← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

تفسير قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]. قوله: (ولقد اخترناهم) أي: فضلنا بني إسرائيل على العالمين، وليس لبني إسرائيل في هذا الزمان أو المنسوبين إليهم أن يفرحوا بمثل هذه الآية، ويستدلوا بها في أروقة الأمم المتحدة على أن القرآن يمدحهم، وأن القرآن يثبت أحقيتهم بفلسطين، كلا، فإن هؤلاء الذين يمدحهم الله في القرآن هم المؤمنون من بني إسرائيل، وهم إخواننا وهم مسلمون مثلنا، فهؤلاء المؤمنون لو عاشوا في هذا الزمان لقاتلوا مع المسلمين هؤلاء اليهود. فأي آية فيها تفضيل بني إسرائيل على العالمين فهي مقيدة وليست مطلقة، أي: فضلوا على عالمي زمانهم فقط، أما الأمة المفضلة على جميع العالمين فهي أمة محمد ﷺ ، وذلك لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فكنتم هنا بمعنى: أنتم. قوله: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ) أي: بني إسرائيل. قوله: (عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: فضلناهم لأجل علم معهم على عالم زمانهم، أو فضلناهم على علم منا بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويؤثروا ويفضلوا، فهذا مدح لبني إسرائيل المؤمنين الذين آمنوا بموسى ﵇، وهؤلاء كانوا مسلمين موحدين، وهؤلاء لو أدركوا محمداً ﵇ لآمنوا به وأسلموا ودخلوا في دينه. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾ [الدخان:٣٣] يعني: زيادة على اختيارهم وتفضيلهم، آتيناهم زيادة على ذلك. (مِنَ الآيَاتِ) أي: المعجزات والكرامات. (مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ) بلاء: نعمة ظاهرة؛ لأنها حجة واضحة على أعدائهم.

стр. 1787

تفسير قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون . إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٤ - ٣٥]. (إن هؤلاء) مشركي مكة (لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى) أي: الموتة التي يموتونها بعد وجودهم هنا في الدنيا. قوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى) كأنهم أرادوا إن هي إلا موتتنا هذه التي سوف نموتها، لكن هل يفهم من هذا التعبير أن المشركين يثبتون موتة ثانية؟ لا، لكن المقصود (إن هي إلا موتتنا الأولى) يعني: إن هي إلا موتتنا هذه فقط. قال العلامة الأسنوي في التمهيد: الأول في اللغة: ابتداء الشيء. إذاً: الشيء الذي يبدأ قد يكون له ثان وقد لا يكون، كما تقول -مثلاً- لشخص اشتغل في الصباح فقابلته فسألته: كم معك مدخول؟ قال: هذا أول ما اكتسبته، هل معنى ذلك أنه لا بد أن يكتسب بعد ذلك شيئاً؟ لا، قد يكتسب وقد لا يكتسب، فهذا يدل على الأولية فقط. ومن فروع المسألة فرع فقهي يترتب على هذا الفهم، وهو لو أن رجلاً قال لامرأته: إن كان أول ولد تلدينه ذكراً فأنت طالق، فإذا ولدت هذا الذكر أتطلق أم لا تطلق؟ تطلق. لكن للأسف الشديد نحن علمنا الناس وحفظناهم في مسألة الطلاق أنه إذا سأل شخص عن مسألة طلاق أن يقال له: نيتك كانت ماذا؟ وأصبح الواحد يُسأل هذا السؤال وهو قد أتى بمصيبة كبرى ويقول: لم تكن نيتي طلاقاً! فنحن الذين علمنا الناس، وكذلك علمناهم مسألة الطلاق حال الغضب، وأن الغضب قد يكون عذراً، وما أكثر المفاسد المترتبة على هذا! نحن نقول في طلاق الكناية: اسأله عن النية، لكن من أتى بلفظ صريح فإنه يقع به الطلاق، كأن يقول لها: أنت طالق، أو كان الطلاق معلقاً بشرط ووقع الشرط؛ فحينئذ يقع الطلاق، وموضوع النية يكون في طلاق الكناية، كالحقي بأهلك مثلاً، أو غير ذلك من العبارات التي تفتقر إلى استبيان النية من الشخص، ويجب أن يكون صادقاً في الإجابة؛ لأن الله سيحاسبه على ما في قلبه، فموضوع النية لا بد أن يوضع له حد، وكذلك الكلام في موضوع الغضب، وهذه لفتة عابرة، ونعود لموضوعنا؛ من فروع المسألة أنه لو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكراً فأنت طالق، فإنها تطلق إذا ولدت هذا الولد وإن لم تلد غيره باتفاق العلماء؛ لأنه قال: أول ولد، ولا يقال: ننظر الثاني فقد يكون أنثى، لا؛ لأنه لا يشترط، وقد تلد مرة ثانية وقد لا تلد؛ لأن كلمة أول هي مجرد ابتداء الولادة بدون ارتباطها بكونها تلد ثانياً أو ثالثاً. قال أبو علي: اتفقوا على أنه ليس من شرط كونه أولاً أن يكون بعده آخر، وإنما الشرط ألا يتقدم عليه غيره. قوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى) يعني: إن هي إلا موتتنا هذه التي ستحصل لنا في الدنيا، والمشركون لا يعتقدون أن هناك موتة ثانية. قوله: (وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ) أي: وما نحن بمبعوثين، وهذا يؤيد أن المشركين لا يعتقدون أن هناك موتة ثانية؛ لأنهم لو كانوا يعتقدون أن هناك موتة ثم حياة لما أنكروا البعث والنشور، فقوله: (وما نحن بمنشرين) يدل على أنهم يعتقدون أن هذه الموتة لا شيء بعدها: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤].

стр. 1788

تفسير قوله تعالى: (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين إنهم كانوا مجرمين) قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦] أي: إن كنتم صادقين في أننا نبعث بعد بلائنا من قبورنا (فأتوا بآبائنا) أي: أحضروا لنا آباءنا. قال ابن كثير: وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في دار الدنيا، بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها يعيد الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً. ثم أنذرهم تعالى بأسه الذي لا يرد كما حل بأشباههم من المشركين فقال سبحانه: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]. قوله: (أهم خير) أي: في القوة والمنعة. قوله: (أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين) أي: أهلكناهم بجرمهم وفحشهم وفسادهم، وهم ما هم من حيث القوة والرخاء وكذا وكذا، فما بال قريش لا تخاف أن يصيبها ما أصابهم؟ وقوم تبع هم حمير وأهل سبأ أهلكهم الله ، وفرقهم في البلاد شذر مذر، كما تقدم في سورة سبأ. وقد ذكر تبع في القرآن مرتين هنا وفي سورة (ق)، وتبع من الصالحين الذين ورد ذكرهم في القرآن واختلف في إثبات نبوتهم، كـ ذي القرنين وكالخضر ونحو ذلك، فالأفضل في أمر ذي القرنين وتبع أن يتوقف الإنسان في إثبات النبوة لهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه الحاكم والبيهقي وصححه، وهو صحيح: (ما أدري أتبع نبي أم لا؟ وما أدري أذو القرنين نبي أم لا؟)، فإذا كان النبي ﵊ يتوقف فنحن قطعاً لا بد أن نتوقف، وإن كان البعض من السلف خاضوا وناقشوا هذه القضية، لكن إن كان رسول الله ﷺ الذي هو مصدر العلم بالنسبة لنا لا يدري فنحن أحرى ألا ندري. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: كانوا عرباً من قحطان كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير كلما ملك فيهم رجل سموه تبعاً، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافراً -يعني: لا يوصف حاكم مصر بأنه فرعون إلا إذا كان كافراً- والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس، ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه، وهو الذي مصّر الحيرة، فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار وجعلوا يقرونه بالليل -يعني: كانوا يقرونه ويبذلون له القرى الذي يقدم للضيف من الطعام والإكرام بالليل-؛ لأنهم كانوا يرون هذا واجباً عليهم؛ لأنهم عرب كرام -فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أن لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما- أخذ الحبرين اليهوديين- معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه عن ذلك أيضاً وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء إبراهيم الخليل ﵊، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها وكساها الملاء والوصائل والحبر، ثم كر راجعاً إلى اليمن، ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵊ فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵊، فتهود معه عامة أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه ((السيرة)) وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر، وذكر ابن عساكر أنه ملك دمشق، وساق ما روي في النهي عن لعنه. قال ابن كثير: وكأنه -والله أعلم- كان كافراً ثم أسلم، وتابع دين الكليم ﵇ على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق، قبل بعثة المسيح ﵇، وحج البيت في زمن الجرهميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه، ثم عاد إلى اليمن، وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس ﵃ وكعب الأحبار وإليه المرجع في ذلك كله، وعبد الله بن سلام هو أثبت وأكبر وأعلم، وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تبعاً هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ. ثم قال: وتبع هذا هو تبع الأوسط واسمه أسعد أبو كريب، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث النبي ﷺ بنحو من سبعمائة سنة. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي في آخر الزمان اسمه أحمد ﷺ قال في ذلك شعراً واستودعه عند أهل المدينة، فكانوا يتوارثونه ويروونه خلفاً عن سلف، وكان ممن يحفظ هذا الشعر أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ الذي نزل رسول الله ﷺ في داره، وهو: شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيراً له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه وفرجت عن صدره كل غم ثم ساق ابن كثير آثاراً في النهي عن سبه. وبالجملة فإن قصته المذكورة والمروية في شأنه، وإن لم يكن سنده على شرط الصحيح إلا أن ذلك مما يجوز التوسع فيه؛ لأنه عبارة عن خبر محض لا يتضمن حكماً شرعياً، لكن يؤكد حقيقة أخرى وهي أن تبعاً كان له خبر متواتر عند قريش يتناقلونه جيلاً بعد جيل، وكان خبراً عظيماً بدليل أن الله قال مخاطباً قريشاً: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) يعني: قوم تبع الذين تعرفونهم وتسمرون بأخبارهم، وتتناقلون أخبارهم جيلاً بعد جيل، فيفهم من قوله: (أهم خير أم قوم تبع) أن المخاطبين وهم قريش يعرفون من هو تبع، بل يعرفون خبر تبع، وأنه أقوى منهم وأملك منهم في كل شيء، فإذا كان قوم تبع مع قوتهم وشدتهم لما كفروا أهلكهم الله، أفلا يهلك قريشاً إذا سارت على درب الكفر؟! لا شك أن قريشاً كانت تعلم من فخامة نبئه المروي لها بالتواتر ما فيه أكبر موعظة لها، ولذا طوى نبأه إحالة على ما تعرفه من أمره، وما تسمر به في شأنه، وما القصد إلا العظة والاعتبار، لا جعل ذلك خبراً من الأخبار وسمراً من الأسمار كما هو السر في أمثال نبئه، وبالله التوفيق.

