Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16066–16105 · переход к 16071.
стр. 16066
شرح حديث (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن وهب بن خالد الحمصي عن ابن الديلمي قال: (أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار).
قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك.
قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك.
قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﵌ مثل ذلك].
سبق في باب القدر من سنن أبي داود بعض الأحاديث وآخر ما مضى حديث جبريل، وهنا حديث أبي بن كعب ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقد جاء عبد الله بن فيروز الديلمي إلى أبي بن كعب وقال: (وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي!).
فقال ﵁ في جوابه على هذا: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ولكن قد جاء به الحديث مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، وهو أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وذلك أنهم يحصل منهم التقصير ويحصل منهم الخلل، فلا يتجاوز عنهم ما يحصل من أي أحد منهم، فيكون قد عذبهم وهو غير ظالم لهم.
قوله: [(ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم)] وذلك أن أعمالهم التي يعملونها لله هي أيضاً من رحمة الله بهم ومن توفيقه لهم، وما حصل منهم شيء من الأعمال الصالحة إلا بتوفيق الله ، فالفضل لله أولاً وآخراً؛ لأنه هو المتفضل بهذه النعمة.
قوله: [(ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر)].
وذلك أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وقد سبق أن مر مثل ذلك عن عبد الله بن عمر بين يدي حديث جبريل.
стр. 16067
وجوب إيمان العبد بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه
قوله: [(وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك)].
هذا هو الإيمان بالقدر، ومعنى هذا: أن كل ما حصل لك لا سبيل إلى تخلصك منه؛ لأن الله تعالى قد قدره فلابد من أن يوجد، والشيء الذي أخطأك ولم يصبك لا يمكن أن يصيبك، وهذا هو معنى قول المسلمين: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) فقولهم: (ما شاء الله كان) مأخوذ من قوله: (وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك) أي أن الشيء الذي قدر الله أن يكون لابد من أن يوجد، والشيء الذي قدر ألا يكون لا سبيل إلى وجوده، فالشيء الذي يحصل لك ويقع لك لا يمكن أن يتخلف، والشيء الذي قدر ألا يحصل لك لا يمكن أن يكون، كما جاء في الحديث الآخر في وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) والكلام الذي جاء هنا عن أبي بن كعب قد جاء أيضاً مرفوعاً، والصحابي الآخر قد حدث بذلك عن رسول الله ﷺ ، وسبق أن مر بنا أن الحسن البصري رحمة الله عليه لما سئل عما حصل لآدم ﵊ من الأكل من الشجرة قال: (لو أن آدم اعتصم ولم يأكل من الشجرةلم يكن له بد من ذلك)، وذلك لأن هذا الشيء الذي قدره الله لا بد منه، ولا يقال: إن هذا جبر، وإن العباد لا اختيار لهم، بل لهم اختيار ولهم مشيئة، وما يحصل منهم يكون بمشيئتهم وإرادتهم، ويقع الذي قدره الله وقضاه، فيجتمع في ذلك إرادة العبد حصول الشيء الذي قد حصل له، وكون ذلك الذي حصل منه لا يخرج عما قدره الله وقضاه كما قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].
فلا يمكن أن يحصل من العبد شيء ما لم يقدره الله، بل الذي قدره الله له سبب يؤدي إليه، والمقدر غاية تأتي نتيجة لهذا السبب، ولهذا فإن النبي ﷺ لما قيل له كما في الحديث المتقدم: (أنتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة).
ولهذا فإن القدر لابد فيه من أمرين: مشيئة من العبد، ومشيئة من الله ، وهذا في الشيء الذي للعبد فيه إرادة ومشيئة، أما الشيء الذي ليس للعبد فيه إرادة ولا مشيئة فإنما يقع بقضاء الله وقدره، وذلك مثل حركة المرتعش، وأما الأفعال الاختيارية كالأكل والشرب والسفر والذهاب والإياب والبيع والشراء وغير ذلك، فإنها تحصل بمشيئته وإرادته.
стр. 16068
كيف يعرف الناس الشيء المقدر ؟
ذكرت فيما مضى أن الناس لا يعرفون المقدر إلا بأمرين: الأمر الأول: الوقوع، فكل شيء وقع فقد قدر؛ لأنه لا يقع إلا ما قدر، (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن): فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن والأمر الثاني: أن يحصل الإخبار من الصادق المصدوق ﷺ عن أمر مستقبل، فإن هذا الذي أخبر به النبي ﷺ لابد أن يقع، وكل شيء يقع لابد أن يكون مقدراًَ، ومن ذلك إخباره عن الدجال، وعن خروج يأجوج ومأجوج، وعن نزول عيسى بن مريم، وغير ذلك من الأمور التي تقع بين يدي الساعة وما حصل قبل ذلك، وما حصل بعد زمنه بوقت يسير مثل قوله ﷺ عن الحسن: (إن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).
فإن هذا الذي أخبر به النبي ﷺ حق وصدق لابد أن يوجد، ويعتقد بأنه سبق به القضاء والقدر؛ لأنه لا يقع في الوجود إلا ما هو مقدر.
стр. 16069
كفر غلاة القدرية الذين ينكرون القدر
قوله: [(ولو مت على غير هذا لدخلت النار)].
أي: إذا كان منكراً للقدر، وقد سبق أن الغلاة من القدرية الذين ينكرون العلم قد قال العلماء بتكفيرهم، وأما الذين أثبتوا العلم لله ، ولكنهم قالوا: إنهم ينزهون الله عن أن يقدر المعاصي ويريدها فقد اختلف العلماء في تكفيرهم.
قوله: [ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك].
