Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
تفسير قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
ثم أبدل ﵎ من الموصول الأول هذا الموصول أيضاً فقال: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ))، فالذين بدل كل من الموصول الأول، وهو منصوب على المدح أو مرفوع عليه، يعني: أعني الذين، أو هم الذين.
وقوله: (يتبعون الرسول) أي: الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم.
(النبي) يعني: لم الذي نبئ بأكمل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي.
(الأمي) يعني: لم يحصل علماً من بشر.
(الذي يجدونه مكتوباً) أي: باسمه: محمد وأحمد ﵊، وهكذا نعته، ففي التوراة والإنجيل إما التصريح بأسماء الرسول ﵊، كمحمد وأحمد، أو بصفته ونعوته، (عندهم) زيد هذا لزيادة التقرير والتأكيد، وأن شأنه ﵊ حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلاً، يعني: أن أي يهودي أو نصراني عنده وبين يديه هذا الكتاب الذي يقدسه فعنده صفة رسول الله ﵌ أو اسمه في كتابه، ولكن التحريف والتبديل أدى إلى عدم وجود لفظ صريح باسم الرسول ﵊، وإن كانت صفاته ما زالت حتى هذه اللحظة موجودة بين أيديهم رغم باعهم الواسع العظيم في التحريف والحذف والتبديل، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ))، وأعرف المعروف: الإيمان بالله ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق، وجميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع.
وقوله: ((وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ))، أي: الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق؛ لأن العقل والشرع ينكرانه.
وقوله: ((وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ)) يعني: التي حرمت عليهم لمعاصيهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، فعقوبة لهذه المعاصي حرمت عليهم أشياء كانت حلالاً عليهم، فأتى رسول الله ﷺ ليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
فقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) يعني: التي كانت قد حرمت عليهم عقوبة لهم من قبل في كتبهم.
وقوله: ((وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)) أي: التي كانوا يتناولونها، كالخنزير والميتة والدم، وهذا في باب المأكولات، أما في باب التكاليف فقال: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)).
والإصر هو: الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة، فهناك شرائع شاقة وعسيرة أيضاً كانت عليهم، والأغلال جمع غل، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، أي: العهود الحرجة والمواثيق الشديدة.
والمقصود من قوله: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم): أنه ﵌ جاء يخفف عنهم ما كلفوه من هذه الشرائع الحرجة والشديدة، وهذا في باب العبادات.
وقوله: ((فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ)) أي: بالنبي الأمي محمد ﷺ ، ((وَعَزَّرُوهُ)) يعني: عظموه ووقروه ((وَنَصَرُوهُ)) أي: على أعدائه في الدين فمنعوه منهم، ((وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ)) وهو القرآن الكريم، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه.
ومعنى (أنزل معه) أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به؛ فكما نزل الوحي بالقرآن نزل أيضاً بنبوة الرسول ﷺ .
فهذا أول تفسير لمعنى قوله: (واتبعوا النور الذي أنزل معه) يعني: أن النور هو القرآن الذي أنزل مع نبوته؛ لأن القرآن اقترن بتنبيئه ﷺ .
وقيل: (معه) تتعلق بـ (اتبعوا) القرآن المنزل مع اتباع النبي؛ لأن الآية فيها: ((فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ))، أي: اتبعوا النور (القرآن) مع اتباع النبي ﷺ ، فتكون هنا إشارة إلى العمل بسنته ﷺ ، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمراً بالعمل بالكتاب والسنة.
أو: هو حال، يعني: اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه، وفي التعبير عن القرآن بالنور إنباء عن كونه ظاهراً بنفسه لإعجازه، ومظهراً لغيره من الأحكام لمناسبة الاتباع.
وقوله: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) أي: الفائزون بالرحمة والناجون من النقمة.
стр. 1122
الرحمة تخص المؤمنين دون غيرهم
وهنا تنبيهات: الأول: يقول القاسمي: يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] إلى آخره، أن هذا جواب لموسى ﵇؛ وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، وطلب أيضاً حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب: أولاً: أن ذلك لا يحصل لقومه كلهم براً أو فاجراً؛ لما سبق من تقدير الله العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلاً، ولذلك قرأ الحسن وزيد بن علي هنا: (قال عذابي أصيب به من أساء ورحمتي وسعت كل شيء) وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم.
وثانيها: أنه لا يستأهل كتابة الحسنتين: في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إلا المتقون المؤمنون بالآيات، المتبعون للنبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط كتب له ذلك، ولا يقال على هذا: كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ لأنكم لو تأملتم هذه الآيات، لوجدتم أنها عبارة عن دعاء من موسى ﵇ لقومه.
ثم أتى الجواب يكشف لنا عظمة مقام النبي ﷺ ، يعني: أن هذا الحوار والإجابة جاءت قبل أن يولد النبي ﷺ بمئات السنين، فانظر كيف عظم الله قدره، ونوه به فيما أوحاه إلى موسى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]؟ ثم استطرد في وصف هؤلاء المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فلا يقال: كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ فإنا نقول: الاتباع أعم؛ هناك اتباع بالقوة، وهو: الإيمان به ﵊ إجمالاً، فكل من تقدم على زمن بعثته، يجب عليهم أن يؤمنوا به إيماناً مجملاً، وأن يصدقوا بأخباره التي وردت على ألسنة رسلهم تبشيراً به ﷺ ، فهناك اتباع بالفعل، وهو اتباع فعلي وحقيقي وليس بمجرد القول، وهذا لمن لحق زمان بعثته ﷺ .
وهذه الآية الكريمة تثبت أن موسى ﵇ بشر ببعثة محمد ﷺ ، وأعلم بشأنه؛ لأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه، وذلك في قوله: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون)، فذكر صفات هؤلاء الذي يستحقون الرحمة، ومن صفتهم الأساسية أنهم يؤمنون بالرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم.
وقال بعضهم: إن جواب موسى ينتهي إلى قوله تعالى: (والذين هم بآياتنا يؤمنون)، ثم استأنف ﵎ بقوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) إلى آخره، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب يصيب به من يشاء كما أصاب أصحاب الرجفة، وذو رحمة واسعة تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي: فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المذكور.
ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون حقاً، وعليه فيكون قوله: (الذين يتبعون) مبتدأ، وخبره قوله تعالى: (أولئك هم المفلحون)، وتكون القصة تدعو بني إسرائيل بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي كانوا هم المفلحين.
وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء) ارتجال خطاب للنبي ﷺ قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له ﷺ بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم، وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبي ﷺ وأتباعه المتقين ما لا يخفى.
стр. 1123
إطلاق الرحمة على العطف والمغفرة والإحسان
التنبيه الثاني: أن الرحمة تطلق على العطف والمغفرة والإحسان، يقول القاسمي: وعندي أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة كما قال : ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان:٣١] يعني: الجنة، بدليل أنه قابلها بقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣١]، فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا: (ورحمتي وسعت كل شيء) بمعنى: الجنة، بدليل أنه قابلها أيضاً بالعذاب، فقال: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي) يعني: الجنة.
وقال أبو منصور: ما من أحد مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعايشون ويؤاخون ويوادون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، وذلك قوله: (فسأكتبها للذين يتقون) يعني: يتقون معصية الله وخلاف أمره ، (ويؤتون الزكاة)، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٢]، جعل طيبات الدنيا مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها، فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة.
والله تعالى أعلم.
ويحتمل أيضاً في قوله : (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) أنهم سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، ومع أن الزكاة تدخل في التقوى (الذين يتقون) لكنه أفردها: لعلوها وشرفها؛ فإنها عنوان الهداية؛ ولأنها كانت أشق عليهم فذكرها لئلا يفرطوا فيها.
стр. 1124
وصف النبي ﷺ بأنه أمي
أما وصفه ﵊ بأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ فهذا أمر مقرر مشهور، ولا شك أن هذا من أعظم علامات الإعجاز في نبوته ﵌.
وهل كتب النبي ﷺ في صلح الحديبية أم لا؟ الراجح: أنه لم يكتب قطعاً؛ لأن قوله: (فكتب رسول الله ﷺ يوضحه في الرواية الأخرى: (فأمر علياً فتكب)؛ لأن علياً هو الذي كتب، كما يقال: كتب السلطان إلى الولاة يأمرهم بكذا وكذا، مع أنه يكون له كاتب يكتب، لكن هو الذي أمر بذلك، فيصح أن ينسب إليه.
وقوله تعالى: (الأمي) نسبة إلى أمة العرب؛ لأن الغالب عليهم أنهم كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، كما جاء في الحديث: (إنا أمة أمية؛ لا نكتب، ولا نحسب)، وطبعاً لا يقصد بقوله: (إنا أمة أمية) الدعوة إلى الأمية، أو تحبيب الأمية، وإنما المقصود: أن شريعتنا شريعة سهلة ميسورة لكل الناس ابتداءً من الأمي الذي لا يستطيع أن يقرأ ولا يكتب؛ حيث إنه يستطيع أن يقيم شعائر هذا الدين عن طريق معرفة العلامات الظاهرة، فمثلاً: في مواقيت الصلاة ودخول الشهر العربي لمعرفة الصيام أو الحج وغير ذلك من المواقيت، فيعتبر فيها ما هو معهود عند الأميين، ولا يخاطب طبقة خاصة من المؤهلين بالنظر في الفلك والحسابات والجداول، لأن شريعتنا شريعة أمية سهلة تخاطب بما هو معروف ومعهود عند الأميين، فالإشارة هنا إلى لطافة الشريعة وسهولتها.
وأما نسبته إلى أم القرى فلأن أهله كانوا كذلك.
وقيل: الأمي ينسب إلى أمه؛ لأن العلم أمر مكتسب، فعلم القراءة والكتابة وغيرها من العلوم المكتسبة، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، فإذا بقي الإنسان على أصل الخلقة التي خرج بها من بطن أمه فإنه ينسب إلى أمه، يعني: أنه بقي على الحالة التي خرج بها من بطن أمه لم يكتسب علماً، فيوصف بأنه أمي، فإذا تعلم خرج عن هذه الحالة، وإذا بقي عليها من حيث القراءة والكتابة وصف بأنه أمي.
وطبعاً لا يعني كون الإنسان أمياً لا يقرأ ولا يكتب أنه ليس بعالم، فهذا رسول الله ﷺ آتاه الله علماً عظيماً، فعلم الأمم بأكملها، وتحدى العرب الفصحاء البلغاء، ووصف الأمية في حق النبي ﷺ مدح له ﵊.
وقيل: وصف النبي ﷺ بالأمي منسوب إلى الأم، بمعنى: القصد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]، ويؤيده قراءة يعقوب: (الذين يتبعون الرسول النبي الأَمي)، من القصد؛ لأنه مقصود.
ووصف تعالى نبيه ﷺ بأنه أمي تنبيهاً على أن كمال علمه مع كونه أمياً هو إحدى معجزاته، فهي له مدح وعلو كعب؛ لأنها معجزة له، كما قال البوصير ي: كفاك بالعلم في الأمي معجزة فكما أن صفة التكبر لله ممدوحة وفي غيره مذمومة، فصفة الأمية في حق النبي ﵊ مدح له؛ لأنها من كبريات معجزاته، فمع كونه أمياً إلا أنه أوتي هذا العلم من عند الله ، وأما في حق غيره فقد تذم تماماً.
وأما قوله ﵎: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) إلى آخر الآية، ففيه إشارة إلى بشائر الأنبياء ﵈ بنبوته ﷺ ، قال الإمام الماوردي في (أعلام النبوة): إن لله تعالى عوناً على أوامره وإغناءً عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، أي: أن الأنبياء حينما يأتي أحدهم ويدعي النبوة فإن الله يسهل لهم هذا الأمر؛ لأنهم إذا خرجوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإيمان بنبوتهم يكون قد سبق ذلك نوع من الإرهاصات والبشارات السابقة التي تسهل وتؤسس لهم بناء النبوة، حتى قبل أن يبعثوا.
يقول: فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة بما تقدمه من بشائرها، وتبديه من أعلامها وشعائرها؛ ليكون السابق مبشراً ونذيراً، واللاحق مصدقاً وظهيراً، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد ﷺ مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله على غيبه؛ ليكون عوناً للرسول وحثاً على القبول، فمنهم من عينه باسمه ﷺ ، ومنهم -أي: الأنبياء السابقين- من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جلياً بعد الاحتمال ويقيناً بعد الارتياب ثم سرد المارودي البشائر من نصوص كتبهم.
стр. 1125
الأمور التي يستدل بها على صحة النبوة
وقد سبق من قبل أن بينا الاستدلال على صدق نبوة النبي ﷺ ، وقلنا: إن الاستدلال على صحة النبوة يقوم على أمور خمسة: الأمر الأول: الصفات الشخصية لصاحب الرسالة؛ فإن الأنبياء لهم صفات لا يشركهم فيها غيرهم من البشر، فهناك صفات خاصة بالأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، تتعلق بنسبهم وبملامحهم الخلقية: قوة البدن، وسلامة الحواس، وجمال الصورة، وشرف النسب وغير ذلك من الصفات التي يختص بها الأنبياء، لذلك لما سمع عبد الله بن سلام -وكان كبير اليهود وعالمهم الأكبر في المدينة- بوصول النبي ﷺ أسرع إليه، فماذا كان تعليقه أول ما رأى النبي ﵊؟ قال: (فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب)، ﵊، كما قال بعض الشعراء: كانت بديهته تأتيك بالخبر أي: حتى لو لم يكن معه من الآيات سوى شكله فإن من يراه يعرف أن هذا لا يمكن أن يكذب على الله ، بل لابد أن يكون صادقاً فيما يقول ﵊.
فصفات الأنبياء البدنية والخلقية والخلقية ونسبهم وملامحهم وتكوين أجسادهم تكون في أكمل الحالات في كل هذه الخصال.
