← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

نائب قلعة حلب فأرسل السلطان إليه شخصاً من جماعته أعور أعرج وفي يده دبوس خشب ليقول بلسان الحال إنه أخذ حلب بأضعف جنده. وطلع السلطان سليم إلى القلعة فرأى فيها ما أدهشه من مال وسلاح وتحف وكان بها على رواية ابن إياس نحو مائة ألف ألف دينار وثمانمائة ألف دينار. وقال مؤرخو الترك: إنه كان فيها مليون دوكا. ورأى السلطان سليم من أنواع الأسلحة والزينة ما جمعه الغوري من وجوه الظلم والجور والتحف التي أخرجها من الخزائن من ذخائر الملوك السالفين من عهد ملوك الترك حكام مصر والشام الأيوبيين وذلك عدا ما كان في بيوت الأمراء وغيرهم من رجال الدولة. ووجه ابن عثمان الجيش إلى مرعش ففتحها وملك معها ثلاث عشرة قلعة من مملكة الغوري وأحرز ما فيها من مال وسلاح. وذكروا أن العثمانيين عثروا في خيمة الغوري في مرج دابق على مائتي قنطار من الفضة ومائة قنطار من الذهب وفي رواية أن هذه الخزينة كان فيها ما قيمته مليون ليرة وقيل: إنه وجد في قلعة حلب ثلاثمائة ألف ثوب كامل. وأقام السلطان العثماني في حلب ثمانية عشر يوماً وبايعه أهلها بحضور واليها خير بك، وتوجه إليه أمير المؤمنين المتوكل على الله العباسي، وكان جاء مع الغوري من مصر ومعه القضاة الثلاثة فأجلس السلطان الخليفة وجلس بين يديه وخلع عليه وأنعم عليه بمال ورده إلى حلب، ووكل به أن لا يهرب أي إنه أسره بأسلوب لطيف، وصلى الجمعة في الجامع الكبير فأطلق الخطيب على السلطان العثماني لقب خادم الحرمين الشريفين فكان ذلك كما قال راسم فأل خير بأن السلطان سليماً سيكون صاحب دولة إسلامية كبرى. قال: وكان خيره باي خير بك أحد أمراء الغوري استأمن السلطان العثماني لما تقهقر جيش مصر فأنقذ نفسه. وولى السلطان على حلب قراجا باشا. وسار في جيشه إلى حماة وحمص ففتحت له أبوابهما، وبايعه أهلهما على الطاعة كما بايعه أهل طرابلس والقدس. وجاء السلطان دمشق فاستقبله أهلها ورضوا به ملكاً عليهم، فكأنه بدخوله دمشق عاج ببعض بلاده القديمة. قال ابن طولون: وفي يوم الخميس الثامن والعشرين شعبان ٩٢٢ وصل متسلم ملك الروم الأتراك إلى القابون الفوقاني واسمه مصلح ميزان، ثم وجه من يكشفون له هل يسلم أهل دمشق أم يقاتلون،

стр. 492

وقد كانت اتفقت أكابرها ومشايخ الحارات على تسليمها فسلموها. وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين منه دخل نائب دمشق الجديد من قبل ملك الروم واسمه يونس باشا، وخطب في هذا اليوم في الجامع الأموي المولوي ابن فرفور باسم ملك الروم وكذلك في سائر الجوامع، ثم تتابع دخول العسكر، وفي يوم السبت مستهل رمضان منها وصل ملك الروم إلى المصطبة السلطانية بأرض برزة في عساكر عظيمة يقال: إن عددها مائة ألف وثلاثون ألفاً وعزل عن نيابة دمشق يونس باشا وولى مكانه أحمد بن يخشي. وفي يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة وهو خامس شهر كانون الأول ورابع الأربعينيات الشتوية سافر ملك الروم من دمشق إلى مصر لأخذها من يد الشراكسة. مقابلة أمراء البلاد سلطانهم الجديد وتغير الأحكام: قابل الأمراء السلطان سليماً ومنهم الأمير فخر الدين المعني الأول أمير الشوف فخطب أمامه بالنيابة عن أمراء البر خطبة جميلة استمالت بها قلب الفاتح، فأحسن إليه وخلع عليه وسماه سلطان البر وأفضل عليه وعلى رفاقه من الأمراء مثل الأمير جمال الدين الأرسلاني اليمني الذي جعله والياً على بلاد الغرب والأمير عساف التركماني أمير بلاد كسروان وبلاد جبيل، وأمرهم أن يحسنوا السياسة لقومهم وأن يسعوا بكل ما يؤول إلى عمران بلادهم، وقدمت إليه الناس من كل جانب إلا الأمراء التنوخيين القيسيين فإنهم لم يأتوا لأنهم كانوا من حزب الدولة الشركسية. وقال كامل باشا: أن أمير العرب ناصر الدين ابن الحنش وكان عهد إليه الدفاع عن دمشق من قبل الشراكسة قَبِل بالصلح الذي اقترحه عليه خيرباي وخضع للسلطان سليم، فنزل هذا في القصر الأبلق فجاءه محافظو قلاع سورية وأمراء العرب والدروز يعرضون الطاعة له. ويقول ابن إياس: إن الأمير ناصر الدين بن الحنش، أمير عربان حماة لما بلغه أن ابن عثمان أرسل طلائع عسكره وقد وصلت إلى القابون بالقرب من دمشق، لقيهم ابن الحنش وحصل بينه وبين عسكر ابن عثمان مقتلة عظيمة وقتل منهم جماعة وأطلق عليهم الماء من أنهر دمشق حتى صار كل من دخل في تلك المياه بفرسه يوحل فلا يقدر على الخلاص فهلك من عسكر ابن عثمان جماعة كثيرة.

стр. 493

ولما استقرت الحال بالشام ضرب السلطان سليم المكوس على الناس وعلى الأحكام الشرعية فتعطلت الحدود. قال الغزي: ولما بلغ الإمام علي بن محمد المقدسي أن العثمانيين ضربوا الجزية حتى على المومسات تنخع الدم من كبده وتمنى الموت، للقهر الذي أصابه وللغيرة على دين الإسلام وتغير الأحكام وقال في دخول السلطان سليم دمشق هذه الأبيات: ليت شعري من على الشام دعا ... بدعاء خالص قد سمعا فكساه ظلمة مع وحشةٍ ... فهي تبكينا ونبكيها معا قد دعا من مسه الضر من ال ... ظلم والجور اللذين اجتمعا فعلا الحجب دعا فانبعثت ... غارة الله بما قد وقعا فأصاب الشام ما حل بها ... سنة الله التي قد أبدعا هذا ما رواه مؤرخ ذاك العصر، وربما وكان فيما بلغه مبالغة نشأت من تعصب للدولة الشركسية أو رجاء أخفق، وكان يظن أنه يتم على يد ابن عثمان من إقامة الحدود ورفع المظالم شيء كثير في مدة قصيرة، وما خلت دولة مهما بلغ من سخفها وسخف القائمين بها من أنصار لها على الحق والباطل، وكثير من الأمور إذا نظرت إليها من وجهها راقتك، وإذا ملت إلى الوجه القبيح أحصيت عليها بعض العيوب. السلطان في دمشق وفي الطريق لفتح مصر: جهز السلطان سليم جيشه في دمشق وقضى فصل الشتاء فيها يعمر بعض المباني. وقال صولاق زاده: إن السلطان سليماً كان مدة إقامته في دمشق يختلف في الأوقات الخمسة إلى الشيخ محمد بلخشي في جوار جامع بني أُمية وإن السلطان سليماً لما كان يعتقد بالاستمداد من أرواح الأنبياء العظام الطاهرة، وأرباب المقامات الشريفة لم يغفل هذا المقصد مدة إقامته في دمشق، ولما رأى قبر العارف بالله محيي الدين بن عربي قد تداعى وخربت تربته أمر بتعميره على ما يجب، وأنشأ بجواره جامعاً على أجمل طرز، وعمر زاوية بقربه، ووقف على ذلك عدة قرى ومزارع. وقال أيضاً: إن السلطان سليماً صرف الأمراء

стр. 494

والجند فأخذوا دستوراً إلى مواطنهم ليقضوا فيها فصل الشتاء بعد أن استراح اثني عشر يوماً في المصطبة. وذكر ابن طولون أن النائب بدمشق ابن يخشي نادى في ٢ ذي الحجة ٩٢٢ بالأمان والاطمئنان، وأن لا ظلم ولا عدوان، ولا يحمل أحد سلاحاً، وأن لا يتكلم أحد فيما لا يعنيه. سار السلطان عن طريق البر إلى غزة فعصت عليه ففتحها حرباً، والتقى جيش العثمانيين مع جيش المصريين في خان يونس بين غزة والعريش، فشتت الجيش العثماني الجيش المصري، ثم عصت غزة والرملة فقمع ثائر الغزاة فيها، وكانت الوقعة المهمة بين عسكر مصر وعسكر ابن عثمان على الشريعة بالقرب من بيسان اندحر فيها المصريون وقاد جندهم الغزالي. قال ابن طولون: وفي ١٦ ذي الحجة ٩٢٢ التقى سنان باشا الوزير الأعظم لملك الروم مع جان بردي الغزالي وكسر الغزالي فدقت البشائر بقلعة دمشق وسيب بها نفط كثير ثم نادى النائب بالزينة واستمرت مدة أسبوع. ذهب السلطان سليم في جيشه إلى مصر وقتل الملك الذي كان بايع له المصريون بعد هلاك السلطان الغوري واسمه طومان باي، ففتح القطر المصري على أيسر سبب، قال ابن طولون: ولما وردت البشائر بفتح مصر زينت دمشق سبعة أيام ودارت مبشرو الأورام على بيوت الأكابر والحارات بالطبول والنايات ثم أتبعوها بزينة سبعة أيام لما ورد الخبر بأن السلطان سليماً أفنى الشراكسة. وعاد السلطان عن طريق البر إلى الشام بعد تغيبه ثمانية أشهر ودخل دمشق ١١ رجب ٩٢٣ وفي يوم ٢٢ منه طلبت العساكر النزول في البيوت فهجموا على النساء وتضرر الخلق بذلك ضرراً زائداً وتحقق أن السلطان عزم على الإقامة بدمشق فغلت الأسعار وعند ذلك شرع بعمارة تربة ابن عربي وصرف عليها عشرة آلاف دينار. ومن غريب التوفيق أن السلطان سليماً كان أعد في ذهابه إلى مصر خمسين ألف جمل لحمل المياه في الصحراء التي تفصل الشام عن مصر فأمطرت السماء مطراً غزيراً أغنى جيشه من ماء الروايا، وسهل عليه قطع صحراء التيه. وبينا كان السلطان سليم سائراً إلى مصر تأخر من جماعته من في الرملة، أناساً

стр. 495

فشاع الخبر أن أهل المدينة قتلوهم، وبلغ ذلك السلطان فأمر بقتل أهل البلد فقتلوا عن آخرهم ولم يبق فيها ديار ولا نافخ نار. ويقول القرماني: إن السلطان أمر بقتل عامة أهل الرملة عند عودته من مصر وقد بلغه الثقات أن أهلها قتلوا من كان عندهم من العسكر المجروحين. وقال ابن إياس: إن الغزالي لما تلاقى مع سنان باشا على الشريعة أشيع في غزة أن الغزالي قد انتصر على عسكر ابن عثمان وقتل سنان باشا وعسكر ابن عثمان، فبادر على باي دوادار نائب غزة وأجناده فنهبوا وطاق العثمانيين وأحرقوا خيامهم وقتلوا ممن كان في الوطاق والمدينة من العثمانية نحو أربعمائة إنسان ما بين شيوخ وصبيان وممن كان بها مريضاً، فلما ظهر أن الكسرة على عسكر مصر وقتل من قتل من الأمراء رجع سنان باشا إلى غزة فوجد من كان بها قد قتل ونهب الوطاق، فجمع أهل غزة قاطبة وقال لهم: من فعل ذلك بنا؟ قالوا: علي باي دوادار نائب غزة، وأجناد غزة، ولم نفعل نحن شيئاً من ذلك، فأمر سنان باشا بكبس بيوت غزة فوجدوا فيها قماش العثمانية وخيولهم وخيامهم فقال لهم سنان باشا: نحن لما دخلنا غزة هل شوشنا على أحد منكم قالوا: لا. فقال لهم: كيف فعلتم بعسكرنا ذلك، فلم يأتوا بجواب ولا عذر ولا حجة فعند ذلك أمر عسكره أن يلعبوا فيهم بالسيف فقتلوا منهم كثيرين وراح الصالح بالطالح. ونصب السلطان والياً على مصر خير باي نائب حلب، ووالياً على دمشق جان بردي الغزالي نائب حماة، وأضاف إلى هذا القدس وغزة وصفد والكرك، وأما حمص وطرابلس والمدن البحرية فجعلها بأيدي عماله من الأتراك، وبقي الحال على ذلك مدة طويلة. وكانت ولاية دمشق تمتد من المعرة إلى عريش مصر على مال معين قدره مائتا ألف دينار وثلاثون ألف دينار. قال شمس الدين سامي: إن جانبردي الغزالي كان قائداً عاماً للجيش الذي أرسله طومانباي لقتال السلطان سليم فغُلب في الوقعة التي جرت في غزة وفرّ ثم رأى أن يستأمن السلطان سليماً ويخدمه، فأعانه على قهر طومانباي وفتح مصر ثم كان سبباً لقتل طومانباي. ومكافأة لخدمته نصبه السلطان والياً على دمشق، أما حلب فقد نصب عليها قره جه أحمد باشا ودام فيها والياً ثلاث عشرة سنة لغنائه وكفايته في خدمة دولته.