يعني: أن الصحابة الثلاثة الأولين ذكروا ذلك من غير إسناده إلى رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن هذا من الأمور التي لا تقال من قبل الرأي، وأيضاً فإن زيد بن ثابت الذي جاء ذكره آخراً قد رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فيكون مرفوعاً من هذا الصحابي، وموقوفاً من أولئك الذين تقدموا، فهو إذاً ثابت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 16070
متى يسأل الإنسان أكثر من عالم ؟
وجاء في بعض طرق هذا الحديث أن كل صحابي كان يجيبه ثم يحيله على أخيه، ولم يسأل هذا السؤال أكثر من واحد من تلقاء نفسه، أخرجه ابن ماجة هكذا، وذكره الشيخ مقبل الوادعي ﵀ في كتابه الجامع الصحيح في القدر.
ولعل هذا أيضاً وقع منه حتى يتأكد من زوال ما في قلبه من اللبس، لكن فيما يتعلق بالأمور التي هي أحكام شرعية لا يحيل العالم إلا إذا اجتهد في الجواب وقد رجا أن يكون عند غيره دليل، مثل ما جاء عن أبي موسى في قصة الميراث لما أفتى ثم قال للسائل: واذهب إلى ابن مسعود فسيتابعني، فقال ابن مسعود: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين إلخ الحديث.
فإذا كان العالم غير مطمئن للجواب فإنه يحيل على غيره، وأما إذا ذهب المستفتي إلى من يثق بعلمه ودينه فأفتاه فلا يكثر الأسئلة؛ لأنه قد يحصل له الجواب على اجتهادات مختلفة فيتشوش، وأما إذا كان الأمر يحتاج إلى استثبات مثل قصة هذا الرجل الذي وقع في نفسه شيء من القدر، وهو يريد أن يتحقق من زوال ما في نفسه منه؛ فله ذلك، ولهذا سأل أكثر من واحد واتفقوا على شيء واحد يجعله يكون مطمئناً لما أجيب به، وهذا إنما هو تبصير وبيان لشيء وقع في نفسه مما يتعلق بالقدر.
стр. 16071
تراجم رجال إسناد حديث (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان].
سفيان هو الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سنان].
هو سعيد بن سنان، وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن وهب بن خالد الحمصي].
وهب بن خالد الحمصي ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن ابن الديلمي].
هو عبد الله بن فيروز، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[أتيت أبي بن كعب].
أبي بن كعب ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ثم أتيت عبد الله بن مسعود].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله ﵊، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ثم أتيت حذيفة بن اليمان].
حذيفة بن اليمان ﵄، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ثم أتيت زيد بن ثابت].
زيد بن ثابت ﵁، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 16072
شرح حديث أول ما خلق الله القلم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا جعفر بن مسافر الهذلي حدثنا يحيى بن حسان حدثنا الوليد بن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﵌ يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب.
قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: من مات على غير هذا فليس مني)].
أورد أبو داود حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وهذا مثل ما تقدم في الحديث السابق الذي جاء عن جماعة من الصحابة، ثم إنه ذكر بعد هذا الذي قاله لابنه حديث رسول الله ﷺ : (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب.
قال: ربَّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة).
قوله: [(اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)] هذا يبين ما ذكره أولاً لابنه من أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي: أن الذي قدره الله وكتبه في اللوح المحفوظ من أن كذا سيصيب هذا الشخص، أو يخطئ هذا الشخص، فالذي أصابه لابد له منه ولا يمكن التخلص منه، والذي أخطأه لا سبيل إلى حصوله؛ لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وفي الحديث دليل على إثبات القدر وعلى الكتابة، لأن القلم لما خلقه الله قال له: (اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن هذه الكتابة كانت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن القلم هو أول المخلوقات في هذا العالم، ومنهم من قال: إن العرش كان قبله؛ لأنه جاء في الحديث الذي فيه الكتابة قوله: (كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) فيكون قوله: (إن أول ما خلق الله القلم) معناه: أنه من أول ما خلقه الله.
ومنهم من قال: إن العرش كان موجوداً من قبل أن يكتب القضاء والقدر، وقبل أن يخلق القلم الذي أمر بكتابة المقادير التي قدرها الله حتى تقوم الساعة.
ورجح ابن القيم ﵀ في النونية أنه العرش فقال: والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده قولان لأهل العلم مشهوران والحق أن العرش قبل لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان قوله: [قال عبادة بن الصامت لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك)].
معناه: أن الإيمان بالقدر وحقيقته وكون الإنسان متصفاً بالإيمان به، إنما يكون بمعرفة أن كل ما حصل للإنسان فإنه لا سبيل إلى السلامة منه، وأن كل شيء أخطأه لا سبيل إلى حصوله، وعلى هذا فلابد من الإيمان بالقدر، وأن كل شيء مقدر لابد من أن يكون، وأن ما قدر الله أن يكون فإنه يكون طبقاً لما أراد، وما قدر ألا يكون فإنه لا يمكن أن يكون.
قوله: [(من مات على غير هذا فليس مني) يعني: أن من مات على عدم الإيمان بالقدر، أو على إنكار القدر فليس مني.
стр. 16073
تراجم رجال إسناد حديث أول ما خلق الله القلم
[حدثنا جعفر بن مسافر الهذلي].
هو جعفر بن مسافر الهذلي أبو صالح، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا يحيى بن حسان].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا الوليد بن رباح].
وهو صدوق، أخرج له أبو داود.
[عن إبراهيم بن أبي عبلة].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن أبي حفصة].
وهو مقبول، أخرج له أبو داود.
[قال عبادة بن الصامت].
عبادة بن الصامت ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16074
شرح سنن أبي داود [٥٣٠]
لقد خلق الله هذا الإنسان مفطوراً على توحيده، وأخذ منهم الميثاق على عبوديته وتمجيده، بعد أن استخرجهم ن ظهر آدم أبيهم، وشهدوا بذلك على أنفسهم، ثم إن من المشاهد المحسوس، والمعلوم الملموس: أن القدر لا يحتج به عند المعايب والذنوب، وإنما يحتج به عند المصائب والكروب، وعلى هذا حمل حديث المحاجاة بين موسى وآدم ﵉.
