← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

بعض ضلال النصارى أشير إشارة جزئية إلى ما يعتقده النصارى من أن آدم لما أكل من الشجرة فكان أثر هذه المعصية موروثاً في ذريته، وبنوا عليه أساطير في سبب الصلب، وأنه لتطهير البشرية من ذنب آدم! وهذا ضلال مبين، وعندهم أن أشد الأيام سواداً في حياة الإنسان هو يوم أن يولد، وأنه ملوث بخطيئة آدم بسبب أكله من الشجرة، ولذلك يعملون عملية التعميد؛ ليطهره من خطيئة آدم ويدخله في ملتهم، وعندهم بعض الكنائس لها أوقاف يدفن فيها الموتى، ويمنعون دفن أي ميت لم يتم تعميده. الشاهد: أن خطيئة آدم ﵇ قد غفرت له قبل أن يهبط إلى الأرض، كما قال الله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيه﴾ [البقرة:٣٧]، فزعم أن آدم نزل إلى الأرض ملوثاً بالخطيئة غير صحيح، وهذا من خرافاتهم وافترائهم على الله، فآدم ﵇ طهر تماماً من الخطيئة، وشاء الله أن ينزل إلى الأرض لحكم جليلة وعظيمة، والخطيئة قد عفا الله عنها كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ولا يوجد ميراث للخطيئة كما يزعم النصارى، حتى أنهم يعتقدون أن الأنبياء كانوا محبوسين في سجن جهنم قبل المسيح ﵇، لأنهم كانوا ملوثين بخطيئة آدم ﵇! وهذا من ضلالهم الذي اقتبسوه من عقائد الهندوس والوثنيين والفراعنة، أما عندنا في الإسلام فإن الرسول ﵊ جعل ثواب بعض الأعمال الصالحة أن الإنسان يخرج منها بلا ذنب كيوم ولدته أمه، من ذلك قوله ﵊: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، والمسئولية في الإسلام مسئولية فردية، فكل إنسان يحاسب على عمله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. يقول الشيخ عطية سالم ﵀: ومن عجب أن يأتي نظير موقف إبراهيم من أبيه في مواقف مماثلة في أمم متعددة منها: موقف نوح ﵇ من ابنه لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥] فلما تبين له أمره تركه أيضاً كما في قوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] وفي قراءة: (إنه عَمِل غيرَ صالح). وقوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ليس المراد بذلك: أنه من غير صلبه معاذ الله، بل المقصود ليس من أهلك المؤمنين، وأما من حيث النسب فهو ابنه من صلبه قطعاً، وكذلك قوله تعالى: ﴿فََخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠] فنُسبت الخيانة إلى امرأة نوح؛ لأنها لم تدخل معه في دين الإسلام ولم تتابعه على الإسلام، فهذه هي الخيانة، ولا يمكن أبداً أن تفجر زوجة نبي، فزوجات الأنبياء محفوظات من الفاحشة، فتجويز مثل هذا طعن في الله نفسه كما سبق أن بينا في سورة النور، ولذلك أنزل الله في قصة الافتراء ما أنزل، فزوجة نوح كانت كافرة، وزوجة لوط كانت كافرة، فالخيانة التي نسبها الله إليهما إنما هي خيانة في العقيدة وعدم الموافقة على الدين، وليست الخيانة المعروفة، فأبناؤهما من صلبيهما ولا شك في ذلك. وهذا مما يرينا خطورة قضية الولاء والبراء، فلما لم يتابعه على عقيدته قال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فلما تبين له الأمر: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٧]، فكان موقف نوح من ولده كموقف إبراهيم من أبيه. ومنها: موقف نوح ولوط من أزواجهما كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم:١٠]. ومنها: موقف زوجة فرعون من فرعون في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فتبرأت الزوجة من زوجها. فهذا التأسي قد بُيِّن تمام البيان في قول الله : ((لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وفي هذه الآية إشارة إلى أن قراباتك يا حاطب! الذين ارتكبت من أجلهم هذه المخالفة لن يغنوا عنك شيئاً يوم القيامة، وإنما ستحاسب على فعلك أنت، فقوله: ((لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ)) أي: ولا آباؤكم ولا أحد من أقربائكم، ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ)). وقول إبراهيم لأبيه: ((وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)) بينه ما قدمنا من أن الإسلام ليس فيه تبعية كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩].

стр. 2767

تفسير قوله تعالى: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٥]. قال مجاهد: قوله تعالى: ((رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: لا تعذبنا بأيديهم؛ لأن الفتنة تطلق على العذاب كقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات:١٤] يعني: عذابكم، فالمعنى: لا تعذبنا على أيدي الكفار، ولا بعذاب من عندك فيفتن الكفار ويقولون: لو كانوا على حق لما أنزل الله بهم العذاب، وكذا قال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، ويرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه. ومآل هذا الدعاء هو التعوذ من مثل صنع حاطب مما يورث افتتان المشركين بالدين؛ إذ يكون ذلك مدعاة لقولهم: لو كان هؤلاء على حق، وما يزعمون به من الظفر بالحق، لما صانعنا مؤمنهم. إذاً: ما هم عليه أماني، فانتبهوا لهذا الفرق بين هذه الدعوة وبين غيرها من الدعوات، فهذا الدعاء حينما نفهمه ونفقهه يئول إلى التعوذ من مثل فعل حاطب؛ لأن الذي فعله حاطب قد يكون من عواقبه وآثاره أن يصير سبباً لفتنة الذين كفروا فيقولون: لو كان الرسول ﵊ وأصحابه على حق، ولو كان الوعد الذي وعدوه من الغلبة والظفر حقاً؛ لما صانعنا هذا المؤمن ولما داهننا، ولما جاملنا، فيتمسكون بما هم عليه. ففي الآية معنى كبير، وتأديب عظيم، أي: ربنا لا تجعلنا نهمل من ديننا ما أمرنا به، أو نتساهل فيما عزم علينا منه، حتى لا تنحل بذلك قوتنا، ويتزلزل عمادنا، ويُفتح لعدو الدين الافتتان به؛ لأن المؤمنين إذا ما زالوا متمسكين بآداب الدين، ومحافظين عليها، وقائمين بها حق القيام، فإن النصر قائدهم، والظفر رائدهم، ولذلك أصبح المسلمون في القرون الأخيرة بحالهم السيئ حجة على دينهم أمام عدوهم، ولا مسترد لقوتهم، ولا مستعاد لمجدهم إلا بالرجوع إلى كتابهم، والعمل بآدابه، والمحافظة على أحكامه، ونبذ ما ألصق به مما يحرف كلمه، ويجافي حقيقته.

стр. 2768

تصرّف المسلمين السيئ وأثره على هذا الدين إن السلوك السيئ لبعض المسلمين قد يكون فتنة للذين كفروا، فتخيل مثلاً بعض الملوك أو الرؤساء الكفرة حينما يتعاملون مع عيّنة من الناس في حلبة السياسة، ويرونهم يبيعون أوطانهم، ويخونون شعوبهم، ومع ذلك ينتسبون للإسلام، فهل سيرغب هؤلاء في الإسلام؟!! وقد سبق أن تكلمنا في تفسير سورة النحل، عند قوله ﵎: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل:٩٤] إلى آخر الآية، أن قوله: ((وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ)) يعني: لا تخادعوا الناس، وتستغلوا اسم الله والحلف به، فتقول: والله العظيم هذا الشيء ما كسبت فيه كذا، ووالله سأكون خاسراً في البيعة الفلانية، أو يعقد عقداً ويغش ويخدع، والرجل يصدقه؛ لأنه حلف، ثم يكتشف بعد ذلك أنه ما انخدع إلا بسبب تصديقه له لما حلف، ويترتب على فعل ذلك أمران خطيران: الأول: أنكم بعد أن كنتم توصفون بالاستقامة سوف توصفون بالفسق والخروج عن طاعة الله: ((فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)) أي: إذا انحرفتم عن الاستقامة وخادعتم الناس بالأيمان الكاذبة فحينئذ ستزل قدم بعد ثبوتها. الثانية: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني: أن هذا السلوك يترتب عليه فتنة الناس عن الدخول في الدين؛ لأنهم يقولون: لو كان ما هم عليه حقاً لزجرهم عن الغش، ولزجرهم قرآنهم عن الحلف بالله وهم كاذبون. فإذاً: هذا الأمر ليس أمراً سهلاً، بل فيه عذاب وفيه عقاب، فالسلوك الذي يترتب عليه فتنة الكفار عن الدخول في الدين تشويه لجمال الإسلام، وصد عن سبيل الله، فعلى فاعل ذلك إثم كبير، ووزر عظيم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فهذا لفت إلى خطورة أن نكون نحن فتنة للكفار بأن ننفرهم من الدين بسبب سوء سلوكنا. فهناك بلاد عظيمة جداً وتعدُّ أكبر بلاد العالم الإسلامي من حيث عدد السكان وهي إندونيسيا، وهي في شرق آسيا، وكل هذه المناطق دخل الملايين من أهلها في دين الله ، ولم تفتح بالسيوف ولا بالجهاد، بل فتحت عن طريق تجّار كانوا يخرجون للتجارة، وقد كانوا دعاة يتقمصون زي التجار، فكانوا يخرجون ويتعاملون مع هذه الشعوب معاملة حسنة، فكان أبناء تلك الشعوب ينبهرون جداً بخلق المسلمين، وبأمانة المسلمين، وبتقواهم لله ، فكل هذه البلاد إنما فتحت بالأسوة الحسنة فقط، فلم تُفتح بسيف ولا بجهاد. وهذا الكلام قاله أناس ليسوا من المسلمين كصاحب كتاب: (دعوة الإسلام) واسمه أرنلد كونجي، وهو بريطاني له باع كبير جداً في معرفة حقائق الدعوة الإسلامية، فكان مما قاله هذه العبارة: إن هؤلاء كانوا دعاة في زي تجار، وهم الذين فتحوا هذه البلاد بالدعوة فقط، ولم يرفعوا السيوف أمامهم قط!

стр. 2769

تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٦] يقول الله ﵎ وهو يعيد الكلام في ذكر الأسوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فأسوة هنا: اسم كان، وهذا التأنيث جائز، بدليل أنه جاء في الآية التي قبلها: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) فكانت للتأنيث، أما هنا فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فهذا يدل على أن التأنيث جائز. ((لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)) وإعراب (لِمَن) بدل من قوله تعالى: (لَكُمْ). وهذا الأمر بالتأسي بإبراهيم وأصحابه لمزيد الحث على التبرؤ من المشركين، فإن محبة المفسدين فيها تخريب لمباني الحق، وتوهين لقوى أهله، وتشكيك لضعفاء القلوب، مما يفسد عمل المصلحين، ويزلزل مساعيهم، ويفتن أعداءهم بهم، لذلك كان البغض في الله من شعب الإيمان، فإن الحق لا يقوى إلا باعتصام أهله على كلمته، ورمي أعدائه عن قوس واحدة، وفي إبدال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ من (لكم) دلالة على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم، وأنّ ترْكه مؤذن بسوء العاقبة. إذاً: فمعنى ما سبق: أن من تورط وتلطخ بموالاة الكفار فإنه ليس ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، فإن الذي يرجو الله واليوم الآخر ويؤمن بذلك، ويخاف الحساب، ويذكر الله، ويستقيم على دينه؛ يلزمه أن يبغض أعداء الله، ويتبرأ من الكفار، فإذا وقع ذلك من شخص فإنه يشير إلى سوء عقيدته، ومعنى ذلك أنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. ولذلك عقبه الله بقوله ﵎: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٦] أي: من يتول عما أمر به، ويوالي أعداء الله ، ويلقي إليهم بالمودة، فإنه لا يضر إلا نفسه، والله غني عن إيمانه به وطاعته، وهو المحمود على كل حال. يقول الشيخ عطية سالم ﵀: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ التولي هنا الإعراض عن أوامر الله عموماً، ويحتمل أنه تولي الكفار وموالاتهم. وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). قال ابن عباس: غني: كمل في غناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن:٦]، وقد جاء بيان استغناء الله عن طاعة الطائعين عموماً وخصوصاً: فجاء في خصوص الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، فالله لا ينتفع بعبادة الناس، ولا يحتاج إليها. وجاء في العموم قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٨] لأن أعمال العباد لأنفسهم والله لا ينتفع بها شيئاً كما قال : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، وكما جاء أيضاً في الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً). وقال تعالى مبيناً غناه المطلق: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦].

стр. 2770

تفسير قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) يقول الله ﵎: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:٧]. هذا وعد من الله ؛ لأن (عسى) في القرآن واجبة، وهي للترجي، وهي من الله واجبة الرجاء، فهذا وعد من الله، وقد أنجزه بأن أسلم كثير منهم بعد وصاروا لهم أولياء وأحزاباً، والآية من معجزات القرآن، لما فيها من الإخبار عن مغيب وقع مصداقه. ((وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) غفور لهمرحيم بهم بعدما أسلموا، فإن الإسلام يجب ما قبله. وقيل في تفسير ذلك: إن الضمير يعود إلى كفار مكة. وقيل: المودة هي تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه لما تزوج الرسول ﵊ أم حبيبة بنت أبي سفيان لانت عريكة أبي سفيان يعني: طبيعته ونخوته، واسترخت سكينته في العداوة حتى دخل هو نفسه في الإسلام. يقول الشيخ عطية سالم ﵀: لم يبين هنا هل جعل المودة بالفعل بينهم وبين من عادوهم وأمروا بمقاطعتهم وعدم موالاتهم من ذوي أرحامهم أم لا؟ ولكن (عسى) من الله للتأكيد، يعني: أن (عسى) فيها فتح باب الرجاء والتأليف بأن يهدي الله منهم من يشاء، وهذه كأنها مكافأة من الله ، أي: إن أنتم صارمتم وقطعتم وتبرأتم من هؤلاء مع كونهم من ذوي قرابتكم، فإن الله يكافئكم على ذلك أن يجعل بينكم وبينهم مودة. وقوله: ((وَاللَّهُ قَدِيرٌ)) تشعر بأن الله فاعل ذلك، وأن هذا الوعد سوف يتحقق، وقد جاء ما يدل على أنه فَعله كما في سورة النصر حين قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢]، وقد فتح الله عليهم مكة وكانوا خلفاء لرسول الله ﷺ ، وقد أسلم أبو سفيان وغيره، وجاء الوفود في عام الوفود إلى المدينة بعد الفتح. وقوله تعالى: ((وَاللَّهُ قَدِيرٌ)) يشعر بأن تأليف القلوب ومودتها إنما هو من قدرة الله تعالى وحده كما قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]، ولأن المودة المتوقعة بسبب هداية الكفار لن تحصل حتى يؤمنوا بالله وحده، فلذلك يفهم من قوله تعالى: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)) أن منهم من سيدخل في الإسلام، فيترتب عليه أن تكون بينكم وبينهم مودة بعد العداوة؛ لأن هذه العداوة نشأت أساساً بسبب الكفر، فلا يزيلها إلا أن يؤمنوا بالله وحده، فلذلك يفسر هنا قوله: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)) بدخولهم في دين الإسلام؛ لأن الهداية منحة من الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].

