Полный текст (64 стр.). Показаны 36–64 · переход к 41.
стр. 36
أنواع الحديث الضعيف
نرجع مرة أخرى إلى الحديث الضعيف، فالضعيف: هو ما لم يجتمع فيه شروط الصحيح ولا الحسن، وهذا الكلام ذكرنا بالسؤال الذي وجه في الأسبوع الماضي الذي يقول: إن الضعيف يكتفى في تعريفه بأنه لم يجتمع فيه شروط الحديث الحسن، فمن باب أولى ألا يجتمع فيه شروط الحديث الصحيح.
ثم تكلم الشيخ على تعداده وتنوعه باعتبار فقده واحدة من صفات الصحة أو أكثر أو جميعها.
فينقسم جنسه إلى: الموضوع، والمقلوب، والشاذ، والمعلل، والمضطرب، والمرسل، والمنقطع، والمعضل وغير ذلك، حتى عدوا أكثر من ستين نوعاً من أنواع الضعيف، ويمكن أن تراجعها في مقدمة الكتاب مع تعليق الشيخ أحمد شاكر.
وعلى أي حال الضعيف أنواع كثيرة، وكان ينبغي أن يورد هذه التعريفات في غير هذا الموطن؛ لأنه هنا ذكر المسند والمرفوع والموقوف والمنقطع وغير ذلك ضمن الضعيف، وليس هذا التقسيم بجيد؛ لأن هذا كله ليس من باب الضعيف، وإنما هو من باب التعريفات المبدئية لهذا العلم.
فكونه يضعها في قسم الضعيف فهذا مما لا توفيق فيه.
стр. 37
الحديث المسند
ثم ذكر المسند وهو نسبة القول إلى قائله سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً.
وأبو عبد الله الحاكم يقول: المسند: هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن العلماء اختلفوا في كلمة المسنَد، فالمسنَد: هو ما اتصل إسناده مرفوعاً، فهل هناك فرق بين المرفوع وبين المسند من وجهة نظر الحاكم؟ الفرق: أن المسند لابد وأن يكون فيه شرط الاتصال إلى النبي ﵊، أما المرفوع فممكن أن يكون مرفوعاً ويكون فيه انقطاع، فهو يريد أن يقول: كل مسند مرفوع وليس كل مرفوع مسنداً.
مداخلة: هل يمكن أن يكون مرفوعاً وفي إسناده الانقطاع؟ الشيخ: نعم طبعاً.
مداخلة: كيف يكون مرفوعاً؟ الشيخ: فكيف يكون مرفوعاً؟ فما هو المرفوع أولاً، نعرف المرفوع لأجل أن نعرف إذا كان مرفوعاً أم لا.
المرفوع: هو ما كان من قول النبي ﵊، فإذا أتاني قول عن النبي ﵊ بإسناد فيه انقطاع؛ فهذا الكلام نسميه مرفوعاً مع أنه ضعيف للانقطاع.
لكنه في نظر الحاكم ليس مسنداً؛ لأن المسند عند الحاكم يعني الاتصال مع الرفع.
والخطيب البغدادي يقول: المسند: هو ما اتصل إلى منتهاه، ومنتهاه يمكن أن يكون النبي ﵊، فيكون المرفوع عند الخطيب يساوي المرسل، ويمكن أن يكون منتهاه هو الصحابي؛ فيكون الموقوف يساوي المرسل عند الخطيب البغدادي، ويمكن أن يكون إلى التابعي؛ فيكون المسند عند الخطيب يساوي المقطوع على التابعي، ويمكن أن يكون التابعي ومن دونه.
فالإمام الخطيب يقول: المسند هو ما روي بالسند المتصل إلى قائله، وقائله يمكن أن يكون النبي ﵊، ويمكن أن يكون الصحابي ﵁، ويمكن أن يكون التابعي ومن دونه.
فهو يريد أن يقول: إن كل ما روي بإسناد متصل إلى قائله أياً كان هذا القائل فهذا الكلام يعد مسنداً.
ثم لـ ابن عبد البر كلام يقول فيه: إنه المروي عن رسول الله ﷺ ، سواء كان متصلاً أو منقطعاً.
وهذا الكلام يمكن أن يخالف كلام الحاكم ويمكن أن يخالف كلام الخطيب.
يخالف كلام الحاكم لأن الحاكم يشترط الاتصال، وابن عبد البر لم يشترط الاتصال، إذاً: ابن عبد البر التقى مع الحاكم في أنه لابد أن يكون الحديث مرفوعاً، وافترقا في أن الحاكم اشترط الاتصال وابن عبد البر لم يشترط الاتصال.
وأطمئنكم بأن هذه الاختلافات بين أهل العلم معارك تدور بينهم لا تضر في وقت العمل؛ لأن في وقت العمل كل هذه الخلافات تزول، فنحن إذا تركنا التعريفات والحدود التي وضعها أهل العلم لكل مصطلح على حدة وجئنا إلى واقع العمل نجد أن كل واحد من العلماء يستخدم مصطلح صاحبه.
