Полный текст (3 275 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
نصيب كل من الزوج والزوجة من بعضهما مع وجود الأولاد وعدمهم
قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) يعني: من المال.
(إن لم يكن لهن ولد) يعني: ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم، فكلمة (ولد) هنا تشمل الولد منكم أو من أزواج آخرين غيركم، سواء كان هؤلاء الأولاد ذكوراً أم إناثاً.
(فإن كان لهن ولد) يعني: على هذا النحو الذي فصلناه ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾، أي: من المال، والباقي لباقي الورثة.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، أي: من بعد استخراج وصيتهن، ومن بعد قضاء دينهن.
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، يعني: من المال.
﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾، ذكر أو أنثى منهن أو من غيرهن.
﴿فإن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ))، على النحو الذي فصلنا سابقاً.
أي: ذكر أو أنثى، ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، يعني: هذا نوع من الحجب، وهو حجب نقصان، لا حجب إسقاط.
﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وفي إعادة ذكر الوصية والدين دليل على الاعتناء بشأنهما ما لا يخفى، أي: تعظيم لشأن الوصية والدين، وقد سألنا من قبل: أيهما يكون مقدماً على الآخر الدين أم الوصية؟ فقلنا: يقدم الدين، لكن الله هنا قدم ذكر الوصية على الدين؛ للتنبيه إلى عظم شأنها والاهتمام بها.
وفي الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء، فإذا تأملتم في الآية فستجدون أن الله ذكر الرجال على سبيل المخاطبة، وذكر النساء على سبيل المغايبة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ﴾، فخاطب الرجال بضمير المخاطبة، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فقال: ((فلكم الربع)).
أما النساء فخاطبهن بقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، إلى آخر الآية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فكان الخطاب للنساء بضمير الغائب.
يقول القاسمي: في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء؛ لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة، وأيضاً خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء كما فضلوا عليهن في النصيب.
стр. 527
حقيقة الكلالة ومن يرثه ومقدار إرث كل واحد منهم
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾، يعني: إن كان الرجل يورث كلالة أو امرأة تورث كلالة كذلك.
﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا﴾، أي: هؤلاء الإخوة والأخوات من أم ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، يعني: أكثر من واحد ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، شركاء في الثلث يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم، وقلنا: إن هذه حالة من الحالات التي يستوي فيها الذكر مع الأنثى.
والكلالة: من لا ولد له ولا والد، أي: لا أصل له ولا فرع، الأصل كالأب، والفرع كالأبناء، أو من تكلل نسبه بنسبك كابن العم وشبهه.
والكلالة في الأصل مصدر، كل الميت يكل كلاً وكلالة، يعني: فهو كلّ إذا لم يخلف ولداً ولا والداً يرثانه، وأصل كلمة كلالة أنها مصدر، ثم قد تقع الكلالة على العين دون الحدث فتكون اسماً للميت الموروث، وإن كانت في الأصل اسماً للحدث على حد قولهم: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان:١١]، وما المقصود من: (هذا خلق الله)؟ أي: هذا مخلوق الله، وجاز أن تكون اسماً للوارث على حد قولهم: رجل عدل، أي: عادل، ورجل كلالة يعني: يرث كلالة، وماء غور أي: غائر.
فالكلالة هو: الذي لم يخلف ولداً ولا والداً.
((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً))، ذكر الله الكلالة في موضعين في سورة النساء: أولهما هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، والموضع الثاني: في آخر سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] إلى آخر الآية، فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم، والأخ للأب والأم.
وعن الشعبي قال: قال أبو بكر ﵁: (إني قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه: أن الكلالة ما خلا الولد والوالد).
واتفق العلماء على أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾، أن المقصود به الأخ والأخت من الأم، وهذا باتفاق العلماء، (وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ) من الأم.
((أَوْ أُخْتٌ))، من الأم.
قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الإخوة هاهنا هم الإخوة لأم.
قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو للأب ليس ميراثهم هكذا؛ لأن هذا المذكور في الآية باتفاق العلماء يخالف ميراث المذكورين هنا.
يعني: أن الأخ لأم أو الأخت لأم يخالف نصيبهما نصيب الإخوة للأبوين أو الإخوة لأب.
فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، هم الإخوة لأبوين أو لأب.
стр. 528
تفسير قوله تعالى: (تلك حدود الله)
قال ﵎: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء:١٣]، أي: تلك الأحكام محدودة لا تجوز مجاوزتها.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، يعني: في قسمة المواريث وغيرها.
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: تجري الأنهار من تحت أشجارها ومساكنها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: لا يموتون ولا يخرجون.
﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، أي: النعم الوافرة في الجنة.
стр. 529
تفسير قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء:١٤]، في قسمة المواريث وغيرها.
﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾، يعني: بتجاوز أحكامه وفرائضه في الميل والجور.
﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ لكونه غيَّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم، وقد روى أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار، وقرأ أبو هريرة قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء:١١]، حتى بلغ ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾)، ورواه الإمام أحمد بسياق أتم ولفظه: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة، قال: ثم يقول أبو هريرة واقرءوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾).
ثم بين تعالى بعضاً من الأحكام المتعلقة بالنساء إثر بيانه لأحكام المواريث، وكما تعلمون فإن هذه السورة من الطوال حملت اسم النساء لتضمنها الكثير من تفاصيل أحكام النساء، فبعدما فصل الله أحكام المواريث، ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالنساء.
стр. 530
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم وله عذاب مهين)
أولاً نعود لكلام السيوطي يقول رحمه الله تعالى: ((وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ))، منكم أو من غيركم.
((فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))، وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع.
(ولهن) يعني: الزوجات تعددن أو لا.
((وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ))، منهن أو من غيرهن.
((فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))، وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً.
((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً)) (يورث) هذه الجملة في محل رفع صفة لرجل، والخبر أي: وخبر كان هو كلمة (كلالة).
(وإن كان رجل يورث كلالة) يعني: إن كان رجل كلالة، وهذا الرجل صفته أنه يورث.
ولم نقل: إن الجملة حال؛ لأن الرجل نكرة.
(كلالة) مصدر كل، كل يعني: لا والد له ولا ولد.
(أو امرأة) يعني: تورث كلالة لا ولد لها ولا والد.
(وله) أي: للمورث كلالة سواء كان رجلاً أو أي شخص يورث كلالة.
(وله أخ أو أخت) أي: من أم وقرأ ابن مسعود وغيره هذه القراءة، مثل هذه القراءة تسمى: قراءة تفسيرية، يعني: أن الصحابي عندما يقرأ الآية يزيد فيها كلمة من عنده لتفسير المعنى، وليس هذا إضافة للقرآن، لكن هذه القراءة تسمى: قراءة تفسيرية، فكذلك هنا ابن مسعود لما قرأ هذه الآية قرأها قراءة تفسير وبيان لمعناها فقال: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾، من أم.
(فلكل واحد منهما السدس) يعني: مما ترك.
(فإن كانوا) أي: الإخوة والأخوات من الأم (أكثر من ذلك) يعني: أكثر من واحد، (فهم شركاء في الثلث) وكلمة (شركاء) هنا بمعنى أنه يستوي في ذلك ذكرهم وأنثاهم، فهذا من المواضع التي يستوي فيه الذكور والإناث.
((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ))، حال من ضمير يوصى، أي: غير مدخلٍ الضرر على الورثة بأن يوصي المورث بأكثر من الثلث.
والإضرار كما ذكرنا من قبل له صور كثيرة منها: الإضرار في الوصية؛ وذلك بأن يوصي أكثر من الثلث حتى يقلل نصيب الورثة من ميراثه.
قوله: ((وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ))، فهذا مصدر مؤكد ليوصيكم، بمعنى: يوصيكم وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ.
((وَاللَّهُ عَلِيمٌ))، أي: بما دبره لخلقه من الفرائض.
((حَلِيمٌ)) [النساء:١٢]، أي: بتأخير العقوبة عمن خالفه.
وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق.
يعني: هذه موانع الإرث، فإذا وجد مانع منها فإن السنة هنا تخصص عموم القرآن، بمعنى: أن الولد يرث أباه، أو أي شخص يرث من مورثه، فإذا اختلفا في الدين فإنه يمنع من الإرث.