стр. 2771

تفسير سورة الممتحنة [٨ - ١١]

стр. 2772

تفسير قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين فأولئك هم الظالمون) ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. قال بعض العلماء في تفسير: (المقسطين) هنا: إنه مأخوذ من القسط وهو العدل، أي: إن الله يحب أن يحكم بين الناس بالعدل، إلا أن الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى فسرها بمعنى آخر، فقال: أن تعطوهم قسطاً من أموالكم على وجه الصلة خاصة، إذ تضمن ذلك سبب نزول هذه الآيات، وهو مجيء قتيلة أُم أسماء راغبة في صلتها. فالله يقول: ((لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ)) عن الكفار، ((الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) مع أن هناك كفاراً هم من أعداء الله، لكن الكفار نوعان: كافر منشغل بحاله، ويمكن أن يحصل نوع من حسن الخلق معه كما بينا، وكافر يحارب الله والرسول والإسلام، ويقاتل المسلمين، فهذا محارب لا يدخل في هذا القسم، إنما تتناول هذه الآية الكافر الذي تنتفي عنه صفة العداوة، فيجوز الإحسان إليه والبر والصلة، فقوله تعالى: ((أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) أي: تعطوهم قسطاً أي: نصيباً من أموالكم على وجه صلة الرحم، أو الإحسان، وليس المقصود بها أن تعدلوا، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل، فلا يختص بأناس دون أناس، كما قال الله في سورة المائدة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] فيجب العدل حتى مع الكافر. وهناك مواقف كثيرة جداً في التاريخ الإسلامي تبيِّن عدل المسلمين، فما ملكت أمة قط وحققت العدل كما حققه المسلمون، فالعدل واجب فيمن قاتل، وواجب أيضاً فيمن لم يقاتل، لذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] أي: ولا تظلموا. وقد دخل ذمي على إسماعيل بن إسحاق القاضي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون ذلك، فتلا عليهم هذه الآية: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] أي: أن هذا ذمي وليس محارباً، ثم بين الله من الذين ينهانا عن فعل ذلك معهم فقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٩]. فهذا ترخيص من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين، ولم يقاتلوهم، فهو في المعنى تخصيص لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِيَاء﴾ [الممتحنة:١] فقوله هنا: ((لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)) أي: من أهل مكة ((وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) وذلك بالبر والإحسان إليهم. فهذا القدر من الموالاة -إن سميناه موالاة- من الإحسان إليهم، والصلة بالمال أو بنحو ذلك، وحسن الخلق، هذا لا حرج فيه، بل مأمور به في حقهم، والخطاب وإن كان في مشركي مكة إلا أن العبرة بعموم لفظه، وقد حاول بعض المفسرين تخصيصه، فرد ذلك الإمام ابن جرير بقوله: والصواب قول من قال: عنى بقوله تعالى: ((لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)) من جميع أصناف الملل والأديان أياً كان، أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، فإن الله عمَّ بقوله: ((الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)) وهذه صيغة عموم عمَّ بذلك جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض. ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ -أي: أن بعض الناس قالوا: إن هذه الآية نسخت بآية السيف- لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورات لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. ومما يوضح المعنى الذي نقصده أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: (قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدت -تعني: في فترة صلح الحديبية- فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك) ويفهم من بعض الروايات أن قولها: (أفأصلها؟) تعني: هل أعطيها مالاً وغيره، ويحتمل أن المعنى: أصلها بقبول ما جاءت به معها من هدايا. وهذا الحديث رواه أحمد والشيخان، وفيه قول النبي ﵊: (نعم، صلي أمك). وعن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة -وهي: بنت عبد العزى - على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ﵄ بهدايا: ضباب وأقط وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨]، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها. وقال الرازي: قوله تعالى: ((أَنْ تَبَرُّوهُمْ)) بدل من: (الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ)، وكذلك قوله: ((أَنْ تَوَلَّوْهُمْ)) بدل من قوله: (الذين قاتلوكم)، والمعنى: لا ينهاكم عن برّ هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهناك فرق بين البر وبين التولي والموالاة، فالموالاة للكافر لا تحل بحال من الأحوال، كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] إلى آخر الآيات. فالموالاة التي هي بمعنى المحبة القلبية لا تكون على الإطلاق بين مسلم وكافر، فيقول: والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا رحمة لهم لشدتهم في العداوة. وهذه الآية تدل على جواز البر بين المسلمين والمشركين الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، وإن كانت الموالاة منقطعة، لكن البر والإحسان جائز.

стр. 2773

أهمية الولاء والبراء في هذا الدين وقبل أن نختم الكلام على أن أي خلل في قضية الولاء والبراء، يؤدي إلى فتنة في الأرض كما قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] فنجد الآن أن كل من صوب سهامه تجاه المسلمين فإنهم يصبونها في قضية الولاء والبراء خصوصاً، فتجد التشويش لجودة الدين ولبِّه، فإن من أعظم حقوق لا إله إلا الله موالاة من والى الله، ومعاداة من عادى الله، ففي الإسلام عبادات قلبية وقولية ومالية وبدنية، ومن أعظم العبادات القلبية عبادة الحب والبغض. فالحب عبادة، والبغض عبادة، فحب الله ورسوله والمؤمنين عبادة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]، والبغض عبادة كما قال ﷺ : (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله)، فمن عادى الله، وعادى الرسول، وعادى الإسلام فلابد أن تعاديه، وأن تبغضه من قلبك. وأما الكلام في السموم التي تنفث في كل مكان: في مناهج التعليم، وفي الإعلام ليل نهار، فهي محاولة لكسر هذا الحاجز، وقد فُتح على الناس باب فتنة، وشر كبير، والمشكلة أن بعض الناس لا يسمي الأشياء بمسمياتها، فهناك تلاعب كبير في المصطلحات، ومن أخطر هذه المصطلحات الذي تروج لهذه الأفكار مصطلح التعصب، وأن هذا من التعصب، فإذا وجدت رجلاً يدعو بالرحمة لكافر مثلاً فقلت له: لا تدع لكافر، فإنهم يقولون لك: لا داعي للتعصب، الإسلام دين التسامح! أقول: لا، لن يجد في الإسلام دليلاً واحداً على ذلك لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من سيرة السلف، ولا حتى الخلف إلا خلفنا الذين نعيش بينهم الآن، فلن يجد أبداً تسامحاً بمعنى أنه يصف الكافر بأنه مسلم، أو بتعبير أدق أن يجعل الكفر سواسية مع الإيمان، فهذا لا يحصل أبداً، وهذا تحريف للدين، فعدم التمييز بين الأمرين يأتي بكثير من الخلط بين الأوراق وبين الأمور، فهناك فرق بين التعصب والتسامح.

стр. 2774

الفرق بين التعصب والتسامح فالتعصب والتسامح له مجال معين، فليس من مجال التعصب والتسامح مجال العقيدة، أو المفاهيم التي تستقر في قلب الإنسان، فهذه الأمور لا يوجد فيها تعصب ولا تسامح، حتى عند الكفار فإنهم يسمونها حرية الاعتقاد، فكل واحد حر يعتقد بقلبه ما شاء عندهم، لكن التعصب والتسامح له منطقة معينة وهي: منطقة المعاملة، فتكون متعصباً إذا ظلمت أحداً، أو بخسته حقه، أو آذيته بدون وجه حق. أما إذا اعتقدت بقلبي أن أحداً من الناس كافر بالله ورسوله، وأنه مكذب فأبغضته لذلك، فهذا ليس من التعصب في الدين، بل هذا من واجبات الدين وأركانه الركينة، فإن محبة الكافر وموالاته، واعتقاد أنه متساوٍ مع المسلم خروج من الملة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد:٢٤]. إن بعض الناس يخلطون بين لفظة التعصب ولفظة التسامح خلطاً معيباً يؤدي إلى خلل في دينهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فإذا سمعك أحدهم وأنت تقول: لا يجوز الترحم على اليهودي أو النصراني مثلاً؛ لأنه لا يدخل الجنة، اعتبر هذا تشدداً وتعصباً، وتشدق بأن رحمة الله واسعة، وعد نفسه متمسكاً بسماحة الإسلام، وأنه أولى بالإسلام منك، فالإسلام دين السماحة، وأنت متشدد متعصب متطرف؛ لأنك تصف الكفار بأنه كافر! فنقول له: إن التعصب والتسامح لا يكونان إلا في المعاملة فقط، فالتعصب أن تعامل الذمي مثلاً -يهودياً كان أو نصرانياً- فتظلمه أو تبخسه حقه، فالشرع يأبى ذلك ولا يرضاه، وقال النبي ﵊: (من ظلم معاهداً، أو كلفه ما هو فوق طاقته، فأنا خصيمه يوم القيامة)؛ ولأن هؤلاء لهم عهد الله وعهد رسول الله ﷺ ، فلهم هذه الحقوق، فالمتعصب هو الذي يبخسهم حقهم أو يظلمهم، والتسامح هو أن تعامل الكافر بعدل بشرط ألا يكون محارباً.

стр. 2775

أحوال اليهود وأذنابهم في حرب الإسلام والمسلمين من غير المعقول أن آتي إلى الإخوة الفلسطينيين وأقول لهم: لابد من التسامح وحسن الجوار، مع أناس فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، فاليهود المحاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، يفتعلون الحرب، ومع ذلك هي حرب ليس فيها أدنى قدر من التكافؤ، حرب بين مدنيين عزّل وبين جيش مزود بالطيارات والدبابات والقذائف. فهؤلاء اليهود الجبناء الأنذال يفعلون ذلك مع أناس لا يملكون إلا الحجارة، ومع ذلك يفعلون بهم ما يفعلون، ولذلك تجد ما يسمونه بالمجتمع الدولي وعلى رأسهم الفتوة العالمي أمريكا الظالمة الباغية، يتلاعبون بالألفاظ، فبدلاً من أن يقولوا: نريد وقف إطلاق النار من قبل اليهود، فإنهم يقولون: نريد وقف إطلاق النار! فهلا استحوا على أنفسهم؟ فإنه أمر مخجل عندما يقولون: وقف إطلاق النار، أيّ نار يعنون؟! فليس هناك إلا شباب وأطفال مساكين لا يملكون إلا الحجارة، فهم لما أحسوا أن كلمة وقف إطلاق النار لا تركب، وأن النار لا تطلق إلا من طرف واحد فقط، أتوا بكلمة جديدة، وهي من ألاعيب السياسة، فقالوا: وقف أعمال العنف! فينبغي أن ننتبه لمثل هذه المصطلحات، فيقولون لك: وقف أعمال العنف. والحقيقة هي أن الموضوع أخطر مما نتصور، فاليهود يتدرجون في سبيل هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل على أنقاضه، فهذه هي القضية، وقد أعطت السلطات اليهودية تصريحاً لجماعة بناء الهيكل بوضع حجر الأساس لهيكل سليمان بجوار قبة الصخرة، لكن فيما يبدو أن المظاهرات التي حصلت في نفس اليوم صوروها لنا على أنّها إما مؤيدة أو معارضة لشرم الشيخ، وهي ليست من أجل موضوع شرم الشيخ في الحقيقة، بل كانت من أجل موضوع الهيكل، لكن لو أنهم أذاعوا هذا الكلام فإن العالم الإسلامي سيثور من جديد، فأرادوا تهدئته، فسحبوا الترخيص بوضع حجر الأساس للهيكل إلى حين؛ لأن هذا هو المعهود من مكر اليهود وخداعهم أنهم يؤجلوا القضية شيئاً فشيئاً. وسوف يجتمع المحامون عن قضية فلسطين في قمة، فنرجو منهم ألا يخيبوا أملنا، فقد كشفت لنا الحقائق وكشف لنا التاريخ فيما مضى أن هؤلاء الحكام هم أفشل محامين في أعدل قضية على الإطلاق، فنرجو ألا يخيبوا أمل المسلمين، وأن يعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى تطبيق شرع الله، وإلى معاهدة سلام مع الإسلام، ونقول لهم: ساوونا باليهود على الأقل، واعملوا معاهدة سلام مع الإسلام، وكفوا عما فعلتموه من الصد عن سبيل الله، وتشويه الدين، وقولكم إن هذا الدين هو دين تطرف، إلى آخر هذا الكلام، ونقول: كفوا عن حرب الإسلام، وسووا بين المستقيمين وبين الفنانين والفسقة والرياضيين، فكل الناس قد تركت لهم الحرية، فسوونا بهم فقط، وارفعوا عنا الظلم الذي نعانيه ليل نهار، والمحاولات الدءوبة لإطفاء نور الله ، وإطفاء نور الإسلام في بلاد المسلمين. والحديث في هذا الأمر ذو شجون، لكن إن لم يعودوا إلى موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين وبقوا في أحضان الكفار، واستمروا في حربهم للإسلام؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. وأما بالنسبة لهؤلاء الأشاوس فإن آخر شيء كنت قرأته: أن مجموعة من المثقفين يسمونهم: (مثقفين يهود) تكلموا في الإذاعة الإسرائيلية فيما يبدو عن الاستغراب الشديد الذي عمهم حينما حصل رد الفعل الغريب من هذه الأمة الإسلامية، فقد ظنوا أنها قد خمدت أنفاسها إلى الأبد، فقال بعضهم -وهو الشاعر اليهودي باراك - يفتخر بأنه يحفظ أشعاراً له كثيرة، فقال: أنا آسف، ليس في كل من حكموا إسرائيل من يفهم العرب أكثر من بنيامين نتنياهو، فقالوا له: لماذا؟ قال: لأنه هو الوحيد الذي أصر على أن العرب لا يصلح معهم سلام على الإطلاق، فقالوا: لماذا؟ قال: قال نتنياهو: إن السلام الذي نصنعه هو مع الحكومات وليس مع الشعوب، لأن هؤلاء الحكام يحكمون شعوبهم بالحديد والنار، فمتى ما تخلصوا من هؤلاء الحكام ستعود إلينا العداوة من جديد، وتنكشف الحقيقة، فالسلام ليس مع الشعوب! وهذا الكلام موافق للواقع إلى حد كبير؛ فانظر إلى هذا اليهودي الخبيث كيف تفطن للأمر! ولذلك قال بعضهم في نفس البرنامج وهو يعبر عن الصدمة والذهول: حتى المغرب التي كنا نظن أنها في جيبنا تخرج فيها مسيرة مليونية! أي: مظاهرة من مليون شخص تنادي بمحاربة اليهود لعنهم الله، فهم كانوا يؤملون أملاً كبيراً أن المغرب قد هدأت، لأن أقوى موضع في العالم الإسلامي لليهود هو في المغرب، فلهم هناك وضع متميز جداً، فوزير السياحة هناك يهودي، ومع ذلك ذهل اليهود من ردّ الفعل في المسلمين. فالحاصل أن المجتمعين في القمة هداهم الله وأجرى على أيديهم كل خير، على الأقل ينبغي أن يصطلحوا فيما بينهم ويكفوا عن محاربة الدعوة الإسلامية، فإن بعض البلاد تحارب الإسلام حرباً لا يقدر اليهود أنفسهم على القيام بها، فلعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله ، ويثوبون إلى رشدهم، ويكفوا عن حرب الإسلام. وهذا هو المفتاح الصحيح؛ لأن القضية قضية عقيدة شئنا أم أبينا، وهذه الحرب دينية بين الإسلام وبين الكفر، ولن تتغير طبيعتها، ولن يقوى أحد على الإطلاق أن يغير طبيعتها مهما فعل، فإن أردنا الطريق الصحيح فهو أن نعود إلى ديننا.