стр. 16075
تابع ما جاء في القدر
стр. 16076
شرح حديث أبي هريرة في محاجة آدم وموسى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا سفيان، ح: وحدثنا أحمد بن صالح المعنى حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع طاوساً يقول: سمعت أبا هريرة يخبر عن النبي ﵌ قال: (احتج آدم وموسى، قال موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة! فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قدره علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى).
قال أحمد بن صالح عن عمرو عن طاوس سمع أبا هريرة].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ في محاجة آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام.
ومن المعلوم أن القدر لا يجوز الاحتجاج به على ترك أمر، ولا على فعل نهي، فالإنسان إذا حصلت منه معصية بأن ترك مأموراً وعوتب على ذلك فلا ينفعه أن يقول: هذا شيء مقدر، وكذلك إذا قيل له: لماذا زنيت؟ لا ينفعه أن يقول: هذا شيء مقدر، بل يعاقب العقوبة التي يستحقها ويقال: أذنبت ذنباً وهو مقدر وهذه عقوبتك وهي مقدرة، وكل شيء بقضاء وقدر.
وهذا الحديث فيه المحاجة بين آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام وأن موسى قال لآدم ما قال، وأجابه آدم بأن هذا شيء قد كتبه الله عليه قبل أن يخلق، والنبي ﷺ قال: (فحج آدم موسى)، يعني: غلبه بالحجة.
ففي الحديث أن آدم احتج بالقدر على المعصية، وقد أجيب عن هذا الحديث وتوجيهه -مع أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي- بجوابين: أحدهما ذكره ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو: أن الاحتجاج بالقدر إنما هو على المصيبة التي جاءت نتيجة للذنب، وترتبت على الذنب، وليس على الذنب والمعصية، فهو ما لامه على المعصية، وإنما لامه على الأمر الذي تبع المعصية، وهو المصيبة التي حلت به وبذريته بأن أخرجوا من الجنة، والتي جاءت نتيجة للذنب، قالوا: والقدر يحتج به على المصائب ولا يحتج به على المعائب.
والتوجيه الثاني: وقد ذكره ابن القيم نفسه، قال: وهو أنه إذا كان الإنسان لم يتب من الذنب فإن احتجاجه بالقدر غير صحيح ولا يعتبر؛ لأنه مصر على الذنب وغير تائب منه، وأما إذا كان قد تاب منه فلامه لائم واحتج بالقدر، فعند ذلك يجوز، وفعل آدم ﵊ هو من هذا القبيل؛ لأنه بعد التوبة.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذين التوجيهين في كتابه شفاء العليل بما يتعلق بالقضاء والقدر، وقد عقد باباً خاصاً لهذا الحديث والكلام عليه، وذكر كلام كثير من الناس، ومنها أقوال باطلة تتعلق بالقضاء والقدر وشرح هذا الحديث وبيان معناه، واختار هذين التوجيهين اللذين أحدهما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية والثاني له، وهذا باب من أبواب ثلاثين أوردها في كتابه شفاء العليل.
قوله: [(فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده)].
هذا فيه بيان أن موسى كليم الله، وأن الله تعالى اصطفاه بالكلام، وفيه دليل على أن التوراة هي مما خطه الله بيده.
ومعلوم أن الكلام حصل أيضاً لنبينا محمد ﵊، فهو كليم الرحمن كما أن موسى كليم الرحمن، وإبراهيم خليل الرحمن، ونبينا محمد ﵊ خليل الرحمن، فقد اجتمع فيه ﷺ ما تفرق في غيره، فالخلة لإبراهيم والكلام لموسى، ونبينا محمد ﵊ له الوصفان: الخلة والتكليم.
وقد جاء في الحديث أيضاً أن آدم نبي مكلَّم.
قوله: [(وخط لك التوراة بيده)] لا يدل على أن التوراة مخلوقة؛ لأن كلام الله مكتوب في اللوح المحفوظ، ولا يقال: إنه مخلوق؛ لأنه كلام الله الذي تكلم به وكتبه، فلا يقال: إن هذا الكتاب الذي هو من كلامه وخطه بيده يكون مخلوقاً، فكلام الباري غير مخلوق سواء تكلم به أو خطه، وكلام المخلوق مخلوق سواءً تكلم به أو خطه.
ووقعت هذه المحاجة في الحياة البرزخية قبل يوم القيامة، والله أعلم؛ لأنه من المعلوم أن الناس يموج بعضهم في بعض عندما يبعثون من قبورهم ويرى بعضهم بعضاً، ولهذا جاء في حديث الشفاعة أنهم يأتون إلى آدم وموسى وغيرهما يطلبون منهم أن يشفعوا في الانتهاء من الموقف، فالذي يبدو أنه قبل يوم القيامة؛ ومعلوم أن الأنبياء أجسادهم في قبورهم، ولكنهم يلتقون أرواحاً على صور أجسادهم مثل ما حصل للنبي ﷺ ليلة المعراج، فإنه لقيهم وصلى بهم في بيت المقدس.
قوله: [(قال: تلومني على أمر قدره علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)].
وهذا كما هو معلوم تقدير آخر غير التقدير الأول الذي قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وابن القيم ﵀ ذكر عدة تقديرات جاءت بها أحاديث، ومنها تقدير سنوي، وتقدير يومي، وهذا التقدير الذي جاء قبل خلق آدم، وذكر تقديرات أخرى.
стр. 16077
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في محاجة آدم وموسى
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا أحمد بن صالح].
هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[المعنى عن سفيان بن عيينة].
الفرق بين الروايتين هو ذكر النسب؛ لأن الأول ما نسبه فقال: (حدثنا سفيان) فقط، وأما الثاني وهو أحمد بن صالح فقال: (حدثنا سفيان بن عيينة) فهذا هو سر التحويل وكونه أتى بالإسناد أولاً ثم أتى بتحويله.
[عن عمرو بن دينار].
عمرو بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمع طاوساً].
هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﵊ وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
[قال أحمد بن صالح: عن عمرو عن طاوس سمع أبا هريرة].
يعني: أن أحمد بن صالح قال في روايته: عن عمرو عن طاوس سمع أبا هريرة.
وهناك قال: سمعت أبا هريرة، وفي الإسناد الأول: عن عمرو بن دينار سمع طاوساً يقول: سمعت أبا هريرة يخبر عن النبي ﷺ .
стр. 16078
حديث عمر في محاجة آدم وموسى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : (إن موسى قال: يا ربَّ! أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم.
قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم.
قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى.
قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟ قال: نعم.
قال: أفما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم.
قال: فبم تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قبلي؟ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: فحج آدم موسى فحج آدم موسى)].
وهذا الحديث مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة توضح أن موسى طلبه، وأنه لما لقيه سأله وذكر ما ذكر وإلا فإن المعنى واحد، وقد عرفنا التوجيه الذي ذكره ابن القيم عن نفسه وعن شيخه.
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب].
أحمد بن صالح مر ذكره، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني هشام بن سعد].
هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن زيد بن أسلم].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن عمر بن الخطاب].
عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، ﵁ وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16079
شرح حديث (إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله القعنبي عن مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني: (أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ)) قال: قرأ القعنبي الآية فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال رسول الله ﷺ : إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟! فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عمر بن الخطاب ﵁ في تفسير قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] فذكر الحديث، وهو من جنس الأحاديث السابقة فيما يتعلق بأن العمل مطلوب، وأن الناس لا يعرفون المقدر، وأن عندهم مشيئة وإرادة، وأن من اختار طريق السعادة فإنه ييسر لها، ومن اختار طريق الشقاوة فإنه ييسر لها، وينتهي الأول للجنة، وينتهي الآخر إلى النار.
والحديث ذكر الشيخ ناصر أنه صحيح، إلا قضية المسح باليد على ظهر آدم، وإلا فإن استخراج الذرية من ظهر آدم وتمييزهم إلى شقي وسعيد قد جاء في الأحاديث وفي تفسير هذه الآية، وقد ذكر العلماء في تفسيرها معنيين: أحدهما: هذا الذي جاء في الحديث.
والثاني: أن الله تعالى فطر الناس على التوحيد، فمنهم من يكون على هذا الشيء الذي فطر عليه، ومنهم من ينحرف عن الجادة.
ولكن قد جاء الحديث في بيان سبب نزولها، وأنهم استخرجوا من ظهر آدم.
فإن قيل: ما الحكمة من مسح ظهر آدم؟ فإننا نقول: الله تعالى أعلم! وهذه اللفظة كما عرفنا أن الشيخ ناصر قال إنها غير ثابتة، لكن جاء في بعض الطرق أنه ضرب كتفه اليمنى واستخرج كذا، وليس فيه ذكر المسح بالظهر، لكن الله استخرج الذرية من الظهر، والله تعالى أعلم بالحكمة في ذلك.
стр. 16080
تراجم رجال إسناد حديث (إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية)
قوله: [حدثنا عبد الله القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن أبي أنيسة].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مسلم بن يسار الجهني].
وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[أن عمر بن الخطاب].
قد مر ذكره.
أما الاتصال بين مسلم بن يسار وعمر فسيأتي في الحديث الذي بعده أن فيه واسطة.
стр. 16081
حديث (إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المصفى حدثنا بقية حدثني عمر بن جعثم القرشي حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب ﵁ بهذا الحديث، وحديث مالك أتم].
أورد الحديث من طريق أخرى وأحاله على الطريق الأولى ثم ذكر أن حديث مالك أتم، وهو الذي ليس فيه ذكر نعيم بن ربيعة.
قوله: [حدثنا محمد بن المصفى].
محمد بن المصفى صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا بقية].
هو بقية بن الوليد، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثني عمر بن جعثم القرشي].
وهو مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة].
نعيم بن ربيعة مقبول، أخرج له أبو داود.
[كنت عند عمر بن الخطاب].
عمر بن الخطاب ﵁، مر ذكره.
стр. 16082
شرح حديث (الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي حدثنا المعتمر عن أبيه عن رقبة بن مصقلة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً)].
أورد أبو داود حديث أبي بن كعب أن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، أي: أن الله قدر أنه يكون كافراً قال: (ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً) كما قال الله : ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠] وعلى هذا فقد سبق القضاء والقدر بأن هذا طبع على هذه الحال، وهو دال على القدر، وعلى أن المقادير سبقت بكل ما هو كائن.
стр. 16083
تراجم رجال إسناد حديث (الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً)
قوله: [حدثنا القعنبي حدثنا المعتمر].
القعنبي مر ذكره، والمعتمر هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو سليمان بن طرخان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن رقبة بن مصقلة].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجة فأخرج له في التفسير.
[عن أبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[عن أبي بن كعب].
أبي بن كعب ﵁ وقد مر ذكره قريباً.
стр. 16084
شرح حديث (أما الغلام فكان أبواه مؤمنين) وكان طبع يوم طبع كافراً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد حدثنا الفريابي عن إسرائيل حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حدثنا أبي بن كعب قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] قال: وكان طبع يوم طبع كافراً)].
أورد أبو داود حديث أبي بن كعب من طريق أخرى في قول الله : ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] وفيه قال: (وكان طبع يوم طبع كافراً).
