهب رجل منهم إلى بلاد الشام، فوجدهم يعبدون أصناماً، وهذا الرجل هو عمرو بن لحي الخزاعي فأتى بصنم فوضعه في مكة، فأعجب أهل مكة هذا الصنم، فصنعوا أصناماً مثله حول الكعبة، فكفروا وأشركوا بالله .
قوله: ((ولولا أن تصيبهم مصيبة)) أي: بسبب هذا الذي صنعوه وبكفرهم وبعدهم عن الله، ثم تشريعهم لأنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣] فهم يفترون ويقولون: هذه محرمة؛ لأنها وصيلة، وهذه محرمة؛ لأنها حام، وهذه محرمة؛ لأنها كذا، فيجعلون من الأنعام سوائب يسيبونها، فلا يأكلها أحد ولا ينحرونها بدعوى أنها سائبة متروكة هكذا، ويحرمون أشياء ويقولون: هذه لذكورنا خاصة دون نسائنا، فإذا كانت ميتة فهي للذكور وللإناث جميعاً، وإذا كانت مذكاة فهي للذكور خاصة، نقول: من الذي أحلها هنا وحرمها هنا؟ هم بعقولهم الفارغة يكذبون على الله ويشرعون تشريعات باطلة، فيقول الله سبحانه: ((وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ)) أي: تصيب قريشاً، وتصيب العرب، ((مصيبة)) أي: عذاب من عند الله، ((بما قدمت أيديهم)) أي: من كفر وشرك بالله، فإذا حدث شيء: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص:٤٧]، هذا كلامهم وهذه حجتهم، لم نكن نعرف شيئاً، لو أرسلت إلينا رسولاً لاتبعنا آياتك: ((فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ))، والإنسان في تمنيه يقول ما يشاء، ولكن المحك والاعتبار بما يحدث في الواقع، فالآن نقول لكم: هذا الرسول قد جاء إليكم فماذا أنتم فاعلون؟ هل ستتبعونه أم لا؟ وقبل إتيان الرسول يخبر الله أنه لو تركهم من غير رسول وعذبهم فإنهم يستحقون العذاب، ويوم القيامة سيقولون: لو أرسلت إلينا رسولاً، والله أعلم من الذي سيصدق ومن الذي سيكذب؟ ها نحن أرسلنا إليكم رسولاً، ومع ذلك كذبتموه، فهؤلاء عندما يبعثون يوم القيامة سيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، أي: أخرجنا من النار ولو رجعنا إلى الكفر والشرك فإنا ظالمون، فالله أعلم بما في قلوب عباده، وما الذي يستحقونه، لو عذبهم فهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو رحمهم فبفضله وبكرمه سبحانه.
стр. 1318
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا أتبعه إن كنتم صادقين)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص:٤٨].
يعني: الخلق لا يعجبهم شيء، الله يهديهم وينزل عليهم الرسالة ويرسل إليهم الرسول ولا يعجبهم ذلك، فيطلبون من الله تعنتاًَ ويقولون: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص:٤٨] يعني: هو جاء لنا بقرآن، فنحن نريد أن نرى معجزات، وذلك بأن يأتي لنا بعصا تنقلب ثعباناً، نريد أن نرى يداً تبقى بيضاء مثل الشمس، نريد أن نرى كذا ((لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى)).
كذلك اليهود قالوا هذا الشيء لما أمروا بطاعة النبي ﷺ والدخول في دينه، والعجب أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يبعث صلوات الله وسلامه عليه، يعرفون صفاته بما قرءوه واطلعوا عليه في كتبهم، بل كانوا يتوعدون المشركين بأنه سيبعث رسول، وأنهم سيقاتلون مع هذا الرسول في هذا الزمان، فلما بعث النبي ﷺ كانوا أكثر خلق الله عداوة وبغضاً للنبي صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين، فقال الله سبحانه في هؤلاء المشركين واليهود الذين قالوا: ((لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى))، قال الله سبحانه: ((أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ)) يعني: هؤلاء لم يصدقوا موسى من قبل.
فاليهود ينجيهم الله سبحانه فيكذبون موسى، ولما ذهب موسى لميقات ربه قالوا: ضل موسى عن ربه، وهذا رب موسى عندنا، وذلك لما صنع لهم السامري العجل، ﴿فأخرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]، يعني: موسى نسي إلهه وذهب يبحث عنه فوجدناه أمامنا.
فهؤلاء عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري من دون الله، أليس هؤلاء هم الذين رأوا الآيات التي نزلت على موسى، ومع ذلك كفروا فعبدوا العجل من دون الله سبحانه؟ فاستحقوا عقاب الله، فأمرهم بأن يقتل بعضهم بعضاً بما كفروا وكذبوا على الله سبحانه، فقال الله في الجميع: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص:٤٨]، قوله: ((قالوا سحران)) يعني: التوراة والقرآن سحران اجتمعا مع بعضهما، فلا نصدق هذا ولا ذا، هذا قول المشركين.
قوله: ((قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)) هذه فيها قراءتان: قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((سحران تظاهرا)) يعني: التوراة والقرآن.
وقراءة باقي القراء: ((ساحران)) وهم يقصدون محمداً ﷺ وموسى ﵊، أو محمداً وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
((قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا)) اجتمع بعضهما إلى بعض، ((وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ))، فقال مشركو العرب عن موسى وعن محمد عليهما الصلاة والسلام: سحران أو ساحران تظاهرا، وهذا قول ابن عباس ﵄، أما اليهود فقالوا ذلك عن موسى وعن هارون: ((قالوا ساحران تظاهرا)) ثم صدقوا بهما بعد ذلك.
أو أن المشركين وكذلك اليهود يقولون ذلك عن المسيح وعن محمد صلوات الله وسلامه عليهما، فيقول اليهود عن المسيح: ليس هو المسيح الذي يبعثه الله، وكذلك قالوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فجمع الله أقوال الجميع، ((قالوا سحران)) يعني: عن كتب الله سبحانه التوراة والقرآن، أو عن رسولين من رسل الله: محمد صلوات الله وسلامه عليه والمسيح، أو محمد وموسى.
فإذاً: اليهود كذبوا بالمسيح وكذبوا بمحمد ﷺ ، وأهل مكة الكفار كذبوا النبي ﷺ ومن قبله من الرسل ولم يتبعوا أحداً منهم، ((وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)).