стр. 2776

أثر مقاطعة المسلمين لمنتجات من حارب الإسلام والمسلمين نعود إلى ما تبقى من الكلام عن الفرق بين التعصب والتسامح، وقد ذكرنا أن التسامح هو أن تعامل الكافر بالعدل والإنصاف، وتعاشره بالمجاملة والألطاف، وأن تحسن جيرته إن كان جاراً لك، وأن تصله إن كان من قرابتك، غير أنك لا تعطيه من زكاة مالك، ولا من زكاة فطرك؛ لأنهما خاصتان بفقراء المسلمين، ولا بأس أيضاً بجريان بعض المعاملات الدنيوية بينك وبينه كالقرض أو نحوه مما لا تعلق له بالدين، وشرط هذا كله ألا يكون محارباً. فلو كانت هناك شركات اقتصادية يهودية أو أمريكية مثلاً ممن يحاربون الإسلام والمسلمين، ويؤيدون اليهود، فيمكن مقاطعتها إضعافاً لاقتصادها، فيستطيع كل مسلم أن يستغني عن البيبسي والكوكاكولا وغيرها من الأشياء التابعة للأمريكان. وقد أعلنت بعض الشركات إعلاناً تصرخ فيه من مقاطعة المسلمين لمنتجاتها، وذلك في جريدة (الأهرام)؛ تقول فيه: إن أكثر من ١٥٠٠ عامل فقدوا عملهم بسبب المقاطعة. وهذا التصرف كان فردياً، لكنه أثر عليهم لدرجة أن شركة أمريكية عملت إعلاناً تقول فيه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] ويسردون الآيات، ويقولون بأنهم تبرعوا بـ (١٠%) تقريباً لإخواننا الفلسطينيين في فلسطين من ضحايا هذه المجازر، والسبب أن المسلمين حصل منهم مقاطعة أثرت على اقتصادهم، فإذا كان مجرد الإعراض عن هذا الاقتصاد له هذا الأثر الكبير، فكيف لو أن الجماعة الأشاوس أصحاب البترول قطعوا عنهم البترول؟! أليس كل مرة يقولون: سنقاتل حتى آخر جندي مصري، فليأتوا هذه المرة وليعملوا كما عمل الملك فيصل يرحمه الله، فالملك فيصل في حرب رمضان قال للأمريكان: لا يوجد بترول، فركع الغرب أمامه، وقال لهم: سنرجع مرة أخرى إلى حياة البدو، ولا توجد أي مشكلة في أن نعيش في الصحراء والخيام، ونرجع للفقر، وأبى ﵀، فهلا يأتسون به؟ فهم يملكون أسلحة في غاية القوة، فنرجو أن يهديهم الله. فكما قلنا: لا بأس بجريان بعض المعاملات الدنيوية مع الكافر من قرض أو رهن، فإن الرسول ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على صاع من شعير، فكل ما لا تعلق له بالدين فلا بأس من التعامل مع الكافر فيه بشرط ألا يكون محارباً. ومع حسن المعاملة والبر والإحسان للكافر، فيجب عليك أن تعتقد اعتقاداً جازماً لا تردد فيه أنه على باطل، وأنه إن مات كافراً فلا يجوز الترحم عليه، ولا الدعاء له بالمغفرة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان:٢٣] أي: في الخير من بر أو صلة رحم ونحو ذلك: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] فلا ثواب له في الآخرة. إذاً: لا يوجد من الكفار ولي أو قدّيس كما يقولون؛ لأن الولاية أو القداسة هي في العمل الصالح المقبول، وأعمال هؤلاء غير مقبولة، بل مردودة؛ لأن دينهم مخالف للإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال ﵊: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). فمن جوز وجود ولي منهم، أو تبرك بأحد قديسيهم فقد تخلى عن عقيدته ودينه، إذ التساهل في شيء من العقيدة لا يكون تسامحاً كما يظن المخلِّطون الواهمون، لكنه تنازل عن العقيدة يلزم منه الخروج من الدين؛ لأن الدين مبني على العقيدة، فإذا فُقدت العقيدة فقد الدين، فينبغي عدم إقرار الكافر على كفره، وعدم الرضا به، وبغضه لبغض الله تعالى له، وعدم موالاته ومودته ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨] وعدم التشبه به، وعدم إنكاحه المؤمنة، وعدم بداءته بالسلام، وأن يضطر إلى أضيق الطريق، فهذا كله من الدين وليس من التعصب في شيء، والتفريط فيه ليس تسامحاً، ولكنه تنازل عن حدود الله ! فالعبارات التي نسمعها والناس يرددونها حتى لا يكاد يشك فيها أحد كقولهم: إن الإسلام يحترم الأديان! عبارت باطلة، فكيف يحترم الإسلام الأديان التي جاء لهدمها والقضاء عليها؟! فعجيب أن يسمى هذا تسامحاً، إن التسامح لا يكون إلا في منطقة التعامل فقط. حدثني أحد الإخوة بالأمس أنه رأى أحد الدعاة ظهر في قناة تلفزيونية، وهو داعية مشهور جداً من خارج مصر، فظهر يتناقش مع المذيعة، وهي متبرجة، فتناقشه وهو آخذ موقف الدفاع، ويحامي عن الإسلام في قفص الاتهام، والمذيعة تقول له: أنتم تقولون عنا إننا كفار؟ وتقولون عن النصارى إنهم كفار؟ فرد عليها رداً متميعاً جداً من ذلك الكلام الذي تعودنا أن نسمعه، ولو أنه رد عليها وقال لها: نعم، نحن نعتقد أنكم كفار، لكن لا نبخسكم حقوقكم التي أعطاكم إياها الشارع الشريف، وأنتم الذين تقولون علينا كفار، لاعتقادكم أنني إذا لم أؤمن بالمخلص فأنا كافر، وهكذا في كل ملة من الملل، واليهود ألا يقولون: إننا لسنا على شيء، ومعلوم أن عقيدتهم باطلة؛ لكن أقول: لسنا نحن فقط الذين يعتقدون هذا. فمن لازم إسلامي وإيماني أن كل ما خالف الإسلام من الأديان فهو دين باطل، فليس من التسامح تمييع الدين بهذه الطريقة، ولا علاقة لذلك على الإطلاق بالتسامح، بدليل أن هذا الذي يقول: إن الإسلام يحترم الأديان، فإن أصغر طفل يأتي له بآيات من القرآن تفحمه وتسكته، وتبين أنه ينافق، ويداهن، ويزور، فعندما يقال له: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، ويقال له: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، ويقال له: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] ماذا سيقول إزاء هذه الآيات؟ هل سيقول: نسخت؟ وبماذا نسخت؟ فأي إنسان مزور ومداهن يفتضح في النهاية، فالعقيدة لا تنازل عنها، والتمسك بالعقيدة ليس تعصباً، إنما يكون التعصب في المعاملة بإضاعة الحقوق ونحو ذلك.

стр. 2777

بعض صور معاملة الإسلام الحسنة للمشركين وأهل الذمة وقد ذكر الشيخ عطية سالم بعض صور المعاملة الحسنة لأهل الذمة، فقال: وقصة الظعينة صاحبة المزادتين في صحيح البخاري، فلم يقتلوها، أو يأسروها، أو يستبيحوا ماءها، بل استاقوها بمائها لرسول الله ﷺ ، فأخذ من مزادتيها قليلاً، ودعا فيه، وردَّه، ثم استقوا فقال لها: (اعلمي أن الله هو الذي سقانا، ولم ننقص من مزادتك شيئاً) وأكرموها وأحسنوا إليها، وجمعوا لها طعاماً، وأرسلوها في سبيلها، فكانت تذكر ذلك، وتدعو قومها للإسلام، وقد كانت مشركة. وقصة ثمامة لما جيئ به أسيراً ورُبط في سارية المسجد، وبعد أن أصبح عاجزاً عن القتال لم يمنعهم ذلك من الإحسان إليه، فكان يراح عليه كل يوم بحليب سبع نياق، حتى فُكّ أسره، فأسلم طواعيه. وهكذا قول الله ﵎ أيضاً: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] * ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩] فلا يتصور أن يكون هناك أسير بين يدي المسلمين وهو مسلم، فإن الأسير لا يكون إلا كافراً، فالمقصود بهذه الآية الأسير الكافر قطعاً. وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] يعني: يؤثرون على أنفسهم ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨]، فهذه الآية تدل على جواز الإحسان بالإطعام ونحو ذلك كما ذكرنا. وفي سنة تسع -وهي سنة الوفود- كان يقدم إلى المدينة المسلمون وغير المسلمين فيتلقون بالبر والإحسان، كوفد نجران وغيرهم، وهاهو ذا وفد تميم جاء يفاخر ويفاوض في أسارى له، فيأذن لهم النبي ﷺ ويستمع مفاخرتهم، ويأمر من يرد عليهم من المسلمين، وفي النهاية يسلمون، ويجيزهم الرسول ﵊ بالجوائز، فهذا الوفد أتى متحدياً مفاخراً بالشعر، ومع ذلك أمر الرسول ﵊ أحد الصحابة أن يرد عليهم بنفس طريقتهم؛ وذلك بالشعر، وجاءوا بأمر جارٍ في عرف العرب، فجاراهم فيه النبي ﷺ بعد أن أعلن لهم أنه بُعث ما بالمفاخرة، ولكن ترفق بهم إحساناً إليهم، وتأليفاً لقلوبهم، وقد كان، فأسلموا. يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] من كانوا كذلك من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم، وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، فعم بقوله: ((الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمنين لأهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم، ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)). قال الشافعي رحمه الله تعالى: وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين؛ وذلك لأنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين، والإقساط إليهم إلى آخر كلامه. ثم يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: فهذا هو الذي يقتضيه روح التشريع الإسلامي، ويقول معبراً عن وجهة نظره: إن المسلمين اليوم مختلطة مصالحهم بعضهم ببعض، ومرتبطة بمجموع دول العالم من المشركين وأهل الكتاب، ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش منعزلة عن المجموعة الدولية في تداخل المصالح وتشابكها، ولاسيما في المجال الاقتصادي عصب في الحياة اليوم: من إنتاج، أو تصنيع، أو تسويق، فعلى هذا تكون الآية مساعدة على جواز التعامل مع أولئك المسالمين، ومبادلتهم مصلحة بمصلحة على أساس ما قاله ابن جرير، وبينه الشافعي، وبينه الشيخ أيضاً -يعني: الشيخ الشنقيطي ﵀ في حقيقة موقف المسلمين اليوم من الحضارة الغربية، وبشرط سلامة الباطن، بمعنى: أن القلب لا يميل إليهم بمحبة ومودة، وإنما هذه في المعاملة الظاهرة فقط، ومع عدم وجود تلك المصلحة عند المسلمين أنفسهم، فالمسلمون أولى بالتكافل فيما بينهم. يقول: ومما يؤكد ذلك أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، ومع ذلك لا توجد موالاة قلبية في كل الأحوال، ولكن لما أخرجهم النبي ﵇ من المدينة، وحاصرهم بعد ذلك في خيبر، ففتح الله عليه خيبر، وأصبحوا في قبضة يده، فلم يكونوا بعد ذلك في موقف المقاتلين، ولا المظاهرين على إخراج المسلمين من ديارهم، فحينئذ عاملهم النبي ﷺ بالقسط، فعاملهم على أرض خيبر ونخيلها، وأبقاهم فيها على جزء من الثمرة كأُجراء يعملون لحسابه وحساب المسلمين، فلم يتخذهم عبيداً يسخرهم فيها، وبقيت معاملتهم بالقسط مع أنهم يحرم موالاتهم. والآية نصت في النهي: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] لكن في المعاملة ماداموا غير محاربين، ولا يخرجون المسلمين من ديارهم، ولا يظاهرون عليهم فلا حرج، كما جاء في قصة ابن رواحة ﵁ لما ذهب يخرص عليهم النخيل بخيبر: وعرضوا عليه ما عرضوا من الرشوة؛ ليخفف عنهم، فقال لهم كلمته المشهورة: والله لأنتم أبغض الخلق إلي، وقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي ﵊، ولن يحملني بغضي لكم ولا حبي له أن أحيف عليكم -أي: أظلمكم- فإما أن تأخذوا بنصف ما قدرت، وإما تكفوا أيديكم ولكم نصف ما قدرت، فقالوا له: بهذا قامت السماوات والأرض! أي: بالعدل والقسط، وقد بقوا على ذلك نهاية زمنه ﵊، وخلافة الصديق، وصدراً من خلافة عمر حتى أجلاهم رضي الله تعالى عنه عنها، وكذلك المؤلفة قلوبهم أعطاهم النبي ﵇ بعد الفتح، وأعطاهم الصديق، ثم منعهم عمر رضي الله تعالى عنه. إن أشد ما يظهر وضوحاً في هذا المقام هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] فهذه حسن معاملة وبر وإحسان لمن جاهد المسلم على أن يشرك بالله ولم يقاتل المسلمين، فكان حق الأبوة مقدماً ولو مع الكفر والمجاهدة على الشرك. وكذلك جاء في نهاية هذه السورة: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ))، فتأمل قول الله تعالى بعد ذلك: ((وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا)) أي: آتوا المشركين ما أنفقوا، بيان ذلك: أن المؤمنات المهاجرات كن متزوجات بأزواج مشركين، وهؤلاء المشركون عندما تزوجوا بهن دفعوا لهن مهراً، فأسلم النسوة وهاجرن، فالله يأمر المؤمنين أن ادفعوا للمشركين الذين هم أزواج المؤمنات المهاجرات ما أنفقوا على أزواجهم، لأنها بعد أن أسلمت وهاجرت، انحلت العصمة بينها وبين زوجها الكافر، وفاتت عليه ولم يقدر عليها، فيأمر الله المسلمين أن يؤتوا أزواجهن -وهم مشركون- ما أنفقوا من صداق عند الزواج، لعجزهم عن استرجاع الزوجات، وعدم جواز إرجاعهن إليهم. فجاء الأمر بالمعاملة بالقسط، مع أن هؤلاء الكفار لم يقهروا المسلمين على ذلك. فهذه كلها نماذج تؤكد هذا المعنى الذي نذكره وهو أن التسامح والتعصب دائرته هي المعاملة فقط، وأما العقيدة فلا لا نسمي الكلام فيها تسامحاً؛ لأنه خروج من الملة، ومصادمة لأحكام القرآن.

стр. 2778

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٠]. فيما تقدم من الآيات بيّن الله ﵎ وجوب ترك موالاة المشركين، وبما أنه يجب ترك موالاة المشركين فإن ذلك يقتضي الانفصال عن المشركين، والهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام، وهذه الهجرة يترتب عليها فراق المؤمنات المتزوجات بالكافرين أزواجهن الكافرين، وأن يهاجرن إلى ديار الإسلام، فيقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)). فالخطاب هنا للمؤمنين، والمقصود به النبي ﵌. ((مُهَاجِرَاتٍ)) أي: من مكة إلى المدينة، ((فَامْتَحِنُوهُنَّ)) أي: فاختبروهن بما يغلب على ظنكم صدقهن في الإيمان، ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)) أي: الله هو المطلع على قلوبهن لا أنتم، فإنه غير مقدور لكم، فحسبكم أماراته وقرائنه. والمقصود بالامتحان هنا كما بينت بعض الروايات: بأن تشهد الشهادتين، وقال بعضهم: بأن تحلف أنها ما هاجرت إلا حباً لله ورسوله ﷺ ، وما هاجرت بغضةً لزوج، أو غير ذلك من الأغراض، فتذكر المرأة ما عندها، ويقبل منها قولها في الظاهر. فإذاً: هذا لا يعني التفتيش عما في الباطن؛ لكن هناك أمور اقتضت هذا الامتحان في حق النساء دون الرجال، فإنه لم يحدث امتحان للرجال، وإنما كان الامتحان للنساء خصوصاً، وإلا فقد أتى كثير من المهاجرين من مكة إلى المدينة ولم يحدث مثل هذا الامتحان وسوف نبين إن شاء الله تعالى الفرق بين الرجال والنساء في ذلك. فالمقصود من قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)) يعني: اختبروهن كي تسمعوا منهن ما يغلب على ظنكم صدقهن في الإيمان، ولا يلزم من هذا الامتحان القطع بأنهن مؤمنات في القلب؛ لأن ما في الباطن لا يطلع عليه إلا الله .

