Полный текст (3 275 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)
قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد) أو (من يرتدد) قراءتان (من يرتد) بالإدغام أو (من يرتدد) بالفتح، ومعناه الردة، أي: يرجع إلى الكفر.
وهذا إخبار بما علم الله وقوعه، وقد ارتد جماعة بعد موت النبي ﷺ .
(فسوف يأتي الله بقوم) سوف يأتي الله بدلاً عنهم إن هم تركوا دينهم وارتدوا عنه (بقوم يحبهم ويحبونه) قال ﷺ : (هم قوم هذا) وأشار إلى أبي موسى الأشعري رواه الحاكم في صحيحه.
(أذلة على المؤمنين) يعني: يعطفون على المؤمنين.
(أعزة على الكافرين) أي: أشداء على الكافرين.
(يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) يعني: يتلقون اللوم من الكفار على مناصرة المسلمين، أما المؤمنون إذا جاهدوا فإنهم لا يخافون أن يلومهم الكفار؛ لأنهم نصروا أهل التوحيد.
(ذلك) أي: ذلك المذكور من الأوصاف: (فضل الله).
(يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)، وقوله: (واسع) أي: كثير الفضل (عليم) بمن هو أهله.
فلما نهى تعالى فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى، وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد عن الدين؛ لأنه قال: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) يعني: يرتد عن دينه بموالاتهم وموافقتهم في عقائدهم، إلى قوله: (حبطت أعمالهم) شرع هنا في بيان حال المرتدين على الإطلاق، ونوه بقدرته العظيمة، فأعلم أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله سيستبدل به من هو خير لذلك منه، وأشد منعة وأقوم سبيلاً؛ لأن هذا المعنى لابد من أن نستحضره في أحلك الظروف التي نمر بها، وفي كل عصر من عصور الدعوة الإسلامية، فلابد من أن نستحضر مهما علت كلمة الكفر وعتى الكافرون في الأرض عتواً كبيراً قدرة الله ، فالله قادر على إهلاكهم بكلمة (كن).
فكل من على وجه الأرض من الجن والإنس يمكن أن يكونوا على أتقى قلب رجل واحد، والله قادر على ذلك، فبكلمة (كن) يكون كل العباد كالملائكة، أو كل قلوبهم تكون كقلب محمد ﵊ الذي هو أتقى قلب في البشر أجمعين.
فالله قادر على هذا، وقادر على أنه كلما جاء للمسلمين أحد يهاجم الإسلام أو يشتم الإسلام يحترق في الحال، ويمكن أن يحصل ذلك بين وقت وآخر، لكن هل هو قاعدة مطردة؟ لا، والملائكة تستطيع أن تمزق أعضاء الكافر، لكن الحياة إذا صارت على هذا المنوال ستلغى حكمة التكليف، والناس جميعهم سيكتشفون أن الإسلام هو دين الحق، لكن نحن في دار ابتلاء وامتحان، فنحن نتعبد بالبحث عن الحق والتحري عنه، ونتعبد بأن تزين صورة الباطل وتعلو كلمته أحياناً، ويضطهد المؤمنون أحياناً، ويصيب المسلم الفقر أو المرض أو نحو ذلك من البلاء؛ لأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والنتيجة تظهر هناك، فلابد من أن نستحضر دائماً أن الله قادر بكلمة (كن) المكونة من حرفين على أن يقلب كل هذه الأوضاع.
فهذا الظلم الذي يحصل للمسلمين في كل مكان من مجازر في البوسنة والهرسك وفي فلسطين وغير ذلك، وهذا العلو الكبير في الأرض لأعداء الله اليهود الله قادر على أن يرفع ذلك ويبيد اليهود فلا يبقي منهم واحداً على ظهر الأرض، لكننا في دار الابتلاء كما قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] أي: فناحسبكم.
فكل الذي نحن فيه الآن ابتلاء واختبار، كما قال : ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] اختبار وابتلاء وامتحان.
فكذلك هنا يقول الله ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ)) فالله غني عنكم أجمعين ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ))، وانظر إلى العظمة! بدأ بقوله: (يحبهم) قبل (يحبونه)، وطبع الإنسان أنه يحب من أحسن إليه، فيحب العبد الله لاتصافه بالكمال والجمال والجلال، ونحبه -أيضاً- لما بسط من النعم التي أفاض بها علينا.
يقول تعالى: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) ومعنى الآية أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله سيستبدل به من هو خيرٌ للدين منه، وأشد منعة وأقوم سبيلاً، كما قال : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء:١٣٣]، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:١٩ - ٢٠]، فليس ذلك بصعب ولا على قدرة ممتنع الله .
وهذه الآية من الكائنات التي أخبر الله عنها في القرآن قبل أن تقع، فقد وقع المخبر به فكان معجزة، فقد روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة، منها ثلاث في عهد رسول الله ﷺ ، وتلك الفرق هي: بنو مدلج، ورأسهم ذو الخمار الأسود العنسي، وبنو حنيفة قوم مسيلمة، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد، وفزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض تميم وكندة، وبنو بكر بن وائل، وغسان.
وهؤلاء وإن كانوا يوصفون بأنهم أهل ردة إلا أن كلمة الردة في تلك الفترة -فترة أبي بكر ﵁ كانت تطلق على طائفتين: طائفة أصحاب ردة حقيقية، وهم الذين ارتدوا عن الإسلام كـ مسيلمة الكذاب وغيره، وهؤلاء عدلوا إلى الكفر كما ذكرنا.
أما الصنف الآخر فهم الذين يطلق عليهم وصف الردة تغليباً، وليسوا مرتدين، وإنما هم بغاة، فهم: مسلمون لكنهم بغاة خرجوا بالقوة على الإمام الحق، وهم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها، وقالوا: إن الزكاة تؤدى إلى الرسول ﵊، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] فإذا مات الرسول ﵊ فلن نؤديها إلى الخليفة بعده.
وهذا وقع منهم بتأويل، فهؤلاء -على الحقيقة- هم أهل البغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصاً لدخولهم تحت اسم أهل ردة، وإن لم يكونوا في الحقيقة مرتدين؛ لأن الردة أعظم الأمرين وأخطرهما، وكذلك أطلق الاسم على هذه الحروب عموماً.
قوله تعالى: ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ))، صفة المحبة حينما تسند إلى الله تكون ثابتة له بلا كيف وبلا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها، ونلاحظ في السيوطي دائماً أنه يفسر هذه المحبة بالإثابة، فيقول: (يحبهم) يعني: يثيبهم! والزمخشري أول هذه المحبة فقال: (يحبهم) أي: يثيبهم أحسن الثواب، بتعظيمهم، والثناء عليهم، والرضا عنهم.
وهذا تفسير باللازم، فهذا هو لازم المحبة، وليس هو المحبة؛ لأن الإثابة هي ثمرة ولازم المحبة، فإذا أحبهم الله أثابهم، فهذا منزع كلامي، وليس منزعاً سلفياً.
كذلك أيضاً أنكر الزمخشري كون محبة العباد لله حقيقية، قال: (يحبونه) يعني: يطيعونه ويطلبون مرضاته.
وهذا خلاف الظاهر، فمحبة العبد ممكنة، وهي واقعة من كل مؤمن، وهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم، فليست المحبة معناها الطاعة؛ فإذا العبد أحب الله فالطاعة لازم وثمرة هذه المحبة، فلنثبت محبة العبد لله، ولا داعي للتأويل الذي يذكره هؤلاء، ألا ترى إلى حديث الأعرابي الذي سأل عن الساعة فقال النبي ﷺ : (ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل، ولكن حب الله ورسوله ﷺ .
فقال ﵊: أنت مع من أحببت).
فالحديث يفهم منه أن المحبة غير الأعمال، فلا يصح تفسير (يحبونه) بمعنى: يعملون الأعمال الصالحة.
فهم يحبونه، ومن ثمرة المحبة أنهم يطيعونه ويعملون له الأعمال الصالحة، وهناك الحديث المشهور: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه.
فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه.
ثم يوضع له القبول في الأرض).
وهذا كله يفسد هذا التأويل الكلامي.
يقول تعالى: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) هذه صفة المؤمنين الكمل، وهي أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
قال هنا أيضاً: ((وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) فهذه الآية تدل على أنهم يجاهدون في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، فإذا شرعوا في أمر من أمور الدين كإنكار منكر أو أمر بمعروف مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائم.
واللومة هي المرة من اللوم، وفيه مبالغة، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام.
وقيل: قوة التمسك بالحق جعله
стр. 737
تفسير قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)
ولما نهى عن موالاة اليهود والنصارى أشار إلى من يتعين علينا موالاته، فإذ كان يحرم علينا ولا يليق بنا إذا كنا مؤمنين أن نوالي اليهود والنصارى فمن الذين يجب أن نواليهم؟ بين تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥].
قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ)) يعني: الذي يفيض عليكم كل خير (ورسوله) الذي هو واسطة الخير، فكل الخير الذي أتانا بهذا الإسلام من الذي كان واسطة بين الحق وبين الخلق فيه؟ إنه الرسول ﵊، ولذلك فهو أحق بأن نتولاه ﷺ ونعتز بدينه.
قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) الذين هم المعينون في موالاة الله ورسوله بأفعالهم؛ لأنهم ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ)) التي هي أجمع للعبادة البدنية ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)) لأن الزكاة تقطع حب المال الذي يجلب الشهوات.
((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) حال من الفعلين، يعني: يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله، ومتذللون غير معجبين، فإن رؤيتهم تؤثر فيمن يعليهم بالعون في موالاة الله ورسوله.
стр. 738
تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] يعني: من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فيعينهم وينصرهم، فإن حزب الله هم الغالبون في العاقبة على أعداء الله .
كما قال : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وهم ممن ينجو أخيراً، والعاقبة للتقوى.
فمهما دارت الدوائر فلا بد في النهاية من أن تعود العاقبة إلى أهل التقوى، كما قال الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧].
وأفرد الله هنا الولي بقوله: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا))، ولم يقل : (إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا) فلم يجمع مع أن الولي متعدد، ففيه إيذان بأن الولاية لله أصل، ولغيره تبع لولايته ، فالولاية أصلاً تكون لله، ثم تبعاً لولاية الله تحب كل من يوالي الله، ومن أعظم الخلق موالاة لله؟ إنه رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك المؤمنون من هذه الأمة، وترتيب الولاية على الأنبياء والرسل، ثم الأولياء، وأعظم الأولياء على الإطلاق هم صحابة رسول الله ﷺ ، فهم أشرف البشر بعد الأنبياء، وهم أوفر الناس حظاً من موالاة الله .
فلم يجمع لفظ (الولي) مع أنه متعدد للإيذان بأن الولاية لله أصل ولغيره تبع لولايته ، فالتقدير: إنما وليكم الله، وكذلك رسوله والذين آمنوا.
هذا معنى الآية.
وثمرة هذه الآية تأكيد موالاة المؤمنين والبعد عن موالاة الكفار، قال ابن كثير: فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة -وهي قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) - في موضع الحال من قوله: ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)) أي: في حال ركوعهم.
وهذا التنبيه مهم في الحقيقة، وهو أنه يشيع الاستدلال بما في هذه الآية في فضائل علي بن أبي طالب، والشيعة -خاصة- يلهجون بأن هذه الآية فيها مدح لأمير المؤمنين علي ﵁، إذ يفهم بعض الناس أن معناها: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة في حال الركوع.
ويزعمون أن علياً أعطى الزكاة لفقير وهو في حالة الركوع، فالجملة على هذا الزعم جملة حالية، والصحيح أنها معطوفة على الصفة السابقة، فيكون المعنى: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويركعون لله مع الراكعين، وربما تكون إشارة إلى الصلاة في الجماعة، وهذا موضوع آخر.
يقول ابن كثير: فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة -أي قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) - في موضع الحال، من قوله: ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ))، أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح.
أي: ما دام أن هذا الكلام صحيح فالآية مدحت من يفعل هذا، وبينت أن من يؤدي الزكاة وهو راكع أفضل ممن يؤديها خارج الصلاة.
وإذا كان الإنسان يريد هذا الثواب فليتفق مع الفقير فيقول له: تعال وأنا في الركوع لأعطيك الزكاة حتى يكون لي الثواب الأعظم.
يقول ابن كثير: ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى.
حتى إن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه، ثم روى ابن كثير الأثر المذكور عن ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد الرزاق وابن مردويه، ثم قال: وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها.
وقد اقتص ذلك الخطابي في حواشي البيضاوي عن الحاكم وغيره بطول، ثم أنشد أبياتاً لـ حسان بن ثابت فيها، ولوائح الضعف -بل الوضع- لا تخفى فيها، لا سيما ونص حسان بن ثابت العريق في العربية بعيد مما نسب إليه، وأي حاجة بالتنويه لفضل علي ﵇ بمثل هذه الواهيات، وفضله أشهر من ذلك.
