← Адаб

Адаб · id 37056

الكشف عن مساوي شعر المتنبي

الصاحب بن عباد

Полный текст (48 стр.). Показаны 36–48 · переход к 41.

стр. 36

وهاهنا بيت نرضى باتباعه حكماً فيه، وما ظنك بمحكم مناوئية؛ ثقة بظهور حقه وايراء زنده، وإن لم يكن التحكيم من بعد أبي موسى من جيد الحزم ومرضى العزم، وهو: أطعناك طوع الدهر يا ابن ابن يوسف ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرغم وإن كنا قد حكمناهم فما يبعدهم من أن يفضلوه على قول أبي عبادة: عرف العارفون فضلك بالعل ... م وقال الجهال بالتقليد نعم ويقدمونه على قوله: لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه وبلغني أنه كان إذا أنشد شعر أبي تمام قال: هذا نسج مهلهل وشعر مولد؛ وما أعرف طائيكم هذا. وهو دائب يسرق منه ويأخذ عنه، ثم يخرج ما يسرقه في أقبح معرض كخريدة

стр. 37

ألبست عبادة وعروس جليت في مسوح، ولو آتي على أفراد سرقاته لطال ذلك، لكنه تعرض في هذا المكان على اختصار، ولولا خوف تضييع الأوقات لأطلت في هذا المكان. ومما يتصل بالفن المتقدم: فمن ذلك قوله: عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت وهو العظم عظم من العظم فما أكثر عظام هذا البيت، ولو وقع عليه أبو الكلاب بجميع كلابه وهي جائعة لكان فيه قوت، ومع أنه من قول حبيب بن أو س الطائي: تعظمت عن ذاك التعظم فيهم ... وأوصاك نبل القدر أن تتنبلا وكان الرجل محرباً فقال في صفة الحرب وما تنتج من رعب القلب

стр. 38

فغدا أسيراً قد بللت ثيابه ... بدم وبل ببوله الأفخاذا فكأنه حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرني والآزاذا فلا أدري أكان في حرة الحرب أم في سوق التمارين بالبصرة. ومن افتخاره بنفسه وما عظم الله من قدره قوله: أنا عين المسود الجحجاح ... هيجتني كلابكم بالنباح ولا أدري أهذا البيت أشرف أم قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل وعهدت الأدباء وعندهم أن أبا تمام أفرط في قوله: شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... أس إلا من فضل شيب الفؤاد

стр. 39

فعمد هذا إلى المعنى فأخذ ونقل الشيب إلى الكبد وجعل له خضاباً ونصولاً فقال: إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيباً إذا خضبته سلوه مصلا ومن مبادئه التي تنبئ عن ركوبه لرأسه وعشقه لنفسه قوله: لجنيه أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف وفي هذه القصيدة سقطة عظيمة لا يفطن لها إلا من جمع في علم وزن الشعر بين العروض والذوق وهو: تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف وذلك أن سبيل عروض الطويل أن يقع مفاعلن، وليس

стр. 40

يجوز أن تأتي مفاعلين في العروض إلا إذا كان البيت مصرعاً، اللهم إلا أن يضع هو عروضاً وتكون له دائرة منفردة. وهذه العروض قد ألزمت القبض، لعلل ليس هذا موضع ذكرها، ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على عروض فما نجد له على خطأ مساغاً. ومنها بيت قد حشا تضاعيفه بالضعف وهو: ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف وهؤلاء المتعصبون له لا يقبح عندهم أن ينقشوا هذا البيت على صدر الكعبة وينادي في الناس: قعوا له ساجدين. وله وقد غاص فأخرج جند له:

стр. 41

لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء وأنا أقول: ليت حواء عقمت ولم تأت بمثلهن بل ليت آدم أجفر فلم يكن من نسله. وما أظرف قول الحسن فرحمة الله على آدم ... رحمة من عم ومن خصصا لو كان يدري أنه خارج ... مثلك من إحليله لاختصى ومن تصريفه الحسن وضعه التقييس موضع القياس في قوله: بشر تصور غاية في آية ... تنفي الظنون وتفسد التقييسا ويليه بيت إن لم يسح أصحابه منه سلمنا لهم؛ وهو قوله: وبه يضن على البرية لا بها ... وعليه منها لا عليها يوسى