الأمر الثاني: الآثار؛ لأن الأنبياء يتركون بصمات وآثاراً في الدنيا لا تشتبه بآثار غيرهم من المصلحين؛ فالأنبياء حينما يوجدون في أمة من الأمم أو في عصر من العصور يتركون من الآثار ما يدل على أن الله أيدهم ونصرهم، وأي عاقل لا يمكن أن يتصور أن يكون رسول كمحمد ﵊ يمكنه الله هذا التمكين، وينشر دينه في الآفاق، ويظهر في كل الأزمان والأعصار بهذه الصورة، ثم يكون مع ذلك كاذباً، بل سنة الله أنه يفضح كل من ادعى النبوة كاذباً، ويجعلهم آية لمن يعتبر، كما فعل بغلام أحمد القادياني وبـ مسيلمة الكذاب وغير هؤلاء من المتنبئين، فلا بد أن يظهر الله فضيحتهم، وهذه سنة من الله ماضية؛ حتى لا يلتبس الحق بالباطل، فـ مسيلمة تسمى برحمان اليمامة، وادعى النبوة، وسمع أن الرسول ﵊ بصق في بئر ففاض ماؤها، وبورك في مائها، فذهب هو إلى بئر فبصق فيها فغار ماؤها، فهذه لا تسمى كرامة، إنما تسمى إهانة، وهي خرق للعادة، لكن يقصد بها إهانته، وكذلك لما وجد النبي ﵊ يمسح على رأس الغلمان ذهب ليمسح على شعر صبي فسقط الشعر من على رأسه، حتى لما حاولوا أن يستجيبوا للتحدي ويأتوا بقرآن مثل القرآن ما استطاعوا أن يتخلصوا من أسر القرآن، وما استطاع أحد أن يبتكر أسلوباً جديداً، لكن كان دائماً يحاول أن يحاكي القرآن، فكان يأتي بأمور مضحكة، كقوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين! إلى آخر هذه الكلمات المعروفة التي يضحك منها العقلاء إذا سمعوها، فجعلهم الله ضحكة للعقلاء.
وغلام أحمد القادياني أهانه الله في آخر لحظات حياته، وأظهر كذبه فيما كان يدعيه من أنه لن يموت إلا بعد كذا وكذا من السنوات إلى آخره، فالسنة ماضية من الله تعالى أنه لا يمكن أن يلتبس المحق بالمبطل والصادق بالكاذب.
فمن صفات صاحب الرسالة: الآثار التي يتركها في الأرض، وبالذات نحن المسلمين لا يوجد أبداً نبي أيد بهذه الصفة مثلما أيد نبي الله محمد ﷺ ، فمثلاً: انظر في آثار النبي ﵊ في الصحابة الذين تربوا على يديه مباشرة رضي الله تعالى عنهم، وانظر كيف كانوا رجالاً ونساءً بل صبياناً وأطفالاً، فقد كانوا جبالاً تمشي على الأرض أو بحاراً من العلم تمشي على الأرض، والرجل الواحد منهم صار أمة في ذاته في كل أبواب الخير، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا عمالقة وجبالاً، ثم تأمل في التابعين وتابعي التابعين، وتأمل في سير الصالحين والحكام العادلين من أمة محمد ﷺ ، كالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، وتأمل أخبار العباد والصالحين، وكل هذا ما هو إلا من آثار بعثته ﷺ .
وتأمل العدل مع الخصوم، وانظر إلى المسلمين لما سادوا العالم كيف رفقوا بالأمم ورحموها، وأحسنوا إلى الناس، واتقوا الله فيهم، وكل هذه المحاسن التي هي محاسن الإسلام في الناحية العملية التطبيقية والعملية النظرية كلها من آثار بعثته الشريفة ﷺ .
الأمر الثالث الذي يستدل به على نبوة النبي: المعجزات التي أيده الله بها.
الأمر الرابع: البشارات، والبشارات هي إخبار الأنبياء السابقين ببعثة من يأتي بعدهم.
الأمر الخامس: النبوءات، وهي: الإخبار عن أشياء تقع في المستقبل ثم تقع تماماً كما أخبر، وهذا مما عندنا فيه مئات من البشارات التي أخبر بها النبي ﷺ بصورة مقطوع بها، فوقعت كما أخبر، وما لم يقع حتى الآن سوف يقع بإذن الله، كما قال : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
стр. 1126
البشارات في الكتب السابقة ببعثة النبي ﷺ
والذي يناسب تفسير هذه الآية الكريمة هنا قصر الكلام على البشارات التي وقعت في الكتب السابقة ببعثة النبي محمد ﷺ .
يقول صاحب كتاب (إظهار الحق): إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ توجد كثيراً إلى الآن أيضاً، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولاً طريق إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر، ثم نظر ثانياً بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات وقابلها بالإخبارات التي نقلها بإنجيله أو في حق عيسى ﵇ جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة.
وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: إن نبينا ﵊ قد بشر به الأنبياء السابقون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفاً رفع كل احتمال؛ حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته، غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه -يعني: من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعاً، أي: أنهم لما رأوا المسلمين يستدلون على صدق نبوته ﵊ بوجود اسمه في كتبهم هربوا من ذلك بأن حذفوا هذه البشارات، ولكن لم يجدهم ذلك الحذف نفعاً؛ لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات؛ ليبعد صدقها على النبي ﷺ ، فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافاً لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليه؛ لانتشار النسخ بالطبع وتيسر المقابلة بينها، فالآن اتضح القول جداً جداً في إثبات التحريفات المقررة بين نسخ كتبهم التي يسمونها بالمقدسة، وها نحن نورد شذرة من البشائر:
стр. 1127
البشارة بمحمد في سفر التكوين
فمنها: في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر، هكذا: (وقال لها ملاك الرب: أنت حبلى ستلدين ابناً، وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن).
وهذه بشارة بمحمد ﷺ لا بجده إسماعيل؛ لأن إسماعيل ﵇ لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص، بل في التوراة: أن إسماعيل وأمه هاجر أخرجا من وطنهما مكرهين.
ولم يلد إسماعيل مع إسحاق، وكان الملك والنبوة في بني إسحاق، وكان بنو إسماعيل في البراري العطاش في الصحراء، ولم يسمع أن الأمم دانت لأولاد إسماعيل حتى بعث رسول الله ﷺ فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل أحد تحت أيديهم، فكان ذكر إسماعيل مقصوداً به ولده، كما أنه في مواضع كثيرة من التوراة ذكر يعقوب والمقصود بالذكر ولد يعقوب، فمن ذلك: قوله في السفر الخامس: (يا إسرائيل ألا تخشى الله ربك، وتسلك في سبيله وتعمل له)، وهذا الخطاب لإسرائيل، لكن هو في الحقيقة لبني إسرائيل، فهو خطاب لهم باسم أبيهم، كما قال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] فالخطاب للنبي ﷺ والمقصود هو وأمته، وهذا معروف، وله نظائر كثيرة في القرآن الكريم، فكذلك قوله لقوم موسى: (اسمع إسرائيل ثم احفظ، واعمل يحسن إليك ربك، وتكبر وتنعم)، ونظائره كثيرة.
إذاً: معروف في لغة كتابهم أنه يذكر اسم الأب ويراد الابن، وإنما يذكر مجازاً بقرينة الحال، وإلا لزم الخلف في خبره تعالى.
стр. 1128
البشارة بمحمد في سفر التثنية
ومنها: -أي من هذه البشارات-: في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية، هكذا: (وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته).
فقبل أن يموت موسى ﵇ بشر قومه بني إسرائيل بهذه البشارة، فقال: (جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم).
ولا غموض بأن مجيء الله تعالى من سيناء عبارة عن إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، هكذا يفسره أهل الكتاب، فيجب أيضاً أن تفسر باقي البشارة بنفس الأسلوب، وكان يجب أن يطرد التفسير؛ فيفسروا أيضاً (وأشرق لهم من ساعير) بأن المقصود به: إنزال الإنجيل على المسيح ﵇؛ لأن ساعير هي الناصرة، التي ينسب إليها النصارى، والتي ولد فيها المسيح ﵇، فيجب أن يكون إشراقه من ساعير عبارة عن إنزاله الإنجيل على المسيح، حيث كان المسيح يسكن أرض الجليل بقرية تدعى ناصرة، واسم النصارى مأخوذ منها.
أما قوله: (وتلألأ من جبل فاران) (وتلألأ) أي: الرب، (من جبل فاران) كما فسروا: (جاء الرب من سيناء) بإنزال التوراة، (وأشرق لهم من ساعير) يجب أن تفسر بأنها إنزال الإنجيل، فالثالثة هذه لا تحتمل بأي حال إلا إنزال القرآن على محمد ﷺ ، فقوله: (وتلألأ من جبل فاران)، تلألؤه من جبل فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد ﷺ في جبل فاران، وفاران هي: مكة، وهذا باتفاق أهل الكتاب أيضاً، ولا يخالفه أهل الكتاب؛ لأن كلمة (فاران) هي جبال مكة أو بلدة مكة، ففي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇ هكذا: (وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو إسماعيل رامي قوس، وسكن -أي: إسماعيل- في برية فاران -يعني: في مكة- وأخذت له أمة زوجة من أرض مصر)، ولا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، فإن كلمة فاران يقصد بها: جبال مكة، فقوله: (وتلألأ من جبل فاران) يدل على إنزال القرآن في مكة المكرمة.
ونفس هذه البشارة هناك إشارة إليها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣].
فقوله: (والتين والزيتون) التين والزيتون مشهور في القدس في فلسطين حيث بعث المسيح ﵇، وقوله: (وطور سينين) أي: جبل سيناء، وفي هذا إشارة إلى نزول التوراة في سيناء في الطور، وقوله: (وهذا البلد الأمين) أي: مكة، فهذه متطابقة تماماً مع قوله: (جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران)، فلا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، وفيها عاش، وبها دفن، وهذه البشارة صريحة في نبينا ﷺ ظاهرة لا تخفى إلا على أكمه لا يعرف القمر، فأي نبي ظهر في مكة بعد موسى غير محمد ﷺ ، وانتشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها كما يقتضيه الاستعلان المذكور في البشارة؟ لأن قوله: (وتلألأ من جبل فاران) في ترجمة أخرى: (واستعلن من جبل فاران).
стр. 1129
البشارة بنبي مثل موسى والدليل على أنه محمد لا يوشع
ومن هذه البشارات: في الباب الثامن عشر من سفر التثنية هكذا: (قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وصف إخوتهم مثلك -يعني: مثل موسى- وأجعل كلامي في فمه)، وفي هذا إشارة إلى أميته ﵊، وأنه ينطق بالقرآن، وفيه إشارة إلى أنه يعطيه ﵊ جوامع الكلم، قال: (وأجعل كلامي في فمه، سيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه)، يعني: من لا يستجيب لشريعة هذا النبي أنا أطالبه وأعاقبه.
فهذه البشارة هي في حق نبينا ﷺ قطعاً؛ لأنه من ذرية إسماعيل، وذريته يسمون إخوة لبني إبراهيم، فقوله: (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك) أي: أن هذا النبي يكون شبيهاً بموسى ﵇ من وسط إخوتهم، يعني: أنه ليس من بني إسرائيل، لكن من إخوتهم الذين هم أولاد إسماعيل ﵇، بدليل ما ذكر في التوراة في حق إسماعيل، وأنه قبالة إخوته ينصب المضارب، وقد جرت عادة الكتب المنزلة بتسمية أبناء الأعمام عن بعد بعيد إخوة، كما دعي في القرآن هود وصالح إخوة لعاد وثمود، مع أنهم على بعد بعيد من أولاد الأعمام، كما قال تعالى إخباراً بدعوة إبراهيم ﵇ لولد إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، وهو محمد ﵊، وكما قال في خطاب بني إسماعيل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨].
وأما ما زعمته اليهود من أن المراد يوشع فتى موسى فهو باطل من وجوه: أولاً: أن المبشر به من إخوة بني إسرائيل، لا من نفس بني إسرائيل، ويوشع كان من نفس بني إسرائيل.
ثانياً: أن يوشع لم يكن مثل موسى ﵇؛ لما في آخر سفر التثنية في الإصحاح الرابع والعشرين: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرف الرب وجهاً لوجه)، يعني: أنه لم يوجد بعد موسى في بني إسرائيل مثل موسى ﵇، في حين أن البشارة تقول: (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك)، وما عرف بعد موسى أبداً نبي مثل موسى ﵇، حتى المسيح لما أتى قال: (ما جئت لأنقض موسى، ولكن جئت لأتمم) أي: أنه جاء مكملاً للرسالة، فالذي يستحق وصف (مثلك) ليس إلا محمداً ﷺ ، وهذا نلاحظه في القرآن الكريم، حيث نجد الربط المستمر بين موسى وبين محمد ﵉، وبين أمة محمد وأمة موسى ﵉، فمثلاً: في بداية سورة الإسراء قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء:١ - ٢]، وفي سورة القصص كثير جداً من الآيات، وفي سورة الأحقاف قال : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠].
وجاء ورقة بن نوفل لما نزل الوحي على النبي ﵇ في القصة المعروفة في باب الوحي، وفيها أنه قال: (هذا الناموس الذي أنزل على موسى)، وقال النجاشي: (إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة)، فانظر كيف يأتي الربط بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لأنه مثله! وأيضاً في قصة المعراج جاء الربط بين الأمتين كما بينا، فالشاهد: أن عندهم نصّاً في آخر سفر التثنية: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه)، ولأن موسى ﵇ صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهٍ، ويوشع ليس كذلك، بل هو مأمور باتباع شريعة موسى، وأيضاً يوشع ﵇ كان حاضراً هناك، وقد أشير إليه بالعبارة الصريحة قبل هذه، ففي الباب الأول من هذا السفر: (يسوع بن نون الواقف أمامك وهو يدخل إلى هناك أنه هو يختمها لإسرائيل.
ولا يحتمل بحال من الأحوال أن يكون قوله في هذه البشارة: (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به).
стр. 1130
الأدلة على أن المبشر به أنه مثل موسى هو محمد لا عيسى
وأما ما زعمه النصارى من أن المراد به عيسى فهو أيضاً باطل لوجوه: أولاً: أن عيسى من بني إسرائيل، والمبشر به هنا من غيرهم، أي: من إخوتهم وليس من بني إسرائيل أنفسهم، وعيسى من بني إسرائيل، وأيضاً موسى بشر بنبي مثله، والنصارى يدعون أن عيسى إله، وينكرون كونه نبياً مرسلاً، وإلا لزم اتحاد المرسل والمرسل، وهو غير معقول، على أن مشابهة موسى لنبينا ﵉ أقوى من مشابهته لعيسى؛ لاتحادهما في كونهما ذوي والدين وأزواج، فموسى له أبوان، ومحمد له أبوان، أما المسيح فله أم فقط ولا أب له.