стр. 496

فتوق وغارات وتأذي السكان: ولما مهد السلطان سليم الديار الشامية والمصرية عصى عليه محمد بن الحنش المتغلب على صيدا والبقاعين وشيخ الأعراب ٩٢٤ ثم هرب واتهم الأمير زين الدين والأمير قرقماز والأمير علم الدين سليمان أنهم من حزبه فقبض عليهم الغزالي وبعث برأس ابن الحنش ورأس ابن الحرفوش إلى السلطان سليم في حلب وأطلق سراح هؤلاء المعتقلين، وكان ابن الحنش كثير العصيان على نواب حلب وعلى سلاطين مصر. ولما ملك ابن عثمان دمشق امتنع من مقابلته، ثم اضطربت أحوال جبل نابلس وصار العربان ينهبون الضياع التي حول حاضرتها ويقتلون أهلها. وفي مدة إقامة السلطان سليم في حلب لدن عودته من فتح دمشق ومصر قتل بعض أشرار حارة بانقوسا، ولما بلغه أن الشاه إسماعيل الصفوي يريد أن يهاجم حلب أخذ يطيب خاطر الحلبيين ورفع عنهم ما كان أثقل كواهلهم به من الضرائب والمكوس وأنشأ يعنى بتحصين حلب. ومن أعمال الغزالي استيلاء العربان ٩٢٥ على الحاج الشامي فخرج إليهم ومعه نائب غزة ونائب الكرك، فاقتتل مع العربان وقتل منهم جماعة وغنم أموالهم. وفي السنة التالية أتى الفرنج إلى ساحل بيروت وحاصروا من بها فكسروهم وملكوا بيروت وظلوا فيها ثلاثة أيام، فلما بلغ نائب الشام ذلك عين دواداره ومعه الجمّ الكثير من العساكر فتوجهوا إلى بيروت واقتتلوا مع الفرنج. وكان بين الفريقين واقعة قتل فيها كثير منهم وأُسر ثلاثمائة إنسان منهم وغنموا منهم أشياء كثيرة من سلاح وقماش، وقيل: أسروا جماعة من أولاد الملوك الفرنج وملكوا ثلاثة من كبار مراكبهم. ويقول ابن طولون: إنه قتل من المسلمين مائة ومن الفرنج أربعمائة جاءوا في زي الأورام وجيء برؤوس الإفرنج إلى دمشق ٩٢٦.

стр. 497

وفي ذهاب السلطان إلى مصر وعودته إلى الشام قاسى الشاميون من اعتداء جنده كثيراً، فقطع الأجناد الأشجار ورعوا الزروع وأخرجوا أهلها من بيوتهم في كل بلد واحتلوا وتعدوا على أعراض الناس، فتضرر الناس بذلك وعرفوا أنهم أخطئوا في نفض أيديهم من أيدي الشراكسة لأول ما بدا لهم من قوة العثمانيين، وخاب رجاؤهم في أن تغيير الدول قد يكون منه رحمة، خابت الظنون لما جاء دور العمليات وغلط في الحساب من كانوا يتوقعون من الدولة الجديدة كل الخير وأن الحظ يحظهم متى خفقت أعلامها عليهم، وكانوا يرقبون طلعة العثمانيين منذ سنين رقبة هلال العيد، للاستمتاع بحكمهم الرشيد وعهدهم السعيد، ولطالما ساء فأل من يهتمون للأمر الجديد، ويفتحون له قلوبهم وصدورهم بادئ الرأي مع علمهم أحياناً بتهورهم، وأي فشل أعظم لمن كانوا يطلعون الدولة الخالفة على عورات الدولة السالفة، حباً بأن يكون لهم شيء من الراحة والهناء إذا تغيرت الدولة. محاسن السلطان سليم ومساويه ومهلكه: صرف السلطان سليم سنة وشهراً في فتح الشام ومصر وهلك بعد مغادرته القطرين بنحو ثلاث سنين ٩٢٦ وقد بالغ مؤرخو الترك في وصف فضائله خصوصاً من كتبوا بلسان الرسميات. وكثيراً ما يكون في الروايات الرسمية نظر كبير إذا وضعت على محك النقد التاريخي. وكان مؤرخو العرب أقرب إلى الثقة في وصف هذا الفاتح الذي هو بلا أمراء نابغة العثمانيين أو من نوابغهم بعد محمد الفاتح. ترجمه النجم الغزي في الكواكب السائرة بقوله: كان السلطان سليم سلطاناً قهاراً، وملكاً جباراً، قوي البطش، كثير السفك، شديد التوجه إلى أهل النجدة والبأس، عظيم التجسس عن أخبار الملوك والناس، وربما غير لباسه وتجسس ليلاً ونهاراً، وكان شديد اليقظة والتحفظ، يحب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك، وله نظم بالفارسية والرومية التركية والعربية. ومما قال ابن إياس فيه: إنه لم يجلس بقلعة الجبل بمصر على سرير الملك جلوساً عاماً، ولا رآه أحد، ولا أنصف مظلوماً من ظالم، بل كان مشغوفاً

стр. 498

بلذته وسكره، وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد، ويجعل الحكم لوزرائه بما يختارونه، فكان ابن عثمان لا يظهر إلا عند سفك دماء الشراكسة، وما كان له أمان، وكلامه ناقض ومنقوض، لا يثبت على قول واحد كقول الملوك وعادتهم في أفعالهم. وقال أيضاً: إن السلطان سليماً قتل يونس باشا الصدر الأعظم وكان مقرباً جداً عنده ولكن ابن عثمان ليس له صاحب ولا صديق ولا أمان منه لأحد من وزرائه ولا من عسكره ومن طبعه الرهج الشغب والفتنة والخفة، ويحب سفك الدماء ولو كان لولده، ويقال: إنه قتل أباه واخوته، لأجل مملكة الروم، وآخر الأمر إنه قتل يونس باشا لكونه صار له عليه يد قديمة. وفي الواقع أن السلطان سليماً قتل وزيره حسن باشا في رحيله إلى مصر لأن هذا لاحظ أن في قطع الصحراء هلاك الجيش فضرب السلطان عنقه، ولما غادر السلطان مصر وألف جمل تحمل أمامه منها إلى الأستانة ما غنمه من الذهب والفضة قتل وزيره الآخر يونس باشا في صحراء قطبة والسبب في ذلك أن السلطان اقترب من الصدر الأعظم وهو سائر معه وقال له: أرأيت كيف مصر الآن وراءنا وغداً نبلغ غزة. فلم يتمالك الصدر أن أجاب السلطان: نعم ولكن أي ثمرة حصلت من هذا التعب والمشقة، إن لم يكن هلاك نصف الجيش السلطاني في الحروب ووسط الرمال، وبقيت حكومة مصر بعد هذا في أيدي الخونة. فلما قال الصدر ذلك استشاط السلطان غضباً فضرب عنق الوزير في الحال ودفن في الخان الذي كان أنشأه بين مصر والشام يونس بن عبد الله التركي الدوادار بالقرب من غزة، فدفن يونس باشا في خان سميه يونس الدوادار، وعهد السلطان بالصدارة إلى بيري باشا. وقال الشرقاوي: إن خير بك لما دفع إلى السلطان سليم مفاتيح مصر ردها عليه وولاه عليها إلى أن يموت فشاوره على أن أبناء الشراكسة يريدون الدخول في جملة الأجناد فأجازه بذلك، وشاوره في إبقاء أوقاف الشراكسة وهي نحو عشرة قراريط من أرض مصر فأجازه بإبقائها على ما كانت عليه، فتشوش وزيره وقال: فني مالنا وعساكرنا، وتبقى لهم أوقافهم يستعينون علينا بها، فقال السلطان سليم: أين الجلاد وكانت إحدى رجليه في الركاب فضرب عنق

стр. 499

الوزير ووضع رجله الثانية في الركاب. وقال: عاهدناهم على أنهم إن مكنونا من بلادهم أبقيناهم عليها وجعلناهم أمراءها، فهل يجوز لنا أن نخون العهد ونغدر؟ وإذا أدخلنا أبناءهم في جندنا فهم أولاد مسلمين ويغارون على ديارهم، وأما أراضيهم فأصلها ملك القائمين ومنهم من وقف معهم من قامت ذريته عليه من بعده، فهل يجوز أن ننازع الملاك في أملاكهم؟ وأنا أزلت الوزير كراهة أن يغير عليَّ اعتقادي بتكرار كلامه اه. كان القتل عند السلطان سليم أسهل أمر وألطفه، وكان شديداً جداً على وزرائه قتل منهم سبعة لأسباب تافهة. وقال القرماني: إنه خنق اخوته وغيرهم من أهل بيته وعددهم سبعة عشر نفراً وذلك حين توليه الملك وجرى عند الأتراك في حكم الأمثال قولهم: من أراد الموت فليكن وزيراً للسلطان سليم، لأن لقب وزير كان شهادة على الموت العاجل. وقال صولاق زاده: في عصر سليم كان الوزراء أبداً عرضة للتنحية ثم للقتل بعد شهر من تنصيبهم، ولذلك اعتادوا أن يحملوا معهم صكوك وصاياهم، وكلما كانوا يخرجون من مجلس السلطان يعتقدون أنهم عادوا إلى الحياة بعد الموت. وقد وصفه فوسكولو المؤرخ البندقي بأنه أقسى قلباً لا يحلم بغير الفتوح والحرب اه. ولم يكن السلطان سليم يراعي من جميع رجاله إلا المفتي الأعظم زنبيللي علي أفندي، وكان هذا قوالا بالحق وكثيراً ما كان يرده عن مظالمه، ويحول بينه وبين إزهاق النفوس بلا حق، وقد أنقذ بعمله من القتل مئات من البشر، وهذا المفتي العظيم تولى مشيخة الإسلام ستاً وعشرين سنة على عهد ثلاثة سلاطين وهم بايزيد الثاني وسليم الأول وسليمان الأول. لم يطل عهد هذا الفاتح الجبار أكثر من ثماني سنين وثمانية أشهر، ولم يعمل في الشام إلا أن أقرَّ القديم على قدمه في أُسلوب الأحكام، وغنم ما تيسر من ثروة المماليك والأغنياء، وزاد في الضرائب والمكوس، ونصب حكاماً ممن استأمنوا إليه أو خانوا الدولة الأولى وتقربوا إليه منذ دخل حلب ووضع قيد الأسر للخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله آخر خلفاء بني العباس بمصر، وأخذه معه لما انصرف إلى الأستانة، ثم ألقى الاختلاف بينه وبين أولاد عمه أبي بكر وأحمد. وقال ابن إياس: إن السلطان سليماً تغير خاطره على الخليفة

стр. 500

المتوكل على الله وأرسله إلى مكان عسر يقال له الست أبراج والمظنون أنه كان هناك آخر العهد به فقتله وأشاع بين الملإ أنه مات، ولا يستكثر ذلك من ملك قتل أباه لأجل الملك فضلاً عن اخوته وآله. ويقول نامق كمال: إن الخليفة العباسي قد تخلى لآل عثمان عن حقه في الخلافة في جامع أياصوفيا علناً. وفي رواية أن الخليفة بقي إلى زمن السلطان سليمان وأنه أطلق من سجنه ووسع عليه وقال بعضهم: إنه أذن له بالسفر إلى مصر فسافر إليها ومات بها. وروى المؤرخون أن السلطان سليماً كان يريد أن يعمل عملاً نافعاً للأمة بأسرها. كان ينوي أن يجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية بدلاً من التركية فعاجلته المنية قبل إتمام هذا العمل الجليل. والغالب أنه نشأ له هذا الفكر يوم افتتح مصر والشام وخطب له في الحرمين الشريفين فسمي فاتح ممالك العرب، فرأى أن العرب في مملكته أصبحوا قوة لا يستهان بها، وأن الترك هم عنصر الدولة الأصلي لا يشق عليهم أن يستعربوا دع سائر العناصر من البشناق والأرناءوط والكرد واللاز والشركس والكرج. ولو وفق السلطان سليم إلى إنفاذ هذه الأمنية لخلصت الدولة العثمانية في القرون التالية من مشاكل عظيمة، ودخلت في جملة العرب عناصر كثيرة مهمة، ولزاد انتشار اللغة العربية فأصبحت الأستانة موطناً لها كما كانت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة. خارجي خان أولاً وثانياً: أصبحت الشام بالفتح العثماني آمنة غزوات الشمال والشرق والجنوب، وصارت بين أملاك الدولة الفاتحة فأمنت من هذه الوجهة ولكن أصبح أعداؤها في داخلها ومن أهل دولتها. فتحت الشام ومصر في وقعتين مهمتين وما عداهما فمناوشات لا يؤبه لها. فلما رحلت القوة وخلا الجو لجان بردي الغزالي نائب دمشق حدثته نفسه بالخروج عن الطاعة وصعب على طبعه إلا أن يخون سيده الثاني كما خان سيده الأول: ومن يتعود عادة ينجذي لها ... على الكره منه والعوائد أملك ففاوض بعض أمراء لبنان والعربان فوعدوه أن يمالئوه على عمله، ودعا لنفسه بالسلطنة في دمشق وبايعه الناس على ذلك طوعاً أو كرهاً، ووافقه على

