← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه)

стр. 37

الهدف الأسمى من إرسال الرسل هو الدعوة إلى التوحيد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٢٥ - ٣٢]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات أنه لم يرسل من قبل النبي ﷺ رسولاً إلا بأهم شيء خلق الله الخلق من أجله، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. فقوله: ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، هذه هي دعوة المرسلين لقومهم؛ يدعونهم إلى توحيد الألوهية، فقد كانوا يعرفون توحيد الربوبية، أي أن الله هو الرب سبحانه، الذي يخلق، والذي يرزق، والذي ينفع، والذي يضر، والذي يعز، والذي يذل، الذي بيده أقدار الخلق، كانوا يعرفون أنه الله ولكنهم كانوا لا يفردون الله بالعبادة، بل كانوا في الغالب يعبدون غير الله من الأصنام أو الملائكة أو الجن أو البشر، وقد ينصب بعضهم نفسه إلهاً على الناس ليعبدوه من دون الله. فربنا سبحانه ما أرسل من رسول إلا بهذه الدعوة، وهي أن يدعو الخلق إلى لا إله إلا الله، يدعوهم ليكونوا مسلمين لله رب العالمين ، فمن عهد آدم ﵇ والأنبياء يدعون إلى دين الإسلام، أي: الاستسلام لله بأن يسلم العبد نفسه لربه يتصرف فيه كما يشاء، يأمره بما يشاء، يشرع له ما يشاء، فهو الذي بيده مقاليد خلقه جميعهم. فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء:٢٥]، إلا بهذه الدعوة، ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقراءة الجمهور: (إلا يوحى إليه)، وحفص قرأها: ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، أي: الله يوحي إليه. والوحي من الله ، وهو العلم الذي ينزله على نبي من أنبيائه وصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك بأن يرسل رسولاً من السماء، أو يلقي في روع النبي الأمر، وهذا الأمر أو الوحي هو: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، أي: فاعبدني وأمر قومك أن يعبدوني.

стр. 38

معنى لا إله إلا الله ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. كلمة (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله ، فلا يصح أن تقول: لا معبود إلا الله؛ لأن هناك معبودات كثيرة تعبد من دون الله، ولا يصلح أن تقول: لا رب إلا الله؛ لأنه لم يرسل الرسل من أجل أن يقولوا لا رب إلا الله؛ لأن أغلب الخلق يعرفون أنه لا رب إلا الله، إنما أرسلوا من أجل أن يدعوا إلى لا إله إلا الله. ومقتضى الربوبية هي أفعاله هو ، والتي لا يشاركه غيره فيها، أي: أنه هو الرب، الخالق، الرازق، المحيي، المميت ، ومقتضى الألوهية أفعال من خلقه تتوجه إليه ، فلذلك أرسل إليهم الرسل حتى يعبدوه وحده ويتركوا عبادة غيره، فكل الشرائع جاءت بذلك، وإن اختلفت شرائع المرسلين في الأحكام من الحلال والحرام، وفي كيفية بعض العبادات، أما في التوحيد فلا يوجد اختلاف أبداً، فإنه ما أنزل كتاباً ولا أرسل رسولاً إلا ليدعو إلى توحيده سبحانه بأن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً. إذاً: كلمة (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود يعبد حقاً إلا الله وحده لا شريك له، قال سبحانه: ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، أي: فأمرهم سبحانه أن يعبدوه، وهذه أيضاً فيها قراءتان عند الوقف عليها، فالجمهور يقفون بالنون، أما يعقوب فوقف عليها بالياء ﴿فَاعْبُدُونِي﴾ [الأنبياء:٢٥].

стр. 39

تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء:٢٦]، الذين قالوا ذلك هم المشركون. وقيل: نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، فادعوا أن الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناث، وكذبوا في ذلك، وادعوا أن الملائكة بنات الله . وهؤلاء ما أعجب جهلهم! لأن الواحد منهم يأنف أن تكون له بنت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، ويأخذ الأنثى ليئدها ويدسها في التراب، ثم ينسبها لأعظم الخالقين ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، يقول: إن الله خلق الملائكة واتخذها إناثاً، وإن الملائكة بنات الله من صاحبة الله حاش لله . فزعم هؤلاء الكفار أن الملائكة بنات الله، لذلك كانوا يعبدونهم طمعاً في شفاعتهم لهم، ثم جاء اليهود وطوائف من الناس فقالوا: إن الله خاتن إلى الجن، والملائكة من الجن، ومعنى خاتن أي: اتخذهم أصهاراً وله زوجة من هؤلاء وله أولاد! وحاشا لله أن يكون له ذلك. قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [الأنبياء:٢٦]، سبح نفسه ، و (سبحان) مصدر من الفعل: أسبح، تقول: أسبحه تسبيحاً، وأصلها: أبرئ الله سبحانه من كل سوء ومن كل نقص ومن كل عيب، وهذا معنى التمجيد، أي: أنه لا يمس بسوء ، ولا يعتريه سوء أو نقص حاش له سبحانه. ومن معاني كلمة (سبحان): الخفة والإسراع إلى الشيء، وأصلها من سبح، ومنها السباحة، يقال: فلان يسبح، أي: يعوم في البحر بخفة، فقولك: سبحان الله، معناه: أسارع خفيفاً إلى طاعة الله ، يعني: لا أتثاقل عن طاعته وعن عبادته . و (سبحان) أيضاً كلمة تعجب من القول عندما يكون شنيعاً وعظيماً فيقول: سبحان الله! على وجه التعجب من هذا القول. وقد تأتي بمعنى السبح أي: النفس، فيقول الإنسان: أنت أعلم بما في سبحانك، يعني: أنت أعلم بما في نفسك. إذاً: فسبحان الله معناها: أنزه الله وأقدسه وأسارع في طاعته سبحانه. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]. أي: هؤلاء ليسوا أولاده، بل هم عباده سبحانه، إذاً: الملائكة عباد الله وهم ليسوا من الجن؛ لأن الملائكة خلقهم الله من نور، والجان خلقهم الله من مارج من نار، فهناك فرق بين خلق الجن وخلق الملائكة، وإن كان إبليس قد عبد الله في الماضي، أي أنه وصل في العبادة إلى درجة عظيمة حتى صار يعبد الله مع الملائكة، لكن أصله من النار، وعلم الله منذ خلقه ماذا سيحدث له وكيف يكون مصيره. قال الله : ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧]، قال عنهم: عباد، ولم يقل: عبيد، مع أن كلاً منهما مأخوذ من العبودية، ولكن العباد يكون الغالب فيهم الطاعة، أما العبيد فكأن فيها شيئاً من التحقير، فلو قال: عبيد، فهم عبيد له يملكهم، ولكنه شرفهم وكرمهم، فقال عنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]. قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء:٢٧]. أي: لا يجرؤ ملك من ملائكة الله أن يتكلم قبل أن يأذن الله له، أو أن ينزل من السماء إلى الأرض قبل أن يأذن الله له. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧]. إذاً: لا ينطقون إلا بما أذن الله لهم، ولا يسبقونه بالقول أبداً، ويعملون مطيعين لأوامر الله .

стр. 40

تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. وفي سورة مريم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وذلك عندما قال النبي ﷺ لجبريل: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا)، فأنزل الله في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. أي: إذا أخر الله عنك جبريل فليس هذا بنسيان، ولكن الله لحكمة يؤخره، ولحكمة وتشريع يرسله. ويقول: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم:٦٤] فالملائكة يقولون: الله يملكنا وما أمامنا وما خلفنا، وكل ما حولنا يملكه الله ، وهنا أخبر عن العلم، أن الله يعلم ما بين أيديهم، أي ما هو أمامهم، وما خلفهم، يعلم كل شيء في نفوس الملائكة، في أقوالهم وفي أفعالهم، ولا يجرءون على الشفاعة إلا لمن رضي الله له ذلك، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فتشفع الملائكة يوم القيامة؛ لأن الله يشفع من يشاء من خلقه، فيشفع عباد الله المؤمنين وكذلك الملائكة وغيرهم. فيشفعون بإذن الله ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، أي: لهم أن يشفعوا لمن ارتضى أن يشفعوا له، وليس لهم أن يشفعوا لكل أحد. ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، الملائكة المطيعون يخشون الله ، وهم من خشيته في غاية الشفقة والخوف، مع أنهم مطيعون لله فلا يعصون الله أبداً، ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. إذاً: أحرى بالإنسان الذي هو كثير العصيان لله أن يكون فيه هذه الخشية، فالملائكة لا يعصون الله ويفعلون ما يؤمرون، وهم مع ذلك في غاية الخوف من الله ، فلم لا يخاف الإنسان من ربه ؟

стр. 41

تفسير قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وحاش لهم أن يقولوا ذلك، ولكن الغرض أن هؤلاء زعموا أن الملائكة بنات لله، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨]، فربنا يقول: لو قال الملائكة ذلك، لكنت سأعذبهم عذاباً عظيماً. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، يكون جزاؤه أن يدخله ناراً مشتعلة، ناراً حامية، نار جهنم تتجهم لمن يدخل فيها، فهي نار مظلمة فيها الجهومة، وفيها الغلظة والشدة، وفيها النار مستعرة. ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، أي: كهذا الجزاء الفظيع، ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، كل ظالم، كل مشرك يشرك بالله ندخله نار جهنم.

стр. 42

تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما)

стр. 43

المعنى الأول لفتق السماوات والأرض قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠]. هنا آية من آيات الله في الكون العظيم حولنا، ولا شك أن الله سبحانه حين يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ [الأنبياء:٣٠]، إذاً هؤلاء يرون، ولذلك فإنه سيعذبهم؛ لأنهم لم ينظروا في هذا الكون حتى يعرفوا قدرة الله الباهرة، وعظمته القاهرة ، كيف دبر أمر هذا الكون. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٠]، إذاً: هنا الخطاب للكفار، فهم يرون منذ أن كانوا في عهد النبي ﷺ ، وكذلك الذين يأتون من بعدهم يرون حتى تقوم الساعة، وكل يرى آيات الله ، ويعلم أن هذا الحق من عند الله رب العالمين . ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠]. قال المفسرون في معناها: الرتق: السد، الشيء المسدود الملصق بعضه على بعض. والفتق: هو انفتاح اللصق. إذاً: هنا كأنه شيء مغلق مسدود ففتق أي: فتح، والصحابة فهموها كذلك، يقول ابن عباس ﵁ وغيره: كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء، وما أجمل تفسير ابن عباس رضي الله ﵎ عنه! وكأنه ينظر إلى أشياء لا يراها غيره. ابن عباس يقول: إن السماوات والأرض كانتا ملتزقتين في بعض وربنا فتقها، ولكن الكفار هل كانوا يرون ذلك؟ هل رأوا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ثم افتتقا عن بعضهما؟ لا شك أنهم في الماضي لم يروا ذلك، ولكن الله يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ [الأنبياء:٣٠]، إذاً هناك شيء هم يرونه أمامهم، والله يقول: انظروا إلى حكمة الله فيه، لذلك جاء عن ابن عباس وعن عكرمة وابن زيد وغيرهم قالوا: إن السماوات رتقها الله بالمطر، كانت لا تمطر فأنزل منها المطر، أي: كأن السماء في جفاف ومن ثم أنزل المطر فحصل هذا الفك. والأرض كانت لا تنبت فنزل المطر عليها فإذا بها تتفتق وتتصدع وتتشقق وجذور النبات يدخل فيها وتطلع الأشجار، فتفتقت الأرض بهذا النبات، وهذا هو ما يراه هؤلاء، فهم يرون أمامهم البذرة توضع في الأرض ثم ينزل المطر فتنمو البذرة وتتصدع الأرض حولها، فيرون أمامهم هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]. وهذا تفسير صحيح أن ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، أي: فتق الأرض بذلك، وفتق السماء بنزول المطر منها، وهذه آية من الله يراها هؤلاء، يرون السحابة صافية ليس فيها شيء، ثم يتجمع فيها الماء إلى أن تظلم، ثم تبدأ تتفتق وينزل منها المطر، إذاً ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠]، أي: سحابة مغلقة، وبعد هذا انفتحت ونزل منها المطر، هذا الذي يراه الكفار دائماً في الماضي وفي الحاضر.

стр. 44

المعنى الثاني لفتق السماوات والأرض وهنا معنى آخر وهو معنى صحيح، ولكنه أكتشف بعد ذلك، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠]. يقول علماء الفلك: إن الكون كله كان شيئاً واحداً مقفولاً -السماوات والأرض والنجوم، كلها كانت شيئاً واحداً- وحصل انفجار عظيم يوماً من الأيام الذي هو بدء الخلق، فالله فتق ذلك وتطايرت النجوم فذهب كل نجم إلى مكانه، والكون لا زال يتسع كما أخبر الله بذلك. هذا الكلام لم يقله المسلمون وإنما قاله الكفار، والله يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، فالكفار رأوا ذلك، والمسلمون سمعوا كلام هؤلاء وأخذوا هذا الشيء، فقالوا: هذا موجود في كتاب ربنا ، وابن عباس لم ير ذلك ولم يبحث في الفلك، وقال ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة، يقول ابن عباس: كانت السماوات ملتصقة بالأرض، يعني: النجوم والكواكب والشمس والأرض كانت كلها ملتصقة مع بعضها وربنا فتق ذلك، وأبعد بعضها عن بعض. إذاً: معنى الآية ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، أي: باعدنا بينهما، انفصلت كل مجرة إلى مكانها، فإن الكون فيه مجرات كثيرة جداً تبلغ أكثر من مائة ألف مليون مجرة، والمجرة الواحدة فيها أكثر من مائة ألف مليون كوكب ونجم مثل هذه الشمس التي نراها، فكل هذا كان شيئاً واحداً، فالله خلق السماوات والأرض، وفتق بعضها عن بعض، ثم رفع السماء على الأرض، وكان عرشه على الماء، ثم استوى فوق سماواته . ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، فجعل النجوم تدور في أفلاكها، وكذلك الأرض لها فلك معين تدور فيه، والمجموعة الشمسية كلها تدور بطريقة معينة، فالله يصنع ما يشاء في خلقه . هذا خلق الله، الذي قال لهؤلاء الكفار: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، انفتق الكون، ومن ثم ربنا يقول: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧]، أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، إذاً: انفتقت الكواكب عن هذه الأرض وسنوسع هذا الكون، وأصحاب الفلك يقولون: إن الكون فعلاً يتسع اتساعاً عظيماً جداً، وإن كل كوكب يدور حول نفسه ويدور حول مركزه، مثل كواكب المجموعة الشمسية، فالشمس تدور وتجري في هذا الفلك كما يشاء الله ، والأرض وكواكب المجموعة الشمسية تدور كل واحدة حول نفسها ومن ثم تلف حول الشمس في مدار معين. فقد قال ربنا: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، أي: في فلك يدورون، كما سيأتي كلام الله بعد ذلك.

стр. 45

آية الماء وأهميته في الحياة ثم قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]. فالله يبين هنا حقيقة علمية من قبل ألف وأربعمائة سنة، والآن علماء الطبيعة وعلماء الطب وغيرهم يقررون هذا ويقولون: إن كل شيء مخلوق من الماء. فالماء هو الأصل في كل شيء، ففي جسم الإنسان قالوا: إن الماء يشكل أكثر من تسعين بالمائة من الجسم، وهكذا بقية الأحياء الحية؛ منها ما يشكل الماء فيه تسعين بالمائة من حجه، ومنها ما يشكل الماء فيه ستين بالمائة وأخرى خمسين بالمائة، وهكذا. فالله خلق من الماء كل شيء فيه حياة، ونحن لم نر هذا الخلق، ولكن من العلماء من بحث عن ذلك فتوصلوا إلى هذه الحقيقة، وهي أن أصل الحياة هذا الماء، ولذا قال تعالى بعد ذلك: ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠].

стр. 46

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء:٣١]. أي: جعل الجبال العظيمة رواسي تثبت الأرض بسبب ثقلها، وقال عنها في سورة النبأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:٦ - ٧]، أي: جعل الجبال أوتاداً تثبت الأرض، مثل الأوتاد التي تعمل للخيمة من أجل تثبيتها، حيث يجعل أكثره تحت الأرض وقليل منه خارج الأرض لتربط إليه حبال الخيمة، فالله جعل الجبال ثقيلة راسية وجعلها أوتاداً تثبت سطح الأرض. وكانوا في الماضي يقولون: إن الجبال هي مرتفعات من الأرض، والآن قالوا: إن التعبير كلام خاطئ، فالجبال ليست مرتفعة من الأرض فقط، بل إن الجبال لها جذور تحت الأرض، وهذه الجذور أطول بكثير من الجبل الظاهر لنا فوق سطح الأرض، فأربعة أخماس طول الجبل تحت الأرض، والخمس فقط هو الذي فوق الأرض. فالجبال رواسي من أجل أن تثبت قشرة الأرض، هذه القشرة التي سمكها ما بين ثلاثين إلى مائة وستين كيلو متر، ثم تحتها الحرارة شديدة جداً والمعادن ذائبة، وتوجد في باطن الأرض المياه الجوفية وغيرها، وكأن قشرة الأرض عائمة على سوائل تحتها، فلو تركها الله هكذا فإنها مع دورانها حول نفسها، من اليمين إلى اليسار، أي: عكس عقارب الساعة، ومع دورانها حول الشمس؛ فإن القشرة الخارجية سوف تميل وتضطرب مثل المركب الذي فوق البحر، ولذلك جعل الله الجبال أوتاداً تربط قشرة الأرض فلا تميل الأرض ولا تهتز ولا تضطرب. فالله سماها هنا (رواسي) وذكر هناك أنها أوتاد على الأرض. قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥]، يعني: لئلا تميل بكم قشرة الأرض التي أنتم فوقها فلا تستطيعون العيش عليها. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١]. بعد أن ذكر الجبال وأنها رواسي، قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء:٣١]، يعني: في هذه الجبال ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١]، والفج: هو الطريق الواسع الذي بين جبلين، فإذا كان طريقاً ضيقاً فهو الشعب. فقال هنا: ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١]، أي: جعل هذه الطرق بين الجبال مسلوكة وليست مغلقة، فإنه لو جعل الأرض كلها جبالاً لكان السفر والتنقل صعباً على الإنسان، ولكن الله برحمته سبحانه جعل من خلال هذه الجبال فجاجاً، أي: الطرق الواسعة التي يمكنكم أن تسيروا فيها فتبلغوا أماكنكم. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]، لو تخيلت أن الأرض كلها جبال، من الأمام والخلف، وعن اليمين واليسار، فإنك لن تستطيع أن تحدد مكانك وأنت تسير، ولكن يجعل الله الجبال ويجعل الشعب الصغير بينها، ويجعل الفجاج، أي: السبل الكبيرة، حتى نستطيع تحديد الأماكن ونهتدي إلى الوصول إلى ما نريد، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]، يعني: في السير من خلال هذه السبل.

стр. 47

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢]. السماء سقف محفوظ، يعني: من أن يقع ويسقط على الأرض، وهذا صحيح. والسماء هو كل ما علاك وأظلك، من نجوم وأقمار وكواكب وغيرها، والسماء الدنيا عالية لا يمكن الوصول إليها، وقد زينها الله بمصابيح، وهي النجوم، إذاً فكل ما هو موجود في هذه السماء يعتبر سماء بالنسبة لنا، والله يمسك هذا بقدرته ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١]، وإن هنا بمعنى: ما النافية، ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ [فاطر:٤١]، يعني: ما أمسكهما، أي: لا يقدر على إمساكهما أحد من بعده . فهنا جعل السماء سقفاً محفوظاً قالوا: محفوظاً من أن يقع ويسقط على الأرض، هذا معنى. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين، يعني: حفظ السماء بالنجوم من الشياطين الذين يسترقون السمع، وهذا المعنى صحيح أيضاً، قال في آية أخرى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر:١٧]. وقيل: محفوظاً من الهدم والنقض، ومن أن يبلغه أحد بحيلة، أي: لا أحد يستطيع أن يصل السماء ويسترق السمع فيها. أما قول من قال: إننا وصلنا إلى القمر، فنقول: القمر ضاحية من ضواحي الأرض، فأما السماء فإن بيننا وبين أقرب النجوم إلينا مسافة أربع سنوات ضوئية، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة كاملة، والضوء يقطع حوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، فإذا أردنا أن نعرف هذه المسافة فنضرب ثلاثمائة ألف كيلو متراً في ستين ثانية نحصل على المسافة خلال دقيقة، ثم نضرب هذه المسافة في ستين دقيقة فنحصل على المسافة خلال ساعة، ثم نضربها في أربعة وعشرين ساعة فنحصل على المسافة خلال يوم، ثم نضرب هذه المسافة في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً فنحصل على المسافة خلال سنة، فسبحان الله العظيم! فالغرض أن الله جعل هذه السماء سقفاً محفوظاً، فلا يقدر أحد أن يصل إلى السماء التي فيها أمر الله لا بحيلة ولا بغيرها، فلا يصلها إلا من شاء . وقيل: سقفاً محفوظاً فلا يحتاج إلى عمد يرفع عليها. وقيل: ((مَحْفُوظًا))، أي: مرفوعاً، وقيل: محفوظاً من الشرك ومن المعاصي. كذلك الغلاف الجوي للأرض وهو ما حول الأرض؛ جعله الله حافظاً لما تحته، فقد حفظ جو الأرض من مصائب كثيرة جداً، منها الإشعاعات التي تأتي من الكواكب التي حول الأرض، ومنها الحجارة الكثيرة التي تنتج من اصطدام المذنبات بالشمس أو بغيرها من الكواكب، حيث يتجه بعضها نحو الأرض فيدخل الغلاف الجوي للأرض ويقوم بإذابتها وحفظ سطح الأرض، وهذه الحجارة كثيرة جداً تقدر بالملايين في اللحظات القليلة. فالله من فضله وكرمه جعل احتراقها بسبب سرعتها، فهي تجري بسرعة عظيمة تصل إلى حوالي أربعة وسبعين ألف كيلو متر في الساعة الواحدة، وبعضها يشاء الله أن تدخل إلى الغلاف الجوي، فإذا دخلت فإن الهواء يقوم بتقليل سرعتها، وربما بعد ذلك يقوم بإحراقها، أو يصل بعضها إلى الأرض ويعمل حفراً كبيرة، وقد بلغ عدد هذه الحفر أكثر من مائة وعشرين حفرة. فالله يجعل هذه تخترق الغلاف الجوي؛ ليرينا آية من آياته، وهي أنه لو شاء لجعل هذه الملايين من الحجارة كلها تخترق الغلاف الجوي وتنزل على الأرض، ولجعل الإشعاعات الضارة التي تخرج من الشمس تخترق الغلاف الجوي كذلك وتدخل علينا فتؤذينا، ولكن الله سبحانه جعل حولنا سقفاً محفوظاً يحفظ هذه الأرض وهو الغلاف الجوي حولها. قال بعد أن ذكر هذه الآيات: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢]، هم عن آيات الليل والنهار، عن آيات خلق الله لهذا الكون معرضون، أي: معرضون عن الله وعن معرفة الله؛ لذلك فهم لم يعرفوا الله جل وعلا، ولم يقوموا بعبادته ، بل أعرضوا عن عبادته فاحتاجوا أن يرسل إليهم رسلاً يدعونهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 48

تفسير سورة الأنبياء [٣٣ - ٣٧] كتب الله الموت على كل مخلوق، فجميع الخلائق مرجعها إلى الله، وذلك في يوم الوعيد، حيث يري الله الكافرين جزاء تكذيبهم، ويدخلهم النار فلا يجدون لهم ناصراً، ويبهتون بدخولها فلا يستطيعون ردها ولا يبعدون عنها.

стр. 49

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأنبياء: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣ - ٤٠]. أخبر الله عن آياته الكونية العظيمة حتى يتدبر فيها الخلق، فقال أولاً: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، فتق الله السماوات بأن فتق السحاب وأنزل الأمطار، وفتق الأرض فأخرج منها الأشجار، وجعلها آية للخلق، وقد بدت هذه الآية بوضوح في هذا الزمان كما ذكرنا، فقد ذكر العلماء أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ثم فرق الله بينها وفصل بينها. ثم ذكر الله آية خلق السماوات والأرض والجبال التي جعلها في الأرض لئلا تميد بهم، وجعل السماء سقفاً محفوظاً، وهذه من آيات الله ﵎ حتى يتفكر الإنسان المخلوق الضعيف، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧] أنت أيها الإنسان الضعيف المخلوق من تراب، هل أنت أقوى أو هذه السماوات وهذه الأرض وهذه الجبال؟ فلم تتطاول على ما جاء به النبي ﷺ من كتاب ربك؟ لِمَ لا تؤمن به؟ ثم قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، لو شاء الله لجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، ولو شاء لجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة، فمن يعكس هذا ويأتيكم بالأمر الآخر؟ لا أحد يقدر على ذلك إلا الله سبحانه ﵎، فخلق الله هذه الأرض وجعلها راحة للعباد، يستريحون عليها، وجعلها مهاداً وفراشاً، وجعل لهم وسائل الراحة فيها، فإن عبدوا الله استراحت قلوبهم، وأنزل عليهم البركات من السماء والأرض كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. وسبل الراحة يسرها الله لخلقه، فالراحة القلبية هي أهم شيء، ولن يستريح قلب الإنسان أبداً وهو بعيد عن الله، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. وخلق الله لك ما تستريح به من أرض من سماء من جبال من ثمار من أشجار من أنهار من بحار، خلق لك أشياء كثيرة، ولو أنك عبدت الله لجعل لك فيها رزقاً حسناً عظيماً، وأنزل عليك البركات من السماء ومن الأرض، فانظر إلى آيات الله وقدرته العظيمة، ومنحه الكريمة التي يعطيها لعباده، وتدبر في آيات الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، ﴿وَهُوَ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧] ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ:٩ - ١٠]. فجعل النوم سباتاً تستغرقون فيه فتنسى الدنيا، وتنسى المشاغل، وهذا من فضل الله ، ولو أصاب الإنسان الأرق لعرف فضل الله عليه في النوم، ولعرف قدر النوم، فمن يحرم من النوم كيف يكون حاله؟ سيذهب عقله من شدة احتياجه إلى النوم، وعدم قدرته عليه، فاحمد ربك سبحانه أنك إذا أويت إلى فراشك، ووضعت رأسك عليه، فمن نعمة الله أن جعل النوم سباتاً. وقال الله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، ولذلك كان يقوم النبي ﷺ من نومه فيقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)، فجعل الله الليل لباساً، وجعل النوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، جعل النهار ضياءً تبحث فيه عن رزقك، وجعل الليل مظلماً حتى تستريح من عناء النهار، وحتى يستر الله سبحانه ﵎ على عباده. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، جعل سبحانه آيتين: آية الليل، وآية النهار، فلا الليل سابق النهار، ولا الشمس تسبق القمر وتدركه، كل في فلك يسبحون، أي: يدورون، الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلكه الذي خلقه الله له لحكمة من الله سبحانه ﵎. يقول العلماء: أول ما خلق الله هذه الأرض، كانت تدور بطريقة معينة، تدور عكس عقرب الساعة تدور الأرض وهي في مكانها حول نفسها في محور، وتدور حول الشمس في فلك. قالوا: وكان الليل أربع ساعات والنهار أربع ساعات، ولم يزل دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس يتباطأ حتى وصلت إلى ما نحن عليه: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، يزيد الليل فينقص النهار، ويزيد النهار فينقص الليل. وتظل الأرض على هذا الحال حتى يأتي أمر الله وتطلع الشمس من مغربها. يقولون: والقمر يدور حول الأرض بطريقة معينة وبعد معين، وفي كل سنة يبعد القمر عن الأرض (٣سم)، ويظل يبعد حتى يأتي أمر الله ، حيث يدخل القمر في جاذبية الشمس فيجتمعان كما قال الله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة:٩] وحينئذ تقوم الساعة. ويقول هؤلاء العلماء: الأرض تدور بطريقة معينة، وتباطأت بعدما كان الدوران سريعاً أربع ساعات ليل، وأربع ساعات نهار، فوصل الأمر إلى الحال الذي نحن عليه الآن، وستظل تبطئ من دورانها إلى غاية أنها لا تقدر أن تدور من اليمين إلى الشمال عكس عقرب الساعة، وسيأتي عليها ساعة تكون في دورانها معكوسة، قالوا: وإذا انعكست تطلع الشمس من المغرب ولا تطلع من المشرق، وهذا هو الذي قاله لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن علامات الساعة أن الشمس تطلع من مغربها، فهذا أمر الله الذي يقول لنا: تدبروا في هذا الكون، وهذا كلام الكفار الذين قالوا ذلك ويصدقون ما في كتاب رب العالمين سبحانه ﵎، وما في سنة النبي ﷺ . قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، وحسب ما يريده سبحانه تكون الدورة سريعة أو بطيئة، تطلع الشمس من مشرقها أو تطلع من مغربها، فأمر الله لابد أن يكون، فهو خالق ذلك، وهو المتحكم فيه، وهو المدبر لأمره سبحانه. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣] الفلك هي الخشبة التي في المغزل، والقمر تابع للأرض يدور حولها، والأرض والقمر كلاهما يدوران حول الشمس، والكواكب التسعة التي في المجموعة الشمسية كلها تجري حول الشمس، وكل كوكب في فلك معين جعله الله له، لا هذا يخرج من فلكه ولا هذا يخرج من فلكه، كل له مدار لا يصطدم بالثاني. هؤلاء التسعة الكواكب التي تدور حول الشمس قال العلماء: اكتشفنا كوكباً عاشراً أيضاً، وهو يدور حول الشمس، لكن ما رأيناه، إنما الحسابات الرياضية دلت على وجود كوكب عاشر يدور حول الشمس، وهذا الكوكب الذي اكتشفوه بالعمليات الحسابية يدور في مدار بيضاوي أو حلزوني حول الشمس، ويدور في مدار لا يصطدم مع الأرض أو القمر، والمجرة كلها تتحرك في هذا الكون، والله يدير هذا كله، ويقول لك: انظر في السماء وتعجب من خلق الله .

стр. 50

تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤]. الكفار طلبوا أن يكون الرسول المبعوث إليهم خالداً لا يموت، وكان الكفار يقولون عن النبي ﷺ : ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]، هذا شاعر سيموت في يوم من الأيام وننتهي منه ومن دعوته، فالله يجيبهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤] يعني: لو مُت الآن فسيحفظ الله دينه، ونور الله لا يطفئه أحد، فالله متم نوره ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. لم نجعل لبشر من قبلك الخلد، مات الرسل ورسالاتهم باقية. ﴿أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، لو مت فهل هم سيخلدون؟! كلكم تموتون: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ورسالة الله باقية، مات الرسول ﷺ وحملها من بعده فهم يبلغونها حتى تقوم الساعة. وقراءة نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿أَفَإِينْ مِتَّ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وباقي القراء وهم ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر يقرءون: ((أفإن مُت))، والمعنى واحد.

стр. 51

تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]. كل ما جعل الله فيه روحاً لابد أن يذوق الموت، الإنسان والحيوان والجان، كل ما فيه أرواح خلقها الله لابد وأن يميتها ويذيقها هذا الموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]. ((وَنَبْلُوكُمْ)) أي: نختبركم، فيبتلي الله الإنسان بالمصائب التي يراها شروراً، ويبتليه بالكفار وهم أشرار، ويبتليه بالفجار وهم أشرار، ونبلوكم أيضاً بالخير، نمتحنكم، نفتح عليكم الدنيا، نعطيكم من المال، نعطيكم من البنين، نعطيكم من المناصب، نعطيكم من زهرة الدنيا، وهذا بلاء من الله . فالإنسان حين يرى ذلك من الخير أو من الشر عليه أن يصبر لأمر الله سبحانه، وينظر في نفسه، ويحرص أن ينجح في هذا الامتحان، فلينفق المال في الحلال، ينفق على نفسه، على أهله، على ولده، ينفق على الفقراء والمساكين وأقربائه، ينفق كما أمر الله في وجوه الإنفاق الشرعية، أما من رسب في الامتحان فإنه يتجه إلى الحرام، يريد أن ينمي ماله بالحرام، يدخل الأموال في الربا، يدخل في المبايعات الخاطئة، يدخل في الرشا، يدخل في الأشياء التي يحرمها الله سبحانه ﵎. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] كله بلاء من الله ، والمؤمن ينتفع بالنصيحة، فإذا به ينجح في الامتحان، وإذا جاءه الخير رضي بفضل الله وحمد الله سبحانه، وفعل به ما يرضي ربه سبحانه، وإذا جاءته المصائب والأقدار، وجاءته الشرور يصبر لأمر الله، ولا يخرج عن قوله أبداً، ولا يعترض على أمر الله سبحانه ﵎. الإنسان المؤمن يعلم قول الله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فإذا ابتلاك الله بشيء لا تقول: لماذا؟ فالله لا يسأل عن شيء، ولكن تسأل الله وتقول: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، ولكن الله أعلم بالخير. أم سلمة لما مات زوجها أبو سلمة وكان من أفاضل الناس رضي الله ﵎ عنه، وكانت لا ترى أحداً أفضل منه، وما كان على بالها أبداً أن تكون زوجة للنبي ﷺ يوماً من الأيام، فلما مات زوجها وبكت عليه، قال لها النبي ﷺ : (قولي: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، فالسيدة أم سلمة فكرت في عقلها: ومن خير من أبي سلمة؟ في نظرها أنه لا يوجد أحسن منه، ولاشك أنه يوجد أفضل من أبي سلمة، فـ أبو بكر الصديق أفضل منه، وعمر بن الخطاب أفضل منه، وكذلك عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله ﵎ عن الجميع، والنبي ﷺ أفضل من الجميع صلوات الله وسلامه عليه، فهي فكرت وقالت: من خير من أبي سلمة؟! ولكن قالت كما قال النبي ﷺ : (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، فأخلف عليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكان هو الخيرة لها رضي الله ﵎ عنها، وصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً. قال الله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، على الإنسان إذا جاءته الفتنة أن ينظر في أمر نفسه، وينظر في أمر الله ، ما الذي يريده الله منه، فيصبر على الشر، يصبر على البلاء، وإذا كانت الفتنة بالمال أو البنين أو النساء فينظر ما الذي يرضي ربه فيصنعه، وما يغضب الله فيبتعد عنه. قال: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، هذا تهديد وتخويف من الله ، يعني: مهما أعطيناك من أمور الدنيا، فأنت راجع إلينا، فانظر بِمَ سترجع إلينا هل أنت متضجر على أمر الله سبحانه؟ هل أنت معترض على قضاء الله وقدره؟ أو أنك راضٍ بقضاء الله، صابر لأمر الله سبحانه ﵎؟ فإذا جاءت فتنة المال والبنين فاعمل بما يرضي ربك سبحانه ﵎. قال: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: ((وإلينا تَرجِعون)).