ثانياً: من أوجه المشابهة بين موسى ومحمد: كونهما مأمورين بالجهاد، بخلاف عيسى ﵇، وقد أشار في هذه البشارة بقوله: (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي أتكلم به باسمي أنا أطالبه)، وفي هذا إشارة إلى أن هذا النبي مأمور بجهاد من كفر بما جاء من عند الله والانتقام منه بسيفه البتار، وكذلك كون شريعتيهما مشتملتين على الحدود والقصاص والتعزير وإيجاب الغسل على الجنب والحائض والنفساء وإيجاب الطهارة وقت العبادة، وهذه كلها ليست موجودة في شريعة عيسى ﵇ على ما تقول النصارى، ونظائر ذلك كثيرة.
وفي هذه البشارة إشارة إلى كون هذا النبي أمياً لا يقرأ، حيث قال: (يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي)، وبذلك تعرف سر وصفه به في قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)، وهي الآية التي نحن بصددها.
من هذه البشارات: في الإنجيل في الباب الرابع عشر في إنجيل يوحنا هكذا: (المسيح ﵇ كان يقول لتلامذته قبل أن يرفع إلى السماء: إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب، - الأب: اصطلاح لهم- فيعطيكم فارقليد آخر؛ ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه؛ لأنه مقيم عندكم، وهو ثابت فيكم).
وهذه بشارة من المسيح ﵇ بأن الله تعالى سيبعث للناس من يقوم مقامه وينوب في تبليغ رسالته وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبداً، وهل هذا إلا محمد ﷺ ؟! والأب هنا بمعنى: الرب والإله؛ لأنه اصطلاح أهل الكتابين، وقد أشار عيسى ﵇ بكونه روح الحق إلى أن الحق قبل مبعثه يكون كالميت لا حراك به ولا انتعاش، وأنه إذا بعث هذا النبي يعيد الروح للحق، فيصدع حينئذٍ قائماً في الأرض، ولا خفاء أنه ﵊ هو الذي أحيا الله به الحق بعد عيسى ﵇ بعدما اندرس ولم يبق منه شيء.
ثم قال: (الفارقليد روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم)، ولا شك بأن محمداً ﷺ هو الذي علم كل شيء من الحقائق، وأوضح ما خفي من الدقائق، وذكر أمة عيسى ما نسوه من أقواله المتضمنة أنه عبد من عباد الله تعالى قربه إليه بالرسالة واصطفاه، وأنه لم يدع سوى عبادة الله وتوحيده وتنزيهه وتمجيده.
وقوله: (باسمي) أي: بالنبوة، ثم أبان لهم سبب البشارة به قبل أن يأتي فقال: (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون؛ حتى إذا كان تؤمنون).
стр. 1131
البشارة بالفارقليد في الإنجيل
وفي الباب الخامس عشر من الإنجيل المذكور أيضاً: (فأما إذا جاء الفارقليد الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينشق، وهو يشهد لأجلي، وأنتم تشهدون؛ لأنكم معي من الاتباع).
وفي الباب السادس عشر منه: (لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق -يعني: أرفع إلى السماء- لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليد، فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو يوبخ العالم على خطيئة وعلى بر وعلى حكم، أما على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي، وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد، وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم فارقليد، وإن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله، وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلمكم جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما سيأتي، وهو يمجدني؛ لأنه يأخذ مما هو لي، ويخبركم بجميع ما هو للأب)، ومن أمعن النظر في هذه العبارات ولاحظ ما اشتملت عليه من الفحاوى والإشارات جزم بأن (الفارقليد) هو محمد ﷺ ، فإنه هو الذي ظهر بعد عيسى ﵇، وشهد لعيسى بالنبوة والرسالة، ومجده، وبرأه مما افتراه عليه النصارى من دعوى الربوبية، ومما افتراه عليه اليهود من كونه ساحراً كذاباً، وعلى والدته من كونها غير طاهرة الذيل بريئة الساحة، وهو الذي وبخ العالم -سيما اليهود- على الخطايا، ولاسيما خطيئة الكفر بعيسى ﵇، والطعن في والدته الطاهرة البتول، وهو الأمين الصادق الذي علم جميع الحقائق، وهو الذي أبان من الأسرار ما لم تطق تحمله قبل مجيئه الأفكار، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى، ﷺ .
وفسر العلامة ابن قتيبة قوله: (روح الحق الذي من الأب ينبثق) بقوله: أي: يصدر بكلام الله المنزل، واستدل بقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، والمراد به هنا: القرآن الكريم؛ لأنه هو الذي يشهد للمسيح بالنبوة والنزاهة عما افتري عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله، كما شهد الحواريون الذين كانوا معه واهتدوا بهديه، ولم يثبت شهادة كتاب غير القرآن بذلك، فتعين أن يكون هو المراد.
أي: أن القرآن هو الكتاب الذي جاء بعد المسيح ﵇ ينزه المسيح عن الربوبية، وينزهه عن السب الذي سبه إياه اليهود لعنهم الله وسبوا أمه به، فالقرآن هو الكتاب الذي أفاض في شأن عيسى، وفي بيان أنه كان نبياً رسولاً، وأفاض في مدح مريم ﵍، ولم تثبت شهادة أي كتاب بعد الإنجيل بذلك سوى القرآن الكريم.
ثم تأمل قول المسيح ﵇: (إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليد) فستجد فيه إشارة إلى أن نبينا ﷺ أفضل من المسيح ﵇؛ لأنه يقول لهم: (إنه خير لكم أن أنطلق)؛ لأنه لا يبعث محمد حتى يرفع المسيح ﵇، ففي هذا إشارة إلى أن محمداً ﷺ أفضل من المسيح ﵇.
وأما لفظ (فارقليد) فهو يوناني الأصل، قيل: أصله فاركليد، وألـ (ف) تكتب أحياناً فا، ومعناه: المعزي والمعين والوكيل أو الشافع، وقيل فاركليثود فيكون قريباً من معنى محمد وأحمد.
وطبعاً هناك عشرات من العلماء النصارى الذين أسلموا ألفوا في هذا الموضوع، منهم يدعى عبد الأحد داود، حيث كان من كبار علمائهم المتبحرين جداً في علومهم، ثم أسلم لله ، وألف كتباً اشتهر منها كتابان: (محمد في التوراة والإنجيل) وأيضاً (الرد على أهل الصليب)، وكان يدعى: الأب عبد الأحد الأشوري أو الإلداني، وكان له شأن رفيع عندهم، ولكنه أسلم وانتصر للتوحيد، وله بحوث قيمة جداً في هذا الموضوع.
وأيضاً كما حكينا لكم من قبل عبد الله الترجمان، كان أكبر علماء النصارى، وكذلك الهجري أسلم بسبب هذا النص الذي تلوناه عليكم الآن، وله قصة معروفة.
ومما يذكر في هذا المقام أن الشيخ عبد الوهاب النجار حكى في كتابه (قصص الأنبياء) أنه تقابل مع عالم كبير جداً من علماء النصارى ومن علماء اللغة اليونانية القديمة، يدعى كارلن لينو، فسأله فقال: ما معنى كلمة (الفارقليد) التي تكلم بها المسيح ﵇؟ فقال له: إن الكتب والآباء يقولون: إنها بمعنى المعزي أو المعين أو الوكيل أو الشافع، فقال له: إني لست أسأل قسيساً، ولكنني أسأل الدكتور كارلن لينو الحاصل على الدكتوراه في آداب اللغة اليونانية القديمة، أي: أنا أسألك لا كقسيس، لكن أسألك كعالم في اللغة اليونانية، أخبرني بالاشتقاق اللغوي عندكم لكلمة (الفارقليد) ما معناها؟ فقال: إنه الذي في اسمه حمد كثير، قال: يعني الذي يوافق أفعل تفضيل من حمد؟ قال: نعم، فقال له: أليس هذا هو محمد ﵊؟ لأن من أسمائه: أحمد، فقال: يا أخي! أنت تعرف كثيراً، وسكت على هذا! فالشاهد: أن هذه حقيقة لغوية معروفة، فإذا رجع الإنسان إلى لغتهم عرف هذه الحقيقة، وعلم أن كلمة (فارقليد) هي عبارة عن أفعل تفضيل من الحمد، يعني: أحمد، وهذا كما قال : ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، ﵊، فالأمر واضح غاية الوضوح، ولكنهم لما ترجموا لم يذكروا كلمة أحمد، ولكن ترجموها بالمعنى؛ لأن المسيح تكلم بها بالعبرية، ولم يتكلم بها باليونانية؛ لأنه كان يتكلم باللسان العبراني، كقومه بني إسرائيل، فلما ترجمت إلى اليونانية ترجموا معنى العلم، فجعلوها الفارقليد بمعنى أحمد، وقد كانت هذه البشارة سبب إسلام الفاضل عبد الله الترجمان كما بينه في كتابه (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب)، وقد كتم النصارى بعض الأناجيل المصرحة باسم محمد؛ لكونها شجىً في حلوق أهوائهم كإنجيل برنابا ففيه التصريح بقوله: (إلى أن يجيء محمد رسول الله)، كما نقله في (إظهار الحق)، وإذا كان هذا حالهم في تراجمهم في لقب إلههم ولقب خليفته ما علم، فكيف يرجى منهم صحة بقاء لفظ محمد أو أحمد، إلا أن سيف الحق أمضى، وسهام الصواب أنفذ، فثمة من الأوصاف الصريحة والوسائل الصحيحة ما لا يبقى معه وقفة لحائر.
هذا وفي كتبهم بشائر كثيرة تعرض لذكرها جلة من العلماء يزيد عددها عن العشرين، قال الماوردي: لعل ما لم يصل إلينا منها أكثر.
وقد اقتصرنا على ما قدمنا؛ روماً للاختصار، ولسهولة الوقوف على البقية في مثل (أعلام النبوة) للماوردي و (إظهار الحق) وغيرهما.
стр. 1132
شهادة أهل الكتاب الذي أسلموا بوجود البشارات في كتبهم
وقال صاحب (برهان الحق) الشيخ رحمة الله عليه رحمة الله: إن من أسلم من علماء اليهود والنصارى في القرن الأول شهد بوجود البشارات المحمدية في كتب العهدين، مثل: عبد الله بن سلام وابن سعنة وبنيامين ومخيريق وكعب الأحبار وغيرهم من علماء اليهود، ومثل بحيرا ونسطورا الحبشي والأسقف الرومي الذي أسلم على يد دحية الكلبي وقت الرسالة فقتلوه، والجارود والنجاشي والرهبان الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب ﵁، وغيرهم من علماء النصارى.
وقد اعترف بصحة نبوته وعموم رسالته هرقل قيصر الروم، والقصة موجودة بطولها في أول صحيح البخاري في كتاب (بدء الوحي)، وهرقل لما جمع أبا سفيان ومن معه وسأله عدة أسئلة في نهاية هذه الأسئلة قال: فإن يكن الذي قاله حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين.
وبين أنه كان يتمنى أن يتجشم ويتكلف لقاء النبي ﷺ ، ودعا قومه إلى الإيمان بمحمد ﵊، فلما حاصوا حيصة الوحوش وثاروا قال لهم: أنا كنت أمتحن إخلاصكم ووفاءكم وثباتكم على دينكم، فحينئذٍ سجدوا له وأقروه، لكنه في الحقيقة آثر الملك على الإيمان بالرسول ﵊، ولو كان عنده فقه ووعي وفهم لتأمل في قول النبي ﵊ في الرسالة التي بعث بها دحية الكلبي إليه يقول له فيها: (أسلم تسلم)، فوعده بالسلامة، لكنه لم يفقه أن هذا رسول الله، وقد وعده بأنه إذا أسلم سوف يسلم من السوء ولن يصيبه أحد بشر، فما فقه ذلك، وآثر الدنيا على سعادة الآخرة.
وكذلك المقوقس صاحب مصر، وابن صوريا وحيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وغيرهم ممن حملهم الحسد على الشقاء ولم يسلموا.
ولما ورد على النبي ﷺ نصارى نجران وحاجهم في شأن عيسى ﵇ وحجهم دعاهم إلى المباهلة بأمره تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، فإذا كنتم واثقين أنكم على الحق فتعالوا نبتهل، فخافوا وأشفقوا ونكصوا على أعقابهم خوفاً من شؤم مغبتها، فكانوا كقوم فرعون الذين قال الله عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
стр. 1133
تفسير قوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات)
وقوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف) يحتمل أن يكون مستأنفاً، وأن يكون مفسراً لقوله: ((مَكْتُوبًا)) يعني: أنه يأمرهم بالمعروف إلى آخره.
وقوله تعالى: ((وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ)) الطيبات أعم من الطيبات في المأكل، يعني: ليست فقط الطيبات في المأكل، ولكن أيضاً تعم، كالشحوم تعم أيضاً البحائر والسوائب والوصائل والحامي، والطيبات في حكم الشريعة كالبيع وما خلا كسبه عن سحت، وكذا الخبائث هي ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة.
وقوله تعالى: ((يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) فيه إشارة إلى أنه ﷺ جاء بالتيسير والسماحة، ومعروف أن الإسلام هو دين اليسر ودين السماحة، وهذه حقيقة تعلم من دين الإسلام بالضرورة، كما قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٨]، وقال : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].
وقال ﷺ : (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)، وقال ﵊: (إن هذا الدين متين)، (وإن هذا الدين يسر) وغير ذلك من النصوص القاطعة بأن هذا الدين دين اليسر والسماحة، بل إن التيسير من القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية، يقول ﵊: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وقال ﵊ لأميريه: معاذ وأبي موسى الأشعري ﵄ لما بعثهما إلى اليمن: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا).
والإصر والأغلال استعارة لما كان في شرائعهم من التكاليف الشاقة، فمنها: تحريم طبخ الجدي بلبن أمه.
ومنها: نظام الأعياد التي يعيدونها لله في السنة، وهي عيد الفطير وعيد الحصاد وعيد المظالم، وكذلك عيد كل سنة لا يعمل فيه أدنى عمل، وكذلك سبت المزارع، ففي كل سابعة سبت للأرض لا يزرع فيها، ولا يقطف الكرم، بل تترك الأراضي عقلاً وغلات الكروم مأكلاً لفقراء شعبهم ووحوش البرية.