стр. 1789

تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩] أي: خلق الله السماوات والأرض وبث فيهما من آياته؛ ليستدل العباد بهذه الآيات على توحيد الله ، وينقادوا إلى طاعته وعبادته. قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٩] أي: لا يعلمون حكمة خلقها؛ ولذا يعرضون عنه سبحانه.

стр. 1790

تفسير قوله تعالى: (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠] أي: فصل الله بين الخلائق ليجزيهم بما أسلفوا من خير أو شر. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١] أي: للإثابة أو تحمل عقاب، كقوله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢] أي: بأن وفقه للإيمان والعمل الصالح. قوله: (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ) أي: الغالب في انتقامه من أعدائه. قوله: (الرَّحِيمُ) أي: بأوليائه وأهل طاعته.

стр. 1791

تفسير قوله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان:٤٣] أي: التي هي أخبث شجرة معروفة في البادية. قوله تعالى: ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٤] أي: الفاجر الكثير الآثام. قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] قوله: ((كالمهل)) وهو دردي الزيت، كما تقول العرب: أول الدن دردي، أو أول القصيدة كفر كما يقولون، يعني: إذا كان الدن الذي فيه زيت دردياً ممتلئاً بالقاذورات والخبائث فماذا سيكون في أسفل الدن؟! قوله: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ) أي: يضطرب في البطون من شدة الحرارة فيحرقها. قوله: ((في البطون)) كقوله الله : ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٦ - ٧]. وكذلك آيات الصافات: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٧]. قوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٦] أي: الماء الحار الذي انتهى غليانه. قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] العتل: هو الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر كعتل البعير. قوله: ((خذوه فاعتلوه)) يعني: جروه وادفعوه بعنف. قوله: ((إلى سواء الجحيم)) أي: وسطها ومعظمها. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] لتستوفي جميع أجزاء بدنه نصيبها، لم يقل: صبوا فوق رجليه؛ لأنه إذا صب على الرجلين سيصيب الرجلين فقط، لكن لما يصب من فوق الرأس فإنه يصيب جميع البدن، فينال كل جزء من البدن نصيبه من العذاب عافانا الله وإياكم منه. قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] أي يقال له: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) يقال له ذلك على سبيل الهزء والتهكم، فيتم له مع العذاب الحسي بالنار العذاب النفسي والعقلي والعياذ بالله. فقوله: ((ذق إنك أنت العزيز الكريم)) فيه توبيخ وتقريع وتأنيب واستهزاء وتهكم به. قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ قيل في تفسيرها: ذق بأنك أنت العزيز الكريم، أو لأنك العزيز الكريم؛ لأن أبا جهل -كما روي- لقي النبي ﷺ فقال ما معناه: لا تستطيع أن تفعل أنت ولا ربك لي شيئاً؛ فإنه ليس في قريش أعز مني ولا أكرم. فقال بعض المفسرين: إن هذا خطاب لـ أبي جهل ومن كان مثله، فإنه يقال له يوم القيامة: ((ذق إنك أنت العزيز الكريم)) يعني: بزعمك كما قال قوم شعيب له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] على أحد التفسيرين: أنهم أرادوا الاستهزاء به؛ لأنهم يقصدون -والعياذ بالله- وصفه بأنه سفيه جاهل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٥٠] أي: هذا العذاب أو هذا الأمر ما كنتم تشكون فيه مع ظهور دلائله، أو تتمارون وتتلاحون وتتجادلون وتناقشون فيه.

стр. 1792

تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] أي: يأمن صاحبه من الخوف والفزع. ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:٥٢ - ٥٣] قوله: ((سندس وإستبرق)) يعني: ما رق من الحرير وما غلظ من الديباج. ((متقابلين)) أي: في مجالسهم أو أماكنهم؛ لحسن ترتيب الغرف وتصفيف منازلهم كالإخوة يتجالسون مواجهة؛ لأنه قال في سورة الحجر: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤] أي: قرناهم بما فيه قرة أعينهم واستئناس قلوبهم لوصولهم بمحبوبهم، وحصولهم على كمال مرادهم. قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:٥٥] قوله: ((يدعون فيها بكل فاكهة)) أي: يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه. قوله: ((آمنين)) من كل ضرر. قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] قال ابن جرير: أي: لا يذوق هؤلاء المتقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا. وكان بعض أهل العربية يوجه (إلا) هنا بمعنى سوى، أي: سوى الموتة الأولى فلا يذوقون الموت بعد ذلك، يعني: أن الاستثناء منقطع، ((ووقاهم عذاب الجحيم)). ثم قال تعالى: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٧].

стр. 1793

تفسير قوله تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان:٥٨] يعني: سهلناه حيث أنزلناه بلغتك. قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: يتعظون بعبره وعظاته وحججه؛ فينيبوا إلى طاعة ربهم ويذعنوا للحق.

стр. 1794

تفسير قوله تعالى: (فارتقب إنهم مرتقبون) قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥٩] أي: ما يحل بهم من عذاب بسبب باطلهم. قوله: ((إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ)) أي: منتظرون عند أنفسهم غلبتك، أو المقصود بقوله: ((إنهم مرتقبون)) ما ورد في قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠] فهم يرتقبون موتك، فارتقب كما قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢] أنتم انتظروا ونحن سننتظر، وسنعلم لمن تكون العاقبة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٤٢]. فقوله ﵎ هنا: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ وعد له ﷺ بالنصرة والفتح عليهم، ووعيد لهم، وقد أنجز الله وعده، كما قال : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وقال : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].

стр. 1795

تفسير سورة الجاثية [١ - ٢٠]

стр. 1796

بين يدي سورة الجاثية سورة الجاثية تسمى سورة الشريعة؛ لقوله تعالى فيها: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية:١٨]. أما تسميتها بالجاثية؛ فلتضمن آياتها بيان أن سبب تأخير البعث إلى يوم القيامة اجتماع الأمم للمحاكمة أمام الله ، وفصله بينهم يوم القيامة، وقد وصف الله الأمم أنها تكون جاثية حينئذ فقال: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية:٢٨]، وهذه من المطالب الشريفة في القرآن الكريم. وتسمى سورة الشريعة؛ لتضمن آياتها وجه نسخ هذه الشريعة سائر الشرائع، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]، فسميت الشريعة أيضاً؛ لأن نفس هذه الآية التي ذكر فيها لفظ الشريعة تثبت أن هذه الشريعة ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ لفضلها وتقدمها عليها، وهذه أيضاً من المطالب العزيزة في القرآن الكريم. وهذه السورة مكية، واستثنى بعضهم منها آية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ﴾ [الجاثية:١٤]، فقد قيل: إنها مدنية نزلت في شأن عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إن هذا الأثر لا يصح. أي: لا يصح أن الآية نزلت في هذا الشأن كما سنبين إن شاء الله تعالى. وآياتها سبع وثلاثون آية.

стр. 1797

تفسير قوله تعالى: (حم فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون) قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:١ - ٦]. قال المهايمي: فعزته تقتضي: إفاضة الحجج التي بها الغلبة على الخصوم، وإفاضة الكمالات التي يعسر الوصول إليها، وأنواع السعادات، وحدة النظر، والحكمة تقتضي: محو الشبه، وإزالة المخاوف، وإحراق الشقاوة، وتهذيب الفكر. وقد نزله من مقام عزته بمقتضى حكمته؛ لتشمير القوة النظرية والعملية؛ لنتوسل بها إلى الكمالات الحقيقية من الإيمان والإيقان والعقل، وذلك إنما يكون بالنظر إلى أنواع الآيات المتضمنة للحجج ورفع الشبه، فمنها آيات الأجسام. يقول : ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:٣ - ٥]. حذف حرف الجر الذي تكرر في الآيتين السابقتين: (إن في السموات والأرض) (وفي خلقكم)، ثم قال: (واختلاف الليل والنهار)؛ لتقدم ذكره. وأنشد سيبويه في الحذف: أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل ناراً يعني: وكل نار توقد بالليل ناراً، فهذا شاهد الحذف. قوله تعالى: ((وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ)) أي: مطر، وسمي رزقاً؛ لأنه سببه. (فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) أي: عن الله ما وعظهم به ودعاهم إليه. قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]. (تلك آيات الله)، الدالة على كمال قدرته وحكمته وإرادته. (نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون)، أي: بعد الله وبعد آياته ودلائله الباهرة. وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم، كما في قولك: أعجبني زيد وكرمه.

стр. 1798

كلام الشنقيطي على صدر سورة الجاثية وقد بين العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره من صدر هذه السورة: أن الله ذكر في هذه الآيات من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده. الأول منها: خلقه السماوات والأرض. الثاني: خلقه الناس لقوله: (وفي خلقكم). الثالث: خلقه الدواب. الرابع: اختلاف الليل والنهار. الخامس: إنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به. السادس: تصريف الرياح. وذكر أن هذه الآيات والبراهين إنما ينتفع بها المؤمنون الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم، ولذا قال: (لآيات للمؤمنين)، ثم قال: (آيات لقوم يوقنون)، ثم قال: (آيات لقوم يعقلون). وذكر العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى تفصيل هذه الآيات كما بينتها المواضع الأخرى من القرآن الكريم. ونتوقف فقط عند أحد هذه الأدلة وهو الخامس منها؛ لأن الكلام تكرر عما سبق من قبل مراراً، فنتكلم عن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به، وإنبات الرزق فيها، كما في قوله: ((وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ))، فقد بينته آيات أخرى من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس:٢٤ - ٢٨]، إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٣٢]، وهذه الآية تدل على وجوب النظر والتفكر في خلق الله لهذا الإنسان، وقوله: (فلينظر) أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه الذي يأكله ويعيش به، إنما هو من خلق الله الذي كان سبباً لنباته، وهل يقدر أحد غير الله أن يخلق هذا النبات أو الماء أو البذر الذي كان منه هذا الخبز؟ الجواب لا. ثم هب أن الماء الذي كان سبباً لحياة النبات قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض على هذا الوجه الذي يحصل به النفع، من غير ضرر بإنزاله على الأرض حتى تروى به الأرض تدريجياً من غير أن يحصل به هدم ولا غرق، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣]؟ الجواب لا. لا توجد قوة بشرية تتحكم في الماء الذي هو سبب أساسي جداً بالنسبة لحياة كل الكائنات الحية، فما هي إلا رحمة الله . هذا الهواء الذي نتنفسه متاع لجميع الناس، هل هناك شركة تصرف لنا الهواء الذي نتنفسه؟ تخيل لو أن أحداً من البشر يملك خزائن رحمة الله سواء من الهواء الذي نتنفسه، أو من الماء الذي نشربه ونحيا به إلى غير ذلك من هذه النعم العامة! ثم هب أن الماء قد خلق فعلاً وأنزل في الأرض على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض ويخرج منها من ثمار النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أنك وضعت البذرة في وضع غير الوضع الذي ينبغي أن تكون عليه في التربة، فسوف تجدها بعد حين اعتدلت وأخذت الوضع الصحيح، بحيث أن الجذر يتجه إلى أسفل، والساق يتجه للأعلى، من الذي يفعل هذا؟ إنه الله . ثم هب أن النبات خرج من الأرض فانشقت عنه، فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ هذه كلها من آيات الله التي يجب علينا أن نمتثل أمره الواجب في التفكر فيها، (فلينظر الإنسان إلى طعامه)، فواجب وفريضة وحتم ولازم أن نتفكر في هذه النعم التي أسبغها الله علينا. فلابد أننا نلتفت إلى أن هناك قوة، فكل هذه الأشياء لا تحصل بدون مدبر وصانع، وهو الله ، فإنه وراء كل مظاهر كل شيء في هذا الوجود، فلا حول ولا قوة إلا بالله. فأي نبات أو أي حركة في هذه الدنيا وفي هذا العالم إنما هي بإرادة الله وبقوة الله ومشيئته، فالناس ينظرون إلى النبات وهو ينمو، لكن يجب أن نتفكر ما الذي يُنمِّي هذا النبات؟ هي قوة الله . الجنين ينمو فمن الذي ينميه من نطفة من ماء مهين، فيجعله بشراً سوياً؟ إنها قوة الله . ولذلك تحداهم الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]، تحداهم الله ، وقطع بأنهم يعجزون عن الخلق، ولذلك جزم بقوله: (لن يخلقوا ذباباً)، الذي هو أهون شيء، (ولو اجتمعوا له)، وهذا التحدي قائم إلى الآن وإلى أن تقوم الساعة، لن يستطيعوا أبداً أن يخلقوا شيئاً مهما كان هذا الشيء حقيراً، بل إن من أخطر وأضر مخلوقات الله التي نعرفها الفيروسات، انظر كيف تأتي بالدمار وبالأمراض الخطيرة جداً مع أنها من الكائنات الدقيقة، ومع ذلك هي جند من جنود الله يسلطها على أعدائه المتمردين عليه. فالشاهد: أننا لابد أن نلتفت إلى هذه القوة، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه تفكير المؤمن؛ أن ينسب هذه القوة التي لا نراها -لكن نحس أثرها- إلى فعل الله . يقول: ثم هب أن النبات خرج من الأرض وانشقت عنه، فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن السنبل خرج من النبات، فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى ينبت ويكون صالحاً للغذاء والقوت؟ الجواب: لا، وقد قال تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:٩٩]. وكقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ:١٤ - ١٦]. وقال : ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]. واعلم أن إطلاق الله الرزق على الماء في آية الجاثية هذه، إنما هو باعتبار أن الماء سبب لحصول الرزق، كما قال في سورة المؤمن (سورة غافر): ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣].

стр. 1799

دلالة صدر سورة الجاثية على براهين البعث قال العلامة الشنقيطي: اعلم أن هذه البراهين العظيمة المذكورة في أول سورة الجاثية ثلاثة منها من براهين البعث التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث كثرة مستفيضة. الأول منها: خلق السماوات والأرض؛ لأن خلق الله للسماوات والأرض من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن مَن خَلق الأعظم الأكبر لاشك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر، كما قال : ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، وقال ﵎: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، وقال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]، وقال : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات:١١]، (أم من خلقنا) يشير إلى خلق السموات والأرض وما ذكر معهما كما في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥]. أما الثاني من البراهين المذكورة فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى؛ لأن من خلقهم على غير مثال سابق لاشك في قدرته على إعادة خلقهم مرة أخرى كما لا يخفى. ومن ذلك قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، إلى آخر الآيات. وقال سبحانه تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، ولاشك أن إعادة الخلق أسهل من ابتدائه. وقال سبحانه: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١]، وقال سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وقال : ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥]، وقال : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:٦٢]، وقال : ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٤٥ - ٤٧]. وقال أيضاً: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين:١ - ٦]، إلى قوله ﵎: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] يعني: أي شيء يحملك على التكذيب بالدين؟! والدين المقصود به هنا البعث والجزاء، أي: ما يحملك على التكذيب بالبعث والجزاء؟! وقد علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على عاقل أن من استطاع الإيجاد الأول فلاشك في قدرته على إعادته مرة أخرى. وأما البرهان الثالث من براهين البعث في هذه الآيات: فهو إحياء الأرض في قوله: ((وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا))، وقال موضحاً ذلك: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩]، وقال : ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]، وقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٥٧] أي: كذلك نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت. ((تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ)) أي: تلك آيات الله الدالة على كمال قدرته وحكمته وإرادته. ومن أساليب اللغة العربية: إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإشارة إلى القريب، كما في قوله هنا: (تلك آيات الله)، والمقصود: هذه آيات الله القريبة، وكقوله تعالى: ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢] بمعنى: هذا الكتاب. ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي: أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافاً أنني أنا ذلك يعني: أنني أنا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] أي: بعد آياته ودلائله الباهرة.

стр. 1800

تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم من رجز أليم) ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية:٧ - ١١]. قال الله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] أي: كذاب يتكلم في حق الله وصفاته على خلاف الدليل. (أَثِيمٍ) أي: بترك الاستدلال، لاسيما إذا لم يترك عن غفلة، بل مع كونه يسمع آيات الله، فليست له حجة بترك الاستدلال؛ لعدم وجود الأدلة، بل بلغته الحجة فإنه ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قوله تعالى: ((يسمع آيات الله)) أي: يسمعها بنفسه لا بالإخبار عنها بالغيب، بل (تتلى عليه ثم يصر) أي: على إنكارها، وعدم قبولها، ولا يتأثر بها أصلاً. (مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم). يقول تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ [الجاثية:٩]، استهانة بها، وفي قراءة: (وإذا عُلِّم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً)، كما فعل أبو جهل لما نزل قوله ﵎: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، فأحضر زبداً وتمراً ونادى أصحابه ودعاهم إلى أن يأكلوا، وقال: هذا هو الزقوم الذي يهددنا به محمد؛ استهزاء بآيات الله ، وغير ذلك من مظاهر استهزاء الكفار بآيات الله . ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية:١٠]، السياق من أوله: (أفاك أثيم) مفرد (يسمع)، (تتلى عليه)، (ثم يصر)، (كأن لم يسمعها)، (فبشره)، (وإذا علم)، (اتخذها)، ثم قال: (أولئك لهم عذاب مهين)، فاسم الإشارة ورد بالجمع، لأنه رد الكلام إلى معنى لفظ (كل)؛ لأن قوله تعالى: ((وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)) إلى آخره، جمع بالنظر إلى معنى كلمة (كل). وقوله ﵎: (من ورائهم جهنم) يعني: من بعد انقضاء آجالهم عذاب جهنم. ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾، أي: من الأموال والأولاد، ((شَيْئًا))، من عذاب الله. ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهتهم التي عبدوها، أو رؤساءهم الذين أطاعوهم في الكفر، واتخذوهم نصراء في الدنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ أي: هذا القرآن بيان ودليل على الحق، يهدي إلى صراط مستقيم من اتبعه وعمل بما فيه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾، أي: بتسخيره. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية:١٢] أي: باستفادة علم وتجارة وأمتعة غريبة، وجهاد وهداية، وغوص فيه لاستخراج لآليه، وفيض منه. (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: نعمة هذا التسخير، فتعبدوه وحده، وتصرفوا ما أنعم به عليكم إلى ما خلقتكم له.

стр. 1801

وقفة يسيرة مع قوله تعالى: (من ورائهم جهنم) قوله ﵎: (من ورائهم جهنم)، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٦]، والوراء هنا بمعنى أمام على أصح الوجهين. فقوله: (من ورائهم جهنم) يعني: أمامهم جهنم يصلونها يوم القيامة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩]، يعني: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، كما في قراءة ابن عباس: (وكان أمامهم ملك)، فهل معنى ذلك أن المعنى يختلف للاختلاف في القراءة؟ لا، لكن المقصود أن هذه القراءة تفسيرية، ولهذا نظائر كثيرة، فكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً)، يريد بذلك تفسير وراءهم بأمامهم. ومنه قول لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أي: إذا امتد بي العمر حتى صرت شيخاً هرماً، ماذا أتوقع أن يكون؟ ألست أتوقع أن ألزم العصا تحنى عليها الأصابع؟! ويروى أيضاً: أليس ورائي إن تراخت منيتي أدب مع الولدان أزحف كالنسر يشير بذلك إلى حالة الشيخ الهرم. ومنه قول الشاعر أيضاً: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا وقول الآخر: ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا بادي ومن ورائك أي: أمامك. وقوله ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:١٣]. (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)، وقرئ: (مِنّة)، وقرئ أيضاً: (جميعاً مَنُّهُ) أي: فضل الله وتكرمه ﵎. (إن في ذلك لآيات)، أي: في آيات الله وحججه وأدلته. (لآيات لقوم يتفكرون) يعتبرون بها. قال المهايمي: منها: أن ربط بعض العالم بالبعض دليل توحيده، وجعل البعض سبباً لبعض دليل حكمته، وجعل الكل مسخراً للإنسان دليل كمال وجوده، فمن أنكر هذه الآيات ولم يذكره عند النعم استوجب أعظم وجوه الانتقام.

стр. 1802

تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ثم إلى ربكم ترجعون) قال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:١٤]. (قل للذين آمنوا)، أي: صدقوا بالله واتبعوه. (يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) قيل: لا يرجون ثوابه، أو لا يخافون بأس الله ونقمته، على أن الرجاء يأتي أحياناً بمعنى الخوف، كقوله : ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: لا تخافون له عظمة. وقيل: معنى: (يغفروا للذين لا يرجون أيام الله)، أي: لا يخشون مثل العذاب الذي نزل بالأمم الخالية، والأيام يعبر بها عن الوقائع والأحداث. وقيل: لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل: لا يخافون البعث والنشور. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (قل للذين آمنوا)، أي: صدقوا بالله واتبعوه. (يغفروا للذين لا يرجون أيام الله)، أي: لا يخافون بأس الله ونقمه ووقائعه بأعدائه في الأمم الخالية. (ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون)، أي: من عملهم، ومنه العفو والتجاوز عن بعض ما يؤذي ويوحش، فيجزي المؤمنين على صبرهم على أذى المشركين الذي أخبرهم الله به في قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران:١٨٦]، فهذا أمر بالصبر والتجاوز والعفو عن بعض ما يؤذي وما يوحش، أي: سوف تجزون على ذلك: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:١٤]. وقد روي أنها نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وقد شتمه رجل من غفار، فهم أن يبطش به، فنزلت هذه الآية. قال ابن العربي: هذا لم يصح من حيث السبب. وقيل: إنها نزلت في غزوة بني المصطلق لما أرسل عمر من سقى وجمع الماء، واستوفى الماء، فقيل لبعض المشركين: إن المسلمين هم الذين أخذوا هذا الماء، فقال: ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك! فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فاخترط سيفه وأراد قتله، فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت في فنحاص اليهودي، فإنه عندما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] قال قولته الشنيعة، ونسب الله إلى الحاجة والعوز. وإذا قيل: إن الآية نزلت في كذا، فلا يشترط أن يكون بالفعل هو سبب النزول الذي نزلت الآية من أجله؛ لأن هذه الوقائع كلها بعد الهجرة. هذا السبب هو الذي جعل البعض يقول: إن هذه السورة مكية إلا هذه الآية، بناء على ما روي فيها من أسباب النزول، ولكن السبب لم يصح، وحتى لو ثبت فلا يستلزم ذلك كونها مدنية، فنزولها في عمر -إن صح ذلك- إنما يعني ذلك أنها تصدق على قضيته، فالمعنى: أن هذه الآية الكريمة تصدق على المناسبة الفلانية، حتى ولو لم يكن نزل فيها بالفعل، وقد سبق التنبيه على هذا. يقول: وقد روي أنها نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وقد شتمه رجل من غفار، فهم أن يبطش به، فتكون الآية المدنية. قيل: يؤيده ما أورد على كونها مكية، من أن من أسلم بها كانوا مقهورين، فلا يمكنهم الانتصار منهم، والعاجز لا يؤمر بالعفو والصفح، أي: أن البعض استدل على كون هذه الآية مدنية بالأخبار التي أشرنا إليها، وهي لا يصح منها شيء، فأيدوا ذلك بمعنى آخر، فقالوا: إن العفو لا يؤمر الإنسان به إلا إذا كان عن قدرة وتمكن من التنفيذ، فكونها مكية، والمؤمنون في مكة كانوا مستضعفين؛ قد يتعارض مع قوله تعالى: ((يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ))، فالعاجز لا يؤمر بالعفو والصفح؛ لأنه مقهور لا يمكنه أصلاً الانتصار ممن يؤذيه، فيتعين أن تكون هذه الآية مدنية. وأجيب: بأن المراد أنه يفعل ذلك بينه وبين الله في قلبه ليثاب عليه، حتى لو كان مقهوراً، فهو يشكو إلى الله ليثاب على ذلك، مع العلم أنه ليس كل أحد من المؤمنين الموجودين في مكة كانوا مقهورين مغلوبين، بل كان منهم من يستطيع الانتصار لنفسه، وأولهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فالصواب: أن الآية مكية مثل بقية السورة، ومعنى نزولها في عمر -إن صح الأثر- صدقها على قضيته، والاستشهاد بها لسماحه كما حققنا المراد من النزول غير ما مرة. ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية:١٥] لكونه فكها من العذاب. ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [الجاثية:١٥] أي: أساء عمله بمعصية ربه، فعلى نفسه جنى؛ لأنه أوبقها بذلك. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية:١٥] أي: تصيرون، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

стр. 1803

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب فيما كانوا فيه يختلفون) قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٦ - ١٧]. (الكتاب): التوراة. (والحكم): الفهم للكتاب، والعلم بالسنن التي لم تنزل بالكتاب. (والنبوة): جعلنا منهم أنبياء ورسلاً إلى الخلق. وقوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة) هل يصلح أن نقول: ابتداء من إسحاق؟ لا؛ لأن إسحاق هو أبو إسرائيل وليس ابن إسرائيل، ولا يصلح أن تقول: ابتداء من يعقوب؛ لأن يعقوب هو نفسه إسرائيل، وإنما أول أنبياء بني إسرائيل هو يوسف ﵇، كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]. إذاً: المقصود بقوله: (والنبوة)، من وقت يوسف إلى زمن عيسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. (ورزقناهم من الطيبات)، المن والسلوى. (وفضلناهم على العالمين)، على عالم أهل زمانهم، بإيتائهم ما لم يؤت غيرهم. يقول العلامة الشنقيطي: رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة: (وفضلناهم على العالمين): ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، ووضحه في قوله في البقرة: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧]، وقال في الدخان: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، وقال في الأعراف: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:١٤٠]. ولكن الله جل وعلا بين أن أمة محمد ﷺ خير من بني إسرائيل، وأكرم على الله كما صرح بذلك في قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] يعني: أنتم، فخير صيغة تفضيل، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع أمم بني إسرائيل وغيرهم. ومما يزيد ذلك إيضاحاً: حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵁ أن النبي ﷺ قال في أمته: (أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله). رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وهو حديث مشهور، قال ابن كثير: حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما نحوه. قال الشنقيطي ﵀ وغفر له: ولاشك في صحة معنى حديث معاوية بن حيدة المذكور ﵁؛ لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر، في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وفي قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]. فقوله: (وسطاً) أي: خياراً عدولاً. إذاً: لا تعارض بين هذه الآية التي تدل على الأفضلية المطلقة لأمة محمد ﷺ على جميع العالمين، وبين ما دل على تفضيل بني إسرائيل على العالمين؛ لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد ﷺ ، أي: (وفضلناهم على العالمين) الموجودين. فهل كانت أمة محمد ﷺ موجودة في ذلك الوقت؟ لم تكن أمة محمد ﵊ قد وجدت بعد، وبنو إسرائيل المفضلون ليسوا أجداداً للقردة والخنازير الموجودين الآن؛ لأن العلاقة بيننا وبين هؤلاء المذكورين الذين فضلهم الله على العالمين أنهم إخواننا، فهم مسلمون مثلنا، وهؤلاء لو عاشوا حتى أدركوا النبي ﵊ لدخلوا في الإسلام؛ لأنهم أتباع موسى على دين الإسلام، وعلى التوراة التي أنزلها الله ؛ فهم مسلمون مؤمنون موحدون يعبدون الله، وإذا كان نبيهم نفسه قال فيه النبي ﵊: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، فكيف بأتباع موسى؟ لاشك أنهم سيكونون أحرى وأولى أن ينقادوا للنبي ﷺ ولشريعته. فليس لليهود الكفرة -لعنهم الله- أن يحتجوا بهذه الآية على أنهم شعب الله المختار؛ لأن الذين اختارهم الله كانوا مسلمين مؤمنين موحدين، ولو قدر أنهم يعيشون الآن لانضموا إلى المسلمين في محاربة اليهود؛ لأنهم كفار، لأن الإيمان يميز الناس إلى حزب الله وحزب الشيطان. يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف:١٤]، فكلهم بنو إسرائيل، لكن انفصلوا بمجرد الإيمان، وبمجرد الدخول في الإسلام؛ ((فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ))، وانظر ماذا قال بعدها مباشرة: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤]، صاروا أعداء بمجرد المفارقة والمفاصلة في ضوء العقيدة وفي ضوء الإيمان، فمن كفر فهو عدو للمؤمن حتى لو كان أباه أو أخاه أو قريبه أو صفيه، فهو عدو له وعدو للجميع. الشاهد: ليس لهؤلاء الكفار أن يحتجوا بهذه الآية على أنهم مختارون، وكيف يختارهم الله وهم يشتمون الله؟ كيف وهم قتلة الأنبياء، وهم الطاعنون في كتاب الله وفي سنة رسول الله، وفي دين رسول الله ﵌؟! إذاً: التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد ﷺ ، والمعدوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل أو يفضل عليه، ولكنه تعالى بعد وجود أمة محمد ﷺ صرح بأنها خير الأمم، وهذا واضح؛ لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل إنما يراد به ذكر أحوال سابقة؛ لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا وكذبوا به، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، والله في سورة البقرة وآل عمران والنساء، والمائدة والنساء ذم كفار بني إسرائيل الذين أبوا الانقياد لشريعة محمد ﷺ والدخول في الإسلام، ففي وقت نزول القرآن هل يمكن أن يكونوا ما زالوا مفضلين على العالمين وقد كفروا وكذبوا به؟ هل يتصور أنهم لا يزالون هم شعب الله المختار، والله يقول لهم: ((فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ))، ويقصد بذلك اليهود؟ لا يمكن، فالتفضيل إنما هو في حال عدم وجود أمة محمد ﵊، لكن بعد نزول القرآن كفروا بالقرآن وكذبوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. ومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلاً إلا ما يراد به أنه كان في زمنهم السابق لا في وقت نزول القرآن، فمعلوم أن أمة محمد ﷺ لم تكن موجودة في ذلك الزمن السابق الذي هو ظرف تفضيل بني إسرائيل، وأنها بعد وجودها صرح الله بأنها خير الأمم كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى. يقول ﵎: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية:١٧] أي: حججاً وبراهين وأدلة قاطعة تأبى الاختلاف، ولكنهم أبوا إلا الاختلاف. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧] أي: ظلماً وتعدياً منهم؛ لطلب الحظوظ العاجلة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٧] أي: بالمؤاخذة والمجازاة. قال ابن كثير: وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم، يعني: في الاختلاف والفرقة.

