← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

القومية والقطرية وأثرهما على المسلمين قال بعض المحققين: في الآية معجزة من معجزات النبوة، وذلك بالإخبار عن غيب وقع في أمم من غير العرب، وذلك أن تلك الأمم التي أسلمت صارت من العرب؛ لأن بلادهم صارت بلاد العرب، ولغتهم صارت لغة العرب، وكذلك دينهم وعاداتهم، حتى أصبحوا من العرب جنساً وديناً ولغة، وحتى صار لفظ العرب يطلق على كل المسلمين من جميع الأجناس؛ لأنهم أمة واحدة، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢]. وهذا كلام طيب وجميل، لكننا ابتلينا فيما بعد بالدعوة للقومية العربية في القرن الأخير، وكان مؤسسو فكرة القومية العربية هم النصارى، وأرادوا بها أن يجمعوا هذه البلاد العربية على رباط آخر غير رابطة الإسلام وهو العروبة، حتى وصل الأمر إلى أقصى درجات الغلو عند الملاحدة الذين ينتمون إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو حزب مشرك كافر بالله وبرسوله وبالأديان، وهذا الحزب يريد أن يقتلع الإسلام ويستبدله بالعروبة. فهم لا يتذكرون الإسلام، ولكن عندهم تعصب للغة العربية، وهذا واضح بالذات في العراق وفي سوريا، ولذلك فإن مستوى اللغة العربية عند السوريين والعراقيين قوي جداً، لكن يحكمهم حزب البعث الذي لا دين له، والعروبة عندهم نوع من التراث، فهم يشيدون بأمجاد العرب وأنهم أمة عظيمة حتى بدون الإسلام، والإسلام عندهم أحد معالم الطريق، لكنه ليس هو المحور الرئيسي، فالكلام على حزب البعث الكافر الملحد يطول، ولا نريد أن نخرج الآن عن التفسير. وقد صار يقصد بالعروبة إشغال الناس برابطة غير رابطة الإسلام، ثم فصل البلاد العربية عن البلاد الإسلامية، فكأن العروبة تضم اليهودي والنصراني وأي ملة أخرى، أما العالم الإسلامي فهو العالم الأوسع، فوضعوا هذه الحواجز بين العرب وبين المسلمين، ولعلكم تلاحظون تأثير هذا التقسيم عند وقوف المسلمين في أي قضية ضد أعدائهم، فتجدون ضعف رد الفعل العربي ورد فعل ما ينسبونه للإسلام، وهذا التفكيك له آثاره المدمرة. وكان بعض هؤلاء إذا أذن المؤذن للصلاة يقفون صفاً يشوشون على الأذان ويقولون: انتقل عني فهذي قيمي أنا ماركسي لينيني دولي وأيضاً كانوا يقولون: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني. ونحن الآن نعاني مما هو أسوأ من العروبة وهو القطرية، فقد كان بين العروبة والإسلام حاجز واحد فقط وهو القومية، لكن حصلت الفرقة أعظم بسبب الدعوات القطرية، فتجد كل قطر يدعو إلى الأمن القومي الخاص به، وكل بلدة لها علمها، ولها نشيدها، فالمصريون يفخرون بالفراعنة، واللبنانيون بالفينيقيين، والعراقيون بالآشوريين، وكل بلد تدندن حول قوميتها الوطنية الخاصة بها. فهذا من التفكيك، فمع بغضنا للقومية العربية، لكن نرى أنها بلاء أخف من بلاء القطرية، لأن القطرية حصل بها ضعف أكثر للمسلمين، وبعد عن الرابطة الإسلامية. لقد كان المسلمون قديماً إذا دخلوا بلداً صبغوها بالهوية الإسلامية، وكانت أهم هذه الملامح اصطباغهم باللغة العربية، وهذه من نعمة الله علينا. هناك ارتباط وثيق جداً بين الإسلام واللغة العربية، وكل من أراد أن يحارب الإسلام لا بد أن يحارب اللغة العربية. السؤال المحير هو: الدولة العثمانية التركية التي حكمت العالم الإسلامي عدة قرون، كيف لم تصطبغ باللغة العربية، ولم يحصل فيها تعريب للحروف التركية قبل أتاتورك؟ ربما لأن الدولة العثمانية ما أعطيت فرصة لتستريح أبداً، الدولة العثمانية كانت في حال جهاد دائم لا ينقطع، وكان هناك حوالي مائة مشروع لتفتيتها والقضاء عليها، فربما كان هذا السبب في أنهم ما التفتوا لعملية التعريب، وللأسف هذه مأساة، ولذلك انتهت العربية بمجرد إلغاء الحروف العربية واستبدالها باللاتينية على يد أتاتورك، حتى وجد من لم يستطع أن يقرأ في المصحف، ولم يستطع التعامل مع مراد الفقه والشريعة.

стр. 2837

معنى حديث: (لو كان الإيمان في الثريا) روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣] قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأله مرةً أو مرتين أو ثلاثاً، قال: وفينا سلمان الفارسي، قال: فوضع النبي ﷺ يده على سلمان ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء) أي: من قوم سلمان الفارسي. وفي رواية: (لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس، أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله)، وهذا لفظ مسلم. في هذا الحديث إشارة إلى أنهم سيدخلون في الإسلام ويعز الله بهم الإسلام، فالعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. إن من بدع التفسير وخرافاته ما حاول بعض المساكين الجهلة أن يحمل الآية وهذا الحديث على الخميني، وأنه هو الرجل الذي لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس، ولا حول ولا قوة إلا بالله! حملوه على عدو الإسلام وعدو الله ورسوله وعدو أهل السنة، الخميني الهائج الضال المنحرف، هذا من الإغراق في الجهل. مثل هذه التفسيرات فيها تحريف لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وهذا الحديث يجب أن يحمل على العلماء والأئمة من أهل فارس كـ أبي حنيفة فهناك عشرات من العلماء بل مئات من الأئمة الحفاظ الذين حرسوا هذا الدين وحفظوه من أهل فارس، فلم تركتم هؤلاء جميعاً وتمسكتم بهذا الضال المجرم الخميني؟!

стр. 2838

تفسير قوله تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤]. فقوله: (هو الذي بعث في الأميين) أي: العرب وبالذات قريش. (وآخرين منهم) وهم العجم، مع أن قريشاً هي أشرف القبائل، والله شرفها من حيث النسب، وشرف من عداهم بأن ألحقهم بهم. وقوله تعالى: (ذلك فضل الله) أي: أنه فضل من الله حيث ألحق العجم بالعرب. (يؤتيه من يشاء) أي: من حيث نوعية الأجناس، فلا شك أن أفضل جنس هو الجنس العربي، كما ورد في الحديث: (إن الله اصطفى إبراهيم، واصطفى من ولد إبراهيم ﵇ إسماعيل، واصطفى من إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار). فأفضل الجنس هو الجنس العربي؛ لأن الله اختصه بأن أخرج منه محمداً ﷺ ، فمثل هذا لا يجعلنا نعتقد الاعتقاد العنصري، فليست العبرة بمجرد هذا النسب، وإنما العبرة أساساً بالعمل الصالح والإيمان. وإخواننا الذين في مجاهل أفريقية أو في شرق آسيا أو الهند، أو غيرها من البلاد كبلدان الجمهوريات السوفيتية السابقة إذا رأوا واحداً من العرب يقبلون رأسه ويديه ويقبلون قدمه، ويقولون له: أنت عربي من بلاد العفاف والطهر، وهذا من شدة تعظيمهم للعرب؛ لأنهم يعتبرونهم من نسل الرسول ﷺ قوله: (ذلك فضل الله) قيل: الإسلام. وقيل: الوحي والنبوة وقيل: الفضل المالي الذي يلحق بالطاعة، وهؤلاء الذين ذهبوا إلى هذا القول اعتمدوا على حديث رواه الإمام مسلم بسنده، عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة. قال أبو هريرة: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، فقول النبي ﵊ في الفصل بينهما (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، كان السبب الذي جعل بعض المفسرين يفسر الآية بأن المراد منها هو الأموال. وقيل: (إن فضل الله) هو الانقياد التام إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته. يقول القاسمي: (ذلك فضل الله) أي: بعثته تعالى رسولاً في الأميين وفي الآخرين فضل تفضل به على من اصطفاه واختاره لذلك: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]. والآيات هذه فيها ردٌ على من أنكر نبوته من يهود المدينة الذين استنكفوا واستكبروا وحسدوا العرب كيف يخرج منهم نبي؟! وقد كانوا يعرفون أن هناك نبياً سوف يظهر، فلما عرفوا أنه من نسل إسماعيل وليس من بني إسرائيل حسدوا المسلمين وحسدوا النبي صلى الله وسلم على ذلك، فأنكروا نبوة النبي ﵊ حسداً وعناداً، مع أن لديهم من شواهد رسالته في كتبهم ما لا ترتاب أفئدتهم معه في صدق هذه النبوة، ولذلك جاء في الآية التالية مباشرة النعي عليهم لمخالفتهم موجب علمهم، فإن علمهم يوجب عليهم أن ينقادوا ويؤمنوا بالنبي ﵊، فقال تعالى: (ذلك) أي: النبوة. (فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

стр. 2839

تفسير قوله تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها) قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥]. قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي: أن اليهود لم يعملوا ولم ينقادوا للبشارة ببعثة النبي محمدٍ ﷺ ، فنعى عليهم مخالفتهم لموجب علمهم، فإن علمهم بالتوراة يوجب عليهم أن يؤمنوا بمحمد ﵊، إلا أنهم مع علمهم بذلك جحدوا وحسدوا، وبغوا وعاندوا، وأبوا الانقياد لنبوته ﵊. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ جملة (يحمل أسفاراً) في محل نصب حال. أي: كحال الحمار الذي يحمل أسفاراً، والأسفار جمع سفر، وهو الكتاب الكبير؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال الزمخشري: شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به، ولم يؤمنوا به ﵊، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، أي: كتباً كباراً من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. أي: أن الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زنبيل! ولا يفقه شيئاً مما يحمله، وهكذا اليهود مثل الحمار، لكونهم لم ينتفعوا بالتوراة التي أرشدتهم إلى اتباع النبي ﷺ . بعض الناس يشتم إنساناً بأنه حمار أو كلب أو خنزير فنقول: لا يجوز وصف الإنسان بهذه الصفات؛ لأنه كذب، فهو ليس بكلب، لأن خلقته خلقة إنسان، فلا يجوز لك أن تقول له: هو كلب أو حمار، ولأن المسلم ينبغي ألا يكون فاحشاً ولا متفحشاً في كلامه، أما استدلالهم بهذه الآية فخطأ بين؛ لأن الآية ورد فيها أداة تشبيه، فلم يقل الله لليهود: أنتم حمير، وإنما قال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥] تشبيه صورة بصورة، وقال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] فهنا تشبيه وليس وصفاً له بأنه كلب. فمثل هذا لا يستعمل حتى مع اليهود أنفسهم أو النصارى. فكيف يجوز أو يسوغ للإنسان أن يصف واحداً من العلماء أو الدعاة بهذه الصفات؟! لقد وجدنا بعض من ينسبون إلى العلم يذم بعض العلماء المخالفين له في المنهج، وقد يكون هذا العالم المنتَقَد عنده أخطاء فادحة ومشهور بالتسيب في فتاواه الفقهية، لكن الواجب نصيحته بالحسنى وبالأدلة الشرعية، والرد عليه واجب، ولا نقول: إنه يجامل ويغض الطرف عن أخطائه، لكن أن يقوم أحد العلماء ويؤلف كتاباً باسم (إسكات الكلب العاوي فلان ابن فلان) فالله المستعان، إذا كان الله لم يقل لليهود: أنتم حمير، وإنما قال: ((كَمَثَلِ الْحِمَارِ)) وقال: في الأعراف: ((كَمَثَلِ الْكَلْبِ)) ولم يصفه مباشرة بهذا الوصف، فكيف يجوز لمن يدعي أنه ينسب إلى العلم أن يفعل هذا بحق عالم من علماء المسلمين، وإن أخطأ أخطاء فادحة في اختياراته الفقهية. ثم يقول الزمخشري: وكل من علم ولم يعمل بعلمه، فهذا مثله وبئس المثل! ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد ﷺ . ومعنى: (حملوا التوراة) أي: كلفوا علمها والعمل بها. (ثم لم يحملوها) أي: ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل. يقول تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام:٩١] أي: علمتم فلم تعملوا بما علمتم به. وفي شأن يعقوب ﵇ قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] أي: لذو عمل لما علمناه. قال الجرجاني في قوله تعالى: ((حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ)): هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي: ضمنوا أحكام التوراة. يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: قاس من حمّله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك ولم يحمله، فهو كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل وإن كان قد ضُرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته، يقول الشاعر: زوامل للأشعار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر قال يحيى بن اليمان: يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب. ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بآيات ربهم ﵎. وقيل في تفسيرها: والله لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون كافراً. يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن أكثر المفسرين يجعله -يعني: التشبيه في هذه الآية- من قبيل التشبيه المفرد، وأن وجه الشبه فيه مفرد، وهو عدم الانتفاع بالمحمول، كالبيت الذي فيه: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول ثم يقول: والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه من قبيل التشبيه التمثيلي؛ لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتباً نافعة. إذاً: الفرق بين التشبيه في البيت الشعري وبين التشبيه في الآية هو أن العير في الصحراء القاحلة يقتلها الظمأ، مع أنها حاملة فوق ظهرها ماء. فإذا شربت من هذا الماء فإنها تنتفع، لكن الحمار لا يمكن أن يقرأ ما في الأسفار، فضلاً عن أن ينتفع به؟! علينا أن نستبعد أن يكون التشبيه الذي في الآية كالذي في هذا البيت. يقول: أولاً: والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه من قبيل التشبيه التمثيلي؛ لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتباً نافعة. ثانياً: كون الحامل لها حماراً لا علاقة له بها، بخلاف العيس؛ لأن العيس يمكن أن تنتفع بالماء لو حصلت عليه، والحمار لا ينتفع بالأسفار ولو نشرت بين عينيه. وفيها إشارة إلى أن من موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل بالكلية أنهم وصلوا إلى حد الإياس من انتفاعهم بتمام التدبر والعمل، حتى صاروا مثل الحمار يحمل أسفاراً، لا أمل في أن يفقهوا عن الله، أو أن يحملوا أمانة الله، وأن يبلغوا دين الله وأن يعملوا به، فمن ثم نقلها الله إلى قوم هم أحق بها، وأحق بالقيام بها وهم العرب من ذرية إسماعيل ﵇.