فقال الله سبحانه للجميع: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩]، أي: أنتم تقولون: إن الرب الذي في السماء خلق كل شيء، وتعبدون الأصنام حتى تقربكم إلى الله، فأين دليلكم على ذلك، هاتوا كتاباً من الله يدلنا على أنكم صادقون فيما تقولون؟.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1319
تفسير سورة القصص [٤٨ - ٥٣]
لقد عرف أهل الكتاب من اليهود ما جاء به النبي ﷺ ، واستقر في قلوبهم أنه الحق، ولكنهم عاندوا واستكبروا عن اتباع محمد ﷺ وعن الإيمان به، وقليل من رهبانهم وأحبارهم الذين عرفوا علامات النبي الكريم وآمنوا به واتبعوا الحق الذي أنزل عليه، فاستحقوا بذلك أن يمدحهم الله سبحانه ويثني عليهم.
стр. 1320
ما صد به اليهود المشركين عن اتباع دعوة الحق
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٤٩ - ٥٣].
لما أخبر الله سبحانه ﵎ في سورة القصص عن الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين جاءهم الحق من عند الله : ﴿قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص:٤٨] أي: أن اليهود قالوا عن النبي ﷺ ولقنوا المشركين أن يقولوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص:٤٨].
قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:٤٨] أي: هؤلاء اليهود الذين يلقنون المشركين أن يقولوا ذلك.
فقد كان المشركون يذهبون إلى اليهود يسألونهم: ماذا نفعل مع هذا الرجل؟ وهل هذا الرجل على حق أم لا؟ وهل نحن أهدى سبيلاً أم هو؟ فكان اليهود كعادتهم في الكذب يقولون لكفار العرب: أنتم أهدى منه سبيلاً، مع أن المفترض أن اليهود يعرفون التوحيد، ويعرفون أن هؤلاء المشركين عباد أوثان، وأن عبادتهم باطلة، ومع ذلك يقولون: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، فيكذبون في أمر العقيدة الذي يعرفونه، ويلقنون المشركين أن يطلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم بآية مثلما جاء موسى بآية، فقد جاءنا باليد، وبالعصا التي صارت حية، وجاء بتسع آيات بينات، فاطلبوا مثل هذه الآيات من النبي ﷺ يأتيكم بها إن كان نبياً حقاً، فطلب المشركون من النبي ﷺ ذلك، فقال الله عن هؤلاء اليهود الذين طلبوا من المشركين هذا الطلب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:٤٨]، أي: أن اليهود قد كانوا صدقوا بهذه الآيات ورأوها أمامهم، لكنهم كفروا وعبدوا العجل من دون الله سبحانه، قال الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، فلم تنفعهم هذه الآيات التي جاءت من عند الله سبحانه ليستمروا على التوحيد، ويستقروا على أمر عبادة رب العالمين سبحانه.
قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص:٤٨] أي: أن أول ما جاء موسى اعتقدت اليهود أن ما جاء به موسى سحر، أو قالوا ذلك، أو أنهم كفروا بعد ذلك بموسى، حتى أمرهم الله سبحانه ﵎ أن يقتل بعضهم بعضاً.
فاليهود قالوا: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص:٤٨]، وكذلك المشركون قالوا: سحران تظاهرا أو ساحران تظاهرا، فالمشركون يقصدون بذلك موسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليه، واليهود كأنما يقصدون ما نزل قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو ما جاء به المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فالمعنى أنه ساحر: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص:٤٨] أو أن محمداً والمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ساحران، فقال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ [القصص:٤٨] أي: المشركون واليهود وأهل الكتاب، فإنهم قد كفروا بما جاء من عند الله قبل ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص:٤٨]، أي: المشركون قالوا: إنهم كافرون بما جاء به موسى وبما جاء به محمد صلوات الله وسلامه عليه.
قال الله للنبي ﷺ : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩]، وهذا تحد من الله لهؤلاء، المعنى: إن كنتم صادقين فهاتوا كتاباً من عند رب العالمين يخبر بصدق ما تقولون، ولن يقدروا على ذلك.
قال سبحانه: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص:٤٩] أي: أهدى من القرآن ومن التوراة: ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص:٤٩] أي: هاتوا كتاباً من عند الله يصدق ما تقولون وأنا أتبعه: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩].
стр. 1321
تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم)
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠].
أي: إن لم يستجيبوا للنبي ﷺ بأن يأتوا بكتاب يدل على شركهم ويعينهم على باطلهم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، كما قال الله في سورة هود: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٤].
فالله يخاطب المؤمنين ويقول: اعلموا أيها المؤمنون أن هؤلاء يتبعون أهواءهم، وأن هذا الكتاب العظيم قد جاء من عند رب العالمين: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٤] أي: مستسلمون لرب العالمين، مصدقون ربكم فيما جاء من عنده.
فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص:٥٠] خطاب للنبي ﷺ وللمؤمنين تبعاً له، والمعنى: فإن لم يستجيبوا ويأتوا بدليل وبرهان من عند الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] أي: استيقن من ذلك.
وكان ﷺ يعلم يقيناً أنهم سيتبعون أهواءهم، فأخبره الله سبحانه وأخبر المؤمنين أن يعلموا ويستيقنوا أن هؤلاء أهل باطل، وإن جادلوكم بما يظهر منهم أنهم يبحثون عن الحق فهم كذابون؛ لأنهم يعرفون الحق الذي عليه النبي ﷺ وإنما يتبعون الهوى.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] أي: من أضل من هذا؟
و
الجواب
لا أحد أضل ممن يتبع هواه بغير هداية من الله، ويمشي وراء الهوى، فلن يصل هذا إلى طريق الخير وهو على هوى وعلى ضلال.
قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] بما كسبت أيديهم وبظلمهم استحقوا أن يضلهم الله .
стр. 1322
تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٥١].
أي: أتبعنا هذا القرآن ينزل بعضه وراء بعض حتى يتبين لهم ويعلموا، وهذا كقولك: وصلت لك المعلومة بكل طريقة، فوصلتها لك على هيئة الحكاية والقصة، وعلى هيئة الأمر والنهي، وعلى هيئة الموعظة.
فهذا القرآن العظيم والى الله إنزاله يتبع بعضه بعضاً وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ونصائح ومواعظ، وأوامر ونواهي؛ حتى يتذكروا فيفلحوا، فكأن الله قد أقام عليهم بذلك حجته لما وصل لهم هذا القول بهذا النحو.
يقول ابن عباس ﵁: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص:٥١] أي: أتممنا لهم، والمعنى: لم نزل ننزله شيئاً فشيئاً، حتى أقمنا عليهم الحجة وأتممنا نورنا.
ومن معاني قوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ [القصص:٥١] أي: فصلنا لهم القول.
ومن معانيها كذلك: وصلنا خبر الدنيا بخبر الآخرة، وذكرناهم بأمر دنياهم، وأن يعملوا صالحاً حتى يصلوا إلى الآخرة فينجوا من النار ويدخلوا الجنة.
قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٥١] فيذكرون الله سبحانه ولا ينسون شرعه، ولعلهم يتعظون بهذا الذي جاءهم فينتهون عن عبادة الأوثان.
стр. 1323
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله)
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٥٢].
في هذه الآية مدح الله المؤمنين من أهل الكتاب، وذكرنا أن النبي ﷺ أخبر عن ربه سبحانه كيف أنه نظر إلى أهل الأرض جميعهم قبل أن يبعث النبي ﷺ ، فمقتهم عربهم وعجمهم؛ لأنهم كانوا على الشرك وعلى الضلال والظلم، وكانوا بعيدين عن ربهم ، وكانوا أهل خبث ومنكرات، فمقتهم الله سبحانه، إلا بقايا من أهل الكتاب.
قال هنا سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [القصص:٥٢] أي: من قبل القرآن، ومن قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٥٢]، فلم يؤمن بالنبي ﷺ إلا أعداد قليلة من اليهود لا يصلون إلى العشرة، كـ عبد الله بن سلام ﵁.
أما النصارى فكثيرون منهم آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فمدح الله هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب الذين انتظروا النبي ﷺ ، وقد كان بعضهم سبب هداية سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، فقد كان أبوه من المجوس، وكان صاحب بيت النيران التي يعبدونها من دون الله سبحانه، وكان يحب ابنه سلمان حباً شديداً جداً، حتى إنه من شدة حبه له منعه من الناس، وجعله في مكان حبسه فيه لا يخرج إلى الناس.
وفي يوم من الأيام خرج سلمان رضي الله تعالى عنه، فإذا به يصل إلى راهب في صومعة يعبد الله سبحانه، وكان هذا الراهب من بقايا أهل الكتاب الذين عرفوا التوحيد والحق، فلما رآه سلمان أعجبه ما هو فيه من عبادة لله ، وأنزل الله الهدى على قلبه، واتبع هذا الراهب الذي يعبد الله سبحانه، وهرب من أبيه، فلما عرف أبوه أنه وصل إلى الراهب حبسه في البيت وقيده بالأغلال، حتى لا يخرج من البيت، وإذا بالله يشاء لـ سلمان أن يهرب من أبيه، ودله هذا الراهب على راهب آخر في مكان بعيد؛ ليذهب ويعبد الله معه.
وانطلق سلمان يبحث عن الدين الحق، ووصل إلى هذا الراهب، وعبد الله معه، وقد كان هذا الراهب شيخاً كبيراً في آخر حياته، وقبل وفاته سأله سلمان: من تعهد إليه بي من بعدك؟ لأنه يريد أن يعبد الله سبحانه، فدله على راهب آخر، فلما جاءت هذا الراهب الوفاة دله على آخر، ولم يزل هكذا إلى أن انتقل إلى ما يقرب من ثمانية عشر راهباً، كلما أتت الوفاة أحدهم يوصي به إلى راهب آخر، إلى أن وصل إلى آخر راهب فسأله سلمان ﵁ أن يوصيه براهب آخر، فقال له: لا أعلم أحداً على هذه الأرض على ما كنا عليه -أي: من التوحيد- إلا أنه سيخرج نبي في هذا الزمان الذي نحن فيه، وأخبر سلمان عن صفات هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فسأله سلمان: أين هذا النبي؟ فقال له: في بلاد العرب، فظل سلمان يبحث عن طريقة توصله إلى بلاد العرب، وهو في بلاد فارس، وما كان قد خرج من بيته قبل ذلك، فإذا ببعض العرب يقدمون على المكان الذي هو فيه، فيعطيهم ما معه من مال رضي الله تعالى عنه؛ حتى يوصلوه إلى بلاد العرب وإلى النبي ﷺ ، فأخذه هؤلاء العرب، وكانوا كعادتهم في أخذ أموال الناس واستعبادهم، وعدم رعايتهم للعهود والمواثيق، فأخذوا سلمان وهو رجل حر، فإذا بهم يستعبدونه ويبيعونه لبعض اليهود، وسلمان ينتظر النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وإذا بـ سلمان -وهو فوق شجرة يجني لليهود شيئاً من ثمارها- يسمع يهودياً يخاطب اليهودي الآخر ويقول: إن محمداً قد جاء صلوات الله وسلامه عليه، فكاد أن يسقط من فوق الشجرة ﵁ حين سمع ذلك؛ من شدة فرحه بمقدم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنزل وسأل هذا اليهودي عن النبي ﷺ ، فإذا به يلطمه على وجهه، ويقول: اذهب إلى عملك، فذهب سلمان إلى عمله، وهو عبد رقيق ﵁، وانتظر حتى أتى النبي ﷺ إلى المدينة، وذهب لينظر إليه، هل هو فعلاً النبي الذي حدثه الراهب عنه وذكر له صفاته أم هو غيره؟ فلما أراد أن يتبين أنه رسول، ويعلم أنه لا يأكل الصدقة، أخذ شيئاً من تمر وذهب إليه، وقال: هذه صدقة، فلم يأكل منها النبي ﷺ ، وأعطاها لأصحابه، فعرف علامة من العلامات، وأتاه مرة أخرى بتمر، وقال: هذا هدية، فأكل منه النبي ﷺ ، فعلم أنه رسول ﵊.
وكان يدور حول النبي ﷺ ، ويبحث عن علامة من العلامات التي حدثه عنها الرهبان، وانتبه النبي ﷺ لذلك، فأسقط رداءه ﷺ فكشف عن كتفه ﵊، فنظر سلمان إلى تلك العلامة وهي خاتم النبوة: وهي قطعة من اللحم على ظهر النبي ﷺ كبيضة الحمامة، علامة على أنه نبي، وهذه هي علامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإذا بـ سلمان يقبل النبي ﷺ ، ويؤمن به، ومرت الأيام وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يعينوا سلمان على أن يعتق، فأعانه المسلمون، فأعتقه الله وصار حراً.
هذا ممن آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه من قبل أن يأتي النبي ﷺ ، ومن قبل أن يراه؛ وذلك بسبب أخبار هؤلاء الرهبان من أهل الكتاب الذين أخبروا سلمان أن هناك نبياً يخرج في هذا الزمان.
كذلك عبد الله بن سلام رضي الله ﵎ عنه، فإنه عرف صفات النبي ﷺ من التوراة، فذهب وآمن بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك مجموعات من النصارى الذين كانوا في الحبشة، لما قدموا مع جعفر بن أبي طالب ﵁ من الحبشة إلى المدينة أسلموا وآمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.
وغيرهم من أهل الكتاب ممن آمن بالنبي ﷺ .