كذلك شخص قتل مورثه ليتعجل وراثته، فهذا يعاقب بنقيض قصده؛ لأن القاعدة تقول: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
فكذلك إذا قام الوارث وقتل مورثه؛ ليتعجل ميراثه فالشرع هنا يعاقبه بالحرمان من الإرث منه، وهذا من حكمة الشارع؛ لأن هذا يسد باب اتخاذ ذلك القتل ذريعة للحصول على هذا الميراث؛ لأنه إذا علم أنه سيحرم لن يعمد إلى إراقة دمه، فإذاً السنة خصت توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل، أو اختلاف دين؛ لأنه (لا يتوارث أهل ملتين شتى) كما قال النبي ﷺ ، أو رق فلا يرث من فيه مانع من موانع الميراث الثلاثة هذه، قال ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)، وهذا متفق عليه.
(تلك حدود الله) أي: تلك الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده حدود الله وشرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها.
(ومن يطع الله ورسوله) بما حكما به.
(يدخله) أو (ندخله) بالياء والنون التفاتاً.
(جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم).
(ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله) أو ندخله (ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) يعني: له فيها عذاب مهين ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ (من)، وروعي في (خالدين) معناها.
стр. 531
تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة)
قال ﵎: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥].
стр. 532
حكم من أتت الفاحشة أول الإسلام قبل الجلد والرجم
(واللاتي يأتين الفاحشة) أي: الخصلة البليغة في القبح وهي الزنا.
(من نسائكم) يعني: حال كونهن من نسائكم.
(فاستشهدوا عليهن) يعني: اطلبوا من القاذفين لهن بالفاحشة (أربعة منكم) يعني: من المسلمين، اطلبوا شهادة أربعة ممن قذفوهم أو قذفوهن.
(فإن شهدوا) يعني: إن شهدوا عليهن بالفاحشة.
(فأمسكوهن في البيوت) أي: احبسوهن فيها، ولا تمكنوهن من الخروج؛ صيانة لهن عن التعرض لسبب الفاحشة، وصيانة للمجتمع من شرهن، فهؤلاء يمسكن في البيوت.
(حتى يتوفاهن الموت) أي: يستوفي الموت أرواحهن، وفيه تهويل للموت وإبراز له في صورة من يتولى قبض الأرواح وتوفيتها أو وتوفيها.
أو (حتى يتوفاهن الموت) يعني: ملائكة الموت، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١].
(أو يجعل الله لهن سبيلاً) أي: يشرع لهن حكماً خاصاً بهن، وفسرت (أو) بـ إلى أن يشرع لهن حكماً آخر، (فأمسكهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت) يعني: إلى أن يتوفاهن الموت، وقد مر بنا في تفسير مثل هذا المعنى، في آية سابقة في سورة آل عمران، حيث كانت كلمة (أو) بمعنى: إلى أن.
وهي قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٨]، ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب الله عليهم، فكلمة (أو) هنا أتت بمعنى: إلى أن.
فكذلك هنا (فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن) يعني: هذه الغاية، إلى أن يتوفاهن الموت (أو يجعل الله لهن سبيلا) أي: إلى أن يشرع لهن حكماً خاصاً بهن، يعني: يطبق عليهن حكم الحبس في البيوت إلى أن يشرع الله لهن حكماً خاصاً بهن.
стр. 533
حقيقة السبيل في قوله: أو يجعل الله لهن سبيلاً
قوله: (سبيلاً) أي: الطريقة المسلوكة.
وقد بينت السنة أن الله تعالى أنجز وعده وجعل لهن سبيلاً، وهذه الآية من الآيات المهمة جداً في إثبات أن السنة فيها قسم يختص ببيان ما في القرآن، بل يستقل بأحكام غير موجودة في القرآن، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: (إن النبي ﷺ كان إذا أنزل الوحي كرب له وتربد وجهه، وإذا سري عنه قال: خذوا عني خذوا عني) يعني: ثلاث مرات، ففي هذه المرة قال بعدما سري عنه قال: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة).
وهذا مذهب الإمام أحمد أن الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة.
وكذا رواه أبو داود الطيالسي ولفظه عن عبادة ﵁: (إن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي عرف ذلك فيه، فلما نزلت قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ وارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة).
إذاً هذا هو المقصود بقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلاً).
стр. 534
تفسير قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم)
قال تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦].
стр. 535
حكم من أتى الفاحشة من الرجال أول الإسلام قبل الجلد والرجم
(واللذان) بتخفيف النون وتشديدها (واللذانِّ).
(يأتيانها) أي: الفاحشة.
(منكم) أي من الرجال.
(فآذوهما) بالسب والتعيير؛ ليندما على ما فعلا.
(فإن تابا وأصلحا) أي: أصلحا أعمالهما.
(فأعرضوا عنهما) بقطع الأذية والتوبيخ لهما، فإن التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب.
(إن الله كان تواباً) يعني: على من تاب.
(رحيماً) أي: واسع الرحمة، وهو تعيين للأمر بالإعراض.
وكما هو معلوم أن هذا الحكم في الآيتين بعضه منسوخ بالكتاب وبعضه منسوخ بالسنة.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ثم نسخ الله الحبس والأذى في كتابه فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين؛ لحديث عبادة بن الصامت.
ثم قال: فدلت سنة رسول الله ﷺ أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين، وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين.
ثم قال: لأن قول رسول الله ﷺ : (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، أول ما نزل فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين، فلما رجم رسول الله ﷺ ماعزاً ولم يجلده، وأمر أنيساً أن يغدو إلى امرأة الأسلمي فإن اعترفت رجمها، دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين، وثبت الرجم عليهما.
خلاصة الكلام: أن جلد مائة ثابت على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين، والرجم ثابت على الثيبين الحرين.
стр. 536
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة إن الله كان تواباً رحيماً)
يقول السيوطي في الآيات السابقة (واللاتي يأتين الفاحشة) أي: الزنا.
(من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) أي: من رجالكم المسلمين.
(فإن شهدوا) عليهن بها.
(فأمسكوهن) احبسوهن.
(في البيوت) وامنعوهن من مخالطة الناس.
(حتى يتوفاهن الموت) أي: ملائكة الموت.
(أو) بمعنى: إلى أن.
(يجعل الله لهن سبيلاً) طريقاً إلى الخروج منها، أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهم سبيلاً بجلد البكر مائة وتغريبها عاماً، ورجم المحصنة، وفي الحديث لما بين الحد قال ﷺ : (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب ترجم، والبكر تجلد)، وهذا رواه مسلم.
(واللذان) بتخفيف النون وتشديدها.
(يأتيانها) أي: الفاحشة من الزنا أو اللواط.
(منكم) أي: من الرجال.
(فآذوهما) بالسب والضرب بالنعال.
(فإن تابا) أي: منها.
(وأصلحا) أي: العمل.
(فأعرضوا عنهما) ولا تؤذوهما.
(إن الله كان تواباً) على من تاب.
هذا أمر مهم جداً، انظر إلى دقة التفسير، تواباً على من تاب، وإنما أُخذ هذا من الآية التي بعدها: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، فالتوبة على من تاب وقال: يا ألله! تاب الله عليه.
(رحيماً) به، وهذا منسوخ بالحد إن أريد به الزنا، وكذا إن أريد به اللواط عند الشافعي.
стр. 537
تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة)
يقول ﵎ ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٧].
стр. 538
عدم إطلاق قبول التوبة في قوله: فإن تابا وأصلحا
(إنما التوبة على الله) هنا استئناف لبيان أن قبول التوبة من الله تعالى ليس على إطلاقه، كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً، قد يفهم شخص من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ في خاتمة الآية السابقة أن الله تعالى تواب على الإطلاق لكل من عصى، فجاءت هذه الآية لتبين أن هذا الإطلاق مقيد بما سينطق به النص الكريم، ولذلك قدرها وحصرها بكلمة: (إنما) وهي مسوقة لبيان الاستئناف أو لرفع هذا الإيهام الذي قد يتوهمه البعض من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ فاستأنف قائلاً: (إنما التوبة) لأن التوبة فقط لهؤلاء المذكورين في الآية.