أي: يوم قدرت المقادير قدر أنه كافر، وهذه الآية فيها مثال لما يذكره العلماء من العهد الذكري، أي: كون الألف واللام ترجع إلى معهود تقدم ذكره؛ لأنه قال قبل ذلك: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً﴾ [الكهف:٧٤] ثم قال هنا: ((وَأَمَّا الْغُلامُ)) فصارت (أل) في الغلام ترجع إلى (غلاماً) الذي مر ذكره، فيقال له: اللام للعهد الذكري.
ويأتي (أل) للعهد الذهني، أي ترجع إلى معهود في الأذهان مثل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] فلم يتقدم له ذكر، ولكنه معهود في الأذهان أنه في القرآن.
ومن العهد الذكري قوله في سورة المزمل: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل:١٥ - ١٦]؛ لأن (أل) في كلمة (الرسول) ترجع إلى (رسولاً) التي قبلها.
стр. 16085
تراجم رجال إسناد حديث (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) وكان طبع يوم طبع كافراً
قوله: [حدثنا محمود بن خالد].
هو محمود بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا الفريابي].
هو محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إسرائيل].
هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حدثنا أبي بن كعب].
قد مر ذكر الأربعة.
стр. 16086
شرح حديث (أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان فتناول رأسه فقلعه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال: (أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ [الكهف:٧٤] الآية)].
أورد أبو داود حديث أبي بن كعب وفيه كيفية قتل الغلام، وأنه أمسك رأسه وقلعه، أي: فقتله بذلك.
стр. 16087
تراجم رجال إسناد حديث (أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان فتناول رأسه فقلعه)
قوله: [حدثنا محمد بن مهران الرازي].
وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود.
[عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب].
وكل هؤلاء مر ذكرهم.
стр. 16088
الجمع بين كون الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً وبين حديث الفطرة
وطبع الغلام على الكفر لا يتعارض مع ما جاء في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فكون الغلام طبع كافراً ليس معنى ذلك أنه صغير ما بلغ الحلم، وأنه ما حصل له شيء يعرفه، فإن الأصل أن حديث الفطرة على عمومه، وكون هذا الغلام طبع كافراً معناه أنه قدر أنه يكون كافراً، وليس معنى ذلك أنه ما خلق على الفطرة، وأنه خارج عن الفطرة، فإن (كل مولود يولد على الفطرة) وهذا مولود، ولكن الانحراف هو الذي حصل للناس، كما قال الله : (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين).
يقول المحشي: قال المنذري: ولفظ البخاري ومسلم فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، وفي لفظ للبخاري فأضجعه ثم ذبحه بالسكة، وفي كتاب الطبري أنه أخذ صخرة فثلغ بها رأسه، ثم قال: والجمع بينها متوجه، أي فيكون ضربه بالحجر أولاً فلم يقتله ثم اقتلع رأسه.
стр. 16089
الكلام في نبوة الخضر وموته
وينبغي أن يعلم أن مثل هذا يدل على أن الخضر نبي، وليس بولي فقط؛ لأن الأولياء لا يعرفون الحق إلا عن طريق الأنبياء، وهم تابعون للأنبياء، وأما الخضر فهو نبي، والمحاورة التي جرت بينه وبين موسى تدل على ذلك فقد قال: (أنا على علم من الله لا تعلمه، وأنت على علم من الله لا أعلمه) ثم قال: (علمي وعلمك إلى علم الله مثل ما أخذه الطائر من البحر بمنقاره).
وجاء في سورة الكهف أنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢].
وأيضاً: معلوم أن موسى ﵊ أفضل المرسلين بعد نبينا محمد ﷺ وبعد إبراهيم، فهو الذي يلي إبراهيم؛ لأن محمداً ﷺ خليل كليم، وإبراهيم خليل، وموسى كليم، وإنما ذهب ليحصل من هذا العلم الذي أوحاه الله إلى ذلك الرجل، والمحاورة التي بينهما وسياق الآيات من أولها إلى آخرها تدل على أنه نبي وأنه ليس بولي، ولهذا فإن الفتنة حصلت لكثير من الناس بالدعوى أنه ولي، وأنه يحصل من الولي مثل هذه الأمور، فغلوا في الأولياء واعتقدوا فيهم ما لا يجوز، وأنزلوهم المنازل التي لا يستحقونها، ودليلهم أن الخضر حصل منه ما حصل وهو ولي.
ثم أمر آخر يتعلق بالخضر وهو زعم بعض الناس أنه حي موجود، وأنه لم يمت، وهذا أيضاً غير صحيح؛ لأن النصوص تدل على أنه قد مات، وأنه لم يكن موجوداً في زمن النبي ﷺ ، وذلك أنه قد جاء في القرآن ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤].
فلو كان الخلد لأحد لكان للنبي ﷺ ، فالقول بأن الخضر كان موجوداً في زمن النبي ﷺ أو بعده غير صحيح، ولو كان موجوداً في زمن النبي ﷺ فكيف لا يأتي إليه، وهو يجول ويصول في البلاد كما يقولون، ويقطع الدنيا، ويحضر في أماكن كثيرة، وقد كان ﷺ يناجي ربه في بدر ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض).
فلو كان الخضر موجوداً وهلكت العصابة فإن الله يعبد في الأرض حيث يعبده الخضر.
وكذلك جاء في الحديث أنه لا يبقى بعد مائة سنة نفس منفوسة على ظهر الأرض الآن، ومعنى ذلك: أنه بعد مضي مائة سنة من ذلك اليوم الذي تحدث فيه النبي ﷺ الحديث سيموت كل من كان موجوداً على الأرض، فلو كان الخضر موجوداً في ذلك الوقت لمات قبل مضي مائة سنة، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ .
فالقول بأنه قد مات هو القول الذي تدل عليه الأدلة.
стр. 16090
الأسئلة
стр. 16091
يؤجر الإنسان على كل نفقة إلا البنيان الزائد عن الحاجة
السؤال
أتى في صحيح البخاري فيما ذكر أن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه، يقول البخاري رحمه الله تعالى في باب: تمني المريض الموت من كتاب المرضى: قال: حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: (دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيات، فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب).
يقول الحافظ ابن حجر: قوله: (ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له) هكذا وقع في رواية شعبة تكرار المجيء، وهو أحفظ الجميع فزيادته مقبولة، والذي يظهر أن قصة بناء الحائط كانت سبب قوله أيضاً: (وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب)، وقوله: (إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب)، أي: الذي يوضع في البنيان وهو محمول على ما زاد على الحاجة.
فما قولكم في هذا؟
الجواب
هذا محمول على ما كان من البناء زائداً عن الحاجة، أو كان من باب المفاخرة والمطاولة.
стр. 16092
حكم الصلاة إلى وجه إنسان
السؤال
ما حكم من صلى وجعل سترته رجلاً مقبلاً عليه بوجهه؟
الجواب
لا ينبغي هذا؛ لأن هذا يشوش عليه، ولكنه إذا لم يجد إلا هذا المكان فلا بأس أن يصلي وينظر إلى مكان سجوده، فيسلم من تشويشه إن شاء الله.
стр. 16093
حكم القول بتسلسل الحوادث في الماضي
السؤال
جاء في الحديث أن أول المخلوقات هو القلم، أليس في ذلك دليل على أن القول بتسلسل الحوادث في الماضي خطأ؟
الجواب
قالوا: إن القلم أول المخلوقات في هذا العالم المشاهد، فهذا العالم المشاهد هو الذي فيه الأولية بالنسبة للعرش أو بالنسبة للقلم، وأما ما قبل ذلك فالله يخلق ما يشاء، والله تعالى أعلم بخلقه وما خلق، لكن هذا العالم المشاهد هو -كما جاء في هذا الحديث- ما يتعلق بخلق السماوات والأرض، والعرش قبل ذلك.
стр. 16094
المقادير المكتوبة إنما هي إلى يوم القيامة
السؤال
هل يفهم من قوله في حديث خلق القلم: (اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) أن المقادير التي كتبت إنما هي إلى يوم القيامة فقط؟
الجواب
الحديث يدل على أن الله قدر أن كل ما يجري حتى تقوم الساعة، ومعلوم أن ما يجري في الجنة والنار بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لا نهاية له، فالعذاب مستمر ويتجدد: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، وأهل الجنة منعمون إلى غير نهاية، والله أعلم.
ومعلوم أن اللوح المحفوظ له بداية ونهاية، وكل ما كتب فيه محدود ومعروف ومحصور، ولكن الجنة والنار وما يحصل فيهما من النعيم والعذاب، وما يحدثه الله وينشئه لأهليهما على مدى العصور والزمان الذي لا انقطاع له ولا نهاية، يدل على أنه مستمر.
стр. 16095
شرح سنن أبي داود [٥٣١]
إن الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة، والقدر سر من أسرار الله لا يجوز الخوض فيه، ولذلك لايجوز مجالسة أهل القدر، لما لهم من ضرر على من يجالسهم، وقد قدر الله تعالى أعمال العباد وآجالهم وأرزاقهم، وما يكونون عليه من السعادة أو الشقاوة، وهم في بطون أمهاتهم، وكل إنسان ميسر لما خلق له، ولا يفعل إلا ما شاءه الله وقدره؛ لأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، ولا يحتج بالقدر على المعاصي والغواية، فالهداية من فضل الله والغواية من عدله.
стр. 16096
شرح حديث: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة ح وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان المعنى واحد، والإخبار في حديث سفيان عن الأعمش قال: حدثنا زيد بن وهب حدثنا عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله، ثم يكتب شقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)].
سبق أن مر جملة من الأحاديث في باب القدر من سنن أبي داود وهذا حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هو من جملة تلك الأحاديث.
فقوله ﵁: [حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق] هذا ثناء على رسول الله ﷺ ، ومدح له بأنه صادق مصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذه الجملة اعتراضية بين قوله: [حدثنا الرسول ﷺ ] وبين الحديث: [(إن خلق أحدكم يجمع)] وقد قيل: إنها جملة حالية، وقال بعض الشراح: إن كونها اعتراضية أولى من كونها جملة حالية؛ لأن معنى الجملة الحالية أنه الصادق المصدوق في حال تحديثه لنا، ولكن إذا كانت جملة اعتراضية فالمعنى أنه متصف بهذا الوصف دائماً وأبداً، وأن هذا شأنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه دائماً، وليس ذلك مقيداً بحال تحديثه إياهم.
قوله: [(إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً) أي: كل إنسان يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، أي: فيكون نطفة، وهي ماء مهين، فيمكث أربعين يوماً ثم يتحول إلى علقة، أي قطعة صغيرة من اللحم، ثم يتحول إلى مضغة بعد أربعين يوماً أخرى، فيكون على قدر ما يمضغه الآكل، أي يضعه في فمه، والمضغة هي الأكلة التي يضعها الآكل في فمه.
فإذا كملت هذه الأطوار الثلاثة يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكون عند ذلك مكوناً من جسد وروح، ويكون قد تخلق وصار على هيئة إنسان.
قوله: [(ويؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله، ثم يكتب شقي أو سعيد)] يعني أنه يكتب ما قدر الله أن يكون له من رزق، سواءً كان مبسوطاً أو مضيقاً، ويكتب أجله، أي مدة حياته ومتى ينتهي أجله، وكذلك عمله الذي يعمله، وكذلك يكتب أنه شقي أو سعيد، فإما أن يكون من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة.
وجاء في بعض الروايات أنه يقول: (ذكر يا رب أو أنثى؟) فيذكر له الحالة التي شاء الله تعالى أن يكون عليها من ذكورة أو أنوثة.
وهذا فيه إثبات القدر، ومعلوم أن التقدير قد حصل في اللوح المحفوظ، وهذا تقدير آخر؛ لأنه قد جاءت أحاديث في ذكر تقديرات أخرى غير التقدير الأول الذي حصل في اللوح المحفوظ، والذي في اللوح المحفوظ هو الأصل وغيره تابع له.
والمرء ينتهي إلى ما قدر له من السعادة أو الشقاوة، فيموت على ذلك، والعبرة بما مات عليه، وما قبل ذلك ليس هو المعتبر، فقد تكون الحال حسنة ثم تتغير إلى حال سيئة، فيختم له بالسوء، أو قد تكون الحال سيئة ثم يتحول إلى حال حسنة وينتهي أمره على أمر حسن، فالعبرة بالخواتيم كما قال النبي ﷺ في بعض الروايات: (وإنما الأعمال بالخواتيم).
وقد بين ﵊ في آخر هذا الحديث أن من كان من أهل السعادة قد يعمل بعمل أهل النار طيلة حياته أو أكثر حياته، حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، أي ما يكون بينه وبين الموت إلا شيء يسير، فيهتدي ويتوب إلى الله ويعمل بعمل أهل الجنة، ثم يموت على حالة حسنة، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها، فكل الذنوب التي حصلت من الإنسان إذا تاب منها في الحياة قبل أن يغرغر فإن التوبة تجبها.
وعلى العكس من ذلك من يعمل بعمل أهل الجنة ويستمر عليها أكثر حياته، ثم يدركه الخذلان فيرجع عن الحق والهدى، فيرتد أو ينحرف عن الجادة، فيختم له بخاتمة سيئة، ولكن إذا كان الانحراف عن طريق ردة فإنه ليس له إلا النار، وإذا كان الانحراف عن طريق معاصٍ أو بدع غير كفرية فإن أمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبه في النار على بدعته أو معصيته، ولكنه لابد أن يخرج من النار ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها.
فالنبي ﷺ بين أن العبرة بالنهاية، وأن من كان موفقاً حصل له التوفيق من الله فيختم له به، ومن كان بخلاف ذلك حصل له الخذلان وختم له به.
стр. 16097
أقسام الناس بالنسبة للبدايات والنهايات
الناس بالنسبة للبدايات والنهايات ينقسمون إلى أربعة أقسام: قسم وفق بأن ولد في الإسلام، ونشأ في الإسلام، واستمر على الإسلام، ووفق للأعمال الصالحة ودام عليها حتى توفاه الله ، فتكون حياته كلها معمورة بالصلاح والتقى.
القسم الثاني الذي يقابله: وهو الذي ولد في الكفر، ونشأ على الكفر، واستمر على الكفر حتى مات عليه والعياذ بالله، فالبدايات سيئة والنهايات سيئة، والحياة كلها معمورة بالسوء، وبالكفر بالله والإلحاد.
القسم الثالث: الذي تكون بداياته سيئة وماضيه سيئاً، ثم يحصل له أن يختم له عند النهاية بخير، كالذي عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فسبق عليه الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة فدخلها، وهذا مثل السحرة الذين كانوا مع فرعون، والذين كانت حياتهم كلها سحر وكفر، وفي آخر الأمر: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] ثم قتلوا وانتهوا على خير، فكانت حياتهم معمورة بالكفر والسحر والخبث، وعند اقتراب الأجل حصل لهم الاهتداء ودخلوا في الحق الذي جاء به موسى، وآمنوا برب هارون وموسى، ثم قتلوا وصارت نهايتهم طيبة.
القسم الرابع: من يكون في حياته على استقامة وعلى هداية، ثم يدركه الخذلان في الآخر عندما لم يبق على حياته إلا الشيء القليل، فيدركه الخذلان فيرتد عن الإسلام والعياذ بالله، ثم يموت على الردة، فيكون عمل بعمل أهل الجنة طيلة حياته، ولما لم يبق عليه إلا الشيء اليسير أدركه الخذلان وارتد عن الإسلام ومات على الردة، فيكون قد عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يكن بينه وبينها إلا ذراع، فأدركه الخذلان فعمل بعمل أهل النار فدخلها.
فهذه أقسام الناس الأربعة بالنسبة للبدايات والنهايات: فمنهم من بدايته ونهايته طيبة، ومنهم من بدايته ونهايته سيئة، ومنهم من بدايته حسنة ونهايته سيئة، ومنهم من بدايته سيئة ونهايته حسنة، والعبرة إنما هي بالخواتيم والنهايات التي ينتهي إليها الإنسان.
والحديث فيه إثبات القدر، وأن كلاً سينتهي إلى ما قدر له من شقاوة وسعادة، وكل شيء قدره الله سيأتي به الإنسان بإرادته ومشيئته التابعة لمشيئة الله وإرادته.
стр. 16098
معرفة نوع الجنين ليس من علم الغيب
في الحديث أيضاً دليل على أن الملك يعرف الذكر من الأنثى بعدما ينفخ الروح ويسأل ربه أهو ذكر أم أنثى، فيعلم الملك بذلك، وهذا يدل على أنه يمكن أن يعرف الناس الحمل هل هو ذكر أو أنثى وهو في بطن أمه، وأن هذا لا يعتبر من علم الغيب؛ لأن الملك ما دام قد عرف ذلك وهو مخلوق من مخلوقات الله فقد خرج ذلك عن أن يكون من علم الغيب الذي اختص الله تعالى به، فهو مما يعلمه الناس، ولكن قبل هذه الحال عندما يكون الجنين ماء مهيناً فإنه لا يعلم ذلك إلا الله ، ولكن إذا سأل الملك ربه: أذكر أو أنثى؟ وقيل له ذلك فحصل علم المخلوق بذلك، فيمكن للبشر أن يعرفوا ذلك عن طريق الأجهزة التي يعرفون بها كونه ذكراً أو أنثى، ولا يقال: إن هذا من علم الغيب، أو إن هذا اطلاع على علم الغيب، أو كلام في علم الغيب؛ لأنه خرج عن أن يكون من علم الغيب بمعرفة الملك بذلك.