يقول عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٥٢] نزلت في النجاشي وأصحابه -وكأن الآية مدح للجميع: من أسلم قبل هجرة النبي ﷺ ، ومن أسلم بعد ذلك- وذلك أن جعفر بن أبي طالب ﵁ هاجر إلى الحبشة، فلما عرف النجاشي بأمر النبي ﷺ أسلم وصدق به، ووجه مجموعة من النصارى للنبي ﷺ ، وكانوا اثني عشر رجلاً، فجاءوا إليه وهو في مكة، وأقاموا عنده، وسمعوا منه، وعرفوا أنه نبي حق ﵊، وكان أبو جهل لعنه الله يراقبهم، فلما قاموا من عنده اتبعهم أبو جهل وقال لهم: خيبكم الله من ركب وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا ركباً أحمق ولا أجهل منكم.
فهذا أبو جهل لعنه الله، يقول لهؤلاء الذين أتوا من الحبشة وصدقوا النبي ﷺ هذا الكلام، وهو الذي بجوار النبي ﷺ قد ذهب عقله، فكان غاية في الغباء لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فلم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يكتف بأنه لم يؤمن، بل صد عن سبيل الله سبحانه من جاءوا ليؤمنوا.
فقالوا لـ أبي جهل بعد أن سمعوا منه ذلك: سلام عليكم، وليس معنى (سلام عليكم) الدعاء له، بل المقصود بها المتاركة، أي: أنت في حالك ونحن في حالنا، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وقد اجتهدنا لأنفسنا في الرشد، فابحث أنت عن نفسك في جهلك وما أنت فيه، فأنزل الله هذه الآية بمثل ما قال هؤلاء، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [القصص:٥٢] أي: من قبل القرآن، أو من قبل النبي ﷺ : ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٥٢].
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٣]، فآمنوا بكتابهم وبالقرآن، وبالنبي ﷺ .
وذكر الله في سورة المائدة أن هؤلاء: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، فقد كانوا نصارى، وجاءوا إلى النبي ﷺ وسمعوا ما قاله من هذا القرآن العظيم ومن كلام رب العالمين، فإذا بهم يبكون متأثرين، ويدخلون في دين رب العالمين سبحانه.
فمدح الله هؤلاء بفعالهم هذه، وقال سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢]، فمن هؤلاء من صدقوا النبي صلوات الله وسلامه عليه لما سمعوا هذا القرآن، فقال الله في وصفهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٢ - ٨٣]، أي: يبكون ويقولون لربهم سبحانه: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المائدة:٨٣] فاجعلنا مع هؤلاء المؤمنين.
فالله سبحانه مدحهم هناك في سورة المائدة، ومدحهم هنا فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٣]، أي: كنا على الإسلام من قبل أن يأتي النبي ﷺ ، ومن قبل أن ينزل القرآن، ف
стр. 1324
تفسير سورة القصص [٥١ - ٥٦]
يخبر الله سبحانه أنه أوصل القرآن إلى الكفار تارة بالقصص وتارة بالمواعظ وأخرى بالأوامر والنواهي لعلهم يتذكرون ويعتبرون، ثم بين أن من أهل الكتب السابقة من آمن بمحمد وأنهم إذا سمعوا القرآن يتلى عليهم يقولون: صدقنا به إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبل أن نسمعه مستسلمين لله رب العالمين، نطيعه ونوحده ولا نشرك به، فكان جزاؤهم عند ربهم أن جعل أجرهم مرتين بسبب صبرهم على أذى قومهم قبل أن يؤمنوا بالنبي، وبسبب صبرهم على أذى الكفار بعد أن آمنوا بالنبي ﷺ .
стр. 1325
توصيل القول إلى الناس لعلهم يتذكرون
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة القصص: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥١ - ٥٦].
يذكر الله في هذه الآية: أنه وصل القول، يعني: القرآن العظيم الذي فيه أوامر رب العالمين، وفيه المواعظ فوصل هذا القول إلى هؤلاء الكفار ليتذكروا وليعتبروا.
وقد جاء بهذا القرآن على مراحل، وفيه الأوامر والنواهي، وفيه القصص، والتذكرة، وفيه غير ذلك من تفاصيل أحكام هذه الشريعة العظيمة، وفيه اعتبار وتذكير بما كان في الأمم السابقة من إعراض عن رسل الله، وما فعل الله بهم، فأنزل القرآن ووصله إليهم.
والقرآن متصل آية وراء آية وحكماً وراء حكم، فقالوا: معنى وصلنا: أي والينا وتابعنا، وأنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضاً، فيه الوعد وفيه الوعيد، وفيه القصص وفيه العبر، وفيه النصائح وفيه المواعظ، وفيه الأوامر وفيه النواهي، فوصل الله بعض هذا ببعض في القرآن العظيم.
ووصلنا: من وصل الحبال، وهو أن يوصل الحبل بحبل آخر ليصل إلى المكان الذي يريده، فوصل الله القرآن إلى أفهامهم، وإلى أسماعهم وقلوبهم عن طريق إتيانهم بأمر أو بنهي أو بقصة أو بموعظة، فوصل لهم القول لعلهم يتذكرون، فيرجعون إلى ربهم سبحانه.
قال سبحانه في مدح الذين آمنوا من أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [القصص:٥٢] أي: التوراة والإنجيل، فعرفوا أن هذا الزمان يخرج فيه نبي يبعث إلى الناس، فانتظروا النبي ﷺ وآمنوا به.
قال سبحانه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٥٣] يعني: القرآن العظيم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٣] أي: كنا متبعين لأنبيائنا على ملة الإسلام والاستسلام لرب العالمين، والطاعة والانقياد للرب .
стр. 1326
تفسير قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا)
قال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص:٥٤].
فقد مدحهم الله سبحانه بأنهم صبروا على أوامر كتبهم، وصبروا على ما جاء في القرآن العظيم فتابعوا النبي ﷺ ، وصبروا على ما ابتلاهم الله به في الدنيا من أذى الكفار، وصبروا على الطاعة وصبروا عن المعصية، فلهم أجرهم مرتين عند الله .
وقد عرفنا من القرآن أن الحسنة بعشر أمثالها، وهؤلاء حسناتهم مضاعفة، فلهم أجران وكل من الأجرين مضاعف إلى ما يشاء الله .
فإن كان غيرهم يضاعف له إلى عشرة أمثاله فهؤلاء إلى عشرين، وإن كان غيرهم إلى سبعمائة ضعف فهؤلاء إلى ألف وأربعمائة ضعف، وإذا كان غيرهم إلى أكثر من ذلك فهؤلاء يضاعف لهم مرتين.
قيل: بسبب أنهم صبروا في دينهم وتابعوا الحق، ووحدوا الله، ولم يشركوا بالله، فكانوا قد أوذوا في دينهم؛ لأن النصارى اختلفوا إلى فرق، فالفرقة التي وحدت الله صارت منبوذة بينهم، والذين أشركوا وقالوا المسيح ابن الله، وقالوا اتخذ الله الصاحبة والولد، هم الذي غلبوا فآذو الموحدين، فصبروا على ذلك في دينهم فلما جاء الإسلام دخلوا في دين النبي ﷺ ، فابتلوا وصبروا على ذلك فكان لهم الأجر المضاعف.