стр. 2840

تفسير سورة الجمعة [٦ - ١١]

стр. 2841

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم) يقول الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦]. لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] ولو دخلنا النار: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] أي: مدة عبادة آبائهم العجل وهي أربعون يوماً. وقالوا أيضاً: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، اختبرهم الله وامتحنهم؛ ليبينوا صدق هذه الدعوى، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. هذا رد على عنصريتهم وزعمهم أنهم شعب الله المختار، وأن كل من عداهم من البشر خلقوا كالحمير ليسخرها الله لهم، وقد خطب أحد كبار حاخامات اليهود خطبة وشتم فيها كلينتون بأقبح الشتائم وقال: إنه فاجر وفاسق وعربيد، وإنه فعل كذا وكذا من الأشياء المعروفة عن كلينتون، فعوتب على ذلك وحصل رد فعل شديد يقول: إن كلينتون خدم إسرائيل، فقال: أنا أقر وأعترف بأنه فعل ذلك خدمة لدولة إسرائيل، لكن هذا لأن الله سخره ليخدم شعب الله المختار. إذاً: عقيدتهم أن كل الدول الأخرى يجب أن تكون خدماً لإسرائيل. فالشاهد: أن الله وضعهم في هذا الاختبار لما ادعوا هذه الفضائل كلها. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: كان اليهود يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، فقيل لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم وعلى ثقة من أمركم، فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى الآخرة، فإن الحبيب يتمنى لقاء من يحب ولا يفر منه، ويود أن يستريح من كرب الدنيا وغمومها، ويطير إلى روح الجنان ونعيمها. فرق بين عقيدة الإنسان وبين إقدامه وشجاعته، فهو يتصف بصفتين: الصبر واليقين، مادام عندهم إيمان بأن لهم الجنة عند الله سبحانه تعالى، فهذا لا شك أنه سيكون له أثر في الإقدام والتضحية في الجهاد؛ لأن المؤمن لو ضرب بصاروخ ونسفه نسفاً، فهو لن يحس قطعاً بألم هذا الانفجار أو الوخز أو الطعنة إلا كلسع نحلة أو بعوضة، ويكون بذلك قد تجاوز الامتحان ونجح؛ لأنه يعلم أن الشهيد تغفر له ذنوبه عند أول دفعة من دمه كما قال النبي ﵊: (إن السيف محاء للخطايا). ففيه تأييد من الله وضمان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهْ﴾ [التوبة:١١١] وكذلك وصفها الله بأنها تجارة: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] فإذاً اليقين بما بعد الموت من الثواب العظيم الذي أعده الله لمن يقتل في سبيله هو الذي يجعل المرء يطلب الاستشهاد، وهو الذي يجعل الموت أحب إليه من الحياة. وقلنا من قبل: إن هذا هو اللغز المحير، وأعداء الإسلام لم يستطيعوا أن يستوعبوه حتى الآن، فاليهود يقولون: نحن أتينا إلى هذه الأرض لكي نعيش، أما هؤلاء فهم يقاتلون لكي يموتوا، فلذلك يستغربون من الإقدام والشجاعة الناشئة عن اليقين، فيكون اليقين أولاً ثم يأتي بعده الصبر والإقدام والشجاعة. أما تمني الموت وحبه فإنه يرتبط بما يكون عند الإنسان من الفطرة والجبلة، فتراه يكره الموت، وقد سماه الله مصيبة، وقال الرسول ﵊: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة: كلنا يكره الموت -أي: كراهية فطرية جبلية- فقال: إن العبد المؤمن إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة أتته ملائكة) إلى آخر الحديث المعروف. فإذا كان عند الإنسان يقين قوي تنكشف له الحجب، كأن يرى الجنة ويرى الحور العين ويرى النعيم المقيم، ويعلم يقيناً أن ذنوبه سوف تمحى عند الله: (إن للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويأمن الفزع الأكبر، ويجار من عذاب القبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه)، كل هذا مضمون إذا بذل نفسه في سبيل الله. الإنسان مهما عاش فإنه سوف يموت، فلماذا لا يختار أشرف موتة؟! وجود اليقين بما بعد الموت هو الذي يجعل الإنسان يبذل روحه في سبيل الله. أما الخوف من الموت فإن الإنسان يخاف من لقاء الله ومحاسبته له على ما فعل، فإذاً: هناك ارتباط بين اعتقاده بالفارق بين الدنيا والآخرة، فإذا كان الإنسان قد خرب الدنيا وعمّر الآخرة فإنه يحب الانتقال من الخراب إلى العمران؛ لكن إذا كان قد عمّر الدنيا وخرّب الآخرة فهو يخاف الانتقال من العمران إلى الخراب، فلذلك كان هذا الارتباط في غاية الدقة وفي غاية القوة والمصداقية.

стр. 2842

تفسير قوله تعالى: (ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم) يقول الله تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٧]. ((وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم)) أي: بسبب المعاصي والسيئات والكفر، وأعظم الكفر الذي وقعوا فيه هو ما أسلفوه من تكذيب النبي محمدٍ ﷺ ، جاء في بعض الأحاديث: (أنهم لو تمنو الموت لماتوا)، فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوا أنهم أولياء لله وأحباء الله ﵎. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) أي: سيجازيهم على أعمالهم، وتقدم في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٤ - ٩٥] ففي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي ﷺ ، حيث إنهم لم يتمنوا الموت ولم يستجيبوا لهذا التحدي.

стр. 2843

تفسير قوله تعالى: (قل إن الموت الذي تفرون منه) قال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. (قل إن الموت الذي تفرون منه) أي: الذي تخافون أن تتمنوه بألسنتكم مخافة أن يصيبكم فتقهروا بأعمالكم. (فإنه ملاقيكم) لا مفر من الموت، يقول زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أن يرقى السماء بسلم وقال طرفة: وكفى بالموت فاعلم واعظاً لمن الموت عليه قد قدر فاذكر الموت وحاذر ذكره إن في الموت لذي اللب عبر كل شيء سوف يلقى حتفه في مقام أو على ظهر سفر والمنايا حوله ترصده ليس ينجيه من الموت الحذر قوله: (قل إن الموت الذي تفرون منه) أي: الذي إن فررتم منه، (فإنه ملاقيكم) فكلمة: (الذي) مع إنها اسم موصول لكنها تضمنت معنى الشرط والجزاء، فقوله: (فإنه ملاقيكم) فيه مبالغة للدلالة على أنه لا ينفع الفرار من الموت. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: من الأعمال حسنها وسيئها فيجازيكم عليها. وقوله: ((فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ)) مثل قول الله ﵎: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ)) أي: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء لله وأبناء الله وأحباؤه دون غيركم من الناس فتمنوا الموت؛ لأن ولي الله حقاً يتمنى لقاءه والإسراع إلى ما أعد له من النعيم المقيم. يقول: هذا الزعم المجمل هنا: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ)) بينه بقوله عن اليهود وعن النصارى حين قالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فرد الله عليهم هذا الزعم بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨]. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة:٩٤ - ٩٥]، وقيل: المراد بقوله تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)) أي: تعالوا نباهلكم حتى يظهر الله الكاذب من الفريقين، والمراد من الآية إظهار كذب اليهود في دعواهم أنهم أولياء لله. وقوله تعالى: ((إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ)) ثم قال: ((إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) شرطان يترتب الآخر منهما على الأول، أي: فتمنوا الموت إن صدقتم في زعمكم، ونظيره في كلام العرب قول الشاعر: إن تستغيثوا بنا إن ترعووا تجدوا منا معاقل عز زانها كرم إذاً: اليهود لا يتمنون الموت أبداً، وهذا معروف عن اليهود، فشيمتهم التشبث الشديد بالحياة وحب المال، والسبب في عدم تمنيهم الموت هو ما قدمت أيديهم، لكن لم يبين هنا في هذه السورة ما هو الذي قدمته أيديهم، والذي حال دون تمني الموت هو شدة حرصهم على الحياة، كما بينه قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] لعلمهم أنهم إذا ماتوا دخلوا النار، ولو تمنوا لماتوا من حينهم. ((بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)) هذه الباء سببية، والمسبب انتفاء تمنيهم. ومن هذه الأسباب كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١] والذين قالوا هذا القول الكفري هم اليهود. فبسبب هذه المذكورات لم يتمنوا الموت، بل هم كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦] فهم قد أيقنوا بالهلاك ويئسوا من الآخرة، قال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] أي: أن هؤلاء اليهود آيسون من رحمة الله، ولذلك لم يتمنوا أن ينتقلوا إلى الدار الآخرة. ((لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) الغضب يكاد يكون عَلماً على اليهود، وقال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] وهم اليهود كما جاء في الحديث الصحيح، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وهم النصارى. فغضب الله من خصائص اليهود؛ لأنهم أحق الناس بصفة الغضب، وهم الأمة المغضوب عليهم.

стр. 2844

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي) يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]. هذا الموضع يتعلق بتفسير آيات الأحكام، أحكام الأذان وأحكام يوم الجمعة وصلاة الجمعة، وقد سبق أن درسناه بالتفصيل في الفقه، لكن من أراد التفصيل فليرجع إلى كتب تفسير آيات الأحكام. قوله: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)) (من) هنا بمعنى: (في) كما في قول الله ﵎: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٠] أي: أروني ماذا خلقوا في الأرض. وقيل: إن (من) في قوله: ((مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)) تبعيضية. لقد ربط الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى بين صلاة الجمعة وبين الحج حيث يقول: هذه الآية الكريمة وهذا السياق يشبه في مدلوله وصورته قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨] وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. ففي كلٍ منهما نداء للصلاة، ففي الجمعة قال: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)) وفي الحج قال: ((وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)) كلاهما أذان وإعلان وأذان الحج فيه صلاة وسعي وذكر لله ثم انتشار وإفاضة، ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهذا مما يربط الجمعة بالحج في الشكل وإن اختلفا في الكيف. وهذا أيضاً مما يجعل مباحث الجمعة لا تقل أهميةً عن مباحث الحج، وتتطلب عناية بها كالعناية به، ومن هنا فصل الشيخ عطية سالم الكلام في أحكام الجمعة، اقتداءً بشيخه الشنقيطي، فإنه في الجزء الخامس لما شرح تفسير سورة الحج توسع في أحكام الحج، وهو حوالي ثلاثمائة وخمس وخمسين صفحة كلها في فقه الحج، ما عدا مائة واثني عشر صفحة في أحكام صلاة الجمعة، فهو رابط بينهما لوجود وجه الشبه بين الحج وصلاة الجمعة. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)) أي: عند جلوس الإمام على المنبر؛ لأنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ نداءٌ سِواه، كان إذا جلس على المنبر أذن بلال رضي الله تعالى عنه. ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) ذكر الله الخطبة والصلاة؛ لأن الخطبة والصلاة هما المؤكدتان في ذلك. ((وَذَرُوا الْبَيْعَ)) أي: ذروا البيع في ذلك الوقت. قال أبو مالك: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير فيشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة يوم الجمعة ولا يقومون، فنزلت: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ)). قوله: ((ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)) أي: سعيكم للصلاة وترك البيع خير لكم مما نفعه يسير وربحه فائض. ((مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)) أي: من الصلاة في يوم الجمعة. ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)) لقد منع الله من البيع عند صلاة الجمعة، وحرمه في وقتها على من كان مخاطباً بفرضها، بخلاف من تسقط عنهم صلاة الجمعة كالمسافر والصبي والمرأة والمريض. البيع يطلق على الشراء أيضاً فلذلك اكتفى الله بذكر أحدهما: ((وَذَرُوا الْبَيْعَ)) مثل قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] أي: وتقيكم البرد؛ وخص البيع لأن أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، لأن المشتري لا بد له من بائع، فإذا سُد المنبع ومُنع البائع من أن يبيع، فالمشتري لن يجد أحداً يشتري منه. ((وَذَرُوا الْبَيْعَ)) هذا أمر بالترك وهو أقوى من النهي، أي: أقوى من أن يقال: (لا تبيعوا) وهو مثل قوله تعالى في الخمر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] وهو أقوى من قوله: (لا تشربوه). في هذه الآية أوضح دليل يُرد به على من يُلبس الشيطان عليهم بانشغالهم بأمر الرزق، وبما يزعمونه من أن العمل عبادة، مثلما يقول أحدهم: نحن في عبادة والعمل عبادة، فيضيعون الصلاة احتجاجاً بالرزق. هذه الآية تأمر أمراً واضحاً بترك السعي للرزق إذا جاء وقت الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: اتجروا واربحوا كما تشاءون، فمثلها أيضاً قوله تعالى في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] إلى آخره، فهذا أيضاً مما يبطل الدعوى في الانشغال بالرزق عن الصلاة، فأشار الله إلى أن الانشغال بالصلاة هو أحد أسباب إدرار الزرق كما في سورة طه يقول تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].

