← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تفسير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) يقول ﵎: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠]. المرض هو: السقم، وسبب هذا المرض ضعف يقينهم وضعف دينهم، وكما توصف قلوب المنافقين بالمرض والسقم، توصف قلوب المؤمنين بالسلامة، كما قال ﵎: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. أو المقصود من قوله: (في قلوبهم مرض) مرض الشك ومرض التردد؛ لأن المنافق متردد، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، وفي صحيح مسلم يقول ﵊ واصفاً المنافقين: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تَعِير إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة)، والعائرة هي: المترددة. فالمرض هنا المراد به التردد، فهم لا يعرفون اليقين ولا الجزم، فمرض قلوبهم هو: التردد والشك؛ لأن سمة المنافق التردد؛ ولأن المريض متردد بين الحياة والموت. قوله: ((فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)) يعني: فزادهم مرضاً آخر من حقد وحسد وغل بإعلاء كلمة دينه ونصرة رسوله والمؤمنين، فبالتالي ازداد المرض الذي في قلوبهم.

стр. 37

الفرق بين عذاب الكافرين وعذاب المنافقين قوله: (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم موجع، يبلغ إيجاعه غاية البلوغ. ومنه يعلم إيثار كلمة (أليم) في عذاب المنافقين على (عظيم) المتقدم في عذاب الكافرين، فإن الله قال قبل ذلك عن الكافرين: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] أما المنافقون فلأنهم في الدرك الأسفل من النار، ولأنهم أسوأ حالاً من الكافرين، عبر عن عذابهم بالأليم، لأنه بالغ في الإيلام الغاية العظمى!!

стр. 38

الكذب من الأسباب الموجبة للعذاب قوله: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) هذه الباء إما للسببية، أو للمقابلة، يعني: إما أن المعنى: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) بسبب كذبهم، وهو قولهم: (آمنا بالله وباليوم الآخر) وهم غير مؤمنين. أو ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) أي: في مقابلة كذبهم حين قالوا: (آمنا بالله وباليوم الآخر). وفي هذه الآية تقبيح للكذب وتنفير منه. قوله: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) إشارة إلى أن السبب في عذابهم واستحقاقهم هذا الوعيد هو أنهم كانوا يكذبون، ومعلوم أن الكذب أحد الأسباب الموجبة لتعذيبهم، أما الأسباب الأخرى فهي كثيرة ومعروفة كما سيتضح في هذه الآيات، لكن قد يعبر الله عن إهلاك الكافرين أحياناً ببعض الذنوب؛ تنفيراً منها وتغليظاً في حق فاعليها واستعظاماً لها وتنفيراً عن ارتكابها، كما قال ﵎ في شأن قوم نوح ﵇: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، وقوم نوح كانوا كفرة، فإهلاكهم إنما كان بسبب كفرهم بجانب المعاصي، فتعظيماً لشأن الخطايا التي تدنسوا بها جعل السبب في تعذيبهم هو الخطيئات؛ استعظاماً لها وتنفيراً عنها فقال: (مما خطيئاتهم أغرقوا) وقال: هنا: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون). إذاً: معنى قوله: ((فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: شك ونفاق أمرض قلوبهم وجعل اليقين فيها ضعيفاً. قوله: (فزادهم الله مرضاً) أي: بما أنزله من القرآن لكفرهم به؛ لأنه لا يجالس أحد القرآن إلا قام منه بزيادة أو نقصان، أما المؤمن فيزيد إيمانه، وأما الكافر فيزداد رجساً إلى رجسه، كما يقول ﵎: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] إلى آخر الآيات، كذلك يقول ﵎: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]. قوله: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) وفي قراءة أخرى: (بما كانوا يكذّبون) بالتشديد، أي: بما كانوا يكذبون نبي الله ﵊، وبالتخفيف بما كانوا يكذبون في قولهم: ((آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)).

стр. 39

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]، هذه بداية نهيهم عن المنكر، ثم ثنى بعد ذلك بأمرهم بالمعروف؛ كي تتم النصيحة، ففي هذه الآية قال: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) فهذا نهي عن المنكر، وفي الآية الثانية قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٣] وهذا أمر بالمعروف. وهنا شَرَعَ ﵎ في تعديد بعض مساوئهم المتفرعة والنابعة عن نفاقهم وكفرهم، فقال: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) والفساد في الأرض مثل: تهييج الحروب وإثارة الفتن، كما قال : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ومعنى إفساد المنافقين في الأرض: أنهم يمالئون الكفار على المسلمين، ويفشون أسرار المسلمين للكفار، ويغرون الكفار بقتال المسلمين، ويجرئونهم على نصب الحرب للنبي ﷺ والمؤمنين؛ لطمعهم في الغلبة عليهم. قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) يعني: بما تفعلونه من تهييج الحروب وتأليب الكافرين على المؤمنين. ((قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) يعني: هم تصوروا إفسادهم في صورة الإصلاح؛ لأن في قلوبهم مرضاً. وإذا مرض قلب الإنسان تنقلب عنده القيم وتنعكس عنده الموازيين، مثل المنافقين رأوا فسادهم إصلاحاً، وزين لهم هذا الإفساد فحسبوه إصلاحاً، ((قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨] فهذا تزيين، وكما قال ﵎: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]. قال بعض المفسرين: قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) يعني: بين المؤمنين وأهل الكتاب، وقوله تعالى عنهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢] أي: نحن مصلحون بين المؤمنين وبين أهل الكتاب، فنحن نداري الفريقين ونريد الإصلاح بينهما.

стр. 40

تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) يقول ﵎: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢] يعني: لا يشعرون بكونهم مفسدين، وهذه الآيات عند عامة المفسرين في المنافقين؛ وزعم بعض المشايخ المعاصرين وهو أبو الفيض الغماري في كتاب له يتحدث عن إخبار النبي ﵊ ببعض الأمور الغيبية، أن هذه الآيات ليس المراد بها المنافقين الأوائل، وإنما المراد بها أهل هذا العصر من المنافقين أو العلمانيين الذين يصورون أعمالهم في الأرض بصورة الإصلاح. وذكر من وجوه كثيرة انطباق هذه الصفات كلها عليهم، خاصة أنهم مولعون باستعمال عبارة الإصلاح الديني، وإذا مدحوا واحداً سموه مصلحاً، واليوم يسمونه مفكراً إسلامياً مستنيراً. وقد أفاض في ذلك فلا نطيل بذكر التفاصيل، ويُكتفى بهذه الإشارة، أما مصطلح الإصلاح الديني فتعبير خبيث لا يجوز أبداً أن يطلق، فالذي يحتاج إلى إصلاح هو واقع الناس، أما دين الله فلا يحتاج إلى إصلاح، الإصلاح إنما يكون لما يطرأ عليه فساد، أما الدين فهو وضع إلهي سائغ لذوي العقول السليمة؛ لما فيه صلاح دنياهم وسعادة أخراهم، هذا هو الدين وكله صلاح، فعبارة (الإصلاح الديني) عبارة خبيثة، يراد بها إدخال البدع، وتحريف لمعاني الإسلام بحجة الإصلاح، فترى القوم مولعين بهذه التعبيرات، فلان مصلح ديني، أو مصلح اجتماعي مع أنه من أشد المفسدين في الأرض: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾.

стр. 41

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) يقول ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا)) يعني: هذا أمر بالمعروف بعد نهيهم عن المنكر في قوله: ((لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) [البقرة:١١]. قوله: (كما آمن الناس) يعني: كما آمن الناس الكمّل وهم المؤمنون؛ لأن المؤمنين هم الناس في الحقيقة، فالمقصود بالناس هنا هم المؤمنون. قوله: ((قَالُوا أَنُؤْمِنُ)) هذا استفهام فيه معنى الإنكار، أي: هم يستنكرون على من يأمرهم بذلك، ويقولون: (أنؤمن كما آمن السفهاء) فسموا المؤمنين الكمّل سفهاء! والسفه: هو خفة وسخافة في الرأي يورثهما قصور العقل، وقلة المعرفة بمواضع المصالح والمضار، وقد وصف الله ﵎ النساء والصبيان (بالسفهاء) بهذا الاعتبار؛ لعدم إحسانهم تقدير عواقب الأمور وميزانها بالميزان الصحيح حيث قال : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]. إذاً: هؤلاء المنافقون كانوا في يسار وسعة عيش، وكانوا في رياسة وجاه، وكان أكثر المؤمنين فقراء، منهم الموالي: كـ صهيب وبلال وخباب رضي الله تعالى عنهم أجمعين فدعوهم سفهاء؛ تحقيراً لشأن هؤلاء الصحابة؛ لأنهم ضعفاء، وقد ذكر أبو سفيان لـ هرقل حينما سأله: (أضعفاء الناس اتبعوه أم وجهاؤهم وأشرافهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم اتبعوه، فقال: كذلك أتباع الأنبياء). الشاهد هنا أن قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)) أي: الصحابة أو المؤمنون. قوله: ((قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ)) يعني: الفقراء الضعفاء كـ صهيب وبلال وخباب وغيرهم، نحن لا نفعل كفعلهم، فقال الله ﵎ رداً عليهم وذباً عن هؤلاء المؤمنين: ((أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)) يعني: لا يعلمون ذلك، فكأن السفاهة كلها منحصرة فيهم هم، لا في غيرهم، ولا تخرج عنهم.