أي: هل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحتاج -حينما نتكلم عن فضائله- إلى أن نختلق هذه الأكاذيب، وفضائل أمير المؤمنين في القرآن وفي السنة أشهر من أن تذكر رضي الله تعالى عنه.
قال البغوي: روي عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عن هذه الآية ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)): من هم؟ فقال: المؤمنون.
فقلت: إن أناساً يقولون: هو علي! فقال: علي من الذين آمنوا.
قال ابن كثير: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآية كلها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ حين تبرأ من حلف اليهود ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين.
والرازي توسع هنا جداً في مناقشة الشيعة في هذه القضية، ومن أراد التوسع فليرجع إلى تفسير ابن كثير.
стр. 739
تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا)
ثم يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] يعني: فإنهم هم الغالبون، لكن أبرز كلمة (حزب الله) ولم يقل (فإنهم هم الغالبون)، وهذا فيه دلالة على علة الغلبة للمؤمنين، فكأنه قال: ومن يتول هؤلاء الذين هم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون.
فذكر هذا تنويهاً بذكرهم وتعظيماً لشأنهم وتشريفاً لهم بهذا الاسم، وتعريضاً لمن يوالي هؤلاء بأنه من حزب الشيطان، بل بصورة أخرى من أحزاب الشياطين؛ لأن الباطل يتلون ويختلف ولا ينحصر، فالباطل كثير جداً ويتعدد؛ لأنه باطل، أما الحق فإنه واحد، ولذلك نجد القرآن دائماً يذكر النور والظلمات، فالنور مفرد، والظلمات جمع، فالباطل لا يكاد ينحصر، أما الحق فهو واحد لا يتعدد أبداً، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فالمسلم يفخر ويعتز بأنه ينتمي إلى حزب الله.
وهنا ينبغي التنبيه على أن لا نستعمل الاصطلاحات التي تستعمل الآن في التجمعات التي تنتسب إلى الإسلام كحزب الله الشيعي في لبنان وغيره، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] فكل ما في العالم من أحزاب مرده إلى ضربين: حزب الله وحزب الشيطان، والغلبة ستكون لحزب الله، كما قال تعالى: ((فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)).
أما أحزاب الشيطان فكل من لم يرفع راية الاعتزاز بالله وبرسوله وبالإسلام وبموالاة المؤمنين فمهما ادعى فهو من حزب الشيطان، فكل الأحزاب السياسية بلا استثناء -ما دامت لا ترفع راية التوحيد ولا تعتز بانتمائها إلى الإسلام، ولا توحد ولايتها لله ورسوله- تندرج تحت حزب واحد، وهو حزب الشيطان، والمؤمن يفخر ويعتز ويتحدى العالم أجمع بشهادة التوحيد، وبانتمائه إلى هذا الحزب الغالب: حزب الله ورسوله والمؤمنون، وهذه هي العزة التي وصف الله تعالى بها المؤمنين بقوله: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)).
وكأن هذا الموضوع -موضوع الأحزاب- أصبح شيئاً مسلماً به، ودائماً نسمع من بعض الناس ممن يعمل في حقل الدعوة الإسلامية في الوقت الأخير قوله: تجوز التعددية الحزبية؟! وهل تقام الأحزاب على أساس ديني؟! هو إن المعادلة هنا أن الاثني عشر إذا نقص منها واحد فإنها تساوي صفراً، ولا يكون الناتج أحد عشر، فكل الأحزاب بدون الإسلام ليس لها قيمة، وأحزاب بغير دين الله تعالى كلها تساوي صفراً؛ لأنها ترفع شعار: نحن لا نقيم الحزب على أساس ديني؛ فإن الدين عار.
فلذلك مهما كثرت أعدادها فكل هذه الأحزاب تساوي صفراً، بل تساوي الهلكة والخسران في الدنيا والآخرة والبوار.
قال تعالى: ((فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ))، فالحزب أصله يطلق على القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم، وقيل: الحزب جماعة فيها شدة.
فهو أخف من الجماعة والقوم.
ونحن اليوم نعيش في جو كله سموم، وكل أحد اليوم يتكلم عن تلوث الهواء والمياه بالمجاري وبالغازات، وما أحد يتكلم عن التلوث العقدي، التلوث في المفاهيم والقيم الذي هو أشد خطورة، فنحن كلنا نتنفس من نفس الجو، أما التسمم بالغاز أو أكسيد الكربون فإنه يحصل عندما تجلس الأسرة في غرفة في الريف -مثلاً- وتدخن الفحم في مأكول، فيحصل تسمم من غير شعور، وفي الأخير يموتون، نتيجة استهلاك الغاز في الحرق أو أكسيد الكربون.
ولو أن شخصاً جاء في وقت تعاطي هذه الجرعة قبل أن يهلكوا ففتح النافذة وأدخل الهواء النقي فإنهم حينئذ يفيقون ويحسون بالفارق بين الهواء المسموم الذي سيقتلهم وبين هذا الهواء النظيف الذي أتي من النافذة التي فتحت وجلبت لهم الهواء النظيف الذي يعمل على غسل للرئة والقلب.
فكذلك الإنسان لابد من أن يرتبط بالقرآن الكريم، فالقرآن يأخذ أولاً بأول سموم البيئة التي نعيش فيها، والتي ننغمس فيها حتى النخاع، ولا شك في أننا سنتأثر بهذه البيئة شئنا أم أبينا، وبهذه المفاهيم التي تواطأ عليها من خفت عقولهم في هذا الزمان، والأمر صريح صراحة قاطعة، ومع ذلك الناس في شك وريبة، وفي انحراف عن هذا الحق، فخفت عقولهم، وكانوا هكذا كما قال الرسول ﵊، فالوسيلة الوحيدة هي استعمال الغسيل للقلب باستمرار، وتنظيف عقلك من الأفكار الهدامة، فإذا زال الباطل ارتبط القلب بالقرآن، فبآية واحدة من القرآن الكريم تبطل كل هذه المقاييس التي ينفق من أجل نشرها ملايين الجنيهات والدولارات، من أجل تمثيل الباطل وتشويش عقيدة الناس، فآية واحدة من القرآن تهد كل ما يبذلونه حتى يصير هباء منثوراً.
ومن أمثلة ذلك موضوع تعدد الزوجات، فمهما تكملنا، ومهما أفسد المفسدون وتطاولوا فهي آية واحدة، والمسلم العادي بإيمانه الفطري إذا سمع القرآن يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] تجد كل ذلك الكلام عنده ينهد.
وقد كان ميثاق عبد الناصر يوزع مجاناً على المدارس وعلى الطلبة والمدرسين، وكنا نحسب نصوصه كنصوص القرآن، وأي موضع إنشاء لا بد من تحليته بآية شيطانية من الميثاق.
والآن انتهت تلك النسخ، وما أصبحت تنافس، أرادوا أن يصدوا به الناس عن القرآن فتناسوه، وما صار له أي ذكر؛ لأنه لا يربي بإيمان، والباقي هو كلمة الله ، وهو هذا القرآن، ولا يمكن أبداً أن ينال منه أحد، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فالوصية التي نتواصى بها -وهي المخرج الأول لنا من كل ما نعيشه من الفتن الآن- هي الاعتصام بكتاب الله ، فالقلب فيه منافذ معينة، فإذا كنت تغذي قلبك بالقرآن، فتلك الأفكار تموت فيه أو تمرض، إذاً فلنكرر هذا مراراً، وإذا كنا نتعارف على ما يسمى بالوحدة الوطنية، والمساواة بين المسلم والكافر، وغير ذلك من هذه المعاني المسمومة، فأين تكون هذه المعاني إذا وضعت بجوار هذه الآيات؟ لا شك في أن آية واحدة من القرآن تتلف كل هذا الكلام، وتذهب به إلى الموضع اللائق به، فلذلك علينا أن نتواصى دائماً بعلاج القلب بالقرآن الكريم، إذ القرآن يقوم المفاهيم باستمرار، ويذهب أثر هذه السموم.
стр. 740
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً)
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٧].
قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) يعني: مقتضى إيمانكم حفظ تعظيم دينكم، فإن كنتم مؤمنين فعظموا دينكم، ومن علامة التعظيم أن لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً أولياء، فكيف توالون الذين يسخرون من دينكم ويهزءون ويسبون نبيكم ويطعنون في دينكم؟! فإن كنتم مؤمنين فعظموا دينكم، فمقتضى إيمانكم أن تحفظوا هذا التعظيم للدين.
وانظر إلى كلمة (دينكم) بالإضافة، أي: الذي به انتظام معاشكم ومعادكم، وهو مناط سعادتكم الأبدية، وسبب قربكم من ربكم.
وتأمل كلمة (دينكم)، فأنت من غير هذا الدين لا تساوي شيئاً، وكل وزنك وقدرك عند الله ناشئ عن تشرفك واعتزازك بانتسابك لهذا الدين، فالله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً))، أي: هؤلاء الذين يشتمون دينكم الذي هو سبب عزكم وشرفكم.
وقوله: ((هُزُوًا)) أي: شيئاً مستخفاً ((وَلَعِبًا)) سخرية وضحكاً، ومبالغة في الاستخفاف به، حتى لعبوا بعقول أهله، ثم بين المستهزئين وفصل أمرهم، فمن هم هؤلاء الذين يتخذون ديننا هزواً ولعباً؟ قال تعالى: ((مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: اليهود والنصارى ((وَالْكُفَّارَ)) قرئ بالنصب والجر، ويعني بذلك المشركين، ولذلك كانت قراءة ابن مسعود: (ومن الذين أشركوا).
((أَوْلِيَاءَ)) في العون والنصرة، وإنما رتب النهي على وصف اتخاذهم الدين (هزواً ولعباً) تنبيهاً على العلة، وإيذاناً بأن من هذا شأنه جدير بالبغضاء والشنآن والمنابذة، فكيف بالموالاة؟! إنه يستحق أن تبغضه؛ لأنه يسخر من دينك، وأن تبتعد عنه، وأن تجانبه، وأن تنبذه، فكيف تتخذه ولياً وحميماً وصديقاً؟! قال تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) يعني: بترك موالاتهم ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) حقاً؛ فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة.
стр. 741
تفسير قوله تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً)
ثم بين استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين، وذلك بعد استهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم، فقال : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:٥٨].
قوله تعالى: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)) يعني: إذا دعوتم إليها بالأذان.
فالأذان ثابتة مشروعيته في القرآن، والدليل هذه الآية: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ))، والصلاة ينادي لها بالأذان.
((اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا)) وهذا الأمر كان يصدر فيما مضى من الكفار أو اليهود أو النصارى أو المشركين، أما الآن فترى من ينتسبون زوراً إلى الإسلام يسخرون من الصلاة، ويسخرون ممن يصلون، بعبارات الاستهزاء والاستخفاف بالدين ممن ينتسبون زوراً إلى دين الله .
فقوله تعالى: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)) يعني: دعوتم إليها بالأذان (اتخذوها) يعني: اتخذوا الصلاة أو المناداة ((هُزُوًا وَلَعِبًا)) بأن يستهزئوا بها (ذَلِكَ) أي: ذلك الاتخاذ (بِأَنَّهُمْ) يعني: بسبب أنهم ((قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)) أي: لا يعقلون معاني عبادة الله، فإن السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والدين، فالذي ليس عنده عقل يدرك به عظمة هذه العبادة العظيمة يسخر منها ويضحك، ولو كان لهم عقول في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة، فإن الصلاة أكمل القربات، وفي النداء -الأذان- معان شريفة من تعظيم الله باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن ذكر توحيده باعتبار ذاته، وباعتبار عدد المغايرة في أسمائه وصفاته، ومن تعظيم رسوله باعتبار قيامه بمصالح المعاش والمعاد، وفي الصلاة من حيث هي الصلة ما بين العبد وبين الله، ومن حيث إفادتها معاني الدرجات والفلاح في الظاهر والباطن، وما هو غاية مقصدهم من القرب من الله باعتبار عظمته سبحانه، ومن الوصول إلى التوحيد الحقيقي.
قال السدي في قوله تعالى: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا)) قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الكاذب! والعياذ بالله.
يعني: حينما يأتي ذكر الرسول ﵊ يقول: حرق الكاذب.
فيدعو بالإحراق -والعياذ بالله- على الكاذب، يعني بذلك محمداً ﵊، والعياذ بالله! قال: فدخل خادمه ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.
فاستجيبت دعوته؛ لأنه كان يدعو بأن يحرق الكاذب، وقد أحرقه الله؛ لأنه هو الكاذب.
وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح، ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال: عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه.
فـ عتاب يتكلم عن والده بأن إن الله أكرمه بأنه لم يكن موجوداً بحيث يسمع هذا الأذان الذي يؤذيهم، فربما يسمع منه ما يغيظه.
فقال الحارث بن هشام: والله لو أعلم أنه محق لاتبعته.
فقال أبو سفيان: وأنا لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى.
يقصد أن الوحي يبلغه، فخرج عليهم النبي ﷺ ، فقال: قد علمتُ الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال لكل منهم: لقد قلت كذا، فقال: الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.
فلم يبق إلا أن الله هو الذي أخبره عن طريق الوحي.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن المحيريب - ابن المحيريب وكان يتيماً في حجر أبي محذورة - قال: قلت لـ أبي محذورة: يا عم! إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك.
وقد كان أذان أبي محذورة مشهوراً، فهو يقول: قد يسألني الناس في الشام -بعد ما شاع الإسلام وانتشر- عن صفة تأذين أبي محذورة.
قال: فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، فقفل -أي: رجع رسول الله ﷺ من حنين- فلقينا رسول الله ﷺ في الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكرون، فصرخنا نحكي ونستهزئ به -يعني: كانوا يرددون الأذان سخرية- فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ، فصدقوا، فأرسلهم وحبسني، فقال: قم فأذن.
فقمت ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ﷺ ، ولا مما يأمرني به، فخضت بين يدي الرسول ﷺ ، فألقى إليّ رسول الله ﷺ التأذين بنفسه، فقال: (قل: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أَمرَّها على وجهه مرتين، ثم مرتين على يديه، ثم على ثديه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ : بارك الله لك وبارك عليك.
فقلت: يا رسول الله! أمرني بالتأذين بمكة.
فقال: قد أمرتك به.
فقال أبو محذورة: وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ ، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ .
وهذه الآية دلت على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، والمقصود هنا في أمر الدين، حيث يقول: ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:٥٧ - ٥٨].
وللأسف أنه في هذا الزمن سمعنا عمن يسخر من الأذان، وأذكر أن الدكتور: عبد الله عزام رحمه الله تعالى كان يحكي عن أيام المنظمات الفلسطينية أنه كان في معسكرات التدريب يقوم هو والشباب معه إذا حضر وقت الصلاة بالتأذين، فكان يأتي الفلسطينيون الملاحدة الشيوعيون، ويصفون صفاً أمامه، ويسخرون منه وهو يؤذن، ويرفعون صوتهم حتى يغلبوا صوت الأذان ويشوشوا عليه، وينشدون: إن تسل عني فهذه قيمي أنا ماركسي ليني أممي أي: إذا كنت ترفع الصوت بالأذان فهذا هو أذاننا!! وقد دلت هذه الآيات -أيضاً- على أن الاستهزاء بالدين كفر، لقوله تعالى: ((الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ))، فهذا يدل على أن أي فعل من المسلم يصدر منه من كونه يستهزئ بالدين، أو يسخر من الدين أو من أي شيء يمت إلى الدين بصلة فهو كفر وخروج عن ملة الإسلام، وأن الهزل فيه كالجد، سواءٌ أكان استخفافاً بالله، أم برسوله ﵊، أم بالملائكة، أم بنبي من الأنبياء، أم بكتاب من الكتب، وكذلك السخرية من حكم شرعي، أو التشنيع على حكم شرعي كأن يقال: هذه وحشية، وهذه قسوة.
أو غير ذلك، فالسخرية بأي حكم من أحكام الدين خروج من ملة الإسلام، وهذا لا يعذر فيه بالجهل؛ لأنه لا يجهل أحد تعظيم الله ، فهل يوجد أحد يجهل أن الله يعظم؟! بل اليهود يعظمون الله، والنصارى يعتقدون تعظيم الله، والمسلمون كذلك، فلا يقبل بحال من شخص جهله بأن الله يجب تعظيمه، فإذا سخر من الله، أو سخر من الدين، أو سخر من الإسلام، أو من حكم شرعي فمثل هذا لا يعذر فيه بالجهل، بل يحكم بكفره، والهزل فيه كالجد، كما قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، يقول في الإكليل: الآية أصل في تكفير المستهزئ بشيء من الشريعة.
وقد دلت الآية -كما سبق ذكره- على أن للصلاة نداءً، وهو الأذان، فهي أصل فيه، قال الزمخشري: قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.
ولما نهى تعالى عن تولي المستهزئين أمر بأن يخاطبوا بأن الدين منزه عما يصحح صدور ما صدر عنهم من الاستهزاء، ويظهر لهم سبب ما ارتكبوا، ويلقبوا الحذر، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَ
стр. 742
تفسير سورة المائدة [٦٧ - ٨١]
стр. 743
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)
يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧].
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي: جميع ما أنزل إليك من ربك، ولا تكتم شيئاً منه خوفاً أن تنال بمكروه، يعني: لا تكتم بقصد أن تنجو من المكروه الذي ينالك به خصومك، (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك (فما بلغت رسالته) بالإفراد والجمع، يعني: فما بلغت رسالته، أو فما بلغت رسالاته؛ لأن كتمان بعضها ككتمان كلها.
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أن يقتلوك.
وكان ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية، فقال ﵊: (يا أيها الناس! انصرفوا، فقد عصمني الله)، رواه الحاكم والترمذي والبيهقي في الدلائل وغيرهم عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى في الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) نودي ﷺ بعنوان الرسالة تشريفاً له، وهذه من خصائصه ﷺ دون سائر الأنبياء والمرسلين.
فإن الأنبياء عامتهم قد ناداهم الله تعالى بأسمائهم، فقال (يا نوح) (يا آدم) (يا عيسى ابن مريم) (يا موسى) (يا داود).
وأما محمد ﷺ فلم يناد باسمه قط في القرآن الكريم، وإنما نودي بصفاته، كما في قوله تعالى هنا: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ))، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وهكذا ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، ولم يأت في القرآن قط (يا محمد) فهذا نداء له ﵊ بعنوان الرسالة تشريفاً له وإيذاناً بأنها من موجبات الإتيان بما أمر به من التبليغ.
يعني: ما دمت رسولاً فيجب عليك أن تبلغ الرسالة التي كلفت بأن تبلغها.
وقوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) يعني: مما يفصل مساوئ الكفار، ومن قتالهم، والدعوة إلى الإسلام، غير مراقب في التبليغ أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه (وإن لم تفعل) أي: ما تؤمر به من تبليغ الجميع والبيان لبعض مساوئهم (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) يعني: كأنك ما بلغت شيئاً مما أرسلت به؛ لأن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإن لم تبلغ أو لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعها، وكما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها فكذلك إن كتم الرسول ﵊ شيئاً يسيراً من الرسالة فكأنه كتمها كلها.
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) هذا وعد من الله بحفظه من لحوق ضرر بروحه الشريفة، وهذا باعث له على الجد فيما أمر به من التبليغ، وعدم الاكتراث بعداوتهم وكيدهم.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) هذا التذييل في الآية مسوق مساق التعليل لعصمته، يعني: إن الله يعصمك من الناس أن ينالوك بمكروه؛ لأن الله لا يهدي القوم الكافرين.
أي أن الله لا يهديهم إلى طريق الإساءة إليك، فلن يهديهم إلى الطريق التي يسوءونك بها، فما عذرك في مراقبتهم والله سوف يضلهم ويثنيهم ويبعدهم عن أن ينالوك بسوء، فلن يهديهم إلى ما يسوؤك؟! فلا تراقبهم في تبليغ الرسالة.
стр. 744
الأدلة الواردة في بيان أن النبي ﷺ قد بلغ البلاغ التام
هنا بعض التنبيهات: أولها: أنه لا خفاء في أن النبي ﷺ قد بلغ البلاغ التام، وقام به أتم القيام، وثبت في الشدائد وهو مطلوب، وصبر على البأساء والضراء وهو مكروب محروب، وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي ويهز الصياصي، وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، ثم انتصب لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته، وأحدقوا بجنباته، وصار بإتقانه في الأعداء محذوراً، وبالرعب منه منصوراً، حتى أصبح سراج الدين وهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لـ مسروق: (من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)).
وفي الصحيحين عنها -أيضاً- أنها قالت: (لو كان محمد ﷺ كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]).
وروى البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال: قلت لـ علي بن أبي طالب ﵁: (هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحب وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة.
قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) يعني أن هذه كانت مدونة ومكتوبة، وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد شهدت له ﷺ أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحواً من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله صلى الله قال في خطبته يومئذ في حجة الوداع: (يا أيها الناس! إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟، وذلك كما قال تعالى:)، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦] فهذه الأمة سوف تسأل: هل أبلغكم رسول الله ﷺ رسالة ربه؟ فيقول ﵊: (إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فجعل يرفع يده إلى السماء وينكسها إليهم، ويقول: اللهم! هل بلغت؟).
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: (يا أيها الناس! أي يوم هذا؟! قالوا: يوم حرام.
قال: أي بلد هذا؟! قالوا: بلد حرام.
قال: فأي شهر هذا؟! قالوا: شهر حرام.
قال: فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا.
ثم أعادها مراراً، ثم رفع إصبعيه إلى السماء، فقال: اللهم! هل بلغت؟ مراراً) قال ابن عباس: والله إنها لوصية إلى ربه .
ثم قال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وهذا رواه البخاري.
وقد تضمن قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) معجزة كبرى لرسول الله ﵌، فهذه الآية الشريفة هي من معجزات رسول الله ﵌، فقد قال الإمام الماوردي في كتابه (أعلام النبوة) في الباب الثامن في معجزة عصمته ﷺ ، قال: أظهر الله تعالى لرسوله ﷺ من أعلام نبوته بعد ثبوتها بمعجز القرآن، واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار، يحتج بها من قلت فطنته، ويذعن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركاً بالخواطر الثاقبة تفكراً واستدلالاً، وإعجاز العيان معلوماً ببداية الحواس احتياطاً واستظهاراً.
يعني أن القرآن الكريم نَوَّع طرق الدلالة على إعجازه، وذلك لاختلاف فهوم الناس ومستوياتهم العلمية والفكرية، وقدراتهم العقلية، فبعض الناس عندهم من القدرات العقلية والثقافة العقلية ما يمكنهم من التدبر في آيات القرآن والتفهم، بحيث يدركون أنه لا يمكن أن يكون له مصدر إلا الله ، وبعض الناس يخاطبون بأمور أخرى هي -أيضاً- تدل على الإعجاز، لكن بطريقة يدركها الذي تضعف فطنته وقدرته، كهذا الوعد بأن الله يحفظ نبيه ﵊ من أن يقتله أحد بقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس)، فهذه الآية يستوي الجميع في فهمها، بخلاف ما تحتوي عليه من الدلالات على إعجاز القرآن مما يستعصي على عوام الناس أو صفار العقول، ولا يدركه إلا ذوو الفطنة والذكاء العالي.
فيقول هنا: فيكون البليد مقهوراً بوهمه وعيه، واللبيب محجوزاً بفهمه وبيانه؛ لأن لكل فريق من الناس طريقاً هي عليهم أقرب ولهم أجذب، فكان ما جمع مقياد الفرق أوضح سبيلاً وأعم دليلاً، فمن معجزاته عصمته من أعدائه، مع أن هؤلاء الأعداء كانوا جماً غفيراً وعدداً كثيراً، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلباً لنفيه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شذراً، وترتد عنه أيديهم ذعراً، وقد هاجر عنه أصحابه حذراً.
يعني أنَّ الرسول ﵊ كان في حالة خطيرة، وأعداء كثيرون جداً محيطون به من كل جانب، والعداوة أشد ما تكون في قلوبهم، ونار الغيظ والحقد والحرص على إيذائه على أشد ما تكون، وهو مع ذلك بينهم مسترسل متحرك يروح ويجيء ويبلغهم، وأصحابه من شدة الاضطهاد الذي تعرضوا له هاجروا، وبقي هو فيهم ﵊ مع نفر من أصحابه حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليماً لم يكلم في نفس ولا جسد ﷺ ، وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها، حيث يقول: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) فعصمه منهم.
стр. 745
قصص من حياة النبي ﷺ في بيان عصمة الله له وحفظه
والمفسرون في هذا الموضع يذكرون قصصاً كثيرة جداً، كلها تؤكد هذا المعنى، ونقتصر على بعض منها:
стр. 746
محاولة أبي جهل قتل النبي ﷺ
قال الماوردي: إن قريشاً اجتمعت في دار الندوة، وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة وكان زعيم القوم، وساعده عبد الله بن الزبعرى، وكان شاعر القوم، فحضهم على قتل محمد ﷺ ، وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة.