стр. 52

تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً) قال الله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦]. كان الكفار حين يرون النبي ﷺ في مكة يستهزئون به، ويسخرون منه صلوات الله وسلامه عليه، ومرة سجد عند الكعبة صلوات الله وسلامه عليه فوضع بعض السفهاء سلا بعير -كرش بعير مذبوح- فوق ظهره صلوات الله وسلامه عليه وهو ساجد، وبقوا يستهزئون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه حتى أخرجه الله من بين أظهرهم، وهاجر إلى المدينة، وعز الله الإسلام وجنده بعد ذلك. قال: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء:٣٦]، (هُزُواً) هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، ((هزواً)) من غير همز، وغيره من القراء يهمزون، وحمزة سيقرؤها كبقية القراء ((هزءاً)) في الوصل، وإذا وقف عليها قال: ((إلاهزاً)) أو إلا ((هزواً)). ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦]، يستهزئون به، قائلين: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] يعني: أهذا الذي يسفه آلهتكم، وآلهتهم سفيهة، وهم أدرى الناس بذلك، ويعرفون مدى ما هم فيه من سفاهة، وما آلهتهم عليه من حقارة، ومع ذلك يعصون النبي ﷺ ، ولا يؤمنون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه. يقول: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] كأنهم يريدون أن يكرموا الآلهة، وكان لهم مع آلهتهم مواقف عجيبة جداً، فهم الذين صنعوا هذه الآلهة ومع ذلك يعبدونها، يصنعها المشرك من حجر ثم يقعد يعبد هذا الإله الذي صنعه، فالشيطان طمس على عقل هذا الإنسان، فلا يتفكر في الذي يصنعه، فكانوا يعبدون الأصنام بدلاً من عبادة رب العالمين سبحانه ﵎. لما هاجر مصعب رضي الله ﵎ عنه إلى المدينة، وكان يدعو أهل المدينة، قبل هجرة النبي ﷺ ، وما من بيت إلا ودخله الإسلام بسبب وجود مصعب رضي الله ﵎ عنه، فكان ممن أسلم على يد مصعب بن عمير رضي الله ﵎ عنه معاذ بن عمرو بن الجموح وعمرو بن الجموح، وكان عمرو سيد بني سلمة رضي الله ﵎ عنه، وكان له صنم يعبده من دون الله اسمه مناة، فمر عمرو بن الجموح على مصعب، وقال: ما هذا الذي جئتمونا به؟ فقال له مصعب: إن شئت جئناك فأسمعناك القرآن، فذهب إليه وأسمعه صدراً من سورة يوسف ﵇، فـ عمرو بن الجموح لما سمع ذلك وكان سيداً في قومه قال: إن لنا مؤامرة في قومنا، يعني: نستشير قومنا، فدخل على صنمه مناة وقال له: يا مناة! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ وخلع سيفه وأعطاه، وقال له: دافع عن نفسك فهؤلاء يريدون بك شراً. أي عقل هذا العقل؟! التمثال هو الذي صنعه من حجر، فكيف يعبده من دون الله سبحانه ﵎، ويقول له: خذ هذا السيف ودافع به عن نفسك! وخرج وترك السيف معه، فدخل ابنه معاذ بن عمرو بن الجموح وأخذ السيف من الصنم، فلما رجع وجد الصنم قد أخذ منه السيف، فعجب لذلك وقال: أين السيف الذي كان معك؟ ويحك إن العنزة لتمنع استها، ثم أوصى أهله بالصنم، وخرج لأمر من أموره، فأخذ ابنه ومجموعة من الفتيان الصنم وربطوه بكلب ميت، ورموا به مع الصنم بين القاذورات، فلما جاء عمرو بن الجموح نظر إليه وهو مرمي مع كلب ميت بين النجاسة فقال: والله لو كنت إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لمثواك إلهاً مستدن الآن فتشناك عن سوء الغبن يعني عرفنا الآن أنك لا تنفع أن تكون إلهاً، وجمع قومه وقال لهم: ألستم على ما أنا عليه؟ فقالوا له: نعم، أنت سيدنا، قال: فإني آمنت بما أنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، فتابعه قومه فأسلموا. هذا الرجل العظيم كان أعرج وفي يوم أحد خرج أولاده يقاتلون، وقالوا: نحن نغني عنك، فقال: لا، وذهب إلى النبي ﷺ يخاصم أولاده، وقال للنبي ﷺ : (أرأيت إن قتلت أأطأ بعرجتي هذه الجنة؟ قال: نعم) فقاتل في سبيل الله حتى قتل في ذلك اليوم رضي الله ﵎ عنه. والمقصود بيان كيف أن هؤلاء الكفار كانوا يعبدون الأصنام، وهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر، وأنها لا تملك لنفسها شيئاً! فهذا هو العجب، وليس العجب مما يدعو إليه النبي ﷺ ، ولا معنى لتعجبهم من ذلك وقولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فالكفر يطمس نور العقول، ويجعل الإنسان ينظر للشيء على خلاف منظره، ويفتن الإنسان بجهله وكفره وحماقته. وكان رجل من المشركين سادناً لصنم القبيلة التي هو منها وهي بنو سليم، وفي يوم من الأيام وجد ثعلبين صعدا إلى رأس الصنم وبالا عليه، فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب فكسر الصنم وقال لقومه: هذا ليس إلهاً، وذهب إلى النبي ﷺ فآمن: (فسأله: ما اسمك؟ فقال: غاوي، فقال: بل أنت راشد)، كان اسمه غاوي بن عبد العزى فغير النبي ﷺ اسمه فسماه راشد بن عبد ربه رضي الله ﵎ عنه. وقد قال الله سبحانه ﵎: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنعام:١٠]، يعني: يا رسولنا عندما يستهزئ بك قومك، فأنت لست بدعاً من الرسل، ولكن أنت مثل الرسل الذين من قبلك، وهنا قال: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: بآيات رب العالمين يكفرون.

стр. 53

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧]. خلق الله الإنسان من ضعف، فهو ضعيف وفي طبيعته أوصاف من الأوصاف التي أمر أن يقاوم هذه الأوصاف التي فيه، ففي طبيعته الشح والبخل، وأمره بالإنفاق، ولو لم تكن في طبيعة الإنسان الشح لما أمر أن ينفق أصلاً، وخلق الله في قلب الإنسان شهوة حب المال، وحب النساء، وحب البنين، وأمره أن يقاوم ذلك ويهذبه، فيحب ما أمر الله به، فيتزوج ويأتي امرأته في حلال، وحرم عليه الزنا، وحرم عليه الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالشريعة جاءت لتهذب الإنسان. ومن ضمن ما فُطر عليه الإنسان العجلة، قال الله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] ففي طبيعة الإنسان التسرع والاندفاع، وأمر بالحلم وعدم الطيش وعدم التهور، وأمر أن يمسك نفسه، ففي مسند أبي يعلى بسند حسن من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (التأني من الله والعجلة من الشيطان، وما من أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحب إلى الله من الحمد). وفي قصة أشج عبد القيس لما وفدوا على النبي ﷺ ، فأصحابه عندما قدموا المدينة أسرعوا لينظروا إلى النبي ﷺ ، فنزلوا من الرحال وأقبلوا على النبي ﷺ مسرعين، لكن هذا الرجل تأخر قليلاً، فخلع ثياب السفر، وتنظف ولبس ثياباً نظيفة، ثم ذهب إلى النبي ﷺ ، فلما نظر إليه قال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، يعني: عندك حلم، وعندك أناة، فهذان خلقان يحبهما الله من العبد: أن يكون حليماً متأنياً. قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] المعنى: ما كان يستعجل به الكفار من قولهم: ربنا آتنا قطنا، آتنا العذاب الذي تتوعدنا به! كقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢]. قال الله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنبياء:٣٧] اصبروا، انظروا آيات الله في الكون، وانظروا آيات الله التي ينزلها على من يكفر وكيف يعذبه، ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧]. فعلى الإنسان ألا يتعجل، فهو مأمور بمقاومة العجلة، لكن ليس التأني في كل شيء، فأمور الخير يأمرنا الله أن نسابق ونسارع إليها، وقد جاء في سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة)، فعلى الإنسان أن يكون حليماً متأنياً في كل شيء إلا في عمل الآخرة، فلا يؤجل عمل الآخرة، إذا جاء وقت الصلاة يقوم يصلي، إذا جاء وقت العمل يقوم يعمل، إذا جاء وقت أمر بمعروف أو نهي عن المنكر، فلا يسوف، ولذلك قال الله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، فتسعى إلى الصلاة بمعنى تهتم بذلك وتتوجه كما أمرت، وليس المعنى أن تجري، فقد نهى النبي ﷺ عن الجري إلى الصلاة فقال: (إذا أتيتم إلى الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا). وفي الآية الأخرى قال الله : ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١]، فالإنسان متعجل يريد الخير سريعاً، يريد المكسب السريع، يريد الدنيا بسرعة، من العجلة الشيطان، فالإنسان الذي يريد المكسب السريع يدله الشيطان على الربا، ويدله على الرشوة، ويدله على السرقة، ويدله على أكل مال اليتيم، ويدله على أكل الحرام، ويدله على الشرور، فلا تعجل ورزقك سيأتي، ولكن سارع للخيرات كما أمرك الله . نسأل الله أن يعييننا على فعل الخيرات وترك المنكرات، وعلى حبه سبحانه ﵎. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 54

تفسير سورة الأنبياء [٣٧ - ٤٧] أخبر الله في العديد من آياته في القرآن عن بعض مشاهد يوم القيامة، وما يكون فيها من أهوال فظيعة، لا يقدر الإنسان على تحملها؛ وذلك من أجل أن يستعد الإنسان لذلك اليوم، ويعمل له، ويأخذ أهبته لملاقاته بما يستطيع من أعمال صالحة.