ومنها: أن من ضرب أباه أو أمه أو شتمهما أو تمرد عليهما وعصاهما يقتل حداً، وكذا من يعمل يوم السبت يقتل، ومن كان به جن يرجم بالحجارة حتى يموت، ومن تزوج فتاة فادعى أنه لم يجد لها عذرة ثم تبين كذبه يقتلان جميعاً، وإذا أمسكت امرأة عورة رجل تقطع يدها، وإذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات المنطوح يرجم الثور، ولا يؤكل لحمه، ومن اضطجع مع امرأة صامت يقطعان من شعبهم، ومن طلق امرأته ثم تزوجت آخر وطلقها أو مات عنها فلا يجوز لزوجها الأول أن يتزوجها، وغير ذلك من الآصار التي تقدم ذكر بعضها في آخر سورة البقرة.
قال الجشمي: تدل الآية على أن شريعته ﷺ أسهل الشرائع، وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في الأمم السابقة، وذلك نعمة عظيمة على هذه الأمة.
وتدل على وجوب تعظيم الرسول ﷺ ، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة دينه، وكل أمر يؤدي إلى توليد ما يتصل بذلك؛ لأن جميع ذلك من باب النصرة، وهذا لا يختص بعصره، فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف.
يعني: أن كل مسلم مطالب أن يكون من أنصار السنة، ومطالب أن ينصر النبي ﵊ في حياته، وينصر سنته بعد وفاته، ولعل الجهاد بالبيان وإيراد الحجة ووضع الكتب وحل شبه المخالفين يزيد في كثير من الأوقات على الجهاد بالسيف، ولهذا قلنا: منازل العلماء في ذلك أعظم المنازل.
وقال العلامة البقاعي: لما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى ﵇ وبيان مناقبه العظام ومآثره الجسام، وكان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصباً وأعظمهم رتبة، ساق هذه الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي بين أعلاهم مراتب، وأزكاهم مناقب، الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة أو فعلاً، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل اهتماماً به وإكراماً له مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته، ويوضح أكمليته في قصته مع قومه في مبدأ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورة الأنفال وبراءة بأكملها، فكلها في بيان شأن النبي ﷺ مع قومه.
ثم قال البقاعي: لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حث على الإيمان به؛ إيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف.
يعني: أن السياق والآيات طالت في شأن موسى ﵇ والثناء عليه، فربما ظن ظان أن موسى أشرف الأنبياء، فبين الله في هذه الآية الكريمة في أثناء خطاب موسى ﵇ مع قومه أن محمداً أشرف فقال: ((وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ))، فانتقل السياق إلى مدح محمد ﵊، حتى الذين في زمن موسى كان عليهم أن يؤمنوا بمحمد؛ لأنه نزل في كتبهم بشارات بنبوته، فهم يؤمنون به بالقوة، يعني بغير العمل لكن بالقلب فقط، وبالتصديق، فأهل الكتاب مطالبون بالإيمان به إما بالقوة -يعني: بالتصديق بالبشارات التي أخبرت بنبوته قبل أن يوجد في هذا الوجود ﵊ وإما بالفعل إذا كانوا أحياءً بعد بعثته ﷺ ، فيجب عليهم الإيمان به، فلذلك نوهت الآيات بهذا الوصف العظيم للنبي ﵊ إشارة إلى دفع هذا التوهم الذي قد يتوهمه بعض الناس من أن موسى أشرف رسل الله، فبين أن أكمل وأعظم وأشرف رسل الله هو محمد ﷺ .
يقول: ثم لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حث على الإيمان به إيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر، أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه.
يعني: الإيمان كان واجباً على كل مكلف، سواء كان في الزمن الماضي أو في الزمن الآتي، فكل من كان قبل في الزمن الماضي من اليهود والنصارى مطالبون بالإيمان به، وذلك بالتصديق بالبشارات التي جاءت بوصفه في التوراة وفي الإنجيل، أو بالفعل بعد بعثته.
وهذا تلويح، ولكن أتى مباشرة في الآية التي تليها بالتصريح بهذه الحقيقة وهو أنه رسول الله إلى الناس كافة ﵊، فصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه؛ تحقيقاً لعموم رسالته وشمول دعوته.
стр. 1134
تفسير قوله : (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)
قال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].
قوله: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) أي: كافة، (الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت) هذه كلها نعوت للفظ الجلالة، أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء، وربه، ومليكه، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة.
والآية نص في عموم بعثته ﷺ إلى الأحمر والأسود والعرب والعجم، وفي الحديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخراً: بعثت إلى الناس كافة: الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت الشفاعة، فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً)، رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً، ورواه أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملئ مني رعباً، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها -كانوا يحرقونها- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، وقيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله)، قال الحافظ ابن كثير: إسنادهما جيد قوي، والحديث ثابت بمعناه في الصحيحين وغيرهما.
стр. 1135
سهولة الاهتداء إلى الدين الحق
أخرج مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا دخل النار)، وهذا يشمل الرجل والمرأة.
والأمة هنا المقصود بها: أمة الدعوة، فكل من بلغه أن محمداً ﵊ قد بعث يجب عليه وجوباً متأكداً، بل هذا أوجب من أي شيء آخر في حياته، أن يتحرى ويجتهد، ولا يقال: اجتهد فلان فوصل في اجتهاده إلى أن محمداً ليس رسول الله، فيكون معذوراً في ذلك، بل يجب عليه الاجتهاد أولاً، ويجب عليه أن يصيب الحق ثانياً؛ لأن أدلة صدق نبوة النبي محمد ﷺ لا يحتمل فيها أن من تحراها يخطئ؛ لشدة وضوحها وظهورها؛ بحيث إنه يطالب بالاجتهاد في البحث عن الحق، ثم ثانياً يجب عليه أن يصل إلى الحق؛ لأن أدلته أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولا يمكن أن يشك عاقل أبداً إذا أعمل عقله وكان مخلصاً في البحث عن الحق في أن محمداً رسول الله ﷺ حقاً وصدقاً، وإنما آفة القوم الحسد؛ فإنهم يعرفون أنه رسول من عند الله، ثم يتكبرون عن الانقياد للمسلمين أو الانقياد لشريعته ﵊، كما قال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وإما أنهم يعرضون عن تحري مثل هذه القضية.
وإذا راجعنا الحديث الذي فيه سؤال القبر: (أما الكافر فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ها ها! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فهذا غاية ما عنده أنه سمع الناس يقولون شيئاً على النبي ﵇ فردد خلفهم كالببغاء دون أن يعقل هذا الكلام، ودون أن يتحرى صدق هذا الكلام، في حين أننا نلاحظ أن هؤلاء القوم انقطعوا لخدمة الدنيا كأنها إلههم ومعبودهم من دون الله ، ففي أمور الدنيا نجد أن هناك من يعمل رسالة دكتوراه بأحسن طريقة في أمور تافهة، فهذا يعمل رسالة دكتوراه في تكوين قشر السمكة، وهذا في نشاط الغدة الفلانية، أو في كذا أو كذا من الأمور، وينفق عمره وماله ووقته وجهده في تحري هذه الدقائق، ثم يعرف أسماء جميع فرق الكرة ولاعبيها، وهذا الدوري حصل كذا، والأولمبي الفلاني غلب الفلاني، والنادي الفلاني عمل كذا! ويعرف أسامي وأنواع السيارات، وأنواع الخشب، وأنواع القماش، وأنواع الملابس، وأنواع الأشجار والأسماك، ولا يعرف لماذا خلق! ولا يعرف ربه الذي خلقه! فهل هذا المخلوق إذا أراد أن يبحث عن الحق يجد هناك سلاسل ستقيده؟!
الجواب
لا؛ بل الحق موجود، والقرآن موجود ومحفوظ، كما وعد الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فلم يحصل فيه تحريف، ولا يقوى أحد أن يغير حرفاً واحداً من القرآن الكريم، وهكذا سنة النبي ﵊ لم تندثر؛ بل من أراد أن يعرف هدي محمد ﵊ ليتبعه كما أمر هنا: (واتبعوه لعلكم تهتدون) فإنه يستطيع أن يصل بغاية السهولة.
стр. 1136
العلوم الحديثة تدعو إلى التوحيد
وقد أعطى الله البشر العقول لأجل التفكر بالآيات التكوينية وآيات التوحيد في الآفاق وفي أنفسهم، وهؤلاء وقفوا على آيات لم يقف المسلمون على عشر معشارها؛ لأنهم أوغلوا في هذه العلوم التي تكشف أسرار مخلوقات الله ، لكن حولوا العلم الذي هو خادم للتوحيد إلى علم جاحد، ولا يكون الإنسان عندهم متبعاً للمنهج العلمي إلا إذا أعرض تماماً عن ذكر الله ، فالواحد إذا كان في كلية الطب أو الصيدلة أو العلوم وجاء في قضية من القضايا العلمية فاستدل بآية أو بحديث فإنه يكون قد خرج عن المنهج العلمي! فالدين عندهم لابد أن يكون معزولاً على جنب، وممكن أن يتركوه يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أو يتكلم في المقدمة أو الخاتمة بشيء فيه ذكر الله، لكن الذي يربط في صلب البحث بين هذه الآيات التي يجعلها الله حجة عليه وبين التوحيد هذا يكون قد خرج عن مجال العلم؛ لأن العلم لا يعترف إلا بما هو محسوس، أما الغيب فلا.
فهذه نظرتهم إلى علم الغيب، مع أن كل آية تصرخ بتوحيد الله .
ومن درس هذه العلوم وتأمل فيها بعلم وبصيرة يجد أن فيها آيات من آيات التوحيد، ونحن مطالبون بالتفكر فيها؛ لأنها تدل على توحيد الله ، وتدل على صفة الله ، كالخلق والقدرة والعلم وغير ذلك من صفات الكمال، ومع ذلك يعطلون هذا العلم عن دلالته على خالقه، والله يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
فالشاهد: أن هؤلاء خاضوا في كل هذه العلوم، ولذلك يجعل الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه (عقيدة المؤمن) من الدلالة على وجود الله أن هؤلاء الكفار الذين يقفون على هذه العلوم يكفرون بالله، يقول: لأنه لا يوجد تفسير لهذا أبداً غير أن هناك أقفالاً على قلوبهم، فكونهم يطلعون على هذه الآيات العجيبة الباهرة التي تدل على توحيد الله ثم لا ينقادون للتوحيد، هذا يدل على أن هناك قوة هي التي حالت بينهم وبين الهداية، كما قال الشاعر: فيا لك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة أليست وإن أصغت تجيب المناديا فلا يوجد تفسير للناس الذين يطلعون في الشرق والغرب من الكفار على آيات الله في كل العلوم بلا استثناء ثم لا يؤمنون إلا هذا؛ فحينما تتأمل في الذرة التي هي أصغر وحدة في المادة -كما يقولون- تجد أن نظامها هو نفس نظام المجرة، يعني: أن التركيب فيها هو نفس التركيب في المجرة، فمعنى ذلك: أن الصانع واحد ، ولكن القوم لا يعقلون، فليس هناك تفسير لكفرهم سوى أن في قلوبهم أقفالاً هي التي تمنع قلوبهم من التدبر، فمن يسمع القرآن الكريم لا يتصور أن هذا الكلام يمكن أن يقوله بشر، فالإنسان العاقل الذي نور الله بصيرته لا يمكن أن يتخيل أن هذا القرآن بهذه الروعة يمكن أن يقوله بشر، ولكن كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
стр. 1137
قيام الحجة على كل من سمع بمحمد ﷺ
فالشاهد أنهم لا يفقهون، وقد أعطاهم الله العقول كي يهتدوا بها إلى التوحيد فاستعملوها في كل شيء إلا الشيء الذي خلقوا له، وأنا أطيل في هذا لأن هناك من يقول: إن اليهود أو النصارى بمجرد أن يسمع أن محمداً قد بعث وأن القرآن قد نزل، وأنه يوجد دين اسمه الإسلام تكون الحجة قامت عليه، وأقول: نعم، تكون الحجة قد قامت عليه؛ لأنه لو أراد البحث عن الحق لما وجد هناك عائقاً أمامه؛ فالقرآن موجود، ولو بذل عشر معشار الجهد الذي يبذله في أمور الدنيا وتتبع المباريات والأغاني وموديلات السيارات ومتاع الدنيا لاهتدى إلى الحق، لكنه هو الذي عطل هذه القوى وهذه القدرات التي آتاه الله إياها، فهو مسئول، والعقل موجود، والآيات موجودة، والقرآن موجود، والحجة قائمة، والحق أقرب إلى أحدهم من عنق راحلته، فلا غرابة بعد ذلك أن نسمع قول الصادق المصدوق ﵊ يقول: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).
وقوله تعالى: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ)) أي: الذي نبئ بما يرشد الخلائق كلهم مع كونه أمياً، وفي نعته بذلك زيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين.
وقوله : ((الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ)) أي: ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه، ثم ختم تعالى الآية بقوله: ((وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)).
стр. 1138
تفسير قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)
ثم قال ﵎ مباشرة بعد هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٥٩].
عاد إلى السياق الأول من جديد؛ لأنه قد يفهم من هذا السياق الذي مضى ذم قوم موسى، فعادت الآيات إلى مدح طائفة من بني إسرائيل، وهم الفرقة الناجية من بني إسرائيل؛ لأن كل أمة فيها فرقة ناجية، والدليل هو هذه الآية: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، ففي قوله: (ومن قوم موسى) تبعيض، فكما أن هذه الأمة انقسمت إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، فكذلك هناك فرقة ناجية حتى في قوم موسى، وكل نبي يكون له طائفة من أمته يكونون هم الفرقة الناجية.
وقوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق) أي: موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة، ويرشدونهم، فيهدون بالحق، وبالعلم، يعني: الحق في الأمور العلمية.