стр. 2845

معنى السعي في قوله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) اُختلف في المقصود بقوله ﵎: ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)). فالسعي يطلق على أمور عدة: الأول: أن السعي يأتي بمعنى القصد. قال الحسن في تفسير هذه الآية: والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية. القول الثاني في تفسير السعي: أن المقصود بالسعي العمل، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وقال زهير: سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم أي: أن هناك رجلين من قبيلة غيظ بن مرة سعيا في تحصيل الديات فعملا عملاً حسناً، لكن بعد أن قام ناس فقتلوا قتيلاً فحصل بينهم تصدع في القبيلة، فسعى هذان الرجلان من قبيلة غيظ بن مرة في جمع الديات حتى لا يحصل تصدع بين الناس وقتال. وقال الشاعر أيضاً: إن أجز علقمة بن سعد سعيه لا أجزه ببلاء يوم واحد يعني: أن أفضاله عليه لا يمكن أن يوفيها. المعنى الثالث من معاني السعي: المشي على الأقدام المنافي للركوب، وذلك له فضل، ذكر البخاري (أن أبا عبس بن جبر ﵁ مشى إلى الجمعة راجلاً على قدميه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) إذاًَ: الأفضل أن يخرج العبد المسلم إلى الصلاة ماشياً؛ استدلالاً بهذا الحديث. فالسعي هنا بمعنى المشي على الرجلين مخالف للركوب. المعنى الرابع من معاني السعي: الجري السريع والاشتداد، فهذا هو أحد معاني كلمة السعي، لكنه غير مراد هنا، ولذلك قال المفسرون: وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون، وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية: (فامضوا إلى ذكر الله) وهذه قراءة تفسيرية. وقال ابن مسعود: (لو قرأت: (فاسعوا) لسعيت حتى يسقط ردائي). وهذا كله تفسير منهم لا قراءة قرآن منزل، وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير والتعليم والإفهام، فتكون قراءة مفسرة، وليس معنى ذلك أنها أوحيت إلى النبي ﵊. وكذلك قال الشاعر: أسعى على جل بني مالك كل امرئ في شأنه ساعي يسعى عليهم يعني: ينفق عليهم. ومما يدل على أنه ليس المراد بالسعي هنا العدو حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فقوله ﷺ الله عليه وسلم: (فلا تأتوها وأنتم تسعون) أي: لا تأتوها بالجري، فهذا منهي عنه إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا كان قريباً من المسجد وسمع إقامة الصلاة، فهنا يجري كي يدرك تكبيرة الإحرام. وقال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك. فجمع مع السعي بالقلب القصد والعمل. هذا فيما يتعلق بمعنى قوله تعالى: ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)). مسألة: كره بعض السلف التفرغ عن العمل يوم الجمعة، ورأى بعضهم أن في ذلك تشبه باليهود؛ لأن العمل يوم الجمعة فيه التزام بالأمر هنا، كما في قوله سبحانه: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠].

стр. 2846

تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة) قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠]. قوله: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ)) أي: إذا أديت وفُرغَ منها. ((فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) الأمر هنا في قوله: (فَانتَشِرُوا) ظاهره الوجوب، لكن هناك قرائن تفيد الإباحة، وهي أنه جاء بعد نهي، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] بعد النهي عن الصيد في حال الإحرام أتت الإباحة. قوله: ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) قال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن كان كثير التسبيح. ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) أي: اذكروا أمره ودينه وشرعهُ دائماً، لتصير ملكة لكم تظهر آثارها على أعمالكم وأخلاقكم، فتفلحوا بسعادة الدارين. وقال ابن جرير: أي: اذكروه بالحمد له، والشكر على ما أنعم به عليكم من التوفيق بأداء فرائضه لتفلحوا، فتدركوا طلباتكم عند ربكم، وتصلوا إلى الخلد في جنانه.

стр. 2847

تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١]. ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً)) سبب نزولها: أنه كان بأهل المدينة فاقة وحاجة، فأقبلت عير من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً. ((أَوْ لَهْوًا)) أي: ما تلهو به النفس عن الحق والجد النافع. ((انفَضُّوا إِلَيْهَا)) أي: أسرعوا إلى التجارة خشية أن يسبقوا إليها وإنما أوثر ضميرها فقال: ((انفَضُّوا إِلَيْهَا)) ولم يقل: (انفضوا إليهما) ولا قال: (انفضوا إليه)؛ لأن التجارة هي الأساس، أما اللهو فهو شيء تابع. يقول الشيخ عطية سالم ﵀: في عود الضمير على التجارة وحدها مغايرة لذكر اللهو معها. قال الزمخشري: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر قراءة أخرى: (انفضوا إليه) بعود الضمير إلى اللهو، وهذا التوجيه قد يسوغ لغة كما في قول نابغة ذيبان: وقد أراني ونعماً لاهيين بها والدهر والعيش لم يهمم بإمرار فهنا ذكر الدهر والعيش وأعاد عليهما ضميراً منفرداً؛ اكتفاء بأحدهما عن الآخر للعلم به، وهو كما قال ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز أي: وحذف ما يعلم من السياق جائز. فلم يقل: (يهمّا)، فهو كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] أي: تقي الحر وتقي البرد، فاكتفى بذكر أحدهما لدلالته على الآخر. لكن المقام هنا خلاف ذلك، وقد قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى عن هذه الآية في دفع إيهام الاضطراب: لا يخفى أن أصل مرجع الضمير هو الأحد الدائر بين التجارة واللهو. أي: أن الضمير يعود إلى أحد الأمرين التجارة أو اللهو. قال: بدلالة لفظة (أو) على ذلك. أي: فإنه قال: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا)) أي: إذا رأوا أحد الأمرين. قال: ولكن الضمير رجع إلى التجارة وحدها دون اللهو، فبينه وبين مفسره بعض منافاة في الجملة. و الجواب أن التجارة أهم من اللهو، وأقوى سبباً في الانفضاض عن النبي ﷺ ؛ لأنهم انفضوا من أجل العير، واللهو كان من أجل قدومها. مع أن اللغة يجوز فيها رجوع الضمير لأحد المذكورين قبله، أما في العطف بـ (أو) فواضح، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء:١١٢]، وأما (الواو) فهو فيها كثير مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا﴾ [البقرة:٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء:١١٢] الخطيئة والإثم متساويان في النهي والعصيان. وكذلك قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] فالصبر هو حبس النفس على الطاعة، والصلاة هي جزء من الصبر، ووجود الأخف يقتضي وجود الأعم؛ لأن الصلاة وسيلة للصبر: (وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة). كذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة:٣٤] فالضمير في قوله: (ولا ينفقونها) عائد على الفضة؛ لأن كنز الفضة أكثر، وصورة الكنز حاصلة فيها بصفة أوسع لدى كثير من الناس، فكان توجيه الخطاب إليهم بها أولى، والقيمة النقدية للفضة أقل والذهب أعظم، فكأن هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى، فكأنه أشمل وأعم وأشد تخويفاً للناس! أما الآية هنا فإن التوجيه الذي وجهه الشيخ رحمه الله تعالى لعود الضمير على التجارة، فإنه في السياق ما يدل عليه، وذلك في قوله تعالى بعدها: ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)) فذكر السببين المتقدمين لانفضاضهم عنه ﷺ ، ثم عقبه بقوله تعالى، بالتذييل المشعر بأن التجارة هي الأصل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] والرزق ثمرة التجارة. ونقل أبو حيان عن ابن عطية: تأمل إن قدمت التجارة على اللهو في الرؤيا؛ لأنها أهم، وأُخرت مع التفضيل؛ لتقع في النفس أولاً على الأبين. يريد بقوله: (في الرؤيا) قوله: ((وَإِذَا رَأَوْا)) وبقوله: (مع التفضيل) قوله: ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)) أي: لأن اللهو أبين في الظهور. يقول: والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أنه عند التفضيل ذكر اللهو للواقع فقط؛ لأن اللهو لا خير فيه مطلقاً فليس محلاً للمفاضلة، وأخر التجارة لتكون أقرب للرزق؛ لارتباطهما معاً؛ لأن التجارة من الأصلح كونها عند الله خيراً من اللهو. فلو قدمت التجارة هنا لكان ذكر اللهو فاصلاً بينها، فلو قال: (قل ما عند الله خير من التجارة ومن اللهو والله خير الرازقين). لكان أنسب أن تؤخر التجارة حتى تكون ملتصقة بما هو مرتبط بها وهو الرزق. وقال الشهاب في قوله تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً)): كما قلنا إنها التجارة. ((أو لهواً)) أي: ما تلهو به النفس عن الحق والجد والنفع. ((انفَضُّوا إِلَيْهَا)) أي: أسرعوا إلى التجارة خشية أن يسبقوا إليها، وإنما أوثر ضميرها لأنها الأهم والمقصود. ((وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)) على المنبر. ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ)) أي: من الثواب المرجو بسماع الخطبة والعظة بها. ((خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ))؛ لأن الثواب مخلد نفعه، بخلاف ما يتوهمونه من التجارة فثوابها نافذ. وقال الشهاب أيضاً: وتقديم اللهو؛ لأنه أقوى مذمة، فناسب تقديمه في مقام الذم. ((وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ويرزق من يكفر به ويجحده، فهو يعطي من سأل ويبتدئ بالإعطاء من لا يسأل، وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته ويقدر على خدمته، ويقبل على خدمته، حتى الذي يعطي شخصاً فقيراً صدقات مثلاً فهو يعطيه هذه النفقة لأجل منفعة، وهي أنه يقصد بذلك الثواب والأجر في الآخرة، أما الله فهو الغني الحميد، والله غني عن عباده، فقوله تعالى: ((وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) أي: اعملوا الأعمال الباقية عنده، فإنها خير من الأمور الفانية عندكم، وفوضوا أمر الرزق إليه بالتوكل والثقة بفضله فإنه خير الرازقين.

стр. 2848

تنبيهات وأحكام تؤخذ من سورة الجمعة التنبيه الأول: قد عرفنا الارتباط الموضوعي بين الآيات في الجزء الأول من السورة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٢ - ٤]، ثم قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ [الجمعة:٥] وتكلمنا عن الارتباط بين هذه وبين ما قبلها: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥] إلى قوله ﵎: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا))، ثم قال تعالى بعد قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة:٨] إلى آخر الآية، ثم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)). يقول الرازي: وجه تعلق آية الجمعة بما قبلها، هو أن الذين هادوا يفرون من الموت بمتاع الدنيا وطيباتها، والذين آمنوا يبيعون ويشرون بمتاع الدنيا وطيباتها كذلك، فنبههم الله تعالى بقوله: ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) إلى ما ينفعهم في الآخرة وهو حضور الجمعة؛ لأن الدنيا وما فيها فانية، والآخرة وما فيها باقية، قال تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]. ووجه آخر في التعلق، قال بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم بقوله: ((فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ))، وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وافتخروا بالسبت وأن ليس للمسلمين مثله فشرع الله للمسلمين يوم الجمعة. قال المهايمي في وجه المناسبة: بيَّن تعالى أن مقتضى الإيمان الاجتماع على الخير، لاسيما الشكر على الإنسانية؛ لئلا تنقلب حمارية أو بهيمية، في مقابلة اجتماع أهل الكتاب على الشر الذي جرهم إلى الحمارية أو البهيمية. التنبيه الثاني: وقال السيوطي في الإكليل في قوله تعالى: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)): فوائد الآية باختصار: مشروعية صلاة الجمعة والأذان لها، والسعي إليها، وتحريم البيع بعد الأذان، واستدل بالآية من قال: إنما يجب إتيان الجمعة على من كان يسمع فيها النداء، واستدل بها من قال: لا يحتاج إلى إذن السلطان؛ لأنه تعالى أوجب السعي ولم يشترط إذن أحد، ومن قال: لا تجب على النساء لعدم دخولهن في خطاب الذكور. وقال في الإكليل في قوله تعالى: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)) فيها إباحة الانتشار عقب الصلاة فيستفاد منه تقديم الخطبة عليها. ونحن نعرف أن صلاة الجمعة لابد لها من خطبة، والدليل على وجوب الخطبة من السورة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] لولا أن حضور الخطبة والإنصات إليها واجب، لما عاب الله تركهم للخطبة؛ لأن قوله: ((وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)) أي: قائماً في حال الخطبة. وأيضاً يؤخذ من هذا: أن الأصل في الإمام أن يخطب خطبة الجمعة قائماً. كذلك يؤخذ منها: تقديم الخطبة على الصلاة، بدليل قوله تعالى: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)) بخلاف صلاة العيد فإن الخطبة تأتي بعد الصلاة. في الجمعة تكون الخطبة أولاً ثم الصلاة ثم الانتشار، وهذا هو الذي يفهم من الآية: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: يفهم أن الخطبة تكون مقدمة على الصلاة؛ لأنه لا يشرع بعد أدائها صلاة ما، غير أنه ﷺ كان يتنفل بعدها في بيته ركعتين أو أربعاً، وأما اعتقاد فرضية الظهر بعدها إذا تعددت فتعصب مذهبي لا برهان له. يقول القاسمي: الحاجة في هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة، إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ولا يمكنهم إقامة جمعة واحدة أصلاً، إلا أن خروجها إلى حد أن لا فرق بينها وبين بقية الصلوات في كثير من المساجد الصغيرة، التي لم تشيد لمثلها قد هول فيه السبكي في فتاوية؛ لأنه مما تأباه مشروعيتها وما مضى عليه عمل القرون الثلاثة، بل تسميتها جمعة على وزن وصيغة (فُعلة) في اللغة للمبالغة، وبالجملة فالجوامع الكبار التي تؤمها الأقوام يوم الجمعة، ويحتاج لإقامتها فيها حاجة بينة لمجاوريها، هي التي لا خلاف في جوازها مهما تعددت والتي لا تعاد الظهر بعدها. التنبيه قبل الأخير: يدل قوله تعالى: ((وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) على عدم مشروعية تعطيل يوم الجمعة، ففيه تعريض بمجانبة التشبه بأهل الكتاب في تعطيل يومي السبت والأحد، والأصل أن كل ما لم ينص عليه الكتاب الحكيم ولا الهدي النبوي فهو تشريع ما لم يأذن به الله، وإذا رفع الله بفضله عنا الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا، فما بالنا نستدرها إلينا بالأسباب الضعيفة، اللهم غفراً. إذاً: التحذير من التشبه باليهود أو بالنصارى وبالذات اليهود في موضوع يوم السبت؛ لأن بعض المسلمين قد يلزم نفسه بأشياء أو يمتنع عن فعل أشياء يوم الجمعة تعظيماً ليوم الجمعة، مثلاً: بعض النساء قد تمتنع من غسيل الملابس أو تنظيف البيت يوم الجمعة، فهذا فيه تشبه باليهود الذين يمتنعون عن الأعمال يوم السبت، ويجعلون ذلك من تعظيم يوم السبت، فمن ثم استحب بعض العلماء الشروع في التجارة والعمل عقب صلاة الجمعة مباشرة؛ امتثالاً لقوله تعالى: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)). التنبيه الأخير: قال في الإكليل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١]: يؤخذ منه مشروعية الخطبة والقيام فيها واشتراط الجماعة في الصلاة، وسماعهم الخطبة، وتحريم الانفضاض، وفي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (قدمت عير مرة المدينة ورسول الله ﷺ يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً، فنزلت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١]). وروى ابن جرير عن جابر قال: (كان الجواري إذا نكحوا يمرون بالكبر والمزامير ويتركون النبي ﷺ قائماً على المنبر وينفضون إليها، فأنزل الله تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا))). هذا آخر ما تيسر في تفسير سورة الجمعة، والله أعلم.

стр. 2849

تفسير سورة التغابن [١ - ٧]

стр. 2850

تفسير قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك) سورة التغابن هي السورة الرابعة والستون، وآيها ثماني عشرة. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: هي مكية على ما يظهر من أمثالها من السور، أي: موضوع هذه السورة وسياقها يستأنس به في كونها سورة مكية؛ لأنها تشبه نظائرها من السور المكية، وقيل: مدنية. قال الله : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]. قوله تعالى: ((يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ)) أي: له ملك السماوات والأرض ونفوذ الأمر فيهما. قوله: ((وَلَهُ الْحَمْدُ)) أي: له الثناء الجميل؛ لأنه مُولي النعم وموجدها.

стр. 2851

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢] أي: هو الذي انفرد بإيجادكم في أحسن تقويم قابل للكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك فمنكم مختار للكفر جاحد للحق كاسب له على خلاف ما تستدعيه خلقته، ومنكم مختار للإيمان كاسب له حسبما تقتضيه خلقته، وكان الواجب عليكم جميعاً أن تكونوا مختارين للإيمان شاكرين لنعمة الخلق والإيجاد وما يتفرع عليها من سائر النعم، فالله يخلقكم على الفطرة السوية فطرة التوحيد ومع ذلك منكم كافر ومنكم مؤمن، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه، بل تشعبتم شعباً وتفرقتم فرقاً. قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)) هنا قدم الكافر لأنه الأكثر، قال : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فتقديم الكفر باعتبار أن أغلب الناس على هذا الكفر، وأيضاً تقديم الكفر هو الأنسب لمقام التوبيخ. قوله: ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) أي: سيجازيكم به فآثروا ما ينفعكم، وجانبوا ما يهلككم. قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)) إن الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ويعيدهم في يوم القيامة مؤمناً وكافراً. وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعلم أهل الجنة فيدخلها) خرجه البخاري والترمذي، وليس فيه ذكر الباع. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم، فيجري ما علم وأراد وحكم. لأنه لا يقع في هذا الوجود إلا ما سبق به علم الله وقضاؤه وقدره، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال من وقت أن يكلف إلى أن يموت فيثبته على الإيمان، ومنهم من يريد إيمانه إلى وقت معلوم ثم والعياذ بالله بعد ذلك ينتكس عن ذلك، كذلك الكفر منهم من يشاء الله أن يخلقه كافراً على وجه العموم، حتى إنه يقضي عمره كله في الكفر، ومنهم من يريده كافراً إلى وقت قد قضاه الله . فقوله: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)) مثل قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣]. وقيل: في الكلام محذوف تقديره: فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق، فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه. يعني: يفهم من السياق أيضاً أن من الناس من يكون فاسقاً مؤمناً مرتكباً للكبائر أو المعاصي، وهذا القول قاله الحسن، وقال غيره: لا حذف؛ لأن المقصود ذكر الطرفين: الكافر والمؤمن، أما ما بينهما فما قصد الإشارة إليه في هذه الآية الكريمة. وقال جماعة من أهل العلم: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، قالوا: وتمام الكلام: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ)) فتقف ثم تبدأ وتقول: ((فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ))، وهذا كقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور:٤٥] قالوا: فالله خلقهم والمشي هو فعلهم. وهناك تفسير لقوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)) أنه إشارة إلى فعل الله فقط، وأنه هو الذي خلقكم وجعل منكم كافراً وجعل منكم مؤمناً، وهذا على أن الإنسان هو الذي شاء ذلك الكفر والإيمان، أما على القول الآخر: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ)) ففيه إثبات لحقيقة أن منكم من يكفر ومنكم من يؤمن، فالكلام هنا على فعل المخلوقين، مثل قوله ﵎: ((وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)) وانتهى الكلام، ثم يقول تعالى: ((فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ)) فأعاد الكلام على فعل هذا المخلوق، فالله خلقهم والمشي فعلهم، ونفس هنا المعنى في هذه الآية واختاره الحسين بن القاضي وقال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله تعالى: ((فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ))، واحتجوا بقول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). إذاً: لا يوجد تعارض بين التفسير الأول وبين هذا الحديث؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة، لكن من الناس من يشاء الله أنه بعد التكليف يكون كافراً، ومنهم من يشاء الله أن يكون مؤمناً، وما المقصود بالفطرة؟ المقصود بها التوحيد والإسلام، أي أن كل مولود يولد على الإسلام، وعنده الاستعداد لتقبل الحق، وليس أنه يولد فقيهاً أو حافظاً للقرآن، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] فالمقصود هنا الاستعداد لدين الحق، فالأصل هو التوحيد ثم يأتي الشرك ويطرأ عليه بعد ذلك لسبب من الأسباب، وقد أشار النبي ﷺ لأخطر سبب من هذه الأسباب -وهو تأثير البيئة على الأولاد- فقال ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وقال الضحاك: فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر كافر في العلانية كـ عمار وذويه، ممن تلفظ بكلمة الكفر بسبب الإكراه. وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب، وهذا إشارة إلى الحديث الذي فيه أنهم أصبحوا وقد نزل المطر من السماء، فقال النبي ﵊ للصحابة: (قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) فـ عطاء بن أبي رباح فسر الآية بهذا الحديث. وقال الزجاج: وهو أحسن الأقوال، لكن الذي عليه الأئمة والجمهور من الأمة: أن الله خلق الكافر وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان، والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه؛ لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجب لكل واحد منهما غير الذي قدر عليه وعلمه منه؛ لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، ولا يليقان بالله ﵎، وفي هذا من التوسط لفهم عقيدة القضاء والقدر سلامة من بدعة الجبرية الذين يسلبون العبد إرادته، وبدعة القدرية الذين ينفون القدر السابق، فالحق وسط بين الأمرين: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]؛ لأن الله لو قدر وقوع الكفر من فلان ثم وقع خلاف الذي قدره الله فهذا عجز لا يليق بالله ، وكذلك إذا علم الله وقوع الإيمان من شخص ثم وقع الكفر من هذا الذي علم الله منه أنه مؤمن ووقع خلاف المعلوم فهذا جهل لا يليق بالله ، يقول الشاعر: يا ناظراً في الدين ما الأمر لا قدر صح ولا جبر لا مذهب الجبرية صحيح ولا مذهب القدرية، وإنما الحق وسط بين الطرفين. قال سيلان: قدم أعرابي البصرة فقيل له: ما تقول في القدر؟ فقال: أمر تغالت فيه الظنون، واختلف فيه المختلفون، فالواجب أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه ﵎. قضية القضاء والقدر من أخطر القضايا؛ لأنها سدس الإيمان، فهي أحد أركان الإيمان الستة، وأركان الإيمان هي: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله . إذاً: لا ينجو الإنسان ولا يصح له الإيمان حتى يؤمن بقضاء الله وقدره ﵎. وقضية القضاء والقدر ليس كما يتصورها بعض الناس أنها عقد جلسات للجدل والمماراة كما يحصل من بعض الشباب، وكل واحد يدلي بدلوه بحسب اجتهاده، هذا يقول: الإنسان مخير، والآخر يقول: هو مسير، وكأن الموضوع متروك لاجتهادات الناس! كلا، فالإيمان بالقدر هو الركن الركين من أركان العقيدة الإسلامية، وقد أنزل الله على نبيه ﵊ نصوصاً من القرآن تبين لنا ما الذي يجب أن نؤمن به في القضاء والقدر، وهذه الحقائق التي اشتملت عليها هذه النصوص لا سبيل إلى اكتشافها بالعقل، فلم يبق إلا أن يوحى إلينا عن طريق الوحي الصادق بهذه الحقائق الغيبية بالنسبة إلينا، فمثلاً: آية الميثاق هذه من الأمور المتعلقة بالخوض في القضاء والقدر وهي قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] إلى آخره، فهذا أمر غيبي، لا يمكن أبداً للعقل أن يصل إليه، والإيمان بهذا الأمر وهذا التقدير أمر في غاية الأهمية، كذلك أنواع التقدير وأنواع الإرادة ونحو ذلك يجب أن نتعلمه بالتلقي

стр. 2852

تفسير قوله تعالى: (خلق السموات والأرض بالحق) يقول ﵎: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن:٣]. قوله: ((خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ)) أي: بالحكمة البالغة التي ترشد إلى المصالح الدينية والدنيوية. وقال القرطبي: أي: خلقها حقاً يقيناً لا ريب فيه، وقيل: (الباء) بمعنى (اللام) في قوله: (بِالْحَقِّ) أي: للحق. ما هو هذا الحق؟ هو أن يجزي الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. قوله: ((وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)) أي: حيث برأكم في أحسن تقويم كما قال ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]؛ وذلك أنه تعالى جعل الإنسان معتدل القامة على أحسن هيئة، وهذه بلا شك من معاني خلق الإنسان في أحسن تقويم، فإذا قارنت الإنسان بغيره من الدواب والمخلوقات لوجدت هذا التكريم العظيم، أولاً في الهيئة والصورة، فلا يوجد مخلوق هو أحسن هيئة من الإنسان؛ لأن من المخلوقات من يزحف على بطنه، ومن يمشي على أربع، أما الإنسان فهو المختص بأنه يمشي على رجلين معتدل القامة بقدرة الله ﵎. وآتاه نعمة العقل الفارقة بين الإنسان وبين الحيوان، فهذا أيضاً من خلق الإنسان في أحسن تقويم. وآتاه قوة النطق حتى إنهم ليقولون: الإنسان حيوان ناطق. كذلك آتاه قوة التصرف في المخلوقات بحيث سخرها الله له. كذلك القدرة على أنواع الصناعات، فالإنسان عنده من الطاقات والقدرات ما جعله الله بها قادراً على تسخير ما في الأرض لصالحه، وهذا هو المعنى الأقرب، وإن كان بعض العلماء قالوا: ((وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: صور أباكم آدم ﵇ وخلقه بيده كرامة له، لكن القول الأقرب أنه خلق جميع الخلائق وجعل الإنسان أحسن الحيوانات كلها وأبهاها صورة، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، هل يوجد إنسان يتمنى أن يكون سمكة أو عصفواً أو قرداً أو حصاناً؟ يستنكف الإنسان من ذلك، فهذا دليل على أن الله كرمه قال : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، والمخلوقات كلها مسخرة من أجل هذا الإنسان، وهذا دليل على أن الله خلقه في أحسن صورة وفي أحسن تقويم، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكس كالحيوانات التي تمشي على أربع أو غير ذلك، كما قال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، فمن خلقه الله في أحسن تقويم هل يليق أن يزعم الزاعمون الكذابون أن الإنسان والشمبانزي (القرد) ينحدران من أصل واحد كما يزعم الضال داروين ومن تابعه؟ لا يمكن أبداً، وهذا الكلام لا يقوله إلا ملحد، أما نحن فقد علمنا حقيقة خلقنا بالوحي، فالله أخبرنا عن هذا الغيب؛ لأنا لم نر آدم ﵇، وإنما كان آدم يعرف ربه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣] أي: كان آدم وحواء يعرفان الله، وكانا على التوحيد، وكانا على أكمل صورة، وآدم كان نبياً كما جاء في الحديث، أما هؤلاء الملاحدة فإنهم يصورون ما يسمونه بالإنسان الأول على أنه أقرب ما يكون من القردة، ومن ثم يترقى كذا وكذا! فهذا مما يتصادم صراحة مع قول الله ﵎: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]. قوله: ((وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) أي: المرجع فيجازي كلاً بعمله.

стр. 2853

تفسير قوله تعالى: (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون) قال الله : ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن:٤] أي: أنه عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء. قوله: ((وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) أي: يعلم خفايا الصدور وما تنطوي عليه. وقوله: ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) فيه تقرير لأول الآية وهي قوله: ((يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ))؛ لأنه إذا علم السرائر وخفايا الضمائر لن يخفى عليه خافية من جميع الكائنات. قال الزمخشري: نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور؛ أن شيئاً من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه. فالله لا يخفى عليه شيء على الإطلاق، ويعلم تفاصيل وجزئيات كل ما في الوجود. ثم قال: فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد. أي: فتكرار صفة العلم فيها نوع من تكرار الوعيد، وأنه سوف يحاسبكم على ما يعلمه منكم. ثم قال: وكل ما ذكره بعد قوله تعالى: ((فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)) كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته. فقوله: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) فيها وعيد بأنه سوف يجازيهم، كذلك قوله: ((خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) هذه نعمة الخلق وتقتضي الشكر، وبالتالي يعاقب من كفر، وقوله: ((يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) هذه فيها معنى الوعيد.