فقبول التوبة من الله ليس على إطلاقه كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً، بل هو مقيد بما سيأتي بعد كلمة (إنما) بما سينطق بها النص الكريم.
(إنما التوبة) (التوبة) مبتدأ، وجملة: (للذين يعملون السوء) هذا هو الخبر.
стр. 539
معنى: (التوبة على الله) في الآية
قوله: (إنما التوبة على الله) متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، ومعنى كون التوبة عليه سبحانه في قوله: (إنما التوبة على الله) أي: إنما التوبة التي يقبلها الله.
كلمة: (على) للدلالة على التحقق لحكم سبق الوعد، حتى كأنه من الواجبات عليه .
стр. 540
المقصود بالجهل في الآية
قوله: (إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة) السوء هو المعصية صغيرة كانت أو كبيرة.
(بجهالة) يعني: يعملون السوء متلبسين بالجهالة، يعني: وهم جهلاء سفهاء، والباء للسببية، يعني: بسبب الجهالة، والمراد بالجهل: السفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، فالجهالة هنا ليس المقصود بها عدم العلم، وإنما المقصود الجهل العملي، فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة، لكن المقصود هنا بالجهل: السفه، وذلك بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، كذلك الجهل بهذا المعنى الذي هو الجهل العملي السلوكي حقيقة واردة في كلام العرب، كقول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا يعني: نعاقبه ونهلكه بما هو أعظم من جهله، وكان ﷺ يقول إذا خرج من بيته: (اللهم إني أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علي).
стр. 541
معنى قوله: (ثم يتوبون من قريب)
(ثم يتوبون من قريب) يعني: من زمان قريب، وظاهر الآية اشتراك وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ، يعني: أن التوبة من أي معصية واجبة على الفور لا على التراخي.
وهذا ما عبر عنه ابن القيم في كتابه الرائع (مدارج السالكين) الجزء الأول حينما قال: تأخير التوبة أو تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه.
تأخير التوبة في حد ذاته ذنب، يجب التوبة منه على الفور، فكذلك هنا قوله: (ثم يتوبون من قريب) يعني: يجب أن يسارع إلى التوبة مباشرة بعد المعصية، وهذا من رحمة الله بعباده.
فإذا كانت التوبة من زمان قريب فهي بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلاً، إذ بتأخير التوبة وتسويفها يدخل في زمرة المصرين.
فيكون في الآية إرشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب، والإنابة إلى المولى بعده فوراً.
ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه، إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من صميم الإيمان، وهو واجب على الفور، أما ما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: (من قريب) يعني: ما قبل حضور الموت فهو بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه.
فهنا القاسمي رحمه الله تعالى يذهب إلى مرجوحية القول بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ يعني: من زمن قريب من زمن المعصية، يعني: أنه يبادر فوراً إلى التوبة؛ لأنه إذا سوف التوبة وأخرها فهذا معناه أنه داخل في زمرة الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.
يقول: إنما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: (من قريب) ما قبل حضور الموت فهو بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه، وإنما تعني: المبادرة إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عياذاً بالله تعالى، لكن هل المعنى الآخر هو أن التوبة تقبل ما لم يغرغر العبد؟ هل هذا المعنى صحيح أم غير صحيح؟ قطعاً هو صحيح، لكن نقول: لا يصح الاستدلال بهذه الآية على قبول التوبة قبل حضور الأجل وبالحديث الذي فيه: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) الحديث دليل واضح في المسألة، وكذلك بهذه الآية التي تلي السابقة مباشرة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨].
قلنا: يستفاد من الآية السابقة، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك، لا من قوله تعالى: (من قريب)؛ وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، صريحة بأن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراءه في حيز القبول، كل ما قبل حضور الموت داخل في حيز قبول التوبة، أما إذا حضر الموت فليست هناك توبة؛ فقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر).
وروى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: (من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه قال أيوب فقلت له: إنما قال : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، فقال: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ .
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)، أجل التوبة في عمر الدنيا كلها تنتهي بطلوع الشمس من مغربها، ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، فهذا في حق عمر الدنيا كلها، أما في حق عمر كل إنسان فالتوبة تقبل ما لم يغرغر، وهي واجبة عليه بمجرد الوقوع في المعصية، لا يجوز له تأخيرها وتسويفها؛ لأن تسويفها ذنب جديد، بل يجب المبادرة إلى التوبة.
وروى الحاكم مرفوعاً: (من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه).
وروى ابن ماجة عن ابن مسعود بإسناد حسن: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
(فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أي: يقبل توبتهم.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
стр. 542
تفسير قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات)
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾، يعني: عند النزع.
﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، قال ذلك عند مشاهدة ما هو فيه، حينما تنكشف الحجب، ويرى الملائكة، وتحضر الغرغرة، ففي هذه الحالة يقول: إني تبت الآن لا ينفعه ذلك ولا يقبل منه.
قوله: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي: لا تقبل توبة الذين يموتون وهم كفار، فلا ينفعهم ندمهم ولا توبتهم؛ لأنهم بمجرد الموت يعاينون العذاب، ولهذا قال ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨]، يعني: أعددنا لهم عذاباً مؤلماً.
في هذه الآية دليل على أن الذي يموت على الكبائر وهو مصر عليها ولم يتب أنه غير كافر، وأنه يكون تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.
والدليل كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١]، فدل على أنهم ليسوا بكفار، خلافاً للخوارج -ومن قال بقولهم- الذين يقولون: إن الإنسان إذا مات على كبيرة ولم يتب منها فهو كافر مخلد في جهنم، أما هذه الآية فتنفي التوبة عنه، لكن لا تثبت له وصف الكفر كما قال في شأن الكافرين: ((وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ)).
стр. 543
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله أعتدنا لهم عذاباً أليماً)
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: قوله: (إنما التوبة على الله) أي: كتب على نفسه قبولها بفضله.
(للذين يعملون السوء) أي: المعصية.
(بجهالة) يعني: حال كونهم جاهلين إذا عصوا ربهم.
(ثم يتوبون من قريب) أي: من زمن قريب قبل أن يغرغروا.
هنا السيوطي نحا منحى عامة المفسرين في تفسير ثم يتوبون من قريب وقد ذكرنا ما فيه.
(فأولئك يتوب الله عليهم) يعني: يقبل توبتهم.
(وكان الله عليماً) أي: بخلقه.
(حكيماً) في صنعه بهم.
(وليست التوبة للذين يعملون السيئات) يعني: الذنوب.
(حتى إذا حضر أحدهم الموت) يعني: أخذ في النزع.
(قال) عند مشاهدة ما هو فيه.
(إني تبت الآن) فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه.
(ولا الذين يموتون وهم كفار) إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم.
(أولئك أعتدنا) أي: أعددنا.
(لهم عذاباً أليماً) أي: مؤلماً.
стр. 544
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً)
شرع ﵎ في بيان جملة أخرى من أحكام النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]، نهي عما كان يفعله أهل الجاهلية بالنساء من الإيذاء والظلم.
стр. 545
حال المرأة القريبة والمتوفى عنها زوجها في الجاهلية
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (كانوا إذا مات الرجل -هذا كان في شأن أهل الجاهلية- كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، يمسكها أهل الرجل).
حتى ابنه يمكن أن يتزوجها، فكانوا أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (إن الرجل كان يرث امرأته لقرابته فيعضلها حتى تموت).
يعضلها يعني: يمنعها من الزواج حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فنهى الله عن ذلك.
قال السيوطي: ففيه أن الحر لا يتصور ملكه ولا دخوله تحت اليد، ولا يجري مجرى الأموال بوجه.
لأن هناك فرقاً بين المرأة الحرة وبين المال، فالمرأة ليست مالاً موروثاً يرثه أقرباء الميت كما يرثون المال، كما كان يفعل أهل الجاهلية، وإنما لا يجوز بحال استعباد الحر أو تملكه أو دخوله تحت اليد كما يفعل بالأموال.