(وبه يعدلون) في الأمور العملية التطبيقية، فبالحق يعدلون في الحكم، ولا يجورون، والآية سيقت لدفع ما عسى أن يوهمه تخصيص كتابة الرحمة والتقوى والإيمان لمتبعي رسول الله ﷺ من حرمان أسلاف قوم موسى ﵇، إذ قد يتوهم بعض الناس أن تخصيص الرحمة في قوله تعالى: ((فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)) أن أسلاف قوم موسى يحرمون من هذه الرحمة ومن كل خير، فبين تعالى أنهم ليسوا كلهم كما حكيت أحوالهم من التمرد والعتو والكفر والعناد، فلذلك قال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
وقيل: هم الذين آمنوا بالنبي ﷺ ، ويأباه أنه قد مر ذكرهم فيما سلف.
وهذه الآية هي كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩٩].
стр. 1139
تفسير سورة الأنفال [١٢ - ٢٤]
стр. 1140
تفسير قوله تعالى: (وإذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم)
يقول الله : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢].
((إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ)) أي: يوحي الله إلى الملائكة ويخبرهم أن الله مع المؤمنين، ويحتمل أن معنى قوله: ((أَنِّي مَعَكُمْ)) أنه مع الملائكة إذ أرسلهم ردءاً للمسلمين، فكأنه قيل: أوحى الله إلى الملائكة أني مع المؤمنين، فانصروهم وثبتوهم، وكونوا أنتم معهم أيضاً.
((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا))، أي: ثبتوا الذين آمنوا بدفع الوسواس، وبالقتال معهم، والحضور مدداً وعوناً.
((سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)) أي: الخوف، ولا شك أن هذا مظهر من مظاهر المدد الرباني الذي يمد الله به المؤمنين في جهادهم، حتى وإن كانوا أقل عدداً، فإنه سبحانه يمدهم بأسلحة كثيرة ومتنوعة، كما قال : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، ومن هذه الأسلحة أن الله يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب والوهن والخوف والفزع، فهذا بلا شك مما يرجح كفة المؤمنين في الجهاد، والأمر ليس مقتصراً على الأسباب الظاهرة التي يراها الناس، ولكن هناك أسباب خفية وجنود من جند الله لا يعلمهم إلا هو.
وقوله: ((سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ))؛ أي: أنه من جهة يمدهم بالملائكة ومن جهة يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب.
((فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ)) هنا علمهم الله كيفية الضرب، وقوله تعالى: ((فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ))، إما أنها أمر للمؤمنين، وإما أنها أمر للملائكة.
وإذا قلنا: إن الأمر موجه إلى الملائكة فإنه يكون فيه دليل على أن الملائكة قد قاتلوا بالفعل مع المؤمنين، لأن الملائكة لابد أن يطيعوا أمر الله سبحانه تعالى.
وقوله: ((فَوْقَ الأَعْنَاقِ)) يعني: أعالي الأعناق؛ لأن أعالي الأعناق هي المذابح، وإذا حصل الذبح في أعالي الأعناق فإن الرءوس تطير.
أو أن المراد: اضربوا الرءوس؛ لأن الرءوس هي التي فوق الأعناق.
((وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ))، البنان هي الأصابع، ومفردها بنانة، والمعنى: كل الأصابع، وقيل: المراد بالبنان مطلق الأطراف، أي: ليس فقط أطراف الأصابع، وإنما مطلق أطراف البدن، سواء في اليدين أو في الرجلين، فتكون من تسمية الكل بالجزء؛ لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل، والمعنى: اضربوهم كيفما اتفق، سواء ضربتموهم في الأماكن التي هي من المقاتل كفوق الأعناق أو على الرءوس، أو في غير المقاتل كالأطراف، فالمهم أن تصيبوهم بما استطعتم من النكاية.
стр. 1141
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله)
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:١٣].
ثم قال تعالى: ((ذَلِكَ)) يعني: ذلك الضرب أو ذلك الأمر بالضرب.
((بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) أي: خالفوهما فيما شرعا.
((وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) وهذا تقرير لما قبله إن أريد بالعقاب ما وقع لهم في الدنيا، أو هو وعيد لما أعد لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدنيا، وبيان لخسرانهم في الدارين.
стр. 1142
تفسير قوله تعالى: (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال:١٤].
((ذَلِكُمْ)) هذا خطاب للكفرة على طريقة الالتفات؛ لأن الخطاب في الآية السابقة موجه إلى الملائكة أو إلى المؤمنين: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، الكفار ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:١٣]، ثم التفت لمخاطبة الكفار أنفسهم فقال : ((ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ)) يعني: أيها الكفار! في الدنيا.
((وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)) يعني: في الآخرة.
стр. 1143
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار)
ثم نهى ﵎ عن الفرار من الزحف، مبيناً وعيده بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥].
((إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)) والزحف هو الجيش الكبير أو الكثير العدد، ويسمى زحفاً تسمية له بالمصدر، كما تقول: هذا رجل عدل، والجمع: زحوف، مثل: سلس وسلوس، ويقال: زحف إليه، أي: مشى، وزحف الصبي على استه، أي: قبل أن يقوم، شبه مشي الجيش الكثير للقتال بزحف الصبيان؛ لأن الجيش إذا كان عددهم كبيراً وضخماً فإنه مهما أسرع فإنه يبدو للرائي البعيد كأنه يزحف كما يزحف الوليد؛ فلكثرته يرى كأنه يزحف، أي: يدب دبيباً قبل الالتقاء للضراب أو الطعان، فمعنى قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)): إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل.
وقوله: ((فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ))، أي: لا تولوهم أدباركم، نهاهم عن أن يعطوهم ظهورهم، فضلاً عن أن يفروا أصلاً، يعني: إذا كان هذا الواجب عليكم وإن كنتم قلة وهم كثرة، فكيف إذا كنتم قريبين منهم عداً أو مثلهم عدداً؟ فأولى أن تثبتوا، وألا تولوهم الأدبار، وعدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار، فلم يقل: لا تولوهم الظهور، تقبيحاً للانهزام، وتنفيراً عنه.
стр. 1144
تفسير قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة)
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦].
قوله: ((إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ)) مستثنى من قوله: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ))، أي: فيكون له هذا الوعيد: ((فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)).
قوله: ((مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ)) يعني: مائلاً لقتال، يقال: تحرف وانحرف واحرورف، أي: مال وعدل، ومثل هذا يحدث عندما يقاتل المسلمون أكثر من طائفة، وهناك طائفة أشد خطراً على المسلمين، فقتالها أهم، فيترك قتال الأولى ويوليها دبره؛ لأنه يريد أن يلحق بالطائفة الأخطر على المسلمين والأهم، فهذا لا يعد فراراً من الأعداء، وليس من التولي المنهي عنه في الآية، وإنما هو مستثنى، وهو نوع من أنواع التحرف لقتال.
والنوع الآخر يكون بالفر والكر؛ لأن الحرب خدعة كما قال النبي ﵌، فيخيل للعدو أنه منهزم؛ كي يغتر العدو بذلك فيلحقه، حتى إذا خرج من بين أعوانه ومن بين الجنود الذين معه وانفرد عاد المسلم فكر عليه وحده أو مع كمين آخر من أصحابه المختبئين مثلاً، والذين يخططون لمثل هذا، فهذا باب من أبواب مكايد الحرب، والحرب خدعة، فهذا في الحقيقة ليس فاراً، وإنما فر في الظاهر ليخدع عدوه ويغره، ثم يقتله وحده أو مع الكمين الذي أعده له.
وقوله: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)) أي: منضماً إلى جماعة أخرى من المسلمين؛ ليستعين بهم، فهو يفر في الظاهر؛ لكنه يريد أن يتجه إلى مجموعة أخرى من المؤمنين، فينحاز إليهم؛ ليستعين بهم في القتال.
وقوله: ((فَقَدْ بَاءَ)) أي: رجع، ((بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) أي: بئس ما صار إليه من عذاب النار.
وقد دلت الآية على وجوب مصابرة العدو، أي: وجوب الثبات عند القتال، وتحريم الفرار منه يوم الزحف.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن الفرار يوم الزحف من الكبائر؛ لأنه توعد عليه وعيداً شديداً، وينضم إلى هذا قول النبي ﵌: (اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها التولي يوم الزحف).
وظاهر الآيات العموم لكل المؤمنين في كل زمن وعلى كل حال إلا حالة التحرف أو التحيز، وهذا هو المروي عن ابن عباس، واختاره أبو مسلم، وقال الحاكم: وعليه أكثر الفقهاء, فأكثر الفقهاء أن هذه الآية عامة لكل المؤمنين في كل زمن وعلى كل حال إلا حالة التحرف أو التحيز.
وروي عن جماعة من السلف أن تحريم الفرار المذكور مختص بيوم بدر؛ لقوله تعالى: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ))، قالوا: فقوله: ((يَوْمَئِذٍ)) يعني: يوم بدر.
و
الجواب
أن الراجح أن الإشارة في قوله تعالى: ((يَوْمَئِذٍ)) تعود إلى يوم لقاء الزحف، لا إلى يوم بدر؛ لأن الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)) , و ((إِذَا)) صيغة شرط تفيد العموم، فقوله: ((إِذَا)) أي: في أي مرة تحت أي ظرف وفي أي مكان، فقوله: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ)) فيه إشارة إلى يوم لقيا الذين كفروا زحفاً.
وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن معنى قوله تعالى: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة)) يعني: إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الجماعة التي هو فيها سواء قربت تلك الفئة أو بعدت، وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس؛ لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: (لو تحيز إليَّ لكنت له فئة)، يعني: ما الذي جعله يثبت أمامهم مع كثرة عددهم وانحصار المسلمين في هذا الجسر؟ أما إنه لو أوى إلى أمير المؤمنين لما عد فاراً، بل يدخل تحت قوله تعالى: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)).
والمعنى أنه إذا كان يولي من أمام العدو ليعود إلى الأمير أو إلى المسلمين ليتجهز من جديد ويخرج للقتال، فهذا ليس بالفرار المذكور، ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: (لو تحيز إليَّ لكنت له فئة) وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه: (أيها الناس! أنا فئتكم)، فأمير المؤمنين هو فئة هؤلاء المجاهدين.
وقال الضحاك: المتحيز إلى فئة: الفار إلى النبي ﷺ وأصحابه.
أي: أنه ما دام يفر ويرجع إلى النبي وإلى الصحابة ﵃، ليتجهز للقتال ويعود من جديد فهذا ليس بفار.
وحتى لو كان فراراً في الصورة فهو فرار مستثنى، لقوله سبحانه: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا))، أي: أو يفر متحيزاً إلى فئة، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، وجنح إلى هذا ابن كثير رحمه الله تعالى حيث قال: من فر من سرية إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة.
ثم أورد حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما المروي عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم، قال: (كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟! ثم قلنا: لو دخلنا المدينة) ثم دخلوا المدينة وهم يشعرون بالخجل وبالخزي؛ لأنهم في نظرهم قد حاصوا، أي: فروا من أمام الأعداء، وبعدما دخلوا المدينة حدثتهم أنفسهم أن يعرضوا أنفسهم على النبي ﷺ ليحكم بحكمه فيهم.
قال: (ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا نهيم، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون، فقال: لا، بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وفئة المسلمين).
والعكارون هم الكرارون، يعني: أن هذا ليس بفرار، لكنه كر، فهذا ليس من الفرار، وإنما هو فرار في الظاهر بصورة مؤقتة؛ كي يكروا ويعودوا من جديد إلى قتال هؤلاء الأعداء؛ لأنهم إذا انضموا إلى الإمام الأعظم وهو النبي ﵌ فهم ليسوا فارين؛ لأنهم داخلون في قوله تعالى: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ))، والخليفة فئة كل مسلم، فضلاً عن النبي ﵌.
قال: (فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون، فقال: لا، بل أنتم العكارون، ثم قال: أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده)، ﵌.
قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
وقال الحاكم في مسألة الفرار: إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده، فإن ظن المقاومة لم يحل له الفرار، وإن ظن الهلاك جاز الفرار إلى فئة وإن بعدت إذا لم يقصد الإقلاع عن الجهاد.
يعني: لا يشترط أن الفئة تكون في منطقة قريبة من ساحة القتال، بل يجوز ولو كانت بعيدة، ما دام سينحاز إلى فئة من المسلمين، إذا لم يقصد الإقلاع عن الجهاد، وحمل عليه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المذكور.
وعن الكرخي أنه قال: إن الثبات والمصابرة أمر واجب على المقاتل إلا في ثلاثة أحوال: أولاً: إذا لم يخش الاستئصال.
بمعنى: أنه إذا خشي أن المسلمين يستأصلون تماماً وليس هناك أي ثمرة من القتال فهنا يجوز له الفرار، كما حصل من خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في سرية مؤتة.
ثانياً: أو عرف عدم نكايته في الكفار.
ثالثاً: أو التجأ إلى مصر أو جيش للمسلمين.
وكان ينبغي أيضاً الإشارة إلى اعتبار شرط العدد الآتي بيانه، فإذا زاد عدد الكفار عن ضعف عدد المسلمين، فهذه من الحالات التي يجوز فيها الفرار.
وربما يكون قد أشار إليها ضمناً في قوله: إذا لم يخش الاستئصال، والله تعالى أعلم.
وروي عن عطاء أن حكم هذه الآية منسوخ؛ لقوله تعالى: ((الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)) [الأنفال:٦٦]، قال الحاكم: إذا أمكن الجمع فلا نسخ.
ولكن لا نحتاج إلى هذا الجواب؛ لأن اصطلاح النسخ عند السلف ليس كاصطلاح المتأخرين، فالسلف قد يطلقون النسخ يريدون به عدة معانٍ، أما الخلف فاقتصر النسخ عندهم على أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي آخر مقتضياً خلاف حكمه، هذا عند الأصوليين، لكن النسخ يأتي في البيان، والإفهام بعد الإيهام، كما سبق أن بينا.
يقول القاسمي: كنا أسلفنا أن السلف كثيراً ما يعنون بالنسخ تقييد المطلق أو تخصيص العام، فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها، قال بعض الأئمة: هذه الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة وإن تضاعف عدد المشركين أضعافاً كثيرة، لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال:٦٥]، فأوجب الله المصابرة على الواحد بالعشرة، فلما شق ذلك على المسلمين، رحمهم الله تعالى وأوجب على الواحد مصابرة الاثنين، فقال : ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦].
وعن ابن عباس ﵄: (من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر)، يعني: يجب عليه أن يثبت أمام الاثنين.