стр. 2854

تفسير قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل) قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التغابن:٥] أي: ألم يأتكم معشر الكفرة الفجرة، وقيل الخطاب لقريش: ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط. ((فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ)) أي: من عذاب الاستئصال، والوبال الثقل والشدة المترتبة على أمر من الأمور. قوله: ((أَمْرِهِمْ)) أي: كفرهم، وعبر عنه بذلك؛ للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة. قوله: ((وَلَهُمْ)) أي: في الآخرة ((عَذَابٌ أَلِيمٌ)).

стр. 2855

تفسير قوله تعالى: ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦]. قوله: ((ذلك)) تعليل، أي ذلك المذكور من ذوقهم وبال أمرهم في الدنيا وما أعد لهم من عذاب الأخرى؛ بسبب أنه أتتهم رسلهم بالواضحات من الأدلة على حقيقة ما يدعونهم إليه فنبذوها واتبعوا أهواءهم، واستهزءوا برسلهم وقالوا: ((أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)). قال ابن جرير: قالوا ذلك استكباراً منهم أن تكون رسل الله إليهم بشراً مثلهم، واستكباراً عن اتباع الحق من أجل أن بشراً مثلهم دعاهم إليه! وهذه الشبهة طالما احتج بها الكفار، وقد اقترحوا نزول الملائكة حيث زعموا أن البشرية تتعارض مع الرسالة، وقالوا: كيف يكون بشراً رسولاً وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق مثلنا؟! لكن الله قال لهم: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام:٨] يعني: أن الملك لا ينزل إلا بالعذاب والاستئصال، وقال لهم: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩] يعني: الملك إما أن يأتيهم في صورة غير صورتهم، فهم لن يطيقوا رؤية صورته، أو يأتي في صورة بشر فيلتبس عليهم الأمر من جديد، أو يأتيهم الملك في صورته الحقيقة ولن يكون ذلك إلا إذا نزل للعذاب. وقال تعالى هنا: ((فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)) بالجمع ولم يقل: أبشر يهدينا؛ لأن البشر وإن كان يطلق على واحد فإنه بمعنى الجمع، ولذلك قال: ((يَهْدُونَنَا)). قوله: ((فَكَفَرُوا)) أي: بالحق والدين والرسول، أي: كفروا بهذا القول إذ قالوه استكباراً، ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده، وقيل: كفروا بالرسول وتولوا عن البرهان وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. قوله: ((وتولوا)) أي: عن التدبر في الآيات البينات. قوله: ((وَاسْتَغْنَى اللَّهُ)) أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا غناه تعالى لما فعل ذلك، إذاً: الله هو الغني الحميد، وهو في كل حال مستغن عن عباده. وقيل في قوله: ((وَاسْتَغْنَى اللَّهُ)): أي: استغنى الله مما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية. وقيل: يجوز أن يكون حالاً بتقدير (قد) أي: وقد استغنى الله بكماله وذاته عرفوا أو لم يعرفوا. قوله: ((وَاللَّهُ غَنِيٌّ)) أي: بذاته عن العالمين، فإذا كان غنياً عن العالمين فهو غني بالأولى عن إيمانهم؛ لأنه لا يتوقف كمال من كمالاته عليهم، ولا على معرفتهم له. قوله: ((حَمِيدٌ)) أي: يحمده كل مخلوق، أو هو حميد مستحق للحمد بنفسه وإن لم يحمده حامد؛ لأن واقع كل مخلوق أنه يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله.

стр. 2856

تفسير قوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) قال ﵎: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. قوله: ((زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا)) أي: ظنوا، والزعم هو القول بالظن، قال شريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب (زعموا). وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب، ثم عمت كل كافر. ((زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا)) قل يا محمد: ((بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ)) أي: لتخرجن من قبوركم أحياء. ((ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ)) أي: تخبرن بأعمالكم. ((وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) إذ الإعادة أسهل من الابتداء، وقد تكلمنا في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] وقلنا: إن الله يخاطبنا على قدر عقولنا، إذا القدرة في حقنا نحن أن إعادة الشيء أسهل من القدرة على ابتدائه، وهذا أمر معروف في طاقة وعلوم البشر وفي إمكاناتهم.

стр. 2857

تفسير سورة التغابن [١٤ - ١٨]

стр. 2858

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:١٤]. إن قعود الشيطان للإنسان يكون بوجهين: أحدهما: يكون بالوسوسة. الثاني: أن يسلط على هذا الإنسان الزوجة أو الولد أو الصاحب. إذاً: الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان، وقعد له في طريق الهجرة، وقعد له في طريق الجهاد، وقلنا: إما أن يوسوس مباشرة في قلب الإنسان، وإما أن يسلط عليه نواباً يوصلون هذه الرسائل المثبطة إلى قلبه، كالزوجة أو الولد، يقول تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥] وفي حكمة عيسى ﵇: (من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان للدنيا عبداً). وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة -وهي كساء أسود مربع له أعلام وخطوط-، تعس عبد القطيفة -وهي بساط له أهداب-، تعس وانتكس -يعني: هلك وانتكس حيث عاوده المرض كما بدأ به، أو انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة-، وإذا شيك -أي: إذا أصابته شوكة- فلا انتقش -أي: لم تخرج شوكته بالمنقاش-). لا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم، ولا همة أخس من همة ترتفع بثوب جديد! يقول القرطبي: كما أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدواً، كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدواً. أي: أن المرأة قد تكون هي الضحية؛ لأن كلمة أزواجكم في قوله: ((إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)) عامة يدخل فيها الذكر والأنثى. قوله: ((فاحذروهم)) الحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، أو لضرر في الدين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله سبحانه العبد بذلك وأنذره منه. عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)) قال: (كان رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم فلما أتوا رسول الله ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله : ((وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))). وقال مجاهد في الآية: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم.

стр. 2859

تفسير قوله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥] نجد أن هناك قاسماً مشتركاً بين الفتنة والعداوة في الآيتين، والقاسم المشترك هم الأولاد، ففي الآية الأولى قال ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)) وهنا قال في هذه الآية: ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ))، فالأولاد قاسم مشترك يدل على أن هذه الفتنه من نوع خاص، حيث يخاف منها أكثر مما يخاف من غيرها. قوله: ((فِتْنَةٌ)) أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب المحرم ومنع حق الله تعالى، فلا تطيعوهم في معصية الله، وقد جاء في بعض الآثار: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: أكل عيالُه حسناته). والعيال كلمة عربية فصيحة يدخل فيها كل من يعوله الإنسان، يدخل فيها الزوجة والأولاد وكل من يعولهم وينفق عليهم. يقول بعض السلف: العيال سوس الطاعات. يعني: كما أن السوس يأتي إلى لوح الخشب وينخر فيه حتى يضيع وينهار فكذلك الطاعات قد يفسدها الافتتان بالأولاد. وقال القتيبي: في قوله تعالى: ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)): أي: إغرام، يقال: فتن الرجل بالمرأة أي أغرم بها، وقيل: فتنه محنه، ومنه قول الشاعر: لقد فتن الناس في دينهم وخلا ابن عفان شراً طويلاً وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة؛ فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. أي: ما من إنسان إلا وهو مبتلى، كما قال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وقال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، وقال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] فالإنسان في هذه الحياة كلها مفتون ومبتلى. وقال الحسن: في قوله تعالى: ((إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)): أدخل (من) -وهي للتبعيض- لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر (من) في قوله تعالى: ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)) لأن الأولاد والمال لا يخلوان من الفتنة وانشغال القلب بهما. وكيف نجمع بين قول ابن مسعود وبين الدعاء المأثور: (أعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)؟ ونقول: في هذه الحالة أنت لا تقصد بتعوذك من الفتن أصل الابتلاء؛ لأن الابتلاء لا ينفك عن الإنسان، ولا يصح أن تقول مثلاً: اللهم لا توردني على جهنم! هذا لا يليق، وليس من الأدب، وليس من فقه الدعاء أن تدعو بشيء قطع بأنه كائن؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] لم يبق أحد من الخلق إلا ويرد على النار. فكذلك إذا قصدت بالدعاء التعوذ من الفتنة التي بمعنى الابتلاء فهذا لن يقع، ولذلك لما جاء خباب بن الأرت يشكو إلى النبي ﷺ ما لقوا من أذى قريش صبرهم، قال خباب: (أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟) فالرسول ﷺ عدل عن الدعاء بعدم البلاء إلى تعزيتهم وتسليتهم، بما جرى لمن قبلهم، وبين لهم أن هذه سنة ماضية لا تتخلف. فإذا تعوذت من الفتنة عموماً فيكون تعوذك من الفتنة التي تضلك في دينك، أما الفتنة التي هي بمعنى الاختبار، فالحياة كلها اختبار، ولا يبقى أحد أبداً بدون فتنة اختبار وامتحان؛ لأن الإنسان مبتلى إما بنعمة وإما بنقمة أو مصيبة، كما قال النبي ﵊: (إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً إذا ذُكِّر ذكر)، وكما قال الراهب للغلام: (إنك خير مني وإنك ستبتلى)، وكما قال ورقة بن نوفل للرسول ﵊: (هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيه جذعاً، يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟! قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) فانظر إلى هذه القاعدة: (لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا أوذي)، فهذه سنة الله ماضية، ولذلك الشافعي لما قال له الرجل: أيهما خير للإنسان أن يمكن أو أن يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى. فهذه سنة ماضية، يقول الله : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] إلى آخر الآيات، فالشاهد أنك إن تعوذت من الفتنة مطلقاً فيكون قصدك مضلات الفتن كما قال ابن مسعود وليس أصل الاختبار والابتلاء؛ لأنه لا يوجد أحد لا يبتلى ولا يختبر، حتى ولو كان مغموراً بنعم الله؛ لأن النعم كلها -مثل: العافية- فتنة واختبار وامتحان، هل يشكر أم يكفر. قوله: ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)). روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (رأيت النبي ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين ﵉ وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل النبي ﷺ فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال صدق الله : ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما، ثم أخذ في خطبته ﷺ . قوله: ((وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) أي: الجنة، فهي الغاية ولا أجر أعظم منها. وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً) ولا شك أن الرضا غاية الآمال، يقول بعض الشعراء: امتحن الله به خلقه فالنار والجنة في قبضته فهجره أعظم من ناره ووصله أطيب من جنته يقول القاسمي في قوله تعالى: ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)): أي تفتتن بهما النفس، ويجري عليها البلاء بهما إذا أوثرا على محبة الحق. يعني المنهي عنه ليس هو محبة الأموال والأولاد، وإنما الفتنة المحظورة هي التي تقود إلى طاعتهم في معصية الله، أو الانشغال بهم عن حقوق الله ﵎. قوله: ((وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) أي: لمن آثر طاعة الله ومحبته عليهما. روى ابن جرير عن الضحاك قال: كان هناك أناس من قبائل العرب كان يسلم الرجل أو النفر من الحي، فيخرجون من عشائرهم ويدعون أزواجهم وأولادهم وآباءهم؛ عامدين إلى النبي ﷺ ، فتقوم عشائرهم وأزواجهم وأولادهم وآباؤهم فيناشدونهم الله ألا يفارقوهم ولا يؤثروا عليهم غيرهم، فمنهم من يرق ويرجع إليهم، ومنهم من يمضي حتى يلحق بنبي الله ﷺ . عن مجاهد قال: يحمل الرجل ماله وولده على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه.

стр. 2860

تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن:١٦] أي: اتقوا الله جهدكم ووسعكم. قوله: ((وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)) أي: افهموا هذه الأوامر واعملوا بها. قوله: ((وَأَنفِقُوا)) أي: أموالكم التي ابتلاكم الله بها في مراضيه. قوله: ((خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ)) أي: اقصدوا في الأموال والأولاد ما هو خير لكم. فقوله: ((خيراً)) مفعول به، كقوله: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء:١٧١] وتقديره: يكن الإنفاق خيراً لكم، وقيل: أنفقوا أموالكم لتستنقذوا أنفسكم من عذاب الله. والخير في هذا الموضع يشمل كل خير، ويدخل فيه المال بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: لحب المال لشديد، وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] أي: إن ترك مالاً. فهذا يدل على أن المال لا يذم لذاته؛ لأن المال هو وسيلة لتحصيل كثير من الخيرات، حتى أطلق الله عليه الخير إذا كان من حلال، وأنفق فيما يرضي الله ﵎. قوله: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) أي: بالعصمة من هذا الشح، فكل إنسان فيه شح، لكن من الناس من يخلى بينه وبين شح نفسه فينقاد له، ومنهم من يحميه الله من شح نفسه ويعصمه من شره. قوله: ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) أي: المنجحون الذين أدركوا النجاة والسعادة عند ربهم ﵎. وقوله تعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) معناه: اتقوا الله -أيها الناس- وراقبوه فيما جعل فتنة لكم من أموالكم وأولادكم، أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، فتتركوا الهجرة وأنتم للهجرة مستطيعون؛ لأن الله تعالى ذم من ترك الهجرة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧] قال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٨] فهؤلاء معذورون؛ ولذلك قال سبحانه بعدها: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩]، أما من استطاع فهو غير معذور في ترك الهجرة. وقيل: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: فيما تطوع به من نافلة صلاة أو صوم أو صدقة؛ فإنه لما نزل قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] اشتد ذلك على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً عنهم: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)). ويؤخذ من هذه الآية أن المكره على المعصية غير مؤاخذ عليها؛ لأنه لا يستطيع اتقاءها. قوله: ((وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)) أي: اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه، وقيل: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وقيل: اقبلوا ما تسمعون، وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته. يقول القرطبي: وقد تغلغل في هذه الآية الحجاج حين تلاها وقصرها على عبد الملك بن مروان! يعني: أولها تأويلاً فاسداًً وقصرها فقط على الخليفة عبد الملك بن مروان. فقال الحجاج: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)) هي لـ عبد الملك بن مروان أمين الله وخليفته، ليس فيها مثنوية. يعني: لا يشاركه فيها أحد! ثم قال الحجاج: والله! لو أمرت رجلاً أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحل لي دمه! يقول القرطبي: وكذب في تأويلها، بل هي للنبي ﷺ أولاً ثم لأولي الأمر من بعده، ودليله قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. وقوله: ((وَأَنفِقُوا)) قيل: الزكاة، وقيل: النفقة في النفل، وقيل: النفقة في الجهاد، وقيل: نفقة الرجل في نفسه، يقول تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ما ينفق؛ لأن الرسول ﵊ قال له رجل: (عندي دينار، قال: أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على عيالك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به)، فبدأ بالنفس والأهل والولد، وجعل الصدقة بعد ذلك، وهو الأصل في الصدقة، يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] أي: ما زاد وفضل عن النفقة الواجبة.

стр. 2861

تفسير قوله تعالى: (إن تقرضوا الله قرضاً حسناً) قال الله ﵎: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن:١٧] يعني: بالإنفاق في سبيله مما تحبون من غير منٍّ ولا أذى، وكلمة القرض هنا فيها تلطف في الاستدعاء. قوله: ((يُضَاعِفْهُ لَكُمْ)) أي: يضاعف جزاءه وخلفه. قوله: ((وَيَغْفِرْ لَكُمْ)) أي: ذنوبكم بالصفح عنها. قوله: ((وَاللَّهُ شَكُورٌ)) أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله بحسن الجزاء لهم على ما أنفقوا. قوله: ((حَلِيمٌ)) أي: عن أهل معاصيه بترك معاجلتهم بعقوبته.

стр. 2862

تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) قال الله ﵎: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [التغابن:١٨] أي: لا يغيب عن أبصار عباده وما يشاهدونه. قوله: (الْعَزِيزُ) أي: الغالب في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه. قوله: (الْحَكِيمُ) أي: في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما يصلحهم.

стр. 2863

تفسير سورة الطلاق [٨ - ١٢]

стр. 2864

تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله قد أحسن الله له رزقاً) يقول الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق:٨ - ١١]. قوله تعالى: (وكأين من قرية عتت) أي: عصت. (عن أمر ربها) يعني: أعرضت عن أمر ربها على وجه العتو والعناد، والمراد بالقرية هنا أهلها. (ورسله) يعني: وعتت عن أمر رسله كذلك. (فحاسبناها حساباً شديداً) يعني: على ما قدمت، فلم نغادر منه شيئاً. (وعذبناها عذابا نكراً) أي: منكراً. (فذاقت وبال أمرها) أي: عاقبة ما اكتسبت وجزاءه، فالوبال هنا بمعنى العاقبة. (وكان عاقبة أمرها خسراً) قال ابن جرير: أي: غبناً؛ لأنهم باعوا نعيم الآخرة بشيء من الدنيا قليل، وآثروا اتباع أهوائهم على اتباع أمر الله ﵎. والصيغة هنا جاءت بلفظ الماضي (فَذَاقَتْ) مع أن هذا سيكون في الآخرة، فهي كقوله ﵎: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤] ونحو ذلك مما سيقع في المستقبل، ولكن عبر عنه بالماضي لتحقيق الوقوع؛ ولأن وعد الله ووعيده كأنه واقع بالفعل، وما هو مقدر لك من قبل فكأنه قد وقع بالفعل. (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) يعني: عذاب النار المعد يوم القيامة. قوله تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا)) كقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الحج:٤٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف:٥٩] وهذا كله بيان لأصحاب الرئاسة ورجال السياسة أن هلاك الدنيا بفساد الدين، وأن أمن القرى وطمأنينة العالم بالحفاظ على الدين. يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عامة الناس للحفاظ على دينهم وسلامة دنياهم، فجعل الشارع مهمته للأمة كلها كل بحسبه باليد أو باللسان أو بالقلب، وهذا الأخير هو أضعف الإيمان، ومع أنه أضعف الإيمان لكن وجوده أمر مهم حتى يبقى إحساس القلب بالمنكر إلى أن يقدر هو أو يقدر غيره على تغييره، ولذلك فليس وراء ذلك شيء من الإيمان، ومن ثم يكون النهي عن المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم؛ لأنه لا يعجز أحد عن أن ينكر بقلبه، وأن يشهد الله على أن هذا منكر لا يرضيه، بخلاف اليد واللسان فلا يقدر عليها كل إنسان في كل ظرف. ومنطوق هذه الآية: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) أن هذا جزاء الذين أعرضوا عن سبيل الله ﵎، وقد بين الله مفهوم هذه الآية صراحة بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. (فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي خافوه واحذروا بطشه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. (يا أولي الألباب) أي: العقول. (الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسله، فهذا نعت للمنادى أو عطف بيان له. قوله: (قد أنزل الله إليكم ذكراً) يحتمل أن هذا الذكر هو الرسول ﷺ ، وجعله نفس الذكر مبالغة؛ لذلك أبدل منه، فتعرب (رسولاً) بدلاً من (ذكراً)، ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هو القرآن الكريم، ثم قال: ((رَسُولًا)) يعني: وأرسل رسولاً يتلو عليكم آيات الله، وهذا بتقدير (أرسل). ويحتمل أن يراد بالذكر هنا الشرف، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: شرف وعلو لك ولقومك. ﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ يعني: لمن تبعها وتدبرها أنها حق من عند الله ﵎. ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من الضلال إلى الهدى. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ يعني: رزقا طيباً، وفيه إكرام له وتعظيم، والمعنى: قد طيب الله له هذا الرزق، وهو رزق عجيب وعظيم؛ لذلك أتى به منكراً.

стр. 2865

تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. أي: الله المعبود المستحق للعبادة هو من هذا خلقه، لا ما يشرك معه. قال الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) جاء في بيان السماوات أنها سبع طباق، وأنها سبع سماوات بعضها فوق بعض قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] كذلك بين الحديث أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. وجاء لفظ السماء مفرداً وجمعاً، فالمفرد كما في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢]، أما الأرض فلم يأت لفظها إلا مفرداً، ولم يأت تفصيلها كتفصيل السماء بأنها سبع طباق. يعني أن الملاحظ في القرآن الكريم أن لفظ السماء قد أتى بصيغة الجمع، وفصل أنها سبع سماوات طباقاً بعضها فوق بعض، أما الأرض فلم يأت فيها ذلك، ومن ثم اختلف في المثلية، في قوله تعالى هنا: (وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، ما المقصود بهذه المثلية؟ جاء عن ابن عباس ﵄: أنها مثلية تامة من كل الوجوه، بمعنى: أنها مثلية من ناحية العدد، والطباق، والخلق، ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) يعني: أن الأرض مثل السماوات في كونها سبعاً، فهي سبع أرضين، وهي طبقات بعضها فوق بعض، فهي مثلهن خلقة، يعني: خلقت كما خلقت السماوات. وقيل: (ومن الأرض مثلهن) أي: عدداً وأقاليم تفصلها البحار، وكأنه إشارة إلى القارات السبع، فإنها يفصلها البحار، فهي من حيث العدد سبعة أقاليم تفصلها البحار. وقيل: المقصود بكون الأرض سبعاً مثل السماوات أن نفس الكرة الأرضية مكونة من طبقات كطبقات البصلة، فالبصلة تتكون من طبقات متراكبة بعضها فوق بعض، فكذلك الأرض مكونة من سبع طبقات. وحاول بعض العلماء توجيهها بصورة أخرى، وهي أن هذه المثلية هي مثلية في الخلق، كما سنبين ذلك في كلام القاسمي إن شاء الله، لكن توجد أدلة تدل في السنة على وصف الأرض بكونها سبع أرضين. قال الشيخ عطية سالم: إن من أوجه البيان إذا لم يوجد في الكتاب ووجد في السنة شيء يبين ما أجمل في الكتاب، فإنه ينبغي تبيينه بها؛ لأن السنة وحي أيضاًً، وقد جاء في السنة أن الأرض سبع أرضين، كما في حديث: (من اغتصب من الأرض قيد شبر طوقه من سبع أرضين) متفق عليه، وفي صحيح مسلم يقول النبي ﷺ : (من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين). وفي حديث موسى لما قال: (يا رب! علمني شيئاً أدعوك به، فقال: قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رب كل الناس يقولون ذلك. قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة؛ لمالت بهن لا إله إلا الله) رواه النسائي. فهذه الأحاديث الصحيحة أثبتت أن الأرضين سبع، ولم يأت تفصيل للكيفية ولا للهيئة. يعني أن السنة دلت على وصف الأرض بكونها سبعاً، لكن لم يأت في الوحي الشريف ما يفصل الكيفية أو الهيئة. يقول: فثبت عندنا العدد ولم يثبت غيره، فنثبته ونكل غيره لعلم الله تعالى. أي: فنثبت هذا العدد كما هو، أما المقصود بسبع أرضين فنكل العلم في ذلك إلى الله ؛ لأن الوحي لم يفصل الكيفية. قال: ومما يؤيد ثبوت العدد على سبيل الإجمال، أن مثلية الأرض للسماء لم تذكر إلا عند ذكر السماء مجملة مع ذكر العدد، وهذا هو الموضع الوحيد الذي وصفت فيه الأرض بأنها خلقت مثل السماوات، وقد ذكرت السماء مجملة، وكذلك ذكرت الأرض مجملة، ولم يذكر عند تفصيلها الطباق مما يدل على أن المراد من المثلية العدد، فالله قال: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) ولم يقل: ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣]، فما خصص كلمة (سماوات) لكن ذكر العدد، وهذا يدل على أن المقصود بالمثلية العدد. وقيل: إن هذا لا يتنافى مع إفراد اللفظة؛ لأن جمعه شاذ، يعني أنه لم يقل: ومن الأرضين، لأنه جمع شاذ، قال ابن مالك في الخلاصة: وأرضون شذ والسنون وقد أشار تعالى إلى أن هناك من حالات الأرض والسماء ما لا يعلمه الخلق، كما قال : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف:٥١] فما لم يبين لنا ويفصل فيعتبر تفصيله من التكلف، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. فالبشر لا يزالون عاجزين عن معرفة كيفية خلق أنفسهم، إلا تفصيلات جزئية، والمهم من السياق والغرض الأساسي منه: تنبيه الخلق على عظم قدرة الله تعالى. يعني أن المقصود من الآية تنبيه الخلق إلى عظم قدرة الله لقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ هذا هو المقصود، وهذا يحصل بالتدبر في هذه الآيات التي تدل على قدرة الله ﵎، مع أننا نكل علم التفاصيل التي لم تتبين لنا إلى الله وحده. يقول القاسمي في هذا الموضع: قال الزمخشري: قيل: ما في الأرض آية يفهم منها أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وهذه الآية ليست صريحة بصورة قاطعة.