стр. 42

وليس بالحلو قوله فيها: صدق المخبر عنك ودنك وصفه ... من في العراق يراك في طرسوسا ومما انتصف فيه عند نفسه؛ وكان الباحث عن مديته، والكاشف لعورته؛ قوله: رماني حساس الناس من صائب أسته ... وآخر قطن من يديه الجنادل وقد كنت أسمع رواية المتعلمين بيناً للخيل بن أحمد؛ وهو: لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا فاقتفاه شاعرنا هذا وغبّر في قفاه فقال: ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل وفي رافعي رايته من يشغف بهذا البيت أشد من شغفنا بقول أبي تمام:

стр. 43

أبا جعفر إن الجهالة أمها ... ولود وأم العلم جذاء حائل ومن ترفعه وإفصاحه عن عظيم محله وإبانته عن علو همته قوله: وربما يشهد الطعام معي ... من لا يساوي الخبز الذي أكله وما أدري إلى أين ينخفض قائل هذا المقال في سقوط النفس والسفال. ومن تشبيهانه المتناسبة في الخذلان قوله: وشوق كالتوقد في فؤاد ... كجمر في جوانح كالمحاش ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه (الغاش)، وهذا ما لا أعلم سامعاً باسم الأدب سوغه وسمح فيه فجوزه، وذلك في قوله:

стр. 44

كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش وإن جاز هذا جاز أن يقال: عباس بن عبد المطلب والشماخ بن ضرار تشدد الباء من عباس والميم من الشماخ، على أن ما أورده أشنع من هذا الذي مثلناه؛ إذ كان لفظ (فاعل) يبنى على (فعل) مشدد ولا يزال يركب القول في الصعبة ثقة بالقريحة السمحة، فيبتدئ زاييته بقوله: كفر ندي فرند سيفي الجراز ... لذة العين عدة للبراز حتى إذا امتد به النفس قال: ديوان المتنبي: ١٣٧، وفيه (تقضم الجمر). يقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز

стр. 45

وهذا السكر إذ جمع بينه وبين البرني والازاذ فيما تقدم من شعره تم له الأمر، وليس العجب منه ولكن ممن يظنه معصوماً لا يرى زللا؛ ولا يجد في شعره خللا وفي هذه القصيدة يصف الممدوح ومعرفته بالمديح فيقول ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز وفي أقل مما ذكرنا غني للمصنف، وإن لم يكن في أكثر منه كفاية للمتعسف. ومما دلنا به على حفظه الغريب قوله: جفخت وهم لا يجفخون بهابهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل يريد بالجفخ البذج والفخر؛ من قول الشاعر:

стр. 46

أتوعدني بجفخ بني عمير ... وقد أفحمت شاعر كل حي ومن قول الآخر: أجفخاً إذا ما كنت في الحي آمنا ... وجبناً إذا ما المشرفية سلت وليس هذا بسائغ لمثله؛ وهو ولد قرية ومعلم صبية وله يريد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى بأخرى الخزايا فقال: لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها، والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يركبوا إليهن فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب وأوضع من هذا التبسط. ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا

стр. 47

وكانت الشعراء تصف المآزر وتكني بها عما وراءها تنزيهاً لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد له غيره فقال: إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها وكثير من العهر أحسن من عفاف هذا الشاعر هذه - أيدك الله - مقدمة علقتها ليستدل بها على ما بعدها، ولو أتيت بنظائرها مما أخرجت من شعره لأضجرت القارئ وأمللت السامع، وإن دام هؤلاء الاغمار على النقار لم يعدموا الزيارة ولم يفقدوا الزيادة.

стр. 48

فمن شاء فليعذر ومن شاء فليلم ... فللصدق أولى من وفاق البهائم تمت الرسالة، والحمد الله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله.