Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
من أحكام قتال البغاة
يقول الشافعي: ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله.
يعني: هو في حد ذاته بصفته مسلماً معصوم الدم، لكن لما خرج على الإمام بقوة مسلحة على الخليفة في جماعة وعصابة استحق أن يقاتل لا بغرض قتله، وإنما بقصد تعجيزه عن التمرد على الخليفة، فالمقصود من قتال البغاة أن يعجزوا عن رفع السيف على الخليفة، وليس المراد استحلال دمائهم.
ولذلك نلاحظ فروقاً كثيرة بين قتال البغاة وقتال الكفار، ففي البغاة المقصود هو تعجيزهم لا استحلال دمائهم، فمثلاً الفار من ساحة القتال لا يتبع بخلاف حالة الكفار، والجريح لا يجهز عليه؛ لأنه بجرحه قد تحقق تعجيزه عن الخروج على الإمام، ولا تسبى نساؤهم لأنهم مسلمون، وغير ذلك من الأحكام، يقول الإمام الشافعي: ليس القتال من القتل بسبيل قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله، كحال الباغي فإنه يحل قتاله إلى أن يعجز، لكن لا يحل قتله لأنه مسلم معصوم الدم.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى في الإكليل: في الآية وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي، وأن من رجع من أهل البغي وأدبر لا يقاتل، لقوله: (حَتَّى تَفِيءَ) فمن أدبر وهرب من ساحة القتال كان ذلك نوعاً من الفيء والرجوع عن التمادي في التمرد.
وقد روى سعيد عن مروان قال: صرخ صارخ لـ علي يوم الجمل: لا يقتل مدبر، ولا يجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن! لأن هؤلاء كانوا بغاة وليسوا كفاراً، فصرخ صارخ لـ علي يوم الجمل: (لا يقتل مدبر) اي أن من يفر من الساحة لا يقتل ولا يتتبع، (ولا يجهز على جريح) فمن جرح وفقد القدرة على الاستمرار في القتال لا يجهز عليه، بخلاف جريح الكفار، (ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن).
وقد اتفق الفقهاء على حرمة قتل مدبرهم وجريحهم، وأنه لا يغنم لهم مال ولا تسبى لهم ذرية؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم ولا قتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم، ولذا يجب رد ذلك إليهم إن أخذ منهم، ولا يضمنوا ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال، ومن قتل من أهل البغي غسل وكفن وصلي عليه، فإن قتل العادل كان شهيداً، يعني: إن كان القتيل من أهل العدل ومن الفئة التي هي مع الإمام الحق ففي هذه الحال يكون شهيداً، فلا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأنه قتل في قتال أمره الله تعالى به، كشهيد معركة الكفار.
هذا الكلام كله لم يعجب الخوارج؛ لأن الخوارج يأخذون بأقصى طرف في هذه المسألة، فلذلك نقموا على علي رضي الله تعالى عنه هذا المسلك مع البغاة، فكان مما أخذوه على علي رضي الله تعالى عنه أنه لا يسبي نساءهم ولا يغنم أموالهم، بناءً على أنهم كفروا عند الخوارج؟! أما ابن عباس رضي الله تعالى عنه فلما بعث من قبل علي كي يناظرهم فقد قال لهم: أتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها؟! وإن أظهر قوم رأي الخوارج ومذهبهم المنحرف، كاعتقادهم تكفير من ارتكب كبيرة، أو ترك الجماعة -خرج على الجماعة- واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، إلا أنهم ما داموا لم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم، لكن يتعرض لهم بإقامة الحجة والجدال بالتي هي أحسن، وغير ذلك من الأساليب السلمية، لكن لا ينصب لهم القتال إلا إذا اجتمعوا للحرب، وإن جنوا جناية وأتوا حداً يقيمه عليهم الإمام.
وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رئاسة فهما ظالمتان؛ لأن كل واحدة منهما باغية على الأخرى، وتضمن كل واحدة منهما ما أتلفت على الأخرى.
стр. 2207
من فوائد الآية
وفي الآية فوائد منها: أن البغاة لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فهم مازالوا من أهل القبلة، ولهم أحكام أهل القبلة، فوقوع ذنب القتال مع البغي لا يخرجهم من الإيمان كما بينا وذكرنا الأدلة على ذلك.
وفي الآية أن الله أوجب قتالهم؛ لأن هناك أمراً بالقتال: ((فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)) وأنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم.
وفيها أيضاً قتال كل من منع حقاً عليه، والأحاديث بذلك مشهورة، منها ما روى عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله) والحديث متفق عليه.
وأجمع الصحابة على قتال البغاة، فإن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، والحقيقة نحن نستفيد في فقه قتال البغاة مما حصل في قتال علي رضي الله تعالى عنه مع الفئة الباغية، أما أول من قاتل البغاة فهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقد قاتل طائفة من أهل القبلة وهم مانعو الزكاة، لكن لما اختلط الأمر كان الذين يقاتلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه منهم من منع الزكاة بتأويل، ومنهم من ارتد عن الإسلام، إلا أنه غلب على تلك الحروب اسم حروب الردة، فهذا الإطلاق هو على سبيل التغليب؛ لأن منهم من منع الزكاة متاولاً قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] قالوا: أما بعد النبي ﵊ فليس للإمام أن يأخذ منا الصدقة؛ لأنه ليست دعوته وتزكيته كفعل النبي ﵌، فهذا تأويل اجتمعوا عليه وقاتلوا من أجله في منع الزكاة، ولم يرتدوا عن الإسلام.
فإذاً: أبو بكر يعتبر أول من قاتل البغاة؛ لكن لم يتمحض قتاله للبغاة، وإنما اختلط بقتال أهل الردة، وكان ذلك الغالب، فأطلق عليها إجمالاً حروب الردة، أما علي رضي الله تعالى عنه فقد قاتل أهل الجمل وأهل صفين.
стр. 2208
أحداث العراق والكويت ومغبة التحاكم إلى غير الشرع
وتدل الآية أيضاً على وجوب معاونة من بغي عليه، والدليل على ذلك قوله ﵎: ((فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)).
ولا شك أننا بعد أحداث الخليج وما حصل من غزو الكويت كنا أحوج ما نكون إلى تطبيق هذه الآية، ولكن من الذي يعتبر نفسه مخاطباً بوصف الإيمان حتى يفعل ذلك؟ أعني أن حادثة العراق والكويت مما يؤرخ له، وقد اختلف ما بعدها تماماً عما قبلها كحادثة الفيل وغيرها من الأحداث العظيمة، ولا يخفى الشر الذي حصل، وكأنه والله أعلم هو المقصود من قول النبي ﵊: (ويل للعرب من شر قد اقترب)، فبمجرد حصول هذه الفتنة وعدم الإصغاء إلى حكم الله ذاقت الأمة على جميع المستويات الويل من تلك اللحظة، فما من أحد إلا ودفع الثمن، لا أقول العمال الذين فقدوا مرتباتهم، فهذه أبسط الأشياء، ولكن هذه الأمة التي طحنت وأهينت ومزقت شر ممزق، وإلى الآن لا نزال نسمع صراخ مندوبي العراق في كل المنتديات الدولية: ارفعوا العقوبات! ارفعوا العقوبات! وذلك بعد أن دمر كل ما عندهم من السلاح، وهلك الأطفال من الجوع، وحصل التشرد وغيره من البلاء الذي وقع بالأمة.
فانظر كيف ندفع ثمن حماقة الحمقى من هؤلاء الظالمين، بسبب تغلب رأيهم وعنادهم أو لغير ذلك من الأسباب، فهذا أنموذج من نماذج حرمان الأمة من هدي القرآن الكريم، ومن تحكيم كتاب الله فيما بينها، ولو قدر أنه حصل تحكيم فعلي للشرع -على ما هم فيه من الانحراف عن الإسلام- وحسم الأمر بطريقة شرعية كما هو المندوب إليه في هذه الآية، لما حصل ما حصل الآن.
لكن جاءت الجيوش الغربية بقضها وقضيضها، وملأت الجزيرة العربية بحجة حماية البترول، ثم بعد ذلك بقيت كل هذه الجيوش المجيشة عند عصابة اليهود في فلسطين وديعة من حق اليهود أن يستعملوها عند الحاجة، فهي باقية راسخة، ولا يستطيع أحد أن يزحزحها، فكل هذا الشر إنما أتى من شؤم مخالفة أمر الله الذي توضحه هذه الآية، يقول النبي ﷺ : (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).
وقول الله ﵎: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، هذا ليس على إطلاقه، حتى يبدأ المؤمنون بظلم بعضهم البعض، ويبغي بعضهم على بعض، ويستحل بعضهم بيضة بعض، فحينئذ يعاقبون بتسليط الكافرين عليهم.
فهذا كله من شؤم الانحراف عن هدي كتاب الله، فنحن جميعاً ندفع الثمن، لا يوجد أحد على الإطلاق لم يدفع الثمن سواء في العراق أو في غيرها، فالناس في كل البلاد الإسلامية يدفعون الثمن، ويتحملون ما هم فيه من ذل وهوان واستضعاف من قوى الكفر، حتى وصلوا إلى تجريد الأمم الإسلامية من أسلحتها وتدميرها، وإضعاف اقتصادها، إلى غير ذلك من الشؤم والنحس الذي جره على المسلمين هؤلاء الطواغيت، فإلى الله المشتكى! فهذه لفتة لبيان بركة تحكيم كتاب الله على الأمة كلها، وشؤم النفور والاستكبار والانقياد لحكم الله ، والذي أدى إلى الاستغاثة بالكفار، كي يمنعوا ظلم هذا الطاغية، فالله المستعان.
стр. 2209
وجوب النصح وإصلاح ذات البين
فهذه الآية تدل أيضاً على وجوب تقديم النصح؛ لأن الله يقول: ((فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) فهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب، وقال أيضاً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١] وبين النبي ﷺ أن فساد ذات البين هي الحالقة، وقال: (لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).
فالآية تفيد وجوب تقديم النصح: ((فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا))، وعلى السعي في المصالحة، وذلك ظاهر في قوله: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) يعني: ليس بمجرد الكلام والاقتراح، ولكن بالسعي الدءوب والعملي إلى الإصلاح، حتى لو وصل إلى قتال الفئة الباغية، فإذاً: هذا يدل على أن النصح ليس نصحاً مجرداً، وإنما معه إجراءات عملية.
وهنا الآية بدأت بمثنى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فوجه الجمع في (اقتتلوا) هو الحمل على المعنى دون اللفظ؛ لأن الطائفتين بمعنى القوم والناس، والنكتة في اعتبار المعنى أولاً واللفظ ثانياً عكس المشهور في الاستعمال -فالمشهور في الاستعمال اعتبار اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً- والنكتة في ذلك ما قيل: إنهم أولاً في حال انقسامهم مختلفون مجتمعون، فلذا جمع أولاً ضميرهم، وفي حال الصلح متميزون متفارقون، فلذا ثنى الضمير: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا).
ثم قال: (فأصلحوا بينهما) فثنى على أساس أنهم في ساحة القتال يكون كل واحد منحازاً، فهم طائفتان متمايزتان.
وناسب قرن الإصلاح الثاني بالعدل دون الأول، لأن الإصلاح الثاني وقع بعد المقاتلة ففيه مظنة للتحامل عليهم بالإساءة، أو لإيهام أنهم لما أحوجوهم للقتال استحقوا الحيف عليهم.
أي: قد يقول القائد أو الإمام الذي قاتل الباغية حتى استسلمت للصلح: إنه اضطر إلى قتال هذه الفئة التي لم تنصت لنداء النصيحة والإصلاح بالمعروف، فماداموا قاتلونا، فهم يستحقون أن نجور عليهم، وأن ننتقم منهم، فأكد الشرع الشريف على وجوب لزوم العدل حتى وإن حصل منهم قتال؛ فلذلك قال: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقدم أولاً: (فأصلحوا بينهما) بدون ذكر العدل؛ لأن ذلك قبل مقاتلة الباغية فليس الأمر مستدعياً للحيف.
قول الله ﵎: (وأقسطوا) من أقسط الرباعي، وهمزته للسلب، يعني: مثل بعض الأفعال في اللغة الإنجليزية عندما تنفيها تقدم عليها حرفاً في الأول مثل حرف [ E] فكذلك الهمزة هنا جاءت للسلب كما بينا ذلك من قبل، يقال: أقسط إذا أزال القسط الذي هو الجور، كما تقول: شكوته فلم يشكني، أي: فلم يجب شكواي، وشكى إلي فأشكيته، يعني: أزلت شكواه، فهذه الهمزة هي لسلب القسط الذي هو الجور، فالمقصود (وَأَقْسِطُوا) أي: أزيلوا الجور واعدلوا، بخلاف (قسط) الثلاثي فمعناه: جار، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، وهذا هو المشهور خلافاً للزجاج، في جعلهما سواء؛ أفاده الكرخي.
стр. 2210
كلام القرطبي في تفسير الآية
يقول الإمام القرطبي ﵀ ﵎ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما: إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً أو لا.
فإن كان الأول فكلاهما باغية، فالواجب في ذلك أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكأفاة والموادعة.
فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما.
وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل.
فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة؛ فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة، والبراهين القاطعة على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين، والله أعلم.
يقول أيضاً: في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من منع من قتال المؤمنين، واحتج بقول النبي ﷺ : (قتال المؤمن كفر)، ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك.
قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) حصل القتال، وأثبت لهما مع ذلك وصف الإيمان، ثم قال بعدها مباشرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فأثبت أخوة الإيمان مع وجود الاقتتال، فدل على أنه قد يقاتل المسلمون والمؤمنون إذا كانوا بغاة، فأما من احتج بقول النبي ﵊: (قتال المؤمن كفر) ومنع قتال المؤمن مطلقاً فنقول: هذا غير صحيح، وإلا لو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر تعالى الله عن ذلك؛ لأن الله قال: ((فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ))، وقد قاتل الصديق رضي الله تعالى عنه من تمسك بالإسلام، وامتنع من الزكاة، وأمر ألا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولم تحل أموالهم؛ بخلاف معاملة الكفار.
стр. 2211
التنبيه على التكفير الطائش وابتغاء الفرد إقامة الحدود
بعض الناس كان يتكلم على أساس أنه ينقل كلاماً لـ شيخ الإسلام في حكم من امتنع من شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام، وهذه مشكلة كبيرة، وهي أننا بين وقت وآخر نجد من يأخذ النصوص من الكتب دون ربطها بالواقع أو الالتفات إلى اختلاف الواقع الذي كتبت فيه هذه النصوص عن الواقع الذي نعيشه، فنحن نقرأ في كتب الفقه كثيراً أن تارك الصلاة يقتل، وأن من فعل كذا يقتل، وأن من شرب الخمر يحد، وأن السارق تقطع يده، وهكذا، فبعض الناس في وقت من الأوقات ذهبوا إلى التأثم والشعور بأنهم آثمون إن لم يقاتلوا الطائفة التي امتنعت عن شرائع الإسلام.
ومعلوم أن أي نص في كتب الفقه فيه أن من فعل كذا قتل، فهذا ليس لآحاد الرعية بإجماع العلماء، فالحدود لا يقيمها آحاد الرعية أبداً، وإنما يقيمها الإمام الخليفة، أما أن كل واحد سواء كان عالماً أو داعية أو غير ذلك يظن أنه مسئول ومحاسب إذا لم يقم الحدود، فهذا بلا شك أمر في غاية الخطورة؛ لأن موضوع إقامة الحدود يسبقه إجراءات يجريها القضاء الشرعي من التثبت والتحري والتحقيق، وفي يده سلطة تجبر الناس على تنفيذ هذه الأشياء، أما بخلاف ذلك فلا ينبغي أن يقدم بعض الناس على إيقاد نيران الفتن والبلايا على الدعوة بسبب هذه الاجتهادات.
وأعرف بعض الإخوة في أمريكا، حيث كان الإخوة الأمريكان الأفارقة يدخلون في الإسلام بحماس قوي؛ لكن مع جهل قوي جداً، فمجرد أنه يعرف أحدهم أن شارب الخمر يجلد يريد تنفيذ حكم الله ، فكان بعضهم يدخل إلى الحانات، وأماكن فيها بعض المسلمين المفرطين ممن يشرب الخمر، فيدخل كي يعمل اختباراً ويتأكد أنه مسلم فيقول: السلام عليكم يا أخي! هو يتكلم إنجليزي لكن هذه يقولها بالعربي، فلو رد عليه فإنه يتأكد أنه مسلم، فيقول له: أنا أريدك فقط في كلمتين في الخارج، فيخرج معه فيوسعه ضرباً على أساس أنه يقيم الحد! وموضوع إقامة الحد قد سبق أن ناقشته في محاضرة مفصلة أو محاضرتين، فالحدود من شأن الحاكم وولي الأمر! وكان بعض الإخوة للأسف الشديد يأتون في أثناء النقاش بنصوص من كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في قتال البغاة، فنقول: نعم؛ لكن الذي يقاتل هو الإمام لأنه ذو سلطة وقوة حتى تنتظم الأمور، وإلا لو أن كل واحد أقام الحد على الثاني بمجرد الدعاوى والشائعات، وبالجهل وعدم التثبت، ولم يوجد قضاء ولا تحقيق؛ إذاً لادعى أناس دماء أناس وأموالهم، فتصير الأمور فوضى.
فهذه فائدة عابرة: وهو أنه يقاتل من امتنع عن شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، حتى الأذان أو ركعتي الفجر، فلو اتفق أهل القرية على الامتناع من هذه الشعائر الظاهرة فإنهم يقاتلون، لكن من الذي يقاتلهم؟ الإمام أو الخليفة، فهو الذي يقاتلهم ويجبرهم على الرجوع إلى الجادة، أما آحاد الناس أو مجموعات صغيرة فهذا مما لا يكون، وسبق أن تكلمنا مراراً أن الجهاد إنما هو وظيفة أمة وليس وظيفة آحاد قليلة من الناس لا تحسن وزن الأمور.
الشاهد: أن الفئة الباغية تقاتل، لكن الذي يقاتلها هو الإمام الحق.
وبعض الناس أصلاً هو زرع في قناعته أنه لابد من أن يقاتل هو، ثم يبحث عن مبرر، فكنت أناقش أحدهم في موضوع الكفر أو عدم الكفر لهؤلاء الناس الذين يقاتلونهم، فقلت له: كيف تحكم بكفرهم؟ قال: إن لم نحكم بكفرهم لم يجز أن نقاتلهم، فلابد أن أكفرهم لكي يحل لي أن أقاتلهم! هذا هو الأسلوب العجيب في التكفير، هو يفرض على نفسه قناعة ثم يبحث عن المسوغات، وغاب عنه أنه يمكن أن تكون طائفة مؤمنة ومع ذلك يحل قتالها، وليس بشرط أن يكفرهم لكي يقاتلهم، ولكن مع ذلك حتى لو حل قتالهم فالذي يقاتل هو الإمام وليس آحاد الرعية، وقد قاتل الصديق ﵁ من تمسك بالإسلام وامتنع من الزكاة، وأمر ألا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، فلم تحل أموالهم بخلاف الواجب في الكفار.
стр. 2212
ذم السلبية والتقاعس عن الواجبات الشرعية
وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهرب منه، ولزوم المنازل، لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المؤمنين، وسبي نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لما جاء في الأثر: (خذوا على أيدي سفهائكم).
فمسألة الاحتجاج بأن الإنسان يعتزل الفتنة ولا يقاتل لا مع هذا ولا مع ذاك، وأن له ألا ينحاز إلى الإمام الحق لا تجوز؛ لأنه لو عمم هذا الأمر وتحرج جميع المسلمين من قتال الفئة الباغية لأنهم مسلمون، وأن قتال المسلم كفر، فسوف تعلو كلمة أهل الفساد، ويكون الفساد العريض، وهذه التربية رأينا نماذج لها، وهي أسوأ ما تكون في أوضاعنا المعاصرة الآن، هي السلبية والهروب من مواجهة المحن بالمنهج الشرعي الصحيح والسليم.
ونجد في تراجم العلماء والصالحين والأئمة شيئاً يمكن أن يوصف بالسلبية، لكن هو في الحقيقة ليس سلبية، فمثلاً عمر بن عبد العزيز كان يخطب على المنبر فكأنه داخله شيء في نيته أو خشي على نيته وإخلاصه، فمزق الكتاب وقطع الخطبة ونزل، فممكن أن شخصاً إذاً يقول: أنا هذا الوقت لا أقدر أن ألقي دروساً ولا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر؛ لأنه قد يكون في نيتي شيء.
يأتون بكلام في تراجم عشرات من الأئمة أنهم كانوا يكرهون على القضاء، والإمام مالك، جلد، والإمام أبو حنيفة جلد لكي يقبل القضاء، فأبى وهرب من القضاء إلى آخره، ومن راجع مقدمة كتاب الخراج لـ أبي يوسف رأى أنه أثبت رسالة طويلة جداً من سفيان الثوري إلى صديقه القديم هارون الرشيد قبل أن يلي الخلافة، لكنه قاطعه وخاصمه عندما قبل تولي الخلافة؛ لأنه بذلك سوف يقع في شيء من الانحراف عن المنهج السابق، وانحياز إلى الحكام وكذا.
وفي الحقيقة هذا كلام مستساغ في زمانهم؛ لأن الأمة كأمة هي موجودة ومتظافرة، وإذا تقاعس أو انحاز أو انسحب شخص فهناك عشرات بل مئات بل آلاف في امتداد رقعة العالم الإسلامي يخلفونه في هذه الوظيفة، ويؤدى بها فروض الكفايات، فلا يحصل خلل في المسيرة العامة للأمة، أما الآن فلا يصح لأحد أن يحتج بهذه المواقف التي يمكن أن توصف تجاوزاً بأنها سلبية؛ لأن الفقهاء كانوا أعقل وأعلم وأورع من أن يتواطئوا على ترك الخلافة من أجل الإعراض عن الدنيا، وترك القضاء والهروب من المناصب الشرعية.
إذاً: من يقيم الشرع في الناس؟ فيعلو أهل الفسق ويغلب الكفار المسلمين، ويغزونهم في ديارهم، ففي ذلك الوقت لم تكن هذه الخطورة قائمة، أما العلماء فما من أحد منهم إلا ونعلم أنه لو كان قد تعين عليه شيء لما تركه، لكن قد يترك أحدهم منصباً لأن هناك مئات وآلاف العلماء والقضاة والمجتهدين في كل بقاع العالم الإسلامي، فهو مطمئن إلى أن فرض الكفاية سوف تسد ثغرته، وهو يرى نفسه أضعف من أن يلي هذا الأمر، ويخشى الحساب يوم القيامة، للأحاديث التي جاءت في الترهيب من ولاية القضاء مثلاً، وليس معنى ذلك أن ينسحب المسلمون عن بكرة أبيهم ليكونوا سلبيين.
ونحن قد رأينا في آخر دعوة تجديدية في القرن الثاني عشر كيف كان الأمر عندما ضم التحالف عنصراً سياسياً مع عنصر العلم الشرعي، ولكن لما انفصل الاثنان حصل بمرور الزمن الافتراق والفجوة بينهما، بل وهناك فئة جذبت الأخرى معها؛ لأنه كان أتباع الإمام المجدد في ذلك الوقت يتحرجون من الولايات الشرعية، فكانوا يقولون: نحن نجاهد وندعو ونضحي لكن لا نريد الدنيا، فتركت في أيدي الساسة، فآل الأمر إلى ما آل إليه بسبب هذا الانفصال.
فالسلبية الآن لا محل لها، لأن الأمة في أوضاع يرثى لها، فكل من يستطيع البلاغ فليبلغ، فالرسول ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) فلا يحقرن أحد نفسه في أي دور يستطيع أن يقوم به بصورة إيجابية في الدعوة والتعليم، فلا يتقاعس بحجة أن نيته فاسدة، فيقول: أخاف ألا أكون مخلصاً، ولم أتأهل، وحينئذ يكون الثمن غالياً! فهذا تنبيه عابر لمناسبة موضوع السلبية في الفتن، وممكن أن يكون الإنسان في الفتن سلبياً تماماً ما لم يبن له الحق مع أحد الطرفين، خاصة في أواخر الزمان، والفتن التي يتخذ الإنسان فيها سيفاً من خشب أو كما أمر النبي ﵊ أن يكون كابن آدم المقتول ظلماً، وهو هابيل: (كن كخير ابني آدم ولا تقاوم) هي أمر آخر، وهذه أوضاع خاصة، لكن القاعدة: أن الإنسان لا يكون سلبياً إزاء الواجبات الشرعية، ويظن أنه بهذا التورع الكاذب معفي من المسئولية أمام الله .
قال الطبري ﵀: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهرب منه، ولزوم المنازل، لما أقيم حد، ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم.
وذلك أن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم.
وممكن أن يكون البغاة مسلمين، لكنهم فسقة وظلمة وفجار ينتهكون الأعراض، ويسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض، فلو كف عنهم أهل الخير والصلاح وانسحبوا وهربوا وقالوا: نعتزل الفتن، لكان ذلك تقوية لشوكة أهل الفساد، فيعلون على المسلمين وهم فسقة، وإذا حكم الفاسق فقد حكم الفسق؛ ولابد أنه في منهجه سيكون مروجاً للفسق، فأين ذلك من الأمر بالأخذ على أيدي السفهاء؟!
стр. 2213
كلام ابن العربي على قتال علي لمن بغوا عليه
قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة ﵃، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي ﷺ بقوله (تقتل عماراً الفئة الباغية).
فلا شك أنه بمقتل عمار يكون قد حسم الأمر؛ لأن الرسول ﵊ وصف الفئة التي تقتل عماراً بأنها هي الفئة الباغية، وقول النبي ﷺ في فعل الخوارج: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق) واضح جداً في أن كلا الطائفتين على حق، لأن أفعل التفضيل تقتضي المشاركة في أصل الصفة، ولكن هناك فئة أولى بالحق من غيرها، وهي فئة علي رضي الله تعالى عنه، وكان الذي قتل الخوارج علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ومن كان معه.
فتقرر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أن علياً ﵁ كان إماماً حقاً، وأن كل من خرج عليه باغ، وأن قتاله واجب حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح؛ لأن عثمان رضي الله تعالى عنه قتل، والصحابة برآء من دمه؛ لأنه منع من قتال من ثار عليه، وقال: لا أكون أول من خلف رسول ﷺ في أمته بالقتل، فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة، وفدى بنفسه الأمة رضي الله تعالى عنه.
ثم لم يمكن ترك الناس سدى، فعرضت على باقي الصحابة الذين ذكرهم عمر في الشورى وتدافعوها، وكان علي ﵁ أحق بها وأهلها، وقبلها حوطة على الأمة أن تسفك دماؤها بالتهارج والباطل، أو يتخرق أمرها إلى ما لا يتحصل، فربما تغير الدين، وانقض عمود الإسلام، فلما بويع له طلب أهل الشام في ترك البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي ﵁: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباح مساء.
فكان علي في ذلك أسد رأياً وأقرب قيلاً؛ لأن علياً لو تعاطى القود منهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حرباً ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر، وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم فيجري القضاء بالحق، ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لـ طلحة والزبير فإنهما ما خلعا علياً من ولاية، ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى.
стр. 2214
وقعة الجمل دبرها قتلة عثمان
وقال جملة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم جرت على غير عزيمة منهم على الحرب، بل فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم؛ لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به؛ لأن الأمر كان قد انتظم بينهم على الصلح والتفرق على الرضا، فخاف قتلة عثمان ﵁ من التمكين منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين ويبدءوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف الضربات بينهم، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في عسكر علي: غدر طلحة والزبير، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر علي، فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعاً لمكرته عند نفسه، ومانعاً من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى، إذا وقع القتال والامتناع منهما على هذه السبيل، وهذا هو الصحيح المذكور.
الحقيقة أن هذا حديث ذو شجون، وبقي تنبيهات قليلة تتعلق بموضوع ما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ لأنه انتشرت الآن أشرطة للدكتور طارق السويدان فيها كلام مفصل في موضوع ما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومحاولة إنهاء الأمر.
والحقيقة أن بعض العلماء كان له بعض التحفظات على إشاعة الكلام عما حصل بين الصحابة بهذه الطريقة، فبعض العلماء ألف في ذلك وبين أن ما نص عليه العلماء هو أنه ينبغي الإمساك عن ذلك وعدم الخوض فيه، ومنهم الإمام النووي رحمه الله تعالى حيث قال: واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد -أي: في حديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) - ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، إنما اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى الله، وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه اجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه.
هذا فيما يتعلق بموقف أهل السنة من قتال الصحابة؛ ربما يكون الدكتور طارق السويدان له رأي في هذه المسألة، ويمكن أيضاً أن يكون له وجه من النظر، بل هو يقول: أنا أضطر للكلام والتفصيل؛ لأن عامة كتب التاريخ التي تدرس في أغلب بقاع العالم الإسلامي فيها تاريخ مزور، فالناس قد تلوثوا بالباطل، فلزم إذهاب هذا الباطل وهذا التزوير في التاريخ الإسلامي، ببيان حقيقة ما أشيع.
والله أعلم.
стр. 2215
تفسير سورة الحجرات [١١ - ١٣]
стр. 2216
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم)
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ))، أي: لا يستخف ولا يستهزئ بهم، والعرب تقول: سخر منه يسخر على القياس، إذا استهزأ به.
وقد نهى الله في هذه الآية الكريمة عن السخرية من الناس، مبيناً أن المسخور منه قد يكون خيراً من الساخر.
ومن أقبح القبيح استخفاف الدنيء الأرذل بالأقرب الأفضل واستهزاؤه به، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن السخرية جاء ذم فاعله وعقوبته عند الله في غير هذا الموضع، كقول الله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]، فبين أن من سخر من الناس سخر الله منه وله عذاب أليم.
وبين الله أن الكفار المترفين في الدنيا كانوا يسخرون من دعاة المؤمنين في دار الدنيا، وأن أولئك يسخرون من الكفار يوم القيامة، كما قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٦].
فلا ينبغي لمن رأى مسلماً في حالة رثة تظهر بها عليه آثار الفقر والضعف أن يسخر منه؛ لهذه الآيات التي ذكرنا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ))، أي: لا يهزأ رجال من رجال، فالقوم هنا بمعنى: الرجال، كما قال الشاعر: ولا أدري ولست أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء يعني: أرجال هم أم نساء؟ فهنا قوم: بمعنى رجال، ((لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ))، أي: لا يهزأ رجال من رجال فيروا أنفسهم خيراً من المسخور منه.
((عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ))، أي: يكن المسخور منهن أفضل عند الله من الساخرات.
стр. 2217
الإشارة في الآية إلى عدم الاختلاط بين الرجال والنساء
ولم يقل الله : لا يسخر قوم من نساء، ولا نساء من قوم، ولم يقل: لا يسخر رجل من امرأة ولا امرأة من رجل؛ للإشعار بأن مجالسة الرجل المرأة الأجنبية مستقبح شرعاً؛ ولأن الإنسان إنما يسخر ممن يجالسه غالباً، والهيئة الاجتماعية في المجتمع المسلم مبنية على حظر الاختلاط بين الرجال والنساء.
فلا يرد على هذا الأساس احتمال كبير أن تحصل سخرية رجل من امرأة أو امرأة من رجل، وقد رأينا في هذا الزمان كيف أزيل نظام الأسلاك الشائكة بين الرجال والنساء حتى صار الرجل يتعامل مع المرأة، والمرأة تتعامل مع الرجل كأنه أخوها أو أبوها بلا حواجز ولا حدود ولا حياء، كما نرى الموظفات في المكاتب والشوارع وفي الطرقات وفي كل مكان، وربما صرخت المرأة في محل عام مثلاً تتعارك مع الرجل كأنها رجل، وتثبت أمامهم في غاية الجسارة وقلة الحياء.
стр. 2218
شمول النهي لكل معاني السخرية
فلذلك قصر الله بين الرجال والنساء فقال: ((لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ))، أي: لا يهزأ رجال من رجال، ((عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ)).
فإن مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور والأشكال، ولا الأوضاع والأطوار التي يدور أمر السخرية عليها غالباً، فأمر السخرية غالباً لا يدور على أمور ظاهرة، وإنما يدور على شكل الإنسان أو على ملابسه أو على هيئته أو على طريقته في الكلام أو على وظيفته وعمله أو غير ذلك، هذا غالباً يكون مناط السخرية في الأمور الظاهرة، وبالذات أمور الدنيا.
بين الله أن مناط الخيرية ليس في الأمور والأشكال الظاهرة التي تدور حولها السخرية غالباً، بل مناط الخيرية إنما هو للأمور الكائنة في القلوب: ((عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ))، يعني: في القلوب وفي الباطن عند الله.
فالذي ينظر إليه الله القلوب والأعمال وليس الصور والأشكال، فالمناط إنما هو الأمور الكامنة في القلوب، فلا يجترئ أحد على استحقار أحد، فلعله أجمع منه لما نيط به من الخيرية عند الله ، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ، ويستهين بمن عظمه الله .
ومن أهل التأويل من خص السخرية بما يقع من الغني للفقير، وآخرون خصوا السخرية بما يحصل على أحد زلة أو هفوة فيسخر به من أجلها.
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: والصواب أن يقال: إن الله عم بنهيه المؤمنين من أن يسخر بعضهم من بعض في جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن، لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك.
стр. 2219
كلام الغزالي في تحريم السخرية والاستهزاء
وقد عد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء السخرية من آفات النساء، وأوضح معناها بما لا مطلب وراءه، وينقل القاسمي هذا الكلام عن الغزالي، ونحن نتحرز من كتاب الإحياء، لأن الإحياء كتاب فيه نظر شديد، وفيه صدام صريح للشريعة سواء في العقيدة أو في الفروع أو في ضلالات الصوفية التي حشا بها هذا الكتاب، وهي ضلالات مهلكة ومحرقة.
فينبغي الحذر من كتاب الإحياء، مع ما تضمنه من الخير الكبير الذي انتفع به كثير من الخلق، لكنه كتاب لا يعد مرجعاً معتبراً ومحترماً عند أهل السنة وأهل الحديث، ولذلك ما كان يقتنيه بعض طلاب العلم إلا من أجل تحقيقات الإمام العراقي رحمه الله تعالى في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار بتخريج ما في الإحياء من الآثار.
فليحذر من كتاب الإحياء، لما فيه من الضلالات والطامات المصادمة للشريعة، وحشوه بالكذب على رسول الله ﷺ بالأحاديث الضعيفة والباطلة والموضوعة، والبدع التي يزخر بها هذا الكتاب من الاعتقادات والأعمال.
وهو كما قلنا لا يخلو من خير، ولذلك لا يغوص فيه إلا من يحسن السباحة كي لا يغرق، يقول الغزالي رحمه الله تعالى: الآفة الحادية عشرة: السخرية والاستهزاء.
وهذا محرم مهما كان مؤذياً، كما قال الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ))، فإذا كانت هذه السخرية تؤدي إلى أذية أخيه المسلم فهي حرام، ومعنى السخرية: الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يبحث منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة بالفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، فأي وسيلة استعملت لأجل الاستهزاء والسخرية وإظهار النقائص والتنبيه عليها، سواء كان بالكلام أو بغمزة العين أو بإخراج لسانه أو بمحاكاته في الحركة؛ فكل هذا سخرية.
فإذا كان بحضرة المستهزأ به لا يسمى ذلك غيبة وإن كان فيه معنى الغيبة، لكن ما دام هو موجوداً لا يسمى ذلك غيبة.
وقد نبهنا من قبل أن بعض الناس تقول له: يحرم عليك أن تغتابه يقول: أنا أستطيع أن أقول هذا في وجهه.
نقول: نعم إذا قلته في غيبته فهو غيبة، وإن قلته في وجهه فهو أذية للمسلم ومواجهة له بما يكره، كحال الاستهزاء واللمز والسخرية.
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: قال لي النبي ﷺ : (والله ما أحب أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا)، يعني: لو قال لي: خذ مبلغاً من المال مكافأة لك على أن تقوم بمحاكاة فلان، ما أحب أن أفعل هذا.
وقال ابن عباس ﵄ في قول الله : ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، قال ابن عباس: إن الصغيرة التبسم للاستهزاء بالمؤمن، والكبيرة القهقهة بذلك.
يعني: لو كان يستهزئ من المؤمن فتبسم فهذه هي الصغيرة، أما إذا أراد أن يسخر منه فقهقه بذلك وصدر منه كثرة الضحك والقهقهة فهي الكبيرة.
وهذه إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر.
وقال معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: قال النبي ﷺ : (من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله)، وإن كان في صحة هذا الحديث كلام، لكن معناه صحيح؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وهذه قاعدة شرعية صحيحة، وهي من عدل الله أن يجازي الإنسان من نفس جنس عمله، جزاء بما كنتم تعملون.
فمن عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله، فلابد أن تدور الأيام ويبتلى بنفس الذنب الذي سخر من أخيه بسببه، وبالذات إذا كان قد تاب منه، فلا ينبغي أن يعان الشيطان عليه بتعييره والسخرية منه.
وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير، والضحك عليه، والاستهانة به، والاستصغار له، وعليه نبه : ((عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ))، أي: لا تستحقره استصغاراً، فلعله خير منك، وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به.
стр. 2220
حكم سخرية ممثلي الكوميديا ونحوهم
أما من جعل نفسه مسخرة كممثل الكوميديا ونحوه، فهو يفرح أن يضحك الناس عليه، ويرى أنه إنسان ناجح جداً، وأنه جنى المجد العظيم حين يقف ويأتي بحركات وبروفات تضحك الناس؛ فهذا لا يدخل في هذه الآية، لأنه سعيد وفخور بأنه مسخرة، ولذلك لا يتشبث بهذه الوظيفة أو هذا العمل إلا من كان أحقر الناس وأعدمهم مروءة، ولا يمكن لإنسان محترم أو عنده مروءة أن يقبل هذا.
وإنما يكون سفلة الناس ورعاعهم وأحطهم هم الذين يقبلون مثل هذه الأعمال؛ فضلاً عن أن يسخروا بها.
وإنما يحرم الاستهزاء في حق من يتأذى به، لما فيه من التحقير والتهاون، وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا ارتبك فيه ولم ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة، كالضحك على حفظه وعلى صنعته أو على صورته وخلقته، إذا كان قصيراً أو ناقصاً لعيب من العيوب.
فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية المنهي عنها.
стр. 2221
حكمة تخصيص النهي عن السخرية بلفظ الجمع (قوم)
يقول أبو السعود رحمه الله تعالى: القوم مختص بالرجال؛ لأنهم القوام على النساء.
وهو في الأصل إما جمع فاعل كقوم وزور في جمع قائم وزائر، أو مصدرٌ نُعِتَ به فشاع في الجمع، وأما تعميمه للفريقين الرجال والنساء في مثل: قوم عاد، قوم فرعون، فإما للتغليب -تغليب الرجال على النساء- أو لأن النساء توابع للرجال.
واختيار الجمع لغلبة وقوع السخرية في المجامع، يعني: لم يرد النهي بصيغة المفرد: لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة، وإنما جاء بصيغة الجمع: ((لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ))، لغلبة وقوع السخرية في المجامع، لأن فيها القابلية للضحك، والتفاعل معه في مثل هذه المجامع يكون أسهل، تجد الواحد إذا كان في وسط مجموعة من الأصدقاء أو شلة من الشباب مثلاً، فإنه يضحكهم، ويكون هناك استعداد أكثر لأن يسخر من أحد ويستحقره.
فاختيار الجمع لغلبة وقوع السخرية في المجامع؛ ولأنه غالباً يقصد فيه أن يضع من غيره ويرفع من نفسه، وهذا غالباً ما يقع أمام جمع من الناس، ولا يكون في حالة الانفراد.
((لا يَسْخَرْ قَومٌ))، هذا التنكير إما للتعميم أو للقصد إلى نهي بعضهم عن السخرية من بعض، بما أنه مما يجري بين بعض وبعض.
стр. 2222
النهي عن اللمز
قوله: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ))، أي: لا يعب بعضكم على بعض ولا يطعن فيه، وهذه عبارة عن بعض آخر من جنس المخاطبين وهم المؤمنون، فجعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم.
وهذا ما نبهنا عليه مراراً: أن الله يعبر عن الإخوة في الله بلفظ النفس، فإخوانك المؤمنون حتى وإن كانوا غير موجودين معك الآن فإنه يطلق عليهم لفظ (أنفسهم).
فهذا له نظائر كثيرة في القرآن، منها: قول الله : ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، أي: منكم، وقال ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، يعني: إخوانكم، كذلك هنا: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ))، أي: إخوانكم، وقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] يعني: بإخوانهم، فهذا مما يعبر به عن رابطة الأخوة في الله.
فقيل: إن معنى الآية: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ)) لا تلمزوا إخوانكم المؤمنين، أو يكون المعنى: لا تفعلوا ما تلمزون به، فإن من فعل ما استحق به الذم فقد لمز نفسه، والمراد: لا ترتكبوا أمراً تعابون به، وانتقد هذا الرأي بأنه بعيد من السياق، وغير مناسب لقوله تعالى: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ))؛ لأن التنابز يكون من مجموعة لمجموعة أو شخص لشخص، فنسق الخطاب واحد، فأتت هذه الآية.
أي: ذكر الله ﵎: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ))، والأنسب للسياق أن يكون المعنى: لا تلمزوا إخوانكم ولا تنابزوا أيضاً فيما بينكم بالألقاب.
وقد يكون معنى قوله تعالى: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ))، أي: لا تتسببوا إلى الطعن فيكم بالطعن على غيركم، كما يقول بعض الناس: (من كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة)، وكما في الحديث: (من الكبائر أن يشتم الرجل والديه)، فسره النبي ﷺ بأنه إذا شتم والدي غيره شتم الغير والديه أيضاً.
فالمقصود على هذا من قوله: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ))، أي: لا تلمزوا الناس فيلمزوكم فتكونوا في حكم من لمز نفسه؛ لأنكم الذين سلكتم هذا اللمز.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ))، أي: لا يلمز أحدكم أخاه، وقد توعد الله جل وعلا الذين يلمزون الناس في قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، والهمزة: كثير الهمز للناس، واللمزة: كثير اللمز.
قال بعض العلماء: الهمز يكون بالفعل، كالغمز بالعين احتقاراً وازدراءً، واللمز يكون باللسان فتدخل فيه الغيبة، وقد صرح الله تعالى بالنهي عن ذلك في قوله : ((وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا))، ونفر عنه غاية التنفير في قوله تعالى: ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ))، فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض أخيه.
стр. 2223
النهي عن التنابز بالألقاب
قوله ﵎: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)): واللقب: ما سمي به الإنسان بعد اسمه من لفظ يدل على المدح أو الذم لمعنى فيه، فهذا معنى اللقب، أنه ما سمي به الإنسان بعد اسمه؛ لأن اللقب يكون لمعنى في الإنسان من مدح أو ذم.
فقوله تعالى هنا: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ))، أي: لا تتداعوا بالألقاب التي يكرهها الملقب، وقد روي أنه عني بها قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلما أسلموا كانوا يغضبون من الدعاء بها، وهذا رواه الإمام أحمد وأبو داود.
لذلك من حق المسلم على أخيه أن يدعوه بالاسم الذي يحبه.
أي فإذا عرفت أنه يكره اسماً معيناً أو لقباً معيناً فينبغي أن تجتنبه، فلا تناديه إلا بالاسم الذي يحبه، فهذا من الآداب الإسلامية.
وفسر بعض السلف هذه الآية بقول الرجل للرجل: يا فاسق يا منافق! وبعضهم فسرها بتسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، كرجل أسلم فيوصف بالفسوق مع أنه قد تاب، بمعنى: أنه يعيره بذنب قد تاب منه أو يعيره بالكفر بعدما أسلم، وربما يدخل نصراني في الإسلام فينتقصونه ويعيرونه بأنه كان نصرانياً مع أنه دخل في الإسلام.
فالمقصود: أن الإسلام يجب ما كان قبله، ألم يكن عمر رضي الله تعالى عنه وغيره من الصحابة على غير الإسلام قبل أن يدخلوا فيه؟! فلا يضر ذلك شيئاً؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، فلا ينبغي أن يعير مسلم بماض قد تاب إلى الله منه من كفر أو ذنب أو فسوق.
يقول ابن جرير: إن الآية تشمل ذلك كله.
يعني: لأن التنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة.
стр. 2224
تفسير قوله: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان)
قوله: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ))، والاسم هنا معناه: الذكر، أي: بئس الذكر الفسوق بعد الإيمان.
فالشاهد اللغوي على أن الاسم يطلق ويراد به الذكر قول العربي: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته، وحقيقته: ما سما ذكره وارتفع بين الناس، ألا ترى إلى قولهم: أشاد بذكره، كأنه قيل بالآية: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ))، بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق.
في قوله تعالى: ((بَعْدَ الإِيمَانِ)) ثلاثة أوجه: أحدها: استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة، يعني: لا يليق بمن كبر وتاب أن يفعل هذه الأفعال، على حد قول الشاعر: إذا دببت على المنساة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزل فالوجه الأول هو استقباح الجمع بين صفة الإيمان وصفة الفسق؛ لأن الإيمان يحرم الفسق ويزجر عنه، فالمعنى: بئس الشأن بالنسبة للمؤمن أن يقع في هذا الفسوق.
الوجه الثاني في الآية: أنه كان يقال لمن أسلم من اليهود: يا يهودي! فنهوا عن ذلك وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه.
والجملة على هذا التأويل متعلقة بالنهي عن التنابز.
أي أنه على التفسير الأول جاء: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)) وانتهى الكلام، ثم استؤنف معنى جديد: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ))، يعني: يستقبح من المؤمن أن يجمع بين الإيمان وبين الوقوع في الفسق؛ لأن الإيمان يأبى الفسق ويحرمه؛ فلا علاقة بين الجملتين إلا من وجه معين، وهو أن التنابز في حد ذاته نوع من الفسق والمعصية.
وعلى الوجه الثاني وهو أن معنى: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ)): بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه وإسلامه، تكون الجملة متعلقة بقوله تعالى: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)).
الوجه الثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن.
أي: فيكون قوله: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ)) كما تقول لمتحول من التجارة إلى الفلاحة: بئس الحرفة الفلاحة بعد التجارة، فكذلك هنا: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ))، يعني: بئس أن يجعل من فسق غير مؤمن.
واختار ابن جرير الوجه الثالث، لا ذهاباً لرأي المعتزلة من أن الفاسق غير مؤمن كما أنه غير كافر فهو في منزلة بين المنزلتين، بل لأن السياق يقتضي ختم الكلام بالوعيد.
وهنا إشارة إلى معنى معين في الوجه الثالث، وهو أن المعتزلة يذهبون إلى أن الفاسق غير مؤمن ولا كافر، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، مع أنهم يحكمون عليه في الآخرة بالخلود في النار، لكن هذا في الدنيا قريب من مذهب الواقفة الذين يتوقفون في بعض المسائل.
فاختيار الإمام ابن جرير للمذهب الثالث ليس موافقة للمعتزلة في ضلالهم ورأيهم، بل لأن السياق يقتضي ختم الكلام بالوعيد، فإن الله قال في هذه الآية الكريمة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ))، فاقتضى الكلام ختم الآية بالوعيد؛ لأن الآية ذكرت هذه المناهي، فإن التلقيب بما يكرهه الناس أمر مذموم، يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا عنه، وقدم على معصيتنا بعد إيمانه فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن بالألقاب فهو فاسق: ((بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ))، يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقاً.
ثم ضعف الإمام ابن جرير الوجه الثاني قال: وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدم بالنهي عما تقدم النهي عنه في أول هذه الآية، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدم على بغيه أو بقبيح ركوبه ما نهي عنه، لا أن يخبر عن قبح ما كان التائب أتاه قبل توبته، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عما كان ركب قبل التوبة من القبيح فيختم آخرها بالوعيد.
((وَمَنْ لَمْ يَتُبْ))، أي: من نبز أخاه بما نهى الله عن نبزه من الألقاب، أو سخر منه: ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، أي: الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها العقاب بركوبهم ما نهوا عنه.
стр. 2225
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن)
يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
стр. 2226
النهي عن الظن السيئ
قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ))، أي: كونوا على جانب منه، وذلك بألا تظنوا بالناس سوءاً، فإن الظن غير محقق، فما دام الإنسان يظن فالظن ليس شيئاً محققاً، فلذلك ينبغي أن نجتنب كثيراً من الظن.
وأبهم (كثيراً) لإيجاد الاحتياط والتورع فيما يخالج الأفئدة من هواجس؛ إذ لا داعية تدعو المؤمن للمشي وراءه أو صرف الذهن فيه، بل من مقتضى الإيمان ظن المؤمنين بأنفسهم الحسن، قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢].
نعم من أظهر فسقه وهتك ستره فقد أباح عرضه للناس، ومنه ما روي: (من ألقى غربال الحياء فلا غيبة له)، ولذا قال الزمخشري: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنباها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراماً واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر؛ فظن الفساد والنسيان به محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث.
((إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ))، وهو ظن المؤمن بالمؤمن الشر لا الخير، أما أن تظن بأخيك خيراً فليس منهياً عنه، بل من حق المؤمن أن تظن به الخير.
(إثم) أي: مكسب للعقاب؛ لأن فيه ارتكاب ما نهي عنه.
قال الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء في بيان تحريم الغيبة بالقلب: والغيبة بالقلب هي تعبير عن سوء الظن؛ لأنه هناك غيبة باللسان، وهناك غيبة بالقلب، وهي هذه الهواجس التي تطرأ في فكر الإنسان وفي عقله تجاه أخيه.
يقول ﵀: اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول، فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بمساوئ الغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك.
قال: ولست أعني به إلا عقد القلب، وحكمه على غيره بسوء الظن، وذلك بأن يعقد قلبه على هذا الظن السيئ، ويحكم على أخيه بسوء الظن.
فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه، بل الشك أيضاً معفو عنه، لكن الذي يحرم على الإنسان هو أن يعقد قلبه على ظن السوء بأخيه، ويحكم على أخيه بسبب هذا الظن.
ولكن المنهي عنه أن يظن، والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، فقد قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ))، قال: وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب.
فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل، فعند ذلك لا يمكنك ألا تعتقد إلا ما علمت وشاهدت بنفسك، وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك، فإنما يلقيه إليك الشيطان.
وللأسف الشديد هذا شائع في مجتمعنا، أعني: سهولة تداول الطعن في الأعراض في المجالس، فما أن تقع خطوبة بين طرفين أو يفتح الكلام على ذلك ولو لم يتحقق، حتى تجد من يقبل هذا الكلام، وربما حققه وقطع به، وبنى عليه أحكامه، ثم يشيعها في الناس، هذا شائع وموجود! فهذا من الظلم، وهذا مما يخالف هذا التوجيه القرآني.
ومن الناس من يتلقى الخبر من الجرائد ومن المشاهدة للإعلام فيظل يروج بكلام كثير جداً، فينبغي أن يتحرى المؤمن هذا الذي ينقله أو يبني عليه أحياناً، ولابد من تجنب الظنون السيئة ما لم يشاهد بعينه ولم يسمع بأذنه.
وتجد من الناس من يتساهل في الكلام فيحكي كلاماً هو إثارة للريبة في بعض الناس، ولا نريد أن نذكر أمثلة لأنها مؤذية، لكن يكفي أن نتسلح بهذا الفهم، فعلى الإنسان أن لا يتكلم إلا إذا كان له بينة شرعية.
يقول: فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشف بعيان لا يقبل التأويل، لأننا نحن البشر بل كل الخلق لا يستطيع أحد منهم أن يطلع على أسرار القلوب، فأسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب ، أما البشر فليس لهم إلا الظاهر، فإذا ظهر من شخص شيء وبان لك عياناً ببينة، فهنا يحق لك أن تظن ما يليق بهذا الذي ظهر منه، أما إذا لم يظهر منه شيء ولا أمارة صحيحة على ذلك فليس من حقك أن تظن به، وإلا فقد ظلمته واستحققت عقاب الله ﵎.
فما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق.
وهذه إشارة إلى قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
فالظن الذي يلقيه الشيطان في قلبك عن أخيك، وليس لك عليه بينة ولم تشاهد بعينك ولم تسمع بأذنك فاعلم أن الذي يلقيه ينصه في قلبك هو الشيطان، فيجب عليك أن تكذب الشيطان، لأنه أفسق الفساق، إذ هو أحق الخلق بقول الله ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا))، كراهية ((أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))، لأن المؤمن إذا أذنب ندم.
إلى أن قال: فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة أو ببينة عادلة.
انتهى كلام الغزالي ﵀.
стр. 2227
النهي عن التجسس
قوله: (ولا تجسسوا)، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ولما كان من ثمرات سوء الظن التجسس؛ لأنه إذا ألقي في القلب ظن سوء، فهذا الظن السيئ يدفع من ظنه إلى أن يتجسس ويتتبع عورات أخيه، فإن القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق، فيشتغل بالتجسس، فلذلك قال : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا))؛ لأن الظن يقود إلى التجسس.
وقد ذكر النهي عنه إثر سوء الظن لهذه العلة، فقال تعالى: ((وَلا تَجَسَّسُوا))، قال ابن جرير ﵀: أي: لا يتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره فاحمدوا أو ذموا على ما تعلمونه من الظواهر.
ولذلك من رحمة الله أن جعل أحكام الدنيا تجري على ما يظهره الناس، وإلا لفسدت الحياة وما أطاق الناس بعضهم بعضاً؛ لأن الناس يحتاجون كثيراً في معاملاتهم إلى نوع من المداراة، فالمداراة مباحة، لكن المداهنة ليست من خلق المؤمن.
стр. 2228
خطورة النميمة وتسجيل كلام الغير بغير علمه
من رحمة الله أن جعل الحياة تمشي على ما يظهره الناس، وهذا فيه خطورة النمام الذي يجري بالحطب بين الناس، حيث ينقل الكلام من فلان إلى فلان ليشعل الفتن ويفسد بين الناس.
والنمام لا يخترع كلاماً، بل إنه ينقل كلاماً ممن سمعه بحيث إنه لو نقل فإنه يزيد الفتن بين الناس ويشعل نيران العداوة، فهذا الكلام حصل بالفعل، لكن الإثم هنا ليس إثم البهتان وإنما هو إثم النقل بقصد الإفساد، وهذا أيضاً كثير في المجتمع.
فبعض الناس يتقن وظيفة النميمة، بل بعضهم يصل به الحد إلى أن يسجل خفية كلام بعض الناس ممن تكون بينهم خصومات، وبعدما تدور الأيام إذا به يظهر هذا الكلام، فهذا إتقان للنميمة؛ لأنه ممكن أن ينقل بلسانه بعض الكلام الذي سمعه وينسى كلمة مهمة ويخطئ في أخرى؛ لكن التسجيل إتقان للنميمة والإفساد بين الناس.
وينبغي أن يعلم أنه ليس من حقه أن يسجل لأخيه دون أن يخبره بذلك، ولذلك انتشر في وقت من الأوقات ما يسمى حرب الأشرطة، شخص يتصل بأحد العلماء، ويقول له: ما قولك يا شيخ فيمن يقول كذا وكذا وكذا؟! والشيخ سليم النية، فيأتي بالجواب مطابقاً للسؤال، فيأخذ الرجل الجواب بعد تسجيله ويطير به في الناس.
والحمد لله أنها حرب خمدت إلى حد كبير؛ لكن حصل بسببها تقهقر شديد في الدعوة في بعض البلاد، والسبب هو حمالو الحطب الذين ينقلون الرد من هذا إلى ذاك، والعكس، وقد سمعت من هذا ما فيه العجب في الحقيقة.
فليس من حقك أن تسجل لشخص دون أن يعرف، وهذه تعتبر خيانة وغدراً؛ قال الرسول ﷺ : (إنما المجالس بالأمانة).
فينبغي أن تحترم أمانة المجلس، وإذا أردت أن تنقل فأخبره أنك سوف تنقل هذا الكلام، أو استأذنه في التسجيل وبعض الناس أحياناً يفعل ذلك في المكالمات الهاتفية؛ فينبغي الحذر من مثل هذا.
أذكر أنني قبل ثلاثين سنة تقريباً كنت صبياً، وسمعت تمثيلية كان اسمها: نظارة الحقيقة، خلاصتها أن شخصاً اخترع نظارة معينة، بحيث إذا سلطها على شخص في النظر إليه فإنه يتحول في كلامه ويخرج الذي في قلبه، فدار بها وأفسد بين كل الناس بسبب هذه النظارة.
وفي النهاية مر على شخص يتحدث مع زوجته وهو يمدحها ويجللها، فسلط عليه النظارة، فقال لها: يا فاعلة! وأخذ يتكلم بما يكتم في نفسه بعدما كان يثني عليها، فقاموا يتعاركون بعد ذلك.
وهذه كذبة غير حقيقية لأنها تمثيلية.
فمن رحمة الله أن جعل الناس يتعاملون على ما يظهرون، فالنمام يكشف ستر الله على الناس، ويصر على أن يعامل الناس بعضهم بما يقوله الشخص بعيداً عن الشخص الآخر وخفية منه، فنقل الكلام من طرف إلى آخر يحصل به فساد عظيم! ولذلك من حكمة الله أن وصف النمام بأنه حمال الحطب: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤]، ولا يدخل الجنة قتات، وليس هذا من خلق المؤمن.
стр. 2229
وجوب الستر ومعاملة الناس على الظاهر
يقول القاسمي: لكن لما كان من ثمرة سوء الظن التجسس فإن القلب لايقنع بالظن ويطلب التحقيق، فيشتغل بالتجسس، فلذلك ذكر سبحانه النهي عنه إثر سوء الظن، فقال تعالى: ((وَلا تَجَسَّسُوا))، أي: لا يتبع بعضكم بعضاً، ويقول النبي ﵌: (يا معشر من أسلم بلسانه ولما يدخل الإيمان في قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته).
فالله يحب الستر، وكل صور الستر يحبها الله ، سواء ستر الإنسان على نفسه فلا يتحدث بما ألم به من القبائح، أو ستره على غيره، بل يستر على نفسه وإلا عوقب، قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون).
وكذلك ستره على إخوانه: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وغير ذلك من أنواع الستر، ومن أسماء الله (الستير)، وليس (الستار) كما هو شائع عند الناس، حتى إنهم يسمون الولد عبد الستار، والمأثور في الأسماء الحسنى (الستير).
ومن طرائف الإمام المجدد الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ رحمة واسعة: أنه صدمه رجل بسيارة فوقع الشيخ على الأرض مجروحاً، فاجتمع عليه الناس، وهم يدعون ويقولون: يا ساتر! يا رب! يا ساتر! فالشيخ كان في شدة الألم وهو يقول لهم: لا تقولوا: يا ساتر، وقولوا: يا ستير! فهو يصحح لهم العبارة والخطأ وهو في هذه الحالة.
ومعاملة الإنسان بما يخفيه من خصائص الرب ؛ لأنه هو الذي يعلم على التحقيق ما في قلوبهم، وهذه من آفات جماعات التكفير؛ خاصة جماعة التوقف والتبين، وهذا فيه هذه المنازعة لصفة من صفات الله تعالى وهي الربوبية، وينبغي أن يتذكر الناس كلمة المسيح ﵇ التي رواها أنس بن مالك كما في الموطأ: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد).
فخصلة الربوبية: هي إرادة أن يتعامل مع الناس على ما في قلوبهم، فيريد أن يمتحنه ويتلصص على ما في قلبه كي يعلله به، فنقول: إذا كان الرسول ﵊ قد قبل من المنافقين ظاهرهم فكانوا يصلون معه ويصومون، ويتناكحون مع المسلمين، ويتوارثون، ويدفنون في مقابر المسلمين؛ كل هذا إجراء للأحكام الظاهرة.
فينبغي أن يعامل الناس على ظاهرهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، أما محاولة التتبع والتنقيب والتفتيش عما في قلوب الناس فهذا مما لا يكلف الإنسان به، حتى رسول الله ﵌، ولذلك لما استأذن خالد بن الوليد ﵁ في قتل رجل قال له النبي ﷺ : (دعه لعله أن يكون يصلي، قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ قال: إني لم أومر أن أفتش في قلوب الناس، ولا أن أنقب في قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم) أو كما قال ﷺ .
فلم يكلف النبي نفسه وهو خير من وطئ الحصى ﷺ أن يعامل الناس على ما في أنفسهم وسرائرهم، فينبغي أن نقبل الظاهر ولا نتجسس لنطلع على ما يستره أي إنسان من عيوبه، ولا يجوز أن يتتبع المرء عورة أخيه؛ لكن يقنع بما ظهر له من أمره، وعلى أساس هذا الظاهر يحكم على الإنسان حمداً أو ذماً لا على ما يعلم من سريرته.
وقال النبي ﵌: (إذا عيرك رجل بما لا يعلمه فيك فلا تعيره بما تعلمه فيه)، بمعنى: أنه لا يحصل هنا مقابلة الإساءة بالمثل، إذا كان فيها كشف أستار، فإذا عيرك بما لا يعلمه فيك فلا يجوز لك أن تعيره أنت بما تعلمه فيه؛ لأن هذا من الظلم والعدوان.
стр. 2230
معنى التجسس وأدلة تحريمه
يقول القاسمي: يقال: تجسس في الأمر إذا تطلبه وبحث عنه، مثل تلمس، والجس كاللمس فيه معنى الطلب؛ لأن من يطلب الشيء يمسه ويجسه، فأريد به ما يلزمه، والتجسس من التفعل للمبالغة فيه.
قال الغزالي: ومعنى التجسس: ألا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف ما لو كان مستوراً عنه لكان أسلم لقلبه ودينه.
يعني: يكون قريباً من معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، فهو أسلم لقلبه ولنفسه ودينه.
وقد روي في معنى الآيات أحاديث كثيرة، منها حديث: (أن النبي ﷺ خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهن)، والعواتق: الفتيات أو الشابات في الخدور، والخدر: ستر يكون في أقصى البيت فيقول ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته).
وفي الصحيح عن النبي ﵌ قال: (لا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً).
ومعلوم أيضاً أن من شروط المنكر الذي يستحق أن ينكر على فاعله أن يكون ظاهراً بغير تجسس، لكن لو أنكر إنسان على إنسان شيئاً عن طريق التجسس فالمتجسس هو المخطئ، لأنه لا يحق له أن ينكر حتى يستوفي المنكر الذي ينكر على فاعله شروطه، ومن ذلك أن يكون ظاهراً بغير تجسس.
وروى أبو داود: (أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أتي برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به)، لا تتبع شيئاً مستوراً، لكن إن ظهرت لك علامة واضحة كرائحة الخمر من فمه أو الزجاجة في يده أو غير ذلك، فخذه بهذا الظاهر.
стр. 2231
التجسس من المسئول يفسد الرعية
وروى أبو داود عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)، فقال أبو الدرداء ﵁: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله بها! وهذه الملامح تعتبر سياسة شرعية حكيمة، وفي معناها حديث آخر: (إن الإمام إذا ابتغى الريبة في الرعية أفسدهم)، يعني: لا ينبغي أن تعامل من تعامله مثل معاملة هذا الإمام لرعيته، سواء الرجل مع أبنائه، أو مع زوجته، أو الزوجة مع زوجها، فينبغي أن يكون هناك زرع للثقة في التعامل، لكن إن كان التعامل مبنياً على الظن السيئ والتجسس، فربما عوقب الإنسان بما يكرهه.
فلو أن رجلاً يتعامل مع ابنه على أساس سوء الظن، فيتتبعه في الطرقات، ويتجسس عليه، ويفتش أوراقه، فهذه الأشياء كلها إن كان يفعلها على سبيل أنه لا يثق فيه وأنه يشك فيه ويرتاب؛ فهذا يزرع عند هذا الشاب عدم الهيبة والتوقير له.
ولكن كلما كانت النصيحة غير مباشرة كانت أوقع، فبعض الناس قد يقول: كيف تقول: ينصحه نصيحة غير مباشرة؟ وأقول: هذا هو أدب النبي ﵊، فقد كان إذا أراد أن يوبخ أحداً على شيء لا يخاطبه باسمه، وإنما كان يصعد على المنبر ويقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟!)، ولا يسمي بالأسماء؛ لأنه يريد النصيحة لا الإفساد.
فكذلك كلما كانت النصيحة غير مباشرة كان ذلك أعون على تقبلها.
وكذلك نهى النبي ﵊ الرجل إذا كان مسافراً ولا يعلم موعد رجوعه من السفر أن يطرق أهله ليلاً؛ لأن ذلك تجسس وشك، فالرسول ﵊ سد هذه الذرائع المؤدية إلى إساءة الظن، وأمر أن تبنى العلاقات على الثقة، وإذا خالف الإنسان هذا الأدب وهذه السياسة الشرعية فسيعاقب بأن يرى ما يسوءه كما في الأحاديث.
معاوية من أعظم الناس سيادة، وكان سياسياً حاسماً إلى أعلى الدرجات.
فهو ﵁ كان من أسود العرب وكان حكيماً جداً في سياسته وفي حكمه رضي الله تعالى عنه؛ ولذلك استفاد من هذا الحديث.
وروى الإمام أحمد عن جديل كاتب عقبة قال: قلت لـ عقبة: إن لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم، قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاءه جديل فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها).
وروى أبو داود عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: عن النبي ﷺ قال: (إن الأمير إذا ابتغى ريبة في الناس أفسدهم).
стр. 2232
من التجسس استماع حديث قوم وهم يكرهون ذلك
قال الأوزاعي: ويدخل في التجسس استماع قوم وهم له كارهون، يقول ﷺ : (من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة) والآنك: الرصاص المذاب.
فإذا علم الإنسان أنك ستتكلف بأمر خاص، فلا ينبغي أن يتطفل ويحاول أن يتصنت أو يستمع فهذا من التجسس، وهذا من الفضول القبيح ومن التطفل على الناس، وهذا داخل في التجسس: ((وَلا تَجَسَّسُوا)).
ومن الأدب أيضاً أن الإنسان إذا لاحظ مثلاً أن شخصاً يستفتي من يستفتيه من أهل العلم، ويريد أن يوصل له الكلام دون أن يسمعه أحد، فلينسحب من الوقوف ولا يحضر؛ لأنه ربما يكون هناك كلام خاص أو شخصي، فلا يريد السائل أن يطلع عليه أحد، فمثلاً إذا لاحظت أن السائل يود لو انفرد بالكلام أو وجدته يخفض، فابتعد حتى لا تتنصت وإلا وقعت في التجسس.
فمن التجسس: استماع حديث قوم هم له كارهون.
стр. 2233
النهي عن الغيبة
قوله: ((وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا))، أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه ذلك أن يقال له في وجهه.
يقال: غاب واغتاب كغال واغتال، إذا ذكره بسوء في غيبته.
((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ))، أي: فلو عرض عليكم نفرت عنه نفوسكم وكرهتموه، فلذا ينبغي أن تكرهوا الغيبة.
((فَكَرِهْتُمُوهُ))، يعني: لو عرض عليكم نفرت عنه نفوسكم فاكرهوه، فإذا كرهتموه طبعاً فاكرهوه شرعاً لئلا تقعوا في الغيبة.
стр. 2234
كلام الزمخشري على قوله: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه)
قال الزمخشري: ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ)) إلى آخره: تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه.
(المغتاب): يأتي اسم فاعل ويأتي اسم مفعول، كمختار.
ثم قال: وفيه مبالغات شتى منها: الاستفهام الذي معناه التقرير.
والمبالغة هي من حيث إنه لا يقع إلا في كلام مسلم عند كل سامع حقيقة أو ادعاءً.
((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ))، فيه مبالغة؛ لأن الاستفهام هو للتقرير، ومعنى ذلك أن هذا الكلام كل الناس يعرفونه، ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)).
قال: ومنها: جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، فوصل في الآية: ((أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ))، بالمحبة، ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ))، وأقبح شيء مكروه أن يأكل لحم أخيه ميتاً.
قال: فانظر إلى التضاد بين المحبة وبين أقصى ما يكره.
ومن المبالغة إسناد الفعل إلى (أحدكم)؛ للإشعار بأن أحداً من الأحادين لا يحب ذلك، حتى لا يوجد واحد يمكن أن يحب ذلك.
ومنها: أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخاه، لم يقل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم إنساناً، وإنما قال: ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)).
ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتاً، وهذا أشد، فشبه الغائب بالميت، وشبه الغيبة بأكل لحم أخيه وهو ميت.
وقال ابن الأثير في المثل السائر في بحث الكناية: فمن ذلك قوله تعالى: ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ))، فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتاً، ثم جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة.
стр. 2235
بيان دلالات الآية على شناعة الغيبة
فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له، مطابقة للمعنى التي وردت من أجله.
فأما جعل الغيبة كأكل لحم الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جداً؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مناسب لأكل الإنسان لحم من يغتاب، وأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، فاللحم لا يؤكل حتى يمزق؛ والغيبة تمزيق، لكن هذا تمزيق للحم وهذا تمزيق للعرض.
وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها، فيأمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه.
فهذا القول فيه مبالغة باستكراه الغيبة، وأما جعله ما هو الغاية في الكراهة موصولاً بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها، وتأملوا إعجاز القرآن وبلاغة القرآن العظيم، وأنه لا ينبغي إلا أن يكون كلام الله .
فيقول الله : ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ))، فجعل ما هو الغاية في الكراهة، وهو أكل لحم الأخ ميتاً، موصولاً بقوله: ((أَيُحِبُّ))، إشارة إلى أن من وقع في الغيبة فقد أحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبهاً؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما صيغت له.
قوله تعالى: ((فَكَرِهْتُمُوهُ)) هذه الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر والمعنى: إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان:١٩].
وقيل: المعنى: تكرهونه ككراهيتكم لذلك الأكل.
قال ابن الفرح: يستدل بالآية على أنه لا يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي، لأنه ضرب به المثل في تحريم الغيبة.
ولا يناقش هنا هل هذا جائز أم لا؟ لكن تأملوا كلام العلماء! حيث يذكر أن هذه الآية تصلح دليلاً لمن يستدل بها على ذلك، وإذا ورد في كلام بعض العلماء مثل هذا، فليس يلزم أنه يتبنى هذا المذهب، لأن تحقيق المسائل له موضع آخر.
قال ابن الفرح: يستدل بالآية على أنه لا يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي؛ لأنه ضرب به المثل في تحريم الغيبة ولم يمثل بميتة سائر الحيوان، فدل على أنه في التحريم فوقها، ومن أراد استيفاء مباحث الغيبة فعليه بالإحياء للغزالي فإنه جمع وأوعى.
((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) يعني: خافوا عقوبته، بانتهائكم عما نهاكم عنه من سوء الظن والتجسس والاغتياب، وغير ذلك من المناهي.
(إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) أي: يقبل توبة التائبين إليه، ويتكرم برحمته عن عقوبتهم بعد متابهم.
стр. 2236
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
فبعدما نهى عن الغيبة والسخرية، والتنابز بالألقاب واللمز، واحتقار الناس لبعضهم البعض، نبه إلى أنهم متساوين في البشرية لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى.
وما أفظع ما نسمع من بعض الخطباء خاصة في مجالات السياسة ونحوها، حيث يتكلم يقول: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ))، يعني: المواطن الصالح أو نحو ذلك من التعبيرات، يعني: فلا فضل لأحد على أحد إلا بالوطنية! فيجاهرون بمصادمة كلام الله ، ولا ندري كيف يجترئ خطيب على أن يقول: لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل للوطن، أو بالإخلاص للوطنية والقومية! فالمصادمة صريحة لآية من كتاب الله ، ويستمرون في قول هذه الأشياء، وقد نسمع من يتكلم على نشرات الأخبار، وكأنه ما سمع عن الله ولا عن رسول الله ولا عن الإسلام ولا عن القرآن، بل كأنه جاء من أدغال أفريقيا، وقد تجد من يقول لك: سمعت شخصاً اليوم يقول: يوم السبت ستنزل أمطار، ولا يريد أن يقول: إن شاء الله! تكبر على ذكر الله وتكبر على اسم الله، فكأن هذا الإنسان سوف يخرف لو ذكر اسم الله وقال: إن شاء الله.
ولعل الله يخزيه، ولا تكون هناك أمطار، فيتكلم على درجات الحرارة وعلى الأمطار وكأنه يعلم الغيب، وكأنه ما سمع عن قرآن ولا عن سنة ولا عن الإسلام، فالمسلم لا يذكر شيئاً إلا استثنى فقال: إن شاء الله.
فنحن نعجب حقيقة من هؤلاء الذين يجترئون هذه الجرأة، نحن نريد أن يكونوا حتى كالمنافقين؛ لأنهم ما كانوا يجهرون بهذه الأشياء في المجتمع الإسلامي، أما هذا فيصادم عقيدة الناس وعقيدة المسلمين ويقطع أنه ستنزل أمطار يوم السبت وأمطار غداً على الساحل الشمالي.
فمن أين لك هذا؟ أما تعرف قدرك؟ ونقول له: اخسأ فلن تعدو قدرك! فهذه الأشياء ليست في أيديهم، هذه بيد الله ، وتصرفها الملائكة بأمر الله ، ولا يعلم أحد ما يكون غداً، ولعل غداً يأتي ولا يكون هذا الإنسان من الأحياء.
فهذه إشارة عابرة في نهاية مجلسنا هذا؛ فبعدما نبه الله على تحريم الغيبة واحتقار الناس وازدرائهم والتنابز بالألقاب، وأن يلمز بعضهم بعضاً، أشار إلى أن علة ذلك أنهم متساوون في البشرية، فالإسلام دين المساواة، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأبيض على أسود؛ إلا بالتقوى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))، هذا هو ميزان الله .
والله أعلم.
стр. 2237
تفسير سورة الحجرات [١٣ - ١٨]
стр. 2238
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى))، أي: من آدم وحواء، أو من ماء الذكر من الرجال ومن ماء الأنثى من النساء، وفي ذلك إشارة إلى خلق كل بني آدم من ذكر وأنثى، أي أن كل مولود من بني آدم يأتي من أب وأم كما قال : ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٧ - ٨].
فما منكم أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواءً بسواء، وما منكم أحد يقدم على أحد في عنصره أو في أصله، بل كلكم ترجعون إلى آدم، وآدم خلق من تراب.
فلا وجه للتفاخر والتفاضل في الأنساب؛ لأن هناك وجه ارتباط بين هذا الخطاب في هذه الآية الكريمة وبين ما قبلها، فإنه بعدما نهى عن الغيبة وعن احتقار الناس بعضهم لبعض وسخرية بعضهم من بعض، نبه على أنه لا يسوغ لأحد أن يحتقر أخاه أو أن يسخر منه؛ لأنهم متساوون جميعاً في البشرية، فقال الله : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)).
فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب؛ لأن النسب ليس إرادياً وليس يملكه الإنسان، وإنما كل يدلي من حيث يدلي به الآخر إلى ذكر وأنثى وإلى آدم وحواء.
((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))، قال الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضاً نسباً بعيداً، وبعضكم يناسب بعضاً نسباً قريباً، ليعرف بعضكم بعضاً في قرب القرابة منه وبعده، لا فضيلة لكم في ذلك وقربة تقربكم إلى الله، بل كما قال الله : ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) أي: أشدكم اتقاءً له وخشية، بأداء فريضته واجتناب معاصيه، لا أعظمكم ملكاً ولا أكثركم عشيرة.
فلما تساوى البشر كله في البشرية، ذكر الله أن ناساً إن كان بعضهم يتفاخر على بعض بنسب وحسب، فإن هذا لا اعتبار له عند الله ، وإنما الاعتبار بالعمل الصالح والتقوى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)).
وقال النبي ﷺ : (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
((إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))، أي: بظواهركم وبواطنكم، وبالأتقى والأكرم وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية.
стр. 2239
ذكر التدرج في أسماء القبيلة حسب الكثرة والقلة
حكى الثعالبي في فقه اللغة في تدريج القبيلة من الكثرة إلى القلة عن ابن الكلبي عن أبيه: أن الشعب أكبر من القبيلة، ثم يليها العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ.
وعن غيره قال: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، ثم الذرية، ثم العشرة، ثم الأسرة.
وقال الشيخ ابن بري: الصحيح في هذا ما رتبه الزبير بن بكار وهو الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة.
وقال أبو أسامة: هذه الطبقات على ترتيب خمس الإنسان، فالشعب أعظمها مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من قبيلة الرأس باجتماعها، ثم العمارة وهي الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة وهي الساق.
وزاد بعضهم العشيرة، فقال: اقصد الشعب فهو أكثر حي عدداً في احتواء ثم القبيلة ثم يتلوهما العمارة ثم الـ بطن والفخذ بعدها والفصيلة ثم من بعدها العشيرة لكن هي في جنب ما ذكرنا قليلة فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
وسميت الشعوب لأن القبائل تتفرق منها، والشعوب جمع شعب بفتح الشين.
وفي هذه الآية الكريمة الاعتناء بالأنساب، وأنها شرعت للتعارف، وقد قال النبي ﷺ : (اعرفوا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)، فإذاً: هذه الآية تفيد الاعتناء بالأنساب والاهتمام بمعرفتها؛ لأن الهدف من تنوعها هو التعارف.
стр. 2240
دلالة الآية على النهي عن التفاخر بالأنساب
وفي الآية أيضاً ذم التفاخر بها قال تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))، فلا تتفاخروا بنسب التكريم عند الله بالتقوى.
ففي الآية ذم التفاخر بالأنساب، وأن التقي غير النسيب يقدم على النسيب غير التقي، فيقدم الأورع في الإمامة على النسيب وغيرهما.
وعن ابن وهب قال: سألت مالكاً عن نكاح الموالي العربية؟ فقال: حلال، ثم تلا هذه الآية: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))، فلم يشترط في الكفاءة الحرية.
وقال ابن كثير: استدل بالآية من ذهب إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين.
وقد أشرنا مراراً إلى أن أمثال هذه التعبيرات الدقيقة للعلماء ينبغي ألا نتجاوز بها حدها، فقوله: واستدل بالآية من ذهب إلى أن الكفاءة لا تشترط في النكاح، ولا يشترط سوى الدين.
يعني: أنها دليل لمن قال ذلك، ولكن تحقيق المسألة له موضع آخر، سواء كان هذا هو الراجح أو غيره، لكن هذه العبارات تأتي بصورة عابرة للإشارة إلى أن هذه قد استدل بها بعض العلماء على مسألة معينة.
وقوله ﵎: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))، أفاد حصر حكمة جعلهم شعوباً وقبائل فيه، أي: إنما جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً: فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب، لا للتفاخر بالآباء والقبائل؛ فمعرفة الأنساب لها ارتباط وثيق جداً بأحكام الثوارت وغيرها، فجعلها الله كذلك لأجل هذه المنفعة وهذه الحكمة، وليس للتفاخر بالآباء والقبائل.
فالحصر هنا مأخوذ من التخصيص بالذكر، فلما خص هذه الحكمة (لتعارفوا) بالذكر، دل ذلك على التخصيص، لأنه سكت عما عداه في معرض البيان، فهذا هو الذي أفاد الحصر في هذه الفائدة.
وقال القاشاني: معنى قول الله ﵎: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))، أي: لا كرامة بالنسب بتساوي الكل في البشرية المنتسبة إلى ذكر وأنثى، والامتياز بالشعوب والقبائل إنما يكون لأجل التعارف بالانتساب، لا للتفاخر فإنه من الرذائل، والكرامة لا تكون إلا بالاجتناب عن الرذائل الذي هو أصل التقوى، ثم كلما كانت التقوى أزيد نسبة كان صاحبها أكرم عند الله ﵎، وأجل قدراً.
فالمتقي عن المناهي الشرعية التي هي الذنوب في عرف ظاهر الشرع أكرم من الفاجر، وعن الرذائل الخلقية كالجهل والبخل والشره والحرص والجبن أكرم من المجترئ على المعاصي الموصوف بها.
стр. 2241
ذكر الأدلة على تحريم التفاخر وأن التقوى ميزان التفاضل
روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم.
قالوا: ليس عن هذا نسأل، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله.
قالوا: ليس عن هذا نسأل، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا).
فقد يكون الإنسان غير مسلم لكن استعداداته الشخصية فيها خير، بحيث إذا عرض عليه الحق انقاد إليه ودخل في الإسلام بسبب هذه السمات الشخصية التي كان يتحلى بها في الجاهلية.
وقول النبي ﷺ : (فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)، فهو يوسف ﵇ ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومع ذلك لم ينتسب يوسف إلا بما فضله الله من الأخلاق الكريمة: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، لم يقل: إني أوتيت شطر الحسن ولم يفتخر بنسبه، وإنما زكى نفسه بما ميزه الله به: ((إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)).
وروى مسلم عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فالعبرة عند الله ، والحساب عند الله، والمفاضلة بين الناس لا تكون بالنظر إلى الصور ولا إلى الأعراض والأموال، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: (إن النبي ﷺ قال له: انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله).
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين أقوام عن فخرهم بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان).
يعني: أن البشر جميعاً متساوون في البشرية والانتساب إلى آدم ﵇، ومقتضى هذا أنه لا يحق لأحد أن يفخر على أحد بنسب ولا حسب.
قوله: (ولينتهين أقوام عن فخرهم بآبائهم)، في بعض الروايات: (لينتهين أقوام عن فخرهم بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم حطب جهنم)، فبعض الناس يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا على الكفر والعياذ بالله، فلا يجوز لمسلم أن يفتخر بآباء أو بأجداد ماتوا على الكفر كما سيأتي في الحديث أيضاً: يقول ﷺ : (من انتسب إلى تسعة -يعني ممن ماتوا على الكفر- فهو عاشرهم في النار) أو كما قال النبي صلى الله عليه وآله، فلا يجوز للمسلم إذا كرمه الله بالإسلام أن يفتخر بآبائه إذا كانوا مسلمين، فما بالك إذا كانوا كافرين، كما يفتخر بعض الناس بالقدماء المصريين المشركين الوثنيين.
وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم فتح مكة: (أيها الناس! إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بالآباء، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر هين على الله تعالى، إن الله يقول: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))).
فغبية الجاهلية: يعني: افتخارهم بآبائهم، فهذه من سمات وأخلاق الجاهلية التي وضعها النبي ﷺ تحت قدميه، فقد خطب في حجة الوداع فقال: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، سواء كان حمية الجاهلية أو حكم الجاهلية، أو تبرج الجاهلية، أو ربا الجاهلية، أو ظن الجاهلية، وكل ما ينسب إلى الجاهلية وهو من خصائصها، فانظر كيف وضعهم النبي ﷺ !
стр. 2242
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].
ذكر الأموال لحرص الإنسان عليها، فإن ماله شقيق روحه، ومعنى قوله: ((وَجَاهَدُوا))، أي: بذلوا الجهد، فجاهدوا العدو أو النفس والهوى.
(أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، أي: الذين صدقوا في ادعاء الإيمان؛ لظهور أثر الصدق على جوارحهم، وتصديق أفعالهم وأقوالهم.
وفيه تعريض بكذب أولئك الأعراب في ادعائهم الإيمان وإفادة للقطع، أي: هم الصادقون لا أولئك، فإيمانهم إيمان صدق وبر.
وفي الآية دليل على أن الأعمال من الإيمان، وهذا مما لا خلاف فيه بين السلف.
وقوله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)) فيه إشارة إلى الإيمان المعتبر الحقيقي، وهو اليقين الثابت في القلب، الذي لا ارتياب معه، لا الذي يكون على سبيل الخطر، فالمؤمنون هم الموقنون الذين غلبت ملكة اليقين قلوبهم على نفوسهم، ونورتها بأنوارها، حتى تأثرت بها الجوارح، فلم يمكنها إلا الجزم بحكمها، والتفاخر بهيئتها، وذلك معنى قوله: ((وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: بعد نفي الارتياب عنهم؛ لأنه لا يمكن أن يبذل الإنسان ماله ونفسه في سبيل شيء وهو يشك فيه؛ لأنه إذا مات سوف يلقى الله، فإذا لم يكن على يقين بأنه على الحق بهذا الإيمان؛ فكيف يخاطر بنفسه وبماله؟! فإذاً: هذه ثمرة هذا اليقين: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا))، فإذا كانوا على هذه الدرجة من اليقين والبراءة من الريبة والشك، فهؤلاء تطاوعهم أنفسهم في أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﵎.
стр. 2243
تفسير قوله تعالى: (قل أتعلمون الله بدينكم)
قال ﵎: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦].
أي: قل لهؤلاء الأعراب القائلين بأفواههم آمنا، ((أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ))، أي: أتخبرونه بقولكم آمنا لطاعتكم إياه؛ لتكونوا مع المؤمنين عنده، ولا تبالون بعلمه بما أنتم عليه، وهو علام الغيوب.
فهي من التعليم بمعنى الإعلام والإخبار ((قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ)) أي: أتخبرون الله بدينكم، ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)).
وهذا فيه تجهيل لهم وتوبيخ؛ لأن قولهم: (آمنا) إن كان إخباراً للخلق فلا دليل على صدقه، وإن كان للحق تعالى فلا معنى له؛ لأنهم كيف يعلمونه وهو العالم بكل شيء؟! كما قال: ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)).
فهذا تقديم من الله إلى هؤلاء الأعراب بالنهي عن أن يكذبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم، يقول: الله محيط بكل شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائركم، فتنالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء.
стр. 2244
تفسير قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا)
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
ثم أشار ﵎ إلى نوع آخر من جفائهم مختوماً بتوعدهم، فقال ﵎: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)، أي: أن انقادوا وكثروا سواد أتباعك.
وكلمة (أسلموا) تعني الأعراب، فالمقصود الإسلام الظاهر، وهو الانقياد باللسان والجوارح دون القلب، أي: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنهم انقادوا وكثروا سواد أتباعك.
((قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)) أي: لا تمنوا علي بإسلامكم، إذ لا ثمرة منه إلي، فإنكم لو أسلمتم فأنا لا أنتفع بهذا، ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء:١٥]، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.
(بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)، يعني: إن كنتم صادقين في قولكم (آمنا) ففي هذه الحال تكون المنة لله عليكم؛ لأنه هو الذي هداكم للإيمان، لكن علم الله من قلوبكم أنكم كاذبون لاطلاعه على الغيوب.
стр. 2245
تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم غيب السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:١٨].
أي: إن الله أيها الأعراب لا يخفى عليه الصادق منكم من الكاذب، والداخل منكم في ملة الإسلام رغبة فيه، والداخل فيه رهبة من الرسول وجنده، فلا تعلمونا دينكم وضمائر صدوركم، فإن الله لا يخفى عليه شيء في خبايا السماوات والأرض.
следующие страницы →