стр. 2866

ذكر ما نقله القاسمي في معنى: (ومن الأرض مثلهن) نقل القاسمي عن بعض علماء الفلك قوله: أما كون الأرضين سبعاً كالسماوات فهو أمر نجهله ولا نفهمه، إلا إذا أريد به أن للأرض سبع طبقات، قال: والحق يقال: إن كون الأرضين سبعاً هو -كما يظهر لنا- وهم من أوهام القدماء! مما يؤلم أن القاسمي في الأجزاء الأخيرة من تفسيره ينسب كثيراً من الآراء التي فيها نظر إلى مجهول، ولا يبين من القائل، وكثير منها يكون مأخوذاً من كلام الشيخ محمد عبده أو أحد أهل مدرسته، كما نقل ما ذكرنا هنا. ولا يشترط أن نفهم كل شيء؛ لأن هناك أموراً مغيبة عنا، وهناك أموراً يستأثر الله بعلمها، فلا نلجأ إلى أن نتكلف علمها، وهذا عمر رضي الله تعالى عنه لما قرأ سورة عبس وقف عند قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] فقال: الفاكهة عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر! مع أن كلمة (الأب) يسهل الرجوع إلى معناها في لغة العرب، وهو يفهم من السياق، قال سبحانه: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٣١ - ٣٢] أي: الفاكهة متاع لكم، والأب متاع لأنعامكم، فالمقصود أنه مما تأكله الأنعام، أما تتبع ما وراء ذلك فسماه عمر ﵁ تكلفاً. وإذا كنا نفهم التفاصيل فذلك لا يبيح لنا أن نقطع بترجيح معين في مثل هذه المواضع. أما قول هذا الذي نقل عنه القاسمي: والحق يقال: إن كون الأرضين سبعاً، هو كما يظهر لنا وهم من أوهام القدماء. فهذا كلام سخيف، ولا ينبغي أن يذكر، كيف يقول: هذا وهم من أوهام القدماء، مع أنه ليس لديه دليل قاطع على أن المقصود المثلية في العدد أم المثلية في الخلق، فهذه الآية لا يستطاع القطع فيها بمعنى معين، فكيف نقطع بنفي العدد؟! لكن نكل علم ذلك إلى الله ، وهذا الأمر يكون مجهولاً كسائر الأمور المغيبة التي نجهلها، وجهلنا بها لا يبيح لنا تأويلها تأويلاً فاسداً على غير علم؛ فكلام هذا الذي يسميه بعض علماء الفلك لا ينبغي أن يذكر في تفسير كلام الله ﵎! ثم يقول: ولذلك لم يرد في القرآن الكريم لفظ الأرض مجموعاً. ونقول: لكنه ورد في السنة، فهذا الكلام نشم منه رائحة مدرسة محمد عبده، ففيها إهمال السنة إلا ما تواتر منها بشروط اخترعتها هذه المدرسة العقلية المنحرفة. فنقول: قد ورد في السنة قوله: (طوقه من سبع أرضين). ثم يقول: ولم يرد فيه مطلقاً أن الأرضين سبع، مع أنه ذكر أن السماوات سبع مراراً عديدة، وفي كل مرة يذكر معها الأرض بالإفراد، وإنما ورد قوله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) وهي الآية الوحيدة التي فهموا منها أن الأرضين سبع، وهي كما لا يخفى لا تفيد ذلك مطلقاً. كذا قال، مع أنها قد تفيد ذلك، فالأمر محتمل؛ لأن الله قال: (وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، والعلماء المنصفون -كما أشرنا في بداية الكلام- قالوا: الأمر يحتمل عدة احتمالات: فيحتمل أنها طبقات بعضها فوق بعض كطبقات البصل، ويحتمل أن هذه المثلية في العدد، وهي أقاليم مفصولة عن بعضها بالبحار، ويحتمل أنها مثلهن في الخلقة فقط، أي مخلوقة من نفس المادة، أو في أصل كونها مخلوقة لله ﵎. إذاً: ليس لدينا ما نقطع به في المقصود، فقوله: وهي كما لا يخفى لا تفيد ذلك مطلقاً. ليس كما ادعى. من المؤلم أن القاسمي رحمه الله تعالى ينقل مثل هذا النقل الطويل عن مجهول، لماذا لا يصرح باسمه؟! فهذا فيه مؤاخذة على القاسمي رحمه الله تعالى، وكنا نحب أن نعرف من هذا الذي يتكلم؟ وما قدره من العلم؟ وما مدرسته التي ينتمي إليها؟ وهذا من حق القارئ؛ فلو أن رجلاً له موقف سيئ من السنة فنحن نحذر منه ونحذر من تآليفه، فينبغي للمؤلف أن ينسب الكلام إلى قارئه، وهذا من بركة العلم. ثم قال هذا القائل المجهول: ولنا في تفسيرها وجهان. -وهذان الوجهان اللذان ذكرهما مقبولان، وكلاهما محتمل لا على سبيل القطع. قال: إما أن تكون (من) في قوله تعالى: ((وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) زائدة، وإما أن تكون غير زائدة، فـ (من) لو قلنا إنها مزيدة للتوكيد فتقدير الآية هكذا: الله الذي خلق سبع سموات والأرض خلقها مثلهن. وعلى تفسيرنا هذا تكون هذه الآية دالة على أن الأرض خلقت كباقي الكواكب السيارة من كل وجه. أي أنها إحدى السيارات، وهو أمر ما كان معروفاً في زمن النبي ﷺ ، وما كان يخطر ببال أحد من العرب، وهذا من دلائل صدق القرآن، فيحتمل أن الأرض مثل السيارات الأخرى في المادة، وكيفية خلقها، وكونها تسير حول الشمس، وتستمد النور والحرارة منها إلى آخره. وكونها مسكونة بحيوانات كالكواكب الأخرى. هذا كلامه، وليس عندنا دليل على أن الكواكب الأخرى مسكونة بحيوانات، وتكلف الكلام في مثل هذا هو من التنطع الذي لا يجوز، وليس لنا أن نتكلم في الغيب بلا علم. قال: وكونها كروية الشكل، فالسيارات أو السماوات متماثلة من جميع الوجوه. يلاحظ في تفسيره أنه يعتبر السماوات السبع هي الكواكب السيارة! ومن قال: إن السماوات السبع هي الكواكب السيارة فقد أخطأ، فإن كل ما نراه حولنا من الكواكب قال الله فيها: ﴿وزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٥ - ٦] فالكواكب هذه كلها في السماء الدنيا، فكيف يقول: إن السماوات السبع هي هذه الكواكب؟! إذا كانت سماء الدنيا مزينة بالكواكب فهذا يدل على أن هذه الكواكب ليست هي السماوات السبع، ولا يجوز إخضاع القرآن الحكيم الذي هو كلام الله لتأويلات مبنية على نظريات علماء الفلك الذين تتغير علومهم من وقت إلى آخر، وتنهار نظريات وتنشأ نظريات أخرى، فلا ينبغي ربط كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأمور متغيرة ونظريات متبدلة. يقول: وكلها مخلوقة من مادة واحدة وعلى طريقة واحدة، يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠] يعني كانت شيئاً واحداً، (ففتقناهما) أي: فصلنا بعضهما عن بعض، فالأرض خلقها الله تعالى مثل السماوات تماماً. هذا هو الوجه الأول المبني على أن (من) زائدة. الوجه الثاني: أن (من) غير زائدة، فتقدير الآية هكذا: الله الذي خلق سبع سماوات، وخلق من الأرض أرضاً مثلهن، كقولك: اتخذت لي سبعة أصدقاء، ولي فلان صديق مثلهم، أي مثلهم في الصداقة، والمعنى: وبعض الأرض مثلهن في مادتها وعناصرها، وعليه فليس في القرآن الكريم أدنى دليل على أن الأرضين سبع كما يزعمون. انتهى كلام هذا الذي نقل عنه القاسمي رحمه الله تعالى. وذكر ابن الأثير في المثل السائر في النوع السادس في اختلاف سير الألفاظ واتفاقها وتفاوتها في الحسن فيه ما مثاله: وفي صدد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفرداً ولم يرد مجموعاً، كلفظة (الأرض) فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة معها في كل موضع من القرآن الكريم، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة في ((وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) لم يقل والأرضين مثلهن، وإنما قال: (ومن الأرض مثلهن) بالنصب عطفاً على (سبع) وبالرفع على الابتداء، وخبره يكون (من الأرض).

стр. 2867

معنى قوله تعالى: (يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله) قوله: ((يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)) أي يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه ينفذ فيهن. ((لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)) فهذه علة لـ (خلق)، أو علة لـ (يتنزل)، أو لمضمر يعمهما أي: فعل ما فعل لتعلموا أن الله على كل شيء قدير إلى آخره؛ فإن كلاً منهما يدل على كمال قدرته وعلمه. قال ابن جرير: أي: فخافوا أيها المخالفون أمر ربكم عقوبته فإنه لا يمنعه من عقوبتكم مانع، وهو على ذلك قادر، ومحيط بأعمالكم، فلا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها يوم تجزى كل نفس ما كسبت. والله أعلم.

стр. 2868

تفسير سورة التحريم

стр. 2869

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) نشرع في تفسير سورة التحريم، وهي السورة الثالثة والستون، وهي مدنية، وآيها اثنتا عشرة آية. يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]. قوله تعالى: ((يا أيها النبي)) ناداه بالنبوة تعظيماً له ﵌، وهذه من مظاهر تعظيم الله لنبيه ﷺ ، حيث إنه ما ناداه باسمه قط، فلا توجد آية في القرآن فيها: يا محمد! في حين نودي غيره بالاسم: يا آدم، يا موسى، يا نوح، يا عيسى، أما نبينا ﷺ فما ناداه الله إلا بوصفه؛ تعظيماً لجنابه ﷺ ، ودلالة على أنه سيد الأولين والآخرين. وناداه ليقبل إليه بالكلية، ويدبر عن كل ما سواه من الأزواج وغيرهن، وعبر عنه بالمبهم إشعاراً منه بأنه الذي نبئ بأسرار التحليل والتحريم الإلهي. قوله: ((لم تحرم ما أحل الله لك)) ليس المراد بالتحريم هنا اعتقاد الحلال حراماً، ولكن المقصود امتناعه من الحلال وحظره إياه على نفسه، وهذا المقدار مباح ليس في ارتكابه جناح. يعني: لو أن شخصاً منع نفسه من طعام معين لسبب من الأسباب، أو حلف ألا يأكل هذا الطعام وهو لا يعتقد أن هذا الطعام حرام فلا بأس. إذاً: المقصود بالتحريم هنا أنه منع الطعام على نفسه وليس بقصد أنه صار حراماً، لأن تحليل الحرام وتحريم الحلال من الأمور المكفرة، فالخمر مثلاً من استحله واعتقد أنه حلال فإنه يصير كافراً بذلك قطعاً. فمعنى: ((لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)) لم تمتنع عن شيء أحله الله لك لترضي أزواجك؟ وهذا القدر مباح ليس في ارتكابه جناح، وإنما قال له: ((لم تحرم ما أحل الله لك)) رفقاً به وشفقة عليه، وتمييزاً لقدره ومنصبه ﷺ أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، فهذاً جرياً على ما ألف من نصح الله تعالى لنبيه ﷺ ؛ ليظهر الله كمال نبوته.

стр. 2870

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) نذكر اختلاف العلماء الأثريين في هذا الشيء الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه، فقد جاءت في ذلك روايات منها: روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان رسول ﷺ يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب ابنة جحش، فلن أعود له، وقد حلفت، ولا تخبري بذلك أحداً، فنزلت الآية). وروى الشيخان أيضاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ كان يحب الحلوى والعسل، وكان إذا صلى العصر دخل على نسائه، فيدنو من كل واحدة منهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فغِرتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت إليها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول الله ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لـ سودة فقلت لها: إذا دخل عليك ودنا منك فقولي له: يا رسول الله! أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: وما هذه الريح التي أجد، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وإذا دخل علي فسأقول له ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك. فلما دخل على سودة قالت له مثلما علمتها عائشة وأجابها بما تقدم، فلما دخل على صفية قالت له مثل ذلك. فلما دخل على عائشة قالت له مثل ذلك، فلما كان اليوم الآخر فدخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به! قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه منه، فقلت لها: اسكتي). يعني عائشة قالت لـ سودة: اسكتي. والمغافير: صبغ حلو له رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له: العرفط، وفي هذه الرواية أن التي شرب منها العسل حفصة، وفي سابقتها أنها زينب، والاشتباه في الاسم لا يضر بعد ثبوت أصل القصة. وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كانت حفصة وعائشة متحابتين، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده، فأرسل النبي ﷺ إلى جاريته -في بعض الروايات أنها مارية القبطية - فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة فوجدتها -يعني مارية -في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول الله ﷺ جاريته ودخلت حفصة، فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني! فقال النبي ﷺ : والله لأرضينك، فإني مسر إليك سراً فاحفظيه، قالت: ما هو؟ قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضاً لك حتى أرضيك، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها بذلك، فلما أخبرت بسر النبي ﷺ أظهر الله على النبي ﷺ عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١ - ٢] إلى آخر الآيات) وروي أيضاً عن الضحاك قال: (كانت لرسول ﷺ فتاة يغشاها، فبصرت به حفصة، وكان اليوم يوم عائشة -وكانتا متظاهرتين- فقال رسول الله ﷺ : اكتمي علي ولا تذكري لـ عائشة ما رأيت، فذكرت حفصة لـ عائشة، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله ﷺ حتى حلف ألا يقربها أبداً فأنزل الله هذه الآية وأمره أن يكفر يمينه ويأتي جاريته). وروى النسائي عن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله هذه الآية). ولم يرجح ابن جرير أحد السببين المرويين في نزولها على الآخر، بل وقف على إجمال الآية على عادته في أمثالها، ولذا قال: والصواب أن يقال: كان الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه شيئاً كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك جاريته، وجائز أن يكون شراباً من الأشربة، وجائز أن يكون غير ذلك، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان قد أحله له، وبين له تحلة يمينه.

стр. 2871

ما رجحه القاسمي في سبب نزول أول سورة التحريم يقول القاسمي رحمه الله تعالى: والذي يظهر لي هو ترجيح رواية تحريم الجارية في سبب نزولها، وذلك لوجوه: منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات ويهتم به لهن. وذلك لأنه أمر حساس يثير الغيرة عند الضرائر. ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن، بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. ثم رغب إلى عائشة ألا تحدث صاحبة العسل سواء كانت زينب أو حفصة؛ حتى لا تتأذى وتقول: إنها السبب في أنها أطعمته هذا الطعام الذي يصدر منه هذا الريح، إلا أن يكن عاتبنه في ذلك ولم يحتمل لطف مزاجه الكريم ذلك فحرمه، ولكن ليس في الروايات ما يشعر به، وما زاد على ذلك فمن اجتهاده هو. ومنها: أن الاهتمام بإنزال سورة على حدة لتقريع أزواجه ﷺ وتأديبهن في المظاهرة عليه، وإيعادهن على الإصرار على ذلك بالاستبدال بهن، وإعلامهن برفعة مقامه، وأن ظهراءه مولاه وجبريل والملائكة والمؤمنون، كل ذلك يدل على أن أمراً عظيماً دفعهن إلى تحريمه ما حرم، وما هو إلا الغيرة. يعني: لأن تأثير الغيرة في موضوع الجارية أقوى، وأن الذي جعلهن يتظاهرن هذه المظاهرة ويخططن هذا التخطيط ليس هو موضوع العسل بل موضوع الجارية. ثم يقول القاسمي: كل ذلك يدل على أن أمراً عظيماً دفعهن إلى تحريمه ما حرم، وما هو إلا الغيرة من مثل ما روي في شأن الجارية، فإن الأزواج يحرصن أشد الحرص على ما يقطع وصلة الضرة الضعيفة. وأما تحديد رواية العسل في هذه الآية وقول بعض السلف: نزلت فيه، فالمراد منه أن الآية تشمل قصته بعمومها على ما عرف من عادة السلف في قولهم: نزلت في كذا، كما نبهنا عليه مراراً، وكأنه ﷺ كان حرم ذلك الشراب، ثم أخبر بأن مثله فرضت فيه التحلة، فلا مانع من العود إلى شربه.