خذ على ذلك مثالاً: أبو داود عن سريج عن قتيبة عن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﵊ أنه قال في هذا الإسناد كل راوٍ من هؤلاء أدرك شيخه وأخذ عنه، ففي هذه الحالة سنقول: على مذهب الحاكم هذا هو ما يطلق عليه المسند؛ لأنه متصل لا يوجد فيه انقطاع، بمعنى أن كل تلميذ وكل راوٍ أخذ عن شيخه، وهذا الكلام من كلام النبي ﵊، والحاكم يشترط في المسند شرطين: الشرط الأول: عدم الانقطاع.
والشرط الثاني: أن يكون القائل هو النبي ﵊.
أما الخطيب فيقول: أنا أتفق مع الحاكم في جزئية، وأختلف معه في جزئية، أوافقه في شرط وأخالفه في الشرط الآخر، أوافقه في الاتصال، فالاتصال شرط في المسند، وأخالفه في القائل، فليس بلازم أن يكون القائل هو النبي ﷺ ، بل يمكن أن يكون أبو هريرة أو أبو سلمة، أليس عندنا في السند السابق: أبو سلمة عن أبي هريرة؟ ولذلك قال فيه: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، ومنتهاه يمكن أن يكون النبي ﵊، ويمكن أن يكون أبا هريرة، ويمكن أن يكون أبا سلمة، في حين أن التعريفات السابقة لأهل العلم تقول: إن ما كان من قول النبي ﵊ فهو المرفوع، وما كان من قول الصحابي فهو الموقوف، وما كان من قول التابعي فيكون هو المقطوع.
فـ الخطيب قال: كل هذا يطلق عليه المسند إذا روي بإسناد متصل.
إذاً: هو يوافق الحاكم في شرط، ويخالفه في الشرط الثاني.
وابن عبد البر أتى برأي جديد، وافق الحاكم في شرط وخالفه في شرط، الشرط الذي وافق فيه الحاكم
стр. 38
الحديث المرفوع
والمرفوع: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً عنه، وسواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً.
يقول: إن المرفوع هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو سنة خَلْقية أو خُلُقية، سواء كان هذا متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً.
وهذا يساوي عند ابن عبد البر المسند؛ لأنا قلنا: ابن عبد البر يشترط أن يكون المسند من قول النبي ﵊.
ثم يقول: ونفى الخطيب أن يكون مرسلاً.
الإرسال أن التابعي كـ الحسن البصري أو قيس بن أبي حازم أو الحارث الأعور أو غيرهم من التابعين يقول: قال رسول الله، فهو ما أدرك الرسول ﷺ ، ومع هذا يقول: قال رسول الله ﷺ ، فنسمي هذا: إرسالاً، والإرسال بمعنى الإطلاق بلا قيد، وكأن التابعي أطلق الحديث إلى النبي ﷺ ولم يقيده بالصحابي الذي روى هذا الحديث.
قال: ونفي الخطيب أن يكون مرسلاً، يريد أن يقول: إن شرط المرفوع ألا يكون مرسلاً، وهذا كلام خطأ؛ لأن الحق نسبة القول إلى قائله، وإن كانت هناك علل.
فالتابعي يقول: قال رسول الله، ففي هذه الحالة لا نستطيع أن نقول: إن هذا الكلام ليس مرفوعاً؛ لأن التابعي رفعه، فكيف أنزله عن درجة الرفع؟ لا ينفع ذلك أبداً، فلا يصح أن أقول: إن هذا الكلام من كلام الصحابي؛ لأن الذي أرسله هو أعلم به قد رفعه إلى النبي ﵊.
فكيف إذا كان السند به علة من العلل أنزله عن درجة المرفوع إلى درجة الموقوف أو المقطوع؟ هذا الكلام لم يقل به أحد إلا الخطيب.
قال الخطيب في تعريف المرفوع: هو ما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله ﷺ .
وهذا كلام مرجوح غير راجح، وليس عليه العمل.
والمسند هو ما روي بالسند إلى قائله، سواء كان هذا الإسناد صحيحاً أو ضعيفاً.
стр. 39
الفرق بين الحديث المرفوع والموقوف والمنقطع
ثم يقول: النوع الثاني وهو الموقوف: ولنبدأ بجزئية مبدئية، وهي أن المصطلحات الأربعة لابد أن تحفظها، وإن اختلف فيها أهل العلم إلا أن العمل عليها: المرفوع: هو ما قاله النبي، والموقوف هو ما قاله الصحابي، والمقطوع هو ما قاله التابعي.
وهناك فرق بين المقطوع والمنقطع: فالمقطوع: هو ما قاله التابعي.
وأما المنقطع فهو ما كان في سنده انقطاع، سواء كان مقطوعاً أو موقوفاً أو مرفوعاً.
ونعيد للمراجعة والفائدة: المرفوع: هو ما كان من قول النبي ﵊، وسمي مرفوعاً لرفعته أو لرفعة نسبته إلى قائله، فإن الكلام يستمد شرفه وقيمته من قائله، فإذا كان القائل هو النبي ﵊ استحق أن يكون كلامه من أرفع الكلام وأحسن الكلام، وأنا بهذا أعطيك أمارة، فعندما تسمع أنه مرفوع تعلم أنه قول النبي ﵊.
والموقوف: هو ما كان من قول الصحابي.
والمقطوع: هو ما كان من قول التابعي.
أما المنقطع فهو علة من العلل، وهي سقوط راوٍ أو أكثر في الإسناد ليس على التوالي، سواء كان هذا الإسناد مقطوعاً على التابعي أو موقوفاً على الصحابي أو مرفوعاً إلى النبي ﵊.
فالفرق بين المقطوع والمنقطع: أن المقطوع هو ما كان من قول التابعي، والمنقطع هو علة تلحق الإسناد بسقط، سواء كان هذا الإسناد مقطوعاً على التابعي أو موقوفاً على الصحابي أو مرفوعاً إلى النبي ﵊.
وانتبه إلى أن العلماء أدخلوا مسألتين في بعض: أحياناً يطلقون الموقوف على المقطوع والمقطوع على الموقوف، ولكن في هذه الحالة أليس هذا يخالف القاعدة؟ وما كان بخلاف القاعدة يلزم فيه التقييد.
والقاعدة عندي: أن كل ما صدر عن الصحابي موقوف عليه، مثلاً: أقول: هذا كلام أبي سعيد الخدري، فهو موقوف على أبي سعيد.
وإذا كان هذا الكلام من كلام الزهري فممكن أقول: إنه موقوف، ولكن لابد أن أقول: موقوف على الزهري، إذاً: هنا تقييد؛ لأنني لو قلت: موقوف وسكتُّ أوهمت أن القائل صحابي، ويمكن أن أقول عن كلام أبي سعيد الخدري: كلام مقطوع؛ وفي هذا إيهام بأن أبا سعيد تابعي، والحقيقة أنه صحابي، ولكني لو قلت: مقطوع على أبي سعيد، لكان هناك تقييد وخروج بـ أبي سعيد عن حد التابعي إلى حد الصحابي، يعني: الأصل فيما قاله النبي ﷺ أنه مرفوع، وما قاله الصحابي موقوف إلا إذا قيد، وما قاله التابعي مقطوع إلا إذا قيد بقولنا: موقوف على فلان، ومقطوع على فلان، وهذا الكلام الذي قلناه هو الأصل، وليس هناك كلام آخر في المسائل الثلاث هذه.
стр. 40
الحديث الموقوف
يقول: الموقوف: ومطلقه يختص بالصحابي، وكلمة (مطلقه) المراد بها: أنني إذا قلت: (موقوف) فقط وأطلقت هذه الكلمة دون تقييد فهذا يدل على أن القائل صحابي، إلا إذا قيد، والتقييد إنما يقيد الإطلاق، فإذا قلت: ومطلقه يختص بالصحابي معنى ذلك: أن قيده وتقييده يختص بغير الصحابي.
ولا يستعمل فيمن دونه إلا مقيداً، أي: مصطلح الموقوف لا يستعمل فيمن دون الصحابي إلا مقيداً، فيقال: موقوف على الزهري، فإذا قلت: موقوف وأطلقت ولم أقيد فلابد أن يكون هذا القائل صحابياً.
لكن لو قلت: موقوف على فلان، فهل يلزم من ذلك أن يكون القائل صحابياً؟
الجواب
لا؛ لأنني قيدت، ومعنى قيدت: أنني أخرجته عن أصله وحده المعروف.
وقد يكون إسناده متصلاً وغير متصل، يعني: وهذا ليس في الموقوف فقط، بل المقطوع والموقوف والمرفوع لا يلزم فيها الاتصال، فلا يعني ذلك أنه إذا أتاني حديث مرفوع ووجدت فيه انقطاعاً أقول: إن هذا الانقطاع يقدح في الرفع، وليس في الرفع فحسب، بل إنه سيقدح في الصحة، إنما لا يقدح في أن هذا الكلام منسوب إلى النبي ﵊، وهذا الانقطاع لا يقدح في كون هذا الكلام موقوفاً على الصحابي، وهذا الانقطاع لا يقدح في نسبة هذا الكلام إلى التابعي.
يعني: لا يلزم في المرفوع أن يكون متصلاً، والاتصال شرط في الصحة وليس شرطاً في الرفع ولا في الوقف ولا في القطع.
يقول: وهو الذي يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أيضاً: أثراً.
إذاً: الأثر عند كثير من الفقهاء والمحدثين: هو ما كان موقوفاً على الصحابي، ومنهم من يعد الأثر في مقابل الخبر، فيسمي راوي الخبر: إخبارياً، ويسمي راوي الأثر: أثرياً، وكأنهم ينزلون المُخبِر على من يتكلم في الأخبار وسير الناس وأيامهم وغزواتهم وحروبهم وغير ذلك مما نقول عنها نحن: كتب التاريخ.