стр. 1804

تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) قال إشارة إلى هذا التحذير الذي تضمنته هذه الآية، قال بعدها مباشرة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]. قوله هنا: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) الشريعة لغة: الطريق إلى الماء، وضربت مثلاً للطريق إلى الحق لما فيها من عذوبة المورد، وسلامة المصدر وحسنه. قال القاسمي هنا: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) أي: على طريقة وسنة ومنهاج من أمر الدين الذي أمرنا به. تلك الشريعة الثابتة بالدلائل والحجج. (ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) يعني: المشركين، وما هم عليه من الأهواء التي لا حجة عليها، وتكرر هذا في القرآن الكريم وصف المشركين بأنهم لا يعلمون كما في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة:١١٨]، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣]، وفي سورة الروم وصفهم بأنهم لا يعلمون، وأثبت لهم علم كالعدم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧]، فأبدل من (لا يعلمون) (يعلمون)، إشارة إلى أنهم لا يعلمون في الحقيقة، والعلم الذي يعلمونه لا قيمة له؛ لأنه منحصر في ظاهر من الحياة الدنيا كما هو حال المشركين في هذا الزمان. فاستغراق الإنسان في علم الدنيا وتفاصيل أحوال الدنيا مع الغفلة عن الآخرة مما يدرجه في هذا الذم، وقد قال النبي ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة). قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر): فالشريعة في اللغة المذهب والملة، ويقال لمشرعة الماء، التي هي المورد والشاربة، والطريق الذي يؤدي إلى الماء، ومنه الشارع؛ لأنه طريق إلى المقصد، فالشريعة ما شرع الله لعباده من الدين، والجمع: الشرائع. وقوله: (من الأمر) قال ابن العربي: والأمر يرد في اللغة بمعنيين: الأول: يأتي بمعنى الشأن، كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٧]، يعني: شأن فرعون. الثاني: أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي، فالأمر ضد النهي، وكلاهما يصح أن يكون مراداً هاهنا في قوله: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر)، أي: ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع حسب ما علمه . وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: ظن بعض من يتكلم في العلم: أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا؛ لأن الله تعالى أفرد النبي ﷺ وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا يمكن أن النبي ﷺ وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي ﷺ عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء، فهل يلزم اتباعه أم لا؟ وهذه إشارة وجيزة إلى أن هذه الآية لا يصلح أن يستدل بها على أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، خاصة ما أتى منه في معرض المدح والثناء. وشرع من قبلنا أحد الأدلة الشرعية المختلف في حجيتها، والأدلة المجمع على حجيتها القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، وما عدا ذلك فمختلف فيه مثل المصلحة المرسلة أو الاجتهاد أو قول صحابي أو العرف أو شرع من قبلنا، فهذه أدلة مختلف في حجيتها، لكن على أي الأحوال فشرع من قبلنا شرع لنا إذا وافق شرعنا، وليس المجال مجال تحقيق الكلام في هذه القضية، لكن هذه مجرد إشارة. (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)، من المشركين وما هم عليه من الأهواء والضلالات. وفي الآية إشارة إلى أن الوحي يقابله الهوى، ولذلك قال ﵎ هنا: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر)، أي: الوحي، (فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعملون)، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ((فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ))، يعني: للوحي ولشريعتك، ((فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ))، وقال ﵎: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 1805

تفسير قوله تعالى: (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً) قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية:١٩] أي: لن يدفعوا عنك من غضبه وعقابه شيئاً ما. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية:١٩] أي: أعوان وأنصار على المؤمنين وأهل الطاعة، أو: أولياء بعض في التحزب والتقوي، ولكن ماذا تغنيهم ولايتهم لبعضهم وقد تخلت عناية الله ونصرته عنهم. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩] أي: المتقين الشرك والمعاصي، أو: والله ولي من اتقاه بعبادته وحده وخشيته لكفايته من بغى عليه وكاده بسوء، ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ))، كما قال ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، ولذلك لما قال أبو سفيان في غزوة أحد: اعل هبل، فأمرهم النبي ﵊ أن يقولوا: (الله أعلى وأجل)، فقال: لنا العزى ولا عزى لكم، فأمرهم النبي ﵊ أن يقولوا: (الله مولانا ولا مولى لكم). ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فهل يغلب حزب يتولاه الله؟ يقول القاسمي رحمه الله تعالى: الأظهر تفسير هذه الآية بآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧].

стр. 1806

تفسير قوله تعالى: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) قال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٢٠]. قوله: ((هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ))، (هذا) أي: هذا القرآن. (بصائر للناس) أي: يبصرون به الحق من الباطل، ويعرفون به سبيل الرشاد. قال الزمخشري: جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل روحاً وحياة. ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى﴾، من الضلالة. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، من العذاب لمن آمن وأيقن. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يطلبون اليقين، وسبق أن فسرنا آية في سورة الدخان بنفس المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان:٧] أي: إن كنتم تريدون اليقين، فكذلك هنا (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) أي: يطلبون اليقين، كما تقول العرب: منجد ومتهم، يعني: إذا أراد نجداً وتهامة.

стр. 1807

تفسير سورة الجاثية [٢١ - ٣٧]

стр. 1808

تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا) قال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. هذه الآية لها اسم معين، فهي تسمى: بكاة العابدين؛ لأن كل إنسان له جرح معين وإذا صادف آية معينة من القرآن الكريم سواء إشارة أو نعتاً لهذا الجرح؛ فإنها تثير شجوه وبكاءه، وخوفه من الله . فكل إنسان قد يتأثر ببعض الآيات؛ لأنها تمس هذا الأمر أكثر من غيره مما يهمه. هذه الآية: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ))، أشفق منها السلف، حتى كان منهم من يصلي بها الليل كله لا يتجاوزها، وسبب ذلك أنها آية محكمة، لم يدخلها نسخ. عن أبي الضحاك عن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم الداري -يعني: أشار إلى مكان معين-، لقد رأيته ذات ليلة قام حتى قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي، وهي قوله تعالى: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)). وقال بشير: بِتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها لبكاء شديد. (لم يعدها) يعني: لم يتجاوزها إلى ما بعدها. وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيراً ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين؛ لأنها محكمة. قوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) أي: اكتسبوا سيئات الأعمال. (أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) أي: فالأصل عدم التساوي، ومن زعم أن المؤمنين والكفار والذين اجترحوا السيئات سوف يتساوون، فـ (ساء ما يحكمون) أي: ساء ما يزعمونه من عدم التفاوت بين هذا الفريق وذاك. قال الزمخشري: والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً، وأن يستووا مماتاً. لا يمكن أن يستوي المحسنون في الحال ولا في المآل، في الحال يعني: في الحياة، ولا في المآل يعني: بعد الممات؛ لافتراق أحوالهم أحياء حيث اعتاد هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله، والوصول إلى هول ما أعد لهم. وحيث عاش هؤلاء على الهدى والعلم بالله، وسنن الرشاد وطمأنينة القلب، وأولئك على الضلال والجهل والعيث بالفساد، واضطراب القلب، وضيق الصدر؛ لعدم معرفة المخرج المشار إليه بآية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. ولئلا يظن الكافر أنه لا يبرز بكفره، قال مباشرة بعد قوله: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)) * ((وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)). (وخلق الله السماوات والأرض بالحق) أي: بالحكمة والصواب. قال ابن جرير: أي: بالعدل والحق، لا كما حسب هؤلاء الجاهلون بالله من التسوية بين الأبرار والفجار. (وخلق الله السماوات والأرض بالحق) بالحكمة وبالصواب وبالعدل؛ ليعدل بين الناس، ولم يخلقها لما يظن هؤلاء الجاهلون من التسوية بين الأبرار والفجار؛ لأن هذه التسوية خلاف العدل والإنصاف والحكمة. (ولتجزى) معطوف على (بالحق)؛ لأن فيه معنى التعليل للحق، يعني: للعدل بين الفريقين، أو معطوف على معلل محذوف تقديره: خلق الله السموات والأرض ليدل بها على قدرته. (وهم لا يظلمون) أي: في جزاء أعمالهم.

стр. 1809

تفسير قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) قال ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]. (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)، أي: من ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى، فكأنه يعبده، فجعله إلهاً، وهذا تشبيه بليغ أو استعارة. والهوى إله يعبد من دون الله، فكلمة (إله) تطلق على الإله الحق، وعلى الإله الباطل، وتطلق أيضاً بمعنى معبود، وهناك من يعبد الآلهة الباطلة؛ ولذلك قلنا في معنى لا إله إلا الله: لا إله حق إلا الله، وليس معناها لا إله موجود إلا الله؛ لأنه من حيث الواقع فالمعبودون من دون الله كثيرون؛ فالشيطان إله يعبد من دون الله، كما قال ﵎: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]، فهناك من إلهه الشيطان، والهوى إله كما في هذه الآية وفي آية الفرقان: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، والمال إله يعبد من دون الله كما في قول النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، والشهوات إله تعبد من دون الله، وهكذا كل ما عبد من دون الله فهو إله، لكنها كلها آلهة باطلة، ولا يستحق أن يعبد إلا الله وحده لا شريك له. يقول القاشاني: الإله المعبود، ولما أطاعوا الهوى فقد عبدوه وجعلوه إلهاً، إذ كل ما يعبده الإنسان بمحبته وطاعته فهو إلهه، ولو كان حجراً. (وأضله الله على علم)، يعني: أضله الله على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. أو: (أضله الله على علم) أي: عالم بحاله من زوال استعداده، وانقلاب وجهه إلى الجهة السفلية، أو: مع كون ذلك العابد للهوى عالماً يعلم ما يجب عليه فعله في الدين، على تقدير أن يكون (على علم) حال من الضمير المفعول في (أضله الله)، فإما أن يكون حال، أي: أضله الله على علم منه مسبق فيه أنه لن يهتدي أو: أنها حال من الضمير الهاء، وأضله مفعول فهو يعلم ما يجب عليه من أمر الدين، وحينئذ يكون إضلاله؛ لمخالفته علمه، لتشرب قلبه بمحبة النفس وغلبة الهوى، أو: على علم منه غير نافع، لكونه من باب الفضول، ليس فيه إلى الحق سلوك ووصول، يعني: له علم لا قيمة له. (وختم على سمعه وقلبه) أي: بالطرد عن باب الهدى، والإبعاد عن محل سماع كلام الحق وفهمه بمكان الرين وغلظ الحجاب، فلا يعقل منه شيئاً. (وجعل على بصره غشاوة)، أي: عن رؤية حجج الله وآياته. وكما تلاحظون فإنه جعل الختم على السمع والقلب، أما البصر فقال: (وجعل على بصره غشاوة)، وهذا دليل لمن رأى الوقف في أول سورة البقرة في قوله ﵎: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧]، فهنا تقف، ثم تواصل: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]، فهذه الآية دليل لمن رأى الوقف على قوله ﵎: (وعلى سمعهم). (فمن يهديه من بعد الله) أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله إياه، وهذا يرجحهإعراب (على علم) أنها حال من الله . (فأضله الله على علم)، يعني: بعلم الله السابق أنه لا يهتدي ولو جاءته كل آياته. (فمن يهديه من بعد الله) أي: من يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله إياه.