وبالجملة: لا منافاة بين هذه الآية وآية الضِعف، فإن هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط ما بينه الله تعالى في آية الضِعف، فقوله : ﴿
стр. 1145
تفسير قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم)
ثم بين ﵎ أن نصرهم يوم بدر مع قلتهم كان بحوله تعالى وقوته، فقال : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:١٧].
قوله: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)) أي: بقوتكم.
يعني: ما وقع من النصر يوم بدر مع قلتكم ليس بفعلكم أنتم.
وقوله: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)) يعني: سبب في قتلهم بنصرتكم وخذلانهم، وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، وأذهب عنكم الفزع والجزع.
وقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ))، يعني: أنت يا خاتم النبيين مَا رَمَيْتَ، أي: ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين، ((إِذْ رَمَيْتَ)) بالحصباء؛ لأنك أتيت بالسبب، وهو أنه ﷺ أخذ كفاً من الحصباء وألقاه وقال: (شاهت الوجوه)، فابتداء الرمي هو من فعل النبي ﵊؛ بدليل أن الله نسب إليه الرمي فقال: ((إِذْ رَمَيْتَ))، لكن هذه كانت معجزة للنبي ﷺ ، فإن مثل هذا الإلقاء من كف واحدة ليس من شأنه في العادة أن يصل إلى عيون الكفار واحداً واحداً؛ فالله هو الذي أوصل هذه الحصباء إلى عين كل واحد منهم، فأشغله بنفسه.
فهذه معجزة كانت من فعل الله في الحقيقة، وإن كان تسبب بها ابتداءً النبي ﵌.
فقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ))، يعني: ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين، فالرمي المنفي غير الرمي المثبت، فالرمي المنفي هو نفي إيصاله إلى وجوه المشركين؛ لأن هذا النوع من الرمي الذي أدى إلى وصول الحصباء إلى عيون المشركين واحداً واحداً هو فعل الله تعالى، وهو المراد بقوله: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)).
وأما رمي النبي ﵌ فهو رمي مثبت ذو حدود، أما الرمي المنفي عن الرسول فإنه من فعل الله ، فقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)) يعني: ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين إذ رميت بالحصباء؛ لأن كفاً منها لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر، ولذا قال سبحانه: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى))، يعني: بلغ في إيصال ذلك إليهم؛ ليقهرهم.
وقال أبو مسلم في معنى الآية: أي: ما أصبت إذ رميت ولكن الله أصاب، والرمي لا يطلق إلا عند الإصابة، وذلك ظاهر في أشعارهم، وقد روى غير واحد أنها نزلت في شأن القبضة من التراب التي حصب بها النبي ﷺ وجوه المشركين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: (شاهت الوجوه)، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، أي: أن يكونوا صادقين في الحملة على المشركين عقب هذه الرمية مباشرة، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، فانهزموا.
يقول الجشمي: تدل الآية على أن فعل العبد يضاف إليه تعالى إذا كان بنصرته ومعونته وتمكينه، فما دام الذي أعان ومكن هو الله ، فينسب الفعل إلى الله ؛ إذ معلوم أنهم قتلوا، وأنه رمى، ولذلك قال: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ))، ولذلك يضاف إلى السيد ما يأتيه غلامه، وتدل على أن الإضافة بالمعونة والأمر صارت أقوى، فلذلك قال: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ))؛ لأن الله هو الذي أعانكم على قتلهم؛ .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة.
وهذا غلط من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع، ومعنى الآية: أن الله أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ونفى عنه الإيصال؛ لأنه لا يقال في لغة العرب: رمى، إلا إذا حصل أنه ضرب بالسهم، والسهم أصاب الهدف، ولا تطلق كلمة الرمي على الحذف الذي لا يترتب عليه الإصابة، يعني: قبل الإصابة لا يطلق عليه رمياً، إنما يطلق العرب الرمي على أن يوجه السهم أو الضربة وأن تصيب، فإن لم تصب فلا يطلق عليه رمي، ولذلك قال تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ))، فقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ)) يعني: ما وصلت وبلغت، وقوله: ((إِذْ رَمَيْتَ)) أي: حذفت.
وقوله تعالى: ((وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ)) أي: ليمنحهم من فضله ((بَلاءً حَسَنًا))، أي: منحاً جميلاً بالنصر والغنيمة والفتح، ثم بالأجر والمثوبة، غير مشوب بمقاساة الشدائد والمكاره، فيعرفوا حقه ويشكروه.
وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، أي: سميع لدعائهم واستغاثتهم، عليم بمن يستحق النصر والغلب.
стр. 1146
تفسير قوله تعالى: (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال:١٨].
((ذَلِكُمْ)) الإشارة إما إلى البلاء الحسن المذكور في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال:١٧]، وإما إلى القتل المذكور في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال:١٧]، وإما إلى الرمي المذكور في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
وإعراب ((ذَلِكُمْ)) على الرفع خبر، أي: الأمر ذلكم، أو المقصود ذلكم.
وقوله: ((وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ))، أي: مضعف بأس الكافرين وحيلهم بنصركم وخذلانهم، أي: أن المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، فإنه قال: ((وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا))، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، وهذه بشارة أخرى، فمع ما حصل من النصر فإنه أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، وأن كيدهم في تبار ودمار، وقد وجد المخبر على وصف الخبر، فصار معجزة للنبي ﷺ ، ولله الحمد والمنة.
стр. 1147
تفسير قوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)
ثم قال مخاطباً المشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩].
قوله: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))، هذا خطاب للمشركين، يعني: إن تطلبوا الفتح وأن يفصل يبنكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم القضاء بما سألتم.
روى أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن ثعلبة: أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة.
يعني: أهلكه الغداة، فكان هو المستفتح؛ ليستعجل فصل القضاء من الله .
وروي أيضاً في بعض الآثار: أنهم تعلقوا بأستار الكعبة، وأخذوا يدعون الله أن ينزل العذاب والهلكة، وأن يهزم أظلم الفريقين، وأقطعهم للرحم، وأفسدهم في الأرض، وأبعدهم عن الله .
فهم استفتحوا، بمعنى: أنهم سألوا الله أن يفتح بين الفريقين، فالله يقول لهم: أنتم جلبتم ذلك لأنفسكم، ألستم أنتم الذين استفتحتم؟ ألستم الذين قلتم: اللهم أهلك أظلمنا وأقطعنا للرحم، وأبعدنا منك؟ فلذلك جاءت الآية: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))، أي: أنتم الذين استفتحتم وطلبتم أن يقضي الله بينكم.
وعن السدي: أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال تعالى: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)).
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن هذه الآية إخبار عنهم بما قالوا؛ لأنهم أيضاً استفتحوا في الآية الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢].
وقيل: إن في هذا الخطاب تهكماً بهم.
أي: أنتم الذين استفتحتم، ودعوتموني أن أنصر أعز الفريقين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين! فتهكم الله بهم بقوله: ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))؛ لأن الذي جاءهم هو الهلاك والذلة، وهذا كما في كلمة (بشر) في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣]، فإن الكافر عندما يسمع كلمة (بشر) ينشرح، فإذا صدم بكلمة (عذاب أليم) يعرف أن المقصود بها التهكم، فكذلك قوله تعالى هنا: ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)) المقصود بها التهكم؛ لأن الذي جاءهم كان الذلة والهلاك والصغار.
والقول بأن المقصود من قوله تعالى: ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)) التهكم يصح إذا قلنا بأن الفتح بمعنى النصر.
لكن له معنىً آخر فسرت به الآية أيضاً، وهو: أن الفتح هو الحكم والفصل بين الخصمين والقضاء بينهما، فقوله: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا))، أي: أنتم طلبتم القضاء والحكم، ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)) أي: حكمي وقضائي.
وقوله: ((وَإِنْ تَنتَهُوا))، يعني: إن تنتهوا وتتوبوا عن الكفر وعن عداوة الرسول ﷺ .
((فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)) في الدنيا وفي الآخرة.
((وَإِنْ تَعُودُوا)) لمحاربة رسول الله ﷺ ((نَعُدْ)) لنصره عليكم.
((وَلَنْ تُغْنِيَ))، أي: لن تدفع ((عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)) بالنصر، وقرئ: (وإن الله مع المؤمنين) استئنافاً.
وجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا)) للمؤمنين، أي: إن تطلبوا الفتح، ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))، فيكون هذا بشارة للمؤمنين بالنصر، والمعنى: إن تطلبوا النصر باستغاثتكم ربكم فقد حصل لكم ذلكم، فاشكروا ربكم، والزموا طاعته.
وقوله: ((وَإِنْ تَنتَهُوا)) يعني: عن المنازعة في أمر الأنفال -على أن الخطاب للمؤمنين- وعن طلب الفداء عن الأسرى الذي عوتبوا عليه بقوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨].
فقوله تعالى: ((وَإِنْ تَنتَهُوا))، أي: عن مثله، ((فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا))، أي: إلى تلك المنازعات ((نعد)) عليكم بالإنكار، وتأييد العدو؛ لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة إذا لم يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم، وهذا الوجه قرره الرازي، ونقله عنه البيضاوي.
قال البيضاوي: ويؤكده الآية بعد؛ فإن المراد بها الأمر بطاعة الرسول ﷺ ، والنهي عن الإعراض عنه.
يعني: أن البيضاوي يرجح هذا التفسير الأخير، وهو أن الخطاب للمؤمنين.
((وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ))، أي: الكاملي الإيمان الذين لا يخالفون الرسول ﵌ في هذه المنازعات.
стр. 1148
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون)
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠].
قوله: ((وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ))، أي: لا تعرضوا عنه بمخالفة أمره، ((وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ))، أي: تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته.
والواقع الذي يعيشه الآن المسلمون بعدما وضعت راية الجهاد واقع مؤلم؛ ذاقوا فيه الذل والصغار على يد أحقر خلق الله ، فلماذا يخاف أعداء هذه الأمة من يقظة روح الجهاد في المسلمين؟ وأتذكر واقعة حصلت في بداية حرب أفغانستان، وطبعاً الأوضاع كانت مختلفة تماماً عما نحن عليه الآن، فالسعودية كانت متحمسة جداً، كما كان الحال هنا أيضاً في مصر لجهاد الأفغان ضد الروس، ثم عقد مؤتمر لمناصرة أفغانستان في السعودية، وكان الملك فهد ولي العهد في أيام الملك خالد ﵀، فالمهم أن فهداً ارتفعت حرارته قليلاً، فتحمس في المؤتمر، وأعلن الجهاد، فقامت الدنيا كلها ولم تقعد، وحصلت ضغوط شديدة بصورة لم تكن متوقعة، ونحن نعرف عندنا أن هؤلاء عندما يعلنون الجهاد في مثل هذه المؤتمرات لن يكون هناك أي شيء، ومع ذلك ارتعدت جميع الدول الكافرة، فاضطر إلى أن يصدر تصريحاً آخر بعد ذلك، ويعلن أنه إنما كان يقصد جهاد النفس، وهذا يدل على الضعف والخور الذي نحن فيه، وأننا لا نستطيع حتى أن نقول: جهاد، وأصبح الحال كما يقول الشاعر: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع! هذا هو حال جهادنا الآن، ومع ذلك ما تحملوا حتى مجرد هذه الإشارة الخفيفة؛ لأنهم فقهوا مكامن القوة في الإسلام أكثر مما يفقهها كثير منا، وعرفوا أن هذا فقط هو الذي يعيد للمسلمين عزهم، أما إذا تركوا الجهاد فلابد أن يلزمهم الذل والصغار، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ ، فصحح كلامه تحت الضغط مع أنه كلام في الهواء.
ونقول: فلماذا تعلن عن الجهاد؟! فإن جهاد النفس معلن منذ زمان عند الصوفية وعند غيرهم، والله المستعان! فالشاهد: أننا ونحن نتعامل مباشرة مع الوحي الإلهي نحس بهذه الروح، وفعلاً حُقَّ لأعداء الإسلام أن يخافوا من القرآن، وحُقَّ لهم أن يخافوا من بعث روح الجهاد في المسلمين، ومهما راحوا أو جاءوا فلن يرفع شأن المسلمين إلا الجهاد في سبيل الله ، لا في سبيل أرض، ولا وطن، ولا مبادئ مفسدة، كما بين الصادق المصدوق ﷺ أن القتال سيعود مع اليهود في آخر الزمان، وأن الحجر سينطق، كما قال ﵊: (لتقاتلن اليهود، حتى إن اليهودي يختبئ وراء الحجر أو الشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود).
فلا يصفه ولا يقول له إلا: يا مسلم! يا عبد الله! قال : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]، وبخلاف هذا لن نذوق إلا الذل والصغار والهوان أكثر مما نحن عليه الآن، والله المستعان.
стр. 1149
تفسير قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)
ثم قال ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢١].
قوله: ((كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا)) يعني: كالذين ادعوا السماع.
وقوله: ((وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ))، يعني سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون، فالمنفي هنا سماع خاص، وهو سماع التدبر والاتعاظ، وإلا فإن السماع الذي هو سماع الحاسة موجود حتى عند البهائم، فلو أن واحداً أتى بالمعلقات السبع ووقف أمام بقرة أو حمار أو عنزة وظل يقرأ أمامها المعلقات السبع، فإنها ستسمع الحروف، لكن لا تفقه المعاني، وهذا هو السماع المنفي عن هؤلاء الكفار؛ حيث نفى الله عنهم السمع والبصر والعقل.
والمقصود أن عندهم عقولاً لكنهم لم ينتفعوا بها في الهداية والتدبر والاتعاظ، وكما قال : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١]، فالحمار إذا ظللت تناديه أو تتلو أمامه قصيدة أو خطبة وتكلمه، فهو يسمع الحروف سماع دعاء ونداء، فيقول له صاحبه ألفاظاً معينة ويحفظها، فينفذ الأوامر، لكنه إذا كلمه وخاطبه لا يعقل، فهذا هو حال الكفار بالضبط، بل هم أضل من البهائم، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، أثبت للمؤمنين فيها سماع القرآن، وهو التدبر والفهم، ثم أردف ذلك بقوله: ((وَلا تَكُونُوا))، أي: إياكم أن تكونوا ((كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا))، أي: ادعوا أنهم يسمعون، لكن في الحقيقة ((وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ))، أي: سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون.
فالمنفي سماع خاص، لكنه أتى به مطلقاً للإشارة إلى أنهم نزلوا منزلة من لم يسمع أصلاً، وذلك بجعل سماعهم بمنزلة العدم؛ لأن الله أعطاك السمع والبصر والعقل لأجل أن تستعمل هذه الآلات في توحيده وفي فهم آياته، وهذه هي الغاية من خلق هذه الحواس، فإذا عطلتها عن وظيفتها فلم تستعملها فيما خلقت له، فكأنك لم ترزق، وأنت بهذا ما انتفعت الانتفاع المطلوب بهذه الحواس.
قال الزمخشري: ((وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)) والمعنى: أيها المؤمنون! إنكم تصدقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن.
هذا قول آخر للزمخشري.
стр. 1150
تفسير قوله تعالى: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
ثم بين تعالى سوء حال المشبه بهم، وذلك بعد أن بين أنهم إن لم يسمعوا ويطيعوا فسيكونون مثل الكفار، فقال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢١]، فمبالغة في التحذير وتقريراً للنهي بيَّن سوء حال المشبه بهم، فقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
الدَّوَاب جمع دابة، والمقصود: ما يدب على الأرض.
وبهذا المعنى العام يعتبر الإنسان من الدواب؛ لأنه يدب ويتحرك على الأرض، أو يقصد بها البهائم، فالمعنى: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ))، يعني: إن شر البهائم، ((عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ))، أي: عن سماع الحق ((الْبُكْمُ))، يعني: الذين لا ينطقون به، ((الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ))، أي: الذين لا يفهمونه، فجعلهم الله تعالى من جنس البهائم؛ لصرفهم جوارحهم عما خلقت له، وليس هذا فحسب، فإن الله لم يقل: إن هؤلاء الكفار دواب أو بهائم، وإنما قال: هم شر البهائم، فنظمهم في سلك البهائم والعجماوات التي لا تعقل، ثم وصفهم بأنهم شر هذه البهائم جميعاً، وهذا شيء منطقي وشيء مقبول؛ لأنهم عاندوا بعد الفهم، وكابروا بعد العقل، وهذا غاية في الذم، وقد كثر في التنزيل تشبيه الكافرين بنحو هذا، كقوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١].
وهنا تنبيه مهم: وهو أن بعض الناس قد يحصل منه -ومنا عموماً- عدم دقة في استعمال بعض التعبيرات، فنسمع من يصف الكافر الفلاني بأنه خنزير، وهذا قرد وهذا كذا وكذا، وربما ظن أن هذا جائز، وأنه إذا شتم أحداً بمثل هذه الألفاظ لم يأثم، وإذا قيل له قال: إن في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وقال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]، فنقول: أنت إذا ضبطت كلامك فهمت أن الآيات الكريمات لا تدل على ما تذهب أنت إليه؛ فالقرآن لم يقل: هم حمير، ولم يقل: هم كلاب، وإنما قال: (مثل) فشبه؛ وأنت إذا قلت: فلان كذا، وذكرت حيواناً من هذه الحيوانات فهذا كذب وفحش من القول، والأصل أن المسلم يتنزه عن هذا، إلا في حالات قليلة، لأنك إذا قلت: فلان خنزير فهو ليس بخنزير، لكن ممكن أن تشبهه بالخنزير، كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وقال أيضاً: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦].
فالله أكثر في القرآن الكريم من تشبيه الكفار بنحو ذلك، كقوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة:١٧١]، أي: يدعو بصوت عالٍ، ﴿بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١]، أي: يسمع الصوت لكن لا يفهمه.
стр. 1151
تفسير قوله تعالى: (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم)
ثم يقول ﵎: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
قوله: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ)) أي: في هؤلاء الصم البكم، ((خَيْرًا)) أي: صدقاً ورغبة في الحق، ((لَأَسْمَعَهُمْ)) الحجج والمواعظ، ولذلك ممكن أن تجد إنساناً موغلاً في الكفر ثم يمن الله عليه بالهداية؛ لأن الله علم في قلبه خيراً، أي: هذا المعدن علم الله أن فيه خيراً، فلذلك أسمعه، ونزع القفل من على قلبه، وفتح قلبه للإيمان، فهداه الله ، وأما الذين يحرمهم الله من نعمة الإيمان فإنه سبحانه علم أن هؤلاء ليس في قلوبهم خير، ولذا قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
فالإنسان أحياناً يقف من أحوال بعض الكفار الذين هداهم الله للإسلام على شيء عجيب جداً، من شرح الصدر لنور الحق، الأمر الذي يتفوقون فيه على كثير ممن يحملون أسماء المسلمين وهم أبعد ما يكونون عن الإسلام، وقد سمعت عن أخت أمريكية أو بريطانية أتت مع زوجها المسلم الذي التزامه ليس بذاك، فأتت معه إلى مصر، لكنها لما أسلمت صارت ملتزمة التزاماً متيناً بالدين، وتزوجت هذا المسلم، فلما أتت معه إلى شوارع الإسكندرية كانت طول ما هي ماشية في الشوارع تقول: ما شاء الله، الحمد لله، كل المسلمات في بيوتهن! يعني: أنها كانت تحمد ربنا على أن اللاتي في الشوارع المتبرجات هؤلاء كلهن غير مسلمات، وأن المسلمات المحجبات قارات في بيوتهن؛ لأنها فهمت أن كل المتبرجات يهوديات أو نصرانيات غير مسلمات، فهي تحمد الله أن المسلمات قارات في البيوت، ولا يخرجن في هذه الفتن، والله المستعان! وقوله: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ)) يعني: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهم وتدبر، أي: لجعلهم سامعين؛ حتى يسمعوا سماع المصدقين، ولكن لم يعلم الله فيهم شيئاً من ذلك؛ لخلوهم عن الخير بالمرة، ولم يسمعهم كذلك لخلو السماع عن الفائدة وخروجه عن الحكمة، وإليه أشير بقوله تعالى: ((وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا))، يعني: ولو أسمعهم سماع تفهم وهم على هذه الحالة العارية عن الخير بالكلية لتولوا عما سمعوه من الحق، ((وَهُمْ مُعْرِضُونَ)) أي: عن قبوله جحوداً وعناداً.
стр. 1152
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)
ثم ذكر ﵎ آية من الآيات التي من المفروض أن كل واحد منا لا أقول: يعلقها على كل متر من بيته، لكن يثبتها في قلبه، ويجعلها دائماً نصب عينيه، خاصة في هذا الزمان، وهي قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤].
قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)) الاستجابة هنا بمعنى الإجابة.
أي: أجيبوا الله والرسول، وكلمة: ((إِذَا دَعَاكُمْ)) تحتم أن يكون (استجيبوا) بمعنى: أجيبوا؛ لأن من دعاك فأجبه، كما تقول: من دعاك استجب له، وعلى هذا يكون معنى قوله: (استجيبوا) يعني: أجيبوا؛ لأنها تقابل الدعاء، قال الشاعر: وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب فقوله: (فلم يستجبه) يعني: لم يجبه، فمعنى الاستجابة الإجابة، والمراد بها الطاعة والامتثال، وإنما وحد الضمير في قوله ﵎: ((إِذَا دَعَاكُمْ))، ولم يقل: إذا دعياكم أو دعواكم -أي: الله والرسول- لأن الرسول ﵊ هو المباشر للدعوة إلى الله ﵎، ولأن استجابته ﷺ كاستجابته تعالى، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، كقول تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩].
стр. 1153
معنى استجابة المؤمنين لما يحييهم
وقوله: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) قال عروة بن الزبير فيما رواه ابن إسحاق: أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل.
أي: وقواكم به بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم.
وإنما سمي الجهاد حياة لأن في وهن عدوهم بسببه حياة لهم وقوة، ولأن الجهاد يضعف العدو، فإذا ضعف العدو فهذا يعطي المسلمين الحياة والقوة، أو لأنه سبب لحصول الشهادة التي توجب لهم الحياة الدائمة، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩].
فقوله: ((إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) على هذا التفسير أي: إلى الجهاد الذي يترتب عليه أن تنالوا الحياة الدائمة في جنات الفردوس.
أو أن قوله: ((إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: إلى الجهاد الذي هو سبب المثوبة الأخروية التي هي معدن الحياة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤]، يعني: لهي الحياة الدائمة، فيكون مجازاً مرسلاً بإطلاق السبب على المسبب.
وقيل: إن قوله: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: لما يحييكم من العلوم الدينية التي هي مناط حياة القلب كما أن الجهل موته.
إذاً: في قوله ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) أقوال: القول الأول هو: الطاعة والامتثال.
القول الثاني: هو الجهاد في سبيل الله ﵎؛ لأن في وهن عدوكم بسبب الجهاد حياة لكم وقوة، أو لأنه يكون سبب الحياة الدائمة بعد الشهادة، أو سبب المثوبة الأخروية التي هي معدن الحياة.
القول الثالث: العلوم الدينية التي هي مناط حياة القلب، كما أن الجهل موته.
قال الشهاب: وإطلاق الحياة على العلم والموت على الجهل استعارة معروفة ذكرها الأدباء وأهل المعاني، وأنشد الزمخشري لبعضهم: لا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن يعني: أن الزينة هي زينة العلم، ولذا لم يأمر الله ﵎ نبيه أن يسأله الاستزادة إلا من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، يعني: وحياً، فالجهل يعبر عنه بالموت.
وقول الشاعر: (لا تعجبن الجهول حلته)، يعني: أن الجاهل الذي يلبس حلة نفيسة وجميلة لا تغني عنه شيئاً، وإنما هذه الحلة بالنسبة له مثل الكفن على جسد الميت، وهل يغني الكفن الحسن عن الميت شيئاً؟! فكذلك الجهل.
فهذا كله مما يرشح هذا القول بأن قوله: ((إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: العلم الذي يحييكم، والذي بدونه تكونون موتى، وقد جاء هذا في قول أبي الطيب من قصيدته التي أولها: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن ومنها: لا تعجبن مضيماً حسن بزته وهل تروق دفيناً جودة الكفن أي: هل الميت المدفون ينبسط؛ لأن الكفن الذي عليه جيد وحسن؟! والأظهر أن معنى قوله تعالى: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)): ما يصلحكم من أعمال البر والطاعة، أي: أنه عام؛ لأن الصيغة هنا تعم جميع أعمال البر والطاعة، فيدخل فيه ما تقدم وغيره، فالجهاد منها، والشهادة في سبيل الله منها، والعلم الشرعي منها، والطاعة منها، والصلاة منها، والزكاة منها وهكذا.
وقد استدل النبي ﷺ بهذه الآية على وجوب إجابته إذا نادى أحداً وهو في الصلاة، فقد روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلا ﵁ قال: (كنت أصلي، فمر بي النبي ﷺ فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: ما منعك أن تأتيني؟! ألم يقل الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ))).
стр. 1154
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه
وقوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) يحتمل وجوهاً من المعاني: الوجه الأول: أنه تعالى يملك على المرء قلبه، يعني: اعلموا وتذكروا أن قلوبكم ليست ملكاً لكم، ولستم أنتم الذين تصرفونها وتوجهونها، وإنما مالك القلب هو الله وحده يصرفه كيف يشاء، فيحول بينه وبين الكفر إذا شاء له الهداية، ويحول بينه وبين الإيمان إذا أراد ضلالته.
وهذا المعنى رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس وصححه، وقاله غير واحد من السلف، ويؤيده ما روي أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، فقيل: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم؛ إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها)، رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنس، وفي لفظ مسلم: (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد؛ يصرفها كيف شاء)، ثم قال ﷺ : (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك)، وفي رواية: (إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه).
إذاً: المقصود من قوله ﵎: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) أن الله يملك القلب، ويتمكن منه، ويصرفه كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبه، فصاحب القلب نفسه الذي قلبه في بدنه لا يملك أن يوجه قلبه، لولا أن يتولى الله توجيهه.
فقوله ﵎: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) يعني: إذا علمتم ذلك فخافوا على أنفسكم، واستعينوا بالله على أن يثبت قلوبكم على الإيمان؛ لأنه يحول بين المرء وقلبه.
وتخيل أنت الفرق الذي يكون بين الإنسان وقلبه الذي هو فيه، ومع ذلك فإن الله يحول بين المرء وقلبه، فانظر إلى قدرة الله وتمام ربوبيته وتصريفه لأحوال الخلق، وقد قال النبي ﵌: (إنما سمي القلب قلباً لتقلبه)، وقال ﵊ ما معناه: (مثل القلب كمثل القدر إذا استجمعت غلياناً -أو- للقلب أشد اضطراباً من القدر إذا اجتمعت غلياناً)، فالقدر بعد الغليان تتحرك فيه كل أجزاء السائل الذي يغلي، فكذلك القلب لا يعرف الثبات إلا أن يثبته الله .
وقال ﵊: (ومثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تحركها الرياح)، فكلمة القلب مأخوذة من التقلب، فالقلب لو رفعت عنه عناية الله لا يثبت، بل يتقلب، إلا أن يثبته الله .
الوجه الثاني في تفسير قوله : ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)): أنه حث على المبادرة إلى الطاعة قبل حلول المنية، أي: بادروا إلى التوبة وإلى الطاعة قبل أن يأتيكم الموت، فمعنى يحول بينه وبين قلبه: يميته، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، فالآن لم يحل الله بينك وبين قلبك؛ لأنك ما زلت حياً، والقلب يدق وينبض بالحياة، فإذا تبت قبلت توبتك، فبادر الآن لإصلاح حالك مع الله قبل أن يحول بينك وبين قلبك؛ لأن أصل التوبة وأساس التوبة هو القلب، ويحال بينك وبين قلبك بالموت.
فهذا معنى قوله : ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ))، يعني: بحلول الموت، فلا تملك التوبة إذا حل الموت، فاستدرك واغتنم الفرصة الآن وقد وجدتها، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله، فأي إنسان إذا أصيب بمرض في عضلة القلب يفزع فزعاً شديداً، وهل يكون انفعال الإنسان بالمرض الذي في قلبه -العضلة نفسها- مثل أي ألم في أصابعه أو جلده أو في أي جهاز آخر؟ فأفزع ما يكون الإنسان إذا علم أن في قلبه مرضاً، فإنه يفزع ويخاف من الموت، ويهرول إلى الأطباء يلتمس عندهم الشفاء، فأولى ثم أولى أن الإنسان إذا أحس أن في قلبه مرضاً أن يهرول إلى علاجه قبل أن يحول الله بينه وبين هذا القلب بموته.