فالمؤرخ يساوي عندهم راوي الخبر، بخلاف الأثري فهو الذي يروي الآثار، هذه الآثار تطلق على المقطوع والمرفوع والموقوف، لكن عند إطلاق لفظ الأثر يكون الكلام موقوفاً على الصحابي، لكن يروى أحياناً الأثر في مقابل البدعة؛ يقال: هذه البدعة لا تستند إلى علم، تستند إلى هوى، أما الأثر فمستنده الاتباع، فالحديث هو الاتباع.
وأهل الأثر هم أهل الحديث، لا نقول: هم أهل الموقوفات، وإنما هم أهل الحديث، سواء كان هذا الحديث موقوفاً أو مقطوعاً أو مرفوعاً.
قال: وعزاه ابن الصلاح إلى الخراسانيين أنهم يسمون الموقوف أثراً.
قال: وبلغنا عن أبي القاسم الفوراني أنه قال: الخبر ما كان عن رسول الله ﷺ ، والأثر ما كان عن الصحابي.
وهناك تفصيل آخر: أن الخبر أعم من الأثر، بمعنى: أن الخبر هو ما جاء عن النبي ﷺ وعن غيره، والأثر هو ما جاء عن الصحابي فقط، فكل خبر أثر وليس كل أثر خبراً.
واعكس عملياً: الخبر هو ما جاء عن غير النبي ﵊، والأثر هو ما جاء عنه وعن غيره، نفس العملية الأولى لكن بالمقلوب.
فإذا كان أمامنا قول عن أبي هريرة نقول: قد جاء في الخبر عن أبي هريرة، كقولك تماماً: وقد جاء في الأثر عن أبي هريرة، بل وقد جاء في الأثر عن داود ﵇، ونحن نتكلم عن الأثر والخبر من حيث النبي ﵊ والصحابة، وأيضاً يقال في المروي عن الأنبياء.
قال: وبلغنا عن أبي القاسم أنه قال: الخبر ما كان عن رسول الله ﷺ ، والأثر ما كان عن الصحابي، ومن هذا يسمي كثير من العلماء الكتاب الجامع لهذا وهذا بـ (السنن والآثار)، وتعرفون أن كتابي السنن والآثار للبيهقي والطحاوي من أحسن الكتب وأعظم الكتب التي ألفت في هذا إطلاقاً، وقد جمعت المرفوع والموقوف.
فالمرفوع هو ما يطلقون عليه السنن، والموقوف هو ما يطلقون عليه الأثر، ولذلك قالوا: السنن والآثار، وهذا صنيع الطحاوي، والطحاوي نفسه صنف كتاب مشكل الآثار، وشرح معاني الآثار، وعندما ترجع إلى كتاب شرح معاني الآثار أو مشكل الآثار عند الطحاوي تجده يتكلم فيه عن المرفوع.
وطبعاً إذا كانت المسألة محل اجتهاد فلا يلزم أن أرجح في القول في الحقيقة، بل يمكن أن يكون قوله أرجح من قول غيره، ويمكن أن يكون قول غيره أرجح من قوله، فلا تنكر علي ولا أنكر عليك.
فهذا من المصطلحات التي لا تؤثر، يعني: الآن أنا وأنت على أن هذا الحديث مثلاً مرفوع حيث إنه من قول النبي ﵊، فأنت تسميه أثراً وأنا أسميه خبراً، فهذا لا يغير في حقيقة سند هذا الحديث الذي أمامي، وسمه كما تحب، لا مشاحة في الاصطلاح، وهذا لا ينفي كونه مرفوعاً إلى النبي ﵊.
стр. 41
الحديث المقطوع
المقطوع: نحن ذكرنا قبل قليل أن عندنا مصطلحات ثلاثة: المرفوع والموقوف والمقطوع: وقلنا: المرفوع هو ما كان من قول النبي ﵊.
والموقوف: هو ما كان من قول الصحابي إلا إذا قيد، بمعنى إذا كان من قول من دون الصحابي وقلنا: موقوف على فلان.
والمقطوع: هو ما كان من قول التابعي أو فعله إلا قيد بأنه من كلام الصحابي.
وهو غير المنقطع؛ لأن المقطوع هذا مصطلح لكلام معين، أما المنقطع فهي علة تلحق الإسناد، بمعنى: السقط في الإسناد.
نحن قلنا: إن العلماء يقولون: إن المقطوع هو ما كان من قول التابعي.
وقد خالف الطبراني هذا التعريف، فقال: المنقطع يساوي المقطوع، يعني: أن المقطوع والمنقطع هو اصطلاح واحد، فهو عند الطبراني يدل على العلة.
والذي يأتي عن طريق التابعي قال: نسميه موقوفاً مقيداً.
يعني: جمهور أهل العلم على أن المنقطع غير المقطوع، فالمقطوع هو ما كان من قول التابعي، والمنقطع هو ما كان مقطوعاً أو موقوفاً أو مرفوعاً ولكن فيه علة سقط في السند؛ فهذا يسمى: سند منقطع.