стр. 2779

معاملة الناس على الظاهر والله يتولى السرائر وقوله: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)) أي: الله هو المطلع على قلوبهن لا أنتم، فهذا لا يدخل تحت قدرتكم، وإنما يكفيكم قرائن الإيمان وأماراته، كأن تأتي بالشهادتين، وتجيب ما يوجه إليها من السؤال. وهذا هو الذي ينبغي أن نعتمده في الحكم على إيمان الناس، فيقبل من الناس الظواهر والله يتولى السرائر، ولذلك قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)، فالشاهد في قوله: (وحسابهم على الله) يعني: حسابهم في الآخرة، فنقبل منهم الظاهر، وأما هل هم صادقون في ذلك أم لا؟ فهذا أمره إلى الله . فالنبي نفسه ﵊ لا يملك ذلك، فيقول في الحديث: (إني لم أومر أن أنقب عما في قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم، وإنما نقبل من الناس ظاهرهم)، هذه هي معاملة العبيد للعبيد، وقد تجد بعض العباد يصرون على أن يعاملوا الآخرين معاملة الرب للعبد، وهي التفتيش عما في قلوبهم، وهذا خطأ، فإن هذه المعاملة هي معاملة الرب للعبد، ولذلك جاء في موطأ مالك بن أنس رحمه الله تعالى عن المسيح ﵇ أنه قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. فيحذر الإنسان أن يتعامل مع الآخرين معاملة الرب للعبد، بل عليه أن يعامل العبد كعبد مثله، فيكتفي منه بما يظهره، ولا يفتش عما يبطنه. روى الإمام ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: (كانت المرأة إذا أتت رسول الله ﷺ حلفها بالله ما خرجت مهاجرة من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت في التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله ﵌. يقول ابن زيد: وإنما أمرنا بامتحانهن؛ لأن المرأة كانت إذا غضبت على زوجها بمكة قالت: لألحقن بمحمد ﵊، كأنها تريد أن تكيد زوجها! وقال مجاهد: فامتحنوهن، أي: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن، أو سخط أو غيرة ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن. قوله: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ))، قال الزمخشري: يعني: إن علمتموهن العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علماً إيذاناً بأنه كالعلم في وجوب العمل به. قوله: ((فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)) أي: فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين؛ إذ لا حلّ بين المؤمنة والمشرك؛ لأن إيمانها قطَع عصمتها من المشرك المعادي لله ولرسوله ﷺ .

стр. 2780

ما يوجب الفرقة بين المسلمة المهاجرة وزوجها المشرك قوله تعالى: ((لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)). يقول القرطبي: وهذا أول دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا هجرتُها، وهذا محل خلاف بين العلماء: فجمهور العلماء على أن الذي أوجب الفرقة هو إسلامها، فمتى أسلمت فإنها تنقطع العصمة بينها وبين زوجها؛ لأن الكافر لا يكون كفؤاً للمسلمة. وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين؛ لأنها صارت في ديار الإسلام وهو باق في ديار الكفر. يقول القرطبي: والصحيح الأول، يعني: أن الذي أوجب الفرقة هو اختلاف الدين بإسلام المرأة، وليس اختلاف الدارين، لأن الله تعالى قال: ((لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ))، فبين أن العلة هي عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدار، والله تعالى أعلم. وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: عندنا إذا هاجرت الحرة بعد دخول زوجها بها وقعت الفرقة على انقضاء عدتها، يعني: تمهل حتى تنقضي العدة لاستبراء الرحم، وهذا قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: تقع الفرقة باختلاف الدارين كما ذكرنا. قوله: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)) قال الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وإنما قيل ذلك للمؤمنين لأن العهد كان جرى بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش في صلح الحديبية أن يرد المسلمون إلى المشركين من جاءهم مسلماً، فأبطل الله ذلك الشرط في حق النساء إذا جئن مؤمنات مهاجرات فامتُحن فوجدهن المسلمون مؤمنات، وصح ذلك عندهم بما ذكرنا، وأمروا ألا يردوهن إلى المشركين إذا علموا أنهن مؤمنات. وقال بعض العلماء: إن النساء لم يدخلن أصلاً في عقد الحديبية، فالمشهور في الروايات: لا يأتيكم رجل منا، والأرجح -والله تعالى أعلم- أنه عام في الجميع، إلا أن هذا العموم خصه الله في حق النساء، فقد قالت طائفة من العلماء: إنه لم يشترط ردهن في العقد لفظاً، أي: لم ينص على حالة النساء، وإنما أطلق العقد في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله تعالى خروجهن من هذا العموم، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم؛ لأن حكم الشرع أن المرأة المسلمة لا يحل لها أن تكون تحت كافر، لذلك لا يصح أن ترجع إلى زوجها الكافر. الأمر الثاني: أن النساء أرق قلوباً، وأسرع تقلباً من الرجال، فيسهل أن يفتنها المشرك عن دينها. فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليه، فلو أن امرأة أتت المدينة تلتجئ إليها لأي سبب من الأسباب، ولم تزل باقية على شركها؛ فهذه ترد إلى مكة. قوله: ((لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ))؛ لأن المرأة مؤمنة ومسلمة، وزوجها مشرك فتنقطع العصمة بينهما؛ ولأن الكافر ليس كفؤاً للمسلمة. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أمر أبي العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﵌ زينب ﵂، وقد كانت مسلمة، وكان هو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، فأثارت عواطف النبي ﵇، وذكرته بـ خديجة وأبكته. وقد كان النبي ﵊ شديد الوفاء لأم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، وكان يكرم من يأتي من النساء ممن كان بينهم وبين خديجة مودة، ويقول وقد سمع صوت بعضهن: (قد كانت تغشانا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)، فهذا من وفائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها. فلما رأى قلادتها تبذلها زينب في فكاك زوجها الأسير في بدر رق لها رقة شديدة، وقال للمسلمين: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا، ففعلوا، فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه)؛ فوفى بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان، فردها عليه ﷺ بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقاً، ومنهم من يقول: بعد سنتين وهو الصحيح؛ لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين.

стр. 2781

سبب امتحان النساء المهاجرات دون الرجال المهاجرين وهنا يرد سؤال وهو: أن الله يقول في هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)) فقيل: كان امتحانهن بأن يأمرها النبي ﵇ أن تحلف بأنها ما خرجت كرهاً لزوج، أو فراراً لسبب آخر، وقيل: كان امتحانهن بالبيعة الآتية في قوله ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة:١٢] إلى آخر الآية في آخر السورة. ومفهوم هذه الآية الكريمة أن الرجال المهاجرين لا يمتحنون، وأن هذا الامتحان خاص بالنساء فقط، فلم تخصيص النساء بالامتحان؟ يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: وفعلاً لم يكن النبي ﷺ يمتحن من هاجر إليه من الرجال، والسبب في امتحانهن دون الرجال هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)) فكأن الهجرة وحدها لا تكفي في حقهن بخلاف الرجال، فالرجل يقبل منه إذا أتى مهاجراً، وأما المرأة فلا يقبل منها، إلا بشرط أن تمتحن هذا الامتحان. وأما الرجال فقد شهد الله لهم بصدق إيمانهم بالهجرة في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجراً فإنه يعلم أن عليه تبعة الجهاد والنصرة، وهو يعرف جيداً ما الذي تعنيه الهجرة من التضحية بماله، ومفارقة أهله ووطنه، ثم الانتقال إلى المدينة حيث يجب عليه أن يجاهد مع النبي ﷺ ، وأن ينصره، فلا يهاجر إلا وهو صادق الإيمان، ومستعد لأن يتحمل تبعات هذه الهجرة، لذلك لم يحتج إلى امتحان. ولا يرد على ذلك حديث مهاجر أم قيس؛ لأنه أمر جانبي، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة المنوه عنها في أول السورة في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ [الممتحنة:١]، وهذا بخلاف النساء، فليس عليهن جهاد، ولا يلزمهن بالهجرة أية تبعة، فأي سبب يواجههن في حياتهن سواء كان بسبب الزوج أو غيره فإنه قد يجعلهن يخرجن باسم الهجرة، والأمر على خلاف ذلك، بل هي هاربة من زوجها لسوء العشرة مثلاً، أو أرادت أن تكيده، كما كان النسوة يهددن أزواجهن أحياناً في مكة، وتقول إحداهن لزوجها: والله لألحقن بمحمد ﵊، وليس ذلك إيماناً بالله وبرسوله، فكان ذلك الأمر موجباً للتوثق من هجرتهن، وذلك بامتحانهن؛ ليعلم إيمانهن. ويرجح هذا المعنى قولُه تعالى: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ))، وفي حق الرجال قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]. ومن جانب آخر: فإن هجرة المؤمنات يتعلق بها حق لطرف آخر وهو زوجها المشرك، فإن هذه الهجرة يترتب عليها أن ينفسخ نكاحها منه، وأن تنقطع العصمة بينهما مباشرة، وأن يعوض هو عما أنفق عليها، وهذه الأمور: من إسقاط حقه في النكاح، وإيجاب حقه في العوض، قضايا حقوقية تتطلب إثباتاً، وذلك يكون بالامتحان، بخلاف هجرة الرجال.

стр. 2782

كيفية امتحان النساء المهاجرات إن الامتحان للنساء إما أن يكون بالبيعة المذكورة في آخر السورة، وإما بأن يأتين بالشهادتين، وإما بأن يحلفن ما خرجن سخطةً لزوج أو غير ذلك من الأسباب، ويقبل هذا الظاهر كما بينا. وهذه الآية كانت عمدة فرقة الخوارج الجدد وزعيمها شكري مصطفى، فقد كانوا يوجبون ما أسموه: التوقف والتبين، بمعنى أنه لا يكتفى بظهور الإسلام حتى يمتحن هذا الذي يدعي الإسلام امتحاناً معيناً، فإذا تبين لنا إيمانه حكمنا عليه بالإيمان! وهذا استدلال في غير موضعه؛ لأن الامتحان كانت كيفيته ما قام به الرسول ﵊، ولا دليل على تعميمه في الأمة كلها بعد ذلك. ثانياً: أن هذا الامتحان كان بالصور التي ذكرناها، وأما هم فالامتحان عندهم كان عبارة عن عرض قضايا المنهج، فتجلس المرأة من خلف ستار، ويقوم بتلاوة الأدلة عليها بزعمهم، وتتلى عليها قضايا منهجية طويلة وعريضة، ثم بعد ذلك إن قبلتْ ذلك فهي مسلمة وإلا فإنها بعد إقامة الحجة عليها تصير كافرة. وقد كانت من وراء ذلك فتن كثيرة جداً، ونرجو -إن شاء الله تعالى- فيما بعد حينما نعود لدراسة قضايا الكفر والإيمان أن نفصّل في هذا الموضوع، أعني موضوع التوقف والتبين، وما ذكرنا هنا إشارة عابرة على أن الامتحان هنا ليس كالامتحان الذي زعموه.

стр. 2783

تخصيص السنة بالقرآن قوله: ((إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ)) قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية، وقد كان في هذه المعاهدة: من جاء من الكفار مسلماً إلى المشركين ردوه على المشركين، ومن جاء من المسلمين كافراً لم يردوه على المسلمين، فأخرجت هذه الآية النساء من المعاهدة وأبقت الرجال، وذلك من باب تخصيص العموم، وهذا تخصيص للسنة بالقرآن، وتخصيص القرآن بالسنة معلوم، وقد قال في مراقي السعود: وخص بالكتاب والحديث به أو بالحديث مطلقاً أن تنتبه ومن أمثلة تخصيص السنة بالقرآن الكريم: قول النبي ﵊: (ما أبين من حي فهو ميتة)، فلو جاء رجل إلى كبش مثلاً وقطع ذيله لأجل ما فيه شحم، فهل يجوز أكله؟ الجواب لا يجوز أكله؛ لعموم قول النبي ﵊: (ما أبين من حي فهو ميت) أي: ما فصل من حي فهو ميت، ولذلك فإنّ الإنسان الذي بترت ذراعه أو ساقه فإنها تعامل معاملة الميت؛ فتكفن، وتدفن إلى آخره. وهذا العموم في قول النبي ﵊ جاء تخصيصه بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأشْعَارِهَا﴾ [النحل:٨٠] يعني: ليس محرماً، فهذا تخصيص، فالقرآن الكريم يخصص عموم السنة. ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣]، فجاء تخصيص هذا العموم في هذا الحديث -إن صح-: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت). وقال القرطبي: (جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب -يعني: صلح الحديبية- والنبي ﷺ بالحديبية بعدُ، فأقبل زوجها -وكان كافراً- فقال: يا محمد! اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله هذه الآية). وقال بعض المفسرين: إنها ليست مخصصة للمعاهدة؛ لأن النساء لم يدخلن فيها ابتداء، وإنما كانت في حق الرجال فقط. وذكر القرطبي وابن كثير (أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت فارّةً من زوجها عمرو بن العاص، ومعها أخواها: عمارة والوليد، فرد رسول الله ﷺ أخويها وحبسها، فقالوا للنبي ﵊: ردها علينا بالشرط، فقال ﷺ : كان الشرط في الرجال لا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية)، فالظاهر أن الآية مخصصة لمعاهدة الهدنة، أي: أنّ القرآن مخصص للسنة، وهذا من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن. ومما يدل على أنها مخصصة أمران مذكوران في الآية: الأول منهما: أنها أحدثت حكماً جديداً في حقهن، وهو عدم الحِلِّيَّة بينهن وبين أزواجهن، فلا محل لإرجاعهن، ولا يمكن تنفيذ معاهدة الهدنة مع هذا الحكم، فخرجن منها، وبقي الرجال. والثاني منهما: أنها جعلت للأزواج حق المعاوضة على ما أنفقوا عليهن، ولو لم يكنَّ داخلات أولاً لما كان طلب المعاوضة ملزماً، ولكنه صار ملزماً، وموجب إلزامه أنهم كانوا يملكون منعهن من الخروج بمقتضى المعاهدة المذكورة، فإذا خرجن بغير إذن الأزواج كُنّ كمن نقض العهد، فلزمهن العوض المذكور، والله تعالى أعلم.

стр. 2784

معنى قوله تعالى: (وآتوهم ما أنفقوا) يقول تعالى: ((وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا)) أي: أعطوا المشركين الذين جاءت نساؤهم مؤمنات إذا علمتموهن مؤمنات فلم ترجعوهن إليهم، أعطوهم ما أنفقوا في نكاحهم إياهن من الصداق. قال مقاتل في قوله تعالى: ((وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا)) هذا إذا تزوجها مسلم، يعني: لا ندفع لزوجها المشرك الصداق الذي بذله إلا إذا تزوجها مسلم، فإن لم يتزوجها أحد فليس لزوجها الكافر شيء. وقال القرطبي: وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر الله برد المال إليه؛ حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين، أي: خسارة الزوجة، وخسارة الصداق الذي بذله. وهذا من عدل الإسلام حتى مع الكفار. وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد إليهم الصداق.