стр. 55

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الأنبياء ﵈: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٣٧ - ٤٧]. يخبرنا ربنا سبحانه ﵎ هنا عن خلق الإنسان، وكيف أنه خلق ضعيفاً، وفيه التهور والعجلة والاندفاع والطيش. قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]، أي: في تركيبه وخلقه، ففيه تهور واندفاع وعجلة إلى الشيء. وعندما أمرنا الله سبحانه أن نكون حلماء، وأن يكون عندنا صبر، كان لابد أن يجعل في النفس ما يدافع ذلك فلو أن طبيعة الإنسان الحلم لما أمره الله بالحلم، ولو أن طبيعة الإنسان لا توجد فيها شهوة لما نهاه الله عن الزنى. فطبيعة الإنسان ركبت فيه الشهوة الغضبية فتجده يندفع، وركبت فيها الشهوة الجنسية فيحب أن يتزوج أو أن يقع في الحرام، والله يريد تهذيب شهوات الإنسان، فأمره إذا غضب أن يكون غضبه لله ، وإذا سارع واستعجل أن تكون مسارعته في الخير وليس في الشر. وأما التهور والاندفاع إلى الحرام فقد هذبها الله في الإنسان وقال له: أنت مخلوق من عجل، أي: فيك عجلة وتهور واندفاع وطيش، فهذبها بالتعلم وبالتحلم. والإنسان لن يكون حليماً بين يوم وليلة، ولكن بالتأني شيئاً فشيئاً، وبفضل الله عليه يصبح صبوراً حليماً.

стр. 56

بيان فضل التأني والحلم فربنا يخبرنا عن خلق الإنسان أنه خلق عجولاً. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان). فإذا كان العبد متأنياً فهذه هبة من الله ، والعجلة من الشيطان ومن وسوسته، فإنه يظل وراء الإنسان إلى أن يجعله متهوراً ومتعجلاً، فيندفع في القول الذي لا يريد أن يقوله ويقع في الحرام. وفي الحديث: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً). وقد يندفع الإنسان في الكلام فيقع في الكفر والعياذ بالله، وقد يندفع فيطلق امرأته مع اندفاعه، وقد أمرنا الله بالحلم وقال: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]. فتصبر. وهذه الآية يرد فيها الله على الكفار الذين كانوا يتعجلون العذاب، ويقولون: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص:١٦]، ويقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]. فجهلهم وطيشهم دفعهم لتعجل الانتقام، وتعجل العذاب من عند الله.

стр. 57

وعيد الله للمشركين تحقق في بدر فقال لهم الله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنبياء:٣٧] أي: لا تستعجلوا، فترون هذه الآيات. وكان من آياته العظيمة ما حدث لهم في يوم بدر، فقد جاءوا بعددهم وعُددهم، وجاءوا بحدهم وحديدهم؛ لمحاربة النبي ﷺ في المدينة، والإجهاز على هذا الدين. فلما جاءوا وقد خرج النبي ﷺ لشيء آخر، ولم يفكر أنهم سيأتون بهذا العدد. وكان قد خرج لأخذ عير قريش، فلما وصل إلى أرض بدر علم أن قريشاً قد تجهزت وخرجت للقائه ﷺ ، وكان المسلمون الذين مع النبي ﷺ ثلث عدد الكفار، فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً. وأما العُدد التي كانت معهم فقد كانت عُدد تكفيهم لأخذ القافلة فقط، وليس لمقاومة جيش، فإذا بهم يجدون أنفسهم فجأة أمام هؤلاء، فسألهم النبي ﷺ عن رأيهم، فأجابه هؤلاء الصحابة الأفاضل وطلبوا منه ﷺ أن يقاتلهم، وأنهم سيثبتون، وقالوا له: إنك لو أمرتنا أن نمشي حتى نأتي برك الغماد لأتيناها ولا نعصيك في أمرك. وقالوا له: امض لأمر الله ونحن معك. وقد أراهم الله سبحانه ﵎ الآيات العظيمة، فإن الكفار وفيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من كبار الكفار، جاءوا ومعهم جنود الكفر في زهو وفي غرور يريدون أن يستأصلوا شأفة الإسلام والمسلمين. فلما قدموا إلى بدر أراهم الله آياته العظيمة، فقد كانت الملائكة تنزل من السماء ويراها الكفار تقاتل مع المؤمنين فقد كان المؤمن يرفع سيفه ليضرب به رأس الكافر فيسبقه سوط الملك في ضربه، فتخضر عين الكافر من ضربة الملك عليها قبل أن يصل إليها سيف الإنسان المسلم، فأرى الله آياته للفريقين، للمؤمنين ليثبتوا، وللكفار ليريهم الذي كانوا يتعجلونه. (ولذلك وقف النبي ﷺ على قتلى بدر من المشركين ونادى عليهم، فنادى على أبي جهل وعلى الوليد بن عتبة وعلى عتبة بن ربيعة وعلى شيبة بن ربيعة، وقال لهم: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم؟ حقاً؟! فقال له عمر ﵁: يا رسول الله! ما تسمع من أجساد قد جيفت -يعني: صاروا جيفاً في القليب، فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لي منهم)، يعني: هم يسمعون أكثر مما تسمعوني؛ فقد عرفوا الحق من عند الله سبحانه، وأراهم آية من آياته. فقال لهم الله في هذه السورة المكية: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧]، أي: فعلى ماذا تستعجلون؟ فكان حتفهم بعد هجرة النبي ﷺ في السنة الثانية، وقتل كبرائهم من مشيخة قريش الكفرة. وفي قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧] قراءتان، قرأها الجمهور بنون مكسورة في آخرها، فإذا وصلوها قرءوها: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [الأنبياء:٣٧ - ٣٨]. وقرأها يعقوب في الوقف والوصل بالياء في آخرها (فلا تستعجلوني)، يعني: لا تعجلوا عليّ بالطلب، فإني قد أمرت، وما أردته فهو كائن وحاصل بكم.

стр. 58

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء:٣٨]. أي: متى يوم القيامة؟ فالسؤال الذي دائماً كان يسأله الكفار للنبي ﷺ للمؤمنين قولهم: أنتم تخوفونا بيوم القيامة، والخروج من القبور، والعرض على ربنا، فلماذا لم يأت؟ ومتى هذا الوعد؟ وخاصة عندما قال الله لهم في سورة النحل وهي مكية: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١]. فيقولون: أين هذا الذي أتى؟ فما جاء هو ولا غيره.

стр. 59

تفسير قوله تعالى: (ولو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار) قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٩]. وفي هذه الآية شرط، ولم يأتي بجوابه؛ لنتخيله نحن. قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٩]، ولو علموا فمستحيل أن يتمنوا ذلك اليوم، ولخافوا وذعروا وارتعبوا ولآمنوا. وهذا هو الجواب الذي سيكون لهذا الشرط، أي: لو يعلمون ذلك لآمنوا. فلو علموا علم اليقين ورأوا هذا الشيء أمامهم ماثلاً يوم القيامة ورأوا العذاب لقالوا: آمنا، ويندمون ولا ينفعهم ندمهم. قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [الأنبياء:٣٩]. ويكفون من كف الشيء، يعني: يستخدم كفه في صده وكفه، ومنه: يتكفف الناس، ويستكف الناس، يعني: يطلب من الناس بكفه. فالإنسان عندما تأتي عليه مصيبة أو تأتي عليه نار أو يأتي عليه شيء فإنه يدفعه ويكفه بيده قال تعالى عن أهل النار: ((حين لا يكفون عن وجوههم عن النار))؛ لأن أيديهم فيها السلاسل والأغلال. فعندما تأتي النار على وجوههم لا يقدرون على صدها ومنعها عن أنفسهم شيئاً. ففي الدنيا يطفئ الإنسان النار بيده، وأما في يوم القيامة فلا يقدر على ذلك، قال تعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٩]. وذكر الوجوه والظهور؛ لأنهم كانوا يكلحون بوجوههم للنبي ﷺ ، فإذا نظروا إليه نظروا إليه بغضب، ويكلحون في وجهه، ثم يعترضون عليه ويعطونه ظهورهم، فلا يؤمنون ولا يصدقون. فقد كان الكافر عندما يأتي إلى النبي ﷺ يقابله بوجه عبوس، فيوم القيامة تأكل النار وجه هذا الإنسان الذي عبس به للنبي ﷺ في الدنيا، وأعطى النبي ﷺ ظهره، واتخذ هذا القرآن مهجوراً، وجعله وراءه ظهرياً. فهم بدلاً من أن يعطوه وجهاً حسناً، ويطلبون العلم منه، ويتعلمون هذا الدين العظيم أعرضوا، فكان جزاؤهم أن النار تأكل وجوههم وظهورهم وأبدانهم. قال الله سبحانه: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٩]. فلا هو يقدر أن يكف النار عن نفسه بيده، ولا أحد من الناس يغيثه وينصره ويأخذ ما به من نار وغيرها. فيوم القيامة يصرخ هذا الإنسان، ولا أحد يجيره وينصره من الله سبحانه ﵎، قال تعالى: ﴿لا يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء:٣٩]، أي: لا يستطيع هو أن يزيل هذه النار، ولا أحد ينصره. قال تعالى: ((بَلْ تَأْتِيهِمْ))، أي: الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ [الأنبياء:٤٠]، وإن لم تكن القيامة فستأتيهم ساعتهم بغتة. وساعة الكافر وقت خروج روحه، فيرى ملائكة الجحيم، سود الوجوه، ومعهم مسوح من النار، وحنوط من النار، وأكفان من النار، ويقولون: اخرجي يا روح الكافر. فيرتعد هذا الإنسان الكافر فتتفرق الروح في جسده من شدة الرعب، فينتزعها الملك كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتتمزق وتتقطع منه العروق والعصب، كما يشبهها النبي ﷺ بانتزاع السفود الذي هو مليء بالشوك من الصوف المبلول. فإذا جاءت ساعتهم ((بغتة))، أي: فجأة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: تصدمهم الساعة حين تأتيهم. والبهت: الشيء المفاجئ الذي يدهش ويحير الإنسان، فيجلس محتاراً لا يعرف رأسه من رجليه. فكذلك هؤلاء تأتيهم الساعة، أي: يوم القيامة. أو تأتيهم الساعة يعني: يومهم وميقاتهم وموعدهم وموتهم، فإذا بهم مبهوتون متحيرون لا يقدرون أن يعملوا شيئاً، كالإنسان المبهوت يجلس متحيراً، فاتحاً فاه لا يعرف يتكلم بشيء، ولا يقدر أن يدفع عن نفسه، فكذلك هؤلاء تأتيهم الساعة فجأة من حيث لا يحتسبون ولا يظنون. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٠]، أي: فلا يستطيعون رد الساعة. ﴿وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٠]، أي: لا يمهلون، فلا يوجد تأخير ولا إمهال ولا توبة ولا غيرها.

стр. 60

تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنبياء:٤١]. يعني: إن الاستهزاء ليس أمراً جديداً، فاصبر ولا تكن عجولاً كعجلة هؤلاء ولا تطلب من ربك سبحانه ما لم يأتِ الآن، ولكنه سيأتي بعد ذلك. فقال له ربه: لقد استهزئ بمن قبلك من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فاستهزأ بهم أقوامهم فكانت النتيجة ((فحاق))، يعني: نزل بهم نزول إحاطة، وقد يمكن لشخص إذا أتى له شيء من العذاب أن يهرب، وأما هذا فلا؛ لأنه أحاط به العذاب ودار به فلم يستطع أن يهرب منه. قال تعالى: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ [الأنبياء:٤١]، أي: بالذين سخروا من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنبياء:٤١]. كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، فهم سخروا واستهزءوا من وجود البعث والنار والعذاب، فيقول لهم: هذا الذي كنتم تسخرون منه وتستهزئون به قد أحاط بكم فلا تقدرون على الفرار منه.

стр. 61

تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) قال تعالى آمراً نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول لهؤلاء المشركين: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢]. والكلاءة: الحفظ والحراسة. يعني: من يحرسكم فيمنعكم من الله ليلاً أو نهاراً، ومن ينصركم ويدافع عنكم إذا جاء أمر الله سبحانه؟ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: من يحفظكم ويحرسكم ويصونكم من بأس الله وقوته وقدرته سبحانه ﵎؟ ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنبياء:٤٢]. فلا يستطيع أحد أن يحميكم من الله في أي وقت من ليل أو من نهار. قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٤٢]، أي: بل هم عن هذا القرآن الذي فيه ذكر الله وفيه التذكرة بآياته ، ((معرضون))، أي: قد أعطوه ظهورهم، فلذلك أكلتها النار يوم القيامة، ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٩].

стр. 62

تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعم من دوننا) قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٤٣]. أي: أضرب عن هذا، بل ألهم آلهة؟ فـ (أم) هي المنقطعة التي تقدر بـ (هل) أو (بالهمزة)، و (بل)، فيكون المعنى: بل ألهم آلهة من دون الله ينصرونهم ويحفظونهم ويمنعونهم؟ وهل هذه الآلهة (الأصنام) إذا نزل عذاب الله تستطيع أن تدافع عنهم؟ وهم أعلم الناس بأن الأصنام لا تدفع عن نفسها فضلاً عن أن تدفع عن غيرها فهل لهم آلهة تمنعهم من بطشنا، وتدفع عنهم عذابنا؟ قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣]. أي: لا الآلهة تستطيع أن تنصر نفسها، ولا هؤلاء الكفار يقدرون أن ينصروا أنفسهم، ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣]، أي: ولا هم منا يمنعون ويجدون من يصحبهم فيرفق بهم، ويجيرهم من الله سبحانه ﵎. فكأن المصاحبة هنا مثل الإنسان عندما يخاف من قوم يهرب منهم، وعندما يحب أن يرجع إليهم يأتي بشخص معه يصحبه ويدخل معه، فيدخل في جوار فلان الذي أجاره، فيكون معنى قوله: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣] لا يجيرهم أحد من عذابنا.

стр. 63

تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) قال الله سبحانه: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء:٤٤]. يعني: كأن الذي جعلهم يستكبرون ويتعالون على النبي ﷺ وعلى المؤمنين هو أنهم متعوا، أي: أعطاهم الله في الدنيا المال والبنين، وأعطاهم من فضله ومن كرمه سبحانه، فإذا بهم يتطاولون على ربهم سبحانه وعلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي: إننا متعناهم وبسطنا لهم من الرزق هم وآبائهم حتى اغتروا بهذه الدنيا. كما قال تعالى: ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء:٤٤]، يعني: طالت أعمارهم في النعمة، وعمروا السنين الطويلة في النعم. وقد قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١ - ٢]. فقوله: ﴿لِإِيلافِ﴾ [قريش:١]، أي: ألفوا ذلك. وقد كانوا يذهبون صيفاً إلى الشام وشتاءً إلى اليمن، ويأتون برزقهم الذي ساقه الله إليهم، وهم أهل الحرم، وقد أمنهم ربنا وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]. فجعلهم في أمان، وجعل لأهل الحرم مكانة وسط العرب، وجعل لهم رحلتين، يأتون فيهما بالأرزاق يميناً وشمالاً من اليمن ومن الشام، وأمنهم وأعطاهم الثمرات، وجعل بلدهم بلداً آمناً يجبى إليه من كل الثمرات، كما قال تعالى: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧]. وأراد منهم أن تكون النتيجة كما قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فكان جزاء إحسان الله أن عبدوا غيره ، فمتعهم وأعطاهم وقال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]. وقال سبحانه هنا: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء:٤٤]، أي: في النعمة. وقالوا: نحن كنا في نعمة وكذلك آباؤنا، فافتخروا بذلك. وأوصلهم افتخارهم أن وصلوا إلى المقابر يفتخرون بعظام الموتى. قال الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١]. والتكاثر: المفاخرة والافتخار، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢]، فتلهوا بذلك، وقالوا: نحن أكثر عدداً منكم، وانظروا إلى آباءنا الذين ماتوا كانوا أكثر من آبائكم، وقبيلتنا أكبر من قبيلتكم. قال تعالى: ((حتى طال عليهم العمر))، أي: في الفخر في نعمة الله، وظنوا أن الذي أعطى النعمة لا يأخذها، فجحدوا نعم الله واستكبروا على خلق الله سبحانه.

стр. 64

تفسير قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون) قال الله سبحانه: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤]. وكأنه هنا يذكر الكفار بقدرة الله سبحانه على تبديل الأحوال، من حال إلى حال آخر، وهم يرون تنازع الفرس والروم على الأرض، وهما أكبر بلدين موجودين وأكبر إمبراطوريتين. قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٢ - ٤]. والله يأتي بجنود من مكان فيغلبون الجنود الذين في المكان الآخر، وتصبح الأرض التي في يد الأول بيد الثاني، فتقصر الأرض من جهة وتطول من جهة، أفلم يرَ الكفار مثل ذلك، بأن الله يأتي الأرض فينقصها من أطرافها؟ فقد يكون الإنسان يملك ممالك كثيرة فيأتي عليه جيش من أعدائه فيأخذ نصف ما بيده أو أكثر، فتضيع مملكته أو كثير منها، وتصير من حق الآخر. فإذا كانت الدنيا دول تدول وتضطرب وتتغير مرة مع هؤلاء، ومرة مع هؤلاء، فمن الذي يعصمكم أنتم من الله؟ فقد تطاولتم وكنتم في النعم، أفلا تخافون أن يأخذ الله منكم هذه النعم؟ فكأنه يذكرهم بالنظر إلى ما حولهم، من أن الأرض قد يملكها إنسان ثم فجأة يأخذها غيره، والعرب كانوا يعرفون ذلك حين يغير بعضهم على بعض، وتغير القبيلة على قبيلة ثانية وتأخذ ما بأيديهم، ثم ترجع الثانية تغير عليهم وتسترد ما أخذوه، فتكون الأموال بأيديهم ثم فجأة تصير إلى آخرين، ثم فجأة ترجع إليهم، فتكون الدنيا دولاً فلا يغتر الإنسان بالدنيا التي معه. وهذا معنى من المعاني الواردة في الآية، فكأن معنى: ﴿نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١]. أي: بالقتل والسلب والغصب وأخذ أموال البعض وإعطائها للبعض الآخر. فهذه آية كانوا يرونها أمامهم. وقالوا: إن من معاني هذه الآية: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤]. إن الأرض كلها كفر، ثم ظهر الإسلام، وبدأ الإسلام غريباً، ثم زاد الإسلام وزاد جنوده، إلى أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ثم جاء الجهاد في سبيل الله سبحانه وانتصر المسلمون على الكفار، وفتحت الأرض أمامهم، فزادت أرض المسلمين وقلت أرض الكافرين، ثم فتح المسلمون مكة، وفتحوا ما حولها من البلدان، ودانت لهم الحجاز جميعها، ثم توجهوا إلى الشام فاتحين، ثم توجهوا إلى الجنوب وإلى الشرق وإلى الغرب، وفتح الله من فضله ومن كرمه على المسلمين؛ فأصحاب هذا القول يرون أن الآية نزلت في مكة قبل الفتوحات. والقرآن صالح لكل زمان ومكان، والله يأتينا بالمعنى الذي يفهم في وقت على معنى، وهو معنى صحيح، ثم يجد الأمر، ويجد أمراً أمامه، فيقول للكفار الموجودين: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤]، فيجدون بعد النبي ﷺ أن البقاع التي في أيدي المسلمين تزيد، والتي في أيدي الكفار تقل، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن يأتي أمر الله سبحانه، ولا يترك الله بيت حجر ولا مدر إلا ويدخله هذا الدين العظيم، وهذا معنى من المعاني.

стр. 65

الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) وعلماء الفلك لهم معنى آخر إضافة إلى ذلك، وهو ليس إلغاء لهذا المعنى؛ لأن المعنى الذي ذكروه هو معنى عُرف الآن، ولم يكن معروفاً من قبل ألف وأربعمائة سنة، فهم الآن حين يكتشفون شيئاً، فهذا دليل على أن هذا القرآن العظيم معجز، فهو في كل وقت يفهم على معنى صحيح موجود فيه، ولا يأتي معنى يلغي معنى آخر، فلا يكون المعنى الذي اكتشفه العلم الآن يلغي المعنى القديم، وإنما المعنى القديم على ما هو موجود، وهو معنى صحيح. فعلماء الفلك يقولون في قوله تعالى: ﴿أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤]، إن الأرض يحدث لها انكماش دوري، فعندما تنفجر البراكين في داخل الأرض تخرج الغازات من داخلها، وتخرج المواد الموجودة في داخل الأرض، فيصير مكان البركان فارغاً في الداخل فتنكمش الأرض على نفسها. وهذا كلام الدكتور زغلول النجار، وكلامه جميل جداً في هذه الآيات الكونية، ففي كلامه أشياء عظيمة جداً وجميلة، وتفسيرات جميلة. وإن كنا نقول: إنه ليس معنى كون هذا التفسير صحيحاً أنه يلغي التفسير الماضي؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأمة منذ ألف وأربعمائة سنة ماضية تفسر هذه الآية على معنى خطأ لا يفهمونه من القرآن، ولكن هي معان صحيحة، وإنما يضاف معنى إلى معنى، ويظهر الله ما يجد من أشياء. فيذكر لنا أن الأرض تنكمش على نفسها باستمرار، فنقصانها من أطرافها يكون في انكماشها. ويذكر أنهم اكتشفوا: أن هذه الأرض كان حجمها ألفي مرة قدر حجمها الآن. فهي تنكمش على نفسها شيئاً فشيئاً؛ بسبب البراكين والزلازل وما يخرج منها، فتنكمش الأرض على نفسها بذلك، فهذا معنى من المعاني التي يذكرها علماء الفلك في ذلك. ومن المعاني التي يذكرها علماء الفلك في الآية أنهم يقولون: عوامل التعرية تأكل من قمم الجبال، من الهواء وغيره، وتنزل فيه منخفضات وترفع فيه أخرى، ويقولون: إن وزن العمود الصخري وهذا كلام الدكتور زغلول أيضاً، من مركز الأرض إلى أي نقطة على سطح الأرض لابد أن يكون مستوياً في كتلته مع كل عمود على أطراف الأرض جميعها. فإذا جاءت عوامل التعرية وأخذت من فوق الجبال ونزلت على المنخفضات، فإنه يحصل نوع من عدم التساوي. يقول: ولو طغى الأمر على ذلك مع دوران الأرض حول نفسها، ودورانها حول الشمس فإن القوة الطاردة المركزية تطير الأشياء التي هي أثقل وزناً حتى تعود الأرض إلى ما كانت عليه ويجعل الله شيئاً آخر عوضاً عما ذهب بسبب عوامل التعرية، وهي البراكين التي تخرج من الأرض، فتعيد التوازن إلى سطح الأرض مرة ثانية، فهذا إنقاص للأرض من مرتفعات، وإعلاء لمنخفضات غيرها، فيتغير الأمر، وتتساوى كل الأعمدة الصخرية التي في الأرض. وهذا معنى من المعاني التي يذكرها علماء الفلك. ثم يقول الله : ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤]؟ يعني: إذا رأوا أننا نصنع ذلك بالجبال، ونصنع ذلك بالبراكين التي لا يقدرون أن يقاوموها، ونصنع ذلك بالأرض فنجعلها دولاً للناس مرة في يد فلان ومرة في غيره، أفهم يغلبوننا؟ وهم قد أشركوا بالله ﵎، ولا يملكون لأنفسهم شيئاً، وهو الذي يملك هذه القدرة العظيمة، أفهو الذي يغلب؟ قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤]؟ و الجواب مستحيل أن يكونوا هم الغالبين، وقد رأينا كيف صنع ما صنع بهؤلاء المتكبرين.

стр. 66

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي) ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥]. أي: بهذا القرآن، الذي جاء بالمواعظ، وجاء فيه التهديد والوعيد، وجاء فيه التشريع من رب العالمين، وجاء فيه التذكرة بقصص الأولين، وما يكون من أمر الساعة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥]. يقول الله للنبي ﷺ : إن هؤلاء صمت آذانهم فلا يسمعون، ولن ينتفعوا بهذا الدعاء الذي تقوله. يقول تعالى: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ [الأنبياء:٤٥]، أي: دعوة النبي ﷺ لهؤلاء، فهم مثل الأصم، ومهما ناديت الأصم من قريب أو من بعيد لا يسمعك، وكذلك هؤلاء في آذانهم وقر، فلا يسمعون ما يقوله النبي ﷺ سمع إجابة. وهذه قراءة الجمهور: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥]. وقرأ ابن عامر: (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون)، يعني: أنت لا تسمع الأصم. والصم: جمع الأصم. فلا تسمع هؤلاء الذين لا يسمعون ولا ينتبهون إليك، طالما أن الله غلف على قلوبهم، فهم لا يفقهون ولا يفهمون.

стр. 67

تفسير قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ﴾ [الأنبياء:٤٦]. والنفخة الشيء اليسير، ومنها نفحة المسك. فلو أن شيئاً من عذاب الله مس هؤلاء لصرخوا وقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٤٦]، أي: لئن مسهم شيء يسير من عذاب الله؛ ليقولون معترفين بظلمهم: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٤٦]. ولكن قولهم هذا لا يقولونه إلا عندما يأتيهم العذاب، وإذا جاءهم العذاب لا ينفعهم هذا القول مهما ندموا ومهما تابوا.

стр. 68

تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]. ويوم القيامة يعرض ويظهر ما كان خفياً في الدنيا. وأعمال العباد التي كانت معنوية صارت مجسدة حقيقية يوم القيامة، وتوضع فوق الميزان، وكل إنسان له ميزانه، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: الموازين العادلة، والموازين جمع ميزان. والقسط مصدر، ولذلك يوصف به المفرد، فيقال: الميزان القسط، ويوصف به المثنى، فيقال: الميزانان القسط، ويوصف به الجمع فيقال: الموازين القسط؛ لأن القسط مصدر، فيوصف به في الإفراد والتثنية والجمع بنفس الصورة. قال تعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وحبة الخردل أقل الحبوب وزناً. قرأها نافع وأبو جعفر (وإن كان مثقالُ)، وقرأها الجمهور: ((وإن كان مثقالَ حبة))، أي: وإن كان عملك مثقال حبة. وعلى القراءة الأخرى: (إن كان مثقالُ حبة من خردل) يكون المعنى: وإن وجد مثقال حبة من خردل. ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧]، فهذه أقل الأعمال لا يضيعها الله ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. قال سبحانه هنا: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: أحضرناها في يوم القيامة. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وأنت لن تقدر أن تحسب ما يحسبه الله سبحانه، ولا أن تعد ما يعده الله . قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: نحسب عليكم أعماركم وأعمالكم وأقوالكم ونواياكم، ونحسب عليكم كل ما صنعتم ونحاسبكم ونجازيكم عليه الآن. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 69

تفسير سورة الأنبياء [٤٧ - ٦٣] ذكر الله قصص الأنبياء والرسل في القرآن العظيم للعظة والاعتبار، والتفكر في آيات الله وسننه في المكذبين لرسله، وحتى يتعظ المؤمن فيصبر في سبيل الله كما صبر الأنبياء والمرسلون، ومن هؤلاء الأنبياء موسى وهارون وإبراهيم ﵊.

стр. 70

تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٤٧ - ٦٤]. يخبرنا الله ﵎ في هذه الآيات عن وضع الموازين بالقسط ليوم القيامة، وكل إنسان له ميزان يوزن عليه عمله يوم القيامة، ولذلك جمعها هنا، وذكر أنها الموازين القسط، أي: الموازين العادلة، وقال: إن وضع الميزان القسط يكون في يوم القيامة. يعني: إن الموازين العادلة تكون يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، والنكرة هنا تفيد العموم، أي: إنه لا تظلم نفس من أعمالها ولو شيئاً يسيراً، حتى وإن كان هذا الشيء مثقال حبة من خردل، والخردلة أصغر الحبوب على الإطلاق. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: جئنا بها يوم القيامة، حسنة كانت أو سئية. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: نحسب عليكم ما تفعلونه، ونحاسبكم به يوم القيامة. وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي من حديث عائشة ﵂ أن رجلاً قعد بين يدي النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: يا رسول الله، إن لي مماليك يكذبونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ أي: إن هذا الرجل عنده مماليك فيهم الشرور، فهم يكذبون ويخونون ويعصون سيدهم، وهو يرد ذلك بأن يشتمهم ويضربهم، فهو يسأل عن أمره معهم يوم القيامة، فالرجل خائف من الحساب؛ فقال النبي ﷺ : (يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم)، يعني: يوم القيامة. قال: (فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل). إذاً: فالإنسان الذي يملك مملوكاً ليس مصرحاً له أن يعمل فيه ما يريد، وسيحاسب يوم القيامة على ما عمل فيه، وعلى قدر ما صنع في هذا المملوك الذي يملكه. وكذلك الحيوان الذي يملكه الإنسان إذا ضربه بقسوة وشدة، فيوم القيامة يأخذ الله هذا الإنسان، ويحاسبه على ما صنعه بالحيوان، بل إن الحيوانات يقتص الله لبعضها من بعض، فيقتص للجلحاء من ذات القرن يوم القيامة. فلما ذكر النبي ﷺ ذلك للرجل، تنحى الرجل فجعل يبكي، فقال رسول الله ﷺ : (أما تقرءون كتاب الله؟ أما قرأت هذه الآية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار)، فتخلص منهم بهذه الصورة، وحررهم لله ، وكان من الممكن أن يبيعهم ويأخذ ثمنهم، ولكن الرجل خاف من الموقف العظيم بين يدي الله ، ولم يعلم هل الشتم والضرب أكثر أم الذي فعلوه أكثر؟ فحررهم وتخلص من أمرهم. فعلى الإنسان الذي ينظر في غده، ويخشى من حساب يوم القيامة، فيحاسب نفسه على كل عمل عمله، فيوم القيامة توضع الموازين بالقسط، فلا رشوة ولا مجاملة لأحد، ولكن إن كان العمل صالحاً نجا، وإن كان سيئاً هلك، فعلى الإنسان أن ينظر في أعماله، فإنه سيحاسب عليها يوم القيامة. وكم من إنسان يضحك ويلعب ويلهو، وينسى الموقف يوم القيامة بين يدي الله ، وأنه سيسأل عن مثقال الذرة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فقد ينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً؛ لأن هذه الكلمة تغضب الله ﵎. وقد ينسى الإنسان فيمزح بكلمة ويظن أنها سهلة، وهي عند الله عظيمة، وهذه السيدة عائشة تقول للنبي ﷺ : (حسبك من صفية أنها كذا، تشير بأنها قصيرة. فقال النبي ﷺ : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) يعني: أنها كلمة في غاية المهانة والقذارة، لو مزجت بماء البحر -الذي هو الطهور ماؤه الحل ميتته- لمزجته أي: لخلطت ماء البحر وأفسدته، ولو أن الإنسان اطلع على الغيب لرأى هول ما يقوله ويقع فيه من آثام وشرور، فليحاسب الإنسان نفسه على ما يقول، وعلى ما يظن، وعلى ما ينوي، وعلى ما يفعل. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: حفظناها يوم القيامة. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: وكفى بنا حاسبين على الإنسان يوم القيامة. وعندما يعترض المنافق على ربه سبحانه ويأبى ألا يشهد عليه أحد إلا من نفسه، ينطق الله جل أعضاءه فتنطق أعضاؤه بما كان يصنع في الدنيا، فتنطق اليدان والرجلان، وتنطق جميع حواسه فإذا به يدعو على نفسه وعلى أعضائه يقول: سحقاً لكن فعنكن كنت أناضل، أي: كنت أدافع عنكن، فسحقاً لكن.