لكن الطبراني قال: لا، المقطوع هو نفس مصطلح المنقطع، وهو يدل على العلة، والكلام الذي يأتي من طريق التابعي نسميه موقوفاً مقيداً، فنقول: هذا كلام موقوف على الزهري هذا كلام موقوف على أبي سلمة على سعيد المقبري أو غير ذلك.
فالمقطوع في نظر الجمهور: هو ما كان من قول التابعي، إلا الشافعي والطبراني فإنهما اعتبرا المنقطع والمقطوع بمعنى واحد، وهو ما كان فيه علة، سواء كان الإسناد موقوفاً أو مقطوعاً أو مرفوعاً، وحملوا كلام التابعي على الموقوف المقيد.
стр. 42
الكلام في قول الصحابي: (كنا نفعل كذا أو نقول كذا)
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على قول الصحابي: (كنا نفعل)، أو (نقول كذا)، إن لم يُضفه إلى زمان النبي ﷺ ، فقال أبو بكر البرقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي: إنه من قبيل الموقوف، وحكم النيسابوري برفعه؛ لأنه يدل على التقرير، ورجحه ابن الصلاح.
يعني: عندما يقول الصحابي: كنا نفعل كذا أو نقول كذا، اختلف أهل العلم في هذا الكلام: فمن حمله على زمن النبوة حمله على المرفوع، وكان حق الصحابي أن يقول: كنا نفعل كذا في زمن النبي ﷺ ، ولكنه لم يقل فقط: في زمن النبي ﷺ .
ومنهم من قال: إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا في زمن النبي، أو كنا نقول كذا في زمن النبي ﵊؛ فإنما يحمل على الرفع، ويكون كالحديث التقريري.
ومنهم من قال: لا، إذا قال: كنا نفعل كذا أو نقول كذا فقط، ولم يقل: في زمن النبي ﷺ ؛ لا يحمل على الرفع؛ لأن الصحابي ممكن أن يرجع إلى الأمصار كما كان عبد الله بن مسعود في الكوفة حين يقول: كنا نفعل كذا، فمنهم من يقول: إن قول ابن مسعود في هذه الحالة يحمل على الرفع، ومنهم من يقول: لا، بل ربما يقصد ابن مسعود: كنا نفعل كذا، أي: في عهد الصحابة أو في اجتماع الصحابة في المدينة بعد موت النبي ﵊، أو ربما يقول: كنا نفعل كذا أو نقول كذا كالإجماع عندهم، أي: عند الصحابة؛ لأنه لا يصح الإجماع في حياة النبي ﵊.
فيقول: ومن هذا القبيل قول الصحابي: (كنا لا نرى بأساً بكذا)، أو (كانوا يفعلون أو يقولون)، أو (يقال كذا في عهد رسول الله ﷺ : إنه من قبيل المرفوع، والمسألة فيها خلاف الراجح فيها الرفع؛ لاعتبار ذلك من باب المرفوع لا الموقوف.
يعني: أن قول الصحابي: كنا نقول كذا أو كنا نفعل كذا، أو كنا لا نرى بأساً بكذا؛ كل ذلك من باب المرفوع، وهذا هو القول الراجح؛ قول الصحابي: (أمرنا بكذا)، أو (نهينا عن كذا)، الآمر أو الناهي عن ذلك هو النبي ﷺ .
وقول الصحابي: كنا لا نرى بأساً بكذا، هذا يحمل على أنه كان في زمن النبي ﵊، فقول الصحابي: نهينا عن كذا أو أمرنا بكذا، المتبادر إلى الذهن أن الآمر والناهي هو النبي ﵊، لكن ألا يمكن أن يكون غيره؟ يمكن أن يكون غيره، يمكن أن يكون الآمر والناهي أمير المؤمنين، خليفة من الخلفاء الأربعة، وما دام ظهر الاحتمال بطل الاستدلال، ففي هذه الحالة سنقول: إن الراجح من أقوال أهل العلم أن قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا أنه مرفوع.
يقول: وهو قول أكثر أهل العلم، يعني: حمله على الرفع هو قول أكثر أهل العلم.
وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي.
стр. 43
معنى قول الصحابي: (من السنة كذا)
وكذا الكلام على قوله: (من السنة كذا)؛ لأنه يمكن أن يكون من سنة الخلفاء، لكن جمهور أهل العلم على أن قول الصحابي: من السنة كذا، يحمل على الرفع.
وكقول أنس: (أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)، فقول أنس بن مالك: أمر بلال، الذي أمر بلالاً هو النبي ﷺ .
стр. 44
ما يكون له حكم المرفوع من تفسير الصحابي
قال: وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع فإنما ذلك فيما كان سبب نزول أو نحو ذلك.
وهكذا إذا قال الصحابي كلاماً لابد أن يكون مصدره وحياً، والصحابي لا ينزل عليه الوحي.