فقال بعضهم: كيف نصنع؟ فقال أبو جهل: هل محمد إلا رجل واحد؟! وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش؟! فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمداً ويريح قومه.
وأطرق ملياً، فقالوا: من فعل هذا ساد.
فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا، وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر، فإن قتلت أرحت قومي، وإن بقيت فذاك الذي أوثر.
فخرجوا على ذلك، فلما اجتمعوا في الحطيم -والحطيم هو المثلث المتصل بين الركن اليماني- الذي فيه الحجر الأسود -وبئر زمزم ومقام إبراهيم ﵇، وسمي الحطيم لأن من حلف فيه كاذباً فإن الله يحطمه ويهلكه -فلما اجتمعوا في الحطيم خرج عليهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: قد جاء.
فتقدم من الركن، فقام يصلي ﵊، فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود، فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه.
فأخذ مهراساً عظيماً، ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد، لا يلتفت إليه النبي ﷺ ولا يهابه وهو يراه، فاقترب من الرسول ﵊، والرسول يراه، ومع ذلك لم يلتفت إليه، وظل في صلاته، فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله، أي: لما اقترب من الرسول ﵊ ارتعش الكافر وسقط الحجر من بين يديه على رجله، فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد، وقد انتفخت أوداجه، ورسول الله ﷺ ساجد، فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم.
فالتزموه، وقد غشي عليه ساعة، فلما أفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك؟ قال: لما دنوت منه أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه، فحمل عليّ أسنانه فلم أتمالك، وإني أرى محمداً محجوباً.
فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم! رغبت وأحببت الحياة ورجعت.
يعني: أنت تحتج وتقول: إنه ظهر لك هذا الفحل فاغراً فاه، وحمل عليك بأسنانه، وإنما أحببت الحياة ورجعت خوفاً من أن تموت.
فقال: ما تغروني عن نفسي.
قال النضر بن الحارث: فإن رجع غداً فأنا له.
قالوا له: يا أبا سهل! لئن فعلت هذا لتفوزن.
فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله ﷺ ، فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه، فأخذ حفنة من تراب وقال: (شاهت الوجوه.
وقال: حم لا ينصرون) فتفرقوا عنه، يقول: وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى، فصبر عليه حتى وفاه الله، وكان من أقوى الشهادات على صدقه.
وحصل نفس الموقف مع معمر بن يزيد وكلدة بن أسد، كما ذكر المفسرون.
стр. 747
محاولة كلدة بن أسد قتل النبي ﷺ
ذكر أن كلدة بن أسد -وكان من القوة بمكان- خاطر قريشاً يوماً في قتل رسول الله ﷺ ، فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم، فرأى رسول الله ﷺ في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال، فجاء كلدة ومعه المزراق، فرجع المزراق في صدره، فرجع فزعاً، فقالت له قريش: مالك يا أبا الأشد؟ فقال: ويحكم! ما ترون الفحل خلفي؟! قالوا: ما نرى شيئاً.
قال: ويحكم! فإني أراه.
فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف، والطائف بينها وبين مكة خمسون كيلو متر تقريباً.
ومعروف أن الطائف على هضبة مرتفعة، فصعد الجبل أيضاً، فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، فلو رأيتم ما رأيت لهلكتم.
стр. 748
محاولة أبي لهب قتل النبي ﷺ
وذكر أن أبا لهب خرج يوماً وقد اجتمعت قريش، فقالوا له: يا أبا عتبة! إنك سيدنا، وأنت أولى بمحمد منا، وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه، ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئاً، وأنت بريء من دمه، سنؤدي نحن الدية وتسود قومك، فقال: فإني أكفيكم.
ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم، فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفاً عليه نزل أبو لهب وهو يصلي، وتسلقت امرأته أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله ﷺ وهو ساجد، فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه، وبقيا مكانهما لا ينقلان قدماً ولا يقدران على فعل شيء حتى طلع الصبح، فتسمرا في مكانهما هو وامرأته، ولم يستطيعا حراكاً إلى أن طلع الصبح وفرغ رسول الله ﷺ ، فقال له أبو لهب: يا محمد! أطلق عنا.
فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني؟ قالا: قد فعلنا.
فدعا ربه فرجعا.
стр. 749
مساومة عتبة بن ربيعة للنبي ﷺ على ترك دينه
وذكر أن قريشاً اجتمعوا في الحطيم، فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا، وفرق جماعتنا، وبدد شملنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا.
وكان في القوم وليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، والنضر بن الحارث، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأمية، وأبي ابنا خلف، في جماعة من صناديد قريش، فقالوا له: قل ما شئت فإنا نطيعك.
قال: سأقوم فأكلمه، فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه وإلا رأينا فيه رأينا.
فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس! فقام وتقدم إلى النبي ﷺ وهو جالس وحده، فقال: أنعم صباحاً يا محمد.
فقال: يا أبا عبد شمس! إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة.
قال: يا ابن أخي! إني قد جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها، ولنا فيها الفسحة، ثم قال: يا ابن عبد المطلب! أنا زعيم قريش فيما قالت.
قال: قل.
قال: يا ابن عبد المطلب! إنك دعوت العرب إلى أمر لا يعرفونه، فاقبل مني ما أقول لك، قال: قل.
قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكاً فإننا نملكك علينا من غير تعب ونتوجك، فارض عن ذلك.
فسكت، ثم قال: وإن كان ما تدعو إليه أمراً تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك.
فقال: (لا قوة إلا بالله)، ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالاً أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش، فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا وتفريق جماعتنا، وإن كان ما تدعو إليه جنوناً داويناك كما داوت قيس بني ثعلبة مجنونهم.
فسكت النبي ﷺ ، فقال: يا محمد! ما تقول؟ وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي ﷺ : (﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤] حتى بلغ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣])، قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من ارتعادها.
وقام فزعاً يجر رداءه، فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتفاض العصفور، وقام النبي ﷺ يصلي، فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطاً ورجعت فزعاً مرعوباً، فما وراءك؟! قال: ويحكم! دعوني، إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئاً، ولقد رعدت عليّ الرعدة حتى خفت على نفسي، وقلت: الصاعقة قد أخذتني.
فندموا على ذلك.
стр. 750
قصة سراقة في طريق الهجرة
كذلك من عصمته ﷺ ما حصل في طريق الهجرة حين دخل هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه غار ثور.
وكذلك ما حصل حينما لقيهما سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب فقال رسول الله ﷺ : (اللهم! اكفنا سراقة)، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فقال سراقة: يا محمد! ادع الله أن يطلقني ولك عليّ أن أرد من جاء يطلبك، ولا أعين عليك أبداً.
فقال: (اللهم إن كان صادقاً فأطلق عن فرسه) فأطلق الله عنه، ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه.
ومعلوم أنه -كما في بعض الروايات- حينما حصل ذلك لـ سراقة قال له النبي ﷺ : (يا سراقة! كيف لك بسواري كسرى؟!).
فاستغرب سراقة جداً، فكيف وهو يطارده الآن ويريد أن يقبل عليه حتى ينال الجائزة يعده الرسول ﵊ بسواري كسرى؟! وعندما أسلم سراقة بعد ذلك خرج في الفتوحات الإسلامية في فارس، وكان في الجيش الذي استولى على قصور كسرى، وأتي عمر رضي الله تعالى عنه بسواري كسرى، ثم ألبسها سراقة في يده، وحينئذ تذكر سراقة هذا الوعد الذي وعده النبي ﷺ .
стр. 751
المشرك يخترط سيف رسول الله فيمنعه الله منه
يقول الحافظ ابن كثير: ومن عصمة الله لرسوله ﷺ حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضاء، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب؛ إذ كان رئيساً كبيراً مطاعاً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام وعلى أن يحتمل إلى دارهم، وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود، كل ما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منهم، ولهذا قصص كثيرة يطول ذكرها.
منها: ما رواه ابن جرير بسنده: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: الله .
فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماؤه، فأنزل الله : ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)).
وفي قصة أخرى: بينما النبي ﷺ جالس على رأس بئر قد دلى رجليه قال الوارث من بني النجار: لأقتلن محمداً.
فقال له أصحابه: كيف تقتله؟! قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به.
قال: فأتاه فقال: يا محمد! أعطني سيفك أشيمه.
فأعطاه إياه فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال: رسول الله ﷺ : (حال الله بينك وبين ما تريد).
ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث جابر: (غزونا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ أدركتهم القائلة في واد كثير العضاه -أي: الأشواك- فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق بها سيفه ونمنا معه نوماً، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً -يعني: شاهراً السيف- فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله -ثلاثاً- ولم يعاقبه، وجلس) والروايات في ذلك كثيرة جداً.
стр. 752
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة)
قال ﵎: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨].
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يعني: لستم على شيء من الدين معتد به؛ لأن الدين عند الله الإسلام.
فالدين الذي يعتد به عند الله هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، ولذلك فمعنى (لستم على شيء) لستم على شيء من الدين معتد به.
(حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان به، والمقصود هنا التوراة والإنجيل الحقيقيين الذين أنزلهما الله على موسى وعيسى قبل أن يحرفهما أهل الكتاب.
(وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) يعني: من القرآن (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) لكفرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، فكلما نزلت الآيات يزداد فريق إيماناً وفريق يزداد كفراً؛ لأنهم كلما كفروا بآية جديدة أو بسورة جديدة ازدادوا كفراً؛ لأن الكفر يزيد وينقص، وبعضه أشد من بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] فكذلك هنا، فكلما نزل شيء من القرآن زادوا كفراً وطغياناً.
(فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: لا تحزن على القوم الكافرين إن لم يؤمنوا بك.
أي: لا تهتم بهم.
يقول القاسمي: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يعني: من الدين (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) أي: تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل نبوة النبي ﷺ وأتباعه، فالإقامة: هي الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه، كإقامة الصلاة مثلاً، ولا يدخل في ذلك القصص التي فيهما ولا العقائد ونحوها، فإنها ليست عملية، والأمر هنا في القضايا العملية.
والمراد أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علته، وعلى ما به من نقص وتحريف وزيادة، فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها هي أقل أقسامها تحريفاً، وأكثر التحريف وقع في القصص والأخبار والعقائد وما تلاها.
وعلى أي الأحوال فهذا الكلام فيه نظر، والصحيح أن الآية ((لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل)) تعني الحقيقيين، وهذا يستلزم بالنسبة لليهود والنصارى الذين كانوا أحياء في زمن النبي ﷺ أن فيه حثاً لهم على التمحيص والتحري والتنقيب والبحث والجد والاجتهاد في نقد ما عندهم من هذه الكتب نقداً عقلياً تاريخياً صحيحاً، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان، ولا سيما في ذلك العناء كله أن يكونوا على شيء من الدين الحق، ولو اتبعوا القرآن لأراحوا واستراحوا، لكنهم لا يزيدهم القرآن إلا طغياناً وكفراً وحسداً وعناداً، فلا يؤمنون به.
ولا يمكن أن يفهم أنهم إذا أقاموا التوراة سيكونون على الدين الحق، لا، بل سوف يكونون على شيء من الدين بعد التحري والتنقيب، فالذي يكون على شيء من الدين صحيح أفضل وأولى ممن لا يكون على شيء من الدين، لكن في الحالتين هو ليس على الدين الحق الكامل؛ لأنه لا يتم له ذلك حتى يدخل في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]، ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل آمنوا بمحمد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن النصوص الموجودة حتى الآن في التوراة والإنجيل واضحة وضوحاً كثيراً في الدلالة على نبوة محمد ﷺ .
стр. 753
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩].
يقول ﵎: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا)) ثم ابتدأ كلاماً جديداً فقال: ((والصابئون)) فالصابئون رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز ((إن)) من اسمها وخبرها، فكأنه قيل: ((إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى)) حكمهم كذا، والصابئون كذلك حكمهم كذا.
هذا هو معنى الآية.
فـ (الصابئون) مبتدأ، أما خبره فمحذوف، والمقصود من رفع كلمة (الصابئون) تأخيرها عما في حيز الخبر.
فيكون خلاصة الكلام: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا َالنَّصَارَى) حكمهم كذا (والصابئون) كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق أي: وإلا فاعلموا أنا بغاة، وأنتم كذلك.
فكلمة (أنتم) مرفوعة هنا على الابتداء، أي: وأنتم بغاة كذلك.
ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة التقديم؟! أي: لماذا قدمت كلمة (الصابئون)؟ قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يثاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فما الظن بغيرهم؟ فإذا كان الصابئون إذا تابوا تقبل توبتهم فكيف بغيرهم ممن هو أقل منهم كفراً؟! وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أي: خرجوا.
فهذا باختصار فيما يتعلق بإعراب (والصابئون) فـ (الصابئون) هنا استئناف مبتدأ، وليس معطوفاً على ما قبله، وفي آية سورة البقرة جاءت هذه اللفظة معطوفة، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢] فهي هنا معطوفة، أما في هذه الآية في سورة المائدة ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)) فهي مرفوعة على الابتداء، وفي هذا رد على بعض الجهلة من القساوسة الذين تشدقوا بأنه منذ زمن ارتكب خطأ نحوي في القرآن الكريم، وألف بعضهم في ذلك وظن أنه وقع على شيء له قيمة، وما درى الخبيث أن قواعد النحو هذه ما وضعت إلا بعد القرآن الكريم بسنين، ومنذ مدة طويلة، فالنحو ما وضعت قواعده وما ضبط إلا بعد نزول القرآن بسنوات مديدة، فكيف يتحكم بهذه القواعد في القرآن الكريم؟! ثم إن هذا القرآن تلي على أفصح الفصحاء وهم قريش الذين كانوا يناصبون رسول الله ﷺ العداء، ولم يكونوا يبخلون بأي شيء من الطعن فيه وفي رسالته وفي كتابه، فإذا كان فصحاء قريش وبلغاؤهم ما أخذ واحد منهم ما أخذه هذا القسيس فكيف تستقيم له هذه الدعوى؟!
стр. 754
تفسير قوله تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل)
يقول ﵎: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠].
قوله تعالى: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) يعني: على الإيمان بالله ورسله.
(وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ) أي: رسول منهم؛ لأن الرسل تبعث في قومها.
((بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ)) يعني: من الحق (فَرِيقًا كَذَّبُوا) يعني: فريقاً منهم كذبوه (وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) وفريقاً من الرسل يقتلون، كزكريا ويحيى.
والتعبير بكلمة (يقتلون) دون قتلوا حكاية للحال الماضية، ومراعاة للفاصلة، أي: رءوس الآي.
стр. 755
تفسير قوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة)
قال ﵎: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٧١].
قوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) حسبوا أي: ظنوا (أن لا تكون) ويمكن أن تقرأ (أن لا تكونُ) و (أن لا تكونَ)، فعلى الرفع تكون (أن) مخففة، وعلى النصب تكون ناصبة، والمعنى: خافوا (أن لا تكون فتنة) يعني: عذاب لهم على تكذيب الرسل وقتلهم.
(فَعَمُوا) يعني: عموا عن الحق فلم يبصروه (وَصَمُّوا) أي: عن استماعه (ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) لما تابوا (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) ثانية (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) وهذا بدل من الضمير (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) يعني: فيجازيهم ﵎ به.
ويلاحظ هنا أن الله قال: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا)) فأضاف العمى والصمم إليهم، أما التوبة فلم يضفها إليهم، ففيه دلالة على أنهم لا يستحقون أن يضاف الخير إليهم، فقال : ((ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) لم يقل: (ثم تابوا) وإنما قال: ((ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) يعني: بما عملوا.
стр. 756
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
بين تعالى كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد المباين لأصل دعوة عيسى ﵇ من التوحيد الخالص، فبعدما ذكر فيما مضى قبائح اليهود شرع في ذكر قبائح النصارى، فقال ﵎: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)).
وقد سبق مثله في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٧١].
فقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) يعني: فإني عبد ولست بإله، وقال لهم أيضاً: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
فقوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) يعني: في العبادة غيره (فقد حرم الله عليه الجنة) يعني: منعه أن يدخلها.
(وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) يعني: يمنعونهم من عذاب الله.
стр. 757
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
قال ﵎: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣].
يعني: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث آلهة ثلاثة، أو (ثالث ثلاثة) معناه أنه واحد منها، فهو -بزعمهم- واحد من ثلاثة آلهة، والآخران عيسى وأمه، وهذا قول فرقة من النصارى على اختلاف مذاهبهم، ومنهم من يقول: إن الثلاثة هم الأب والابن وروح القدس إلى غير ذلك من كفرهم وضلالهم.
يقول تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) يعني: من التأليه، وإن لم يوحدوا الله (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي: الذين ثبتوا على الكفر ولم يرجعوا عنه (عذاب أليم) أي: مؤلم، وهو النار.
стр. 758
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه)
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤].
قوله تعالى: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) يعني: مما قالوا.
وهذا استفهام وتوبيخ (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: غفور لمن تاب رحيم به.
وهذا فيه فضيلة عظيمة جداً للتوبة، وأن باب التوبة مفتوح مهما اكتسب الإنسان من المعاصي والكبائر والمخالفات؛ لأنه إذا كان هؤلاء الذين شتموا الله وسبوا الله وزعموا أن الله ثالث ثلاثة وقالوا غير ذلك من الكفر والشرك، ومع ذلك يفتح لهم باب التوبة على مصراعيه، ويقول لهم: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإذا كان هؤلاء المشركون -مع كفرهم وسبهم لله وشتمهم له- يتوب الله تعالى عليهم إن تابوا إليه، فكيف بمن دونهم من أهل التوحيد ممن غشي الكبائر والذنوب؟! ففي هذه الآية تطميع لأهل التوحيد في التوبة مما هو أقل من كفر هؤلاء الكافرين.
وقال -أيضاً- في حق المشركين: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
стр. 759
تفسير قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
قال : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥].
قوله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ) أي: مضت (مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) عاشوا ثم ماتوا ومضوا، فكذلك هو أيضاً أدى رسالته ثم مضى، فهو يمضي مثلهم، وليس بإله كما زعموا، وإلا لما مضى؛ فإن الإله لا يغيب ولا يمضي، فهذا فيما يتعلق بالمسيح ﵇.
(وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) هذه مبالغة، يعني: مبالغة في الصدق (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ) يعني: كغيرهما من الحيوانات، وهذا الكلام للسيوطي، والأفضل أن يقول: كغيرهما من الكائنات الحية التي تتغذى من الطعام.
ومن كان كذلك لا يكون إلهاً لتركيبه وضعفه، فإذا كان المخلوق يريد أن يأكل ويشرب فمعنى ذلك أنه محتاج إلى الطعام، فإذا جاع يتألم، ويحتاج إلى أن يأكل، وإذا أكل لا يستطيع أن يستبقي فضلات الطعام داخل جسمه، فيحتاج إلى الإخراج، فهل الذي يحتاج إلى هذا يكون إلهاً؟! فلذلك يقول ﵎: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) فمن كان كذلك لا يكون إلهاً لتركيبه وضعفه، فهو مركب من أجزاء، مركب من رأس ومعدة وأمعاء وغير ذلك، فالإله ينزه عن التركيب في ذاته، وينزه عن التركيب في شخص ما أنه يكون واحداً لا متعدداً، والواحد نفسه غير مركب من أجزاء؛ لأن التركيب من أجزاء يقتضي الافتقار.
(انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ) أي: انظر متعجباً كيف نبين لهم الآيات على وحدانيتنا (ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) يعني: كيف يصرفون عن الحق مع قيام البرهان؟!
стр. 760
تفسير قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً)
قال : ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦].
قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله) أي: غيره (ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) يعني: لأقوالكم (الْعَلِيمُ) بأحوالكم.
والاستفهام هنا للإنكار.
стр. 761
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح) وما بعدها
يقول القاسمي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢].
قال الرازي: هذا قول اليعقوبية منهم، يقولون: إن مريم ولدت إلهاً.
ولعلّ معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بها.
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! ثم بين تعالى أنهم صموا عن مقالات عيسى الداعية إلى التوحيد كما وصفهم في الآيات السابقة ((ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا))، فعموا وصموا عن الآيات التي دعاهم عيسى من خلالها إلى توحيد الله ﵎، فيقول : ((وَقَالَ الْمَسِيحُ)) يعني أن هذا المسيح بريء من هذا الكلام كله، فالمسيح ما دعا إلى عبادته، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]، فالله يقول: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ))، فهو نص واضح وصريح في حكم من قال بهذه المقالة، فلا يبقى بعد ذلك أدنى شك، فمن قال: إن النصارى مؤمنون أو موحدون، أو: إنهم من أهل الجنة فقد خرج من الإسلام بالكلية، وهذه ردة عن دين الله؛ لأن هذا القول فيه تكذيب لهذه الآيات الصريحة والقاطعة من القرآن الكريم، فلا يصح أبداً للإنسان الانتساب إلى الإسلام إذا كان يزعم أن النصارى في الجنة مع كفرهم ومع قولهم: ((إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ)) أو غير ذلك من مقولاتهم الشركية.
فهذا لا جدال فيه ولا مراء، وإن كان هذا بدأ يبدو غريباً عند بعض الأصناف التي أوغلت في الجهل وفي المعاندة لدين الله ﵎، فهم يصفون النصارى مع المسلمين على أنهم أهل الإيمان، وبعضهم يقول: أديان التوحيد الثلاثة.
حتى إن كبير القوم يشعر بأن عقيدته عورة -أي: عقيدة التثليث-، فلذلك يشعر بالانهزام أمام توحيد المسلمين، فإذا خطب على الملأ في المواكب وحفلات النفاق المعروفة يرى أن هذه موضة جديدة الآن، فيستحيي ويخجل من أن يقول: باسم كذا وكذا وكذا من الثلاثة الآلهة المزعومة عندهم، وإنما يقول الآن: باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعاً، فهذا اعتراف منه بأن عقيدته عورة، وهو يحاول أن ينكرها بقوله: باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعاً.
حتى يوهم بعض السذج من المسلمين فيقولون: هؤلاء الناس موحدون مثلنا.
فها هو يقول: باسم الله الواحد الذي نعبده جميعاً وهم يعبدون عبداً من عباد الله، يعبدون المسيح ﵇، أما نحن فنعبد الله .
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة:٧٢] وهذه هي دعوة المسيح ﵇ ((يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ))، بل إن أول كلمة نطق بها المسيح ﵇ عندما نطق في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠] إلى آخر الآية.
وقبل أن يقول: (ربكم) قال: (ربي)، ولم يقل: اعبدوني.
وإنما قال: (اعبدوا الله)، ومعنى: (اعبدوا الله): وحدوه.
ثم صرح بقوله: (ربي وربكم) قمعاً لمادة توهم الاتحاد، يعني: هو ربي وهو ربكم فهذا استئصال لوهم أن هناك اتحاداً بين المسيح وبين الله .
والمسيح قال لهم أيضاً: ((إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ))، فكيف والشرك أعظم وجوه الظلم؟ ((وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)) أي: ما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، فليس للكافرين أو للظالمين أنصار يغالبون الله ، أو يغلبون الملائكة حتى ينقذوا هؤلاء من النار، ولا يستطيعون -أيضاً- نصرهم عن طريق الشفاعة، في أن يشفعوا لهم عند الله كي يخرجونهم من النار.
стр. 762
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
ثم بين تعالى كفر طائفة أخرى منهم فقال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) أي: أحد ثلاثة آلهة.
بمعنى أنه واحد منها، وهم: الله، ومريم، وعيسى.
قال بعضهم: كانت فرقة منهم تسمى اليعقوبية تقول: الآلهة ثلاثة: الأب، والابن، ومريم.
وجاء في كتاب (علم اليقين) أن فرقة منهم تسمى المريميين يعتقدون أن المريم والمسيح إلهان، قال: وكذلك البربراميون وغيرهم، فهذا القول محكي عن فرق من فرقهم.
وأيضاً كان من نصارى نجران من يقول بهذا، أن مريم من الآلهة الثلاث.
أو المعنى: أحد ثلاثة أقانيم، كما اشتهر عنهم، فهو عندهم واحد من ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة أقانيم، أي أنهم جوهر واحد وهم ثلاثة أقانيم، أي: الأب والابن وروح القدس كما زعموا.
وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد، كما تقدم عنهم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء:١٧١].
قال الرازي ﵀: واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحداً، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى.
وقد صنفت عدة مصنفات في تزييف معتقدهم هذا، وهي شهيرة متداولة، والحمد لله.
ثم يقول تعالى: ((وَمَا مِنْ إِلَهٍ)) يعني: في نص الإنجيل والتوراة وجميع الكتب السماوية ودلائل العقل ((وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)) لا يتعدد أفراداً ولا أجزاءً.
((وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ)) يعني: من هذا الافتراء والكذب بعد ظهور الدلالة القطعية متمسكين بمتشابهات الإنجيل التي أوضحتها محكماته ((لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) يعني: في الآخرة من عذاب الحريق والأغلال والنكال.