стр. 1327
الأصناف الذين لهم أجران
ورد عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران) هذا أحد الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين فقد آمن مرتين: آمن بنبيه ثم آمن بنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فاستحق أن يؤتى الأجر مرتين على إيمانه بنبيه وعلى اتباعه للنبي ﷺ وتصديقه.
قال النبي ﷺ : (وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده فله أجران) الإنسان يحب أن يكون حراً، بل يفتخر بأنه حر، ولكن أخبر هنا أن العبد المملوك يؤتى أجره مرتين، أي: أكثر من أجر الإنسان الحر، لأنه صبر في الدنيا على ذل الرق فأطاع سيده كما أمره الله ، وأطاع ربه فيما أمر، فكان له الأجر مرتين، ولذلك يقول أبو هريرة ﵁: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك).
لأنه لو كان مملوكاً لم يقدر أن يجاهد فالجهاد ليس فرضاً على المملوك، وإنما فرضيته على الحر، كذلك الحج هو فريضة على الحر، وليس على العبد، قال (وبر أمي) ولو كان عبداً لانشغل بسادته الذين يملكونه فلم يقدر على الجمع بين بر الوالدين وبين حق السيد.
وجاء في حديث النبي ﷺ في صحيح مسلم: (نعماً للملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعماً له) يعني: له عند الله الأجر العظيم على ذلك.
وهنا في الآية ذكر الله واحداً من الثلاثة، وهو رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم بنبينا ﷺ .
قال النبي ﷺ : (ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) الحديث في صحيح مسلم ولفظ البخاري قال: (فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها) أي: رجل كان عنده أمة يملكها، وهذا أقوى من الزواج، ومع ذلك فهذا الرجل الذي عنده هذه الأمة أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وغذاها فأحسن غذائها، حتى صارت كبيرة جميلة مرغوباً فيها لأدبها وعلمها وجمالها، ولو أنه باعها لباعها بمال كثير جداً ولكنه من عليها فأعتقها، ومن عليها مرةً أخرى فتزوجها فصارت امرأة مع زوجها وليس أمة مع سيدها، فالذي يفعل ذلك يشكر الله له صنيعه، ويعطيه الأجر مرتين.
قال الله في هذا الذي آمن من أهل الكتاب قال: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤] أي: بسبب صبرهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص:٥٤] وهذه من صفاتهم الجميلة أنهم يدفعون الإساءة بالإحسان، أي: يدفعون بإحسانهم سيئات غيرهم، أو: سيئات أنفسهم، فما أساءوا فيه درءوه بالإحسان بعد ذلك فيتوبون إلى الله ويعملون الصالحات، وإذا أساء لهم غيرهم فلا يدفعون السيئة بالسيئة، ولكن يدفعون السيئة بالحسنة، أي: بالصبر وبحسن الخلق يدفعون ما ينالهم من أذى من غيرهم، والله مدح هذه الصفات، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦].
فالله أمر المؤمنين أن يدفعوا بالحسنى، فإذا أساء إليك إنسان فأحسن إليه لعل الله أن يقلب حاله ويغيره فيصير ولياً حميماً.
وقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص:٥٤] فيها معنيان كما ذكرنا أنهم يدرءون بإحسانهم سيئات غيرهم إذا أساءوا إليهم، وهذا من حسن الخلق.
والأمر الثاني: أنهم رجاعون تائبون إلى الله ، فإذا أساء أحدهم سرعان ما يتوب ويفيء، ويستغفر ربه سبحانه.
قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص:٥٤] أي: هم أهل كرم ينفقون ويحسنون إلى الفقراء وإلى المساكين وإلى أقربائهم، وإلى الغرباء عنهم، فينفقون مما رزقهم الله سبحانه.
وفيه التنبيه على أن الإنسان مهما أحسن فأنت لا تحسن من فضلك، وإنما من فضل الله ومن كرمه، فبين أنه رزقه هو سبحانه ((َمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)) أي: أعطيناهم، فهم أنفقوا من رزق الله ومدحهم على فضله وعلى كرمه سبحانه.
стр. 1328
تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه)
قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص:٥٥].
هذه من الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المؤمن، واللغو: هو الكلام الفارغ الرديء الذي ينبغي أن يلغى ويطرح.
فهم إذا سمعوه لم يجيبوا صاحبه إلا بالكلام الحسن، فإذا استمر صاحبه على ذلك أعرضوا: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].
ويقولون: سلام عليكم، والسلام هنا بمعنى المتاركة يعني: أنتم على حالكم ونحن على حالنا فابعدوا عنا فليس لنا بكم شأن.
﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] أي: يقولون لهؤلاء: أنتم أهل جهالة وأهل باطل، ونحن لا نريد أن نكون مع أهل الباطل فنحشر معهم، هذا الذي ذكره الله من الأخلاق الحسنة هي في تعاملهم مع المسلمين، وفي تعاملهم أيضاً مع الكفار، فهم يدعونهم إلى دين رب العالمين فإذا لم يجدوا منهم استجابة أعرضوا وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
وهذا معنى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] أي: أنتم على الضلالة ونحن أبعد الناس عن ضلالاتكم، فدينكم يختص بكم، وأنتم تسألون عنه عند الله سبحانه، ولنا ديننا دين الإسلام.
أما أن يجهل الكفار على المسلمين ثم يقولون: سلام عليكم، فهذه السورة مكية، وقد نزلت حين كان يتعرض المسلمون للأذى ولا يقدرون على دفعه، فلما هاجروا وفرض عليهم الجهاد أمرهم الله بالرد على الكفار، فيكون (سلام عليكم) في معرض الجدل، إذا كان هناك جدل بين المسلمين وبينهم ولم يصلوا إلى شيء فنقول: لكم دينكم ولي دين.
أي: انتهى الأمر.
أما إذا اعتدى الكافر على المسلم بالإساءة وبالبذاءة باليد وباللسان، وبالحيل والمكر، فإن الله أمر المسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم وأن يدافعوا عن دينهم، وأن يجاهدوا هؤلاء، قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] وهذه الآية تسمى آية السيف، نسخت كل ما في القرآن من أمر بموادعة ومتاركة ومسالمة الكفار.
إذاً: نسالمهم إذا كانوا يسالموننا، أما أن يبدأ الكافر بأن يؤذي المسلم أو يقاتل المسلمين ثم يقولون سلام عليكم فهذا لا يكون أبداً، فإن جميع ما جاء في المسالمة والمتاركة كان في العهد المكي، أما في العهد المدني فقد أمر الله المؤمنين بالجهاد في سبيل الله سبحانه، وبذلك يقول العلماء: إن هذه الآية مع الكفار نسختها آية السيف، يعني: أن الآية ليست منسوخة كلها، ولكن إذا سمعوا اللغو والبذاءة والإساءة من الناس، هؤلاء الناس إما أن يكونوا مسلمين، وإما أن يكونوا كفاراً، فإذا كانوا مسلمين فادفع بالتي هي أحسن لعله يستحيي من نفسه فيتوب إلى الله ، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤١].