بل الوحي ينزل على النبي ﷺ من الله ، وكذلك ينزل على أولياء الشيطان من شياطينهم.
ذهبت مرة لأناقش شخصاً من جماعة التوقف والتبين في الإسماعيلية، فسألته سؤالاً، فقال: لحظات لو سمحت، فدخل ثم رجع فقال لي: أنت كافر، فقلت له: من قال لك ذلك؟ قال: جبريل، قلت له: متى قال لك ذلك؟ قال: الآن، وإذا لم تصدق فائت لأريك، فذهبت لأرى، فدخلت مجاراة له، فقلت له: أين جبريل؟ فقال: هذا هو، ألا تراه؟ فقلت له: لا، فقال لي: أنت أعمى.
وشيخ الإسلام ابن تيمية تكلم عن هذه المسألة بالتفصيل في كتاب الفرقان بين الحق والباطل، فقال: إن الشياطين تتمثل لأوليائها كأنها رجال أو إناث أو ملائكة، ويرونهم ويتعاملون معهم، ولا يراهم أحد إلا من تعامل معهم ووالاهم.
فأنا قلت له: أنا أصدقك أن هناك شخصاً في هذه الغرفة تراه أنت ولا أراه أنا، وهذا الشخص محل خلاف بيني وبينك، أنا أقول: إنه شيطان، وأنت تقول: إنه جبريل، وما كان لجبريل أن يتمثل لأمثالك، فقال: هذا هو العمى والضلال الذي نهانا عنه شيخنا أن نتحدث مع أمثالكم فيه.
ولما مات أبوه بسببه تأثر لذلك، وفي الوقت نفسه وافق موت أبيه ضربة ساخنة له من ذلك الولي والعبد الصالح الذي كان يأخذ منه، فرأى أن العملية فيها فقد من ناحيتين: ضرب وموت، فعند أن هداه الله ظل يسأل عني إلى أن وصل، فلما رأيته قلت: أنا رأيت هذا الرجل من قبل، فقلت له: أنت ذلك العبد الصالح؟ فاستحى ونكس رأسه إلى الأرض وقال: ذلك كان في الماضي، وأنا أستغفر الله مما كان، فقلت: عفا الله عما كان، وأسأل الله تعالى أن يعفو عنك، ولكن من الذي كان وراءك؟ فظل يحكي لي ما حصل له من مصائب.
فالصحابي إذا تكلم في تفسير القرآن الكريم بكلام لا يتفق له نقول: عرف الصحابي هذا الكلام من رسول الله ﷺ .
فهو لما يتكلم عن النار ووصف النار والجنة ووصف الجنة ويتكلم عن الحساب والجزاء والصراط وغير ذلك، هل هذا الصحابي رأى هذه الأشياء؟ لم ير شيئاً من ذلك، لكننا نقبل كلام هذا الصحابي؛ لأننا أحياناً نضطر أن نأخذ كلام الصحابي في الغيبيات، ويكون في حكم المرفوع.
والصحابة أنفسهم اختلفوا في تفسير القرآن الكريم، فتجد الآية الواحدة والكلمة الواحدة اختلف فيها الصحابة اختلافات كثيرة واختلافات عدة، فيتعذر أن كل قول من أقوالهم يكون في حكم المرفوع.
إذاً: هذا الكلام يحتاج إلى تقييد؛ فحتى أعتبر أن كلام الصحابي موقوف في حكم المرفوع يلزم منه شرطان: الشرط الأول: أن يكون هذا الكلام فيما لا يعرف إلا بوحي؛ لأن الصحابي لا ينزل عليه الوحي، فما يدريه بوصف عالم الغيب، فلابد وأن يكون هذا الكلام أتاه من قبل الوحي، أي: من قبل النبي ﷺ ، ولكن كل ما في هذا: أنه قصر في ذكر النبي ﵊، فهذا الكلام موقوف على الصحابي، ولكنه في حكم المرفوع؛ لأن هذا الكلام لا يمكن أن يجتهد فيه الصحابي؛ لأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه.
الشرط الثاني: أن هذا الصحابي الذي أتى من طريقه هذا الخبر لم يكن يروي عن أهل الكتاب، وليس له علاقة بالكتب السابقة؛ لأن كثيراً من الصحابة كان يأخذ عن الأحبار والرهبان، وهم يروون من كتبهم ما وافق الكتاب، وما خالف الكتاب أو ليس في الكتاب؛ لأن الإسرائيليات على ثلاثة أنواع: منهما ما وافق الكتاب فهو حق.
ومنها ما خالف الكتاب فهو باطل.
ومنها ما لم يكن فيه مخالفة ولا موافقة فلا نكذبهم ولا نصدقهم.
وهذا معنى حديث روي عن النبي ﷺ .
فإذا كان الصحابي لا يعلم عنه أنه أخذ عن أهل الكتاب، وأن ما رواه لا يمكن أن يقع له إلا من النبي ﷺ لأنه من أمور الغيب التي لا يعلمها أحد إلا بالوحي؛ ففي هاتين الحالتين أقول: إن كلام الصحابي هذا موقوف عليه، ولكنه في حكم المرفوع.