ولم يقل ﵎: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنهم عذاب أليم) لم يقل ذلك، وإنما قال: (ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر بقوله: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا)) ثم هنا -أيضاً- كرر هذه الشهادة عليهم بأنهم كفار، فقال : ((وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).
وفي البيان فائدة أخرى، وهي الإعلام في تفسير الذين كفروا منهم أنهم بمكان من الكفر.
стр. 763
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه)
يقول تعالى: ((أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ)) يعني: يتوبون بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول، فيرجعون عن التمسك بالمتشابهات إلى القطعيات، فالاستفهام لإنكار الواقع واستبعاده، ففيه تعجب من إصرارهم على هذه المقالات الفاسدة مع وضوح بطلانها.
ومدار الإنكار والتعجب عدم الانتهاء والتوبة معاً، فلا هم يريدون أن ينتهوا عما يقولون، ولا يريدون أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، أو أن المقصود: ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المقررة عليهم بالكفر، وبعد هذا الوعيد الشديد مما هم عليه؟! يقول الحافظ ابن كثير: وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب الله عليه، كما قال : ((وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، فيغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم، ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ثم أشار تعالى إلى بطلان التمسك بمعجزات عيسى وكرامات أمه على إلهيتهما؛ لأن المساكين من النصارى أو عديمي العقول من النصارى يستدلون بمعجزات المسيح ﵇ ويستدلون بكرامات أمه مريم ﵍ على هذه الألوهية المزعومة، فأشار هنا إلى بطلان تمسكهم بمعجزات عيسى وكرامات أمه على إلهيتهما؛ لأن غاية ما في الأمر حينما تجري هذه المعجزات على يد المسيح ﵇ أنه يدل على نبوته، وهو ليس بدعاً من الرسل، وإنما هو كمن سبقه من إخوانه الأنبياء الذين أتوا بمعجزات أجراها الله على أيديهم لتدل على صدق دعواهم الرسالة، فهذا غاية ما يدل عليه جريان المعجزات على يد المسيح ﵇، كذلك مريم إذا وقعت لها كرامات فقد وقعت كرامات لمن سبقها من أولياء الله كما هو معلوم.
فهنا المقصود من هذا السياق استنزالهم عن الإصرار على ما تقولوا عليهما، يريد القرآن أن يستنزلهم وينتزعهم من إصرارهم على هذا الباطل إرشاداً لهم إلى التوبة والاستغفار التي دعاهم إليها الله ، فبعد ما قال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤] شرع في استنزالهم وإنقاذهم من هذا الكفر المبين.
стр. 764
تفسير قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥].
قول تعالى: (ما المسيح) يعني: ليس المسيح المعلوم كونه حادثاً مخلوقاً.
ونلاحظ القرآن الكريم أنه يوصف المسيح بأنه ابن مريم في سياق الرد على النصارى، لأنه ليس له أب ﵇، وهذا ليس فيه شيء، فليس هو مستغرباً في قدرة الله ؛ لأن الله نوع مظاهر قدرته العظيمة، فخلق آدم بلا رجل وبلا امرأة، وخلق حواء من رجل بلا امرأة؛ لأنها خلقت من ضلع آدم ﵇، وخلق المسيح من امرأة بلا رجل، وخلق سائر البشر من رجل وامرأة، فهذا فيه بيان تنوع قدرة الله على الخلق، فهو آية من آيات الله ، فمن أعجز في خلقه: المسيح أم آدم ﵍؟! فآدم خلق من تراب، لا من رجل ولا من امرأة، كما حكى الله في القرآن الكريم: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].
فهنا يقول الله : ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) يعني: ما المسيح الذي هو ابن مريم.
ومعنى (ابن مريم) أنه حادث ومخلوق، ولا يصلح أن يكون خالقاً.
فقوله: ((مَا الْمَسِيحُ)) أي: المعلوم حدوثه من كونه ابن مريم بالخوارق الظاهرة على يديه: ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: مضت من قبله الرسل الذين كانوا أصحاب الخوارق الباهرة، فله أسوة أمثاله، فإذا كان أجرى الله بعض المعجزات على يديه فقد أجراها على يدي موسى، وأجرى كثيراً من المعجزات والآيات على يدي موسى، وعلى يدي إبراهيم ﵇ وغيرهما من الأنبياء والرسل، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] أنعم الله عليه بأن أجرى على يديه هذه المعجزات، أي: ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فإذا كان قد أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق بها البحر على يد موسى وهو أعجب، وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم، وهو أغرب منه.
وفي الآية وجه آخر في قوله تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) يعني: مضت من قبله الرسل، فهو يمضي مثلهم، فمعنى ذلك أنه حادث ومتصف بما ينافي صفات الألوهية.
((وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)) مبالغة في الصدق، ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢].
والوصف بتحري الصدق والمبالغة فيه مشعر بالإغراق في العبودية والقيام بمراتبها، فمن أين لهم أن يصفوها بما يباين وصفها؟! فإذا كانت كلمة (الصديقة) تعبير عن المبالغة في عبوديتها لله فأنى لهؤلاء أن يزعموا أنها إله؟! دلت الآيات على أن مريم ﵍ ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لـ سارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧]، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩].
وقد حكى الأشعري ﵁ الإجماع على ذلك.
قوله تعالى: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر البشر في الافتقار إلى الغذاء، فكل منهما إنسان يأكل؛ لأنه يحتاج إلى الطعام، ويعاني من الجوع والعطش فيحتاج إلى الطعام، وفيه تبعيد عمَّا نسب إليهما.
قال الزمخشري: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من لحم وعظم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام.
فكل هذه الأجهزة في الجسم لها وظائف، فمن الذي يجري هذه الوظائف على الحقيقة في بدن الإنسان؟ إنه الله ، فوجود هذه الأجهزة معناه أنه إنسان مدَّبر، وهناك غيره يدبره، وهو الله ، فأنى يكون من هذا حاله إلهاً كما يزعمون؟! ويقول القاسمي هنا: إنما أخر في الاستدلال على بطلان مذهب النصارى حاجتهما للطعام عمَّا قبله من مساواتهما للرسل ﵈ ترقياً في باب الاستدلال من الجلي للأجلى.
يعني: هذا الدليل جعل في آخر الأدلة على إبطال مذهب النصارى لعنهم الله، وهذا من باب الترقي في الاستدلال من الجلي إلى ما هو أجلى وأوضح، على ما هو موجود في القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، فالإنسان إذا كان يناظر خصماً فإنه يعطي برهاناً جلياً، فإذا لم ينقد للبرهان الجلي الواضح البين فإنك تعطيه ما هو أجلى وأوضح، وفي هذا تعريض بغباوته بأنه غبي لا يفهم، فلذلك تأتي بأشياء من أوضح ما تكون، فالترقي هو من مسالك المناظرة.
يقول: ترقياً في باب الاستدلال من الجلي للأجلى.
فالجلي الذي مضى سالفاً هو قوله تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) وهذا دليل في حد ذاته، فإن عيسى بن مريم مركب؛ لأنه حادث ومخلوق، وهو ينسب لأمه مريم ﵉، فما هو إلا رسول قد خلت ومضت من قبله الرسل، فإذا كان يمضي فمعناه أنه مدبر، ومعناه أنه يجري عليه ما يجري على البشر، فليس إلهاً.
ثم أتى بعد ذلك بقوله: ((وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) يقول: على ما هي القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلم في الجلي لغموضه عليه يورد له الأجلى تعريضاً بغباوته، فيضطر للتسليم إن لم يكن معانداً ولا مكابراً، كما وقع في مناظرة إبراهيم ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فمثل الكافر بشيء في غاية الضعف فقال: (قال أنا أحيي وأميت) فإبراهيم ﵇ لم ينتقد هذا الاستدلال عنده، ولكنه انتقل إلى ما هو أجلى وأوضح فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
قوله تعالى: ((انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ)) يدعو الله رسوله محمداً ﷺ إلى أن يتعجب من غباوة القول (انظر كيف نبين لهم الآيات)، انظر إلى كل هذه الآيات السابقة! انظر كيف نبين لهم الآيات والأدلة على الوحدانية وعلى توحيد الله، وعلى بطلان الاتحاد وإلهية عيسى وأمه وبطلان شبهاتهم.
(ثم انظر) يعني: مع ذلك (أنى يؤفكون) أي: كيف يصرفون عن التأمل فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان.
وتكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجب من حال الذين يدعون لهم الربوبية ولا يرعوون عن ذلك، بعدما بين لهم حقيقة حالهما بياناً لا يحوم حوله شائبة ريب، ثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت، أي: إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه، بالغ لأقاصي الغايات القاصية من التحقيق والإيضاح، وإعراضهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة لما يوجب قبولها أعجب وأبدع، فهنا أمر بالتعجب بعد التعجب، يقول تعالى: ((انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) تعجب ثم تعجب من موقفهم من هذا الحق!
стр. 765
تفسير قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً)
ثم قال : ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦].
هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه ((قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا)) يعني: الذي لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً.
والمقصود به عيسى وأمه، يعني: لا يستطيعان أن يضراكم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة، ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع إنما هو بإقدار الله وتمكينه، فكأنهما لا يملكان منه شيئاً.
وإيثار (ما) على (من) -فلم يقل قل أتعبدون من دون الله من لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً.
وإنما قال: (ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً) - لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الإلهية رأساً، ولبيان انتظامهما في تلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، يعني: وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء، لا يخرج مقدور عن قدرته، وإنما قدم الضر فقال: (ضراً ولا نفعاً) لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع.
ودلت هذه الآية على جواز الجدال في الدين، فإن كان مع الكفار وأهل البدع فذلك ظاهره الجواز، وإن كان مع المؤمن جاز بشرط أن يقصد إرشاده إلى الحق، وإن قصد العلو فذلك محذور.
وحكي عن الشافعي أنه كان إذا جادل أحداً قال: اللهم! ألق الحق على لسانه.
стр. 766
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧].
ولما أقام تعالى الأدلة القاهرة على بطلان ما تقوله النصارى أرشدهم إلى اتباع الحق ومجانبة الغلو الباطل، فقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب) يعني الكتاب الذي هو ميزان العدل.
(لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي: لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما تقولتم عليهما من العظيمة، فأدخلتم في دينكم اعتقاداً غير الحق بلا دليل عليه، مع تظافر الأدلة على خلافه.
وقوله: (غير الحق) يعني: غلواً غير الحق، أي: غلواً باطلا.
أو مجاوزين الحق.
والغلو نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد، وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير.
فهذا إشارة إلى أن ما عليه النصارى هو الغلو، فكل حق له طرفان، إما إفراط وإما تفريط، فالنزوع إلى أحد هذين الطرفين هو نزوع إلى طرف، وإذا اتجهت إلى الطرف الآخر يسمى ذلك تطرفاً، لانك أخذت بالطرف، فالمراد أن هناك وسطاً، وهو الميزان والعدل، فمن حاد عن هذا الوسط فهو متطرف، فهذا هو المعنى الصحيح للتطرف ومعنى ذلك أن هذه الآية تصف هؤلاء الذين يشتمون الله ويشركون به في هذه العقائد بأنهم هم الغلاة وهم المتطرفون، ولذلك نعمم ونعيد الأمور إلى نصابها بأن نقول: إن المضطر إذا استطلق إطلاقين فإن الإطلاق الصحيح هو الذي يكون داخل دائرة المسلمين، فالمتطرف هو الذي يحيد عن منهج أهل السنة والجماعة، سواء تطرف إلى اليمين أو اليسار، كما في باب مسائل الإيمان والكفر إما أن يبقى متطرفاً إلى اليمين مثل المرجئة، أو متطرفاً إلى اليسار في الغلو والإفراط مثل الخوارج الذين يكفرون عصاة المسلمين.
وكذلك في القدر، بأن يتطرف فيبالغ في إثبات القدر كالجبرية، أو يبالغ في نفي القدر كالقدرية.
وكذلك في موالاة أهل البيت، فيتطرف إلى أقصى الطرف في حب أهل البيت وتعظيمهم تعظيماً زائداً عمَّا يستحقونه، حتى يضع عليهم بعض صفات الإلهية أو العصمة وغير ذلك، أو يتطرف في الجانب الآخر فينصب العداء على أهل البيت، وهكذا في كل قضية من قضيا الإيمان ومسائل العقيدة نجد من يتطرف إما إلى اليمين وإما إلى الشمال، فكل شخص ينتسب إلى فرقة دون الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة وهو مذهب السلف الصالح في كل هذه القضايا- فهذا هو المتطرف، وهذا هو الاستعمال الصحيح للكلمة.
وفي خارج الدائرة الإسلامية كل من ليس مسلماً فهو متطرف، حيث يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فنحن لا نقول كلاماً وكأننا نكتشف حقيقة جديدة، فهذا هو الحق، وكثرة الإلحاح بوصف الموحدين والملتزمين بالدين بالتطرف جعل الناس تستورد مثل هذه التعبيرات، فنحن لسنا متطرفين، وكيف نكون متطرفين وأسوتنا وقدوتنا رسول الله ﷺ ؟! وهؤلاء الزنادقة والملاحدة من الصحفيين والإعلاميين وغيرهم إذا كان بعث فيهم الرسول ﵊ نفسه فهل كانوا سيصفونه بالتطرف؟ وما نحن إلا مستمعون للرسول ﵊ والسلام، ونملك الأدلة على هذا بأن الحق ما يثبت، سواء في القرآن الكريم أو في سنة النبي ﵊، فما الفرق بين أن يطعنوا في دينه وسنته بعد أن أفضى إلى الرفيق الأعلى بأن هذا تطرف وبين أن يصفوه هو ﵊ بأنه متطرف؟! فإذا كان احترام الإسلام واحترام الدين، والتمسك بالعقيدة، وطاعة الله ورسوله، والصبر على الغربة تطرفاً فينبغي أن نفخر بأننا متطرفون، ونشن الحملة على من لا يتطرف ونطالبهم بالتطرف ما دام أن الحق يوضع في قوالب مموهة ومضللة لتنفر الناس عن الدين، فنحن لا نقف عند الألفاظ، وإنما ننظر إلى المعاني، وقد قال الشاعر: تقول هذا جنى النحل تمدحه وإن شئت قلت ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فإذا شئت أن تمدح عسل النحل فقل: (هذا جنى النحل) أي: محصول النحل، وإن شئت أن تنفر الشخص من نفس العسل الشهي فقل له: (هذا قيء الزنابير)، وهو شيء واحد، لكن قد يعبر عن الحق ويظهر بقالب منفر كي ينصرف الناس عنه، وهذه من حيل الشيطان وزخارف قوله التي يوحيها إلى أوليائه كي يصدوا الناس عن دين الله.
فالذي يقف وراء كل هؤلاء الناس هو الشيطان الذي يؤزهم أزاً على محاربة دين الله ﵎.
وقد قال الإمام الشافعي: إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي فالقضية ليست قضية أسماء وحروف تركب بعضها إلى جانب بعض، وإنما هي قضية معانٍ وجواهر.
فهذه الآية تؤكد ما ينبغي أن نعتقده جميعاً، وهو أن كل من ليس من أهل السنة والجماعة وليس من المسلمين فهو متطرف، فكل يهودي على ظهر الأرض متطرف، وكل علماني متطرف، وكل شيوعي متطرف، وكل نصراني متطرف، وكل مجوسي متطرف، ثم داخل دائرة الإسلام كل من حاد عن أهل السنة والجماعة التي هي الفرقة الناجية فهو -أيضاً- متطرف، سواء أكان من الشيعة أم من الخوارج أم الرافضة أم من المعتزلة أم من غيرهم من الفرق الضالة.
فهذا المعنى ينبغي أن نستحضره دوماً خاصة في هذا الزمان الذي تلعب فيه الفتن بالعقول لعباً: (ويصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً).
стр. 767
إفادة الآية النهي عن الغلو عموماً في كل أحكام الدين
يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧].
فالآية تفيد النهي عن الغلو عموماً، والغلو في العقيدة من أخطر الأشياء، والغلو في العبادة كغلو الموسوسين، كالذي يغالي في الطهارة، فبدل أن يتوضأ ثلاثاً يتوضأ خمسين مرة، وقد يخرج وقت الصلاة، فهذا غلو في الدين أيضاً، فأي نوع من الغلو الباطل في الدين فهو منهي عنه بنص هذه الآية.
ومن الغلو -أيضاً- الغلو في تعظيم الصالحين، وتعظيم قبورهم، حتى يصيروا كالأوثان التي كانت تعبد، يقول ﷺ : (إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)، وقال أيضاً ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، وهذا متفق عليه.
فقوله: (لا تطروني) إما أنه نهى عن أصل الإطراء الذي هو المديح، فهو يقول: لا تمدحوني؛ فأنا لست بحاجة إلى مدحكم بعد أن مدحني الله بما لا مزيد عليه حين قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فإنكم إذا مدحتموني استنزلكم الشيطان إلى الوقوع في الغلو، حتى تقولوا فيّ كما قال النصارى في عيسى ﵇.
وإما أن النهي هنا عن المبالغة في المدح لا عن أصل المدح، وإنما عن أصل المبالغة في المدح، فإن المبالغة والغلو في المدح ينتهي إلى الانحراف وإلى فساد العقيدة، في القصيدة المشهورة وأظنها لـ أحمد شوقي حيث يقول يخاطب الرسول ﵊: أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا مدحت المالكين فزدت قدراً وحين مدحتك اجتزت السحابا سألت الله في إدناء ديني فإن تكن الوسيلة لي أجابا وما للمسلمين سواك حفظ إذا ما الضر مسهم ونابا فهل الرسول ﵊ يقبل أن يمدحه رجل بأن يقول: إن المسلمين إذا جاءتهم كربة أو داهمتهم مصيبة ليس لهم حفظ إلا الرسول ﵊؟! فالرسول ﷺ أتى ليحطم أمثال هذه العقائد، فهذا من الغلو الباطل، وقد ضل أحد المغالين في فهم الحديث (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) فقد فسر الحديث تفسيراً عجيباً، وهو البوصيري، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) يعني: لا تمدحوني بالصفة التي غلا فيها النصارى في المسيح، وهي قولهم: إن المسيح ابن الله.
فقال البوصيري في القصيدة المعروفة التي يتعبد الصوفية بتلاوتها وحفظها: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم يعني: إذا سلمت من قولك: إن محمداً ابن الله.
أو: إن محمداً ثالث ثلاثة فلا حرج عليك، فامدح بما شئت، وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم.
فالباب مفتوح، فقل ما شئت عدا أن تقول: إن محمداً ابن الله.
أو: إن محمداً ثالث ثلاثة.
ففتح الباب على مصراعيه في هذا الغلو الفظيع حتى قال في قصيدته -مادحاً الرسول ﵊، أيضاً بما يرفضه الرسول ﵊: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا من الغلو في الدين الذي قد نهينا عنه.
стр. 768
النهي عن اتباع الأئمة المضلين
ثم نهاهم تعالى عن اتباع سلفهم وأئمتهم الضالين، فقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧].
فسلفهم الضالون ليسوا هم الصالحين، فهو يحذرهم من اتباع سلفهم الذين اتبعوا هذه المقالات وأفسدوا دينهم.
وقوله تعالى: (ولا تتبعوا) يعني: تقليداً (أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً) يعني: ممن شايعهم على التقليد (وضلوا عن سواء السبيل).
يقول الرازي: إنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ((قد ضلوا من قبل)) ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، فالمرء منهم ضال في نفسه ومضل لغيره، فيحمل وزر نفسه ووزر الذين يضلهم بغير علم.
ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحال حتى إنهم الآن ضالون قد ثبتوا على الضلال.
قال تعالى: ((وضلوا عن سواء السبيل)) ودلت الآية على أن ما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول لا مستند له، ولا معول لهم فيه غير التقليد لأسلافهم الضالين، فكل ما عندهم هو تقليد آبائهم وأجدادهم وسلفهم الذين أحدثوا القول بالتثليث بعد نحو ثلاثمائة سنة من رفع المسيح ﵇.
فبعد ثلاثمائة سنة من رفع المسيح اخترعوا هذه المزاعم الباطلة والشركية، وقرروها في تعاليمهم بعد جدل وافتراض، وتمسكوا في ذلك بظواهر الألفاظ التي لا يحيطون بها علماً مما لا أصل له في شرع الإنجيل، ولا هو مأخوذ من قول المسيح، ولا من أقوال حوارييه، بل كلام متهافت يكذب بعضه بعضاً ويعارضه ويناقضه.
стр. 769
تفسير قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل لبئس ما كانوا يفعلون)
قال ﵎: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) يعني: لعنهم الله .
(على لسان داود وعيسى ابن مريم) يعني: على لسانيهما.
وأفرد لعدم اللبس، فلم يقل: على لساني داود وعيسى ابن مريم لأنه لا يحتمل وجود لبس، وذلك إذا أريد باللسان الجارحة.
((ذلك)) لعنهم الهائل ((بما عصوا وكانوا يعتدون)) يعني: بقتل الأنبياء واستحلال المعاصي.
((كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه)) يعني: لا ينهى بعضهم بعضاً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه فقال: ((لبئس ما كانوا يفعلون)) مؤكداً بلام القسم تعجباً من سوء فعلهم كيف وقد أداهم إلى ما ذكر من اللعن الكبير؟! فهذه الآية دلت على جواز لعن اليهود والنصارى والكفرة من بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل).
ودلت -أيضاً- على المنع من الذرائع التي تبطل مقاصد الشرع، ودلت -أيضاً- على وجوب النهي عن المنكر، وأن ترك النهي عن المنكر من الكبائر، وقد أخبر ﷺ أنه لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس فقال: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً) أي: تعطفوهم عليه.
رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا! اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك.
ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده) يعني أنه يتمادى في مصاحبته، أي: نصحه مرة وانتهى، ثم بعد ذلك بقي الرجل مصراً على المعصية، ولم يمنعه ذلك من أن يتخذه خليلاً وصاحباً.
يقول: (فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قرأ: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)) [المائدة:٧٨] إلى آخر الآية، ثم قال: كلا والله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً أو تقصرونه على الحق قصراً) زاد في رواية: (أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم) كذا رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه.
والأحاديث في ذلك كثيرة، منها حديث حذيفة مرفوعاً: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم) وقال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
يقول الزمخشري: فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبئهم به، وكأنه ليس من ملة الإسلام في شيء، مع ما يتلون من كتاب الله، ومع ما فيه من المبالغات في هذا الباب! وقد مر في قوله تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ [المائدة:٦٣] ما يؤيد هذا، فتذكر.
стр. 770
تفسير قوله تعالى: (ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا)
قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠].
ولما وصف تعالى أسلافهم بقوله تعالى: (لعن الذين كفروا) فيما مضى وصف الحاضرين بقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة:٨٠] يعني أنهم باقون على هذا ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠] وقوله تعالى: (ترى كثيراً منهم) أي: من أهل الكتاب (يتولون الذين كفروا) يعني: يوالون المشركين بغضاً لرسول الله، ومنهم: كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول ﷺ ، (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون).
стр. 771
تفسير قوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١].
قوله تعالى: (ولو كانوا) أي: هؤلاء الذين يتولون عبدة الأوثان من أهل الكتاب (يؤمنون بالله والنبي) أي: لو كانوا بالفعل يؤمنون بالنبي، أي: نبيهم موسى ﵇.
(وما أنزل إليه) من التوراة (ما اتخذوهم أولياء) إذ الإيمان بالله يمنع من تولي من يعبد غيره (ولكن كثيراً منهم فاسقون) أي: خارجون عن دينهم؛ لأن الفسق معناه الخروج، كما يُقال: فسقت الرطبة.
أو متمردون في نفاقهم، يعني: إن موالاتهم للمشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وإن إيمانهم المزعوم ليس بإيمان؛ لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى ﵇، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى ﵇، بل مرادهم الرياسة والجاه، فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه، فلهذا وصفهم تعالى بالفسق.
وفي الآية وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: (ولو كانوا) يعني: لو كان منافقوا أهل كتاب المدعوون للإيمان (يؤمنون بالله والنبي) أي: بمحمد ﷺ والقرآن حق الإيمان ما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن.
والوجه الأول أقوم، والله تعالى أعلم.
стр. 772
تفسير سورة المائدة [٨٢ - ٩٦]
стр. 773
تفسير قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)
يقول ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢].
قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ) أي: يا محمد (أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمنوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، يعني: من أهل مكة؛ لتضاعف كفرهم وجهلهم، وانهماكهم في اتباع الهوى.
(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمنوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا) قوله: (ذلك) الإشارة هنا إلى أقربهم مودة للمؤمنين.
(بأن) يعني: بسبب أن (منهم قسيسين) أي: علماء (ورهباناً) أي: عباداً (وأنهم لا يستكبرون) عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة.
وهذه الآية نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة، قرأ ﷺ عليهم سورة يس فبكوا وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.
يقول القاضي محمد كنعان: قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة) الآية، ذكر الإمام السيوطي هنا أنها نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة.