стр. 16099
تراجم رجال إسناد حديث: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر النمري].
حفص بن عمر النمري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
شعبة بن الحجاج الواسطي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا محمد بن كثير].
ح هي للتحول من إسناد إلى إسناد، ومحمد بن كثير هو العبدي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان].
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكل من شعبة في الإسناد الأول وسفيان الثوري في الإسناد الثاني وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا الوصف هو من ألفاظ التعديل العالية التي لا تحصل لكل أحد، ولا يظفر بها كل أحد، والذين وصفوا بها قليلون جداً.
[المعنى واحد والإخبار في حديث سفيان].
معناه أن الرواية بالمعنى، وأن ألفاظهم ليست متفقة في الألفاظ، ولكنها متفقة في المعنى، والإخبار هو في حديث سفيان الذي هو شيخه الثاني.
[عن الأعمش].
سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زيد بن وهب].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الله بن مسعود].
عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهو من فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16100
الأسئلة
стр. 16101
حكم إسقاط الجنين قبل نفخ الروح
السؤال
هل يجوز إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها قبل المائة وعشرين يوماً؟
الجواب
حصول الحمل ينبغي أن يفرح به، وأن يحرص عليه؛ لأن من مقاصد الشريعة المكاثرة، فالنبي ﷺ مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة، وفي تكثير المسلمين تكثير من يعبد الله ، ومن يكون على هذا الدين الحنيف، وهذا أمر مطلوب لا ينبغي للإنسان أن يتأثر منه، أو يحاول التخلص منه بإجهاض أو غير ذلك، وإنما عليه أن يفرح.
وكم من الناس من يحرص على أن يحصل الحمل ولو مرة واحدة، ولا يتيسر له ذلك، بل قد يبذل كل ما يمكنه من أجل أن يظفر بهذا الشيء فلا يتيسر له ذلك، فالذي أكرمه الله وجعله من أهل الإنجاب لا ينبغي أن يتساهل في ذلك، وأن يتهاون في ذلك، ولا ينبغي للإنسان أن يتعرض للنطفة أو يتعرض للحمل بإسقاطه، وإنما عليه أن يفرح به وأن يبقيه.
وبعض أهل العلم قال: يجوز أن يسقط مادام في الشهر الأول، ولكن الذي ينبغي أن يحرص على النسل، وألا يتهاون فيه ولا يتساهل.
стр. 16102
القدر الذي يكتبه الملك موافق لما في اللوح المحفوظ
السؤال
هل كتابة الملك تقدير آخر غير التقدير الموجود في اللوح المحفوظ أو هو موافق له؟
الجواب
الله أعلم! لكن الذي يبدو أنه موافق له.
стр. 16103
معنى حديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس)
السؤال
جاء في بعض الروايات: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس) فما معناه؟
الجواب
نعم.
ورد ذلك؛ لأن الناس لا يعرفون أحوال الناس إلا بالظاهر، ولا يعرفون البواطن، ولكن الناس يرون أنه عمل بعمل أهل الجنة على حسب ظاهره، وقد يظهر من الإنسان شيء وهو بخلاف ما يظهر، مثل شأن المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
стр. 16104
بشارة بإسلام امرأة عجوز قبل وفاتها بأيام
السؤال
أبشركم بشارة خير أن لي جدة عمرها تسعة وتسعون سنة وهي على الكفر في أمريكا، وقبل وفاتها بثلاثة أيام أسلمت ثم ماتت بعد ذلك.
الجواب
ما شاء الله! هذه بشارة طيبة، وهذه نهاية حسنة، وهذا مثال واضح من أمثلة القسم الذي يطابق ما كان عليه سحرة فرعون الذي كانت حياتهم كلها شر، وفي النهاية ختم لهم بخير وماتوا على خير، وهذه نرجو أن تكون قد ماتت على خير.
стр. 16105
شرح حديث: (كل ميسر لما خلق له)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن يزيد الرشك قال: حدثنا مطرف عن عمران بن حصين قال: قيل لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له)].
أورد أبو داود حديث عمران بن حصين ﵄ أنه قيل للنبي ﷺ : (أَعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم) يعني هل عُلِموا بأن سبق بذلك القضاء والقدر من الله تعالى، وقد فرغ من ذلك؟ قوله: [(قال: ففيم العمل؟)] أي إذا كان أهل الجنة قد علموا وأهل النار قد علموا ففيم العمل؟! فأخبر النبي ﷺ أن كلاً ميسر لما خلق له، والمطلوب من العباد أن يعملوا، وقد بين الله لهم طريق الخير وطريق الشر، والذي سيكون من أهل الجنة سيعمل بالأعمال التي توصله إلى الجنة، والذي يكون من أهل النار سيعمل ويختار بمشيئته وإرادته الأعمال التي توصله إلى النار، وهذا جاء في عدة أحاديث، ومنها حديث علي الذي سبق أن مر بنا، وفيه أنه قيل لرسول الله: (أنعمل في أمر خلا ومضى أم في شيء يستأنف؟ قال: في شيء خلا ومضى، قيل: ففيم العمل؟ قال: إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار)، وهذا يدلنا على أن الشقاوة والسعادة سبق بها القضاء والقدر.
ومر بنا حديث ابن مسعود الذي قبل هذا وفيه أنه يكتب: شقي أو سعيد، ومعلوم أن كتابة الشقاوة والسعادة قد حصلت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذا تقدير بعد تقدير، وهو مطابق لذلك التقدير.
следующие страницы →