стр. 501

عصيانه الأعراب والمماليك ولقب نفسه بالملك الأشرف صاحب الفتوحات، وزينت له دمشق ثلاثة أيام وأوقدت له الشموع على الدكاكين، وقبل له الأمراء الأرض وقد جمع العسكر الكثير، وخطب باسمه على منابر دمشق وضربت السكة باسمه على الذهب والفضة. وأرسل إلى أمير الأمراء بمصر ليقوم معه لنزع حكم العثمانيين عن مصر والشام فنمَّ عليه للسلطان، فقام الغزالي وحده مدفوعاً بتنشيط زعانف السكان والمماليك والعربان والأكراد أتباع كل ناعق، وكثر الملتفون عليه حتى تسحب المماليك إليه من مصر وكثروا سواده. وذكروا أن من اجتمع عليه من الجند كان خمسة عشر ألفاً من المماليك والتركمان وثمانية آلاف ممن يضربون البنادق. ولما بلغ قراجه باشا والي حلب موت السلطان كان بعسكره في حيلان فرجع إلى حلب وحصنها واستخدم خلقاً كل إنسان بثلاثمائة درهم، وأنفق عليهم من مال السلطان شهرين، وأعطى الانكشارية كل واحد ألفين والاصباهية كل واحد ألفاً زيادة على الراتب، وخرج إلى قرية سرمين وقرية داريخ ونهبهما، فخرج إليه أمير شيزر من جهة الغزالي فأخذ منه جميع المكسب وغنم منه جماعة وجهز رؤوسهم إلى دمشق، ودخل نائب حلب إليها مكسوراً ووصل عسكر الغزالي إلى الأنصاري وخرج إليه عسكر حلب. فأرسلت الدولة على الغزالي فرهاد باشا في ثمانية آلاف انكشاري عدا من انضم إليه من قوى الأناضول وكان معهم ثمانية عشر مدفعاً كبيراً. سار الغزالي إلى حلب ليستولي عليها فحاصرها مدة ولم يقدر عليها لصدق أهلها في قتاله، وداهمه الجيش العثماني بما أتاه من المدد فانكسر، وجاء إلى حماة فتبعه العسكر العثماني واقتتلوا معه فهرب منهم، وقصد التوجه إلى دمشق وخرَّب في طريقه قناطر الرستن على العاصي فتبعوه فكانت بين الفريقين معركة دارت خارج دمشق قتل فيها نحو عشرة آلاف إنسان وقيل أكثر من ذلك، بينهم عربان ومماليك وجماعة من عوام دمشق وفيهم أطفال وصغار من أهل الضياع وغيرهم ممن حضر القتال. قال ابن إياس: وكانت هذه الوقعة تقرب من وقعة تيمورلنك لما ملك الشام وجرى منه ما جرى من قتل ونهب وسبي وحرق ضياع وما أبقوا في ذلك ممكناً. وليس الخبر كالعيان.

стр. 502

ثم نودي في دمشق بالأمان سنة ٩٢٧ وقد خرب نحو ثلثها من ضياع وحارات وأسواق وبيوت، وأصاب حلب وحماة وحمص من خراب القرى وهلاك الأنفس وذهاب الأموال شيء كثير. كان الغزالي لما جاء دمشق مهزوماً من الجيش العثماني قتل خمسة آلاف انكشاري جعلهم السلطان سليم حامية عندما فتحها، وذلك مخافة أن يلتحقوا بجيش فرهاد باشا فأولم لهم وليمة وقتلهم على بكرة أبيهم شر قتلة. ثم دارت الدائرة عليه وتشتت جيشه فقتله خازن أمواله وجاء برأسه إلى القائد التركي، فذهب ودولته الموهومة لم ينل الشام منه إلا الضغط والشدة بعدها. قال المقار: إن الغزالي استولى على دمشق وطرابلس وحمص وحماة وحلب وخطب له بالجامع الأموي بأنه سلطان الحرمين الشريفين ولقب بالأشرف، وأن الدولة أرسلت عليه جيشاً من ثلاثين ألفاً وأربعة آلاف انكشاري ومعهم مائة وثمانون عربة، فالتقى عسكره وعسكرها عند قرية الدوير، وتواصل العسكر الرومي وركب السلطان من المصطبة ببقية عسكره فما كان لحظة حتى انكسر وقطع رأسه، ثم تلاحق العسكر الرومي ببقية العسكر الهاربين إلى الصالحية ونواحي دمشق وارتجف الناس رجفة عظيمة وقتل من شباب الصالحية نحو الخمسين ومن كل حارة نحو المائة وكذا من القرى، وقيل: إن عدد القتلى ٧٠٧٠، وهجم العسكر على الصالحية والأحياء والقرى، فكسروا الأبواب وحواصلها وبيوتها ودكاكينها وغير ذلك وآذوا النساء فضلاً عن الرجال فلم يحترموا صوفياً ولا فقهياً ولا كبيراً، وكانت النساء قد اجتمعن بجامع الحنابلة ومدرسة أبي عمر وغيرهما فهجموا عليهن وعروهن وأخذوا بعض نساء وجوارٍ وعبيد وصبيان، وجهز الباشا رأس الغزالي ومعه نحو ألف أذن من المقتولين إلى السلطان سليمان. وبعد هذه الوقعة اقتسم العثمانيون نيابات الشام فجعل إياس باشا في دمشق، وفرحات بك في طرابلس، وقره موسى في غزة. أما فرهاد باشا فاتح الشام ثانية ومنقذها من الغزالي فقد ضج الناس من شدته وبأسه وتمثيله بالبريء والمجرم على السواء.

стр. 503

طبيعة الدولة العثمانية: بقي أرباب المقاطعات في الدولة العثمانية كما كانوا في دولة المماليك. يضمنون الجراج مقابل أموال يتعهدون بها، ويعرقون اللحم والعظم بعد ذلك لحسابهم، مثل أمير عرب الشام مدلج بن ظاهر بن آل جبار وكانت منازل قومه في سلمية وعانة والحديثة، والأمير فخر الدين المعني الأول حاكم الشوف، وجمال الدين الأرسلاني حاكم الغرب، وبني شهاب في وادي التيم، وبني الحرفوش في بعلبك، وبني ساعد أُمراء البر وحوران وعجلون وغيرهم في غيرها، وكلهم أشبه بأمراء صغار يخضعون الخضوع التام لحكام المدن، والمقتدر منهم الذي كان على صلات حسنة مع الوالي التركي القريب من عمله، ومن يجعل له وكيلاً يرجع إليه في أعماله في دار السلطنة، وإذا غضب الوالي على الأمير المتغلب يرسل عليه جيشاً من الانكشارية كما فعل والي دمشق سنة ٩٣٠ مع أمير الشوف، فيخرّب العسكر قراه ويستصفي أمواله ويأسر أهله ورجاله ويسبي نساءه، فعلوا ذلك مرات في لبنان والبقاع وبعلبك ووادي التيم وغيرها، وينشأ هذا الغضب من تأخرهم عن تأدية الجراج، أما المظالم التي تنزل بالناس فحدث ما شئت أن تحدث عنها. كان من قواعد الدولة العثمانية إذا فتحت مصراً أن تولي أمورها الكبرى لولاتها وقضاتها والصغرى لأبناء البلد المفتوح، وتلقي حبلها على غاربها لا تهتم لتنظيمها اهتمامها لفتح أراض جديدة، وإذ كان الولاة يبتاعون مناصبهم على الأغلب بالمزاد في دار الملك، كان المزايدون في الأكثر من الساقطين في أخلاقهم، لا يتأخرون عن ارتكاب كل محرم ليسلبوا الرعية ما أمكن فيملئوا خزائنهم وخزائن من حملوهم على رقاب الأمة. وساعد على إيغال العمال في الفساد قلة المواصلات، وبعد دار السلطنة عن أكثر الولايات، فبين دمشق والأستانة مثلاً ١١٠٠ كيلومتراً و ٣٨٦ ساعة، وإن قدّر لأرباب الظلامات فوصلوا العاصمة رغم هذه المصاعب لبث شكواهم إلى السلطان، كان بعض أصحاب الشأن يحولون دون ذلك، فكانت الشام كله يستأثر بها والٍ أو واليان يحكمان فيها بحسب مزاجهما بدون مراقب إلا من ذمتهما، فإذا

стр. 504

كانا ممن تجردا منها فهناك البؤس والنحس، وضياع الحقوق وفساد النظام. قال جودت في تاريخه: إن الدولة العلية لما انتقلت من دور البداوة إلى دور الحضارة لم يتخذ رجالها الأسباب اللازمة لهذا الانتقال، وحصروا أوقاتهم في حظوظ أنفسهم وشهواتهم، يقيمون في العاصمة القصور الفخمة، ويفرشونها بأنواع الأثاث والرياش مما لا يتناسب مع راوتبهم فاضطروا إلى الارتشاء وبيع المناصب بالمال وتلزيم الأقاليم وإقطاعها بالأثمان الفاحشة، فضاق ذرع الأهلين، واضطر كثير من أهل الذمة أن يهجروا الأرض العثمانية إلى الخارج، وترك غيرهم القرى وجاء الآستانة فراراً من الظلم فلم يبق مكان في الآستانة، وتلاصقت الدور وتضايقت أنفاس الناس وكثر الحريق والأوبئة، وصعب تدارك ما يلزم هذه المدينة الضخمة من الحبوب فأصبحت الحكومة تأتي بها من القاصية، والتجارة ليست من شأن الحكومة اه. من أمثال الترك السمكة تفسد من رأسها، وحقيقة أن فساد الولايات كان ينبعث من العاصمة أيام كان يقبض فيها على زمام الأحكام غالباً جهلاء ظلام وصموا بسلب الناس بكل حيلة، حتى ينعموا بما يجمعون في قصورهم ومصايفهم على ضفاف الخليج والمضيق في فروق. وإذا صادفت العناية أن تولى الصدارة رجال عظام على شيء من حسن الإدارة وقوة الإرادة، فإن رئاسة النظار كثيراً ما تولاها في السلطنة العثمانية الندماء والسخفاء بل الطباخون والطبالون والمزينون والبساتنة وغيرهم من المقربين من نساء القصر الملوكي، أو الزنوج الخصيان الذين كانوا يولون ويعزلون كما يشاءون ويشاء ضيق عقولهم. ولا عجب في حكومة هذا شأن نصب الرئيس فيها إذا كان الوزراء والعمال على هذا النحو، فلطالما ولي المشيخة الإسلامية في الترك أغبياء أدنياء في منشئهم ومسلكهم ممن ليس لهم من العلم الديني إلا قشوره وشارة أهله وعلى نسبة وسائط بعضهم وكثرة ما يعرف من المقربين من السلاطين كان ارتقاء أحدهم إلى المناصب العليا، وهذه الطبقة لا تقرب إلا من كانوا على شاكلتها من الجهل والفساد. ومثل هؤلاء الرجال إذا كان لهم قوة يستندون

стр. 505

إليها وهي جيش الانكشارية فهناك الخراب بلفظه ومعناه. فإن هذا الجيش الذي قدم للدولة لأول أمره خدمات جلى وفتحت به الفتوحات عاد فمحق باختلاله واعتدائه على الرعايا كل حسنة سلفت له. ولئن خلف السلطان سليماً ابنه السلطان سليمان القانوني وهو العاشر من ملوك آل عثمان سنة ٩٢٦ وكان على جانب من العقل وحب القانون، إلا أن الشام أصبحت في أيامه الطويلة التي دامت ٤٨ سنة في معزل لأن السلطان مشغول بفتوحاته حارب اثنتي عشرة مرة وخرج في أكثرها ظافراً، فلا يهمه كأكثر أجداده وأحفاده من كل ما يفتح إلا أن تضرب السكة وتقام الخطبة باسمه وتجبى الجبايات ولا يتأخر الولاة عن إنفاذها إلى دار الملك، فكانت الشام جزءاً صغيراً بالنسبة لضخامة ملكه، فلم ينلها منه شيء من العدل والإشراف ينسيها ما لاقته في القرن السالف من التقلقل والانحلال. وكان السلطان سليمان بطاشا كأبيه ولكن لم يشتهر شهرته، هاج مرة أهل حلب في أوائل حكمه وقتلوا في الجامع القاضي والمفتي فصدرت إرادته السنية بقتل جميع أهل حلب لولا أن كان في الصدارة إذ ذاك رجل عاقل اسمه إبراهيم باشا، فألغى هذا الأمر البربري واكتفى بقتل زعماء الثورة. وإبراهيم باشا كان على جانب من الأخلاق الحسنة والذكاء تولى الصدارة من سنة ٩٢٩ - ٩٤٢ أي ١٧ سنة وقام بإصلاحات مهمة ثم قتله السلطان وندم على قتله، ولا عجب إذا استسهل سليمان القتل فقد قتل ابنه الأكبر مصطفى وحفيده وابنه بايزيد وأولاده الخمسة على أفظع صورة. كوائن داخلية وأمراء المقاطعات: ومن الأحداث في الشام بعد فتنة الغزالي ما وقع في سنة ٩٢٧ من ثورة جماعة من عربان دمشق على النائب اياس باشا، خرج إليهم فانكسر وجرح ورد إلى دمشق وهو مكسور وقتل من عساكر دمشق كثير ومن عربان نابلس أيضاً، وكانت فتنة بدمشق. وفي سنة ٩٢٨ كان مقتل حسن وحسين أولاد الأمير عساف في بيروت، وذلك لما كان من الاختلاف بينهما وبين أخيهما الأمير قائد بيه على الحكم فتوسط بينهما حتى طلبا الصلح ونزلا على أخيهما قائد بيه

стр. 506

فغدر بهما وقتلهما فحكم قائد بيه جبل كسروان حتى مات سنة ٩٣٠ وخلفه الأمير منصور ابن أخي الأمير حسن وامتد حكمه إلى عكار. وكانت طرابلس بيد النواب يستأجرها محمد أغا شعيب من أهل عرقة ويستأجر الأمير منصور جبيل والبترون وجبة بشرة والكورة والزاوية والضنية. وفي سنة ٩٣٠ جهز والي دمشق خرم باشا حملة لقتال الدروز في الشوف فانتصر عليهم وأحرق قرية الباروك وثلاثاً وأربعين قرية، وأرسل إلى دمشق أربعة أحمال من رؤوسهم فعلقت على القلعة ورجع ومعه مجلدات من كتب الدروز، ثم أرسل أربعة أحمال من رؤوسهم وأحرق نحو ثلاثين قرية ونهب قرية البرج وسبى نحو ٣٦٠ من النساء والأطفال وغنم ما لا يحصى من البقر والجمال والغنم وغير ذلك. وفي سنة ٩٣٥ وقع قتال بين أولاد شعيب وأولاد سيفا أمير التركمان وقتل علي الشعيبي في عرقة وتولى أولاد سيفا عكار، ثم قتلوا محمد آغا شعيب حاكم طرابلس قدام القاضي فأعطاهم القاضي فتوى بأنهم أبرياء من دمه وأنه هو ألزمهم بذلك. وفي سنة ٩٤٠ وقعت فتنة أهلية في العاقورة وجبة المنيطرة في لبنان نشأت من خصام بين مالك اليمني وهاشم العجمي من مشايخ العاقورة، وكثرت الدسائس بين بني الحرفوش أمراء بعلبك وآل سيفا حكام طرابلس، وأخذ أبناء العم يقتلون أولاد عمهم للاستئثار بالإمارة، وخربت بعض تلك الديار ومن القرى ما نزح سكانه عنه. قال الشهابي: وكبر قدر بني حبيش عند ابن سيفا وصاروا متصرفين في تدبير حكمه وبقيت العاقورة خراباً سبع سنين لم يقطن فيها أحد. ثم إن القيسية سكنوا في طرابلس واستحصل اليمنية أمراً من نائب دمشق ورجعوا فبنوا العاقورة ثانية وفي سنة ٩٥١ توفي الأمير فخر الدين بن عثمان بن معن الذي حكم من حدود يافا إلى طرابلس وبني بنايات وقلاعاً عظيمة واستراح الناس في حكمه وأطاعته العرب وخلفه ولده الأمير قرقماز، وبعد وفاة فخر الدين امتد حكم الأمير منصور بن عساف من نهر الكلب ببيروت إلى حدود حمص وحماة وقوي بماله ورجاله.

стр. 507

مهلك السلطان سليمان وتولي سليم السكّير: توفي سليمان القانوني سنة ٩٧٤ ولا شأن للشام في عهده إلا أن تظهر شعورها بأخبار انتصاراته وغاراته، وفتح قلاعه ومعاقله التي كان يملأها بجند الانكشارية ولكي يكون له جيش دائم على استعداد للحرب كل ساعة كان يقتضي له من النفقات الباهظة ما تنوء به قوة الرعايا، كان أهل الإسلام يودون بعد تكبير رقعة الملك في آسيا أن تصح إرادة الدولة على فتح فارس وقد بدت أمارات الهرم فيها فتتصل بالهند، وذلك خير من أن تفتح المجر وتحارب إمبراطور ألمانيا وتؤلب عليها دول أوربا. ذكر ضياء باشا أن الأتراك بددوا شملهم في الحروب والقلاع والأرجاء البعيدة وجعلوا أنفسهم في أوربا وراء سور من المرابطين يقلي علمهم وتربيتهم يوماً فيوماً، وفيه أمم من الخرواتيين والبلغار والروم لم تختر ملة الإسلام، وفي آسيا العرب والأكراد والزيدية والشيعة نشئوا وكبروا ببذر الفساد الذي بذره الشاه إسماعيل، فكان الأولون خصماء للإسلام والآخرون خصوم الأتراك، كانت مناداتهم بنصر السلطان من الألسن لا من القلوب اه. خلف السلطان سليمان ابنه سليم الثاني، وهذا لم يذكر اسمه في الشام إلا على منابرها فقط لأنه كان شريباً خميراً حتى لقب بسليم السكير وله من أعمال الخلاعة ما يخجل منه، ولم يخرج من الآستانة للغزاة، وهو أول ملك من آل عثمان تخلى عن الحراب بنفسه، ومات على سريره في قصره، على حين كان أجداده يموتون في الحرب وفي طريق الغزو والفتح. وفي أيام سليم الثاني فتحت قبرس وكانت للبنادقة وهلك وأسر من أهلها نحو ثلاثمائة ألف إنسان في بعض الروايات. هلك سليم الثاني سنة ٩٨٢ بعد أن حكم ثماني سنين وستة أشهر وخنقوا أولاده الخمسة يوم دفنه على ما جرت بذلك عوائدهم القبيحة. وفي أيامه جاء أمثال محمد الباشا الصقللي من الصدور العظام، الذي تدارك بعمله الدولة من السقوط بما قام به من الإصلاحات، وأهمها إثخانه في العصاة وأرباب الدعارة، وجاء غيره من الرجال الذين يعدهم الأتراك من العظام. ولكن الشام لم تر

стр. 508

طلعة هذا الملك كما أنها لم تشهد من والده من قبل شيئا من خطط الإصلاح ولا من القوانين النافعة، ولا شاهدتهم أو وكلاءهم يشرفون على الشام ليرفعوا الضيم عن أهله، وفي عهده ٩٨٠ وزع القشلق أي العساكر المشتية على الشام ونهب عسكر الدولة لبنان وما إليه وسلبوا سائمته وأسرفوا في الظلم، حتى كادت الناس تسأل الموت لنفوسها، وأقفرت في لبنان قرى كثيرة وفي الدر المنظوم أنه قتل من الموارنة في تلك المعمعة نحو ثلاثين ألفاً كذا عدا الذين قتلوا في ليماسول في جزيرة قبرس حين حاصرها الأتراك وفتحت سنة ٩٧٨. عهد السلطان مراد الثالث وحملات على أرباب الدعارة: وفي سنة ٩٨٢ تولى الملك مراد الثالث فقتل اخوته الأربعة وكانت همته مصروفة إلى توسيع حدود مملكته أيضاً وفي أيامه ٩٩١ وجه عسكراً إلى لبنان لحرب الموارنة للشكاوي التي قدمت إليه من طائفة الروم في سواحل طرابلس بأنهم أخربوا تلك الكور. وفي سنة ٩٩٣ ولي السلطان خسرو باشا إيالة الشام وجاء دمشق وتخاصم مع محمد علي باشا الوند الوالي السابق مدة شهر، ثم استقرت الحال على تولية علي باشا وانفصل خسرو باشا، وكانت مدة ولايته سبعة أشهر فعزل ثم خلفه جامورجي محمد باشا وبقي في الولاية أربعة أشهر ثم خلفه علي باشا مرة ثانية وبقي والياً أربعة أشهر. وفيها سرقت الخزينة السلطانية في جون عكار في طريقها من مصر إلى الآستانة فوجهت الدولة إبراهيم باشا وضربت على أيدي المعتدين، وسار جعفر باشا حاكم طرابلس وأحرق إقليم عكار، وتقدمت الشكايات من حاكم طرابلس على الأمير محمد بن عساف وعلى أمراء الدروز بأنهم هم الذين سلبوا الخزينة، فسار إليهم إبراهيم باشا ولما وصل إلى عين صوفر حضر إليه عقال الدروز فغدر بهم وقتل منهم نحو ستمائة رجل. ويقول كامل باشا: إن إبراهيم باشا لما جاء من مصر إلى الشام كان في عشرين ألف جندي ودعا أمراء الدروز إلى المعسكر فأبى ابن معن أن يجيب الدعوة لأن والي دمشق مصطفى باشا كان استدعى أباه وغدر به وقتله فأقسم هو ألا يجيب دعوة أحد من رجال العثمانيين، فأحرق الجيش العثماني ٢٤ قرية من قرى ابن معن وقتل الدروز القائد أويس باشا مع خمسمائة

стр. 509

من جنده، وطلب إبراهيم باشا ترحيله فأرسل إليه ابن معن مئة ألف دوكا و٤٨٠ بندقية وخيلاً وأشياء ثمينة، ولما تسلمها الوزير العثماني أمر بإحراق ١٩ قرية من قرى ابن معن وأعدم ثلاثمائة من رجاله، وفي خلال ذلك كان الأسطول العثماني أخرج إلى صيدا أربعة آلاف جندي وضرب الساحل وأخذ ثلاثة آلاف أسير. قال البوريني: إن إبراهيم باشا لما خرج من مصر خرج بأموال عظيمة وتحف كثيرة منها أنه جعل للسلطان مراد تختاً من الذهب مرصعاً بالجواهر العظيمة ورجع ومعه عساكر مصر، وجمع عساكر الشام وحاكمها إذ ذاك أويس باشا وكبس جبل الشوف فقتل ونهب وحرق وأخذ منهم أموالا جمة وحاصرهم محاصرة عظيمة حتى إن أميرهم قرقماز بن معن مات قهراً. وفي سنة ٩٤٤ أراد جماعة من أقارب الأمير علي الحرفوش صاحب بعلبك أن ينزعوا حكومتها من يد أبي علي الشهير بالأقرع بن قنبر لأنه من غير أولاد الأمراء، وحكومة بعلبك متوارثة لبني الحرفوش، فعرف ابن الأقرع ما دبّر له فجاءه ألفا رجل جمعهم بنو حرفوش من كسروان والشوف وعين دارة وأرادوه على أن يخرج بعياله وبمن يلوذ به حيث شاء فأبى إلا قتالهم، واستنجد بالأمير قرقماز بن الفريخ أمير البقاع وبغيره من التركمان والعرب فولى الدروز هاربين فتبعهم أهل بعلبك يقتلونهم، وقتلوا منهم ألفاً وثمانين قتيلاً ولم يقتل من جماعته سوى شخص واحد. قال البوريني: وكان أصلح له ولجماعته طعاماً قبل المعركة فقاتل أعداءه ورجع والطعام لم يبرد وأرسلت الرؤوس لدمشق لتعرض فيها. ثم قتل علي بن الحرفوش ابن الأقرع وندم على قتله، وأخذت الدولة بعد ذلك الأمير ابن الحرفوش إلى دمشق بالأمان وقتلته وقتلت معه عسافاً الكذاب الذي ادعى انه ابن طرباي أمير اللجون. بنو عساف وبنو سيفا وابن فريخ وخراب البلاد: وفي سنة ٩٩٩ جمع الأمير محمد بن عساف الرجال وسار لطرد يوسف باشا بن سيفا من عكار، فلما بلغ يوسف باشا ذلك جمع رجاله وكمن له في العقبة بين البترون والمسيلحة وقتله هناك، ولم يكن له ولد فانقطع نسله، وكان لبني

стр. 510

عساف في كسروان ٢٣٢ سنة فانقرضت دولتهم تلك السنة. ذكر المؤرخون في حوادث سنة ٩٩٩ أن منصور بن فريخ أعيد إلى لواء صفد وأعطى قرقماز لواء نابلس وصاحبه الدالي على لواء عجلون، وذلك بالتزام مال لجهة السلطنة قدره ثمان كرات كل كرة مائة ألف دينار غير ما ينوبها من الكلف. وقد خرب ابن فريخ هذا كوراً كثيرة وقتل خلقاً، وكان في أول أمره بدوياً من خدام ابن الحنش فترقى به الحال إلى أن التزم مالاً عظيماً على لوائي صفد ونابلس وإمارة الحج وعمر عمارات عظيمة بالبقاع بقرية قب الياس، وشرع في عمارة دار عظيمة خارج دمشق واستعمل فيها العملة بالسخرة، وقد خنق في قلعة دمشق لظلمه وتخريبه العمالات التي استولى عليها خصوصاً البقاع وصفد ونابلس. وفي سنة ١٠٠٠ أمر قاضي دمشق مصطفى بن سنان بقيام النواب من المحاكم وإغلاق أبوابها فأغلقت أسواق البلد كلها، وسبب ذلك أن الدفتردار محموداً ارتشى من ابن الأقرع بخمسة عشر ألف دينار وولاه على بعلبك بدل ابن الحرفوش فأدى ذلك إلى خراب بعلبك ظاهرها وباطنها، ورحل أكثر أهلها حتى تعطلت الأحكام الشرعية بها وعتا بها ابن الأقرع وأتباعه وصادر الناس مصادرة ليوفي بها المال الذي التزم به للسلطنة. وكان المكس في هذه الحقبة حتى على الخمور والخمارات يتقاضاه كل من كان باشا دمشق يلتزمه صاحب الشحنة وهو من كبراء الانكشارية بمال كبير يدفعه للباشا ويحرق الأخضرين في جبايته، وكان من الولاة في ذلك الدور في الشام الصالح والطالح مثل سليمان بن قباد باشا الذي تولى نيابة القدس وقطع دابر المفسدين ثم تولى محافظة دمشق ٩٩٠ وكان ينوع العذاب للسراق وقطاع الطريق. ومنهم من خلفوا آثاراً مثل خسرو باشا وعادلي محمد باشا وبهرام باشا من ولاة حلب فإنهم بنوا مدارس وجوامع فخمة في الشهباء ومنهم لالا مصطفى باشا الذي ولي دمشق سنة ٩٨١ خمس سنين وقد مدحه ابن بدير والمقار ووصفه هذا بأنه صاحب الخيرات والحسنات وأنه عمر تحت القلعة بدمشق الخان والحمام اللذين لا نظير لهما وأثنى أيضاً على مراد باشا الذي

стр. 511

تولى دمشق سنة ٩٧٦ وعمر جامعاً في السويقة المحروقة وهو صاحب خيرات وحسنات أيضاً. وأثنى المؤرخون على أحمد بن الأمير قانصوه الغزاوي الساعدي الذي تولى إمارة عجلون وما والاها من كور الكرك والشوبك بعد وفاة أبيه، وباشر الإمارة في هاتيك النواحي في زمن سلطنة مراد بن السلطان سليم وقالوا: إنه كان قليل الأذى للرعايا وهو من قوم لهم قدم في الإمارة في هاتيك الديار، كانوا في زمن الشراكسة أمراءها وكان من أجداده محمد بن ساعد أميراً في جبل عجلون. ومنهم درويش باشا نائب دمشق وصاحب الجامع المنسوب إليه وخان الحرير ٩٨٧ ومن ظلمتهم والي حلب حسين باشا المتوفي ٩٤٩ كان كثير القتل سفاكاً للدماء على صورة قبيحة من تكسير الأطراف والإحراق بالنار والمحرق حي وغير ذلك، متناولاً للرشى لا نفع له سوى مضرة اللصوص، ومن سفاكيهم العظام سنان باشا فاتح اليمن وصاحب الجامع المنسوب إليه بدمشق وقد ذكر ابن المقار جريدة مخلفاته التي أرسلت إلى الاستانة بعد موته فإذا هي تساوي بضعة ملايين من الدنانير. وقد قال مؤرخو الترك: إن الخيرات التي قام بها سنان باشا في ممالك مختلفة من جوامع ومدارس وتكايا وخانات تقدر نفقاتها بمليوني ليرة ذهب بسكة زماننا، وإن ما عمره من المعاهد والمباني الفخمة في الأقطار التي نزلها تناهز المائة. لا جرم أنه من العتاة الطغاة الذين يجيزون خراب الولايات ليعمروا جيوبهم وخزائنهم، وأعمالهم الخيرية قد تأتي بالعرض أو لحب الشهرة. وأقبح بصدقة أو عمل خير يكون أصل ما أنفق عليه من قتل الأنفس والمال الحرام. حالة البلاد في الحكم العثماني: حكم الشام في هذه الحقبة من الزمن أي مدة ٧٨ سنة أربعة من ملوك آل عثمان وهم سليم الأول وسليمان القانوني وسليم الثاني ومراد الثالث، وظلت روح الدولة في هذه الديار لم تتغير. ولئن جاء فيهم واضع القوانين المدعو بالقانوني السلطان سليم وطال عهده على ما لم يقع له مثال في تاريخ هذه الدولة، فإن الشام كانت حالة بعد الفتح العثماني تنتقل من سيئ إلى أسوأ، والوالي أو

стр. 512

الولاة في هذه الديار يكونون على الأغلب ممن لا ذمم لهم ولا قدرة إلا على جلب المغانم لأنفسهم، وإزهاق الأرواح في ذاك العصر من الأمور الهينة التي لا تستغرب. بعد الفتح العثماني واندحار المماليك في مرج دابق والضرب على أيدي العصاة في فلسطين، كان الرجاء معقوداً أن تخلد الشام إلى الراحة ويرفرف عليها طير السعد، فزادت المكوس والضرائب على وجهٍ قاسٍ، وكثر فساد جيش الدولة من الانكشارية والسباهية، فكان يأتي على الأخضر واليابس في المدن والقرى، خصوصاً إذا جاء البلاد منهم فوق حاميتها كتائب أخرى لتشّي فيها، وهناك يزيد الاعتداء على البيوت والأعراض والأموال. وربما تخطفوا النساء والأولاد في الأزقة رابعة النهار، وفي أول حكم السلطان سليمان أي بعد أربع سنين من الفتح كان ما كان من عصيان الغزالي فهلك كثير من الأبرياء في دمشق وحلب، وارتكب الوزير فرهاد باشا لتسكين الفتنة والضرب على يد الثائر من الشدة ما عج بالشكوى منه كل إنسان. ويمكن حصر مصائب هذا الدور في أمور ثلاثة: ظلم الوالي ويكون في الغالب عاتياً مرتشياً، وظلم الجند في حلهم وترحالهم، وشقاء الديار بصغار الأمراء من أهلها، في الجبال والسهول، وكبار أرباب النفوذ في المدن. وهذه الطبقة تطورت تطوراً جديداً في عهد العثمانيين فكانت من أكبر الأسباب في فساد البلاد، ولو صلحت وسلمت من ظلم بعضها بعضاً لما استطاع الوالي التركي والقاضي التركي والقائد التركي أن يعملوا مباشرة في هذا القطر عملاً مضراً. وأهمُّ من هذا وذاك أن الدولة العثمانية على عهد عزها لم تفكر إلا في الفتوح، وفي حرب من يجاورها من صغار الأمراء والملوك، حتى إذا كانت أيام إدبارها وهي تبدأ من أواخر سلطنة سليمان القانوني، كانت همتها مصروفة إلى قمع الفتن الأهلية، ورد عادية أعدائها عن مملكتها الواسعة. إن ابن الشام لا يهتم كثيراً إذا بلغت جيوش الدولة العثمانية أواسط أوربا في فتوحها وفتحت بودابست وأشرفت على فينا، وإذ فتح سليمان زهاء ثلاثمائة حصن وقلعة، وأصبح اسمه في الغرب مضرب الأمثال في الرهبة، فكانت بعض الأمهات يخوفن أبناءهن باسمه إذا أردنهم على الرقود والكف علن البكاء،

стр. 513

ولا يهتم ابن الشام أيضاً إذا كثرت الخيرات على العاصمة بما يصرف فيها من أموال المغانم والمغارم، ما دامت طرق الجباية عنده منهكة لقواه، وما دام الولاة يسفون لأخذ المكوس لأنفسهم من الحانات ومن المسكرات، وما دامت الضرائب تستوفي حتى من المغنيات والمومسات، وما دامت المناصب الكبيرة دع الصغيرة يتوصل إليها بطرق دنيئة على سبيل الضمان والإيجار، وما دام الأمن مختل النظام وأهل البادية ولصوص الأعراب على عاداتهم في السلب والنهب، ومن المتعذر أن ينتصف المظلوم من الظالم، وأن تعمل الدولة في باب العمران جزءاً مما تأتي في تخريبه. وضع السلطان سليمان قوانينه وما ندري إذا كانت وصلت إلى هذه الديار، وهب أنها انتهت إليها فهي في السجلات محفوظة، لم يطبق منها إلا ما لا ينفع العلم به ولا يضر الجهل بمضامينه. وما دام القانون السماوي الذي عملت الشام به منذ الفتح الإسلامي غير نافذ على ما يجب، فما الحال بقانون يعمله رجال قد يغيرون من الغد اجتهادهم وهو يتعذر تطبيقه وإنفاذه؟ بدأت الدولة منذ دور سليمان بالرسميات وأخذت تلقي الشغب بين العلماء، وذلك برتب اخترعتها لهم وجرايات أدرتها عليهم، فزادت لأجل هذه النفقات الضرائب والخراج على الأمة وكثر التنافس بينهم، وقلّ القولون بالحق من رجال العلم، وأنشأ معظمهم يدلسون ويوالسون ويمتدحون السلطان مهما ضل وغوى، وسهل بعد ربط العلماء بروابط الرتب والرواتب أن يستصدر السلاطين كما قال ضياء باشا فتاوى بقتل الأبرياء ممن تغضب عليهم الدولة، وكان الذين يقتلون كل سنة على هذه الصورة عدداً من الناس لا يستهان به وفيهم العاقل والراكة، وكل من في قتله راحة للدولة أو مصلحة يتوهمها السلطان وبعض الزبانية الطغاة من ولاته، وقد تعاقب على دمشق خلال القرن العاشر أي مدة ٧٨ سنة خمسة وأربعون والياً وعلى حلب سبعة عشر، ولم يحس الناس بتبدل نافع في حكم العثمانيين من عهد المماليك حتى بعد ثمانية عقود من السنين.

стр. 514

العهد العثماني من سنة ١٠٠٠إلى ١١٠٠ عهد محمد الثالث وأمراء الإقطاعات وفتن: دخل القرن الجديد والشام تسير من بؤس إلى بؤس، وتعاقب تبدل الولاة عليها والسعيد منهم من كان يحول عليه الحول، وأكثرهم يقيمون فيها أشهراً ثم يصرفون ويستبدل غيرهم بهم، ومنهم من كان يقيم أياماً ومنهم سبعة أيام ومنهم ثلاثة، وتعاقب على دمشق خلال هذا القرن واحد وثمانون والياً وعلى حلب تسعة وأربعون والياً، فكان الوالي لا يتمكن من الإصلاح إن أراده وقلبه متعلق أبداً بثبات منصبه، والغالب أنه لا يتوفر على غير جمع المال بالطرق المنوعة ليوفي ما عليه من المقرر لجماعة الآستانة من الأموال، وكان الولاة يبتاعون الولاية ابتياعاً والمزايد الأكبر هو الذي توسد إليه قال راسم في تاريخه: أمر السلطان مراد أن يكتب إلى أحمد باشا كوجك والي الشام بأن يدفع إلى السلحدار باشا عشرين ألف ليرة ويبقى في منصبه فاضطر الوالي أن يؤدي المبلغ. ومن أهم أدوات التخريب في هذا القرن خروج جند الانكشارية عن حد الاعتدال وكثرة اعتدائهم على الرعية، يستطيلون على أموالها وأعراضها ويثلمون شرفها ويذلون أعزتها، وهم القوة القاهرة وأذاهم لاحق بالكبير والصغير. وكثيراً ما حاول الولاة أن يخففوا من غلوائهم ليستأثروا بالقوة دونهم أو يرفعوا عن عاتق الأمة التعسة بعض شرورهم، فيسفر قتالهم عن زيادة إيصال الشرور إلى الناس على ما يأتي تفصيله في هذا الفصل المغموسة حوادثه بالدماء.

стр. 515

كان المتغلبون على أكثر البر في أوائل القرن، الأمير شديد بن الأمير أحمد حاكم العرب من آل جبار وكان كلقبه واسمه ظالماً جباراً عنيداً. قال كاتب جلبي: وما زال آل عثمان يعطون لواء سلمية لأمراء العرب وأمراؤهم هم عرب آل جبار وهم قبيلتان آل حمد وآل محمد يمتد حكمهم إلى أرجاء حلب والرقة. وكان قرقماز المعني في لبنان، وأحمد بن رضوان في غزة بعد قانصوه أمير عجلون وما والاها من الكرك، والأمراء بنو الحرفوش في بعلبك، والأمراء بنو شهاب في وادي التيم، وأحمد بن طرباي أمير اللجون في نابلس، ومنصور بن فريخ البدوي على البقاع تغلب عليه بعد ابن الحنش وحكم نابلس وصفد وعجلون وانحاز إليه جماعة من جند دمشق، وأخاف الدروز ثم شن الغارة وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقد خرب العمران وقتل الخلق حتى أخذه وزير دمشق وقتله في سنة ١٠٠٢ وذهب على حصار قلعة الشقيف النفوس والأموال، حاصرها والي دمشق ونازل قلعتي الشقيف وبانياس، وبلية القلاع كبلية المدن غرض لهجمات المهاجمين فقد أخذ المحارزة قلاع القدموس والعليقة والمينقة مراراً، وكان الإسماعيليون يستردونها بعد مدة، وفي سنة ألف تقريباً هجم الإسماعيليون على القدموس عندما كان العلويون مشغولين بالعبادة في يوم الغدير وقتلوا من المشايخ ثمانين شخصاً عدا العوام وتملكوا القدموس قاله في تاريخ العلويين. وفي سنة ١٠٠٣ توفي مراد الثالث وخلفه ابنه محمد الثالث فقتل يوم جلوسه تسعة عشر أخاً له وعشر جوار حاملات من أبيه ثم ابنين له، وكان مع ذلك على رواية المحبي صالحاً عابداً ساعياً في إقامة الشعائر الدينية وأوصافه كلها حسنة وهو مظفر في وقائعه عالي الهمة. ولم ينل الشام شيء من تدين محمد الثالث، وطالبت الحكومة الأهلين بأموال سنتين فلقوا شدة وعنتاً. ذكر المقدسي في حوادث سنة ١٠٠٤ أنه جاء ساع من الباب العالي يأمر بأن يجتمع العلماء والصلحاء والمشايخ والفقراء وأولاد المكاتب في الجامع الأموي، ويقرأوا القرآن ويدعوا لعساكر الإسلام بالنصر، وما أعجبها من قضية جمع فيها بين ظلم المذكورين وطلب الدعاء منهم، فليت شعري بأي لسان يدعون وقد اشتهر أنهم يطالبون الرعايا بعوارض سنتين جديدة وعتيقة وطالبوا

стр. 516

اليهود بمال عظيم اهـ وقال أيضاً في حوادث سنة ١٠٠٥. إنه استقر في دمشق كيوان منشئ الظلم بالشام قائداً بباب صاحب الشحنة، فشرع يصادر ويسلب، وكثرت القتلى في أزقة دمشق، وكان الإنسان يمشي فلا يسمع إلا من يقول غرموني أربعين قرشاً ومن يقول سبعين قرشاً وثلاثين وعشرين وأكثر وأقل. واصطلم الناس من كثرة الظلم وبقي من يخشى الفضيحة يحمل الجزية إلى كيوان المذكور قبل أن يرسل إليه. هذا ما كان يجري في عاصمة الشام على مرأى ومسمع من القريب والغريب، فما بالك بما كان يجري في الأقاليم التي تقل فيها المراقبة وتضعف المقاومة، فقد تهيأ لأخبارها هنا من دونها أو بعضها حتى وصلت إلينا، وهناك ضاعت أخبارها لقلة المدونين. وظهر في أيام أحمد مطاف باشا كافل حلب ١٠٠٥ - ١٠٠٨ فساد كثير من العربان في أنحاء حلب فأرسل عليهم ابنه درويش بك فاقتتلوا فانهزم عسكر حلب وكانوا ألف فارس وأخذ عرار أمير العرب يتبعهم ويقتل منهم ويغير عليهم. وفي سنة ١٠٠٧ كانت الواقعة في نهر الكلب بين ابن معن وابن سيفا فانكسر ابن سيفا وتشتتت جيوشه، وتولى فخر الدين المعني كسروان وبيروت. واستولى يوسف باشا سيفا على جهات طرابلس لما أهلك رؤساء عصاة ابن جانبولاذ التركماني، واستقل بها وأخرج بواسطة عسكر السكبان جند الانكشارية من عمالته ونكل بهم وصار له بذلك نفوذ وسلطان. وقال نعيما في حوادث سنة ١٠٠٨: إن عسكر الانكشارية في دمشق جاءوا حلب بحجة جباية أموال الدولة، وتسلطوا على فقرائها وعملتها وتجاوزوا الحدود في الاعتداء، وأساءوا استعمال سلطانهم في الرعية، فقطع والي حلب رأس سبعة عشر رجلاً منهم، ودام الشقاق بين الأهالي والانكشارية مدة طويلة أدى إلى سفك دماء كثيرة بغير حق اه. ومن ذلك اعتداء خداويردي قائد حلب على الناس وفتكه ونهبه وتعديه حتى ضجر منه أهاليها وحكامها، حين قامت الحرب بينه وبين نصوح باشا، وبينه وبين ابن جانبولاذ، وكان هو وأحفاده قد عاثوا في الأرض فساداً ومنه نشأ طغيان العسكر الشامي. ومن فتن هذه الأيام خروج عبد الحليم اليازجي رأس جماعة درويش

стр. 517

الرومي حاكم صفد، وإرسال خسرو باشا نائب الشام عسكراً إلى درويش ليسلم الولاية إلى آخر، فقاتل اليازجي عن مخدومه بالسيف فأخذ درويش إلى دمشق وصلب بأمر السلطان. أما اليازجي وجماعة درويش فساروا على ساحل البحر إلى طرابلس ثم إلى جانب حلب ودخلوا مدينة كلز فتنبه لهم نائب حلب وأرسل جيشا لمحاربتهم، فقتلوا من أصحاب اليازجي مقتلة عظيمة، وخرج بمن بقي معه من أصحابه المفلولين، وما زال يحارب جيوش السلطنة في الأناضول حتى هلك سنة ١٠١٠. وفي سنة ١٠١١ باغت الأمير يونس بن الحرفوش جبة بشري، فلما بلغ ذلك يوسف باشا سيفا جمع السكبان الذين عنده وهاجم مدينة بعلبك فاجتمع ببيت الحرفوش في القلعة، ونهب بنو سيفا بعلبك وحاصروا قلعة حدث بعلبك خمسين يوماً وملكوها ثم نادوا بالأمان. وفي سنة ١٠١٤ كانت وقعة جونيه بين يوسف باشا سيفا والأمير فخر الدين المعني فانكسر عسكر سيفا. عهد أحمد الأول وفتنة ابن جانبولاذ وغيرها: في سنة ١٠١٢ توفي محمد الثالث وخلفه أحمد الأول ولم يتغير شيء في الشام وغاية الأمر أن الخوارج في أيام السلطان الجديد اشتدت شوكتهم فنال الأمة منهم كل حيف، ودخل القطر في هرج ومرج. وفي أيامه ظهرت الخوارج في جهات حلب وما زالت الأمور في تخبط حتى خرج جانبولاذ وادعى السلطنة واضطربت الأحوال على ما سيجيء. قال القرماني: وفي أيام هذا السلطان قام الطغاة والبغاة، وانمحت من الوجود أمهات الأمصار وشملها البوار، أما القرى والقصبات والرساتيق والمزدرعات فأكثر من أن تحصر. وقال العرضي: كانوا يرسلون من قديم الزمان في دولة بني عثمان شرذمة من عساكر دمشق وعليهم شوربجي بحوالات أموال السلطنة فيحصل لهم الانتفاع ويخدمون عند الدفتردار وفي دار الوكالة وفي باب القنصل الفرنجي وفي كل مدة يرسلون غيرهم وعليهم شوربجي، حتى قطن بحلب أعداد كثيرة منهم واتسعت أموالهم وكبر جاههم، واستولوا على أغلب قرى السلطنة يعطون مال السلطان عن القرية ويأخذون من أهلها أضعافاً مضاعفة،

стр. 518

وتبقى أهل القرية جميعاً خدمة لهم وجميع ما يجمعونه لغيرهم لا لأنفسهم. ومن الكوائن أن خارجياً من السكبانية اسمه رستم جاء إلى كلز ومعه من البغاة أجناد كثيرة، وكان ضابط كلز عزيز كتخدا من جماعة حسين باشا بن جانبولاذ أمير الأمراء بحلب، فبعث واستنجد بعسكر حلب ومنهم العسكر الجديد فخرجوا لنصرته، فتقابلت الأجناد وقامت بينهم سوق الحرب والضرب فانتصر رستم على عسكر كلز وحلب وقتل عزيز كتخدا وقتل من العسكريين كثير وولوا منهزمين فنهب الخارجي كلز وصادر أعيان القرى. ولما ولي نصوح باشا نيابة حلب - وكان متغلباً في حكمه عسوفاً قوي النفس شديد البأس كما قال المحبي - كان لجند دمشق أي الانكشارية الغلبة والعتو يذهب منهم كل سنة طائفة إلى حلب وينصب عليهم قائد من كبارهم وكان بعض عظماء الجند قد تقووا في حلب وفتكوا وجاروا خصوصاً طواغيتهم خداويردي وكنعان الكبير وحمزة الكردي وأمثالهم، حتى رهبهم أهلها وصاهرتهم كبراؤها، واستولوا على أكثر قراها، فلما رأى نصوح باشا ما فعلوه حتى قلّت أموال السلطنة، وصارت أهالي القرى كالأرقاء أجلاهم عن الأقاليم ووقعت بينه وبينهم فتنة بل فتن، وعجز عن إخراجهم فاستعان بحسين بن جانبولاذ فبعث هذا ابن أخيه الأمير علي بعسكر عظيم، فاستولى نصوح باشا على قلعة حلب ووضع متاريس تحتها واستعد للقتال، فأخذ العسكر الدمشقي باب بانقوسا وجمعوا جموعهم، وهم لا يعلمون أن حسين باشا جانبولاذ بعث عسكره، ودخل الأمير علي في اليوم التالي بالعساكر المتكاثفة فتبعهم نصوح باشا والأمير علي إلى قرية كفر طاب فوقع بينهم حرب فانهزم الدمشقيون بعدما قتل منهم جم غفير. ثم خرج نصوح باشا في عسكره إلى كلز فقابل حسين باشا بعسكره والتقت الفئتان فانكسر نصوح باشا وقتل أكثر عسكره ودخل حلب منهزماً وأخذ في جمع الأجناد وبذل الأموال لتكثير العدد والأعتاد. وبينا هو على ذلك جاء الأمر بأن حسين باشا عين كافلاً للممالك الحلبية وعزل نصوح باشا، فلبس نصوح باشا جلد النمر، وامتنع من تسليم حلب لحسين باشا، وأقبلت بعد أسبوع عساكر الوالي الجديد حسين باشا إلى قرية حيلان فاستقبلهم نصوح باشا بالحرب فانكسر أيضاً،

стр. 519

ونزل حسين باشا بعساكره في أحياء حلب خارج السور وأغلق نصوح باشا أبواب المدينة وسدها بالأحجار، وفتح باب قنسرين وحرسه، وقطع حسين باشا الماء عن حلب ومنع الميرة والطعام عن المدينة، ونصب نصوح باشا المتاريس على الأسوار وصف عسكره عليها مع المكاحل، وقامت بين الواليين حرب شعواء، وأخذ حسين باشا في حفر الخنادق والاحتيال على أخذ البلدة، وأنشأ نصوح باشا يحفر السراديب، وعم الحلبيين البلاء من المبيت على الأسوار وحفر السراديب، ومصادرة الفقراء والأغنياء كل يوم وليلة لطعام عسكر السكبان وعلوفاتهم، وأغلقت الدكاكين وتعطلت الصناعات، وحرقت الأخشاب للطعام والقهوة، واشتد غلاء الحاجيات وعدم قوت الحيوان والإنسان واستمر الحصار نحو أربعة أشهر وأياماً، ثم تصالح نصوح باشا وحسين باشا فخرج الأول واستولى حسين باشا على الديار الحلبية، وشحنها بالسكبان وصادر الأغنياء والفقراء لأجل علوفة السكبان. ولما قتل حسين باشا خرج ابن أخيه علي بن طاعة السلطنة، وجمع جمعاً عظيماً من السكبانية حتى صار عنده منهم ما يزيد على عشرة آلاف، ومنع المال المرتب عليه، وقتل ونهب في تلك الأطراف، إلى أن تعهد ابن سيفا صاحب عكار للسلطنة بإزالة الأمير علي عن حلب فجمع له الجند من دمشق وطرابلس والتقى بابن جانبولاذ جانبلاط قرب حماة فكانت الغلبة على ابن سيفا، فاستولى ابن جانبولاذ على مخيمه ومخيم عسكر دمشق واستولى ابن جانبولاذ على طرابلس، واستخرج الأموال من أهلها وأخذ دفائن كثيرة لهم، ولم يستطع فتح قلعتها، ثم سار مع حليفه ابن معن وكان هو وابن شهاب وابن الحرفوش خرب بعلبك وأحرق قراها، وخرب ابن جانبولاذ البقاع ووصل إلى دمشق، واقتتل ابن جانبولاذ مع العسكر الدمشقي فانفل العسكر الدمشقي وأرضوا ابن جانبولاذ بمال حتى فرج عن دمشق، واستمر النهب في أطرافها ثلاثة أيام، ثم سار إلى حلب وجاءته الرسل من السلطنة تقبح عليه فعله في دمشق، فكان تارة ينكر فعلته، وطوراً يحيل الأمر على عسكر دمشق، ويشرع بسد الطرق ويقتل من يعرف أنه سائر إلى أطراف السلطنة إبلاغ ما صدر منه، حتى أخاف الخلق ونفذ حكمه من أدنة إلى نواحي غزة، وصاهر ابن سيفا

стр. 520

فامتثل هذا أمره، وانقطعت أحكام السلطنة عن هذه الديار نحو سنتين، وكان ابن سيفا بعد أن غلبه ابن جانبولاذ على دمشق ونهب ولايته التجأ إلى أحمد بن طرباي الحارثي أمير لواء اللجون. قال القرماني: إن ابن جانبولاذ لما ولي حلب جمع كل شقي من القبائل والعشائر، ليأخذ ثأره من جماعة الإنكشارية فالتقوه في مدينة حماة ومعهم محمد باشا الطواشي نائب دمشق وعامة الجيوش من الكماة، فانهزم عسكر الدولة واستمر ابن جانبولاذ في أثرهم إلى حدود دمشق فاستقبله الأمير فخر الدين بن معن بمن معه من الدروز وطائفة السكمانية، ثم التقى ابن جانبولاذ مع العساكر الشامية فاستولى على أموالهم. ولما حدث ما حدث من الفتن والغوائل عهد السلطان إلى مراد باشا أن يعيد الشام إلى حكم الدولة لأنه ثبت أنه خرج عن حكمه، فجاء في عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل وقيل في أكثر من ذلك، فبرز إليه ابن جانبولاذ في أربعين ألفاً فُغلب ابن جانبولاذ وهرب إلى الآستانة وأقنع السلطان بحسن حاله، وجاء مراد باشا بعد أن كسر ابن جانبولاذ في سهل الروج قرب المعرة وقتل من جماعته أحد وعشرين ألفاً وتسلم قلعتها بالأمان، وبالغ في قطع شأفة الأشقياء والسكبانية. وكان علي باشا جانبولاذ لما انكسر مع مراد باشا حصن قلعة حلب ورفع إليها عياله وأسبابه وولى عليها أطلي طوماش باشا وأمره بحفظها لمدة ثلاثة أشهر ريثما يرجع إليه بالنجدة من سلطان العجم، ثم تجهز للسفر وحال خروجه من أراضي حلب وصل مراد باشا الوزير ومعه أحمد باشا حافظ الشام ويوسف باشا سيفا وشددوا الحصار على حلب وافتتحوها، ووعد أطلي طوماش بالنيابة على حلب فاطمأن وسلم القلعة ثم قبض عليه وقتله وضبط القلعة، وباع عيال علي باشا جانبولاذ بيد الدلال فبيعت والدته بثلاثين قرشاً، ثم وقعت المناداة على المحافظين فقتلوهم في أماكن مختلفة وأتوا برؤوسهم إلى الوزير ولم ينج منهم إلا القليل، وكان الرجل يقتل العشرة منهم، ومهد الوزير أمور حلب وخدمته أمراء العرب. وقالوا: إن الأمير فخر الدين فرَّ إلى البادية في جماعة الدروز والعربان بعد تلك الوقائع لأنه أعان الخوارج على السلطنة. وللقيم محفوظ الدمشقي مرتجلاً

стр. 521

ومؤرخاً واقعة دخول السكبانية مع ابن جانبولاذ إلى دمشق في أوائل سنة ست عشرة بعد الألف نقلها في التذكرة الكمالية. دخل الشام جيوش ... كجمال قد رغوا كل كردي غبي ... بهم الناس لغوا ودروز ولئام ... لمقال ما صغوا نهبوا الشام وآذوا ... وعلى الناس بغوا نهبوها في جمادى ... أفحشوا أرخ طغوا ولم تقتصر فتنة ابن جانبولاذ على دمشق وحلب بل تناولت بعلبك والبقاع وطرابلس وغيرها. قال النجم الغزي: إن كافلي الشام وطرابلس دخلاً على أهل حماة وحمص وأمرا أهلهما بإخلاء المدينتين وكان ابن جانبولاذ في أثرهما، فدخل هو وعساكره حماة وحمص ونهبوهما ونهبوا قراهما، واتفق كيوان رئيس سرية دمشق مع ابن معن على العصيان وعلى مساعدة ابن جانبولاذ، فذهبا إليه واجتمعا به في الجون بالقرب من نهر البارد، فاستولوا على حماة وحمص وعكار وجبلة واللاذقية والحصن وطرابلس وغزير وبيروت، ثم اجتمع ابن جانبولاذ وابن معن وكيوان وحاصروا دمشق على ما تقدم قال: وكان الأمر مهولاً واجتمع أكثر الناس بدمشق. وقال ابن المقار في حوادث ١٠١٦: إنه ظهرت طائفة من الخوارج يقال لهم السيمانية أظهروا في الأرض أنواع الفساد، وحدث بين أمراء الشام حروب وفتن عظيمة عم فيها النهب وخربت أكثر البلاد. ومن الأحداث في تلك الأيام ما رواه مؤرخو لبنان في حوادث سنة ١٠١٦ من أن الجند المشتى قيشلق السلطاني تفرق على البلدان من حلب إلى الشوف، وكان عدده نحو أربع كرات والكرة مائة ألف. كذا قالوا وكانت الناس في ضيق عظيم من الغلاء ومن الضرائب التي كانت على الضياع والأدبار. ووقع في زمن تولية كوجك سنان باشا دمشق وكان يتولاها سنة ١٠١٧ أن فرقة من عرب آل جبار المعروفين بأولاد أبي ريشة نفروا من العراق فوصلوا إلى تدمر، وانضم إليهم قوم من طائفة السكبانية المنهزمين من وقعة علي بن

стр. 522

جانبولاذ. فعاثوا في تلك الديار وقطعوا الطريق، ولما ورد من حلب العسكر المصري الذي كان قد طلب لقتال كبير السكبانية محمد بن قلندر والأسود سعيد، التقى جيش السلطان مع جيش البُغاة فغُلب عسكر السلطان وهرب منهم جمع، ومن جملة الهاربين الجماعة المذكورون وكانوا نحو أربعمائة سكباني، فلما انضموا إلى العرب المذكورين كان السكبان يضربون بالبندق والعرب يضربون بالرماح والسيوف، وأخذوا قلعة القسطل وقلعة القطيفة ونهبوا المعصرة وقتلوا من بها من الرجال والنساء. فلما بالغوا بالقتل والنهب والغارة والعدوان قصدهم سنان باشا ومعه العسكر الدمشقي، وانضم إليهم عرب المفارجة وكبيرهم عمرو بن جبير فأدركوا العرب والسَّكبان في نواحي قلعة القطرانة، فقتلوا من السكبان نحو ثلاثمائة رجل وقبضوا على آخرين ودخلوا بهم إلى دمشق على متون الجمال وعلى كتف كل واحد منهم خشبة طويلة وهي وتد خازوق وفي اليوم الثاني أتلفوهم وفرقوا أجسادهم على أحياء دمشق. الأمير فخر الدين المعني وآل شهاب وفتن: تخوفت الدولة من الأمير فخر الدين المعني الثاني لتحصينه القلاع وامتداد سلطته في أصقاع الشام، فأرسلت عليه في سنة ١٠٢٠ الحافظ أحمد باشا كافل دمشق وكافل حلب وكافل ديار بكر وكافل طرابلس وأمراء الأكراد في جيوشهم ونحو النصف من الفرسان في جيش مؤلف من ثلاثين ألفاً، وحاصر ابن معن تسعة أشهر فلم يقدر أن يأخذ قلعة من القلاع، فلما أعيته الحيلة أرسل رجلاً من جماعته لمن في القلاع يقول: أنا مالي عندكم غرض بل إن للوزير الأعظم شأناً مع الأمير فقولوا له أن ينزل إلى خيامنا وعليه أمان الله ونأخذ منه دراهم للسلطان وللوزير ونُقرّه في أماكنه فقالوا: الأمير ذهب في المركب إلى ديار الفرنج فلما تحقق ذلك رضي بنزول أم فخر الدين فقالت: نحن ما ضبطنا بلداً بغير اسم السلطان، ولا انكسر عندنا مال، فعند ذلك أعطت السلطان مائة ألف قرش وأعطت الوزير خمسين ألفاً والحافظ أحمد باشا مثلها وانفصل الأمر على ذلك. هرب الأمير فخر الدين إلى إيطاليا تاركاً الحكم في لبنان وما إليه لابنه

стр. 523

الأمير علي وأقام فيها خمس سنين وشهرين تعرف خلالها إلى ملوك طسقانه من أسرة ميديسيس المشهورة في فلورنسة، وأطلع على طرف من المدنية الأوربية ثم عاد إلى وطنه بعد مهلك خصمه والي دمشق فاستلم زمام الأحكام ولا سيما المسائل الحربية، بقوة أعظم وتدبير أحكم، مستصحباً معه كثيراً من المهندسين لبناء القلاع وعمل الذخائر الحربية، وكان ابنه الحاكم في الظاهر وهو الحاكم في الحقيقة، وأخذ يحصن كوره ويكثر الصلات الحسنة مع الفرنج ولا سيما مع الطليان، وعقد معاهدة دفاعية هجومية مع أصحاب طسقانه كأنه ملك مستقل، فخافت الدولة منه وكانت تعده من قبل عاصياً قوي الشكيمة، وأخذت تحاذره وتنظر إليه نظرها لعاص عارف بمقاتلها، وأنه لا بد له يوماً أن يستقل عنها ببلاد الشام، إذ بلغ أتباعه نحو مائة ألف من الدروز والسكبان ولم يستول فقط على الشوف وجبل عاملة بل تعداهما إلى عجلون والجولان وحوران وتدمر والحصن والمرقب وسليمة، وسرى حكمه من صفد إلى أنطاكية وملك نحو ثلاثين حصناً مثل صفد ونيحا وشقيف تيرون وعجلون وقب الياس وبعلبك والمرقب والبترون. وفي سنة ١٠٢١ خرج أحمد باشا بالعساكر من دمشق إلى وادي التيم ونزل في خان حاصبيا وهرب بين شهاب أصحاب وادي التيم منها فهدم دورهم وأتلف أملاكهم ونهب حاصبيا ١٠٢٢ وفي سنة ١٠٢٣ خرج الحافظ أحمد باشا من دمشق إلى قب الياس واجتمع إليه حكام صفد وصيدا وبيروت وغزة وحماة وعشائرهم وأمراء الغرب وبعلبك ووادي التيم، فوقع بين أهل الجرد والغرب والمتن وأهل الشوف قتال بقرب نهر الباروك انكسر فيه أهل الغرب والجرد والمتن وعسكر الدولة كسرة عظيمة، فأحرق أحمد باشا قصر بيت معن في دير القمر وكان رئيسهم إذ ذاك الأمير يونس كما أحرق قرية عبيه. ثم جرت وقعة بين جماعته وجماعة من حزب المعنيين على قلعة الشقيف فانكسر جماعة أحمد باشا وقتل منهم نحو خمسمائة قتيل وأكثرهم من السكبان وكان عسكر الدولة نيفاً وعشرين ألفاً ثم امتنع ١٠٢٤ يوسف أغا من أن يتسلم حصن الشقيف وحصن ارنون إلى أن يخرج منهما بنو معن أولاد العرب ويتصرف بهما الأتراك تمام التصرف، فشق ذلك على الأمير يونس وأخذ في

стр. 524

هدمهما، ولما انتهى الخبر إلى الوزير فرح جداً وأمر بخرابهما، ولبث المسلمون في تخريبهما أربعين يوماً. وجرت ١٠٢٥ وقائع بين أولاد ابن معن وأصحاب المقاطعات في لبنان وحرق الشوف والجرد والغرب والمتن وهلك كثيرون وكانت النصرة للقيسية خربت بيت معن، وكان بنو تنوخ أمراء الغرب منذ سنة ٥٤٢ يميلون إلى بني معن، فلما حاربتهم الدولة انتهز علي بن علم الدين اليمني والي الشوف الفرصة وقبض على أعيان المعنيين وقتلهم واستصفى أموالهم، ثم سار إلى قرية عبيه فدعاه الأمراء التنوخيون إلى مأدبة في سرايتهم فاغتالهم وقتلهم كلهم صغاراً وكباراً فانقرض التنوخيون بموتهم. عهد مصطفى الأول وعثمان الثاني: في سنة ١٠٢٦ توفي أحمد الأول وخلفه مصطفى الأول المعروف بالأبله فخلع بعد ثلاثة أشهر وخلفه عثمان الثاني ولم يجر في أيامه ما يستحق أن يدون في الشام اللهم إلا ما كان من حرب بين ابن معن وابن سيفا ١٠٢٨ فخرب ابن معن قرية عكار وسرايا بيت سيفا في طرابلس وخرب هذه كما خرب قلعة جبيل. ثم عاد مصطفى الأول سنة ١٠٣١ فتولى الملك أربعة عشر شهراً وخلع بعدها. إذ لم يعد في الإمكان ستر نقصه الذي كان يتولاه العلماء ليحكموا باسمه فأبرزوه في صورة ولي من الأولياء وما هو إلا أبله من البلهاء. فزادت الدولة خلال هذه الحقبة تغاضياً عن الشام حتى قويت شوكة المتغلبين وأرباب النفوذ في المدن والقرى والسهول والجبال، وأصبح القطر بلا راعٍ خصوصاً بعد الضعف الذي ظهر من الدولة في العقد الثاني من هذا القرن في فتنة ابن جانبولاذ وحصار حصون ابن معن، وتجلى لأذكياء المتغلبة موقف الدولة معهم، فأصبحوا يزدادون في إرهاق الرعية. والولاة ليسوا دونهم في العنت والتخريب والقتل والنهب. وكان نائب حلب محمد باشا ١٠٣١ ظلوماً غشوماً أخذ أموالاً كثيرة من كل قرية من غير سبب، وقضى أن لا تباع البضائع كلها إلا لمن عينه من جماعته ثم تباع من أحد السوقة بعد ذلك، فكان ظلمه مزدوجاً على المدني والقروي، وفي هذه السنة خرب صاحب الشرطة جميع قرى القنيطرة

стр. 525

وفي السنة التالية ١٠٣٢ خرب الأمير فخر الدين بن معن كرك نوح وسرعين نكاية ببني الحرفوش. عداء على الفرنج وفتن داخلية: وبينا كان ابن معن يهيئ السبل للفرنج حتى تزيد متاجرهم مع أهل الساحل ويكثر سوادهم في مدنها ولا سيما في موانيها، ويرخص لهم بتأسيس قنصليات ويدخل المبشرين إلى لبنان، ارتكب ابن سيفا حاكم طرابلس سنة ١٠٣٢ أمراً عظيماً نفر الفرنج من غشيان المواني لاستبضاع القطن والحبوب، وذلك أنه ضبط مركبين فرنساويين كان معهما ثمانون ألف قرش لابتياع بضائع، فأرسل ابن سيفا وأمسك ولدين صغيرين من المركبين وعلمهما أن يقولا: إن المركبين للقرصان، وإنهما أخذا في طريقهما مركب تجارة للمسلمين، وزعم أنه وجد في المركبين أساباً لمداخلة المسلمين، ولم يكن ذلك صحيحاً ولكنه جعل ذلك طريقاً لضبط جميع ما في المركبين من البضائع والأموال، وأمسك جميع من فيهما من التجار والنوتية وقتلهم جميعاً. وبعد ذلك باع المركبين بثلاثة آلاف قرش. قال الشهابي: ومن حين حدوث هذه الفعلة لم يدخل ميناء طرابلس من تجار الفرنج أحد، وتوجه أناس من الفرنج إلى الباب العالي للشكوى على ابن سيفا، ولكن لكثرة عزل الوزراء لم يلتفت أحد إليهم وراحت على من راح. ومن الفتن الأهلية ما حدث سنة ١٠٣٢ من دخول أحمد الشهابي وحسن الطويل بلاد عجلون ومقابلة أهل القرى لهما وتجمع أهالي نابلس وعربها، وحرقت من القرى فارا والخزبة وحلاوى وكانت من أكبر قرى عجلون، وحرق الأمير علي الشهابي قرية سرعين في البقاع وجميع قرى بعلبك وتحصن أهل بعلبك في القلعة. وجرت فتنة بين عساكر دمشق والأمير يونس الحرفوش - وكان هذا ظالماً متجاهراً بالظلم - وكرد حمزة سنة ١٠٣٣ فاغتنم الانكشارية الفرصة وأغاروا على المستضعفين من الأهلين وتعاقب تغيير الولاة وانحاز بعض الخوارج إليهم ونقل الناس أمتعتهم وأثقالهم من خارج مدينة دمشق إلى داخلها مراراً، وحارب العسكر الدمشقي أولاد الحرفوش لإخراجهم من بعلبك.

стр. 526

وكان كيوان أحد كبراء الأجناد في دمشق خلال هذه المدة ينزع إلى التعدي ولا شكيمة ترد جماحه، ولا وازع يكف من غربه، فأخذ الناس بالتهمة وتطاول إلى أخذ أملاكهم حتى استولى على أكثر بساتين الربوة والمزة من ضواحي دمشق وضم بعضها إلى بعض، وكان إذا أخذ حصته من مكان احتال على الشركاء فيه حتى يأخذ حصصهم طوعاً أو كرهاً، وكان نواب محكمة الباب وأعيان شهودها يساعدونه على عدوانه حتى أهلك الحرث والنسل. وذكر الغزى أن كيوان الطاغية أعيا أهل دمشق ظلماً وفتنة، وكانت بداية كيوان نهاية أويس ثم تجاوز عنه بمراتب، فطمع هو وقائد الصالحية أولاً في أملاك الفلاحين، واستخلاص ما ملكوه بالشراء أو بالمغارسة، فكان يعمل الحيلة لأحدهم حتى يوقعه في مخالب صاحب الشحنة ولو بالتهمة والاستتباع. وقد اقترف يوسف السقا من الأجناد الدمشقيين ضروب المظالم، وصادر الناس في أموالهم وعقارهم، وقبض على غالب أعيان دمشق وشيوخها وهرب بعضهم، واغتصب من تجارها المشاهير وبعض أهلها الضعفاء مالاً جزيلاً أناف على مائتي ألف دينار ومن التحف والأقمشة ما لا يحصى. ومثل هذه الشؤون كانت تجري على مشهد من الولاة ويتغاضون عنها لأنها قد تكون بإيعازهم وهم لا محالة شركاء أولئك الزعماء. حملات على الأمير فخر الدين المعني وغيره: أدركت الدولة أن خطر فخر الدين المعني على حياتها في هذه الديار زاد عن سنة ١٠٢٠ وأنه تأصلت أحكامه بعد عودته من إيطاليا، وما كانت في حملتها الأولى والثانية لتغضي عن تخريب الأقاليم إلا اضطراراً، فساق هذه المرة مصطفى باشا والي دمشق ١٠٣٣ جيشاً على فخر الدين فاستظهر هذا بالأمير محمد الشهابي حاكم وادي التيم كما استظهر حاكم الشام بابن سيفا حاكم طرابلس وابن الحرفوش صاحب بعلبك فهلك جمهور من عسكر دمشق قدر بمائتي قتيل ولم يقتل سوى رجال قلائل من جماعة ابن معن، وكانت الوقعة في عين الجر عنجر. وقبض جماعة ابن معن على والي دمشق فجاء الأمير فخر الدين وقبل ذيله، وقيل شفع بالوالي علماء دمشق

стр. 527

وكبراؤها لدى ابن معن، ورجع عسكر دمشق مفلولين وفي رواية أنهم خامروا على الوالي وأطلق الأمير فخر الدين والي دمشق مكرماً، فعاد إلى الفيحاء ينتقم ممن كان السبب في غزو ابن معن. وهذه الوقعة زادت في مكانة أمير لبنان في نظر الدولة والأمة، ودلت على أنه كان مع قوته عاقلا بعيد النظر، وأنها عاجزة عن أخذه إلا بتجهيز جيش عظيم لأنها حاولت غير مرة ذلك فرجعت بالخيبة خصوصاً وقد علمت محالفته لكوسموس الثاني كبير دوجات طسقانه، وأن فخر الدين لما استظهر بأسطول فرديناند الطسقاني استولى على ساحل الشام وغلب جيش الدولة غير مرة. وفي سنة ١٠٣٣ أيضاً جلس جماعة الوالي بدمشق على الطرق ومعهم الريش يضعونه على رأس كل من يرونه وينادون عليه مستاهل لم يقدر أن يرفعها من شدة الخوف قال المقار: فلما كملوا أرسلوهم إلى اليمن فقتلوا كلهم هناك. ومعنى ذلك أن الدولة كانت تريد تجنيد أناس لترسلهم من الشام إلى اليمن فلم تر أظرف ولا أعدل من هذه الطريقة في التجنيد. وفي سنة ١٠٣٨ عين والي دمشق شرذمة من العسكر لمنازلة بني شهاب في وادي تيم الله بن ثعلبة فنهبوا قراهم وأحرقوها. وقد وزعت الدولة عسكرها على كور الشام ليشتي فيها سنة ١٠٤١ وكان جيشاً كبيراً فخض دمشق منهم أثنا عشر ألف جندي ما عدا أتباعهم، وكان مأكلهم ومشربهم من أهل دمشق وأقاموا بها أربعة أشهر، فلما عزموا على السفر أخذوا ترحيلة من أهل دمشق خمسين قرشاً من كل دار فاضطرب أهل دمشق اضطراباً عظيماً. وقال أبو بكر العمري من قصيدة وصف بها سنة القشلق: قوم من الأتراك عاثوا بها ... على خيول ضمّر شبق من جهة الشرق لقد أقبلوا ... والشر قد يأتي من المشرق في رقعة الشام غدت خيلهم ... وذلت الأرخاخ للبيدق أجلوا أهالي الدور عن دورهم ... بالسيف والدبوس والبندق واتخذوها مسكناً دونهم ... بالفرش من خز واستبرق وحملوهم كلفاً أعجزت ... غنيهم جهداً فكيف الفقير

стр. 528

قال المحبي: أن القشلق من عسكر السلطان مراد بن أحمد كانوا عينوا لمحاربة شاه عباس فدهمهم الشتاء دون الوصول إلى خطة العجم فأمروا أن يشتوا في دمشق وأطرافها من القرى وضيقوا على الناس أمر المعيشة وبالغوا في التعدي ونهب أموال الناس. وفي سنة ١٠٤٣ جاء السردار الأعظم محمد باشا إلى حلب يحمل مرسوماً سلطانياً بقتل نوغاي باشا لأنه تهامل في قتل من يجب قتلهم من الأشقياء واكتفى منهم بمصادرة أموالهم، فقتل وأرسل رأسه بلحيته البيضاء إلى جانب السلطنة. قال نعيما: وهذا الوزير ممن سبقت لهم خدم جلي للدين والدولة وهو من أقدر الوزراء. وفي هذه السنة تجمع نحو خمسمائة من أرباب الفساد من الانكشارية وثاروا بوالي حلب فقتل منهم خمسون وجرح كثيرون، ثم جاء رؤساؤهم معتذرين للوالي بما صدر من أوباشهم فتأثر جميع النافخين في بوق الفتنة وقتل الجرحى والهاربين منهم فسكنت الثائرة. وفي هذه السنة خرجت عساكر من دمشق وباغتوا أمير وادي التيم فنهبوها وأحرقوا قراها وباغت صاحبها العسكر الدمشقي فظفر بهم ورجعوا عن أقليمه. القضاء على الأمير فخر الدين المعني: فس سنة ١٠٤٣ قويت كلمة فخر الدين بن معن الثاني وكانت الدولة منذ ثلاث وعشرين سنة تنظر إليه نظر الخارج عن طاعتها، وحاولت غير مرة أخذه فلم تستطع لأنه كان بجيشه أقوى من الجيوش التي تساق عليه، وأرضه حصينة بطبيعتها وحصونه كثيرة ممتنعة، ولولا أن الدولة مرتبكة بغوائل خارجية لضمت قوى كثيرة من قوتها وأخذته أخذ عزيز مقتدر، فلما استراح بالها من مشاكلها أرسلت عليه جيشاً من الأناضول بقيادة أحمد باشا الأرناؤدي كافل دمشق فانتصر عليه الأمير فخر الدين في وقعتين قرب صفد، ثم انتصر عليه القائد العثماني في وادي التيم وقتل ابنه علياً وتوفي أخوه متأثراً من جراحاته، وكانت أرسلت الدولة عليه أسطولاً من البحر فغلب على أكثر سواحله وعاون بنو سيفا وأصحاب الأحزاب بعسكر وافر الجيوش العثمانية ومشوا مقابل المراكب على طريق البرفتشتت المعنيون،

стр. 529

وكانت الدولة تحاذر من معاونة أسطول البنادقة أو الطسقانيين له، ولجأ الأمير إلى شقيف تيرون فضاقت نفسه وفي رواية أنه هام على وجهه في الجبال سنة ودل جماعته عليه، ثم عمد إلى مغارة في جزين فاضطر أن يسلم نفسه إلى الوزير العثماني فدخل به إلى دمشق بموكب حافل وهو مقيد على الفرس خلفه، ثم حمل إلى الآستانة فقابله السلطان مقابلة لا بأس بها ولامه على أفعاله فقدم أعذاره، واحتج بأنه جمع الرجال لأمور مختصة بالوزراء والنواب وما قتل غير العصاة على السلطنة، وأن القلاع التي استولى عليها وفتحها كانت بيد العصاة وسلمها للسلطنة فاقتنع السلطان من كلامه وعفا عنه ولكنه أبقاه مخفوراً. ولما قام حفيده الأمير ملحم وكسر جيش والي دمشق ونهب صور وبيروت وعكا صدر أمر السلطان بقطع رأس الأمير فخر الدين وخنق ابنه الأكبر. وذكر الشهابي أن الأمير علي بن علم الدين اليمني الذي وسد إليه حكم لبنان بعد أسر الأمير فخر الدين قد ضبط جميع أرزاق بيت معن وقبض على تابعيهم وقتل بعضهم، ثم باغت الأمراء بيت تنوخ وكانوا في الحمام في السراي التي تحت القرية فقتلهم وردم البرج على أولادهم الصغار، ولم يترك من بني تنوخ ذكراً يخلفهم، ولما بلغ ذلك الأمير ملحم بن معن جمع من كان معه من القيسية وركب على اليمنية فقتل منهم كثيراً وقدر من قتل من الفريقين بنحو أربعمائة نفس، وانهزم الأمير علي بن علم الدين إلى دمشق وخرج منها بعسكر نحو خمسمائة رجل وعندما وصل تحت قب الياس نزل سعيد أحمد أبو عذرا إلى مقاتلتهم برجال العرقوب في نحو أربعمائة رجل، فأخلت له الدولة الخيام حتى دخل بالرجال ثم أطبقوا عليه فما سلم منهم إلا القليل، فرجع الأمير ملحم واختبأ في الشوف وتجددت عند ذلك الشكايات على الأمير فخر الدين وعندها أمر السلطان بقتله. قال المرادي: إن أملاك الأمير فخر الدين وهبها السلطان مراد إلى أحمد باشا الكوجك، وكان عمر التكية خارج باب الله بالقرب من مسجد القدم بدمشق فوقف عليها ذلك من متعلقاته في بلعلبك وصيدا وريشيا وحاصبيا وكانت أملاكاً لفخر الدين. وبهلاك الأمير فخر الدين وضعف سلطة الأمراء المعنيين استراح الأمراء المجاورون أمثال بني سيفا في طرابلس والأمير أحمد بن طرباي الحارثي أمير

стр. 530

اللجون في نابلس، وقد وقعت بين هذا وبين الأمير فخر الدين حروب كثيرة، وكان ابن معن توجه لقتاله ثلاث مرات ورحل ابن طرباي إلى الرملة وكان في كل مرة يكسر عسكر ابن معن ويدحره، وأشهر وقعاته معه وقعة يافا وكان هو وحسن باشا حاكم غزة محمد بن فروخ أمير نابلس فقتل من جماعة ابن معن مقتلة عظيمة وغنم غنيمة وافرة. وحارب مرة بدو الساحل على نهر العوجا وبدد جموعهم ولكن أهل كورة حارثة في جينين حاصروه في قلعة هذه المدينة وأخرجوه منها. هلك فخر الدين بن معن الثاني بعد أن كاد يستولي على أكثر الأقاليم بأخذه أملاك بني سيفا وبني الحرفوش في طرابلس وبعلبك، وقد كان واسع الصدر بعيد الغور والنظر متسامحاً يسير مع المدنية سير تعقل، وأخذ في آخر أمره يعمر في بيروت حديقة للوحوش تقليداً لملوك إيطاليا، وعمر قلعة صرخد وقلعة شميميس وقلعة فوق أنطاكية وجهزها بالعساكر. فشكته حكومة حلب للباب العالي. قال المحبي: إن ابن معن بلغ مبلغاً لم يبق وراءه إلا دعوى السلطنة، وعلل البوريني سبب أخذ الدولة له أنه أخذ يحصن قلعة الشقيف عدة أعوام وأخذ لواء صفد، فعظم شأنه وارتفع مكانه وبعد وصيته، وكثرت أمواله لأنه تصرف في أرض ما خطر في بال أحد من الأمراء التصرف فيها، وكان ملك كفر كنّه وعكا والساحل وصفد وبلاد ابن بشارة والشقيف وبيروت وصيدا وجبل كسروان وجبة المنيطرة وجبيل وأنطلياس والبترون والجرد والغرب والمتن والشوف والمقيطع والشحار والبقاع وبعلبك وصور والمعشوقة، وحصن قلعة الشقيف وجددها وشحنها بالأرزاق الكثيرة وجعل بها من آلات الحصار شيئاً كثيراً واستمر في ذلك التحصين نحو عشرة أعوام فتفطن له الأمراء والوزراء. وقال نعيما: إن قلاع الشقيف وبانياس ودير القمر كانت محصنة في عهد ابن معن فصعب استيلاء الجند العثماني عليها لما عصى على الدولة، وإن من قتلوا في برهة قليلة من عصاة الدروز بلغ نحو ثلاثة آلاف وأُحرقت بيوتهم وقراهم، وإن عهده وما بعده في الجبل مضى مع الدولة تارة في حرب وطوراً في سلم وصلح اه. ومن الحصون التي رممها وأنشأها قلعة قب الياس وبانياس وبرج الكشاف في بيروت وبرج البحصاص في طرابلس ورأس بعلبك واللبوة وحدث
следующие страницы →