ولكن القول المشهور في كتب التفسير والسير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعدما سمعوا سورة مريم من جعفر بن أبي طالب ﵁ لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى خوفاً من مشركي قريش، ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق، ثم أسلم النجاشي، وبعث ليعلم النبي ﷺ بإسلامه.
ومما يجب التنبيه حوله أن هذه الآيات لا تشمل جميع النصارى كما يتوهم البعض، فقوله تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) ليس المقصود به جميع من انتسب إلى النصرانية، وإنما الإشارة إلى جماعة موصوفة منهم، فالقول بأن الآية تشمل جميع النصارى -كما يتوهم بعض الناس- قول باطل؛ لأن هؤلاء عداوتهم للمسلمين ظاهرة، ووقائع التاريخ في الأندلس والحروب الصليبية حتى عصرنا تشهد على ذلك، بل الوقائع التي نعيشها إلى الساعة الحاضرة، والمجازر التي تقام على مرأى ومسمع من العالم كله، والتحالف الصليبي اليهودي على مسلمي البوسنة بعد أن صارت الأمم المتحدة شريكاً متضامناً وعنصراً فعالاً في المذابح التي تجري لإخواننا المسلمين في البوسنة ليل نهار، ولم يعد هذا سراً مكتوماً، ومن يتابع الأخبار في هذه الأيام يعلم هذه الحقيقة، فكيف يقال: إن هؤلاء مع وحشيتهم وإجرامهم أقرب إلينا مودة من اليهود؟! بل هؤلاء مشركون كفار كما سيأتي في نفس هذه الآيات، فمن القول الباطل الزعم بأن الآية تشمل جميع النصارى، وإنما هي تصف جماعة معينة منهم سمعوا القرآن ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق.
فهل الصرب أو غيرهم إذا سمعوا القرآن تفيض أعينهم من الدمع مما سمعوا من الحق ويعلنون إسلامهم؟! فالآية تصف هؤلاء الذين إذا بلغهم الحق لا يستكبرون ولا يستنكفون عن اتباعه.
ففي هؤلاء نزلت الآيات، لا في كل نصراني أو قسيس أو راهب، وهذا مع القطع بأن اليهود هم أشد الكافرين عداوة للمؤمنين.
قوله تعالى: ((وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ)) يعني: من القرآن الكريم.
((تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا)) يعني: صدقنا بنبيك وكتابك.
((فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) أي: المقربين بتصديقهما.
قوله: (وَمَا لَنَا) يعني: وقالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود الذين قالوا لهم: كيف تسلمون: (وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ) أي: من القرآن.
أي: لا مانع لنا من الإيمان مع وجود ما يقتضي هذا الإيمان، وهو نزول هذا الحق في القرآن الكريم، أو الطمع في رحمة الله.
﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٤] أي: الجنة مع المؤمنين.
ثم قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) فهذا -بلا شك- واضح وضوح الشمس، وهو أن المقصود بالآية الأولى النصارى الذين لما بلغهم الحق انقادوا له، وأسلموا لله ، لا من يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم.
أو: إن الله ثالث ثلاثة.
أو غير ذلك من الأقوال الشركية، فهؤلاء يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة:٨٦]، وهؤلاء غير الموصوفين في صدر الآيات.
стр. 774
كلام القاسمي على قوله: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا)
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمنوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] لماذا هم أشد الناس عداوة للمؤمنين؟ لإيمانهم بعيسى ومحمد ﷺ ، فنحن نفارق اليهود في الإيمان بعيسى وبمحمد، وهم يكفرون بهما.
كذلك فإن عداوة الذين أشركوا للمؤمنين هي لتوحيدهم وإقرارهم بنبوة الأنبياء؛ لأن المشركين لا يقرون بالتوحيد ولا بنبوة الأنبياء.
وقال بعض العلماء في تعليل شدة هذه العداوة: لشدة إبائهم، ولذلك يندر جداً أن يسلم اليهودي الواحد ويدخل في الإسلام، فهذا يقع، ولكنه نادر بالنسبة لمن يدخل في الإسلام من غيرهم من طوائف الكفرة.
فهم أشدة الناس عداوة للذين آمنوا لشدة إبائهم، ولتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء، والاجتراء على تكذيب هؤلاء الأنبياء، ومناصبتهم لهم، ولشدة قسوة قلوبهم وغلظ طبعهم قتلوا كثيراً من الأنبياء.
أي: قتلوا يحيى ﵇، ثم أهدوا رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
وكذلك قتلوا أباه زكريا ﵇، وسعوا في قتل رسول الله محمد ﷺ غير مرة، بل وضعوا له السم في الطعام، وغدروا به ﵌، وألبوا عليه أشباههم من المشركين.
وفي تقديم اليهود على المشركين بعد ذكرهما في موضع واحد إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة، فرغم أن اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للذين آمنوا، لكن أشد الطائفتين اليهود لعنهم الله تعالى.
كما أن في تقديمهم عليهم -أي: تقديم اليهود على المشركين- في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦] إيذاناً بتقدم اليهود على المشركين أيضاً في الحرص على الحياة.
يقول تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) يعني: للين جانبهم، وقلة غل قلوبهم.
فهنا القاسمي يميل في تفسير هذه الآية الكريمة إلى أن المقصود بقوله تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) عامة النصارى، وهذا التفضيل نسبي، وليس على الإطلاق كما يفعل منافقوا زماننا، فالمنافقون من علماء السوء في زماننا يداهنون الكفار بإطلاق هذه الآية عليهم، وإن كان الآن جرياً مع المتغيرات لا يتلوا المنافقون الآية أصلاً؛ لأنها تشتم اليهود، وقد صار اليهود عند الناس اليوم من أعظم أوليائهم، فالله المستعان.
لكن القاسمي ينقل هنا كلام ابن كثير في تعليل قوله تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) قال ابن كثير: وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:٢٧].
وفي كتابهم: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) وليس القتال مشروعاً في ملتهم.
انتهى كلام الحافظ ابن كثير.
ثم يضيف القاسمي: ولأن من مذهب اليهود -مبيناً وجه المفاضلة بين اليهود والنصارى في العداوة والمودة- أنه يجب إيصال الشر إلى من خالف دينهم بأي طريق كان من القتل ونهب المال ونحوهما، وهو عند النصارى حرام، فحصل الفرق.
فاليهود يتعبدون بأذية خلق الله، وبإيصال الشر إلى الخلق ممن ليس على ملتهم بأي طريق كان، حتى روى ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً (ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله) ولم يذكر هنا صحة الحديث، وهنا قصة حكاها بعض المصنفين في (غذاء الألباب) عن صاحب (منظومة الآداب) الإمام السفاريني أن مسلماً سافر مع يهودي، فالمسلم كان راكباً الحمار، وكان اليهودي ماشياً، فمشيا حتى سافرا إلى بلد معين على هذه الحال، فبعد ما وصلا إلى تلك البلدة قال المسلم لليهودي: أستحلفك بالله، نحن عندنا اعتقاد أنه ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بإيذائه، فهل هممت بأذيتي؟! قال: ما هممت بأذيتك في شيء.
فناشده وألح عليه أن يخبره، فإنه جازم بأنه لابد من أنه أراده بسوء في هذه السفرة، فلما استحلفه وشدد عليه صارحه وقال له: في مدة السفر كلها كنت أحاول أذيتك فلم أستطع، ولقد كنت أبصق على ظلك وأضرب خيالك.
أو قال كلاماً نحو هذا، فهذا الذي استطاع أن يوصله إليه من الأذى، فالله أعلم بصحة هذا.
وعلى كل حال فإن خسة اليهود وغدرهم ونذالتهم لا تحتاج إلى كثير من التعليق، فهذا أمر مجمع عليه بين سائر الأمم، حتى إن هتلر لما أجرى لهم المذابح التي بولغ فيها فيما بعد قال: لقد قتلت نصف اليهود وتركت النصف الآخر؛ حتى يعلم العالم لماذا قتلت النصف الأول أي: حتى يذوقوا منهم الويل ويعرفوا لماذا قتل النصف الأول من اليهود.
وكثرة اهتمام النصارى بالعلم والترهب هي مما يدعو إلى قلة البغضاء والحسد ولين الجانب، كما أشير إليه بقوله تعالى: (ذلك) يعني: كونهم أقرب مودة للمؤمنين.
(بأن منهم) أي: بسبب أن منهم قسيسين، مأخوذ من: قسى الشيء إذا تتبعه، فهذا وصف لعلمائهم بأنهم قسيسين.
(ورهباناً) أي: عباداً متجردين.
(وأنهم لا يستكبرون) أي: يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود، وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم، والإعراض عن الشهوات، والبراءة من الكبر أمر محمود، وإن كان ذلك من كافر، وهذا على القول بأن الآية تشمل النصارى عموماً، وأن المفاضلة هنا مفاضلة نسبية، ولذلك جاء بصيغة (أقربهم مودة) فهم لا يوادون لكنهم أقرب مودة، فالنصارى مع كفرهم أخف من اليهود والذين أشركوا في عداوتهم للمؤمنين.
ولكن الكلام الأول -بلا شك- أقوى، وهو أن الآية إنما هي في هؤلاء الذين أسلموا، ولم يستكبروا على الحق، ويؤيد ذلك كثير من الآيات والأحاديث، ويؤيده -أيضاً- الواقع الذي نعيشه، فلا القسيسون ولا الرهبان فيهم هذا التجرد أو هذا التواضع، وإنما هو الخبث والمكر والدهاء، وإرادة الشر لأمة محمد ﷺ ، والذي نعيشه ونراه ليل نهار هو أقوى شاهد محسوس، بحيث لا يمكن أبداً إنكاره إلا على سبيل المكابرة.
فلا ندري أين الرحمة وأين الرفق وأين اللين منهم! هؤلاء الذين فعلوا هذه الشنائع، سواء في الأندلس أو في لبنان أو في الفلبين أو في أثيوبيا أو في البوسنة.
والله تعالى لما تكلم عن هؤلاء النصارى هنا قال: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى) ولم يقل: النصارى.
فوصفهم بأنهم الذين قالوا: (إنا نصارى) ولم يقل: النصارى.
تعريضاً لصلابة اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر؛ لأن اليهود قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢١] فقابلوا ذلك بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] فهذا من عتوهم وصلابتهم في الكفر، وتمردهم على أمر ربهم ﵎.
أما النصارى فإنهم أجابوا جواباً حسناً حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]، ومن ثم سموا نصارى.
وكذا -أيضاً- ورد في أول هذه السورة ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٤] فأسند ذلك إلى قولهم، ولم يقل: ومن النصارى أخذنا ميثاقهم.
ولكن قال: (ومن الذين قالوا إنا نصارى) والإشارة به إلى قولهم: نحن أنصار الله.
لكنه بين تنبيهاً على أنهم لم يثبتوا على الميثاق ولا على ما قالوه من أنهم أنصار الله.
ففي الآية التي هي في أول السورة (ومن الذين قالوا إنا نصارى) كان يقتضي قولهم: إنا نصارى -أي: نحن أنصار الله- أن يحفظوا عهد الله وميثاقه، لكنهم مع قولهم: إنا نصارى خالفوا هذا العهد ونسوا (حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) قال تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤].
وفي الآية هنا يقول تعالى: (الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل: النصارى.
لأن المقصود التعريض بصلابة اليهود وقسوة قلوبهم، وامتناعهم عن امتثال أمر ربهم كما ذكرنا.
فالنصارى لما ورد عليهم الأمر لم يجابهوه بالرد كمجابهة اليهود، حتى إنهم لما نسوا الميثاق أو نسوا حظاً مما ذكروا به لم يردوا نفس الرد الغليظ الذي رده اليهود حينما قالوا لموسى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، بل قالوا: نحن أنصار الله.
واليهود قالت: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة:٢٤]، إلى آخر الآية، فهذا هو سر قوله تعالى: (الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل: النصارى.
стр. 775
معنى قوله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول)
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣].
قوله: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) هذا عطف على (لا يستكبرون) في قوله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون).
((تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ)) يعني: تنصب.
(مِنَ الدَّمْع) وهو الحاصل من اجتماع حرارة الحب والخوف مع ضرب اليقين.
(مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) يعني: من كتابه، فوجدوه أكمل من الإنجيل وأفضل، أو من صفة النبي ﵌ في كتابه.
(يَقُولُونَ) يعني: مع عدم استكبارهم عن الحق.
(رَبَّنَا آمَنَّا) أي بك وبما أنزلت وبرسولك محمد ﷺ .
(فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: الذين شهدوا بأنه حق، أو الذين شهدوا بنبوته، أو أن المراد بالشاهدين أمة محمد ﵊؛ لأنهم هم الشهداء على الناس، يشهدون لنبيهم أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا أممهم.
следующие страницы →