стр. 2872

حكم تحريم المرء على نفسه شيئاً حلالاً قوله: ((لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)) قال في الإكليل: أستدل بها على أن من حرم على نفسه أمة أو طعاماً أو زوجة لم تحرم عليه وتلزمه كفارة يمين، وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: في الحرام يكفر، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وذهب ابن جرير: إلى أنه كان مع التحريم يمين. أي: أنه قال: والله لا أقرب الجارية، أو العسل. وهذا فيه نظر. والأرجح والله تعالى أعلم أن التحريم بمجرده بدون يمين بالله هو في حد ذاته يمين. وقال قتادة: إن النبي ﷺ حرمها -يعني: جاريته- فكانت يميناً. ابن جرير ذهب إلى أنه كان مع التحريم يمين، وهذا رده بعض المحققين؛ لأن اليمين في عرفهم أعم من القسم بالله، فمنها ما يكون قسماً بالله، ومنها ما يكون بصيغة التحريم. في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١] يعاتب الله بها نبيه ﷺ على تحريم ما أحل الله له ليرضي أزواجه، فكأنه يقول: لا تضيق على نفسك بتحريم سريتك لترضي أزواجك، بل هن أحق أن يسعين في رضاك ليسعدن. ثم هددهن الله إن لم يتبن عن ذلك فسوف يبدله الله أزواجاً خيراً منهن بالصفات التي ستأتي فيما بعد.

стр. 2873

تفسير قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]. أي: شرع حل ما عقدتموه بالكفارة، فالتحلة مصدر بمعنى التحليل. قوله: ((وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ)) أي: متولي أموركم. قوله: ((وَهُوَ الْعَلِيمُ)) أي: بمصالحكم. ((الْحَكِيمُ)) أي: في تدبير دنياكم بما شرعه وحكم به. وهذه الآية تدل على أن حكم خطابه ﷺ لا يختص به، وإنما الأمر فيه تفصيل؛ لأنه قد خوطب النبي ﷺ بمثل قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى آخره، ومع ذلك فالنبي ﵊ غير مقصود بهذا الخطاب؛ لأنه لم يكن يوجد في ذلك الوقت أبواه أو أحدهما، فقد ماتا قبل البعثة وهو ما زال صغيراً ﷺ . أما مثل هذه الآيات التي نحن بصددها فإنه يأتي الخطاب للنبي ﷺ فيدخل فيه معه غيره من الأمة، ومثال ذلك قوله تعالى في أول سورة الطلاق: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، وقوله أيضاً في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]. إذاً دلت هذه الآية على أن حكم خطابه ﷺ لا يختص به؛ لأنه لما عاتبه في تحريم ما أحل له قال عقبه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] فابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم أتبعه بلفظ الجمع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التحلة مصدر حللت الشيء تحليلاً وتحلة، كما يقال: كرمته تكريماً وتكرمة، وهذا المصدر يسمى به المحلل نفسه وهو الكفارة، فإن أريد المصدر فالمعنى: فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد، ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كـ أبي بكر بن عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث؛ لأن التحلة لا تكون بعد الحنث؛ فإنه بالحنث ينحل اليمين، وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لينحل اليمين؛ وإنما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم في نقض عهد الله، فإذاً تبين أن ما اقتضت اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة، التي جعلها بدلاً من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار. يعني: بدل أن يضيق على نفسه ويلتزم هذا الذي حلف عليه، ويكون اسم الله الذي حلف به مانعاً يعرض ويحول دون إتيان ما هو أفضل، فقد فتح الله له الباب بالكفارة حتى لا يفي بما حلف عليه. قوله تعالى: ((قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)) من تحريم الحلال المذكور قبل وهو الزوجة. هذا الموضع في الحقيقة تناقش فيه قضية تحريم الزوجة، وأن ذلك على الراجح يكون فيه كفارة يمين بتفصيل نرجئه إلى باب الطلاق إن شاء الله تعالى، ومن أراد التفصيل فليعد إلى القاسمي أو إلى غيره من كتب الأحكام.

стр. 2874

تفسير قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً) يقول الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣]. ((وإذ أسر النبي)) محمد ﷺ . ((إلى بعض أزواجه)) هي حفصة في قول ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والشعبي والضحاك وهو تحريم فتاته في قول هؤلاء. قال ابن جرير: أو ما حرم على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد أحله له. وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد. ((فلما نبأت به)) يعني: لما أخبرت بهذا السر صاحبتها كما تقدم. ((وأظهره الله عليه)) أي: أطلعه الله عن طريق الوحي: أن حفصة أخبرت عائشة بالسر الذي ائتمنتها عليه. ((عرف بعضه وأعرض عن بعض)) أي: عرفها بعض ما أفشته معاتباً لها، وأعرض عن بعض الحديث تكرماً، وهذا من معالي ومكارم أخلاقه ﵌، وهو نوع من التغافل الذي ما يزال من فعل الكرام؛ لأنه لا يتغافل إلا كريم، أما الذي يستقصي دائماً فهو اللئيم. إذاً: الكريم إذا عاتب فإنه لا يستقصي، وإنما يتجاوز ويتغافل ويتجاهل، فهذا مما يمدح به الإنسان، فلذلك قال الله مبيناً حسن خلق النبي ﵌: ((فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض)). ((فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ)) أي: الذي هو البعض. ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي: الذي لا تخفى عليه خافية. وفي الإكليل: يقول في الآية: إنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يركن إليه من زوجة أو صديق، وإنه ما دام الشخص يثق بك ويسر إليك بحديث فإنه يجب عليك أن تكتم هذا السر. وكما أشرنا من قبل إلى أن استكتام السر أو استيداع السر إما يأتي بصورة واضحة وإما أن يأتي بقرينة، كما جاء في الحديث عن السر الذي أتى بقرينة، يقول ﵊: (إذا حدث الرجل صاحبه ثم التفت فهي أمانة) يعني: عندما يتكلم صاحب السر تجده في أثناء الكلام يلتفت يميناً وشمالاً هل يوجد أحد يسمعه أم لا؟ فكأنه يقول له: هذه أمانة فلا تفشها، وهذا سر فلا تفشه، فينبغي أن يكتم السر، ولذلك يقول النبي ﵊ أيضاً: (المجالس بالأمانة)، والأصل في المسلم إذا جلس في المجلس أنه يؤتمن على ما فيه ولا يفشوه هذا هو الأصل، فما بالك إذا صرح لك المتكلم وقال لك: هذا سر فاكتمه ولا تفشه لأحد؟ لكن على الإنسان ألا يأتمن على سره إلا من يثق به أنه يحفظ السر، كذلك من اؤتمن على سر، فلا يأتي إلى ثقة له فيحكي له هذا السر، وبالتالي لا يبقى سر فتحصل فتن كثيرة، ولذلك قال بعض الشعراء: إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق وفي هذه الآية حسن المعاشرة مع الزوجات؛ لأن هذا الذي فعله النبي ﵊ مباح أحله الله له، ومع ذلك تلطف في استرضائهن والتخفيف عنهن، حتى وصل به الأمر إلى أنه حلف ألا يقربها أو أنه حرمها! وفيها التلطف في العتب. الإنسان قد يعاتب لكن لا يسترسل في العتاب ولا يستقصي، خاصة أن بعض الناس إذا كان الأمر له استقصى، أما إذا كان عليه فهو يتضايق من هذا جداً، فينبغي للإنسان إذا عاتب أن يتوسط في العتب وألا يستوفي كل ما له من الحق، فما استوفى كريم قط! وفيه الإعراض عن استقصاء الذنب، وإلا فلن يبقى لك صديق. من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

стр. 2875

تفسير قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) قال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]. أشار تعالى إلى غضبه لنبيه ﷺ مما أتت به إحدى نسائه من إفشاء السر إلى صاحبتها، ومن مظاهرتهما على ما يقلق راحته، وأن ذلك ذنب تجب التوبة منه، فقال : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. قوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) أي: إن تتوبا إلى الله فأنتما فعلاً محتاجتان للتوبة؛ لأنكما أتيتما بفعل خطير وعظيم. (فقد صغت قلوبكما) أي: قد مالت قلوبكما لتحريم مارية، ولأنكما وجدتما فرحاً كبيراً وسروراً عظيماً لما حرم على نفسه سريته، مع كراهة النبي ﷺ له، وذلك ذنب يستوجب التوبة. يقول القاسمي في تفسير قوله تعالى: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)): يعني: فقد رجعتما إلى الحق وملتما إلى الحق، وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسوله ﷺ ، وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المتظاهرتين على رسول الله ﷺ ؟ فقال: عائشة وحفصة. وفي خطابهما على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغة، لأن السياق فيما مضى للغائب ((وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ)) ثم يقول: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ)) التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب، وهذه مبالغة، فإن المبالغ في العتاب يصير المعاتب مطروداً بعيداً عن ساحة الحضور، ثم إذا استقر به تودد إليه وعاتبه بما يريد. قوله: ((وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ)) يعني: إن تتظاهرا وتتفقا على ما يسوءه ﷺ ، ((فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) أي: متظاهرون على من أراد مساءته ﷺ . وهذه السورة هي إحدى السور التي تبين عظم مقام النبي ﷺ عند ربه ، فالرسول ﵊ هو أحب الخلق إلى الله ﵎، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، فهذا الموضع بالذات منها. إذاً: فعلينا أن نعرف لرسول الله ﷺ قدره، فهذه من حقائق دين الإسلام، ومن حيثيات العقيدة الإسلامية لكل مسلم أن يعرف مقام النبي ﵊، وأن له أشرف المقامات عند الله ﵎، فتأمل على سبيل المثال هذه الآية، فقوله تعالى: ((وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) يدل على أن عناية الله بنبيه ﷺ لم يرق إليها رسول ولا ملك، فما نعلم أن الله نصر رسولاً على أعدائه بهذه الصورة الرائعة التي نصر بها رسوله في هذه الحادثة، ولقد كان في نصر الله كفاية وغناء: ((فإن الله هو مولاه))؛ ولكن الله أراد أن يظهر مقدار حبه لنبيه ﷺ ورعايته لجانبه، فجند لنصره جبريل وصالحي المؤمنين والملائكة. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قوله: ((وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) أي: متظاهرون على من أراد مساءته، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ ولما كانت الملائكة أعظم المخلوقات وأكثرهم ختم الظهراء بهم؛ ليكون أفخم في التنويه بالنبي ﷺ وعظم مكانته والانتصار له، إذ هي هنا بمثابة جيش جرار يملأ القفار يتأخر خلف أميره وقائده؛ ليحمل على عدوه ومناوئه. قوله: ((وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: كل المؤمنين الصالحين. قوله: ((وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) فهؤلاء هم المنحازون إلى جانب النبي ﷺ المظاهرون له ﵌. يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) صغا: مال ورضي وأحب. لم يقل: قد صغا قلباكما، وإنما قال: ((فقد صغت قلوبكما)) بالجمع مع انهما اثنتان وهما حفصة وعائشة ﵄، فقيل: إن المعنى معلوم، والجمع أخف من المثنى إذا أضيف، فالمعنى المفهوم أن المقصود حفصة وعائشة بالذات في استعمال الجمع، فلا ضير، ولأن الجمع أخف من المثنى في حالة الإضافة، فقوله: (قلوبكما) أسهل من أن يقول: (فقد صغا قلباكما). وقيل: هو مما استدل به على أن أقل الجمع اثنان، كما في الميراث في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١] يعني اثنان فصاعداً. قوله: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) جواب الشرط في قوله: (إن تتوبا) محذوف تقديره: إن تتوبا إلى الله فذلك واجب عليكما؛ لأن قلوبكما مالت إلى ما لا يحبه رسول الله ﷺ ، أو: إن تتوبا إلى الله فذلك خير لكما. والمعنى متقارب. قوله تعالى: ((وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ)) قال أبو حيان: الوقف على (مولاه) وتكون الولاية خاصة بالله، والمظاهرة تكون لمن أتى بعده، ويكون جبريل مبتدأً وما بعده معطوف عليه. فيقف القارئ على قوله: ((فإن الله هو مولاه)) ثم يستأنف ((وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير)) فالمبتدأ (جبريل) والخبر (ظهير)، وعليه يكون جبريل قد ذكر مرتين؛ بالخصوص أولاً، وبالعموم ثانياً؛ لأن جبريل من الملائكة. وقيل: إن الوقف على قوله: (وجبريل) معطوفاً على لفظ الجلالة في الولاية، تقول: ((وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ))، ثم تبتدئ بقوله تعالى: ((وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ)) فيدخل جبريل مع الملائكة ضمناً. فعلى الوقف الأول: يكون قرن صالح المؤمنين بجبريل وبالملائكة؛ تنبيهاً على علو منزلة صالحي المؤمنين وبيان منزلتهم من عموم الملائكة بعد جبريل. وعلى الوقف الثاني: يكون قد عطف جبريل على لفظ الجلالة في الولاية بالواو ((فإن الله هو مولاه وجبريل))، وليس فيه ما يوهم التعارض مع الحديث في (ثم) إذ محل العطف هو الولاية، وهو قدر ممكن من الخلق ومن الله تعالى؛ لأن الولاية قد تكون من الخلق ومن المخلوق، يقول : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢] فالنصر يكون من الله ويكون من العباد من باب الأخذ بالأسباب، وقال : ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠]، وقال : ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨]، وقال الله حاكياً عن عيسى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]. وهذا بخلاف ما جاء في الحديث من قول الأعرابي: (ما شاء الله وشئت، فقال له النبي ﷺ : أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده) لأن حقيقة المشيئة هي أنها لله وحده كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] وقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]، وقوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤]. فإذاً: لا حرج في الوقف على جبريل، والعطف بالواو يدل على أن الموالاة والمناصرة تكون من الله وتكون من جبريل ﵇، وهذا يقع. ومن اللطائف في قوله ﵎: ((وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: إن المتظاهرتين على رسول الله ﷺ امرأتان فقط تآمرتا عليه فيما بينهما، فجاء بيان الموالين له ضدهما كل من ذكر في الآية: ((فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير)) ليدل على عظم كيدهن وضعف الرجال أمامهن. العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى فهم ذلك من قوله ﵎: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨]، بينما قال في كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]. يقول الشاعر في نفس هذا المعنى: يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنساناً وقد عبر الشاعر أيضاًُ عن ذلك بقوله: ما استعظم الإله كيدهنه إلا لأنهن هن هنه
следующие страницы →