стр. 2785

معنى قوله تعالى: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) يقول الله ﵎: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)). (أجورهن) هنا بمعنى: صداقهن، فهذا المنطوق، ويدل بمفهومه على أن النكاح بدون الأجور فيه جناح، أي أن من نكح بدون صداق، أو أسقط المهر، فعليه جناح وإثم في ذلك، أي: فلابد في الزواج من مهر. فالمهم في عقد الزواج ألا يتم الاتفاق فيه على إسقاط المهر، فذلك خطأ كبير فادح، لكن لو لم يتحدث عن المهر أصلاً، وحصل الزواج، ثم حصل طلاق، أو وفاة للزوج، أو طالبت المرأة بحقها في الطلاق، فإنها تعطى صداق المثل، ولذلك إشارة في قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦]. والمهر قد يكون مسمى أو غير مسمى، والمسمى قد يكون مقدماً كله أو مؤخراً كله، أو بعضه مقدماً وبعضه مؤخراً، وذلك حسب تفاوت الأحوال، فأهم شيء ألا يكون هناك اتفاق على إسقاط المهر. ويؤخذ وجوب الصداق أيضاً من قوله ﵎: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فهذه المرأة وهبت نفسها للنبي ﵊، وَهِبَةُ المرأة نفسها بدون صداق حكم خاص بالنبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، ولا يحل لغيره على أي حال. وقوله: ((إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) ظاهر في أن النكاح لا يصح إلا بإتيان الأجور، وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦]. وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة: أنه إن دخل بها فلها صداق المثل، يعني: إذا تزوجها ولم يحدد لها مهراً فالزواج صحيح، لكن المهم ألا يكون هناك اتفاق على إسقاط المهر، ويجوز تأخير الكلام في المهر لسبب أو لآخر، ففي هذه الحالة تسمى هذه المرأة بالمفوضة، قال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦]. ويدل على إطلاق الأجور على الصداق آيات عدة في القرآن الكريم، فإن الصداق من أسمائه الأجر، وهذه الملاحظة مهمة جداً حتى نحذر من تلبيس الشيعة الرافضة في تحليلهم نكاح المتعة، واستدلالهم بلفظ: (الأجر) فنقول: قد أُطلق الأجر في القرآن مراداً به الصداق، مثل قول الله ﵎ في نكاح الإماء لمن لم يستطع طولاً للحرائر: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] إلى أن قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٥] يعني: مهورهن. وفي نكاح أهل الكتاب قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة:٥] وقال للنبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] فبهذا كله يرد على من استدل بلفظ الأجور على نكاح المتعة. ثم قال الله : ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ)) يعني: أن تنكحوا هؤلاء المهاجرات اللاتي لحقن بكم من دار الحرب مفارقات لأزاجهن، وإن كان لهن أزواج ((إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) أي: مهورهن. قال ابن زيد: لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرئت أرحامهن.

стр. 2786

معنى قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قوله: ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)). أشار إلى أنه كما بطل نكاح المؤمنة عن الكافر بطل نكاح الكافرة عن المسلم، فكما أن المؤمنة لا تتزوج كافراً بحال من الأحوال، كذلك أيضاً يبطل نكاح المسلم الكافرة، فقال : ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)) قرئت: (ولا تُمسِّكوا بعصم الكوافر) وقرئت أيضاً: (ولا تَمَسَّكوا بعصم الكوافر) يعني: بعقودهن التي يتمسك بها في الاستحلال. يقول ابن جرير: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ : لا تمسكوا أيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأستارهن، والكوافر: جمع كافرة، وهي تشمل كل من يطلق عليها لفظ الكافرة بما في ذلك الكتابية من اليهود والنصارى، والعصم: جمع عصمة، وهي ما اعتصم به من العقد والسبب، وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن الإقدام على نكاح المشركات من أهل الأوثان، وأمر لهم بفراقهن. ثم روى ابن جرير عن مجاهد قال: أُمر أصحاب محمد ﷺ بطلاق نساء كوافر بمكة قعدن مع الكفار. وليست هذه الآية على عمومها ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ))، فقد خص من الكوافر حرائر أهل الكتاب، والمخصص هو قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥]. وعن الزهري قال: لما نزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلى قوله: ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)) كان ممن طلق عمر بن الخطاب ﵁، طلق امرأتين كانتا له بمكة: ابنة أبي أمية، وابنة جرول، وطلحة بن عبيد الله، طلق زوجته أروى بنت ربيعة، ففرق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر. وكان ممن فر إلى رسول الله ﷺ من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فحبسها وزوجها رجلاً من المسلمين: أذينة بنت بشر الأنصارية، كانت عند ثابت بن الدحداحة، ففرت منه -وهو يومئذ كافر- إلى رسول الله ﷺ ، فزوجها رسول الله ﷺ سهل بن حنيف أحد بني عمرو بن عوف، فولدت عبد الله بن سهل.

стр. 2787

جواز استمتاع المسلم بالمشركة بملك اليمين وننبه هنا على أمر: وهو أن مفهوم العصمة لا يمنع الإمساك بملك اليمين، فإذا قلنا: إنه لا يمكن بحال من الأحوال أن تتزوج مسلمة بكافر، فكذلك المسلم لا يحل له أن يتزوج بكافرة مشركة وثنية بأي حال من الأحوال، لكن هل هذه العصمة تمنع الإمساك بملك اليمين؟ الجواب لا تمنع الإمساك بملك اليمين، فيحل للمسلم الاستمتاع بالمشركة بملك اليمين على أساس أنها سرّيّة، أي: أمة وليست زوجة حرة، فمفهوم العصمة لا يمنع الإمساك بملك اليمين، فيحل للمسلم الاستمتاع بالمشركة بملك اليمين، وعليه تكون حرمة المسلمة على الكافر مطلقاً، لقوله تعالى: ((لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ)) أي: الآن، ((وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)) يعني: في المستقبل.

стр. 2788

الحكمة من حلّ نكاح المسلم الكتابية وحرمة المسلمة على الكتابي يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: إذا كان الكفر هو سبب فك عصمة الكافرة من المسلم، وتحريم المسلمة على الكافر، فلماذا حلت الكافرة من أهل الكتاب للمسلم، ولم تحل المسلمة للكافر من أهل الكتاب؟ والجواب من جانبين: الأول: أن الإسلام يعلو ولا يُعلا عليه، والقوامة في الزواج تكون من جانب الرجولة قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، فالقوامة واليد العليا في الزواج تكون للرجل وإن تعادلا في الحلِّيَّة بالعقد؛ لأن التعادل لا يلغي الفوارق كما في ملك اليمين، فإذا امتلك رجل امرأة حلَّ له أن يستمتع بها بملك اليمين، وأما المرأة إذا امتلكت عبداً فلا يحل لها أن تستمع به بملك اليمين. وكذلك باعتبار قوامة الرجل على المرأة وعلى أولادها وهو كافر، فإنه لا يَسْلم لها دينها، فلو تزوجت مسلمة بكافر فإنه لا يصحح دينها، ولا دين أولادها، بل سيفسد عليها دينها هي وأولادها؛ لأن الرجل هو صاحب القوامة. الجانب الثاني: شمول الإسلام وقصور غيره من الأديان، وينبني عليه أمر اجتماعي له مساس بكيان الأسرة وحسن العشرة؛ وذلك أن المسلم إذا تزوج كتابية فهو يؤمن بكتابها وبرسولها، فيكون معها على مبدأ من يحترم دينها؛ لإيمانه بدينها في الجملة. وهذا التعبير حساس قليلاً أعني جملة: (يحترم دينها) وذلك أننا معشر المسلمين نؤمن بجميع الأديان وجميع الرسل، فنؤمن بموسى وعيسى ومحمد، وأما الكافر فحتى لو زعم أنه مؤمن بموسى أو بعيسى فهو لا يؤمن بنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يتصور أن مسلماً إذا تزوج كتابية يسب عيسى، أو يسب موسى، أو أحداً من الأنبياء، بحجة أن هذا نبي اليهود أو النصارى، فموسى نبي الإسلام، وعيسى نبي الإسلام وموسى وعيسى ﵉ يعاديان هؤلاء الذين حرفوا دين الإسلام الذي بعثا به، فكفروا بسبب ذلك، بدليل أن المسيح سوف يقاتل اليهود، وأن المسيح نفسه إذا نزل في آخر الزمان فإنه سيحكم بالإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، فإما الإسلام وإما القتل، ولذلك قال تعالى على أحد وجهي التفسير: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: بالمسيح ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] قبل موت المسيح ﵇ حينما ينزل إلى الأرض. فالشاهد أن المسلم لا يتصور منه أن يؤذيها في موسى، أو في عيسى، وأما الكافر إذا تزوج مسلمة فإنه سوف يؤذيها في نبينا محمد ﵌. فلا تعلم أمة هي أشد تعظيماً للأنبياء، وأشد حفظاً لحرمتهم من المسلمين، فهؤلاء اليهود والنصارى في هذه المسألة يشتركون في الهوى، فإن النصارى يؤمنون بالتوراة وبالإنجيل، واليهود يؤمنون بالتوراة، فالتوراة التي هي فاصل مشترك بينهم اشتملت على نصوص كثيرة فيها سب مُقذع للأنبياء، فسليمان ﵇ ليس بنبي عندهم؛ بل هو مَلِك، وأما عندنا فسليمان نبي معصوم. وعندهم أن سليمان ﵇ عبد الأصنام قبل موته، وأنّ داود ﵇ فعل كذا وكذا من الفواحش، وشرب الخمر والعياذ بالله، وأن لوطاً ﵇ فعل كذا، فتجدهم ينسبون كثيراً من الفواحش التي يتأذى أفسق الفساق أن تنسب إلى الأنبياء ﵈، فهم لا يعرفون حرمة الأنبياء، لذلك فنحن أولى بالأنبياء منهم، فبالتالي لا يتصور أن مسلماً يسب موسى أو عيسى ﵉، ومن فعل ذلك فإنه يخرج من ملة الإسلام. وأما ما حصل في الحوادث الأخيرة من أنّ بعض الإخوة الفلسطينيين هدموا ضريح يوسف ﵇، فأخبرتُ أنّ بعض الناس حاول إقناعهم بأننا نقدس ضريح يوسف ﵇، فأقول: نحن لا نقدس الأضرحة، ثمّ من ذا الذي قال: إن هذا الضريح ليوسف ﵇؟! فإنه عاش في مصر، وطلب أهله فجاءوا إلى مصر، ومات ودفن في مصر، أما أن يظن أن هذا هو ضريح يوسف ﵇ فهذا غير صحيح، فإنه لا يقطع بضريح نبي من الأنبياء غير نبينا محمد ﵊، وما عدا ذلك فإنه لا يعلم على وجه التحديد. فالشاهد: أنّ هذا الجدال ليس في محله؛ لأن يوسف ﵇ عاش في مصر، ومات فيها، ودفن فيها. وكذلك أيضاً فإن المرأة الكتابية إذا كانت تحت المسلم الموحد فإنه قد يكون هناك مجال للتفاهم والتواد بينهما، فلعل ذلك يكون سبباً في دخولها في الإسلام، وقد وقع هذا كثيراً، فالأخ المسلم بحسن خلقه، واجتهاده في طاعة الله ، وحسن أسلوبه، يجل الزوجة تنقاد إلى الدخول في الإسلام، ونتذكر هنا حادثة ثمامة بن أثال حينما أسر، وربطه النبي عليه الصلاة السلام في سارية من سواري المسجد، وجاء في القصة: (أنّ الرسول ﵊ في أول يوم أتاه فقال له: كيف تجدك يا ثمامة؟! قال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن كريم، وفي اليوم الثاني هدأت اللهجة، فسأله النبي عليه الصلاة السلام، فقال له: إن تعف تعف عن كريم، وإن تقتل تقتل ذا دم)، ففي المرة الأولى بدأ بالقتل وفي الثانية بالعفو، وفي اليوم الثالث أطلق النبي ﵊ سراحه، فذهب ثمامة فاغتسل، ثم أتى وشهد الشهادتين. وهذه حكمة تربوية رائعة جداً، وهي أن الرسول ﵊ لم يحبس هذا الأسير في منزل، أو في حجرة، وإنما ربطه في سارية من سواري المسجد؛ حتى يراقب المسلمين، ويرى أخلاقهم، ويسمع كلامهم في التوحيد وغيره، ويرى آيات النبوة، ويرى حسن خلق المسلمين، ويرى نموذجاً حياً للمجتمع المسلم، فالمسجد في ذلك الوقت كان هو المركز للواقع الحياتي بالنسبة للمسلمين، فيرى صورة الإسلام مرسومة على الواقع، فأسلم بسبب أنه رأى هذا النموذج المبشر بالخير. وعلى الجهة الأخرى -للأسف الشديد- فإن الزوج إذا كان غير ملتزم فإنه ينفرها من الدين، بل وجدت حالات أن المرأة أسلمت، ثم هي تشكو من زوجها الذي يضربها، ولا يصلي الفجر، وغير ذلك من الشكاوى. فالشاهد من الكلام: أن المرأة المسلمة إذا كانت تحت كافر فلن يرقب فيها إلاً ولا ذمة، وربما آذاها في نبينا محمد ﵊، وفي القرآن، وفي الإسلام، وخاصة أن المستشرقين والكفار قد أوصلوا كثيراً من الشبهات التي يرددونها إلى كثير من الناس، فربما يرددها كثير من الناس على حد قول الكافر: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته). وكذلك الذرية سوف تتأثر بالأب، وبالتالي يكونون مشركين، فالمرأة نفسها يمكن أن تفتن في دينها، وإذا فسد القوام عم الفساد جميع الأقوام. وأيضاً فنكاح الكتابيات لا ينبغي التساهل فيه في هذا الزمان؛ لأن القوامة الآن لا تكون كما يريد الزوج المسلم، ففي المجتمع الغربي بجانب تبرج المرأة واسترجالها هناك أمر آخر أخطر من ذلك، وهو أن القوانين التي تعلو الناس هناك تعطي المرأة حقوقاً مبالغاً فيها، بحيث إن الرجل لابد أن يخضع -شاء أم أبى- لكثير من قوانينهم التي ربما يترتب عليها أنها تستأثر بالأولاد، فتسميهم بأسماء النصارى، فيكونون من الذرية الكفار، والحوادث في ذلك كثيرة. فعلى أي الأحوال: فإن الكتابي إذا تزوج امرأة مسلمة فهو لا يؤمن بدينها، ولا يحترم دينها، ولا يوجد مجال للتفاهم معه في أمر هو لا يؤمن به بالكلية، فلا جدوى من هذا الزواج؛ لذلك مُنع منه ابتداء، لكن لا توجد هذه المشاكل فيما يتعلق بزواج الكتابيات، مع أن كثيراً ما يطلق عليهن الآن وصف كتابيات وهن في الحقيقة لم يعدن كتابيات، فالكتابية هي التي تؤمن بعيسى أو بموسى، أو بدينهما حتى مع تحريفهم له، وأما الآن فمعظمهن وثنيات لا دين لهن، وهذا حكم عام سواء في الزواج أو في الذبائح؛ لأنهن في الغالب لم يعدن أهل كتاب: لا نصارى ولا يهود ولا غير ذلك، فهذا أمر ينبغي الانتباه له، وسبق أن وضحناه بالتفصيل في محاضرة: (حكم نكاح الكتابيات). وقد تكلم أحد العلماء أيضاً في الحكمة من إباحة زواج المسلم بالكتابية، وحرمة زواج المسلمة بالكتابي، فيقول: إن المسلمين يؤمنون بجميع الأنبياء الذين منهم موسى وعيسى، ويؤمنون بكتب الله المنزلة كلها، لكن الكتابيين -وهم اليهود والنصارى- لا يؤمنون بمحمد ﷺ ، ولا بكتابه، ويوجهون إلى شخصه الكريم وكتابه العظيم جملة من المطاعن التي تنبئ عن داء دفين، وحقد كمين، والمنصفون منهم يعترفون بعظمته، ولا يؤمنون بنبوته، فمن ثَم جاز لنا أن ننكح نساءهم، ولم يجز لهم أن يتزوجوا نساءنا، فهذه حكمة. وحكمة ثانية: وهي أن الإسلام دين التسامح، فلا يجيز إكراه أي شخص على اعتناقه، وهو يعتمد في نشر دعوته على الإقناع بالحجة والبرهان، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فحين يتزوج المسلم بكتابية فإنه لا يكرهها على مفارقة دينها، بل يدعها حرة في عقيدتها، ولا يحل له شرعاً أن يكرهها على الدخول في الإسلام. وليس معنى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أننا لا نبين الحق، ولا ندعوها إلى سماحة الإسلام، ونقدم لها الحق، وكذلك ليس معناها أن نمتنع نحن عن إبطال العقائد الشركية، والأديان المحرفة، وإقامة الأدلة على صدق النبوة والتوحيد وغيرها! فإن هذا ليس من الإكراه، فأنت تعطي اليهود بضاعتك. فحين يتزوج المسلم بكتابية فإنه لا يفكر في إكراهها على مفارقة دينها، وأما الكتابي إذا تزوج بمسلمة فإنه يحاول إخراجها من دينها بمختلف الوسائل ولو بالتهديد، يقول: والشواهد على ذلك كثيرة أقربها: أن نضلة أم الملك فاروق تزوجها طبيب أمريكي، فأخرجها عن دينها فهي الآن نصرانية -وهذا الكتاب مطبوع سنة (١٩٦٨م) - وبنتها فتحية تزوجها قبطي مصري بدعوى أنه أسلم، ثم تبين عدم إسلامه، فحملها على أن تنصرت معه، وأخذ مالها وفارقها، وقد تزوج فرنسيون بمسلمات جزائريات أيام استعمارهم للجزائر، فأخرجوهن عن دينهن بترغيب مشوب بترهيب

стр. 2789

حرمة أذية الأنبياء إن الكلام عن شيء يؤذي الرسول ﵇ لا يجوز، مثل كثرة الجدال، فبعض الناس يروق لهم أحياناً فتح بعض الموضوعات، وكثرة الجدل والسؤال فيها، ونحن لا نقول فيها بخلاف الحق، لكن يكفي فيها التنبيه، مثل كثرة الكلام في مصير أبوي الرسول ﵊ وأنهما في النار، فهذه المسألة دليلها واضح، ولا تحتاج إلى كلام كثير، فقد كره بعض العلماء ذلك؛ لما فيه من إيذاء رسول الله ﵊ ولا نقول كما تقول الصوفية: إن الله قد أحيا له والديه فآمنا ثم ماتا، فهذه من خرافاتهم، ولكن نقول كما قال النبي ﵊ لما سأله رجل أين أبي؟ (قال: إن أبي وأباك في النار)، وقوله: (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته بأن أزورها فأذن لي أن أزورها) يعني: أمه ﵊، فالإنسان يكفيه هذا ولا يكثر الكلام؛ مراعاة للنبي ﵌. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩] فهذا من مظاهر أذية اليهود -لعنهم الله- للأنبياء حتى وصل بهم الأمر إلى حد القتل، فقد قتلوا بعض الأنبياء، وهنا آذوا موسى ﵇ الذي يتشدقون بأنه نبيهم، وأنهم يعظمونه ويحبونه، فقد آذوه مراراً، وقاسى منهم الأمرين ﵇ كما حكى الله عنه مخاطباً قومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٥]، فالشر كامن في بني إسرائيل فهم كالذيب، ومن التعذيب تهذيب الذيب، فلو أردت أن تهذب الذيب أو أن تعدل أخلاقه فإنه لا يتعدل ولا يقبل التعديل، وهذا مما يستفاد من قصص القرآن الكريم في شأن اليهود -لعنهم الله- فإن أخلاقهم واحدة في كل جيل، ففيهم نفس اللؤم والغدر، ونقض العهد، والكفر، والمكر، وكراهية الخير للناس، والحسد، فكل هذه الصفات لاصقة فيهم، وغير قابلة للمحو والتغيير من طباعهم.

стр. 2790

تفسير قوله تعالى: (واسألوا ما أنفقتم) قوله ﵎: ((وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ)). أي: إذا ذهبت أزواجكم فلحقن بالمشركين فاطلبوا ما أنفقتم عليهن من الصداق ممن تزوجهن منهم، فلو أن رجلاً مسلماً لحقت امرأته بالمشركين كافرة، وتزوجها أحد المشركين، فإنه يطالب من تزوجها بما أنفق من الصداق. ((ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) أي: هذا الحكم الذي حكم به بين المؤمنين والمشركين في هذا الأمر، فهذا حكم الله الحق الذي لا يعدل عنه.

стр. 2791

تفسير قوله تعالى: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار) يقول تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة:١١]. ((وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ)) أي: وإن ارتدت منكم امرأة فلحقت بالكفار فلم يردوا مهرها: ((فَعَاقَبْتُمْ)) وفيها قراءة أخرى: (فعقبتم)، وقراءة ثالثة: (فعقّبْتم)، وكلاهما بدون ألف ومعناهما: وكانت العقبى لكم بأن غلبتم وانتصرتم عليهم، وبالتالي أخذتم الغنائم. ((فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ)) أي: من الغنيمة التي أخذتموها في هذا القتال، وذلك من رأس الغنيمة قبل التوزيع، فالمراد: أخرجوا الصداق المستحق لزوج تلك المرأة التي فرت إلى المشركين. ((فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ)) يعني: من المسلمين: ((مِثْلَ مَا أَنفَقُوا)) في مهورهن. قال مجاهد: مهر مثلها يدفع إلى زوجها. وقال قتادة: كن إذا فررن من أصحاب النبي ﷺ إلى الكفار -أي: ليس بينهم وبين نبي الله عهد-، فأصاب أصحاب رسول الله ﷺ غنيمة أعطي زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم يقتسمون غنيمتهم. وقوله: ليس بينه وبين نبي الله عهد، إنما اشترط هذا الشرط؛ لأنه لو كان هناك عهد لم تحصل حرب. ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)) يعني: فإن الإيمان به يقتضي أداء أوامره، واجتناب نواهيه ﵎.

стр. 2792

تفسير سورة الممتحنة [١٢ - ١٣]

стр. 2793

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢]. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ قال ابن كثير: يعني: لا يسرقن أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج معسراً في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه؛ عملاً بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير عمله؟ فقال رسول الله ﷺ : كلي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف). وهذا الحديث متفق عليه. وقد قيد الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى هذا الكلام فقال: وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب، ولا يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة، وأخذت منه كانت سارقة تعصي به، وتقطع يدها. إذاً: يحل للمرأة إذا كان زوجها شحيحاً يمسك عليها في النفقة، ولا يعطيها ما يكفيها هي وأولادها، وله مال آخر في درج مفتوح، أن تأخذ ما يكفيها بالمعروف، ولا تزيد على حاجة ما جرت به عادة أمثالها، لكن إذا كان له مال ووضعه في خزانة، وأقفل عليه، أو وضعه في حرز، فإنها إذا أخذت منه في هذه الحالة فهي سارقة؛ لأنها أخذته من الحرز.

стр. 2794

حكم إجهاض الجنين قوله: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ قال الزمخشري: يريد وأد البنات. قال ابن كثير: هذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، فإنها تطرح نفسها لئلا تحبل، إما لغرض فاسد أو ما أشبهه. وهذه المسألة يحصل فيها تساهل؛ لأن الأمور قد اختلطت، وتأثر المسلمون كثيراً بمناهج الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يخشون يوم الحساب، خاصة في قضية الإجهاض، فهنا ابن كثير يقول: إن قوله تعالى: ((وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ)) عام يشمل قتل الطفل بعد وجوده، وهذه الحالة وجدت في أهل الجاهلية، فقد كانوا يقتلون الأولاد خشية الفقر والإملاق، ويشمل قتله وهو جنين، وذلك يكون بعد مضي مائة وعشرين يوماً رحمياً، ويبدأ حساب ذلك من التلقيح. فلو مرت مائة وعشرون يوماً ويوم، ونفخت فيه الروح، فهذا إنسان محترم، وحياته محترمة لا يجوز التعدي عليها، وبعض الناس -لسبب أو لآخر- يتأولون تأويلات غريبة، وذلك كأن يأتي مثلاً بعض الأطباء ممن لا فقه عندهم فيقول: هذا جنين مشوه، ويكون قد نفخت فيه الروح وقد كان في الشهر السادس أو السابع مثلاً، فيقتلونه ويجهضونه رحمة به زعموا، فهذه جريمة قتل؛ لأنه ما دام أنه قد نفخت فيه الروح فقد انتقل من الحياة النباتية إلى الحياة الحيوانية بنفخ الروح، فهذا إنسان له حرمة، والإسلام يأمرنا مع الضعيف أن نرحمه لا أن نقتله، فمثلاً لو كان هناك شخص عنده عاهة من عمى، أو أي عاهة أخرى، فهل تقتله من أجل أن تخفف عنه؟! كذلك نفس الشيء إذا حصل تشوه ولم يكتشف، أو لم يقطع بدون تشويه إلا بعد مضي مدة تزيد على مائة وعشرين يوماً فلا يجوز الإجهاض قولاً واحداً، حتى ولو كان مشوهاً؛ لأن المشوه قد يمكن علاجه. فالطب الآن -بفضل الله قد تطور وتقدم، وهناك حالات كثيرة يتم علاجها، أو التخفيف من آثارها، حتى ولو افترضنا أن الطفل سيخلق -والله تعالى أعلم- متخلفاً عقلياً مثلاً فلا يجوز قتله، فهل كل من عنده تخلف عقلي يقتل؟! وما الفارق بينهما: فهذا حي داخل الرحم، وهذا حي في الخارج؟ لا فرق بينهما في الإسلام، فهذا الجنين له حرمة لا يجوز الاعتداء عليها، وقاتله مجرم آثم قاتل للنفس التي حرم الله ، فلينتبه إلى هذا. أما ما قبل مائة وعشرين، أو قبل الأربعين، فهذه قضية أخرى تخرجنا عن موضوعنا. قوله: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: أي: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. أي أن المرأة تلتقط لقيطاً وتقول للرجل: هذا ابني منك، أو تفحش وتنجب ولداً، فتنسبه لفراش زوجها، فهذا أيضاً مما ينهى عنه. فللمفسرين في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: لا يُلحقن بأزواجهن غير أولادهم. القول الثاني: إنه السحر. القول الثالث: المشي بالنميمة، والسعي بالفساد. ولعل هذه البيعة التي أُخذت على النساء كانت تؤخذ على الرجال كما في بعض الروايات. وقال ابن عباس: ((وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)) أي: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. وأوضحه الزمخشري بقوله: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك. كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً؛ لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وموضع الولادة بين الرجلين. وهذا الأمر في هذه الآية مخالف للزنا. وقال الشهاب في شرح البخاري: لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم، واليد والرجل كناية عن الذات؛ لأن معظم الأفعال بهما، ولذا قيل للمعاقب بجناية قولية: هذا ما كسبت يداك، مع أنه ما فعله بيديه، ولكنه قاله بلسانه، فيعبر عن أفعال الإنسان باليدين؛ باعتبار أن معظم الأفعال تمارس باليدين، أو بالرجلين أحياناً. أو معناه: ((وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)) أي: لا تنشئوا البهتان والافتراء من ضمائركم وقلوبكم؛ لأنه من القلب الذي مقره بين الأيدي والأرجل، والأول كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني كناية عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنياً على الغش الباطني. وقال الخطابي: معناه لا تبهتوا الناس كفاحاً ومواجهة، كما يقال للآمر بحضرتك: إنه بين يديك، ورُدَّ: بأنهم وإن كنوا عن الحاضر بكونه بين يديه فلا يقال: بين أرجله، وهو وارد لو ذكرت الأرجل وحدها، أما مع الأيدي تبعاً فلا، فالمخطئ مخطئ، وهو كناية عن خرق جلباب الحياء والمراد النهي عن القذف ويدخل فيه الكذب والغيبة. قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ يعني: من أمر الله تأمرهن به، وقد شاع عند بعضهم ممن يريد أن يحارب ويحذر من التقليد الأعمى، واتباع أقوال الرجال وتقديمها على الكتاب والسنة، شاع عندهم الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ فإذا كان النبي ﵊ لا يطاع إلا في المعروف فكيف بغيره؟! والمفروض التحرز في التعبير وأن يكون فيه شيء من الدقة؛ حتى لا يفهم الكلام خطأً. فهنا قيد عدم المعصية بكونها في معروف، أي: ما دمت تأمرهن بالمعروف فلا يعصينك، فهذا القيد إنما هو للبيان، والمعنى: ولا يعصينك في معروف، وكل ما تأمر به معروف؛ لأن الرسول ﵊ لا يأمر إلا بالمعروف، ولا يمكن أن يأمر بمعصية، أو منكر معاذ الله وحاشاه ﵊، فالقيد هنا للبيان، ولا مفهوم له، فهو مثل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢] فهذا ليس له مفهوم، ولو قال: (قال رب احكم) لكفى؛ لأن الله لا يحكم إلا بالحق، ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١١٢] فهذا لا مفهوم له، فلا يمكن أن يقتل نبي ويكون قتله بحق، فهذا هو أشقى الناس كما قال ﵊: (أشقى الناس من قتل نبياً أو قتله نبي). إذاً: فهذا القيد للبيان، وليس له مفهوم، فكل ما يأمر به النبي ﷺ معروف، وفيه حياة للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، فكل ما يأمرنا به النبي ﵊ هو حياة لنا، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).

стр. 2795

معنى المعروف في قوله: (ولا يعصينك في معروف) أما كلام المفسرين في المقصود بالمعروف في هذه الآية: ففي صحيح مسلم عن أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: (كان منه النياحة، فكان يأمرنا ألا ننوح)، وجاء في بعض الروايات في كلام ولا ينحن النياحة، ومنها: لا يدعين ويلاً، ولا يخدشن وجهاً، ولا ينشرن شعراً، ولا يسرقن ثوباً. فهذه من أفعال الجاهلية، فلا يجوز لامرأة مسلمة أن تأتي بشيء من هذه الأفعال. (لا يدعين ويلاً) أي: لا يصرخن، وهذا غالباً مما يحصل من المرأة، لأنها عبارة عن كتلة من العاطفة، فإذا لم تحجزها التقوى ورزانة الإيمان الصادق فإنها تخرج عن طورها وتجزع، خاصة عند المصيبة الكبرى التي هي مصيبة الموت، فنجد بعض النساء قد يتلفظن بألفاظ شنيعة ويأتين بأفعال تتنافى مع الإيمان، فكان مما بايعهن عليه الرسول ﵊ أيضاً أن لا يدعين ويلاً، أي: لا تقل يا ويلتاه! (ولا يخدشن وجهاً ولا ينشرن شعراً) نشر الشعر أن تفرق شعرها كأمارة على الجزع من قضاء الله ، وفي معنى نقض الشعر ما يفعل بعض الرجال من إطلاق وإعفاء اللحية عند المصيبة، فترى الرجل يحلق لحيته دائماً، فإذا حصل مصاب عنده من موت قريب له أو حبيب فإنه يعبر عن جزعه بأن يعفي لحيته ولكن لفترة مؤقتة، فنقول: هذا حرام؛ لأنه في معنى النهي عن نشر الشعر، وإن كان يجب عليه أن يعفي لحيته في كل أحواله، لكن الأمر هنا فيه موافقة لهذا الفعل الجاهلي، وهو نشر الشعر عند المصيبة، فالمرأة تنشر شعرها تعبيراً عن الجزع، وهذا يترك لحيته تعبيراً عن الجزع، لذلك فهو في معناه. قوله: (ولا يشققن ثوباً): هذه أيضاً من أفعال الجاهلية. وقيل: ((لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)) يعني: كل ما يأمر به النبي ﵊ من شرائع الإسلام وآدابه. فالمعروف اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله، والإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه. وقوله: ((إِذَا جَاءَكَ)): جملة شرطية، و (إذا) أداة شرط غير عاملة مثل: لو، ولولا، و (جاء) فعل الشرط.