стр. 42

تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) يقول ﵎: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]. (لقوا) أصلها لقيوا، فحذفت الضمة للاستثقال، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو، ثم ضمت القاف للمناسبة، فأصلها لقي فصارت لقوا. قوله: ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)) يعني: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة نفاقاً ومصانعة وتَقيَّة، وليشركوهم فيما أصابوه من الخير ومن المغنم. قوله: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) يعني: إذا خلوا منهم ورجعوا إلى شياطينهم وجلسائهم: ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) يقال: خلوت بفلان أو خلوت إلى فلان، يعني: انفردت معه، وخلا تكون بمعنى مضى في تفسير آخر، ومنه قولنا: القرون الخالية، يعني: السالفة والماضية. قوله: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) يعني: إلى أصحابهم أولي التمرد والعناد، والشيطان يكون من الإنس ويكون من الجن، والدليل قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]. قوله: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) أضيفوا إلى الشياطين لأنهم مشتركون معهم في الكفر. قوله: ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)) أي: اطمئنوا نحن معكم وعلى ما أنتم عليه. قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) يعني: إنما نحن في إظهارنا الإيمان عند المؤمنين مستهزئون ساخرون بهم. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((وَإِذَا خَلَوْا)) منهم ورجعوا ((إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) رؤسائهم. ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)) في الدين. ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) بهم بإظهار الإيمان.

стр. 43

تفسير قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) يقول : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥]. (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) يعني: الله يسخر بهم. قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يعني: يزيدهم على وجه الإملاء والاستدراج والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]. والطغيان هو: مجاوزة الحد، والشاهد من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] ومنه أيضاً كلمة الطاغوت. قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ذكر الله سبحانه أنه يستهزئ بهم، لكن لم يبين هنا تفاصيل هذا الاستهزاء، وقد بينه في سورة الحديد في قوله ﵎: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٣] فهذا هو استهزاء الله ﵎ بهم جزاء وفاقاً، والجزاء من جنس العمل. قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العمه بالهاء مثل العمى؛ لكن الفرق أن العمى عام في البصر وفي الرأي، أي: العمى في البصيرة وفي البصر، أما العمه فهو خاص بالرأي، وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه؛ ولذلك يقول: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: يزيدهم حيرة وتردداً وضلالاً. قوله: (في طغيانهم) فيه إشارة إلى أن هذا الطغيان غمرهم دنسُه وعلاهم رجسُه، حتى غرقوا في هذا الطغيان، فهم يترددون حيارى ضلالاً لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً، حيثما يمموا لا يرون إلا هذا الضلال، وهذا التردد، وهذا الطغيان!

стр. 44

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) يقول ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦]. (أولئك) إشارة للبعد؛ للإيذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء حالهم. قوله: ((الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ)) الضلالة هي الجور عن القصد، والمقصود بها هنا العدول عن الصواب في الدين. قوله: (بالهدى) يعني: بالتوجه إلى الضلالة بدل الهدى، والمقصود بالهدى هنا الاستقامة على الدين. قوله: ((اشْتَرَوُا)) يعني: لتمكنهم من الهدى وسهولة وصولهم إلى الهدى لتيسير أسبابه عليه كأنه في أيديهم، بل إنهم يتصرفون فيه كتصرف المالك. قوله: ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) معلوم أن الشراء هو استبدال السلعة بالثمن، وأخذ السلعة بدلاً من الثمن أخذاً منوطاً بالرغبة فيها، والإعراض عن الثمن. يعني: أنت إذا أردت أن تشتري أي جهاز مثلاً، وسعره غالٍ فكيف تتم عملية الشراء؟ تتم بأن تستبدل السلعة بالثمن، وما تفعل ذلك إلا لأنك تريد السلعة، فتضحي بالمال مقابل أن تنال السلعة، فهذا أصل عملية الشراء، فهذا الأخذ وهذا التبديل بين السلعة والثمن هو أخذ منوط بالرغبة في السلعة والإعراض عن الثمن، وتقبل مكانه وبدلاً منه هذه السلعة، فكذلك هؤلاء كأن الهدى كان معهم، وهم متمكنون منه، ثم زهدوا فيه ورغبوا عنه، واستبدلوه بالسلعة التي هي الضلالة، يقول : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. قد يقول قائل: كان يكفي لو أن الله اقتصر على قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦]؛ لأنها تشير إلى نفس هذا المعنى؛ لكن بلا شك أن مثل هذا التعبير والتتميم يزيد المعنى وضوحاً، فهذه من مسالك البلغاء والفصحاء، كما في قول الخنساء، تصف أخاها صخراً فتقول: وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نارُ تعني: هو إمام للهداة والأدلة كأنه علم يعني: جبل عال مرتفع شامخ، ولم تقتصر على هذا حتى أضافت قولها: في رأسه نار، فلم تكتف بوصفه بأنه جبل مرتفع حتى أضافت إلى ذلك اشتعال النار في رأسه من شدة الوضوح. فقوله ﵎: ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)) هذه إشارة إلى أنهم لا يفقهون في التجارة وما يستجلب الربح؛ فهم قد خسروا أعظم خسارة؛ لأنهم خسروا رأس المال، وهو هذه الهداية وهذا الهدى؛ فلذلك قال ﵎: ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)). وقال بعض المفسرين: ليس المقصود بقوله: ((وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) الهداية الدينية فقط، فلما وصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير إلى عدم اهتدائهم إلى طرق التجارة الصحيحة؛ لأنهم ليسوا خبراء بالتجارة، وهي: تحصيل أقصى قدر من الربح فضلاً عن ثبات رأس المال، فشأن التجار البصراء بالأمور الحرص على أعظم ربح ممكن، أما إذا أتى رجل يدعي أنه تاجر ثم إذا به يضيع الربح من أصله ثم يفقد أيضاً رأس المال فبلا شك أن هذا دليل على أنه غير عالم بأساليب التجارة الرابحة، وليس مثل التجار البصراء الذين عندهم بصيرة وعلم وخبرة بهذا العلم.

стр. 45

تفسير السيوطي لقوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) والآية التي بعدها يقول الإمام السيوطي ﵀ ﵎: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أي: يجازيهم باستهزائهم. (وَيَمُدُّهُمْ) أي: يمهلهم. (فِي طُغْيَانِهِمْ) بتجاوزهم الحد في الكفر. (يَعْمَهُونَ) يترددون تحيراً، والجملة في محل نصب حال. وقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي: استبدلوها به. (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) أي: ما ربحوا فيها؛ بل خسروا لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أي: فيما فعلوا.

стр. 46

تفسير قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) قال : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧] ثم ضرب الله ﵎ هذين المثالين لأحوال هؤلاء المنافقين فقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧]. قوله: (مثلهم) أي: صفتهم في نفاقهم. ((كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)) أي: مثل من أوقد ناراً، وقدر الإمام السيوطي هنا: ناراً في ظلمة، ولا بد أن يكون المعنى كذلك حتى يتم هذا المثل، وهذا من دقة تفسيره، وهو مأخوذ من سياق الآيات: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)). قوله: ((نَارًا)) التنكير للتعظيم، يعني: أنه أوقد ناراً عظيمة في وسط هذه الظلمة. قوله: ((فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)) أي: فلما أضاءت هذه النار ما حوله فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه. وهذه من فوائد النار: أنها تعطي الدفء في البرد، وتعطي الإضاءة والهداية والرؤية، وأيضاً الأمن مما يخاف. قوله: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) يعني: أطفأه، وجمع الضمير مراعاةً لمعنى: (الذي)؛ لأن معنى (الذي) الجمع. يعني: أطفأ نارهم التي هي مدار نورهم فبقوا في ظلمة وخوف. قوله: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) أي: حتى لا يبصروا ما حولهم فيبقوا متحيرين على الطريق خائفين. وتأمل قوله ﵎: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) فقد كان يمكن أن يقول: (ذهب نورهم) لكن قال: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) فهذا فيه إشارة إلى فقدانهم معية الله الخاصة للمؤمنين، ولم يعد لهم حظ من قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ولا من قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]، فهذه إشارة إلى فقدانهم هذه المعية الخاصة التي إنما تكون للمؤمنين. وأيضاً قال: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) ولم يقل: بنارهم؛ لأن النار لها فائدتان: الإشراق، والإحراق، فالإشراق هو النور، والإحراق هو النار، فبين هنا أن الله أذهب عنهم الإشراق الذي هو النور، وأبقى لهم الإحراق وهو العذاب بالنار! وقوله: ((فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) لم يقل: ذهب الله بضوئهم؛ لأنه لو قال: ذهب الله بضوئهم، فيحتمل أن يبقى معهم أصل النور، لكن نفى عنهم أصل النور، ومنع عنهم مادة النور بقوله ﵎: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) أي: أطفأه. قوله: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) هنا جمع كلمة (ظلمات)، وهذا شأن الله في التعبير عن الحق والباطل، فالباطل لا يكاد ينحصر، وطرق الضلال كثيرة جداً، والأديان الباطلة والمذاهب الضالة لا تنحصر؛ ولذلك دائماً يعبر عنها القرآن بصيغة الجمع، تجدون في القرآن: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] دائماً تجد في القرآن الظلمات مجموعة والنور مفرداً؛ لأن الطريق إلى الله واحد لا يتعدد، وإنما الذي يتعدد هو الباطل. ولا يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦] حيث جاءت سبل السلام بصيغة الجمع؛ لأن سبل السلام هي أنواع الخيرات وأنواع الطاعات المتعددة، وكلها تصب في طريق واحد، وهو هذا النور، وهو هذا السبيل الذي هو سبيل الله؛ ولذلك لما خط النبي ﷺ خطاً في الأرض قال: (هذا سبيل الله، ثم رسم على جنبتيه خطوطاً متفرقة، وقال: هذه سبل على رأس كل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]). قوله: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) يعني: لا يبصرون ما حولهم فهم متحيرون عن الطريق خائفون؛ فكذلك ارتباط المثل بصفة المنافقين الذين آمنوا بإظهار كلمة الإيمان، فاستمتعوا بها واستفادوا منها بحفظ أموالهم ودمائهم، وجريان أحكام الإسلام عليهم، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب، وأذهب الله عنهم هذا النور عند الموت؛ بحيث يجازون على ما كانوا يُكنُّون في صدورهم لا على ما كانوا يظهرون بين الناس. والمنافق ينتفع في الدنيا بهذا النور الذي هو كلمة لا إله إلا الله، وبإظهارهم الإيمان والتوحيد ومحبة المؤمنين، ((فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)) انتهت فترة استفادته من هذا الإظهار بالموت، انطفأ نوره، ولم يعد ينتفع بهذا النور، فهذا حاله بعد الموت! فالحاصل أنهم انتفعوا بكلمة: لا إله إلا الله مدة حياتهم القليلة، ثم قطع الله هذا الانتفاع عنهم بالموت، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب.

стр. 47

تفسير قوله تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) يقول ﵎: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]. (صم) يعني: هم صم عن الحق، فلا يسمعونه سماع قبول. قوله: (بكم) أي: خرس عن الخير فلا يقولونه. قوله: (عمي) أي: عن طريق الهدى فلا يرونه. قوله: ((فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)) يعني: عن الضلالة. فهذه إشارة إلى أن هؤلاء المنافقين قد سُدت عليهم سُبُل الهداية كلها، وهي: سمع، وبصر، وعقل، فهم صم عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول، وإذا سمعوه فكما تسمع الأنعام كما قال الله عنهم: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، قوله: ((كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ)) يعني: يرفع صوته وينادي البهائم أو العجماوات. قوله: (بما لا يسمع) أي: لا يسمع الدعاء والنداء، كالحيوان من البقر والقرود وغيرها من العجماوات، إذا ناديت سمع صوتك، لكن لا يفهم الكلام، فهذا الكافر لو تلوت عليه المعلقات السبع يفهمها ويعرف معانيها، لكن لا يفهمون ما ينفعهم! وهذا الكلام حقيقي يجب استحضاره حين نتكلم وليس مجازاً، فهؤلاء على قلوبهم أقفالٌ كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فالقلب له قفل والعياذ بالله، وضع الله على قلوب المنافقين أقفالاً، فلا يخرج الكفر والنفاق منها ولا يدخل الإيمان فيها، لا يسمح بالخروج ولا بالدخول، فداخلها -والعياذ بالله- هذا النفاق.

стр. 48

تفسير قوله تعالى: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات) قال : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩]. قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) يعني: مثلهم كأصحاب صيِّب، والصيِّب هو المطر، أصله صيوب، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغمتا، من صاب يصوب يعني: ينزل. قوله: ((مِنَ السَّمَاءِ)) أي: كصيب من السماء، والمقصود بالسماء هنا السحاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٩] يعني: من السحاب. قوله: ((فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)) هذا التنكير للتفخيم والتهويل، كأنه قيل: في هذا السحاب ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. قوله: (ورعد) قيل: هو الملك الموكل به، وقيل: صوته. قوله: (وبرق) يعني: لمعان بريقه الذي يلمع به، لكن الأولى أن يوصف الرعد بأنه قاصف، والبرق بأنه خاطف. قوله: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ)) يعني: أصحاب الصيب يضعون أصابعهم في آذانهم، والمقصود بأصابعهم الأنامل، فهذا من إطلاق الكل، مع إرادة الجزء. قوله: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)) يعني: من أجل الصواعق. قوله: ((حَذَرَ الْمَوْتِ)) يعني: خوف الموت من سماعها، وكذلك هؤلاء المنافقون إذا نزل القرآن وفيه ذكر الكفر المشبَّه هنا بالظلمات، والوعيد عليه المشبَّه بالرعد، والحجج البينة المشبَّهة بالبرق، يسدون آذانهم؛ لئلا يسمعوه، فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم، وهو عندهم موت! وهذا المثل منطبق على أحوال هؤلاء المنافقين. إذاً: المقصود بقوله ﵎: (فيه ظلمات) يعني: أن الوحي الذي ينزل من عند الله وهو القرآن يحتوي على وصف الكفر بالظلمات، ويحتوي على الوعيد على الكفر، وهو الذي شبهه بالرعد بقوله: (وَرَعْدٌ) والآيات التي تنزل عليهم كالرعد، وتنذرهم عاقبة هذا الكفر. قوله: (وبرق) أيضاً في هذا الوحي برق ونور ساطع وحجج بينة، فهم يسدون آذانهم؛ لئلا يسمعوا هذه الحجج فيميلوا إلى الإيمان، ويتركوا دينهم؛ لأنهم يخافون إذا سمعوا هذا الوحي الذي فيه تنفيرٌ عن الكفر وترغيب في الإيمان أن تميل قلوبهم؛ ولذلك يضعون أصابعهم في آذانهم من هذه الصواعق؛ حذر الموت الذي هو التحول مما هم عليه إلى الإسلام، كأن هذا التحول عندهم موت، فبالتالي يسدون منافذ الهدى؛ كي لا يصل الوحي إلى أسماعهم. قوله: ((وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ)) يعني: محيط بهم علماً وقدرة، فلا يفوتونه ولا يعجزونه، وهنا أظهر الله ما كان يمكن أن يضمر؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بهم، فإظهار كلمة الكافرين في قوله: (والله محيط بالكافرين) لبيان أن ما دهمهم من البلاء وحل بهم كان بسبب كفرهم، كقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران:١١٧] فأظهر هذا الوصف، وهو أنهم قوم ظلموا أنفسهم؛ لأن الإهلاك الناشئ عن السخط والغضب لا عن قضاء وقدر فإنه يكون أشد على هؤلاء الكافرين؛ فلذلك أظهر وصفهم بالكافرين.

стр. 49

تفسير قوله تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) يقول ﵎: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]. قوله: ((يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ)) يعني: يأخذها بسرعة، وضوء البرق أضعاف ضوء الشمس؛ لأن ضوء البرق القاذف الذي نراه قوي جداً، ولو استدام قليلاً لربما أثر على بصر الإنسان. قوله: ((كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)) يعني: مشوا في ضوء هذا البرق. قوله: ((وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)) يعني: وقفوا أو جمدوا مكانهم بلا حراك، كما تقول: قام الماء إذا جمد وسكن، كذلك تقول: قامت السوق، يعني: كسدت وركدت. إذاً: الله ﵎ يبين أن ما في القرآن من الأمثلة يزعج قلوب هؤلاء المنافقين، فهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين، وبيان ما هم فيه من التحير والجهل بما يأتون وبما يذرون، إذا أضاء لهم البرق مشوا مع خوفهم من أن يخطف هذا البرق أبصارهم؛ لكنهم أيضاً يريدون أن يستفيدوا من هذه الإضاءة التي تحصل من البرق. إذاً: إذا ظهر البرق فهم بين أمرين: الأول: يخافون منه أن يخطف أبصارهم لشدة قوته. الثاني: يريدون أن ينتفعوا بهذا الضوء؛ لأنهم واقفون في ظلمات. قوله: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)) أي: لو شاء الله في قصف الرعد أصمهم، أو في ضوء البرق أعماهم. يقول السيوطي: قوله تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا) وقفوا، تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبهم، وتصديقهم لما سمعوا فيه مما يحبون، ووقوفهم عما يكرهون. يعني: هذا هو حال المنافقين إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﷺ من الحجج والبراهين فهذه الحجج تزعج قلوبهم، وهي المشار إليها في آيات القرآن بالبرق، فهذا البرق يزعج قلوبهم فهم إذا سمعوا فيه الوعيد والتهديد على عاقبة الكفر والكفرة والمنافقين خافوا، وإذا سمعوا فيه أشياء يحبونها فإنهم يصدقون بها ويأنسون بها ويريدون أن يستفيدوا منها، أما إذا أتاهم ما يكرهون فإنهم يقفون عما يكرهون، بمعنى: أنهم يعبدون الله على حرف، كحال من وصفهم الله ﵎ بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] يريد أن يعبد الله على جانب واحد فقط وهو جانب الخير. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١]، قال: هذا دين حسن، أصبنا فيه خيراً من كثرة الأموال والصحة ونتاج الخيل والإبل إلى غير ذلك من متاع الدنيا. ((وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ)) أي: اختبار وابتلاء. ((انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)) أي: انقلب على عقبه. ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. فإذا ابتلي في صحته بمرض أو في ماله بفقر أو بأي مصيبة في الدنيا تراه ينقلب على عقبيه ويقول: هذا دين سوء ما رأينا فيه خيراً، ويتطير ويتشاءم من هذا الدين والعياذ بالله، فهذا حال هؤلاء المنافقين. قوله: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)) يعني: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بالباطنة، فكما طمس بصائرهم وختم على قلوبهم وأعمى قلوبهم عن رؤية الحق، كذلك أيضاً يمكن أن يفسد عليهم حواسهم الظاهرة، كما أفسد عليهم حواسهم الباطنة. قوله: ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) يعني: إن الله على كل شيء شاءه قدير، ومنه إذهاب ما ذكر من هذه الحواس.

стр. 50

تفسير سورة البقرة [٢١ - ٣٤]

стр. 51

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا الله ربكم) هنا التفات في أسلوب الخطاب حيث إن الله التفت مباشرة في خطابه إلى الناس أجمعين آمراً إياهم بأول صيغة أمر تأتي في القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: كل المكلفين سواء منهم المؤمنون أو الكافرون، فكلهم مخاطبون. قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي: وحدوا ربكم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] يعني: يعبدونني وحدي؛ فكذلك هنا: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يعني: اعبدوا ربكم وحده ولا تشركوا به شيئاً. قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أنشأكم ولم تكونوا شيئاً، والذي أنعم عليكم بنعمة الوجود بعد العدم. قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: وخلق الذين من قبلكم. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يعني: لعلكم تتقون بعبادته عقابه وعذابه، و (لعل) أصلها في اللغة للترجي، لكنها في كلام الله لتحقيق الوقوع.

стр. 52

تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) قال ﵎: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة:٢٢]. قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعني: خلق. قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ يعني: بساطاً يفترش، لا هي غاية في الصلابة ولا هي في غاية الليونة، حتى لا تستطيعون أن تستقروا عليها، وإنما جعلت لكم فراشاً أي: بساطاً. قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ السماء هنا اسم جنس، أي: خلق السماوات سقفاً كالبناء يشد بعضه بعضاً، وهذه حقيقة ظهرت لمن يدرسون الفلك، فهم يعلمون هذا التناسق وهذا التماسك العجيب في تكوين هذه الأجرام السماوية، وثباتها ودورانها المحكم وغير ذلك مما يذهل العقول إذا تدبره الإنسان، فالسماوات بناء محكم يشد بعضه بعضاً، ودائماً يعبرون عن ذلك بالجاذبية، وإنما هي سنة الله وقوة الله وقدرة الله، وإلا فمن وراء كل هذه الخواص؟ إن المسبب الحقيقي لهذا التماسك والاتزان هو الله . قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أي: أخرج من أنواع الثمرات رزقاً تأكلونه وتعلفون به دوابكم. قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ يعني: شركاء في العبادة. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: تعلمون أن الله هو المنفرد بخلقكم ورزقكم، وتعلمون أن هذه الأنداد لا تملك لكم رزقاً ولا خلقاً ولا ضراً ولا نفعاً. فإذا كان هذا هو الحال، فإن الله لا يصلح أن يجعل له نداً واحداً فكيف بالأنداد الكثيرة؟! فإذا كان الأمر كذلك، وكان من يخلق ليس كمن لا يخلق، فلا يستقيم أن تجعل له شريكاً واحداً، فكيف بأنداد متعددة ومتكاثرة؟! فلا يكون إلهاً إلا من يخلق وهو الله . وهنا إشارة إلى حقيقة إيمانية مهمة جداً، واستدلال بثلاثة أدلة على قضية من قضايا الإيمان، وهي قضية البعث والنشور، وهذا هو الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، فإذا كان الله قد هان عليه وسهل عليه أن ينشئنا أول مرة فإن إعادتنا بالبعث والنشور يكون أسهل مرة ثانية. الدليل الثاني: الإشارة إلى عظيم خلق السماء والأرض: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢]، والله ﵎ يقول في شأن السماوات والأرض: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] يعني: هي أعظم آية لمن علم، فمن خلق هذا كله فهو بالأولى قادر على إعادته، وهو أهون عليه وأسهل عليه. الدليل الثالث على البعث والنشور: دليل حي وحسي نلمسه جميعاً وهو إحياء الأرض بعد موتها، فالذي يحيي الأرض بعد موتها -وهو هو الذي يحيي الموتى، فهذا مظهر من مظاهر عموم قدرته على كل شيء ؛ فلذلك يقول ﵎ هنا: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، فهذه إشارة إلى إحياء الأرض بعد موتها، فالذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].

стр. 53

تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قال ﵎: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]. قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي: في شك، و (إن) كلمة تفيد الريب. قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: عبدنا محمد ﷺ . قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ هذا تعجيز وتحدِّ. وقوله : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] هذا التعبير للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم مع مكابرتهم وصدودهم هو الارتياب في شأنه؛ لكمال وضوحه وإعجازه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢]، ولا شك أنه من عند الله، فهنا يقول: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة:٢٣] وهذه إشارة إلى أنكم لا تجرءون على تكذيبه؛ ولكن أقصى ما تصلون إليه هو الشك فقط. قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] هذا السياق إذا تأمله المؤمن يشعر أن القرآن له سلطة عليا وقاهرة هي التي تخاطب البشر، وتخاطب الرسول ﵊، وهذه الروح التي تشعر بهذه القوى وبهذه العظمة مبثوثة في كل أجزاء القرآن، بحيث يستحيل أن يكون هذا الكلام هو كلام محمد ﵊، فتأمل نون العظمة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم: ﴿نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٧] فاستشعر بهذه القوى العظمى المسيطرة التي هي حاكمة حتى على قلب رسول الله ﷺ ، ومهيمنة على قلوب المخاطبين بهذا الكتاب المجيد، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فتأملوا هذا وأنتم تقرءون القرآن، وستشعرون بأن هذه القوة هي كلام الله . قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] يعني: محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكره هنا فيه إشارة إلى رسول الله ﷺ في القرآن الكريم بعنوان العبودية التي هي أشرف المقامات؛ إيماء إلى أن شرفه إنما هو بتحقيقه العبودية لله ﵎، ولهذا الأمر قرائن في القرآن في كون وصف رسول الله ﷺ بالعبودية لله هي أشرف المقامات، ومن الشواهد ما جاء في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، وهذا في مقام الإسراء. وفي مقام الدعوة قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] يعني: كاد الجن يزدحمون عليه طبقات فوق طبقات، وهذا في مقام الدعوة. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] في رحلة المعراج. وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] في مقام الوحي؛ لأن هذه الآية عن الرسول محمد ﵊. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] هي في عيسى ﵊، فالأنبياء يوصفون بالعبودية لله ﵎؛ لكننا هنا نذكر ما يخص النبي ﵊، فالوصف بالعبودية يدل على التشريف العظيم. قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] أضافه الله إليه تفخيماً له وتشريفاً لمقامه ﷺ ، والمقصود بقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: من القرآن. يعني: إن كنتم في ريب أن هذا القرآن الذي نزلناه على عبدنا محمد ﷺ هو من عند الله فأتوا بسورة من مثله، وهذا أسلوب تحدٍّ وتعجيز، مثل قوله ﵎: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، ماذا يقول؟! وكيف يجيب؟! وكذلك هنا هو من نفس الباب: تعجيز وتحدٍّ. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعني: إن كان محمد ﷺ -وهو رجل أميّ لا يقرأ ولا يكتب- أتى بهذا القرآن الكريم مع ما فيه من الإعجاز والفصاحة التي لم يسبق لها نظير على الإطلاق، وأنتم رءوس البلاغة ورءوس الفصاحة، والعرب مشهورون بذلك خليقة وطبيعة وفطرة؛ فنحن لا نكلفكم مع هذا بأن تأتوا بمثل القرآن كله، ولكن ائتوا بسورة من مثله، وهو رجل أمي أتى بأضعاف هذه السورة التي ستحاولون أن تفعلوها: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] أي: من مثل هذا القرآن المنزل (ومن) للبيان، يعني: ائتوا بسورة هي مثل القرآن في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب، فـ (من) هنا مثل قوله ﵎ حكاية عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، فهل ﴿مِنْهُمْ﴾ تبعيضية؟ لا، بل هي بيانية؛ وكذلك هنا: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ﴿مِنْ﴾: للبيان، يعني: سورة تكون مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب. والسورة قطعة لها أول وآخر، وأقلها ثلاث آيات. وليس هذا فحسب؛ لكن: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، استحضروا واستدعوا من شئتم من الجن والإنس ورؤسائكم وأشرافكم وعلمائكم وبلغائكم، وادعوا حتى آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، لتعينكم إن كنتم صادقين في أن محمداً قاله من عند نفسه، فافعلوا ذلك؛ فإنكم عربٌ فصحاء مثله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 54

تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) أكبر وأقوى وأعظم معجزات رسول الله ﵌ هي التحدي بالقرآن، وألفت مئات الكتب في بيان إعجاز القرآن الكريم، وقد عجز المشركون عن أن يأتوا بسورة مثله، قال الله ﵎ لهم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] وهذا تحدٍّ، وبالفعل لم يجرؤ أحد منهم أن يواجه هذا التحدي، وكل من حاول أن يحاكي بلاغة القرآن، أتى بأشياء يضحك عليه كل من سمعه من العقلاء، فهذا مسيلمة يقول: الفيل، وما أدراك ما الفيل؟ ذو خرطوم طويل، وذنب قصير! وغير ذلك من الكلام البارد الذي إذا سمعه إنسان استخف عقل قائله وسفهه. قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] يعني: إن لم تفعلوا ما ذكر من قبل بسبب عجزكم. قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] يعني: ولن تفعلوا ذلك أبداً؛ لظهور إعجازه، وهذه الجملة ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ جملة اعتراضية. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ تعتبر أعظم دلالة على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنهم لم يفعلوا كما أخبر الله ﵎ هذا أبداً، ولم يستطيعوا ولم يجرؤ واحد منهم مع أن التحدي قائم، وهم حريصون على الطعن في الدين بكل مستطاع؛ فلذلك لم يفعلوا، فهذا أقوى وأظهر وأوضح وأجلى دليل على صدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] يعني: بالإيمان بالله وبأن القرآن ليس من كلام البشر، اتقوا النار التي وقودها الناس، والمقصود بالناس هنا هم الكفار، والحجارة هي أصنامهم المصنوعة من الحجارة، يعني: أنها من شدة الحرارة توقد بما ذكر لا كنار الدنيا توقد بالحطب ونحوه، فالناس أنفسهم هم الذين يكونون وقوداً للنار والعياذ بالله، وكذلك الحجارة تكون وقودها. قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] أي: هيِّئت للكافرين يعذبون بها.

стр. 55

تفسير قوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) بعدما ذكر الله هذا الترهيب للكفر والكافرين ثنى بتبشير المؤمنين، والقرآن قد سُمي من هذه الحيثية مثاني؛ لأنه يثني دائماً الترغيب بالترهيب فقال : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥] يعني: أخبرهم الخبر السار الذي يسعد ويسر، والذين آمنوا هم الذين صدقوا بالله ﵎. قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥] يعني: من الفروض والنوافل. قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥] يعني: بشرهم بأن لهم. قوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ [البقرة:٢٥] أي: حدائق ذات شجر ومساكن. قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت الجنات أو من تحت الأشجار والقصور الأنهار، والذي يجري هو ماء الأنهار. قوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾ [البقرة:٢٥] أي: كلما أطعموا من تلك الجنات. قوله: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥] يعني: هذا مثل الذي رزقنا قبله في الجنة؛ لتشابه ثمارها، بقرينة قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ [البقرة:٢٥] أي: جيئوا بالرزق. قوله: ﴿مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة:٢٥] أي: يشبه بعضه بعضاً في اللون ويختلف في الطعم. قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ [البقرة:٢٥] يعني: من الحور وغيرها، ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة:٢٥] يعني: من الحيض ومن كل قذر، ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] أي: ماكثون أبداً لا يخرجون.

стр. 56

تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة) لما ضرب الله المثل بالذباب في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج:٧٣]، وفي قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] فكأن اليهود استغربوا وقالوا: كيف تزعمون أن القرآن كلام ربكم وكلام إلهكم ثم يذكر هذه الأشياء الحقيرة، مثل: الذباب والعنكبوت؟! فأنزل الله رداً عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] و (مثلاً) المفعول الأول و (ما) المفعول الثاني؛ لأن (ما) هذه اسمية إبهامية، وإذا دخلت كلمة (ما) الاسمية الإبهامية على اسم نكرة أبهمته إبهاماً تاماً وزادته شيوعاً وعموماً، كقولك: أعطني كتاباً ما. أي: أعطني أي كتاب كان، فمعنى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة:٢٦] يعني أن يجعل أي مثل كان، أو تكون (ما) زائدة لتأكيد حقارتها. قوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ البعوض هو صغار البق قوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني: ابتداء من البعوضة فما هو أكبر منها، أي: لا يترك الله بيانه لما في هذا المثل الذي يضربه الله من الحكم أو معنى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني: ما دونها، فيكون المقصود ما يكون أقل منها في الصغر، فهذا من الأضداد. إذاً: يريد الله أن يبين لهم أنه كما لا يستنكف الله عن خلقها كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها، وقد ضرب المثل في القرآن الكريم بالذباب فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، وضرب المثل بالعنكبوت فقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] فالتمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، بغض النظر عن الشيء الذي ضرب به المثل هل هو حقير أم عظيم، فالمقصود كشف هذه المعاني وتجليتها؛ فلذلك لا يستحيي الله أن يضرب مثلاً بهذه الأشياء. قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٦] الهاء تعود على المثل. قوله: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: المثل الثابت الواقع موقعه ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:٢٦] إعراب (مثلاً) هنا: تمييز، يعني: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ و (ما) اسم استفهام وإنكار، يعني: أي فائدة في هذا المثل؟ فرد الله عليهم استنكارهم بقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦] يعني: هذا المثل يضل الله به كثيراً عن الحق؛ لكفرهم به، ويهدي به كثيراً من المؤمنين؛ لتصديقهم به. قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦] أي: الخارجين عن طاعته.

стр. 57

تفسير قوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) قال ﵎: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧] هذا وصف الفاسقين، والفسوق هو الخروج، تقول: فسقت الرطبة يعني: خرجت. يعني: ينقضون ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد ﷺ . قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة:٢٧]، يعني: من بعد توكيده عليهم. قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧] يعني: من الإيمان بالأنبياء جميعاً دون تمييز ودون تفريق بينهم. ويوجد خلاف في معنى: (ما الله به أن يوصل) فقال بعض العلماء: أمروا أن يصلوا العلم بالعمل، وقال آخرون: أراد الله أن يوصل الرحم، أو أراد الله أن يوصل الإيمان بجميع الأنبياء، تؤمن بموسى فإذا بعث عيسى تؤمن بعيسى فإذا بعث محمد ﵊ تؤمن بمحمد، ولا تفرق بين الأنبياء. إذاً: قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧] من الإيمان بالنبي ﷺ وصلة الرحم وغير ذلك. قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧] بالمعاصي والتعويق عن الإيمان. قوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:٢٧] يعني: أن مصيرهم إلى النار المؤبدة إن لم يؤمنوا.

стр. 58

تفسير قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً) قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] أي: كيف تكفرون -يا أهل مكة بالله- وقد كنتم نطفاً في الأصلاب فأحياكم في الأرحام وفي الدنيا بنفخ الروح فيكم؟! والاستفهام للتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو الاستفهام للتوبيخ. قوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] أي: عند انتهاء آجالكم. قوله ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث والنشور. قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] أي: تُردون بعد البعث، فيجازيكم بأعمالكم.

стр. 59

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض) قال ﵎ تأكيداً على البعث الذي أنكروه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. يعني: خلق الأرض وما فيها لتنتفعوا به وتعتبروا. قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: بعد خلق الأرض قصد إلى السماء. قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ الضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه. قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ يعني: صيرها، وفي آية أخرى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢]. قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] يعني: يعلم على سبيل الإجمال وعلى سبيل التفصيل كل دقائق الأمور، أفلا تعتبرون أن القادر على خلق ذلك ابتداء -وهو أعظم منكم- قادر على إعادتكم؟ فخلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس، فمن خلق ذلك أفلا يقوى على إعادتكم أنتم؟!

стр. 60

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) قال : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة:٣٠] يعني: واذكر يا محمد: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] يعني: يخلفني في تنفيذ الأحكام فيها، وهو آدم ﵇. قوله: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة:٣٠] يعني: بالمعاصي. قوله: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠] يعني: يريقها بالقتل. كما فعل بنو الجان حين كانوا فيها، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال. وبعض العلماء يقول: فهمت الملائكة من كلمة (خليفة) أن الخليفة سيحكم بين الناس في أقضياتهم ونزاعهم، وفهموا أنه سيحصل فساد من هؤلاء المخلوقين، يحتاج إلى وجود خليفة يحكم بينهم في الدماء والأموال وغير ذلك، فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]. قوله: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ يعني: نسبح متلبسين بحمدك؛ لأن التسبيح تنزيه لله عن النقائص التي لا تليق به، والتحميد إثبات الكمال له، فلذلك دائماً يقترن التسبيح بالتحميد، فنقول: سبحان الله وبحمده. قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: ننزهك عما لا يليق بك، ومعنى ذلك: أننا نحن أحق بالاستخلاف. قوله: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] أي: يقول تعالى: أنا أعلم ما المصلحة في استخلاف آدم ﵇، وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، فقالت الملائكة: لن يخلق ربنا خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا لسبقنا له. يعني: لأننا سبقنا قبل هذا الخليفة في الخلق فنحن أفضل منه، ونحن نرى ما لم يره هذا الخليفة، فخلق الله آدم من أديم الأرض -أي: وجهها، بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها، وعجنت بالمياه المختلفة، وسواه ونفخ فيه الروح فصار حيواناً حساساً بعد أن كان جماداً.

стр. 61

تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] يعني: أسماء المسميات كلها، حتى القصعة والقصيعة، والفسوة والفسية، والمغرفة، وغير ذلك، بأن ألقى في قلبه علم هذه الأسماء. قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يعني: عرض المسميات، وفيه تغليب العقلاء وإن كانت المسميات تشمل العاقل وغير العاقل. قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣١]، فقال لهم تبكيتاً، وإلزاماً بالحجة لإظهار مكانة آدم: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة:٣١] يعني: أخبروني: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء﴾ [البقرة:٣١] يعني: المسميات. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٣١] في أني لا أخلق أعلم منكم، أو أنكم أحق بالخلافة.

стр. 62

تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة:٣٢]، تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك. قوله: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢] يعني: إياه. قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢] أي: الذي لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.

стр. 63

تفسير قوله تعالى: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم) قال تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣] أي: أنبئ الملائكة بأسماء المسميات، فسمى آدم كل شيء باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ﴾ يعني: قال ﵎ للملائكة موبخاً ومنبهاً: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣] ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ﴾ يعني: ما غاب في السماوات والأرض. ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ يعني: ما تظهرون من قولكم: (أتجعل فيها) إلى آخره ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: ما تسرون من قولكم: لن يخلق الله أكرم عليه منا ولا أعلم.

стр. 64

تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]. قوله: ﴿وَإِذْ﴾ يعني: واذكر إذ ﴿قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: سجود تحية بالانحناء. وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ وهو أبو الشياطين، وهو من الجن أو أبو الجن، لكنه كان يعبد الله مع الملائكة، فشمله الأمر الذي شمل جميع الملائكة؛ لأن هذا الأمر شمل جميع الملائكة، حتى جبريل وإسرافيل لقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠] وهذا تأكيد للعموم، فدل على أن جميع الملائكة وجه إليهم هذا الأمر، وإبليس كان يعبد الله معهم فمن ثمّ شمله هذا التكليف. وقوله: (أَبَى) أي: امتنع من السجود (وَاسْتَكْبَرَ) أي: تكبر عنه، السين هنا للمبالغة، وتفسيرها: تكبر عن أن يسجد. وقوله: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني: في علم الله ﵎، أو صار من الكافرين، لكن الأشهر أن يقال: (وكان من الكافرين) يعني: في علم الله ﵎. وقوله هنا: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) هذا الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم، بدليل قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٨] يعني: في المستقبل؛ لأنه لم يكن قد خلق آدم ﵇، فالأمر بالسجود كان قبل خلقه، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٩]. وفي سورة (ص) قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٧١ - ٧٢]. إذاً: كان أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل خلقه.

стр. 65

الرد على قياس إبليس الفاسد قوله : (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) لم يبين الله ﵎ هنا موجب استكبار إبليس، فما هو الذي دفع إبليس إلى الاستكبار؟ بين الله ﵎ الأمر الذي جعل إبليس في نظره يستكبر عن السجود لآدم ﵇ فيما حكاه عنه بقوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وفي قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢]، وفي قوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٣٣]. فهذا القياس الإبليسي هو الذي حمله على الاستكبار؛ فإبليس قاس نفسه على عنصره وهو النار، وقاس آدم على عنصره وهو الطين، ثم استنتج من ذلك أنه خير من آدم؛ لأن إبليس خلق من نار، وآدم خلق من طين، وكان ينبغي ألا يمتنع عن السجود مع وجود النص الصريح الذي هو قوله ﵎: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤]. وهذا القياس يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وينبغي أن يذكر هنا شيء مهم جداً وهو: أن وجود النص أدل دليل على فساد القياس. فقول تعالى: (اسجدوا) هذا نص، فهذا أول وجه ينبغي أن يقدم على غيره في إبطال هذا القياس الفاسد، ولذلك يقول الإمام أبو السعود المالكي في (مراقي السعود): والخلف للنص أو اجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعا والخلف للنص: يعني: أي نوع من القياس فيه مخالفة أو مساومة للنص من قرآن أو سنة أو إجماع فقد دعا: أي سماه ودعاه: فاسد الاعتبار كل من وعا، أي: يسميه (فاسد الاعتبار) كل من عقل ووعى وعلم. فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا باطل من وجوه: الأول: أنه فاسد الاعتبار لمخالفته النص الصريح كما بينا، فقد ورد الأمر من الله: (اسجدوا لآدم)، وواضح من سياق الآيات أن هذا الأمر شمل إبليس لعنه الله. الوجه الثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين؛ لأنه بنى هذا القياس على أساس أن النار خير من الطين، بل في الحقيقة أن الطين خير من النار؛ لأن طبيعة النار الخفة والطيش والإفساد والتفريق، أما الطين فطبيعته الرزانة والإصلاح، فالطين تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتعطيه النواة فيعطيكها نخلة مباركة، وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض النظرة وما فيها من الثمار اللذيذة والأزهار الجميلة والروائح الطيبة وستعلم أن الطين خير من النار، وإذا أردت أن تعرف أضرار النار ومفاسدها فانظر إلى عنبر الحرائق في المستشفيات، أو انظر إلى صفحة الحوادث في الجرائد تعرف أثر النار وطيشها وفسادها وخفتها. ثالثاً: لو سلمنا تسليماً جدلياً أن النار خير من الطين كما زعم إبليس فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم؛ لأن شرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعاً والفرع وضيعاً، كما قال الشاعر: إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا يخاطب الشاعر رجلاً ينتسب إلى أجداد وآباء شرفاء وهو بئس الرجل؛ لأنه رجل سيئ، فماذا ينفعه ذلك؟! فشرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، وقال الآخر: وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة وباهلة قبيلة كان عامة العرب ينشدون الأشعار في هجائها ووصفها بالدونية والاحتقار والصفات الدنيئة. فلا تنفع الإنسان أخلاقه التي تنتمي إلى باهلة وإن كان نسبه وسلالته تنتهي إلى هاشم، فكل هذا يؤكد أن شرف الأصل لا يستلزم ولا يستوجب شرف الفرع.

стр. 66

حكم السجود لغير الله أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم ﵇ كرامة عظيمة من الله ﵎ لآدم ﵇، وهذا السجود اختلف المفسرون فيه، فبعضهم قال: إنه سجود تكريم لآدم، وقيل: السجود كان لله، وآدم قبلة، وقيل: إن السجود لآدم كان تحية، وقيل: كان السجود لآدم عبادة بأمر الله، وهو سبحانه الذي فرضه عليهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال أهل العلم: السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه، وعلى هذا إجماع كل من يسمع قوله. أي: أن السجود كان لآدم بأمر وإيجاب الله ؛ فإن الله تعالى قال: (اسجدوا لآدم) ولم يقل: اسجدوا إلى آدم، وهذا يبطل قول من قال: إن آدم كان قبلة وإن السجود كان لله؛ لأنه لم يقل: اسجدوا إلى آدم أو إلى جهة آدم، لكن قال: (اسجدوا لآدم). يقول شيخ الإسلام: فإن الله تعالى قال: (اسجدوا لآدم) ولم يقل: إلى آدم. وكل حرف له معنىً، وفرق بين قولك سجد له وبين سجد إليه، قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت:٣٧]، وقال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرعد:١٥] قال: وأجمع المسلمون على أن السجود للأحجار والأشجار والدواب محرم، وأما الكعبة فيقال: كان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس، ثم صلى النبي ﷺ إلى الكعبة، ولا يقال: صلى لبيت المقدس ولا صلى للكعبة؛ لأننا لا نعبد الكعبة، وإنما الكعبة قبلة للعبادة فقط. فلذلك نقول: صليت إلى القبلة أو إلى الكعبة، ولا نقول: صليت للكعبة. قال: والصواب أن صاحب الخضوع بالقلب والاعتراف بالعبودية لا يصلي على الإطلاق إلا لله ، وأما السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر. يعني: أن خضوع القلب والتعبد لا يكون إلا لله، وأما السجود في حد ذاته فشريعة من الشرائع يتبع الأمر، فلو أمرنا الله أن نسجد لأحد من خلقه لسجدنا طاعة واتباعاً لأمره، ولو أمرنا الله أن نسجد لأحد من خلقه لأطعنا؛ لأنه أمر صادر من الله . فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتعظيم وتكريم، وكذلك سجود أخوة يوسف له كان تحية وسلاماً، ولم يأتِ أن آدم سجد للملائكة، بل لم يؤمر بالسجود إلا لله رب العالمين، وبالجملة أهل السنة قالوا: إنه سجود تعظيم وتكريم وتحية لآدم ﵇. وقالت المعتزلة: كان آدم بالقبلة يُسجد إليه، ولم يسجدوا له، قالوا ذلك هرباً من أن تكون الآيات الكريمة حجة عليهم؛ فإن أهل السنة قالوا: وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم، وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس بقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢] فكان هذا السجود فعلاً تكريماً لآدم، والدليل هنا في قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢].

стр. 67

نوعية الملائكة الذين سجدوا لآدم ﵇ واختلف العلماء في الملائكة الذين أمروا بالسجود: فقيل: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وقيل: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، وهذا قول عامة أهل العلم بالكتاب والسنة، أي: أن الأمر كان موجهاً إلى جميع الملائكة، والدليل قوله ﵎ في هذه الآية ونحوها، يقول ابن تيمية: ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان؛ لأنه قال: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) فانظر إلى التوكيد؛ فإنه تأكيد للعموم.

стр. 68

جنس إبليس اختلف العلماء في إبليس: هل كان من الملائكة أم لا؟ وفي المسألة قولان: أحدهما: أنه كان من الملائكة، وهذا قول أكثر المفسرين؛ لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم، فلولا أنه من الملائكة لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصياً، ولما استحق الخزي واللعن. القول الثاني: أنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس؛ ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، كما قال تعالى حاكياً عنه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فهذا يدل على أنه لم يخلق مما خلقت منه الملائكة الذين خلقوا من نور، ولأن إبليس له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم. قال في الكشاف: إنما تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة؛ لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع. والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، وممن صححه البغوي، وأجابوا عن قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وعلى أي الأحوال الخلاف في هذا الأمر موجود بين العلماء، والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى لما حكى هذا الخلاف رجح ما يراه راجحاً كعادته في التحقيق، وهذا حري به، كما يعبر العلماء دائماً عنه فيقولون: قال الإمام المحقق ابن القيم الجوزية؛ لأن ابن القيم يتميز بتحقيق المسائل وتمحيصها من الناحية العلمية، ويذكر التفصيل في المسألة. فبعض العلماء يقولون: إن الصحيح: أنه كان من الملائكة، وهذا نوع من الملائكة اسمهم الجن؛ لأنهم يخفون ولا يظهرون، والبعض قال: كان هو أبو الجن أو أصل الجن، لكن كان يعبد الله مع الملائكة، وإن لم يكن من جنسهم، فلذلك شمله الأمر معهم، حتى قال بعضهم: إنه كان منافقاً يظهر موافقة الملائكة في العبادة فقط. يقول ابن القيم: الصواب التفصيل في المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول واحد، فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته يعبد الله معهم، وليس منهم بمادته وأصله، فأصله من نار وأصل الملائكة من نور، فالنافي كونه من الملائكة والمثبت لم يتواردا على محل واحد، فمن يقول: هو من الملائكة يشير إلى صورته أنه كان مع الملائكة في عبادة الله، والذي يقول: ليس من الملائكة يتحدث عن أن أصله من نار، وليس كالملائكة الذين أصلهم من نور. وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار، وإنما سموا جناً لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨] أي: وبين الجن؛ لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، والعياذ بالله! قيل: ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية، وقد سئل الشعبي: هل لإبليس زوجة؟ فقال: ذلك عرس لم أشهده! أي: حفل زواج ما كنت حاضراً فيه، قال الشعبي: ثم قرأت هذه الآية فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. وقال قوم: ليس له ذرية ولا أولاد، وذريته هم: أعوانه من الشياطين.

стр. 69

تحديد وقت كفر إبليس قوله ﵎: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] فيها قولان: أحدهما: أنه وقت العبادة كان منافقاً من الكافرين، يعني: كان يعبد الله مع الملائكة، لكن كان منافقاً كذاباً في هذه العبادة. القول الثاني: أنه كان مؤمناً ثم كفر، يعني: أنه كان من الكافرين في سابق علم الله، أو صار من الكافرين، وهذا قول الأكثرين، أي: أنه كان مؤمناً ثم كفر. والذي عليه الأكثرون أن إبليس هو أول كافر بالله. واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس لعنه الله: فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، إذ ليس كل معصية كفراً. وقال آخرون: كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله. وقال آخرون: كفر لأنه خالف الأمر الشفهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود، ومخالفة الأمر الشفهي أشد قبحاً. وقال جمهور الناس: كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن واعتقد أنه محق في تمرده؛ لأن إبليس طعن في حكمة الله وأمره، وهذا كفر لا شك، بخلاف المعصية الظاهرة، واستدل أيضاً إبليس بقوله: أنا خير منه، فكأنه ترك السجود لآدم تسفيهاً لأمر الله وحكمته، وهذا الكبر عبر عنه النبي ﷺ بقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).

стр. 70

الرد على من قال: إن الشجرة التي نهي آدم عنها هي شجرة العلم والمعرفة العلماء يقولون: إن السجود كان بعد خلق آدم، بعد أن أظهر الله شرف آدم عليهم بالعلم؛ وذلك بعد أن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضها على الملائكة، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٣١]، ثم قال: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم) إلى آخر الآيات، والشاهد من ذلك: أن الله شرف آدم على الملائكة بالعلم، وبعدما شرفه بالعلم أمرهم بالسجود له. وفي هذا التفسير رد على ما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإن أصل انحرافهم في العقيدة في هذا الباب هو ابتداءً من قصة آدم ﵇؛ فهم اقتبسوا هذا القصة من الهنادكة والبوذيين والبراهمة وقدماء المصريين. وهم يزعمون أن الله أباح لآدم وحواء أن يأكلا من أي شجرة من شجر الجنة ما عدا شجرة معينة، ويزعمون أنها شجرة العلم والبصيرة والمعرفة! ويزعم هؤلاء الكفار بأن الله كان يخشى من آدم؛ لأن آدم لو أكل من هذه الشجرة فسيصير عنده علم ومعرفة وبصيرة، فلذلك نهاه حتى يبقى بلا معرفة وبصيرة! قالوا: ولما خالف آدم الأمر، وأكل من شجرة المعرفة والبصيرة صار عنده علم ومعرفة وبصيرة، فلذلك -والعياذ بالله- غضب الله عليه، وطرده من الجنة من أجل ذلك!

стр. 71

الرد عل من يزعم أن آدم وحواء ورثا البشرية الخطيئة ليس عند أهل الكتاب أن الله تاب على آدم وحواء، بل تلوثا بالخطيئة، وليس هذا فحسب، بل ورثا البشرية هذه الخطيئة، وهو ما يسمونه بسر عظيم جداً من أسرار الكنيسة، وهو الخطيئة الأصلية، يعني: أن الإنسان يولد ملوثاً بالخطيئة! مع أن كل مولود يولد نقياً طاهراً كما يبين لنا النبي ﵊ ذلك بقوله: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمته) فضرب المثل في النقاء والطهارة والصفاء والبراءة بالإنسان كما ولدته أمه بلا خطيئة. وأما عند هؤلاء فأسوأ يوم وأسود يوم على الإنسان هو يوم تلده أمه؛ لأنه يولد بلا ذنب وبلا جريمة ومع ذلك يكون ملوثاً بخطيئة آدم، ولا يتطهر من هذه الخطيئة حتى الأنبياء!! وفي زعم النصارى أن الأنبياء الذين ماتوا قبل المسيح ﵇ سوف يدخلون سجن جهنم بعد موتهم! حتى نوح وهود وكل الأنبياء؛ لأنهم يتحملون وزر وخطيئة آدم! وعليه بنوا هذه النظرية الغسانية المشركة التي اقتبسوها من قدماء المصريين، وهذا ثابت بالأدلة التاريخية، والهنود وأهل الوثنية اقتبسوا منهم نظرية أن الخطيئة لابد منها والعياذ بالله! وأن ربنا ينزل ويجسد ويذبح حتى يمحوا عن البشرية هذه الخطيئة، وهم مع ذلك يتناقضون، فإذا كان المسيح تحمل خطايا البشر فلماذا يشترطون التعميد؟! والتعميد عندهم هو: أن الطفل الذي لا يغطس في الماء الذي يسمونه مقدساً -والله أعلم هو منجس أم مقدس- يبقى حاملاً هذه الخطيئة! فمعنى ذلك: أنه رغم ما يزعمون من نزول المسيح وصلبه والعياذ بالله! فما زالت البشرية ملوثة في اعتقادهم، حتى إنهم في بعض الأراضي الموقوفة للكنيسة في بعض البلاد يمنعون دفن أي مولود أو أي إنسان إذا لم يكن قد عمد؛ لأنهم لا يعتبرونه قد دخل في النصرانية؛ لأن هذه عندهم صبغة مهمة جداً، ولابد أن يعمد بهذا الماء الذي يصفونه بأنه مقدس! وليس الآن أوان التفصيل في موضوع التعميد، لكن الشاهد أن هذه نقطة مهمة جداً في العقيدة بيننا وبين أهل الكتاب، وهذا بسبب تحريفهم كلام الله ، ولذلك انعكست هذه القضية في موقف الحضارة الغربية المعاصرة في العلاقة بين العلم والدين، فهم لهم انطباع أن هناك عداوة بين العلم وبين الدين مبنية ومأخوذة من هذا التصور الموجود في التوراة، وهو أن هذه الشجرة كانت شجرة المعرفة، فالدين هو دين الله، والعلم هو شجرة المعرفة، فالدين يكره العلم ويخاف منه، وبينهما عداوة، ولذلك الله حذر آدم أن يأكل من هذه الشجرة لأنه كان يخاف أن يصير لآدم بصيرة وعلم! -تعالى الله وحاشاه-. فهذا الانطباع هو السبب في العداء بينهم وبين الدين والعلم دائماً، ويعتقدون أن الدين عدو للعلم، وأنهما متناقضان، ولا يمكن أن يلتقيا. ثم جاءت التجربة الواقعية فأكدت هذا الأمر حينما حصل الصراع بين الكنيسة وبين الاكتشافات الحديثة، فكلما كان يكتشف علماؤهم نظرية أو حقيقة علمية كان القساوسة وعلماء الطبيعة والفيزياء -إن جاز هذا التعبير- يتصادمون، فلما حصل هذا الصدام حصل التمرد والكفر بالكنيسة وظهور دين العلمانية الجديد! فهم لما فقدوا الثقة في النصرانية لم يبحثوا عن الدين الحق، لكن هجروا الحق وذلك الدين المحرف معاً. فقصة آدم ﵇ لها تأثير خطير في التصور النصراني، وهي قضية أصلية جداً في العقيدة عندهم، وأن آدم وحواء لم يتب الله عليهما، وإنما نزلا ملوثين بالخطيئة، بل ورثا الخطيئة كل البشرية من بعدهم! هذا مظهر من مظاهر الانحراف عند أهل الكتاب، وهناك انحراف آخر عند الذين يتبنون نظرية دارون أو ما يسمى بنظرية التطور أيضاً؛ فهم ينكرون هذه الحقيقة التي يصدع بها القرآن، وينكرون أن أصل البشرية شيء اسمه آدم وحواء؛ لأن العملية عندهم موضوع خلية تركبت ونمت وحصل تطور عبر آلاف سحيقة من القرون، ثم كان منها الإنسان إلى آخر هذا الكلام! وليس الأوان أوان مناقشة هذا بالتفصيل، لكن هذه إشارة واضحة إلى فساد هذه العقيدة، وكما هو معلوم فقد بين القرآن أن بداية البشرية كانت خلقاً مباشراً من الله لآدم، ثم بعد ذلك لـ حواء، وليس كما يزعم أصحاب نظرية التطور، وقد هزمت الآن، وليس فقط بالأدلة الدينية حتى بالأدلة العلمية وأدلة علم الجينات أو الوراثة.

стр. 72

تفسير سورة البقرة [٣٥ - ٤٩]

стр. 73

تفسير قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً) قال ﵎: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥]. قوله: (اسْكُنْ أَنْتَ) هذا تأكيد للضمير المستتر في (اسكن) حتى يعطف عليه (وزوجك) وقوله: (وَزَوْجُكَ) يعني: حواء بالمد، خلقها الله من ضلع آدم الأيسر. وقوله: (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي: كلا منها أكلاً رغداً، يعني: واسعاً كثيراً لا حجر فيه، فمعنى (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا): كلا منها أكلاً رغداً، ولابد من تقدير كلمة أكلاً، ورغداً هنا صفة. قوله: (حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) يعني: لا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها، وليس المقصود الدنو في حد ذاته، إنما المقصود الأكل منها، والشجرة قيل: هي الحنطة أو الكرم، وقيل: غيرهما. وقوله: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) يعني: فتصيرا من العاصين. لما خلق الله تعالى آدم ﵇ وخلق له زوجه وأقرهما في الجنة أباحهما الأكل منها بقوله: ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة:٣٥] أي: أكلاً واسعاً. وقوله: (حَيْثُ شِئْتُمَا) حيث للمكان المبهم، أي: من أي مكان من الجنة شئتما. وأطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة الغاية حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه، يعني: إذا كان الله أباح لهما كل ما في الجنة، فإذا حرم عليهما شيئاً واحداً فقط لا يبقى لهما عذر في مخالفة هذا الأمر؛ لأن الله قد أباح لهما الكثير. وهذا حتى الآن واقع معنا، فالناس دائماً يعيبون المتدينين، ويقولون لهم: أنتم كل شيء عندكم حرام! فنقول: لا، ليس كل شيء حراماً، بل إذا تأملت في نعم الله علينا وجدت كل شيء حلالاً إلا أشياء يسيرة، فالماء حلال، والعصير حلال، والفواكه حلال، واللحم حلال، ودائرة الحلال واسعة جداً، ودائرة الحرام ضيقة جداً. فهنا كذلك الله أباح لهما كل ما في الجنة فقال: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي: أكلاً واسعاً من أي مكان شئتما، فلم يبق لهما عذر إذا خالفا هذا الأمر وقد وسع الله عليهما هذه التوسعة. وقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي: هذه الشجرة الحاضرة، يعني: لا تقربا منها، ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشجرة، ولكن قال: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، وهذا مبالغة في تحريم الأكل منها، ووجوب الابتعاد عنها، وهذا نلاحظه في كثير من تعبيرات القرآن، مثل قوله ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]، وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]. وفي الحديث: (وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى يحوم حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، فعلق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل ولزوم الاجتناب عنه؛ لأن القرب من الشيء يقتضي الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصم، فالمحب لا يرى قبيحاً، ولا يسمع نهياً، فيقع في الحرام. والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، فحكمة الله أنه لا يحرم شيئاً إلا ويحرم كل وسيلة تسهل وتؤدي إليه، فلما حرم الزنا حرم كل سبب يقرب إليه، وسد الذرائع من بعيد، حتى يكون الناس في مأمن وفي حصن من ذلك، فأمر بغض البصر، وحرم إطلاق البصر فيما حرم الله ، وأمر المرأة بالحجاب، ومنع مصافحة الأجنبية، ومنع الخلوة بها، ومنع سفر المرأة بدون محرم؛ لأن هذه كلها وسائل للاعتداء على الأعراض. فالسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به؛ ولذلك قال ﷺ : (العينان تزنيان) فلما كان النظر داعياً إلى الألفة، والألفة تدعو إلى المحبة، وذلك مفضٍ لارتكابه؛ صار النظر مبدأ الزنا.

стр. 74

سبب العطف في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا﴾ [البقرة:٣٥] فعطف بالواو، وفي سورة الأعراف قال ﵎: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا﴾ [الأعراف:١٩] وهذا عطف بالفاء يقول القاسمي ﵀: جاء في آية الأعراف (فكلا)، وفي آية البقرة بالواو؛ لأن كل فعل عطف عليه شيء وكان ذلك الفعل كالشرح، وذكر الشيء كالجزاء؛ عطف بالفاء دون الواو؛ لأن الفعل يقع في جواب الشرط، فإذا فهم من سياق النص عطف بالفاء لا بالواو، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة:٥٨] يعني: كانوا خارج القرية، فكأن الله يقول لهم: إذا دخلتم فكلوا منها، يقول: لما كان الأكل ووجود الأكل منها متعلقاً بدخولها ذُكر بالفاء، وكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، ففيها معنى فعل الشرط وجواب الشرط، فجاء فيها بالفاء فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة:٥٨]. وقال في الأعراف: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٦١] بالواو دون الفاء لأنه من السكنى، وهو المقام مع اللبث الطويل، فقوله: (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) المقصود هنا: التعبير بالإقامة فيها، فهل الإقامة فيها تستلزم الأكل؟ لا، لا تستلزم أن يظل الإنسان مقيماً في القرية لا يقوم فيها بشيء غير الأكل، فالسكون هنا هو مجرد اللبث في القرية، فلذلك يقول: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٦١] بالواو دون الفاء لأنه من السكنى، وهو المقام مع اللبث الطويل، ومن دخل بستاناً قد يأكل منه وقد لا يأكل منه، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط عطف بالواو، فلذلك قال في هذه الآية: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٦١] لكن في الآية الأخرى قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة:٥٨]؛ لأنهم كانوا خارج القرية، والمراد: إن دخلتموها فكلوا، أما هذه فالأمر منصب على معنى الاستقرار فيها، ولا يستلزم ذلك الأكل منها. يقول: وإذا ثبت هذا نقول: قد يراد بـ (اسكن) الزم مكاناً دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد: ادخله واسكن فيه، فقوله تعالى هنا في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا﴾ [البقرة:٣٥] يدل على أن آدم دخل الجنة، وكان موجوداً فيها، فلذلك عطف بالواو، فالمراد هنا: المكث، والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو، وفي الأعراف ورد الأمر قبل أن يدخل الجنة فقال: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٩]، والمراد: الدخول، والأكل متعلق به، يعني: إن دخلت فكل، فلذلك وردت بالفاء في الأعراف وبالواو في سورة البقرة. ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة؛ إذ لا حاجة إليه؛ لأنه ليس المقصود أن تعرف عين تلك الشجرة، وما لا يكون مقصوداً لا يجب بيانه. وقوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] أي: الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله ﵎.

стр. 75

سبب أكل آدم من الشجرة آدم ﵇ لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، وإلا فإن آدم لم يقصد المعصية والمخالفة، ولم يقصد أن يكون ظالماً مستحقاً للشقاء، لكن إبليس خدعه، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] فآدم ﵇ كان من طهارة وبراءة قلبه وسلامة نيته لا يتصور أبداً أن مخلوقاً من خلق الله يحلف بالله كاذباً، وهذا يدل على براءة آدم من تعمد المعصية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الصواب أن آدم ﵇ لما قاسمه عدو الله -أي: حلف له أنه ناصح- وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات: أحدها: القسم: (وقاسمهما). والثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية: (إني لكما لمن الناصحين). والثالث: تصديرها بأداة التأكيد. الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلاً دالاً على الحدث. السادس: تقديم المعمول على العامل فيه. ولم يظن آدم أن أحداً يحلف بالله كاذباً يميناً غموساً؛ فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة المعصية بعد ذلك باعتذار أو توبة.
следующие страницы →