стр. 71

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان) يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨]. ذكر هنا موسى، وقد ذكر ربه كثيراً، وبينه وبين نبينا محمد ﷺ أنبياء كثيرون، ولكن منهم من قص الله علينا قصته، كالمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومنهم من لم يقصه الله لنا. فبين موسى وبين محمد ﷺ أنبياء كثيرون من بني إسرائيل، وقد كانت طبيعة بني إسرائيل أنهم لا ينقادون لأحد إلا أن يكون نبياً من عند الله يوجههم ويهديهم، فهم مثل الخراف الضالة يحتاجون إلى الراعي دائماً، ولذلك لما جاء المسيح ﵊ قال: (إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة). وقد كان نبينا ﷺ رسولاً لكل الأمم، للإنس والجن صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فموسى تكرر ذكره باعتباره صاحب شريعة، والقرآن شريعة عظيمة، بل أعظم شرائع رب العالمين، وأعظم كتب رب العالمين، وهو المهيمن على ما قبله، والشاهد على ما قبله، والناسخ لكل ما قبله. وقد أوتي موسى الكتاب، وأوتي التوراة، فكانت أعظم الكتب في حينه، ثم بعد ذلك ظل من بعده من أنبياء بني إسرائيل يحكمون به، حتى بعث المسيح عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فنسخ الله بالإنجيل بعض ما في التوراة فأحل أشياء كانت حرمت عليهم، وجاء بأشياء من عند الله ، وجاء بالإنجيل كتاب مواعظ يعظ الخلق به. فالكتاب الذي يشبه القرآن ككتاب تشريع هو التوراة، فقد كانت التوراة كتاب تشريع، ولذلك كثيراً ما يذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قدوة للنبي ﷺ أي: أنه كان صاحب شريعة مثلما أنت صاحب شريعة، ولكن النبي ﷺ فضل على الرسل، وجعل القرآن مهيمناً على كل الكتب السابقة. وموسى ذكر في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة؛ لأنه من أولي العزم من الرسل، ولصبره على بني إسرائيل يدعوهم إلى الله ، فقد صبر عليهم كثيراً، فكان النبي ﷺ يقتدي به، وإذا أوذي يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] فذكر هنا موسى وهارون، والتوراة إنما نزلت على موسى، وهارون أمر بأن يحكم بها، وكان نبياً مع موسى. والفرق بين النبي والرسول: أن النبي يوحى إليه من عند الله ، ومكلم بالوحي من الله ﵎، ومأمور بالتوحيد وتبليغه للناس، وأن ينصح الخلق، ولكن ليست معه رسالة خاصة يدعو الناس إليها. فكان موسى صاحب رسالة وهي: التوراة، وأما هارون فكان يحكم بالتوراة التي نزلت على موسى، فإذاً: هو ليس صاحب رسالة، ولكنه نبي من عند الله، ويوحى إليه من الله ﵎، ومعين لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء:٤٨] والفرقان: التوراة، وسميت فرقاناً لأن الله فرق بها بين الحق والباطل. فقد كانت التوراة كتاب تشريع من عند رب العالمين، وتبين لهم الحلال من الحرام، والخطأ من الصواب، وما يفعل وما يترك. وذكر في الآية: (الفرقان) أي: نصرناه بالتوراة على فرعون وجنوده. قالوا: لأن الله ذكر بعد ذلك: ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] فيكون المعنى: آتيناه النصر، وآتيناه الكتاب من عند رب العالمين. فعلى هذا القول: يكون الفرقان هو نفسه الضياء، وهو نفسه الذكر من عند رب العالمين. يعني: التوراة هي فارقة بين الحق والباطل، وهي ضياء من عند رب العالمين، وهي ذكر من عنده سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨]، وذكراً أي: تذكرة للمتقين. وقد وصف التوراة هنا بأنها ضياء، والضياء فيه نور ولكن فيه إحراق، وفيه شدة، فقد وضعت عليهم الآصار بتعنتهم، والقرآن وصفه الله بأنه نور من عنده ، والقرآن وضع عنا هذه الآصار، وما جعل علينا في الدين من حرج، ولكن في شرع بني إسرائيل كان عليهم الآصار وعليهم الأغلال، حتى إن الرجل إذا بال وسقطت قطرة من بوله على ثيابه لم يؤمر بغسله فقط، وإنما كان يؤمر بقرض جسمه الذي أصابه البول بالمقراض. فلما جاء أحد بني إسرائيل ونهاهم عن ذلك عذب، ورآه النبي ﷺ في نار جهنم وهو يعذب في النار؛ لأنه نهى بني إسرائيل عن شرع ربنا ﵎، فكان عليهم الآصار والأغلال، التي وضعها ربنا عليهم. قال سبحانه: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] فما كان على الأمم السابقة من آصار وقيود وأغلال هذا كله مرفوع عنا، وليس في شريعتنا ذلك، فشريعتنا نور من رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. قال تعالى: ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] يعني: الذي إن يتذكر بأحكام رب العالمين هو التقي.

стр. 72

تفسير قوله تعالى: (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٤٩]. فهؤلاء هم الذين تنفعهم الذكرى، وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] فإذاً: الذكرى لا تنفع أي أحد، وإنما الإنسان المؤمن. وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ [الأعلى:٩ - ١١]. فلا يتذكر بمواعظ الله إلا الإنسان التقي الذي يخاف من الله، ولا يجتنب التذكرة، ويجتنب الموعظة ولا ينتفع بها إلا الإنسان الشقي، ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢]. فهنا يخبرنا سبحانه عن هؤلاء المتقين الذين ينتفعون بالتذكرة، وهم الذين يخشون ربهم بالغيب، ويذكرون الله ويخافون منه ﵎. ويذكرون بالساعة فيشفقون منها، فيذكرون الله في غيبتهم عن الناس فلا ينتهكون محارم الله ﵎، وكذلك إذا غابوا عن أعين الناس، فلم يرهم أحد استحيوا أن يقعوا في المعاصي، وخافوا أن ينتهكوا حدود الله وحرماته . إذاً: فهم في حال حضورهم مع الناس أو غيبتهم عنهم لا يعصون الله سبحانه، ويخافونه سبحانه، والله غيب لم يروه، ولكن عرفوه من آياته وصفاته ، فخافوا منه، فهم يخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون، وهم من يوم القيامة خائفون وجلون، وإذا ذكروا بالساعة يبكون ويدعون ربهم سبحانه أن ينجيهم من هول الموقف يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: وهذا القرآن العظيم مثل التوراة، فكما كانت التوراة فرقاناً بين الحق والباطل، كذلك هذا القرآن فرقان من رب العالمين، يفرق به بين الحق والباطل، وهو الذكر المبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: ما جاء من عندك، ولا تكلمت أنت به من عند نفسك، ولكنه نزل من عند رب العالمين من السماء، فهذا ذكر مبارك، أي: فيه الخير، وفيه البركة، وفيه الثبوت، فهو ثابت لا يزول أبداً. قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ﴾ [الأنبياء:٥٠]، أي: يا معشر العرب، ويا معشر من جاءكم هذا القرآن أفأنتم له منكرون؟ أفتنكرون هذا القرآن العظيم وقد تحداكم ربنا سبحانه بما فيه فلم تقدروا على سورة من مثله، وهو معجز لكم، لا تقدرون على الإتيان بمثله؟ ثم شرع يذكر لنا من قصص الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام.

стр. 73

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١]. وقد ذكر قبل ذلك موسى وهارون ولقد ذكر لنا في هذه السورة الكريمة ستة عشر نبياً بأسمائهم، وذكر فيها السيدة مريم أيضاً، والراجح أنها ليست نبية، وإن كان ربنا أوحى إليها وألهمها، ولكنها ليست نبية، وإنما هي صديقة ﵍. وقد ذكر الله في سورة الأنعام سبعة عشر نبياً قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٤] وذكر سبعة عشر نبياً بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وفي هذه السورة ذكر سيدنا إبراهيم ثالث بني، بعد أن ذكر قبله موسى وهارون، وإبراهيم بمعنى: الأب الرحيم بلغتهم، وكان يلقب بأبي الضيفان؛ لأنه كان إذا جاءه ضيف أكرمه كرماً عظيماً نافعاً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء:٥١] والرشد: الصلاح وحسن الخلق. فإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله رشده من قبل موسى وهارون، وإن كان الله قد ذكر موسى وهارون قبله في هذه السورة، ولكن إبراهيم من قبلهم، وهو وأبوهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فآتاه الله الرشد، فقيل: بمعنى النبوة، وقيل: بمعنى الصلاح، أي: أصلحناه قبل أن يكون نبياً ﵊. فكان يجادل ويناظر الناس بعبادتهم لغير الله سبحانه ثم أكرمناه بالنبوة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: كنا عالمين أنه أهل لذلك، وأنه مستحق لهذا الصلاح الذي جعلناه فيه، وصالح للنبوة ﵊.

стр. 74

تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ [مريم:٤٢] أي: اذكر حين قال لأبيه ذلك. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] وقد كان أبوه يصنع التماثيل لقومه. وقد كان إبراهيم ﵇ في محن عظيمةً، وقد ابتلي بكل من حوله ﵊، فقد ابتلى في نفسه وفي أبيه وفي ابنه وفي زوجه وفي القوم الذين هم معه، ثم هاجر إلى قوم آخرين ليبتلى فيهم بلاءً عظيماً، وكل هذا البلاء في ذات الله ، ولذلك رفعه ربنا درجةً عظيمة جداً صلوات الله وسلامه عليه، فقربه وجعله خليلاً له. والخليل: الحبيب القريب، فهو أقرب الأحبة. فجعله الله له خليلاً، واتخذ محمداً خليلاً، وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعاً الصلاة والسلام. قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ [الأنبياء:٥٢] واسم أبيه آزر، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٤ - ٧٥]. وقد كان أبو إبراهيم ﵊ وقومه في العراق، وبعد ذلك هاجر إلى الشام، وكان أهل العراق عباد أوثان، يعبدون التماثيل من دون الله ، وكان أهل الشام يعبدون الكواكب من دون الله، فناظرهم إبراهيم على ذلك. وكان إبراهيم في كل موطن يصبر صبراً عظيماً، فقد صبر مع أبيه فناظره وجادله ودعاه إلى ربه سبحانه، وفي النهاية قال له أبوه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٦ - ٤٧]، فناظر أباه باللطف، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥]. ففي كل دعوة يدعوه بقوله: يا أبت، تحنناً وتقرباً لأبيه وتلطفاً معه، لعل أباه يستجيب، فما كان من الأب إلا أن نهره؛ لأنه صانع التماثيل لقومه، فلما يئس منه إبراهيم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] وتركه، وقال: لن أتركك من دعوتي، وسأدعو ربي سبحانه ﵎ لعله يستجيب لي، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، أي: مكرماً لي، فلعله يستجيب لي. ودعا قومه إلى الله سبحانه ﵎، قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] والتمثال: اسم موضوع لما مثل، وهو الذي يصنعه الإنسان على هيئة الشيء ومثاله، فيقال: مثلت الشيء بمعنى: أني مثلته بشيء آخر، وجعلته مثله، فكانوا يصنعون التماثيل، ويعبدونها من دون الله سبحانه، وكانت هذه التماثيل على هيئة أشخاص.

стр. 75

تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] أي: ملازمون لعبادتها، ومستديمون ومقيمون عليها ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣] وهكذا الإنسان الذي ليس عنده حجة يقول: إن أباه كان يفعل هذا الشيء. فهم قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣] أي: فنحن نعمل مثل آبائنا، وكأنهم كانوا يظنون أن آباءهم أفضل منهم، فكانوا يعملون ما يعمله آباؤهم من غير تفكير. ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤]، أي: لا أنتم ولا آباؤكم على هدى، وكلكم في ضلال مبين، وفي خسران وجرم عظيم. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:٥٥]، أي: هل هذا جد أم أنك تمزح معنا وتعلب؟ ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦] ربكم الحقيقي المستحق للعبادة هو الذي خلق السماوات والأرض. (الَّذِي فَطَرَهُنَّ): أي: أوجدهن على غير مثال سابق، وابتدأ خلقهن ولم يكنَّ قبل ذلك. وفطر الشيء أي: ابتدع خلقه، والله خلق السماوات والأرض من العدم، وبدأ خلقهن ﵎. ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦]، أي: أنا أشهد بقدرة الله سبحانه، وأنه رب السماوات والأرض، وأنه يستحق أن يعبد وحده. ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧]، يعني أنه لم يكتف بالإنكار بلسانه، وإنما أنكر أيضاً بيده، ويقسم ﴿وَتَاللَّهِ﴾ [الأنبياء:٥٧]، وتاء القسم تختص بالله وحده، ولا يوجد قسم بالتاء يكون لغير الله ﵎، فهي مختصة به وحده لا شريك له، وأما الواو فتدخل على الاسم الظاهر، والباء يقسم بها في الظاهر والمضمر. قال الله سبحانه هنا على لسان إبراهيم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ [الأنبياء:٥٧] يعني: لأمكرن ولأصنعن بهم شيئاً حتى أريكم أن هؤلاء ليسوا أهلاً لأن يعبدوا. فقال: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧]، أي: عندما تذهبون إلى العيد، فهناك سأتوجه إلى الأصنام وأكيد بها.
следующие страницы →