стр. 1810

تفسير القرطبي لقوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) يقول القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه. وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه، فإذا استحسن شيئاً وهويه اتخذه إلها. وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقيل: أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده؟ تعجيباً لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن فضل: في هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه، أفرأيت من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه. والهوى يمكن أن يستعمل في غير الذنب، كما في الحديث: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك). قالته أم المؤمنين عائشة ﵂ للنبي ﷺ . يقول ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). وعن أبي أمامة مرفوعاً: (ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى). وتفسير القرطبي من الكتب التي تحتاج إلى تحقيق، خاصة في الأحاديث التي يوردها دون أن يحققها. وعن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله). وعنه ﷺ : (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة). وقال ﷺ : (ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فالمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه والمنجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب). وقال أبو الدرداء ﵁: إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه، فإن كان عمله تبعاً لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعاً لعلمه فيومه يوم صالح. وقال الأصمعي: سمعت رجلاً يقول: إن الهوان هو الهوى قلب اسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه فأخذه الشاعر فنظمه وقال: نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هوانا يعني: الهوان يساوي الهوى. وقال آخر: إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبدك الهوى فاخضع لحِبِّك كائناً من كانا ولـ عبد الله بن المبارك: ومن البلاء وللبلاء علامة ألّا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع تارة ويجوع ولـ ابن جريج: إذا خالفتك النفس يوماً بشهوة وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدو والخلاف صديق ولـ أبي عبيد الطوسي: والنفس إن أعطيتها مناها فاغرة نحو هواها فاها وقال أحمد بن أبي الحواري: مررت براهب فوجدته نحيفاً، فقلت له: أنت عليل؟ قال: نعم، قلت: مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت: فتداو؟ قال: قد أعياني الدواء، وقد عزمت على الكي، قلت: وما الكي؟ قال: مخالفة الهوى. قلت: لنتحفظ من التساهل في حكاية مثل هذه القصص عن الرهبان، فقد أغنانا الله بالوحي وبالآثار عن سلفنا الصالحين عن أن نحتاج إلى أن نأخذ من راهب يصدق فيه قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٢ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. وقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك؛ فإن خالفته فدواءك. وقال وهب: إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما؛ فانظر أبعدهما من هواك فائته. وللعلماء في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب، وحسبك بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]. ومن أشهر هذه الكتب: كتاب ذم الهوى لـ ابن الجوزي، ومن ذلك أيضاً الفصل الذي ختم به وكذلك الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين وهو فصل رائع في ذم الهوى وكيفية علاجه. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: (وأضله الله على علم) أي: على علم قد علمه منه. أي: قلنا من قبل: على علم سابق من الله أنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال مقاتل: على علم منه أنه ضال، والمعنى متقارب. يقول القرطبي ﵀: وهذه الآيات ترد على القدرية والإمامية ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد، إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. قوله: (وختم على سمعه وقلبه) قيل: إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم، وقيل: إنه خارج مخرج الدعاء عليهم، (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) يعني: هذه الجمل دعائية، دعا بذلك عليهم.

стр. 1811

تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) قال الله ﵎: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤]. قوله : (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) أي: ما الحياة، أو الحال غير حياتنا هذه التي نحن فيها. (نموت) أي: بالموت البدني الطبيعي. (ونحيا) أي: الحياة الجثمانية الحسية، لا موت ولا حياة غيرهما. (وما يهلكنا إلا الدهر) أي: مر الليالي والأيام وطول العمر. (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) أي: وما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظن وتخمين. وفي تفسير قوله: (نموت ونحيا) أقوال: منها: في الآية تقديم وتأخير، فيكون الأصل: (نحيا) حياة ثم نموت بعدها، فقدم (نموت) وأخر (نحيا)، وهذا نوع من أنواع علوم القرآن (المقدم والمؤخر). قول آخر: (نموت ونحيا) يعني: يحيا البعض ويموت البعض. قول ثالث: (نموت ونحيا) على الترتيب كما هي بدون تقديم وتأخير، لكن المقصود: أن هذا كلام من يقول بتناسخ الأرواح، بعدما يموت الإنسان فإن روحه تخرج ثم تحل في جسد آخر. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: وفي قوله: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)، إشارة إلى نسبة الحوادث إلى الدهر، أو إلى إنكار البعث، أو إلى كليهما، (وما لهم بذلك من علم). قال الزمخشري: كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت، وقبضه الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان، ومنه قول النبي ﷺ : (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر) أي: فإن الله هو الآتي بالحوادث وليس الدهر. انتهى كلام الزمخشري. وقال الخطابي: معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها. والدهر ظرف زمان، والفاعل الحقيقي هو الله ، فإنما الدهر زمان جعل ظرفاً لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤساً للدهر أو سباً للدهر. قال ابن كثير: وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذاً من هذا الحديث. يعني: لا يصح أبداً أن يقال: إن من الأسماء الحسنى الدهر، اعتماداً على هذا الحديث: (أنا الدهر)؛ لأن معناه: أنا خالق الدهر، وأنا مصرف الأحداث ومدبر الوقائع. وفي هذه الآيات رد على الدهرية وهم المعطلة، لأن متمسكهم ظن وتخييل، لم يشم رائحة اليقين، وما هذا سبيله فالقبول في وجهه مسدود: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:٣٦]. قال الشهرستاني في معطلة العرب: فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني. يعني: الطبيعة هي التي تحيي الناس، وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]. (نموت ونحيا) إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي، وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع، والمهلك هو الدهر. فاستدل الله عليهم بضرورات فكرية وآيات فطرية في كثير من الآيات، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٤]، يأمرهم بالتفكر، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل:٤٨]، وقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء:١]. فأثبت في الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق، فإنه قادر على الكمال إبداء وإعادة. انتهى كلام الشهرستاني. يقول القاسمي ﵀: ولي في الرد على الدهريين -وهم الماديون والطبيعيون- كتاب (دلائل التوحيد) فليرجع إليه المريد؛ فليس وراءه بحمده تعالى من مزيد.

стр. 1812

تفسير القرطبي لقوله تعالى: (وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) قال الله تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، هذا نص البخاري ولفظه، وقد أخرجه مسلم أيضاً وأبو داود. وفي الموطأ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر! فإن الله هو الدهر)، وسواء كان الدهر أو أي وقت آخر للزمان من الليالي والأيام، فهذا مما لا يجوز أن يسب، بل لبيان شرف الزمان أقسم الله به وبأجزائه وأبعاضه، فأقسم به في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، (والعصر) على أحد التفسيرات يعني: الوقت والزمان، فالله لا يقسم إلا بالآيات العظام والأمور الشريفة، فحينما أقسم بالدهر؛ أقسم ليبين لنا أن الدهر لا ذنب له إنما هو ظرف، وإنما الشؤم يكون من عمل الإنسان ومن كسبه، وليس للدهر في ذلك ذنب، كما يقول الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا وقد تساهل الناس في هذا خاصة في الأناشيد والأغاني والأمثال الشعبية ونحو هذه الأشياء، ففي كثير منها سب الدهر أو وصف اليوم أنه يوم أسود أو يوم كذا، ومن العجب أن يقع ذلك أحياناً في القنوت من بعض الأئمة! فقد اخترعوا دعاء: (وأرنا فيهم يوماً أسوداً)، ولا يمكن أن يكون هذا مأثوراً عن النبي ﵊؛ لأن فيه سب الدهر، وفيه أمر آخر وهو قولهم: (أسوداً) وهو على وزن أفعل، ممنوع من الصرف، ولا يمكن أن تكون أسوداً، والصواب لغة أسود، فلذلك الإنسان إذا لم يكن متمكناً من اللغة، ولا يحسن اختيار الألفاظ في الدعاء فعليه أن يدعو الله بالأدعية المأثورة عن النبي ﵊؛ لأن الرسول ﵊ جمع ما لم يوجد في غيره من الفصاحة؛ فهو في قمة الفصاحة على الإطلاق ﵊، وهو أبلغ العرب وأنصحهم للأمة، وهو أعرف الناس بالله، وأخشاهم لله ، وأعلمهم بلغة العرب، فمن ثم دائماً الإنسان يحاول أن يقتصر على الدعاء المأثور الذي يعلمه من أجل السلامة من مثل هذه الاختراعات. كان بعض المكروبين يتبجح ويقول في بعض أشعاره: أقول دهر أحمق الخطا يعني: يخبر أنه أحمق الخطا والعياذ بالله إلى غير ذلك من الأشعار، ولا يليق أن نذكرها كلها. على أي حال نعود للحديث: (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر! فإن الله هو الدهر) استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله، وقال من لم يجعله من العلماء اسماً: إنما خرج رداً على العرب في جاهليتها، فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية، فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر، فقيل لهم على ذلك: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) أي: إن الله هو الفعال لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر؛ فيرجع السب إليه سبحانه، فنهوا عن ذلك. وقال ﷺ : (قال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم)، ولقد أحسن أبو علي الثقفي حين قال: يا عائب الدهر إذا نابه لا تلم الدهر على غدره الدهر مأمور له آمر وأنت للدهر إلى أمره كم كافر أمواله جمة تزداد أضعافاً على كفره ومؤمن ليس له درهم يزداد إيماناً على فقره فمن الناس من يقول: الدر غدار، والزمن غدار، وهذا سب للدهر. وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيراً ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال: إياك يا بني وذكر الدهر! وأنشد: فما الدهر بالجاني لشيء لحينه ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثاً على معشر يجعل مياسيرهم عسرا يقول القرطبي رحمه الله تعالى: وكان المشركون أصنافاً: منهم هؤلاء -أي: هؤلاء الذين يقولون: (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) -، ومنهم: من كان يثبت الصانع وينكر البعث. وهل مذهب الدهريين يدل على أنهم ينكرون وجود الله لا يستلزم أنهم ينكرون الله ، وإلا فمشركو العرب كانوا يقرون بوجود الله، وكانوا يوحدون توحيد الربوبية ومع ذلك كانوا ينكرون البعث، فلا تلازم بين إنكار البعث والنشور وبين إنكار وجود الله ، فلينتبه لهذا. قال: ومن أصناف المشركين من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفاً من المسلمين، فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب خيالات تقع للأرواح بزعمهم، فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار؛ لأن هؤلاء يلبسون على الناس الحق، ويغتر بتلبيسهم الجاهل، وأما المشرك المجاهر بشركه فيحذره المسلم. وقيل: نموت وتحيا آثارنا؛ فهذه حياة الذكر. وقيل: أشاروا إلى التناسخ، أي: يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به.