قوله تعالى: ((لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا))، (كرهاً) بفتح الكاف وضمها كَرهاً أو كُرها، قراءتان، والمقصود هنا لا يحل لكم أن ترثوا النساء حال كونهن كارهات لذلك، أو مكرهات على ذلك، والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، يعني: التقييد بالكره لا يدل أنها عند حالة الرضا يكون ذلك جائزاً؛ لأن تخصيص الشيء للذكر لا يدل على نفي ما عداه، بل يجري هذا مجرى الغالب، ويخرج مخرج الغالب كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]، فالتقييد بخشية الإملاق هنا لا يدل على جواز قتل الأولاد عند عدم الإملاق.
стр. 546
سبب نزول قوله تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء)
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (أن هذه الآية في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به) أي: أنه يؤذيها ويضايقها ويحرج عليها ويستفزها، حتى تطلب هي الإبراء أو تطلب الخلع، فتتنازل له عن صداقها.
هو الذي كرهها وهو الذي لا يرغب في بقائها زوجة له أو الاستمرار معها، فبدل من أن يطلقها بالحسنى وبالمعروف، فإذا به يلجأ إلى هذه الحيلة اللئيمة، بأن يضيق عليها ويؤذيها حتى تطلب هي الطلاق، فانظر كيف يقول الله تعالى ((لا يَحِلُّ لَكُمْ)) ثم عطف على ذلك بقوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، وللأسف الشديد نرى الآن كثيراً من الناس يتفننون في أذية المرأة، مثل هذه الحال هو يكرهها ولا يريد صحبتها، وفي نفس الوقت يريد ألا يعطيها حقها من الصداق أو مؤخر الصداق، فيستفزها ويضيق عليها من أجل أن تفتدي نفسها، وتطلب هي الطلاق مقابل التنازل عن المهر، فهذا يفعله من لا يتقون الله، ومن لا يخافون حساب الله، ولا يرجون لله وقاراً، فكون هذا الفعل يصدر من مسلم فهذه ليست أخلاق المسلمين، هذا العضل وهذه الأذية مما أنزل الله تحريمه صراحة في القرآن كما ترون.
يقول ابن عباس: (إن هذه الآية في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به) والعضل هو: الحبس والتضييق.
(ولا تضاروهن) يعني: ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن.
(لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن) يعني: من الصداق، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطراراً فتأخذوه منهن.
стр. 547
جواز مضايقة المرأة المرتكبة للفاحشة
(إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) يعني: زنا، كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين، في هذه الحالة إذا ارتكبت الفاحشة يجوز له أن يضيق عليها كي تقتدي وتختلع.
يعني: إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضيق عليها حتى تتركه لك، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وقال ابن عباس: (الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان).
واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله؛ الزنا والعصيان والنشوز وبذاءة اللسان وغير ذلك، يعني: أن هذا كله يبيح مضايقتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها.
وقال ابن كثير: وهذا جيد والله تعالى أعلم.
стр. 548
حقوق صحبة الزوج مع زوجته ومعنى المعاشرة بالمعروف
بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، في الحقيقة إن الآية الواحدة من سورة النساء مثل هذه الآية قد تستغرق حتى نحاول أن نوفيها بعضاً من حقها شهوراً كاملة، لكن التزامنا بالاختصار حتى نقطع الورد المطلوب أسبوعياً هو الذي يجعلنا نضطر إلى الإيجاز أحياناً، فمثل هذه الآية ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وغيرها من آيات الأحكام لا تكاد تنحصر معانيها، وتستغرق عمراً طويلاً إذا أردنا أن نستوفي ما فيها من المعاني.
قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: صاحبوهن بالمعروف، يعني: الإنصاف في الفعل والإجمال في القول.
حتى لا تكونوا سبب الزنا بتركهن، أو سبب النشوز، أو سوء الخلق فلا يحل لكم حينئذ.
يقول السيوطي.
في الآية: وجوب المعروف من توفية المهر والنفقة والقسم واللين في القول، وترك الضرب والإغلاظ بلا ذنب.
(وعاشرهن بالمعروف) فالحقوق التي تجب طبقاً لهذه الآية حقوق كثيرة جداً مادية وأدبية، استدل بعمومها من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، فيجب على الزوج أن يأتي لها بخادمة تخدمها؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف.
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، يعني: إن كرهتم الصحبة معهن.
﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، كلمة (عسى) في القرآن واجبة، يعني: وعد منجز من الله ، والمقصود من الآية: أن اصبروا عليهن وأمسكوهن لعل الله يجعل فيهن خيراً كثيراً، بأن يرزقكم منهن ولداً صالحاً يكون فيه خير كثير، وبأن تنالوا الثواب الجزيل في العقبى بالإنفاق عليهن والإحسان إليهن على خلاف الطبع؛ لأن هذا يكون من المجاهدة التي تثابون عليها.
قال إلكيا الهراسي: في هذه الآية استحباب الإمساك بالمعروف وإن كان على خلاف هوى النفس.
حتى لو كان إبقاء المرأة والإمساك عليها مخالف لهواه، فإن التقي يمسكها ويعاملها بالمعروف، وهذا ومن المروءة، وفي الآية دليل على أن الطلاق مكروه، ونحن لا نستدل بالحديث الضعيف المنسوب إلى النبي ﷺ : (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، لكن نستدل على كراهة الطلاق بقوله تعالى هنا: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، في هذه الآية دلالة على كراهة الطلاق.
وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، الفرك: هو البغض من كل وجه، يعني: تبغضه من كل وجه بحيث لا ترى فيه حسنة.
فيبين النبي ﵊ أن الزوج المؤمن لا يفرك زوجته المؤمنة؛ لأن الرجل المؤمن فيه الوقار والعقل الكامل والعدل والرزانة بحيث أنه يزن الأمور ويحسن تقديرها، فإنه إذا أبغض يكون معتدلاً في بغضه، فيحكم العقل والمروءة وقبل ذلك الشرع، فلا يبغضها من كل وجه، وإنما إذا كره منها خلقاً سرعان ما يتذكر أن لها خلقاً آخر يرضاه ويحبه، فهو يزن الأمور، لذلك لا يبغض المؤمن بغضاً من كل وجه، بخلاف المرأة فإنها إذا أبغضت تنسى كل ما مضى؛ لأنها لا تزن الأمور كما يفعل الرجال، هذا في الغالب إلا من رحم الله، وفي ذلك قال ﵌: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، فإن رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط)، فهذه طبيعة عموم النساء إلا من رحم الله، أنها إذا أبغضت فإنها تكفر بالعشير، كما وصف النبي ﷺ هؤلاء بكفران العشير، أي: كفران نعمة الزوج أو فضل الزوج عليها، فتنسى كل ما مضى بمجرد أن تغضب أو تنفعل، بخلاف الرجل فهو يعلم أن العوج الذي في المرأة هو عوج فطري ليس عوجاً متكلفاً، وفي ذلك يقول النبي ﵌: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وكسر المرأة طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وهي على هذا العوج)، أو كما قال النبي ﷺ .
فالمؤمن يزن الأمور بهذه الطريقة بحيث يعلم أن العوج الذي في المرأة ليس من تكلفها، بل قسم كبير جداً منه يكون فطرياً جبلت عليه، فينبغي الصبر عليها، وعلى العموم في ضوء هذا الكلام ينبغي أن لا يغضب النساء من هذا؛ لأن هذا فيه عذر لهن، وتخفيف من وقوع الحرج عليهن، على أي الأحوال هذا هو الفرق بين الرجل والمرأة في البغض.
ذكر الفعل الأول قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، كان يمكن في غير القرآن الكريم الاستغناء عن هذا الفعل كأن يقال: فإن كرهتموهن فعسى أن يكون فيهن خير كثير، وحصر عليه هذا الحكم في الفعل الثاني الذي هو ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا))، لماذا؟ للتوصل إلى تعميم مفعوله، فكرر فعلين، يعني: إذا قال: فإن كرهتموهن فعسى أن يجعل الله فيهن خيراً كثيراً.
فتكون هنا الكراهة تتعلق بالمرأة فقط التي يبغضها، لكن كرر الفعل فقال: ((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ))، ثم قال: ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا))، يدل على عموم هذه القاعدة: أن الأمر ليس فقط مختصاً بكراهية الزوجات، ولكن المقصود به في عامة أحوالك وفي كل شئونك، هذه سنة من الله (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)، كما نلاحظ عامة الناس يستدلون بها في كل مناسبة ولا يحصرونها في شأن النساء.
يقول أبو السعود: ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه وحصر العلية في الثاني للتوصل إلى تعميم مفعوله؛ ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصاً بمكروه دون مكروه، بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق حسب اقتضاء الحكمة، وإنما نحن في جزء من جزئياتها الذي هو أمر النساء، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد ما لا يخفى، يعني: لو لم يكرر الفعل لم تأت كلمة: (شيئاً)، ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا))، فصارت فيها عموم لكل الأحوال.
في الحقيقة يذكر هنا تنبيهاً جليلاً في الوصية بالنساء والإحسان إليهن، نحاول أن نقتصر منه على ما نستطيع يقول: كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة وهي قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال ابن كثير: أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، يعني: من صور المعروف هنا طيب الأقوال والألفاظ، وحسن الأفعال، والتزين بأن يلبس ما تستحسنه بحسب القدرة، فإن هذا من المعاشرة بالمعروف.
يقول ﵎: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهي درجة القوامة، وقال ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
وقال ﷺ في حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم -عوان يعني: أسيرات- ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً)، بعض الناس يفهمون هذا الأمر فهماً خاطئاً، ويطبقونه تطبيقاً خاطئاً، ويجهلون أن ضرب النساء مكروه، وهو إنما يباح بشروطه وضوابطه.
стр. 549
بعض آداب عشرة النساء
قال الغزالي في الإحياء: الأدب الثاني: حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن ترحماً عليهن؛ لقصور عقلهن قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال في تعظيم حقهن: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١]، (ميثاقاً غليظاً) لبيان حرمة هذه المعاشرة، وقال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦]، قيل: هي المرأة.
ثم قال الغزالي رحمه الله تعالى: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، يعني: أن تحتمل الأذى الذي يصدر منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله ﷺ فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوماً إلى الليل.
وراجعت امرأة عمر عمر رضي الله تعالى عنه فقال: (أتراجعيني؟! فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وهو خير منك).
وكان رسول الله ﷺ يقول لـ عائشة (إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك)، ﷺ .
ثم قال الغزالي رحمه الله تعالى: الأدب الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح معهن، وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال، حتى روي: (أنه ﷺ كان يسابق عائشة في العدو، فسبقته يوماً، وسبقها في بعض الأيام، فقال ﷺ : هذه بتلك).
وقالت عائشة ﵂: (سمعت أصوات أناس من الحبشة وهم يلعبون في يوم عيد، فقال لي رسول الله ﷺ : أتحبين أن تري لعبهم؟! قالت: قلت: نعم فأرسل إليهم فجاءوا، وقام رسول الله ﷺ بين البابين فوضع كفه على الباب ووضعت رأسي على منكبه، وجعلوا يلعبون وأنا أنظر، وجعل رسول الله ﷺ يقول: حسبك؟ وأقول: لا، لا تعجل مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: يا عائشة حسبك؟ فقلت: نعم).
وفي رواية للبخاري قالت: (رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو).
وفي بعض الروايات بينت أنها ما كانت تقصد فقط أن ترى لعب الحبشة، لكنها أرادت أن تنظر النساء وتعلم الأخريات قدرها عند رسول الله ﵌.
وقال عمر ﵁: (ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي، فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلاً).
وقال ﷺ لـ جابر: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)، وهذا رواه الشيخان.
ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: والله لقد كان ضحوكاً إذا ولج، سكوتاً إذا خرج، آكلاً ما وجد، غير سائل عما فقد.
стр. 550
تفسير قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج)
لقد نهى ﵎ عن أخذ شيء من صداق النساء ممن أراد فراقهن، نهى الذي يريد فراق امرأة أن يأخذ منها شيئاً من صداقها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٢٠].
(وإن أردتم استبدال زوج) أي: إن أردتم تزوج امرأة ترغبون فيها.
(مكان زوج) ترغبون عنها، بأن تطلق زوجتك وتتزوج أخرى مكانها.
وكلمة: (زوج) هنا المقصود بها الزوجات يعني: هي هنا مفرد لكن المقصود بها الجمع، ولذلك قال بعدها: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) أي: مالاً كثيراً مهراً.
(فلا تأخذوا منه شيئاً) يعني: لا تأخذوا منه شيئاً يسيراً فضلاً عن الكثير، فإذا نهى عن القليل فهو يشمل بالأولى الكثير.
(أتأخذونه بهتاناً) يعني: باطلاً.
(وإثماً مبيناً) أي: بيناً، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي: أتأخذونه باهتين وآثمين؟!
стр. 551
تفسير قوله تعالى: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض
قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١] في الآية إنكار لأخذه إثر إنكار على سبيل التعجب، أي: بأي وجه تستحلون المهر.
(وقد أفضى بعضكم إلى بعض) أي: وصل بعضكم إلى بعض فأخذ عوضه.
(وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) أي: عهداً وثيقاً مؤكداً، هذا كله مزيد تأكيد، يعسر معه نقظه كالثوب الغليظ يعسر ويصعب جداً أن تشقه، فكذلك هنا الله يشير إلى أن العهد الوثيق الغليظ المؤكد هو الذي أخذه النساء من الرجال.
قال الزمخشري: الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة.
ووصفه بالغلظ؛ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، بمعنى: أنك إذا صحبت قوماً عشرين يوماً فقد صارت لهذه الصحبة حرمة، ألسنا نسمع العوام يقولون: عيش وملح؟ وهذا الكلام كله في حق شخص سافر مع واحد في قطار ساعات أو أياماً، فكيف بما يكون بين الزوجين فهو أعظم حرمة من هذا الذي تعارف الناس على احترامه والوفاء بحقه؟! فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! وقال الشهاب الخفاجي: قلت: بل قالوا: صحبة يوم نسب قريب، وذمة يعرفها اللبيب.
صحبة يوم واحد نسب قريب تجعل لهذا الذي صحبته يوماً حرمة عندك، وذمة يعرفها اللبيب، يعني: حسن العهد من الإيمان.
فهذا المعنى ينبغي أن يحيا وأن يجدد في قلوب الناس، وإلا فقد صرنا في هذه الأزمان نرى من التنكر للأخوة ولهذه الصحبة، وصار منتشراً الآن في أخلاق الناس إلا من رحم الله ﵎، فالمؤمن يكون حسن العهد يراعي حرمة ما مضى.
والسياق هنا في شأن النساء.
قوله: (وكيف تأخذونه) يعني: كيف بك بين يوم وليلة إذا حصل بينك وبينها نزاع أو تريد أن تطلقها وتتزوج غيرها، وتقلب لها ظهر المجن وتنقلب رأساً على عقب بعدما كان لها هذه الحرمة وهذه الصحبة وهذه الحقوق وهذا العهد الغليظ الذي أخذه الله عليك؟! ثم بعد ذلك تنقلب إلى شخص لا ينظر إلا نظرة مادية يريد أن يستحوذ على حق هذه المرأة، وأن يأخذ من مالها الكثير؟ يقول تعالى: ((وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا))، يعني: وكنتم آتيتم إحداهن قنطاراً، يعني: مالاً كثيراً ومهراً (فلا تأخذوا منه شيئاً) هذا هو أول نهي وتنفير (شيئاً) يعني: ولو يسيراً فما بالك بالكثير؟! ثم يقول ثانياً: (أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبينا) يعني أتأخذونه آثمين باهتين ظالمين مبطلين؟ ثم مزيد من التعجب والاستغراب لهذا التطرف قوله تعالى: ((وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ)) يعني: وأنتم بينكم من الحرمة ما ليس له نظير.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يعني: ما يكون بين الزوجين من علاقة لا يمكن أن توجد بين شخصين آخرين.
(وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) فهذا مما يوجب مزيداً من الحرمة.
(وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) الميثاق الغليظ هو العهد الوثيق المؤكد، الذي يعسر نقضه كالثوب الغليظ يعسر شقه، أو هو التأكيد الذي أتاكم في القرآن الكريم وفي السنة إثر التأكيد بالإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، فإن كنت ستمسكها فبمعروف، وإن كنت ستطلقها فبإحسان.
لا ترتكب الفجور في الخصومة بأن تنقلب إلى إنسان مادي لا يبحث إلا عن المال حتى ولو تعدى حدود الله.
وقيل: إن الميثاق الغليظ هو قول الولي عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
стр. 552
حكم المغالاة في المهور وآثاره
قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) فيها دليل على جواز الإصداق بالمال الجزيل.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى عن كثرته ثم رجع عن ذلك.
كما روى الإمام أحمد عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (ألا لا تغلوا صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليبتلى بصداق امرأته).
وقال: (إن الرجل ليغلي بصداق امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه)، قد يشق عليه الولي ويغالي في المهر حتى يذوق الويل من أجل جمع هذا المهر العسير، الذي كلف بأن يجمعه إلى أن يكون هذا المهر سبباً في وجود عداوة بينه وبين زوجته.
ثم ذكر القاسمي رحمه الله تعالى قصة المرأة التي راجعت عمر في ذلك إلى آخره، وهذه القصة لا تصح سنداً والله تعالى أعلم.
رغم إباحة الإكثار من المهر كما في هذه الآية ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ يعني: مالاً وفيراً مهراً صداقاً، لكن ورد ما يفيد الندب إلى تخفيف المهر وكراهة المغالاة فيه، فقد قال ﷺ : (خير الصداق أيسره)، وذكر اليسير من المال هنا: (فلا تأخذوا منه شيئاً) تنبيه بالأعلى على الأدنى، خص تعالى ذكر من أتى القنطار من المال بالنهي، وذلك تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأنه إذا كان هذا على كثرة ما بذل لامرأته من الأموال منهياً عن أخذ الشيء اليسير الحقير منها على هذا الوجه.
يعني: إذا كان الذي دفع قنطاراً منهياً عن أن يأخذ منه شيئاً يسيراً، فالذي دفع شيئاً حقيراً هو أولى أن لا يطلب منها شيئاً على الإطلاق.
стр. 553
معنى الإفضاء في الآية وما يستقر به المهر
(وآتيتم إحداهن) معناها: وكنتم من قبل قد آتيتم إحداهن، إذ إرادة الاستبدال في ظاهر الأمر واقعة بعد إيفاء المال وبعد استقرار الزوجية.
وقد اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة، ومنشأ ذلك أن (أفضى) في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يجوز حملها على الجماع كناية جرياً على قانون التنزيل من استعمال الكناية فيما يستحيا من ذكره، والخلوة لا يستحيا من ذكرها، فلا تحتاج إلى كناية، ويجوز إبقاؤها على ظاهرها.
على أي الأحوال هذا فيه بحث طويل يتعلق بمعنى الإفضاء هنا، يعني: هل هو مجرد الخلوة أم أن المقصود به الوطء؟!
стр. 554
وجه الاستدلال بالآية في منع الخلع والأقوال في ذلك
قوله: ((وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)) بعض العلماء استدل بها على منع الخلع مطلقاً، وقالوا: إن هذه الآية ناسخة لآية البقرة التي تبيح الاختلاع.
وقال غيرهم: بل إن هذه الآية منسوخة بآية البقرة.
القول الثالث: لا ناسخ ولا منسوخ، بل إن هذه الآية تحرم أخذ الشيء من مال المرأة بدون طيب نفس منها، وآية البقرة تبيح أن تفتدي بأن يأخذ من مهر المرأة أو صداقها ما تطيب بها نفسها فلا تعارض إذاً بين الآيتين.
والله تعالى قال في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]، هذا صريح في أن الزوجة إذا كرهت خُلُقَ زوجها أو خَلْقَهُ أو نقص دينه أو خافت إثماً بترك حقه أبيح لها أن تفتدي منه، وحل له أخذ الفدية منها؛ لقوله تعالى: ((وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ))، يجوز في هذه الحالة أن تفتدي وتبرئه.
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ)) أي: ذاتهن ((كَرْهًا)) بالفتح والضم لغتان وقراءتان، كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم، فإن شاءوا تزوجوهن بلا صداق أو زوجوهن وأخذوا صداقهن، أو عضلوهن، يعني: منعوهن من الزواج حتى يفتدين بما ورثنه أو يمتن فيرثوهن، فنهوا عن ذلك.
((وَلا تَعْضُلُوهُنَّ)) يعني: ولا أن تعضلوهن أي: تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن، ولا رغبة لكم فيهن وإنما تمسكوهن ضراراً.
((لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)) يعني: من المهر.
((إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)) الفاحشة المبينة: هي الزنا، أو نشوز فلكم في هذه الحالة أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن.
((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) أي: بالإجمال في القول، والنفقة، والمبيت.
((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ)) فاصبروا.
((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)) ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولداً صالحاً.
((وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ)) أي: أخذ بدلها بأن طلقتموها.
((وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ)) يعني: وقد آتيتم إحداهن أي: الزوجات.
(قنطارا)
стр. 555
تفسير سورة النساء [٢٤ - ٣٠]
стр. 556
تفسير قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)
قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٢٤].
قال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية، ثم أضاف ﵎ إلى هؤلاء اللائي حرمن ممن ذكر، قوله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ)) يعني: وحرمت عليكم أيضاً المحصنات من النساء.
والمحصنات تأتي بعدة معانٍ في القرآن الكريم، فتأتي بمعنى المتزوجات، كما في هذه الآية، وتأتي بمعنى العفائف، وتأتي بمعنى الحرائر.
ومعلوم أن الأصل في الفروج هو التحريم، وليس الإباحة، ولذلك نعجب كثيراً حينما نلاحظ بعض الإخوة يتساءل مثلاً يقول: هل أخو الزوج يعتبر أجنبياً على زوجة أخيه؟ نعم، يعتبر أخو الزوج أجنبياً على زوجة أخيه.
كذلك يحرم عليه أن يجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.
والعبرة في الحكم على امرأة بالمحرمية، هو أن تحرم عليه على التأبيد، أما التحريم المؤقت فكل النساء حرام على الرجل إلا زوجته وما ملكت يمينه، كما سيأتي.
فالأصل في الفروج التحريم، فالمرأة التي تمشي في الشارع هذه محرمة، وزوجة الجار محرمة، وهكذا.
يقول تعالى هنا: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، يعني: حرمت عليكم أيضاً المحصنات، وهي في غير هذا الموضع تقرأ: المحصِنات أو المحصَنات، أما في هذا الموضع فباتفاق القراء لا تقرأ إلا بالفتح، ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، يعني: ذوات الأزواج أو المزوجات، حرائر كن أو إماء، مسلمات أو غير مسلمات.
الحكمة من هذا التحريم هو حفظ الأنساب، فإذا لم تراع هذه الحدود فإنه ستختلط الأنساب وتضيع.
((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، يعني: ذوات الأزواج من النساء، وقد حرم عليكم أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن، يعني: ما دامت هي في عصمة رجل آخر، فكي لا يختلط النسب يحرم عليكم أن تتزوجوهن إلا بعد أن يتوفى زوجها أو بعد أن يفارقها بالطلاق.
стр. 557
معنى قوله تعالى: (إلا ما ملكت أيمانكم)
قوله: ((إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، لابد أن نفهمها فهماً صحيحاً، ((إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، لابد أن نقول: إلا من النساء اللائي سبين في الحرب ولهن أزواج.
فقوله: (إلا ما ملكت أيمانكم) ليست على إطلاقها، وليس المقصود هنا إلا من سبين ولهن أزواج، ولذلك قال السيوطي هنا: ((إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، من الإماء بالسبي، يعني: ملكتموهن بالسبي، فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب، لكن بعد الاستبراء، يعني: بعد تبين براءة رحمها من الحمل وذلك بحيضة.
والسبب في هذا التقدير الذي ذكرناه أن الآية تتكلم على المحصنات، وهن ذوات الأزواج، فذوات الأزواج كما ذكرنا مسلمات أو غير مسلمات، حرائر أو إماء لا يجوز نكاحهن، فالكلام هنا في ذوات الأزواج من النساء اللائي سبين في الحرب فصرن ملك يمين لكم، فهؤلاء يجوز لكم أن تتزوجوهن، حتى ولو كن ذوات أزواج في دار الحرب.
لكن بشرط استبراء الرحم بأن تحيض حيضة فيستبين براءة رحمها من الحمل.
стр. 558
معنى قوله: (كتاب الله عليكم)
قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، هنا نصب على المصدر، يعني: كتب الله ذلك عليكم كتاباً، فكتاب الله هو مصدر مؤكد.
(كتاب الله عليكم) يعني: كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتاباً وفرضه فرضاً فالزموه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وأحل لكم قراءتان: إما بالبناء للفاعل أو بالبناء للمفعول، يعني: (وأُحل لكم) والقراءة الأخرى: (وأَحَلَّ لكم ما رواء ذلكم) يعني: وأحل لكم الله ما وراء ذلكم سوى ما حرم عليكم من النساء المحرمات المعدودات في هذه الآية.
стр. 559
معنى قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وما يستثنى من ذلك
قوله: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ))، يعني: أحل لكم سوى من ذكرنا من النساء غير الأم والبنت والأخت وهكذا، إلى هذه الآية: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ))، ما سوى هؤلاء المذكورات في الآيتين فهن حلال لكم.
ولا شك أن (ما) في هذه الآية تفيد العموم، لكن هذا العموم مخصوص بما استثناه الشرع، كالجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، كما صح ذلك في السنة.
أما الجمع بين الأختين فقد ورد التحريم لذلك في القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٣]، هذه في القرآن.
إذاً: عموم قوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)) مخصوص بمحرمات أُخر دلت عليها دلائل أخر، فمن ذلك ما صح عن النبي ﷺ من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وإن كان بعض المفسرين ذهب إلى أن العمة والخالة داخلة في قوله ﵎: ((وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)).
لكن على كل حال فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وبين عمتها، ولا بين المرأة وبين خالتها، وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل العلم، وقال: لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك.
ومن هذا التخصيص لهذا العموم: نكاح المعتدة، هذه المرأة التي تكون في العدة يحرم نكاحها أثناء العدة.
كذلك أيضاً: القادر على الحرة لا يجوز له أن يتزوج الأمة كما سيأتي إن شاء الله، فالقادر على التزوج من حرة لا يجوز له أن يتزوج أمة.
من ذلك أيضاً: الرجل الذي عنده أربع زوجات لا يحل له الخامسة وذلك بالإجماع، فهذا أيضاً تخصيص لهذا العموم.
من ذلك أيضاً: الملاعنة، ونوع تحريم الملاعنة مؤبد، يعني: الرجل إذا لاعن امرأته وحصلت الملاعنة من الطرفين كما في سورة النور، في هذه الحالة بمجرد وقوع الملاعنة تحرم عليه إلى الأبد.
والدليل على ذلك هو من السنة، لكن هل هناك دليل من القرآن الكريم؟ نعم، بل جملة من الأدلة من القرآن الكريم التي تدل على حجية سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التشريع.
هذا فيما يتعلق بالعموم في قوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ))، يعني: من النساء المحرمات المعدودات، وهذا عموم خصصته السنة كما بيناه.
стр. 560
معنى قوله: (أن تبتغوا بأموالكم)
قوله تعالى: ((أَنْ تَبْتَغُوا)) أي: أن تطلبوا النساء.
((بِأَمْوَالِكُمْ))، أي: بصداق أو ثمن، ((مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)).
قوله تعالى: ((أَنْ تَبْتَغُوا))، (أن) بدل من (ما).
وهذا قول من الأقوال الصحيحة.
هناك قول آخر: أنه مفعول لأجله، (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا) يعني: أحل لكم إرادة أن تبتغوا، أي: تطلبوا النساء.
قوله تعالى: (بِأَمْوَالِكُمْ) يعني: أن تطلبوا ما رواء هؤلاء المحرمات من النساء تزوجهن ببذل الأموال وبصرفها في مهورهن بالصداق.
стр. 561
معنى الإحصان والمسافحة
قوله: (مُحْصِنِينَ) يعني: متزوجين.
إعراب (محصنين) حال من فاعل (تبتغوا) يعني: حال كونكم محصنين.
والإحصان: هو العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم.
قوله: ((غَيْرَ مُسَافِحِينَ))، المقصود: غير زانين.
والسفاح: هو الزنا والفجور، وهو مشتق من السفح وهو الصب؛ لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة، وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة قال: أنكحيني، فإن أراد الزنا قال: سافحيني، والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
стр. 562
حكم تعجيل المهر وتأجيله والإسقاط منه قبل فرضه وبعده
((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ))، يعني: فما تمتعتم به منهن ممن تزوجتم بالوطء.
((فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً))، يعني: مهورهن التي فرضتم لهن.
((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ))، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم أنتم وهن به من بعد الفريضة، يعني: من الحط منه إذا حصل بعدما أثبتم المهر، حصل أن رجلاً أعسر أو المرأة أرادت أن تسامحه في المهر كله، برضا نفس لا بأس، أو بأن تحط عنه بعضه فلا بأس، أو بالزيادة عليه فلا بأس.
لكن هل يجوز ابتداءً الاتفاق على إسقاط المهر؟ لا يجوز بحال أن يتم زواج بدون مهر، لكن يمكن بعدما يستقر المهر في ذمته أن تحط عنه كله أو بعضه برضاها.
قد يحصل أن يتزوج بدون أن يحدد مهراً، وهو جائز، لكن يجب عليه المهر بعد العقد، لكن هناك فرق بين من يتزوج ولا يحدد المهر، وبين من يتزوج ويتفق على إسقاط المهر قبل الزواج، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال باتفاق العلماء، لكن يمكن أن يتزوج ويبقى المهر إما مؤجلاً، أو معجلاً بعضه ومؤجلاً بعضه إلى آخره، فإن فرضتم المهر ورضيت المرأة وطابت عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً كما جاء في الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤]، كذلك هو مثل قوله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧].
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٢٤]، (عليماً) أي: بخلقه، (حكيماً) أي: فيما دبره لهم.
وقبل أن نتجاوز قوله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، قلنا: إنها تقرأ أحياناً بالفتح، وأحياناً بالكسر، لكن هنا في هذه الآية بالذات لا تقرأ إلا بالفتح باتفاق القراء، فإذا قرئت بالفتح فتكون هذه مشتقة من أحصَن، ومحصن مشتقة من أحصن، يعني: من الفعل المبني للمعلوم يشتق اسم الفاعل، أحصَن فهو محصن يعني: أحصن نفسه، أو محصَن فهو أحصن، يعني: أحصنه غيره.
أما القراءة بالكسر: (وَالْمُحْصْنَاتُ) فتكون مشتقة من أحصنَّ، يعني: أحصن فروجهن أو أحصن أزواجهن، واشتقاق الكلمة من الإحصان الذي هو المنع.
стр. 563
حكم نكاح المتعة ووجه الاستدلال بالآية
قبل أن أتجاوز هذه الآية فيها كلام مفصل وكلام كثير يتعلق بكلام بعض المفسرين حيث فسر قوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) بأنها نزلت في نكاح المتعة.
فقوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) أي: من اللائي تزوجتموهن.
((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) معنى ذلك: أن المهر يلزم الرجل ويتأكد في حقه بدخوله بالزوجة.
فقوله: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) قالوا: إن هذه إشارة إلى نكاح المتعة.
((فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً))، يعني: الأجر الذي يبذله لها.
((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ))، يعني: إن انتهى أجل هذا النكاح؛ لأن نكاح المتعة يكون مؤجلاً، فإذا انتهى ذلك الأجل فإنها في حل، وإذا مات هو لا ترثه، وإذا ماتت هي لا يرثها إلى آخره.