стр. 45
شرح كتاب الباعث الحثيث - الحديث المرسل
الحديث المرسل وصف لما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ دون ذكر الصحابي، ويندرج في أقسام الضعيف؛ لاحتمال كون الساقط تابعياً، ومنه نوع موصول ذكره العلماء، وهو ما رفعه السامع من النبي ﷺ الذي فاته شرف الصحبة.
стр. 46
أجوبة على أسئلة في الحكم على أحاديث
стр. 47
الحكم على حديث: (ليفعل البار ما يفعل فلن يدخل النار)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحد الإخوة سأل عن بعض الأحاديث: الحديث الأول: (ليفعل البار ما يفعل؛ فلن يدخل النار، وليفعل العاق ما يفعل؛ فلن يدخل الجنة)، وهذا الحديث أنا لم أجده مع كثرة البحث عنه.
стр. 48
الحكم على حديث: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة)
الحديث الثاني: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرُّ بالقرآن كالمسر بالصدقة)، هذا الحديث حديث حسن، وللعلماء أقوال فيه، فنبدأ بمسألة أيهما أولى: الجهر بالقرآن والجهر بالصدقة أم الإسرار؟ فأحياناً يكون الجهر أولى من الإسرار، وأحياناً يكون الإسرار أولى من الجهر في أمور معروفة.
الحديث الثالث: (ستة لعنتهم ولعنهم كل نبي مجاب الدعوة: التارك لسنة، والمستحل لمحارم الله، والمستحل من عترتي ما حرمه الله، والزائد في كتاب الله، والمتسلط على أمتي بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله)، هذا حديث ضعيف.
والجاهر بالقرآن هو الذي يقرأ القرآن بصوت مسموع، ولذلك النبي ﷺ لما رأى رجلاً يقرأ القرآن بصوت مرتفع وهناك من يصلي قال: (كلكم يناجي ربه)، يعني: الذي يقرأ القرآن لا شك أنه يناجي الله ، وكذلك الذي يصلي، قال: (فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)؛ لأجل التشويش.
ومر النبي ﷺ على أبي بكر فوجده يصلي الليل خافتاً صوته جداً، وعمر على العكس من ذلك كان رافعاً صوته جداً، ففي صبيحة اليوم الثاني حث النبي ﷺ أبا بكر على أن يرفع صوته قليلاً، وحث عمر على أن يخفض صوته.
فإن كان الجهر بالقرآن للتعليم أو للدرس أو لغير ذلك فالجهر أولى من الإسرار، وإلا فالأفضل الإسرار.
وكذلك إذا كان الجهر بالقرآن يؤدي إلى الرياء فالإسرار به أولى، وكذلك الصدقة إن كان الجهر بها يؤدي إلى الرياء الذي يؤدي بدوره إلى إحباط العمل فالسر بها أولى.
стр. 49
الحكم على حديث: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)
السؤال
في جامع العلوم والحكم: وخرج الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يمس ويصبح ناصحاً لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم)، قال في التحقيق: أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد أن فيه عبد الله بن جعفر، وهو مختلف في توثيقه، فما مدى صحة هذا الحديث؟
الجواب
على أي حال الحديث من حيث هذا اللفظ ضعيف، وإن كان يشهد لجزأيه أحاديث كثيرة صحيحة.
فمثلاً قوله: (ومن لم يمس ويصبح ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)، يشهد له حديث: (الدين النصيحة)، وقوله: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) تشهد له أحاديث كثيرة بهذا المعنى لا بهذا اللفظ، أما هذا الحديث بعينه من حديث حذيفة بن اليمان فهو حديث ضعيف.
стр. 50
تعريف الحديث المرسل
ذكرنا أن أي نوع من الأنواع لو تعرضنا له لا بد أن نعرج على معناه اللغوي قبل معناه الاصطلاحي، فما معنى المرسل في اللغة؟ المرسل في اللغة: اسم مفعول من أرسل، بمعنى أطلقه ولم يقيده، فقولي مثلاً: أرسلت الحمامة في الهواء، أرسلت السمكة في الماء، بمعنى: أطلقت لها العنان والسراح، سواء في الجو أو في البحر، أو تقول: أرسلت رجلاً في الطريق، أو تقول: ناقة مرسال، بمعنى: سريحة غير مقيدة.
فعلماء المصطلح اصطلحوا على تسمية الحديث الذي رواه التابعي ولم يقيده بصحابي عن النبي ﵊، وقالوا: إن هذا الحديث يسمى مرسلاً؛ لأن التابعي أرسله إلى النبي ﷺ ولم يقيده بالصحابي الذي سمعه منه؛ دل ذلك على أن العلاقة وثيقة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي، هذا من حيث اللغة، أما من حيث الاصطلاح فله تعريفان: التعريف الأول: هو ما سقط من آخر إسناده من بعد التابعي، سواء كان صغيراً أو كبيراً.