стр. 2796

كيفية مبايعة الرجال والنساء وقد ذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض التنبيهات فقال: روى البخاري عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، فمن أقر بهذه الشروط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك كلاماً، ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك). قال ابن حجر: أي: لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة، يعني: أن عادة الرجال عموماً عند المبايعة؛ سواء كانت هذه المبايعة مع الأمير، أو في البيع والشراء، أو عند توثيق العقود للناس، أن يضع أحدهم يده في يد الآخر، فهذه أمارة على التوثيق وشدة الاتفاق الذي يحصل بين الناس، كما يحصل من بعض المأذونين أثناء العقد من جعل الولي والزوج يصافح أحدهما الآخر، ويقول لكل واحد منهما: انظر إليه، فهذا لا بأس به، ولا ينبغي أن نتحرج منه؛ لأنه نوع من التوثيق، وأما وضع المنديل فلا أعلم له أصلاً، ولا أعرف السر في وضعه. يقول أحد الإخوان هنا: السر في وضع المنديل أنهم كانوا يضعون المهر قل أو كثر في يدهم فيما بينهم، على أنه المهر المسمى بينهم. وعلى أي الأحوال فلا حرج في ذلك على الإطلاق، بل الأمر بالعكس، فإن هذا مما يزيد التوثيق مع أمارات التأكيد كالنظر إليه، فإذا قلت لك: زوجتك ابنتي، فإنك لا تدري إلى أين تنظر، فربما تنظر إلى الناحية الثانية، أو تكون خجلاً، أو تنظر في الأرض، فيأمر المأذون أن تنظر إلى عينيه، وتضع يدك في يده؛ لأن هذا نوع من توثيق العقود بينهم، وحتى البيعة -وهي من هذه الحالات- تكون بالمصافحة، ولذلك احتاجوا إلى ذكر أن بيعة الرسول ﵇ للنساء لم تكن بالمصافحة؛ لأن الأصل أن البيعة تكون بالمصافحة. يقول ابن حجر: أي لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة، ثم قال: وروى النسائي والطبري: (أن أميمة بنت رقيقة أخبرته أنها دخلت في نسوة تبايع فقلن: يا رسول الله! ابسط يدك نصافحك، فقال: إني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكن، فأخذ علينا حتى بلغ: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] فقال: فيما أطقتن واستطعتن، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا). وفي رواية الطبري: (ما قولي لمائة امرأة إلا كقولي لامرأة واحدة). وقد جاء في أخبار أخرى: (أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب) وهذا لم يصح. وجاء كذلك في المغازي لـ ابن إسحاق عن أبان بن صالح: (أنه كان يغمس يده في إناء فيغمسن أيديهن فيه)، وهذا أيضاً ضعيف لم يصح، والمعول على رواية البخاري الأولى؛ لصحتها.

стр. 2797

الأدلة على منع مصافحة النساء وهنا نمر على أدلة هذه المسالة باختصار شديد، وهي مسألة: مصافحة النساء الأجانب، فقد قلنا من قبل: إن المرأة الأجنبية هي كل من عدا المحارم من النساء، والمحارم: أصحاب القرابة الرحمية المحرمية، وهم الذين لا يحل نكاحهم لشدة القرابة، فيكون الرجل منهم محرماً لقريبته في أي سفر كالزوج أو الأب، وكما قلنا من قبل: إن حقيقة المحرم من النساء هي التي يجوز النظر إليها والخلوة بها، والسفر بها، فهي كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمته، سواء المحرمات بالنسب، أو المحرمات بالمصاهرة على التفصيل المعروف. وبعض الناس يسأل ويقول: هل يجوز أن أصافح شقيقة زوجتي؟ فهو يتصور أنه ما دام يحرم عليه الجمع بينهما فهي محرم له يجوز مصافحتها!! والضابط في ذلك: أن كل النساء اللاتي هن محرمات عليك تحريماً مؤقتاً لسن محارماً لك، فزوجة الجار مثلاً محرمة عليك، لكنه تحريم مؤقت، بحيث إذا مات عنها أو طلقها يمكن أن تتزوجها، فالأصل في الفروج التحريم، والأصل أن كل النساء حرام عليك. فيختلط الأمر على بعض الناس أحياناً، ويظن أنه يجوز له أن يصافح أخت زوجته؛ لأنه لا يقدر أن يجمع بينهما. ولا يقال للمرأة إنها محْرم إلا أن يحرم الزواج منها على التأبيد كالأم والأخت والبنت وأم الزوجة والعمات والخالات. أما بالنسبة لأدلة ذلك فمنها: حديث معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس جلد امرأة لا تحل له) يعني: لا يحل له نكاحها، وهذا مجرد مس، ويصدق وصف المس بما كان لغير شهوة، فكيف بما فوقه؟ الدليل الثاني على تحريم مصافحة الأجنبية: قول النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه). متفق عليه. يعني: أن من الناس من يكون زناه حقيقياً، ومنهم من يكون زناه مجازياً وذلك بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد، وقوله: (واليد تزني وزناها البطش) لا يلزم أن يكون معنى البطش الضرب، فالمس يدخل فيه، وذلك بأن يمس امرأة أجنبية. وكذلك هذه الأحاديث التي أشرنا إليها من امتناع النبي ﷺ عن مصافحة النساء حال المبايعة، تقول عائشة: (فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك، كلاماً، ولا والله! ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك)، فإذا كان هذا في حق المعصوم ﵇ فكيف في حق غيره؟ ونساء الأمة في حق الرسول ﵊ محارم، فكيف بمن يخالف في ذلك؟ وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا يملكها) أي: إلا امرأة يملك نكاحها. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان لا يصافح النساء في البيعة). وفي حديث أميمة بنت رقيقة -وأبوها عبد الله بن بجاد، وأمها رقيقة بنت خويلد أخت أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، قالت: (أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه على الإسلام، فقلن: يا رسول الله! نبايعك على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ : فيما استطعتن وأطقتن، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم بنا نبايعك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة)، وفي بعض الروايات: (لا أمس أيدي النساء). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فإذا امتنع عن المصافحة في حال المبايعة التي تقتضي المصافحة فهذا يدل على تحريم ذلك على الأمة بطريق الأولى؛ لأن الرسول ﵊ مشرع لهذه الأمة، ولا شك أن أخف أنواع اللمس هو المصافحة، ومع ذلك امتنع منها النبي ﷺ في الوقت الذي يقتضيها، وهو وقت المبايعة، فهذا يسقط كلام بعض الناس القائلين: إن هذا حكم خاص بالنبي ﷺ ! كيف وهو صاحب العصمة الواجبة، فإذا كان يحل له ذلك فلماذا يحرم على غيره!! وقد سدت الشريعة ذرائع الافتتان، وحرمت هذا المس؛ لأنه قد يكون ذريعة إلى ما حرم الله ؛ لقلة تقوى الله في هذا الزمان، وضياع الأمانة، وعدم التورع والريبة. يقول صاحب مراقي السعود: سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم وبعض الناس يعترضون على ذلك ويقولون: بأن هذه مثل أختك، وهذا مع الصغيرة، وأما مع الكبيرة يقولون: هذه مثل أمك، فيصافح النساء بحجة أن قلبه طاهر، ونيته سليمة. فالجواب عن ذلك: أن الشريعة تمنع الفعل المؤدي إلى الفساد بغض النظر عن نية صاحبه، فهي تنظر إلى مآلات الأفعال، فإذا كان المآل فاسداً كان الفعل المؤدي إليه ممنوعاً، سداً لذريعة الفساد وإن لم يقصد الفاعل الفساد بفعله. فإذا خفي القصد والنية فالراجح عدم اعتبار القول؛ لأن النية أمر غير منضبط، فقولهم عند مصافحة النساء: هذا قلبه سليم! فنقول: وكيف نعرف أن قلبه سليم أو غير سليم؟ فقد يكون قلب أحدهم سليماً، والثاني قلبه مريضاً، وفي هذه الحالة مادام أن هذا الأمر غير منضبط فلابد أن نعتبر المنضبط؛ لأن الشريعة جاءت لكل الناس وليست لطائفة مخصوصة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالباً فإنه يحرمها مطلقاً، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي، لكن الطبع يقضي بإفضائها، فيرجح جانب إفضائها إلى التلذذ بذلك، فيحرم على الإنسان، فهذا الكلام المتعلق بهذه المسألة باختصار. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: روى مسلم عن أم عطية ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] قالت: كان منه النياحة. أي: مما أخذ عليهن العهد به. ولفظ البخاري عنها قالت: (بايعنا رسول الله ﷺ ، فقرأ علي: ((أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا))، ونهانا عن النياحة). وأخرج الطبري بسنده إلى امرأة من المبايعات قالت: (كان مما أخذ علينا ألا نعصيه في شيء من المعروف، ولا نخدش وجهاً، ولا ننشر شعراً، ولا نشق جيباً، ولا ندعو ويلاً). وعن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ : (أخذ عليهن يومئذ ألا ينحن، ولا يحدثن الرجال إلا رجلاً منكن محرماً، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا نبي الله! إن لنا أضيافاً، وإنا نغيب عن نسائنا، فقال: ليس أولئك عنيت). وهذا ليس متصلاً إلى النبي ﵊. وقال ألكيا الهراسي: يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] أنه لا طاعة لأحد في غير المعروف، قال: وأمر النبي ﷺ لم يكن إلا بمعروف، وإنما شرطه في الطاعة لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين. وقد ورد ذلك صريحاً في قول النبي ﵊: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال في هذه الآية: إن رسول الله ﷺ نبيُّه وخيرته من خلقه، ثم لم يستحل له أمر إلا بشرط، فكيف ينبغي لأحد أن يطاع في غير معروف وقد اشترط هذا على نبيه؟! وأعتقد أن الأخبار التي ذكرناها من قبل أضبط، وهي أن هذا القيد للبيان.

стр. 2798

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم) ثم نبه تعالى في آخر السورة بما نبه به في فاتحتها من النهي عن موالاة محاربي الدين؛ تحذيراً من التهاون في ذلك، وزيادة اعتناء به، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) هذه الآية الأخيرة من السورة، وفيها الخطاب بالإيمان: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) ويدخل في هذه الآية حاطب بن أبي بلتعة قبل غيره؛ لأن الله قال في أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] فالخطاب كان لـ حاطب، وقلنا قبل: إن في ذلك إثباتاً لإيمان حاطب رغم ما أتى به حاطب، والمخاطب هنا أيضاً حاطب وغيره. ((لا تَتَوَلَّوْا)) يعني: لا تناصحوهم، فرجع تعالى بقوله وفضله على حاطب، فكما بدأ الآية بالفضل والإكرام لـ حاطب بوصف الإيمان، كذلك ختمها بوصفه بالإيمان. ((قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: سخط عليهم؛ لمعاداتهم الحق، ومحاربتهم الصلاح، ونشرهم للفساد، وهو عام في كل محارب، ومن المفسرين من خصه باليهود؛ لأنه عبر عنهم في غير هذه الآية بالمغضوب عليهم، واقتصر عليه الزمخشري فقال: إن المقصود بقوله: ((لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) اليهود لعنهم الله. قال الناصر: قد كان الزمخشري ذكر في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ [فاطر:١٢] إلى قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر:١٢] إن آخر الآية استطراد، وهو فن من فنون البيان مبوب عليه عند أهله، وآية الممتحنة هذه قد تكون من هذا الفن، فإنه ذم اليهود واستطرد في ذمهم بذم المشركين: ((لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)). فذم اليهود أولاً، ثم استطرد من ذمهم إلى ذم المشركين على نوع حسن من النسبة، ولا يمكن أن يوجد للفصحاء في الاستطراد أحسن ولا أمكن منه، ومما صدروا به هذا الفن، قوله: إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه فليس به بأس وإن كان ذو الجرم وقول حسان: إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت من ذا الحارث بن هشام وقوله: ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام فلما بدأ السورة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١] إلى آخر الآيات، أنهى نفس السورة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] فهي كلها تحيط بالكفار، فهذا كما قلنا: يحتمل أن يكون استطراداً من ذم اليهود إلى ذم المشركين، أو أنه -إذا قلنا إنه في الكفار- من باب رد العجز على الصدر، كما يسمى التصدير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] فذكر كلمة شركاء أولاً ثم رد العجز على الصدر، ومنه قولهم: القتل أنفى للقتل، فهذا من رد العجز على الصدر، ومنه أيضاً قولهم: الحيلة ترك الحيلة، ومنها قول الشاعر: تسير نجوم الدائرات بحكمه وذاك إذا عدت علاه يسير ومنها أيضاً: لقد حاز أنواع الفضائل كلها وأمسى وحيداً في فنون الفضائل ومنها قوله: سألت صروف الدهر حظ مملك فشحت وجادت لي بحظ أديب يقصد بحظ الأديب الفقر، فإن الأدباء يقولون: إن من حكمة الله أننا نجد الشخص الأديب العالم فقيراً، ونجد الجاهل المغرق في الجهل غنياً.

стр. 2799

فائدة في معنى الاستطراد وهنا ننبه تنبيهاً حول الاستطراد، فنقول: الاستطراد هو التعريض بعيب إنسان بذكر عيب غيره لمتعلق، أو نفي عيب عن نفسه لذكر عيب غيره، مثل قول الله : ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم:٤٥] فهنا تعريض بأولئك الذين يسكنون حالياً في مساكنهم، فهذا استطراد، وذلك أنه أتى في حق هؤلاء الذين سكنوها من قبل، مع أن المقصود عين هؤلاء الحاضرين، ومثل قوله تعالى أيضاً: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٣ - ١٤] إلى آخره، فما أحسنه من استطراد! ومثله أيضاً قول الله تعالى: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود:٩٥]. ومنه في الشعر قول السموأل بن عادياء: وإنا لقوم لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول فهو يريد يمدح قبيلته بعيب غيرها. ثم قال: يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول وقال آخر: ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنا لا نخط على النمل فهذه يريد أن يقول أنا لست مجوسياً؛ لأن المجوس يبيحون زواج المحارم والعياذ بالله، ويزعمون أن الرجل منهم إذا تزوج أخته أو بنته فجاءت منه بولد فإن ذلك الولد إذا خط بيده على داء النملة أبرأته، وهذا من ضلالهم وأساطيرهم، فهذا الرجل يذم هؤلاء ويقول: إني أتبرأ من المجوسية، فيقول: ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنا لا نخط على النمل أي: العيب الوحيد فينا أن فينا عرق من قوم كرام من آبائنا. فالاستطراد هو التعريض بعيب إنسان بذكر عيب غيره لمتعلق، والاستطراد في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ))، أنه ورد في ذم اليهود، فاستطرد من ذمهم إلى ذم المشركين.

стр. 2800

معنى قوله: (قوماً غضب الله عليهم) قوله: ((غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: يرى المفسرون أن هذه الآية في ختام هذه السورة كالآية الأولى في أولها، وهذا ما يسمى عوداً على بدأ. قال أبو حيان: لما افتتح هذه السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياء ختمها بمثل ذلك؛ تأكيداً لترك موالاتهم، وتنفيراً للمسلمين عن توليهم، وإلقاء المودة إليهم. وقال ابن كثير: ينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها. قال الشيخ عطية سالم: يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنها لم تكن لمجرد التأكيد للنهي المتقدم، ولكنها تتضمن معنى جليلاً وذلك للآتي: أولاً: أنها نص في قوم غضب الله عليهم، وعلى أنها للتأكيد حملها البعض على العموم؛ لأن كل كافر مغضوب عليه، وحملها البعض على خصوص اليهود؛ لأنه صار وصفاً لهم، وهو قول الحسن وابن زيد، قاله أبو حيان. ومما تقدم للشيخ الشنقيطي في مقدمة (الأضواء): أنه إذا اختلف في تفسير آية وكان أكثر استعمال القرآن لأحد المعنيين فإنه يكون مرجحاً له على الآخر، وهو محقق هنا كما قال الحسن؛ لأن صفة الغضب أصحبت عرفاً على اليهود، فإذا قلنا: أمة الغضب، انصرف الذهن مباشرة إلى اليهود لعنهم الله، فهذا الوصف أصبح من جهة العرف وصفاً لليهود، وقد خصهم الله تعالى بهذا الوصف في عدة آيات مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠] وقال تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]، وقد فرق الله بينهم وبين النصارى في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، وصحت الأحاديث بأن المقصود بالضالين: النصارى، وغير المغضوب عليهم: اليهود. ولو قيل: إنها في اليهود وفي المنافقين لما كان بعيداً؛ لأنه تعالى نص على غضبه على المنافقين في سورة المجادلة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] وعلى هذا فهي تشمل اليهود والمنافقين. والغرض من تخصيصها بهما، وعودة ذكرهما بعد العموم المتقدم في: (عدوي وعدوكم) هو -والله تعالى أعلم- أنه لما نهى أولاً عن موالاة الأعداء، وأمر بتقطيع الأواصر بين ذوي الأرحام، جاء بعدها ما يشيع الأمل فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧]، و ((عَادَيْتُمْ)) عامة باقية على عمومها، ولكن اليهود والمنافقين لم يدخلوا في مدلول (عسى). يعني: لأن احتمال إسلام اليهود نادر جداً، فيكاد أن ينقطع الأمل في إسلامهم، لذلك لو عملت إحصائية في عدد اليهود الذين دخلوا في الإسلام فستجد ذلك نادراً جداً، ولا ننكر وجود ذلك فإن الله على كل شيء قدير، فيصطفي من يشاء من عباده، لكنه نادر، بخلاف النصارى وغيرهم فإن أعداداً ضخمة منهم تدخل في الإسلام. يقول: ولكن اليهود والمنافقين لم يدخلوا في مدلول (عسى) هنا، فنبه تعالى عليهم بخصوصهم في هذه الآية؛ لئلا يطمع المؤمنون أن ينتظروا شيئاً من ذلك، فأيأسهم من موالاتهم ومودتهم، العدم الإيمان الذي هو رابطة الرجاء المتقدم في (عسى) أي: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧] بأن يدخلوا في الإسلام بعد أن قاطعتموهم لوجه الله وصدقتم في ذلك، فالله قادر على أن يكافئكم بأن يهديهم للإسلام فتنقلب المعاداة إلى مودة. فكان الأمر كما أخبر الله ، فقد جعل المودة من بعض المشركين، وذلك أن كثيراً منهم آمن بعد ذلك، ولم يجعلها من المنافقين ولا اليهود، فهي إذاً مؤسسة لمعنى جديد، وليست مؤكدة لما تقدم، والعلم عند الله تعالى. فهذا فيما يتعلق باختيار الشيخ عطية سالم في تفسير هذه الآية.

стр. 2801

معنى قوله: (قد يئسوا من الآخرة) قوله: ((قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)) يعني: قد يئسوا من جزاء الآخرة؛ لأنهم كذبوا بها، ولذلك طغوا وبغوا وعاثوا، فإذا قلنا: إن الذين غضب الله عليهم هم اليهود، فاليهود قد يئسوا من الآخرة؛ لأنهم بتكذيبهم للنبي محمد ﵊ قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير؛ ولذلك طغوا وبغوا وعاثوا. وقوله: ((غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) صفة لـ (قوماً) في محل نصب، وقوله: ((قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)) صفة ثانية. وقيل: ((قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)) يعني: من جزاء الآخرة، ((كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)) أي: كما يئس سلفهم من إخوانهم الكفار المقبورين، يعني: أنهم على شاكلة من قبلهم، وكل مؤاخذ بكفره. وقيل المعنى: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا، وقيل: كلاهما ييئس من جزاء الآخرة. وقيل: إن كلمة (يئس) مرتبطة بحرف (من)، أي: أن الكفار الأحياء يئسوا من أصحاب القبور؛ لأنهم هم الذين يقولون: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فلا آخرة ولا بعث ولا نشور بزعمهم. وعلى القول بأن المعنى: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا، يكون في الآية وضع الظاهر موضع المضمر، أي: قد يئسوا من الآخرة كما يئسوا من أصحاب القبور، لكن آثر المظهر على المضمر فقال: ((كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ))؛ لكي يثبت عليهم صفة الكفر، وأيضاً ليبين لهم ما هو الشيء الذي اقتضى الغضب عليهم، وهو الكفر. وهذا آخر ما تيسر في تفسير سورة الممتحنة.

стр. 2802

تفسير سورة الصف [٥ - ١٤]

стр. 2803

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني) يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]. ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى)) يعني: واذكر لمن يؤذيك من المنافقين ما صنعت بالذين آذوا موسى ﵇. وهنا نذكر بعض الفوائد في التفسير تعيننا على فهم هذه الآيات، منها: قال الله حكاية عن موسى: ((وإذا قال موسى لقومه)) بينما قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الصف:٦]، ولم يقل عيسى: يا قوم! والعلة في ذلك أن عيسى بن مريم ﵇ ليس له في بني إسرائيل نسب من جهة أبيه؛ لأنه لا أب له، وأما موسى فأبوه وأمه من بني إسرائيل. (لم تؤذونني) أي: لم توصلون إلي الأذى بالمخالفة والعصيان لما آمركم به؟ و (قد) هنا على سبيل التحقيق، (تعلمون) أي: وأنتم تعلمون علم اليقين صدقي بما جئتكم به من الرسالة؛ لما شاهدتم من الآيات البينات، ومقتضى علمكم بذلك تعظيمي وطاعتي؛ فمن عرف الله وعظمته عظم رسوله، لأن تعظيم رسوله من تعظيمه. قال ابن كثير: وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، يعني: لست بدعاً من الرسل، ولست أول رسول يؤذى، بل سبقك موسى ﵇، ولهذا قال النبي ﵊: (رحمة الله على موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، وفيه نهي للمؤمنين أن يوصلوا له صلوات الله وسلامه عليه أي أذى كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]. وهنا أنبه على شيء مما يؤذي الرسول ﵊ وهو كثرة الجدال في بعض الأمور فأحياناً بعض الناس يروق لهم فتح بعض الموضوعات وقتلها بحثاً، ويكثر الجدال والسؤال فيها، ونحن لا نقول فيها بخلاف الحق، ولكن يكفي فيها التنبيه، والإنسان لا يخوض أكثر من هذا، فمثلاً مسألة مصير أبوي الرسول ﵊ وأنهما في النار، هذه المسألة دليلها واضح، وهما كلمتان وينتهي الموضوع، وأما كثرة الكلام فيها فقد كرهه بعض العلماء؛ لما فيه من إيذاء رسول الله ﵊. ولا نقول فيها كما يقول الصوفية: إنهما قد أُحييا له فآمنا به ثم ماتا، فإن هذا من خرافات الصوفية، ولكننا نقول كما قال النبي ﵊ لما سأله رجل، أين أبي؟ قال: (إن أبي وأباك في النار) وقوله: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) فالإنسان يكفيه هذا، ولا يخوض ولا يكثر الكلام؛ حتى لا يؤذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 2804

بعض صور إيذاء اليهود لعنهم الله للأنبياء والمؤمنين قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا موسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا)) هذا مظهر من مظاهر أذية اليهود -لعنهم الله- للأنبياء، حتى وصل الأمر إلى حد القتل، فقتلوا بعض الأنبياء، وآذوا موسى ﵇ الذي يتشدقون بأنه نبيهم، وأنهم يعظمونه ويحبونه إلى آخره، وقد لقي موسى ﵇ منهم الأمرين. فالشر كامن في بني إسرايل كمون اللؤم في الذئب، وقد قيل: من التعذيب تهذيب الذيب، فإذا وجدت ذئباً مثلاً فلا تحاول أن تهذبه أو تعدل من أخلاقه، لأنه لا يتعدل، ولا يقبل التعديل أبداً، وهذا مما نستفيده من قصص القرآن الكريم في شأن اليهود لعنهم الله، فالعنصر الجيني والعنصر الوراثي وأخلاقهم واحدة في كل حين، وفيهم نفس اللؤم، ونفس الغدر، ونقض العهود، وكراهية الخير للناس، والحسد؛ فكل هذه الأشياء صفات راسخة فيهم غير قابلة للتغيير، فلا أمل في إصلاحهم، واليهود ليسوا كأي عدو، فيا سوء من ابتلي بعداوة اليهود؛ فإنه قد ابتلي بشيء عظيم جداً. فالمهم أن هذه إحدى صور الإيذاء كما هي واضحة في الآية: ((لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ))، وكذلك ما يفعله اليهود اليوم من أذية المسلمين ويتفننون في ذلك، فقد قامت بعض مصانعهم بكتابة لفظ الجلالة على الأحذية والنعال قبحهم الله، وما أكثر ما يفعلونه استفزازاً مما تتزلزل له الجبال، وترتجف له القلوب، وتندك له الأرض والجبال، ففي بعض المناطق دخل بعض جنودهم المجرمين في أماكن الخلاء، واستنجوا بصفحات من القرآن الكريم، فهذه طباعهم: أذية الله، وأذية الرسل، وحتى موسى ما سلم منهم، وهم يتشدقون بأن موسى هو نبيهم المعظم، وكذلك كثير من أنبيائهم ما سلموا منهم، فافتروا كذباً عليهم، ولا أمل في تغيرهم؛ بدليل أن صفاتهم هي نفسها في كل الأيام لم تتغير. وقد عاتب الله الذين عاصروا منهم النبي ﵊ في المدينة على أشياء فعلها أجدادهم لكنه نسبها إليهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة:٧٢]، لأنها أصيلة في طباعهم، وقد يمكن أن تكون الجينات أو الخريطة الوراثية لليهود مختصة ببعض الصفات الإجرامية، وبالذات التخصص في أذية الله، وأذية رسوله، وأذية المؤمنين. وبسبب نزول قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى)) معروف، وهو ما جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن موسى ﵇ كان حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر موسى هذا التستر إلا من عيب في جلده: إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، فأراد الله أن يبرئه مما قالوا، فخلا يوماً وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه -أي: جرى الحجر بالثوب- فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يضربه ويقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله ، وبرأه الله مما يقولون). فإيذاؤهم له هنا إيذاء شخصي، فإن أذية بني إسرائيل للأنبياء متنوعة وكثيرة وعديدة، فمن ضمن هذه الأذية أذيتهم له في شخصه، وذلك بأن اتهموه أن فيه عيباً جسدياً في الخلقة، وسبب النزول هذا صحيح في آية الأحزاب، لكنه لا يصح هنا في آية الصف: ((يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ))؛ لأن قول موسى ﵇: ((وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)) يشير إلى أن الإيذاء في جانب الرسالة لا في جانبه الشخصي؛ بدليل قوله تعالى بعدها مباشرة: ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)). يعني: فلما زاغو بما آذوا به موسى، فيكون إيذاء قومه له هنا إيذاء زيغ وضلال، وقد آذوه كثيراً في ذلك كما بينه الله ﵎ في قوله عنهم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣]. وطباع اليهود -كما قلنا مراراً- غير قابلة للعلاج؛ لأنها مترسخة فيهم إلا من يشاء الله هدايته منهم؛ ولذلك تجد الذين يسلمون من اليهود قليلين جداً كالكبريت الأحمر، في حين نجد النصارى يدخلون الإسلام بالآلاف، وكذلك غيرهم من أهل الملل الأخرى، أما اليهود فهذا شيء نادر؛ وذلك لشدة قسوة قلوبهم. وقصص اليهود وحكاياتهم لا تنتهي من كثرتها، فتجدهم يتحايلون على بعض الأشياء في شريعتهم، فالنساء اليهوديات في كثير من البلاد خصوصاً في منطقة بروكلين في أمريكا وهذه المنطقة اليهود فيها أقوى من اليهود في فلسطين المحتلة، فتجد أن النساء كلهن يلبسن باروكة من نوع واحد، وذلك لأنهن يحلقن رءوسهن بناء على شيء معين في شريعتهم -والله أعلم- يلزم النساء بالحلق، فيتحيلن عليه بأن يعملن شعرهن بهذه الطريقة، ثم يلبسن فوقه باروكة، وهو أيضاً نوع من التبرج، وقصصهم في ذلك تطول جداً.

стр. 2805

خسة اليهود وغدرهم فاليهود فيهم اللؤم والغدر والخسة والنذالة ونقض العهود، والناس يرون أخلاقهم عياناً الآن، ولا يبعد أن الغربيين جمعوهم في فلسطين كي يتخلصوا من شرهم، ومع ذلك لم يتخلصوا منهم، وقد خطب إبراهام لنكولن رئيس أمريكا السابق خطبة شديدة حذر فيها من اليهود، وقال: إن أمريكا في يوم من الأيام سوف يستعبدها اليهود إن تركتموهم ولم تلتفتوا إليهم. وهذا هتلر أُثر عنه أنه قال: قتلت نصف اليهود، وتركت النصف الثاني؛ لتعرف البشرية لماذا قتلت النصف الأول. لقد ابتلينا بعدو من نوع خاص، وهو من أصعب الأعداء؛ للؤمه وغدره وخسته، وما يحصل الآن مع الفلسطينيين يكشف هذه الخسة وهذه النذالة. يقول الله لهم بعد ما رفع فوقهم الطور: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:٩٣] وانظر إلى الرد: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣]. فأخذ الميثاق عليهم، ورفع الطور فوقهم، وقوله لهم: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا) هذا كله يساوي قول موسى ﵇: (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)؛ لأن (قد) هنا للتحقيق كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٤]، ومع ذلك يؤذونه بقولهم: (سمعنا وعصينا). وقد كانوا يخاطبون نبيهم باسمه: يا موسى! كذا وكذا، وقالوا له أيضاً: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، فقد آذوا سيدنا موسى ﵇ إيذاء عجيباًً، وآذوه عندما أشربوا في قلوبهم حب العجل وعبادته بكفرهم، قال الله عنهم: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا موسى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، وهذه مواساة للرسول ﷺ ، أي: لست أنت أول من يؤذى، فهذا نبيهم قد أوذي منهم. إذاً: الإيذاء المنصوص عليه هنا في سورة الصف: ((يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ))، هو في خصوص الرسالة، ولا مانع من أنهم آذوه بأنواع من الإيذاء في شخصه، كما في آية الأحزاب، وعاقبهم على إيذائه بما أرسل به إليهم لغيظ قلوبهم.
следующие страницы →