ونكاح المتعة: هو الزواج إلى أجل معلوم بلفظ المتعة كمتعتك، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى نكاح المتعة، ثم نسخت هذه الآية بما روى ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني رضي الله تعالى عنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ قائماً بين الركن والباب وهو يقول: يا أيها الناس! إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع -يعني: في نكاح المتعة- ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها -أي: من كان عنده امرأة ممن نكحها نكاح المتعة فليخل سبيلها- ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً).
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خطب وقال: (ما بال رجال ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله ﷺ عنها، لا أوتى بأحد نكحها إلا رجمته).
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيره عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأنسية -يعني: الحمير الأهلية-).
اختلف العلماء في بيان متى تم تحريم نكاح المتعة على أقوال: فمن قائل: يوم خيبر، استدلالاً بهذه الرواية المتفق عليها عن علي بن أبي طالب ﵁.
ومنهم من قال: إنه تم تحريم المتعة في عام فتح مكة.
ومنهم من قال: بل هو عام حنين، وهذا القول الثالث هو بنفسه الثاني؛ لأن معركة حنين وفتح مكة متصلتان.
القول الرابع: أن نكاح المتعة حرم عام حجة الوادع، وهو وجه من بعض الرواة، سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوادع، وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة كثيراً ما يعرض للحفاظ، يعني: هذه الحالة تعرف عند علماء الحديث بسفر الوهم، وهو أن الراوي يسافر بوهمه وبخياله من موقع إلى موقع، فيبدل الأسماء أو الأماكن أو الوقائع.
والعلماء لهم طرائف في الترجيح عند هذه الحالات، ومنها: هذا الذي نحن بصدده، والصحيح أن المتعة حرمت عام فتح مكة كما في صحيح مسلم، ولو كان التحريم زمن خيبر للزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد لمثله في الشريعة ألبتة، ولا يقع مثله في هذه الشريعة.
كما أن خيبر لم يكن فيها مسلمات، بل كان فيها يهوديات، ولم تكن قد نزلت آية المائدة التي فيها إباحة نكاح الكتابيات، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥]، لأن آية المائدة نزلت في حجة الوداع يوم النحر، وهي في سياق قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فلو كان التحريم في خيبر فمعنى ذلك أن النسخ حصل مرتين، وهذا لا يقع في الشريعة.
أما ما جاء في رواية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (أنه نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية أو الأنسية) فهذا الحديث ثبت بلفظين: أحدهما: هذا اللفظ الذي الذي سبق.
وهناك لفظ آخر: وهو الاقتصار على نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر.
يعني: اللفظ الآخر: (أنه نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأنسية يوم خيبر).
فإذاً يكون يوم خيبر فيه بيان تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية، وليس فيه بيان تحريم نكاح المتعة.
فإذاً هذا الجواب على من يستدل بأن تحريم المتعة حصل في خيبر.
والصحيح أنه حصل في فتح مكة، وهذا الحديث كما ذكرنا ثبت في الصحيحين بهذا اللفظ، وثبت أيضاً في رواية أخرى بالاقتصار على نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فكلمة (يوم خيبر) ليست لبيان تحريم المتعة، وإنما لتحريم لحوم الحمر الأهلية، فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ربط بين تحريم الاثنين معاً.
ليس هذا فحسب، بل بعض الرواة اقتصر على رواية الحديث: (حرم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر)، فقصرها على هذه المرتبة الثانية من الخطأ الذي وقع ومن الغلط البين.
فإن قيل: فما سر جمع علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الحديث بين الأمرين؟ يعني: علي جمع في الحديث بين النهي عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأنسية.
فنقول: سر ذلك أنه كان يناظر ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ لأن ابن عباس كان يبيحهما، فناظره في المسألتين، وروى له التحريمين، وقيد تحريم الحمر بزمن خيبر وأطلق تحريم المتعة، وقال له: (إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر).
إذاً: كلمة يوم خيبر جاء في تحريم لحوم الحمر الأهلية وليست في تحريم نكاح المتعة كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس.
فروى علي ﵁ الأمرين محتجاً عليه بهما لا مقيداً لهما بيوم خيبر.
لكن هل تحريم نكاح المتعة هو من باب تحريم الفواحش، أم أنه حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هي حرمت كتحريم الفواحش تماماً، والفواحش لا تباح بحال.
أما القول بأنه حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها فقط في حالة الاضطرار، فهذا القدر هو الذي نظر فيه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فـ ابن عباس لم يبحها بإطلاق كما يزعم الشيعة، والشيعة إلى الآن يتمادون في موضوع نكاح المتعة كما هو معلوم عنهم، وهو من خبائثهم.
إذاً ابن عباس نظر إلى أنها لم تحرم تحريماً مطلقاً كتحريم الفواحش، والفواحش لا تباح بحال، وإنما ذهب إلى أنها تحرم عند الاستغناء عنها وتباح للمضطر، فهذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسع فيها من توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الإفتاء بحلها ورجع عنه، وكان ابن مسعود يرى مثل قوله، أو قريباً منه.
وقد روي أن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال لـ ابن عباس رضي عنهما: (أتدري ما صنعت بفتواك -فتواه التي هي إباحة نكاح المتعة-؟ فقد سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر، وكان من الشعر الذي قيل: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون ما بهذا أفتيت، ولا أحللت إلا مثلما أحل الله الميتة والدم).
إذاً معنى هذا الكلام: أن هذا هو القدر الذي اجتهد فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكما ذكرنا: فالإجماع منعقد على خلاف ذلك، يعني: الإجماع على تحريم نكاح المتعة.
стр. 564
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات)
لقد شرع الله بعد ذلك في بيان نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة، يعني: على قول ابن عباس أو على قول من يرى أنه في حالة الاضطرار يباح للمسلم المتعة، فكأن الله هنا يبين لنا ما يستباح للضرورة، لكن الفرق بين هذه الضرورة وما يأتي الآن هو أن الضرورة التي أبيح لأجلها نكاح المتعة كانت ضرورة مؤقتة انقطعت إلى يوم القيامة، بحيث عاد حراماً تحريماً شاملاً كاملاً أبدياً.
فيشرع هنا في بيان نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة، لكنها ضرورة مستمرة لا تنقطع بكثرة الإسلام، أما الضرورة التي أبيح لأجلها نكاح المتعة فهي ضرورة مؤقتة انقطعت في ذلك الوقت وانتهت.
أما الضرورة التي ستأتي فهذه مستمرة كما في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء:٢٥].
((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا))، (طولاً) يعني: غنىً.
((أَنْ يَنكِحَ))، يعني: غنىً لأن ينكح.
(من لم يستطع منكم) من لم يقدر، (منكم).
(ومن لم يستطع منكم) الخطاب هنا للأحرار، أي: ومن لم يستطع منكم أيها الأحرار طولاً، يعني: لم يقدر أن يحصل غنىً يمكنه أن ينكح المحصنات المؤمنات.
стр. 565
معنى المحصنات في قوله: (طولاً أن ينكح المحصنات)
المحصنات هنا بمعنى: الحرائر، لماذا قلنا: المحصنات هنا بالذات بمعنى: الحرائر؟ لأن الآية تبين أن من عجز عن نكاح الحرائر يجوز له نكاح الإماء، أي: لابد أن نفسر المحصنات بعكس الإماء، وهن الحرائر.
يقول : ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))، أي: لم يستطع منكم غنىً أن يتزوج الحرائر.
إذاً المحصنات هنا: الحرائر، والحرائر معروفات بالعفة، فالمحصنات المتعففات بخلاف الزواني، فإنه لا عبرة بهن، ويكن أيضاً مؤمنات؛ لأن الكوافر أيضاً لا عبرة بهن؛ لأن العفة عنوان الحرية، ولذلك لما بايعت هند رسول الله ﷺ وبايعها على الصيغة المعروفة: (ولا يزنين) لما سمعت هذا الكلام اضطربت وقالت: (أوتزني الحرة؟) واستحيت من ذلك، فمعروف أن الحرة عفيفة.
следующие страницы →