وكما أن البدن له أدوية يتعاطاها الإنسان فيشفى بإذن الله، فكذلك القلب أمراضه لها دواء، وعلى الإنسان أن يسارع بالتفتيش عن هذه العلاجات؛ ليطهر قلبه، ويرده إلى الصحة والعافية من جديد قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت، فلا يستطيع إصلاحه بعد الموت؛ فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلفوها لطاعة الله ورسوله ﷺ ، فشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه الذي به يعقل في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه.
الوجه الثالث: أن المقصود التعبير بها عن غاية القرب من العبد، فقوله: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) يعني: أن الله قريب منك جداً؛ لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما.
وانفصال أحدهما عن الآخر معناه: كأن القلب في جهة والإنسان نفسه في جهة، والله يحول بين الاثنين، فمن الأقرب إلى الإنسان؟ ومن أقرب إلى قلبه؟ هل القلب أقرب إلى المرء، أم أن الله أقرب إلى الإنسان من قلبه وأقرب إلى القلب من الإنسان؟ فهذا المعنى يفيده قوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) فيحول معناها: يقرب، وهذا المعنى نقل عن قتادة؛ حيث قال: إن قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فيه تنبيه على أنه تعالى مطلع من مكنونات القلوب على ما عسى أن يغفل عنها صاحبها.
وقوله: ((وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) أي: فيجزيكم بأعمالكم.
стр. 1155
تفسير ابن القيم لقوله: (إذا دعاكم لما يحييكم)
وهنا كلام طيب جداً للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الفوائد نختم به الكلام على هذه الآية، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قول الله تعالى ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، تضمنت هذه الآية أموراً: أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة لله ولرسوله ﷺ .
يعني: لا يحصل الإنسان الحياة النافعة إلا إذا استجاب لله ولرسوله ﷺ ، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وكل من لم يستجب لله ورسوله فهو كالميت، وإن كانت له حياة بهيمية، فمثله مثل الطيور والأسماك والضفادع والبرمائيات والزواحف وهكذا، كل هذه الأعضاء في المملكة الحيوانية هو مثلها، يشترك معها في الحياة البهيمية الحيوانية.
فقد تكون للإنسان حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، لكن ليس له هذه الحياة الحقيقية التي هي حياة روحية، ولا تحصل إلا بطاعة الله ورسوله ﷺ .
فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ﷺ ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، حتى بعد أن يموتوا فهم أحياء، وأقرب مثال: هذا الرجل الذي ألف هذا الكتاب ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى الذي يخاطبنا الآن، فهو في الحقيقة حي، يعني: أن الحياة الحيوانية ذهبت بخروج روحه، لكنه حي معنا إلى أن يشاء الله ، وكم ممن يعيش بيننا هو والميت سواء؟! فرغم أن الحياة البهيمية موجودة، لكن لا خير فيه، وإذا مات تستريح منه البلاد والعباد.
فمن الحياة الحقيقية أن نتذكر هؤلاء الصالحين، في عبادتهم، وفي علمهم وطاعتهم لله ورسوله ﷺ ، وفي تضحيتهم في سبيل الدين، فالذكر للإنسان عمر ثانٍ، كما يقولون.
وأكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ ، فكلما زادت استجابة الإنسان للشرع المطهر وطاعة الله ورسوله قويت فيه هذه الحياة، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، بقدر ما يفوته من الاقتداء بالنبي ﵊، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول ﷺ .
قال مجاهد: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: للحق، وقال قتادة: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاح والعصمة في الدنيا والآخرة.
وقال السدي: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر.
قال ابن إسحاق وعروة بن الزبير واللفظ له: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم، وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة، وهي القيام بما جاء به الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً.
قال الواحدي: والأكثرون على أن معنى قوله: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)): هو الجهاد، وهو قول ابن إسحاق، واختيار أكثر أهل المعاني.
قال الفراء: ((إِذَا دَعَاكُمْ)) إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم.
قلت - ابن القيم -: الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة.
يعني أن الجهاد من أعظم ما يحييهم الله به، فالجهاد يحيي المؤمنين في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة: أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد؛ لأن العدو إذا لم يقهروه سوف يقتلهم ويبيد حياتهم، فإذا قهروا عدوهم استبقوا حياتهم.
وأما في البرزخ فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم، ولهذا قال ابن قتيبة: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: الشهادة، وقال بعض المفسرين: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: الجنة، فإنها دار الحيوان، وفيها الحياة الدائمة الطيبة، حكاه أبو علي الجرجاني.
والآية تتناول هذا كله، فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحيي القلوب الحياة الطيبة، وكمال الحياة في الجنة، والرسول داعٍ إلى الإيمان وإلى الجنة، وهو داعٍ إلى الحياة في الدنيا والآخرة.
стр. 1156
حياة البدن بالعافية وحياة القلب بالإيمان
قال: والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة: حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار، ويؤثر ما ينفعه على ما يضره، ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك، ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافى من ذلك، فليست حياة الذي يحيا حياة ضنكٍ مثل حياة المعافى من هذا الضنك.
ثم قال: وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل، والغي والرشاد، والهوى والضلال، فيختار الحق على ضده، فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال، وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل، فشعوره وتميزه ونصرته بحسب نصيبه من هذه الحياة، كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم.
يعني: كما أن البدن إذا كانت الشبكة العصبية فيه سليمة فإنه إذا أحس بوخزة دبوس أو بنار تلسع يتألم؛ لأن الشبكة العصبية سليمة، لكن لو أن الشبكة فيها قطع، أو فيها فساد، فممكن أن لا يتألم الإنسان، وقد تدخل فيه الشوكة أو المسمار ولا يحس بذلك؛ لضعف الحياة فيه.
فالبدن كلما كان أتم حياة كان إحساسه بالشيء المؤلم والضار أكثر من غيره، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم، وكذلك القلب إذا بطلت حياته بطل تمييزه، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، فطاعة الله وطاعة الرسول عليه والسلام لها ثمرة، وهي أن يلقي الله في قلبه نوراً يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، ولا يقع في الشبه والضلالات والوساوس.
فكلما زادت حياة الروح بالقرآن وبالعلم النافع ازداد اتضاح الأمور أمامه، فيرى الأبيض أبيض والأسود أسود، والتميز بين الحق والباطل يكون حداً فاصلاً بدون اختلاط، فإذا بطلت حياته بطل تمييزه، وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار.
يعني: إما أن يفقد حياة القلب تماماً فبالتالي لا يميز، كحال الكفار، فالكافر لا يمكن أن يرى الحق، وإما أن يكون عنده تمييز، لكن ليس عنده همة بأن يؤثر النافع على الضار وقد علم النافع من الضار، كما أن الإنسان لا حياة له، حتى ينفخ فيه الملك -الذي هو رسول الله- من روحه.
وهنا في الحقيقة تعبير من أروع تعبيرات الإمام الجليل ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، وخلاصة الكلام أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يلخص هذا الكلام الذي ذكرناه كله في أن الإنسان إذا أراد أن تتم حياته واستنارته فلابد أن يتوقف هذا على نفختين: نفخة من الرسول الملكي، ونفخة من الرسول البشري ﵊.
ويقصد بالنفخة من الرسول الملكي: نفخة الملك عندما يأتي الجنين في بطن أمه وينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات، كما هو معلوم، فهذه النفخة تحدث للإنسان حياة البدن الدنيوية، وهذه الحياة هي الحياة البهيمية؛ لأنها مشتركة بين الكائنات كلها، وبين المؤمن وبين الكافر.
وحتى تتم له حياة القلب لابد من نفخة من الرسول البشري، وهو محمد ﵌، بأن يؤمن به، ويتبع هديه ﷺ ، فتتم له الحياتان هنا.
стр. 1157
النفخة الملكية والنفخة النبوية لحياة الإنسان
يقول ابن القيم: كما أن الإنسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه، فيصير حياً بذلك النفخ، وكان قبل ذلك من جملة الأموات، فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول ﷺ من الروح الذي ألقى الله تعالى إليه.
أي: القرآن الكريم، فإذا انتفعت بالقرآن الكريم وارتبطت بالقرآن الكريم فهذه هي النفخة التي تعطيك حياة القلب، وكلما ضعف ارتباطك بالقرآن الكريم ضعف هذا الإيمان في قلبك.
يقول: فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول ﷺ من الروح الذي ألقى الله إليه، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:٢]، ويقول تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
فأخبر أن وحيه روح ونور، فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول الملكي، فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان، ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين وفاتته الأخرى، فالكافر حصل نفخة الملك لأن فيه روحاً؛ لكن فاتته نفخة الرسول ﷺ ؛ لأنه لم يؤمن به، وبالتالي لن ينتفع بهدي القرآن الكريم، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] بالإسلام، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، فجمع للمؤمن بين النور والحياة، كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة.
وقال ابن عباس وجميع المفسرين: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] يعني: كان كافراً ضالاً فهديناه.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] هذا يتضمن أموراً: أحدها: أنه يمشي وسط الناس هم في ظلمة وهو في نور، فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل، فضلوا ولم يهتدوا للطريق، وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها ويرى ما يحذره فيها.
وثانيها: أنه يمشي فيهم بنوره، فهم يقتبسون منه لحاجتهم إلى النور، هذا حال المؤمن المستقيم الداعية في وسط الذين يمشون في الظلام، ويتيهون ويعمهون ويترددون ويتحيرون، فهم محتاجون إلى هذا النور الذي معه؛ كي ينجوا في هذه الطريق.
وثالثها: أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في ظلمات حقدهم ونفاقهم.
стр. 1158
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه عند ابن القيم
وقوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ))، المشهور في الآية أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته.
وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين.
وفي الآية قول آخر: أن المعنى: أنه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية، فهو بينه وبين قلبه.
ذكره الواحدي عن قتادة، وكأن هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله بين العبد وقلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه.
وعلى القول الأول فوجه المناسبة: إنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن يحول الله بينكم وبين قلوبكم.
فإذاً هنا تهديد: لا تأمنوا، وإياكم أن يعاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم، فلا يمكنكم بعد ذلك الاستجابة.
فإذا لم تبادروا فلا تأمنوا أن يعاقبكم الله بالحيلولة بينكم وبين الاستجابة، وبين الحق واستبانته، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]، لأنهم لم يبادروا، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف:١٠١]، ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب.
كما أن الاستجابة لا تقتصر على الاستجابة بالجوارح، لكن تكون أيضاً بالقلب.
فالله يحول بينكم وبين قلوبكم، ويطلع على قلوبكم، وهو أقرب منكم إلى قلوبكم.
وفي الآية سر آخر: وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به -وهو الاستجابة- وبين القدر والإيمان به، فجمعه بين الشرع والقدر في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ))، فهنا أمر شرعي طلبي، ثم قال: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ))، فيكون كمثل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، هذا شرع، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٥ - ٥٦].
стр. 1159
تفسير سورة الأنفال [٢٥ - ٣٤]
стр. 1160
تفسير قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)
قال : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥].
ختمنا الكلام في الدرس الماضي بقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، ثم يقول تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)).
والفتنة إما بمعنى الذنب، وعلى هذا فقوله: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً)) يعني: اتقوا الذنب الذي تترتب عليه هذه العقوبة، والذنب يكون مثل إقرار المنكر، وافتراق الكلمة، والتكاسل في الجهاد.
وإما أن تكون الفتنة بمعنى العذاب، وعلى هذا فقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً)) أي: اتقوا العذاب.
فإن أريد بالفتنة الذنب فقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً)) يعني: اتقوا ذنباً أو معصية، وقوله: ((لا تُصِيبَنَّ)) أي: لا يصيبن أثره أي: العذاب، ((الذين ظلموا منكم خاصة)).
وإذا قلنا: إن الفتنة بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات:١٤] يعني: عذابكم، فالمعنى: اتقوا إصابة العذاب بنفسه.
وقوله: ((لا تُصِيبَنَّ)) هذا جواب للأمر: ((وَاتَّقُوا))، أي: إن أصابتكم لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم، لكن شؤمها يتعدى إلى الجميع، فتشمل الظالمين المذنبين وغيرهم؛ بشؤم صحبتهم؛ لأنهم عاشوا معهم، وخالطوهم، وتعدت رذيلتهم إلى من يخالطهم، فإن الأشرار والفساق يتعدى شؤمهم إلى من يساكنهم ويركن إليهم، فيصيبه شؤمهم بسبب مصاحبتهم، وذلك كقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١].
وقد روى الإمام أحمد عن جرير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب).
قال الكرخي: ولا يستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، لأن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فالواجب على كل من رآه أن يغيره إذا كان قادراً على ذلك، فإذا سكت الجميع فكلهم عصاة؛ هذا بفعله وهذا برضاه.
وقدر الله تعالى بحكمته أن الراضي بمنزلة العامل، فانتظما في العقوبة، ودخل فيها الراضي؛ لأن السكوت علامة الرضا، ولذلك فإن العذاب يعم الجميع، وهذا لا يتعارض مع قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؛ لأنهم ما داموا قادرين على التغيير ولم يغيروا فإن سكوتهم يعني الموافقة والإقرار والرضا، فاستووا مع الذين عصوا.
فإنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم، أما الإنكار باليد وباللسان فعلى التفصيل المعروف في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وليس بعد ذلك عذر لمعتذر، فالإنسان قد يكون للناس سلطان عليه بالقهر، فيمنعه ذلك من التغيير باليد أو باللسان، لكن لا سلطان لأحد على القلب، فإذا كان القلب لم ينكر المنكر فلا شك أن صاحبه راض بهذا المنكر وآثم بسبب ذلك.
فإذاً: علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل، لكن ما دام قلبك يستقبح المنكر ويكرهه ويبغض أهله فلا وزر عليك، وإن كنت عاجزاً عن تغييره باليد أو باللسان، المهم أن القلب يكون مطمئناً بالإيمان ومتألماً بسبب هذه المعاصي.
وذكر القسطلاني أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارهاً له إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن متألماً فهو راضٍ بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار.
وعن ابن عباس ﵄ قال: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥]، يعني: لمن يخالف أوامره.
следующие страницы →