стр. 1813

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم) قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥]. قال الله ﵎: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)؛ لأن الله باعث خلقه يوم القيامة. (ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين)، أي: انشروهم أحياء حتى نصدق ببعثنا أحياء بعد مماتنا، يعني: أرونا دليلاً عملياً، يا ألله هات آباءنا وأحيهم الآن حتى نصدق أن هناك بعثاً ونشوراً! وقوله: (ما كان حجتهم إلا أن قالوا)، كيف يطلق على ذلك حجة؟ إما حقيقة بناء على زعمهم، يعني: ما كان حجتهم في زعمهم، وهم الذين وصفوها بأنها حجة، لكن هذه لا تصلح أن تكون حجة؛ فإنهم ساقوا هذا الكلام مساق الحجة، أو إن الحجة مجاز، وقالها الله تهكماً بهم كما في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، وكذلك هنا: ((مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ))، استهزاء بما يسمونه حجة، كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، بمعنى: أنه لا حجة لهم ألبتة، وفيه مبالغة لتنزيل التضاد منزلة التجانس، حيث سمي ما هو ضد الحجة -وهو الجحد- باسم الحجة، فهذه من المبالغة؛ لأنه نزل الضد منزلة المتجانس. قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال الزمخشري: فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها؛ فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه من باب أسلوب قول الشاعر: وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع يقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلاً من تحية بعضهم بعضاً الضرب الوجيع، فهل الضرب تحية؟ ليس تحية، بل هذا تهكم بأن التحية التي حيوا بها خصومهم الضرب الوجيع بالسيوف والقتل. فكذلك قوله هنا: (ما كان حجتهم) من نفس هذا الأسلوب. فالمقصود: أنه ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد نفي أن تكون لهم حجة ألبتة. فإن قلت: كيف وقع قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ [الجاثية:٢٦] جواب قوله تعالى: (ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين)؟ يقول القرطبي: قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مسكت ألزموا ما هم مقرون به، من أن الله هو الذي يحييهم ثم يميتهم، فهم يقرون بأن الله يحييهم؛ لأنهم يقرون بتوحيد الربوبية، فألزموا بما هم مؤمنون به على ما هم مكذبون به، فهم يقرون أن الله هو الذي يحييهم ثم يميتهم. قال القرطبي: ضم إلى ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به، إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق. قال تعالى: (قل الله يحييكم) ثم قال: (ثم يميتكم ثم يجمعكم) ضم إلى هذا العبرة في القدرة، فما دمتم آمنتم بقدرة الله على خلقكم وعلى إماتتكم، فيلزم على ذلك الإيمان بقدرة الله التي لا يحدها شيء، وقدرته العامة الكاملة على كل شيء، ومنه: خلقكم بعد البعث، فهذا هو أسلوب الإلزام بما يجب أن يقروا به لو أنصفوا. قال القرطبي: وهو جمعهم يوم القيامة ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه. قوله: (قل الله يحييكم) الاستدلال هنا بعموم قدرة الله، وأنتم تقرون بهذه القدرة، وينبغي بناء على ذلك أن تؤمنوا أيضاً بأنه يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، فإذا كان قادراً على هذا فهو أولى أن يكون قادراً على أن يحيي آباءكم، ولكن الله لا يجيبهم إلى ما اقترحوه من الآيات، ولماذا لا يجيبهم الله إلى ما اقترحوه من الآيات؟ قل لهم في جواب قولهم: (وما يهلكنا إلا الدهر): (الله يحييكم ثم يميتكم) لا الدهر، لما عرف بالوجوب رجوع العالم إلى واجب الوجود ومسبب الأسباب، ومصدر الكائنات، أو قل لهم في جواب إنكارهم البعث: من قدر على الإبداء يقدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما مر مراراً. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية:٢٧] أي: فلا مالك غيره، ولا معبود سواه. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧] أي: الذين أتوا بالباطل في أقوالهم وأفعالهم، وهم عبدة غيره ﵎.

стр. 1814

تفسير قوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية) ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]. ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] (جاثية) أي: جالسة على الركب، غير مطمئنة. يقول القاسمي: (وترى كل أمة جاثية) أي: جالسة مستوفزة على الركب لا حراك بها، شأن الخائف المنتظر لما يكره، وذلك عند الحساب أو في الموقف الأول وقت البعث قبل الجزاء. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: (وترى كل أمة جاثية) يعني: من هول ذلك اليوم، والمقصود بالأمة هنا أهل كل ملة. وفي الجاثية تأويلات خمسة: الأول: قال مجاهد: (جاثية) مستوفزة. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله. وقال الضحاك: ذلك عند الحساب. القول الثاني: (جاثية) مجتمعة، قاله ابن عباس. وقال الفراء: المعنى: وترى أهل كل دين مجتمعين. القول الثالث: (جاثية) متميزة، قاله عكرمة. الرابع: (جاثية) خاضعة بلغة قريش، قاله المؤرج. الخامس: (جاثية) جالسة على الركب، قاله الحسن. والجثو هو: البورك على الركب، جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثواً وجثياً، وأصل الجثوة: الجماعة من كل شيء. قال طرفة يصف قبرين: ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد إذاً: قوله تعالى: ((كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا))، أي: باركة مستوفزة على الركب لا حراك بها، شأن الخائف المنتظر لما يكره، وذلك عند الحساب أو في الموقف الأول وقت البعث قبل الجزاء. (كل أمة تدعى إلى كتابها) أي: اللوح الذي أثبت فيه أعمالها، ويعطى بيمينه من كان سعيداً، وبشماله من كان شقياً.

стр. 1815

تفسير قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] أي: يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، وإنما أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه ﵎؛ لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم. ((إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))، أي: نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، ولذلك فسرها القاسمي يقول: (نستنسخ): نستكتبها، يعني: نأمر الملائكة بكتابة ما كنتم تعملون. وقال: القرطبي: (إنا كنا نستنسخ) أي: نأمر بنسخ ما كنتم تعملون، بناء على أن النسخ لا يكون إلا من أصل، وكذلك بعض المفسرين قالوا: إن النسخ هنا هو من اللوح المحفوظ. قال ابن عباس: إن الله وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم، فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقاً لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب، لا زيادة فيه ولا نقصان. قال ابن عباس: وهل يكون النسخ إلا من كتاب. وقال الحسن: نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم؛ لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال، وتوجد أقوال أخرى في هذه الآية، لكن لم يؤثر فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، فظاهر معنى قوله: (نستنسخ) أي: نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم وكفى. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٣٠] أي: ما صلح به حالهم في المعاد الجثماني. ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية:٣٠] (في رحمته) أي: في جنته، يعني: مكان رحمته وهو الجنة. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية:٣١]، فلابد أن نقدر: وأما الذين كفروا فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية:٣١]. (مجرمين) يعني: مسرفين تكتسبون المعاصي؛ ويقال: فلان جريمة أهله إذا كان هو كاسبهم، يعني الذي يشتغل ويكسب المال لينفق عليهم وعائلهم. فالمجرم أكسب نفسه المعاصي. وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، فالمجرم ضد المحسن، فهو المذنب بالكفر. (وكنتم قوماً مجرمين) أي: بكسب الآثام والكفر بالله، وعدم التصديق بالمعاد ولا الإيمان بثواب وعقاب.

стр. 1816

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله حق) قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]. (قلتم ما ندري ما الساعة)، أي: أي شيء هي، أي: لا نستيقن بها. (إن نظن إلا ظناً) تقديره عند المبرد: إن نحن إلا نظن ظناً. وقيل: التقدير: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وقيل: أي: وقلتم: إن نظن إلا ظناً، وما نحن بمستيقنين أن الساعة آتية. ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [الجاثية:٣٣] أي: قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الجاثية:٣٣] وهو الجزاء.

стр. 1817

تفسير قوله تعالى: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الجاثية:٣٤] (ننساكم) أي: نترككم في العذاب ترك ما ينسى، كما تركتم التأهب له، وفي هذا المعنى جاء الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: ألم أكرمك وأزوجك وأزودك؟! وأسخر لك الخيل والإبل؟! وأذرك ترأس وتربع؟!)، ترأس: تكون رئيساً على قومك، وتربع: تأخذ المرباع، وهو الذي كانت ملوك الجاهلية تأخذه، فقد كانت تأخذ من الغنيمة ربع الأموال، هذا أصل معنى المرباع، لكن معناه هنا: ألم أجعلك رئيساً مطاعاً؟ (فيقول: بلى، فيقول الله : أفظننت أنك ملاقي؟! فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني). أي: أمنعك الرحمة كما امتنعت من طاعتي، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فالنسيان يأتي بمعنى الترك. يقول ﵎: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الجاثية:٣٤ - ٣٥] أي: خدعتكم حتى آثرتموها على الآخرة، وزعمتم أن لا حياة سواها. ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية:٣٥] أي: من النار. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية:٣٥] يعني: لا يغفر لهم، أو لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي: يرضوه؛ لأن الرضا هو إزالة العتب، فجاء كناية عن الإرضاء. (ولا هم يستعتبون) يعني: لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله تعالى؛ لأنه ليس وقت توبة ولا اعتراف، ولات حين مندم. أو المعنى: لا يردون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجعوا الإنابة، فما بعد الموت مستعتب.

стр. 1818

تفسير قوله تعالى: (فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين) قال ﵎: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:٣٦]. (فلله الحمد) أي: الثناء الكامل. قال ابن جرير: أي: فلله الحمد على نعمه وأياديه عند خلقه، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فإن كل ما بكم من نعمة فمنه، دون ما تعبدون من دونه من آلهة ووثن. ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية:٣٧] أي: له الاستعلاء ونهاية الترفع والكبر على كل شيء، وغاية العلو والعظمة باستغنائه عنه وافتقاره إليه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الجاثية:٣٧] أي: القوي القاهر لكل شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧] قال القاشاني: المرتب لاستعداد كل شيء بنسخ تبديله المهيأ لقبوله، لما أراد منهم من صفاته بدقيق صنعته، وخفي حكمته، لا إله إلا هو رب العالمين.

стр. 1819

تفسير سورة الأحقاف [١ - ١٢]

стр. 1820

بين يدي سورة الأحقاف نشرع بإذن الله ﵎ في تفسير سورة الأحقاف. سميت هذه السورة باسم وادي الأحقاف موطن قوم عاد كما قال الله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١]. وهذه السورة مكية، واستثني البعض منها خمس آيات هي: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف:١٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقوله تعالى أيضاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعه. وعدد آياتها خمس وثلاثون آية.

стр. 1821

تفسير قوله تعالى: (حم عما أنذروا معرضون) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم﴾ [الأحقاف:١]، سبق أن تكلمنا مراراً عن الحروف المقطعة التي تأتي في أوائل السور فلتراجع ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٢ - ٣]، أي: بالحكمة وإقامة العدل في الخلق. ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: لتقدير أجل معين لكل منها، لينهيه إذا هو بلغه وهو يوم القيامة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾، (عما أنذروا) من هول ذلك اليوم. (معرضون)، لا يؤمنون، أي: معرضون مولون لاهون غير مستعدين له.

стр. 1822

استحقاق الله تعالى للعبادة وحده لا شريك له قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الكلمة: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف:٣]: صيغة الجمع في قوله تعالى: (مَا خَلَقْنَا)، للتعظيم، (إلا بالحق) أي: إلا خلقاً متلبساً بالحق، فالباء تدل على التلبس، كما تقول: سبحان الله وبحمده، أي: أسبح الله متلبساً مع ذلك بحمده، فكذلك هنا (إلا بالحق) أي: ما خلقنا السماوات والأرض إلا خلقاً متلبساً بالحق، والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبساً بالحق: أنه خلقهما لحكم ظاهرة ولم يخلقهما باطلاً ولا عبثاً ولا لعباً، فمن الحق الذي كان خلقهما متلبسان به: إقامة البرهان على أنه هو الواحد المعبود وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، ثم أقام البرهان على أن الله هو الإله الواحد بقوله بعد ذكل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، فتلبس خلق السماوات والأرض بالحق واضح جداً من قوله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، إلى قوله تعالى: ((لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ))، بعد قوله تعالى: ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ))؛ لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى: (لا إله إلا الله)، هو أعظم الحق. فبدأ الآيات بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، ثم ذكر ما يبرهن على أنه لا إله حق إلا الله، فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، إلى قوله تعالى: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، فهذا مظهر من مظاهر تلبس خلق السماوات والأرض بالحق، أي: أن يكون في خلقهما وفي الآيات المبثوثة فيهما دلالة على توحيد الله ، وأنه لا إله حق إلا هو سبحانه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، وهذه أول صيغة أمر في القرآن الكريم: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، وقد تضمنت هاتان الآيتان معنى لا إله إلا الله؛ لأن قوله ﵎: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، هذا هو قسم الإثبات، وهو ما يدل عليه قوله: (إلا الله)، أما قسم النفي فهو في قوله: ((فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ))، وهو ما يدل عليه قوله: (لا إله)، فقوله: (واعبدوا ربكم) فيه معنى الإثبات في لا إله إلا الله، وقوله: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه. وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بناء﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] إلى آخر الآية، وبذلك تعلم أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بأعظم الحق الذي هو: إقامة البرهان القاطع على توحيده جل وعلا. ومن كثرة الآيات القرآنية الدالة على إقامة هذا البرهان المذكور القاطع على توحيده جل وعلا ومن استقراء القرآن الكريم علم أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها هي كونه خالقاً لغيره، فمن كان خالقاً لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج لا يصح أن يعبد بحال. والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً؛ كقوله في هذه الآية في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فقوله: (الذي خلقكم) يدل على أن المعبود هو الخالق وحده. وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، يعني: أن خالق كل شيء هو المعبود وحده، وهو وحده الذي يستحق العبادة. وفي سورة النحل لما ذكر تعالى فيها البراهين القاطعة على توحيده جل وعلا في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٣]، إلى قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، أتبع ذلك مباشرة بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]، وذلك واضح جداً في أن من يخلق غيره هو المعبود، وأن من لا يخلق شيئاً لا يصح أن يعبد؛ ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠]، وقال في الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، وقال في الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فمن لا يقدر أن يخلق شيئاً لا يصح أن يكون معبوداً بحال. وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] * ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢]، كذلك في أول سورة الفرقان لما بين تعالى صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق أن يعبد، قال في صفات من يستحق العبادة: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال في صفات من لا يصح أن يعبد: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان:٣]، والآيات في ذلك كثيرة جداً، وكلها تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق، يعني: أنه خلقهما لكي يكون خلق السماوات والأرض وما بينهما آية وعلامة وبرهاناً على أعظم حقيقة في الوجود وهي: أن لا إله حق إلا الله . فهذا أحد معاني قوله تعالى في أول هذه السورة الكريمة: ((مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ))، أي: خلق متلبس بالحق، لحكم عظيمة، أعظمها وأجلها: أن يكون خلق السماوات والأرض دليلاً وبرهاناً للناس على أنه لا إله إلا الله، وعلى أنه لا يستحق أن يعبد إلا من يخلق.

стр. 1823

قدرة الله تعالى على كل شيء وإحاطته بكل شيء علماً وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقاً متلبساً به: تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، فمن الحق الذي تلبس به خلق السماوات والأرض: أن يعلم العباد ويستدلون بخلق الله تعالى السماوات والأرض وما بينهما على قدرته جل وعلا، وأنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، كما قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، فلا شك أن هذه الآية مصرحة بمظهر من مظاهر هذا الحق الذي خلقت السماوات والأرض متلبسات به، فإن قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)، ذكر بعده لام التعليل في هذا الخلق، فقال: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)، وهذا من الحق الذي تلبس به خلق السماوات والأرض، فلام التعليل في قوله: (لتعلموا) متعلق بقوله: (خلق سبع سماوات) إلى آخر الآية، وبه تعلم أنه ما خلق الله السماوات السبع والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن إلا خلقاً متلبساً بالحق.

стр. 1824

التكليف والابتلاء والجزاء ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقاً متلبساً به: تكليف الخلق وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]، فمن الحق الذي تلبس بخلق السماوات والأرض: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، فلام التعليل في قوله: (ليبلوكم) متعلقة بقوله: (خلق السماوات والأرض)، فيكون قوله: (وهو الذي خلق السماوات والأرض)، إلى قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، يدل على أنه ما خلقهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. ونظير ذلك قوله تعالى في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]، وقال في أول الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، وقال في آخر الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أي: إلا ليعبدوني وحدي ولا يشركوا بي شيئاً. وسواء قلنا: إن معنى (إلا ليعبدون): إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم؛ لأن عبادتهم يحصل بها تعظيم الله وطاعته والخضوع له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، أو قلنا: إن معنى (إلا ليعبدون): إلا ليقروا لي بالعبودية ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي؛ لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعاً، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهاً. ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال، ولذلك بين الله أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقاً متلبساً به جزاء الناس بأعمالهم. وقال في سورة النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، فقوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) أي: هو خالقهما وخالق ما فيهما، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى). وهذا أيضاً إعلام منه بأنه خلق ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الناس بأعمالهم، ويوضح ذلك قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:٤]. لما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً -بغير حق- لا لحكمة التكليف ولا الحساب ولا الجزاء؛ أبدلهم الويل من النار بسبب ذلك الظن السيئ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، فنزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق عبثاً لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ضل في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] * ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦]، تعالى وتنزه عن أن يخلق خلقه عبثاً، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]. وهذا الذي نزه الله تعالى عنه نفسه نزهه عنه أولو الألباب من خلقه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١ - ١٩١]، فمعنى: (سبحانك) تنزيهاً لك عن أن تكون خلقت هذا الخلق باطلاً لا لحكمة تكليف وبعث وحساب وجزاء. وقوله ﵎ هنا في آية الأحقاف: ((مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ))، يفهم منه أنه لم يخلق ذلك باطلاً ولا لعباً ولا عبثاً كما صرح بهذا المفهوم في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص:٢٧]، وفي قوله: ((رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا)) [آل عمران:١٩١]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]. وقوله: ((وَأَجَلٍ مُسَمًّى))، هذا معطوف على قوله: (بالحق)، أي: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي: وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في أخريات سورة الحجر في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥]، وانظر كيف قرن خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق بقوله: (وإن الساعة لآتية) إشارة إلى ما ذكر هنا في هذه الآية: (إلا بالحق وأجل مسمى). وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمداً ينتهي إليه أمرهما، كما قال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١]، وقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل:١٤]، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1825

إعراض الكافرين عما أنذروا قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، أي: معرضون عما أنذرتهم به الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، وقال في سورة يس: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١٠]، وقال أيضاً: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام:٤]. والإعراض عن الشيء هو الصدود عنه وعدم الإقبال عليه، قال بعض العلماء: وأصله من العرض، وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه جانب عنقه صاداً عنه، والإنذار: هو الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذاراً، فالإنذار نوع خاص من الإعلام؛ إذ هو إعلام مقترن بتهديد، والإنذار يأتي عاماً ويأتي خاصاً، فقد يأتي عاماً لكل الخلق، وقد يأتي خاصاً لخاصة الخلق، وهم المؤمنون والمتقون. وفي هذه الحالة إذا قصر الإنذار على المؤمنين والمتقين يكون لهم فقط؛ لأنهم هم الذين إذا أنذروا ينتفعون بهذا الإنذار، فكأنه ما أنذر سواهم. وإذا كان للكافرين فإنه لإعلامهم وتهديدهم؛ فهو إعلام مقترن بتهديد. قوله هنا: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ))، ما: هنا إما أنها موصولة، وإما أنها مصدرية، فإذا قلنا: إنها مصدرية فيكون المعنى: والذين كفروا معرضون عن الإنذار. وإذا قلنا: إنها موصولة والعائد محذوف فيكون في غير القرآن: والذين كفروا عن الذي أنذروه معرضون؛ لأنها إذا كانت موصولة فلابد لها من عائد، وهو ضمير يكون في جملة الصلة يعود على الاسم الموصول، فقوله: (عما أنذروا) قال بعض العلماء: هي موصولة والعائد محذوف، أي: الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه وخوفوه من عذاب يوم القيامة، وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مطرد كما هو معلوم.
следующие страницы →