فللمسلم أن ينتصر ممن آذاه من المسلمين فكيف بالمشركين؟ كيف بالكفار الذين يؤذون المسلمين في دينهم وفي ديارهم؟ فقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] بمعنى: متاركة بيننا وبينكم هذا إذا لم يصل الكفار للأذى في دين المسلمين ولم يقاتلوهم؛ لكن إذا كانوا يدفعون المسلم ليقع في الخطيئة وليقع في الكفر ويترك دين الله ، فعليه حينئذٍ أن يجاهدهم كما أمر الله .
стр. 1329
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)
قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦].
هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه بإجماع المفسرين، كان النبي ﷺ في غاية الحزن عليه لأنه لم يدخل في دين الإسلام، فقد كان يود لو أنه قال كلمة لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، ولكن أبى الله إلا أن يموت على ما هو فيه، فالرجل أبى أن يقول لا إله إلا الله، وآخر كلمة نطق بها قال هو على ملة عبد المطلب، فهنا الله يواسي نبيه ﷺ ويقول له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦].
أي: الأمر ليس بيدك أنت، ولكن الهدى هدى الله ، فهذا العباس عم النبي ﷺ هداه الله ، وهذا حمزة عم النبي ﷺ هداه الله ، وهذا أبو طالب لم يهده الله وأضله، وهذا ابنه عقيل بن أبي طالب وابنه جعفر بن أبي طالب هداهم الله للإسلام، وعقيل بن أبي طالب استمر على الكفر وما دخل في الإسلام إلا متأخراً، فصار بعد ذلك مسلماً.
فالله يهدي من يشاء، والهدى هدى الله ، فأعمام النبي ﷺ كان منهم من يؤذيه، ومنهم من يدافع عنه، ومنهم من دخل في دينه، وكان أبو لهب يؤذي النبي ﷺ ، وهو عم النبي ﷺ ، وأشد الناس إيذاءً للنبي ﷺ ، فقد كان يمر النبي ﷺ في الطريق يدعو الناس، فيسير وراءه يقول: هذا كذاب، لا تصدقوه أنا عمه أنا أعلم به، فيكذب النبي ﷺ ، فإذا حضر النبي ﷺ الموسم في الحج، ودعا الناس إلى دين الله كان يكون وراءه يكذبه، صلوات الله وسلامه عليه.
وابنه عتبة بن أبي لهب كان زوجاً لبنت النبي ﷺ ، قال لأبيه: لأوذين محمداً ﷺ فذهب وفرح أبوه بذلك وكانا ذاهبين إلى الشام أبو لهب وابنه عتبة بن أبي لهب فأتى النبي ﷺ وكذبه وقال له عن نفسه إنه كافر بالنجم إذا هوى، وكافر بما جاء في القرآن العظيم، ثم طلق ابنة النبي ﷺ وفعل أفعالاً شنيعة، فالنبي ﷺ دعا عليه وقال: (سلط الله عليك كلباً من الكلاب) وخرج الرجل وذهب إلى أبيه مسروراً أنه آذى النبي ﷺ وأنه طلق بنت النبي ﷺ .
فلما وصل إلى أبيه قال له ذلك: ففرح أبوه ثم سأله: ماذا قال لك؟ قال: ((سلط الله عليك كلباً من كلابه)) فأبوه خاف من هذه الكلمة، وخرج إلى الشام ومعهم مجموعة من الناس، ولما وصلوا إلى بعض الطريق نظر إليهم راهب من صومعته، وقال: ما أتى بكم إلى هذه الأرض فإنها أرض مسبعة يعني: فيها أسود كثيرة، فخاف أبو لهب وتذكر دعوة النبي ﷺ على ابنه فجمع من معه في الرحلة، وقال: ألست كبيركم؟ أليس لي حق في السن والكبر عليكم؟ قالوا: بلى قال: فاحموا ابني فإن محمداً دعا عليه.
ولا يغني حذر من قدر، فلما قال ذلك جمعوا أمتعتهم بأمره ووضعوا بعضها فوق بعض ونام فوق الأمتعة عتبة بن أبي لهب لعنة الله عليه وعلى أبيه، فلما نام ناموا حوله يحرسونه، وجاء الأسد بالليل فجعل يشمهم واحداً واحداً حتى انتهى منهم، ثم وثب فوق المتاع فعصر رأسه بأنيابه فأخذه فقتله لعنة الله عليه.
وكم تمنى النبي ﷺ أن يؤمن هذا الإنسان فلم يؤمن هو ولا امرأته ولا ابنه لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم، وما آمن أبو طالب ولكنه دافع عن الإسلام، ولذلك حزن عليه النبي ﷺ ، ودافع أيضاً عن النبي ﷺ وكان موجوداً حين جاء عتبة بن أبي لهب إلى النبي ﷺ ، فشتم النبي ﷺ وطلق ابنته وعابه وعاب القرآن فلما دعا عليه ﷺ قال أبو طالب: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة.
لقد قالها لأنه يعرف أن دعوة النبي ﷺ لا بد وأن تستجاب فاستجاب الله دعوته وقتل عتبة الكافر، وسلط عليه كلباً من كلابه أكله، لقد علم أبو طالب بذلك ومع ذلك لم يسلم.
نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1330
تفسير سورة القصص [٥٦ - ٥٨]
إن الهداية مطلب عظيم، ولكن لا ينالها كل الناس، بل ذلك يرجع إلى علم الله وتقديره هداية هذا وإضلال ذاك، وكل ذلك بحكمة منه تعالى، فهو يفعل ما يريد، فعلى المرء أن يطلب طرق الهداية ليسلكها، ولا يخاف من قول الحق، فإن الوقوف مع الحق آخره إما فوز في الدنيا والآخرة أو شهادة في الدنيا لنيل الآخرة كذلك، وكم أهلك الله من الظلمة والمتكبرين فكانوا عبرة لغيرهم.
стр. 1331
الهداية والضلال بيد الله
стр. 1332
يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة القصص: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٦ - ٥٨].
يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات بقوله للنبي ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، فيخبرنا أن الهدى بيد الله سبحانه ﵎.
فالله سبحانه ﵎ الحكم العدل، لا يجري شيء في الكون إلا بعلمه وبقضائه وبقدره، فإذا هدى إنساناً فهذا محض فضل منه سبحانه، وإذا أضل إنساناً فهذا محض عدل منه سبحانه ﵎.
فيهدي من يشاء، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله، والناس يتقلبون بين فضله وعدله ، ولو حاسب الناس بعدله لأدخلهم النار؛ لأنه لا يقدرون أن يجازوا ربهم سبحانه على نعمه التي أعطاها لهم، ولا يشكرونه ولا يقدرونه حق قدره ، ولا يقدرون على شكر نعمة واحدة من نعمه عليهم.
ولذلك عندما يدخل المؤمنين الجنة إنما يدخلهم بفضله.
ويؤكد لنا هذا المعنى النبي ﷺ بقوله: (إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) فالعمل لا يصلح أن يكون ثمناً للجنة، فالجنة أغلى من عمل الإنسان.
والإنسان يقدر ذلك بما في الدنيا، فلو أنه رأى بستاناً عظيماً، وقصراً مشيداً وأرضاً واسعة، ثم أراد أن يشتريها وليس معه شيء، فقيل له: اعمل واشتغل لنعطيك هذا البستان، فماذا سيعمل هذا الإنسان؟ وكم سيتعب في عمله من أجل أن يشتري هذا البستان؟ فإذا كان هذا في الدنيا فكيف بجنة عرضها السموات والأرض! وأقل ما يكون للإنسان فيها مثل ملك من ملوك الدنيا عشر مرات، فلو تخيلنا ملكاً من ملوك الدنيا يملك بلداً من البلاد فهل يستطيع أحد أن يشتري هذه البلاد، مهما عمل بماله ومهما كسب من شيء؟
الجواب
لا إذاً فهذا هو الفضل من الله ، يؤتي الإنسان من فضله .
يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ويقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله﴾ [آل عمران:٧٣].
فقد أحب النبي ﷺ أن يهتدي عمه أبو طالب ولم يقدر الله ذلك فمات على الكفر، فقال الله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] فهدى الله من شاء من خلقه فدخل في دين رب العالمين سبحانه، كما هدى حمزة بن عبد المطلب والعباس، فهذا عم النبي ﷺ ، وهذا عمه، ولكنه أضل أبا طالب، وأضل أبا لهب، فهدى الله من شاء وأضل من شاء.
قال: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]، فقد يقول الإنسان: لماذا ربنا هدى فلاناً وفلاناً أضله؟ وهذا الذي أضله الله قد يراه البعض إنساناً طيباً ومهذباً، وإنساناً رقيقاً ولكنه لا يصلي، وقد نرى إنساناً آخر قد تكون فيه شراسة ونفور ولكنه يصلي؟ فنتأمل هذا الإنسان الذي على خلق، لماذا لا يصلي؟ فالصلاة نعمة عظيمة من نعم الله ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعلى الأقل هذا الإنسان إن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر وهو مصل فإنها تنفعه يوم القيامة، فهذا في قلبه كبر وإن أظهر للناس تواضعاً وأدباً، فإنه يستكبر على ربه سبحانه فلا يصلي ويقول: المهم القلب والمعاملة مع الناس!
стр. 1333
الهداية والإضلال راجعان إلى علم الله
قد ترجع إلى نفسك وتقول: الله أعلم بما في القلوب، فقد يكون الإنسان في المعاصي وفي الفجور، وفجأة يأتي عليه الهدى من الله ، ألم يهد الله عمر بن الخطاب رضي الله ﵎ عنه، وكان على ما كان من أمر الجاهلية؟ وقد كان أراد أن يقتل النبي ﷺ يوماً من الأيام.
وقتل ابنته ووأدها يوماً من الأيام، فإذا بالله يعلم من قلبه أنه يصلح للإيمان فهدى قلبه، فكان من أرق الناس على المؤمنين، ومن أخوف الناس لرب العالمين، وصار إيمان عمر يوزن بإيمان الأمة غير النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله ﵎ عنه.
ف
الجواب
أن الهدى راجع لعلم الله سبحانه ﵎، ولذلك قطع عليك التفكر في ذلك، ستقول لربنا: لماذا؟ يقول لك الله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، لا تتدخل في شيء ليس من حقك، ولا من إرادتك، ولذلك قال الله لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] إذاً غيره يسكت من باب أولى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
وقد أراد النبي ﷺ لرقة قلبه أن يذهب ويزور قبر أمه ﵊ فاستأذن ربه فأذن له، ولما وصل إلى قبر أمه حن لأمه ﵊ فهي ماتت وله ست سنوات ﵊، وكانت رقيقة مشفقة عليه ﷺ ، ورأت رؤيا عظيمة أنه يخرج منها نور أضاء ملك كسرى وغيره، فهذه المرأة ماتت قبل الإسلام، فأحب أن يستغفر لها ﷺ ، فمنع من ذلك ﵊، فبكى بكاء شديداً ﷺ ، وبكى حوله الصحابة، وسألوه عما يبكيه ﵊، فأخبر أنه استأذن ربه أن يزور قبر أمه فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فمنع من ذلك.
إذاً: هنا الأمر ليس بيد الإنسان، إنما الأمر بيد الله وحده لا شريك له، ولذلك يقول الله عن نبيه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٣ - ٤٦] أي: لأخذناه أخذاً قوياً وعاقبناه عقوبة شديدة، وقطعنا نياط قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وحاشا له أن يتقول على الله رب العالمين ﵎.
فإذا قيل ذلك للنبي ﷺ ، فمن من الناس يكون له درجة تقرب من درجته ﷺ حتى يتألى على الله وحتى يتكلم على الله بما لم يقله الله رب العالمين، وحتى يعترض على قضاء الله وقدره؟ قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] أي: وهو أعلم بمن يستحق الهدى، وقد كان النبي ﷺ يدعو ربه أن يؤيد الإسلام بأحد العمرين عمر بن الخطاب أو أبي الحكم الذي هو عمرو بن هشام أبو جهل، ولكن الله يعلم أن عمر هو الذي يستحق ذلك، فهدى عمر، وأما عمرو فمات على كفره، وقتل في يوم بدر، وألقي ملعوناً في القليب.
стр. 1334
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧].
فالكفار لما رأوا الآيات وعرفوا الحق الذي جاء من عند رب العالمين، أرادوا أن يتعللوا من عدم دخولهم في هذا الدين، فتعللوا بأنهم خائفون، وقالوا: إن نتبع الهدى معك فإن العرب كلها ستأتي علينا في أرضنا وتقاتلنا، ونحن لا نقدر على قتالهم.
قال ابن عباس ﵄: قائل ذلك من قريش هو الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي، قال للنبي ﷺ : إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا.
يعني: لاجتماع العرب على مخالفة النبي ﷺ ، قال: ولا طاقة لنا بهم ولا نقدر عليهم.
فلما قالوا هذا الكلام للنبي ﷺ أنزل الله ما يبين لهم أين ذهبت عقولهم؟! وأي عرب ستأتي إليكم في أرضكم؟! قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص:٥٧] أي: أنتم في الجاهلية كنتم أضعف الناس ولم يستطع أي أحد أن يأتي إليكم في مكة ويأخذ هذه الأرض، حتى أبرهة الذي جاء من اليمن بجنود لا حصر لها، وجاء بفيل يريد أن يهدم الكعبة ولم تقدروا له على شيء فخرجتم وتركتم مكة بما فيكم عبد المطلب جد النبي ﷺ ، وقام عبد المطلب يخاطب أبرهة عن إبل أخذها منه، وكان أبرهة كبره جداً، ونظر إليه أنه كبير مكة، وأنه جاء يفاوضه في أمر هدم الكعبة، فإذا بـ عبد المطلب يفاوضه في أمر إبله، فكأنه استقله فقال له عبد المطلب: إن الإبل أنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه.
وخرج أهل مكة ينتظرون ماذا سيكون، وجاء أبرهة بجنوده، وإذا بالفيل يتردد ويتراجع، فإذا بهم ينخسونه وهو يرجع مرة أو مرتين أو ثلاث مرات، ونزل العذاب من عند رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٣ - ٥] فإذا بهم يصيرون كطعام أكل وخرج من دبر الدابة، هكذا كان أمر هؤلاء الذين أرادوا أن يهدموا البيت وأن يذلوا أهل مكة.
فإذا كانوا في الجاهلية وهم يعبدون غير الله ويشركون بالله، قد دفع الله عنهم الأذى، أيتركهم في الإسلام وهم الموحدون لله رب العالمين؟ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] أي: أليس نحن من فعلنا بهم هذا الشيء، فأين شكر هذه النعمة؟! وكيف لا يثقون في الله وهو الذي آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع.
قوله: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] أي: ينقل إليه ويحضر إليه ويؤتى بهذه الثمرات إلى مكة، ومكة ليست بمكان زرع، ولكن الله منّ على أهلها أن يجبى إليها الثمرات من كل مكان: من اليمن ومن الشام وغيرها، وتجد فيها فاكهة الصيف وفاكهة الشتاء.
﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ [القصص:٥٧] أي: تأتي إلى هذا الحرم من كل أرض ومن كل بلد تأتي إليه هذه الثمرات، فإذا كان الله قد منّ عليكم بالأمان في الجاهلية وبالطعام الذي يؤتى إليكم من كل مكان، أفلا تشكرونه وتثقون فيه .
قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ [القصص:٥٧] هذه قراءة الجمهور بالياء.
وقراءة نافع وأبي جعفر ورويس عن يعقوب: ((تجبى إليه ثمرات كل شيء)) بالتاء.
قوله تعالى: ﴿رِزْقًا﴾ [القصص:٥٧] حال أي: حال كونها رزقاً من الله ، أو أنها تمييز فهذه الثمرات رزق من الله .
قوله: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧] إذا نسب الرزق إليه سبحانه فمعناه أنه رزق عظيم جداً يتحير الإنسان فيه، فعندما يذهب الذاهب إلى هناك في أي وقت من الأوقات يجد الفواكه من كل مكان، وهذا من كرم الله على أهل هذه البلدة ببركة دعوة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعاء نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧] أي: من عندنا.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧] أي: لا يعلمون نعم الله أنه الذي يعطي هذه النعم ويسوقها إليكم، وهو الذي يمنع عنكم النقم ويدفعها عنكم، فهو القادر سبحانه على كل شيء، ولكنهم نسوا كل ذلك.
стр. 1335
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها)
قال الله سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص:٥٨].
أي: إذا كان الأمر على ذلك وأنتم تتكبرون عن دين رب العالمين، فلا تنسوا كم أهلكنا من قرى عظيمة.
والقرية معناها: المدينة، وصار عندنا العرف أن القرية بمعنى الريف، أما في لغة العرب ولغة القرآن فالقرية بمعنى البلد.
ولذلك فإن الله سبحانه ﵎ قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩] يعني: من أهل البلدان.
قالوا: لأن أهل البلدان يتميزون عن أهل الريف وعن أهل البادية برقة الطباع؛ لأن البلد تجمع أناساً كثيرين، والإنسان مع احتكاكه بالكثير من الناس يكون أليفاً رقيقاً، ويعرف التخاطب مع هذا ومع هذا، وأما مع قلة العدد فيتعلم الإنسان النفور والجفاء ويتعلم الغلظة، ومع قلة العدد قد يترأس عليهم.
فلذلك كان في أهل البادية الغلظة وكانوا أجلافاً، ولكن أهل المدن فيهم رقة الطباع، فجعل الله منهم المرسلين، ومنّ على أهل القرى أن جعل الأنبياء منهم.
قال الله سبحانه ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص:٥٨] والبطر هو: أن الإنسان يتكبر على نعمة الله سبحانه ﵎، فيطغى بهذه النعمة، ويعطيه الله مالاً فيتكبر على الخلق، وينظر إلى نعمته أنه مستحقها، وأنه لا أحد مثله في هذا الشيء، فيطغى على الخلق ويستكبر عليهم.
فهذه القرى ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص:٥٨] أي: أغناهم الله وأعطاهم الرفاهية والغنى، فكان الواجب عليهم أن يعبدوا الله وأن يشكروه، ولكن بطروا، فلما بطروا أهلكهم الله سبحانه ﵎.
قال: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [القصص:٥٨] أي: ديار الأقوام البائدة في كل بلد من البلدان صارت آثاراً لا يسكنها أحد، فتذهب إلى أسوان فترى آثار الفراعنة، ولا أحد يسكن في هذه الأماكن، والله قال: ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [القصص:٥٨] أي: صارت الديار دياراً خربة، ليس فيها أحد.
وكذلك قرى عاد، وقرى ثمود، وقرى الفراعنة، وغيرهم ممن أهلكهم الله سبحانه، وترك مساكنهم لتنظروا وتعتبروا.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٦ - ٧] فالذي يذهب يجد قصوراً عالية، وأعمدة فخمة، وسقوفاً منقوشة، وأهلها كانوا في هذه الأماكن عمروها وعاشوا فيها ما شاء الله ، فلما استكبروا إذا بالعذاب يأتيهم من عند الله سبحانه، وكم من قرى قد غطتها الرمال، والآن ينقبون عنها فيخرجون قصوراً كاملة موجودة بداخلها، فضرب لنا الأمثلة بذلك حتى نعتبر.
قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨] أي: كنا نحن الذين ورثنا هذا كله ورجع إلينا ما أعطيناهم، وكذلك يرث الأرض ومن عليها، فليعمل الإنسان المؤمن بحق وبإخلاص؛ لعل الله أن يجعله من أهل الجنة، وأن يمن عليه بنعمه سبحانه.
следующие страницы →