لماذا ذكرت هذه التفرقة؟ لماذا لم أقل: هو ما سقط من إسناده رجل بعد التابعي أو الصحابي الذي بعد التابعي؟ لأن بعض العلماء قالوا: يفرق بين مرسل كبار التابعين ومرسل صغار التابعين، فما هو الفرق؟ قال: الغالب في مرسل كبار التابعين أنهم يروون عن الصحابة مباشرة، وأما صغار التابعين فإنما يروون عن كبار التابعين.
إذاً: مرسل صغار التابعين يمكن أن يكون السقط فيه اثنين: التابعي الكبير والصحابي، فيكون في هذه الحال معضلاً؛ لأنه سقط فيه اثنان وراء بعض، هذا بالنسبة لصغار التابعين.
أما كبار التابعين فالغالب أنه سقط واحد فقط، لكن لا يوجد يقين.
فيقول هنا: المرسل اصطلاحاً: هو ما سقط من آخر إسناده من جهة التابعي.
وقد قلنا قبل: إن المعلق هو ما سقط من أول إسناده رجل من جهة المصنف؛ لأن للإسناد آخرين وأولين، فيمكن أن تقول: من أول الإسناد من جهة الصحابة، ويمكن أن تقول: من آخر الإسناد من جهة الصحابة.
فللمرسل اصطلاحاً معنيان: المعنى الأول: هو ما سقط من آخر إسناده من بعد التابعي، سواء كان هذا التابعي صغيراً أو كبيراً؛ كأن يقول التابعي الإمام ابن شهاب الزهري -مثلاً-: قال رسول الله ﷺ ، فـ الزهري من صغار التابعين، ونحن عندما نتكلم عن الصغار نعني الإدراك، فـ سعيد بن المسيب أدرك كثيراً من الصحابة، وكان متزوجاً بنت أبي هريرة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى أدرك مائة وعشرين من الصحابة، وهو القائل: أدركت مائة وعشرين من أصحاب النبي ﷺ ما منهم أحد تعرض عليه الفتوى إلا ود أن أخاه كفاه.
فهذا نص صريح وصحيح عنه في أنه أدرك مائة وعشرين صحابياًَ، فمن أدرك مائة وعشرين صحابياً -على اختلاف الصحابة في أسنانهم وتضلعهم في العلم- هل يقال عنه: إنه من صغار التابعين أم أنه من كبار التابعين؟
الجواب
يقال: إنه من كبار التابعين.
وقيس بن أبي حازم كذلك، فـ قيس بن أبي حازم وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن المسيب كل هؤلاء من كبار التابعين الذين أدركوا جلة من الصحابة، بخلاف الزهري وأمثاله، والحسن البصري كان من الكبار، لكن الحسن البصري مراسيله مردودة؛ لأنها من أضعف المراسيل؛ لأن الحسن اتهم بالتدليس، ودلَّس عن الصحابة وعن غيرهم من التابعين، بل لما تتبع بعض أهل العلم مراسيل الحسن وجدوه يدلس عن الضعفاء والثقات في وقت واحد.
فعلى أي حال المرسل هو أن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ فأقول: إن المعنى الأول لمعنى المرسل من حيث الاصطلاح: هو ما سقط من آخر إسناده من بعد التابعي، كأن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ ، والتابعي لم يدرك النبي ﵊، ولو كان أدركه لجاز له أن يقول: قال رسول الله، وحدثنا رسول الله، وبهذا يكون صحابياً وليس تابعياً، إنما التابعي هو من أدرك الصحابي، والصحابي هو من لقي النبي ﵊؛ فهذا هو التعريف الأول.
стр. 51
أنواع المرسل
стр. 52
المرسل المنقطع
وهناك من أنواع المرسل في هذا الباب مرسل له حكم الاتصال أو موصول الإسناد، فعندما أقول في أحد التعريفات: هو أن يقول التابعي: قال رسول الله، فالتابعي لم يدركه، وعلى هذا يكون فيه انقطاع، والانقطاع هنا يمكن أن يكون الساقط واحداً أو اثنين أو أكثر، كرواية الأقران بعضهم عن بعض، وهذا النوع نسميه: الحديث المدبج، والحديث المدبج: هو أن يروي الأقران بعضهم عن بعض، كأن يروي تابعي عن تابعي عن تابعي عن تابعي ثم عن الصحابة، فالأربعة التابعيون لما رووا الحديث بعضهم عن بعض لو حذف ثلاثة تابعيون وذكر الصحابي ستقول: هذا التابعي روى عن ذلك الصحابي، لكن في الحقيقة بينه وبين ذلك الصحابي في هذا الحديث على وجه الخصوص ثلاثة، فهو لم يسمع منه مباشرة، وإنما سمعه من واحد وهو سمعه من ثانٍ وهو سمعه من ثالث، ثم بعد ذلك هذا الثالث سمعه من الصحابي.
فهذه أحد صور المرسل: أن يروي التابعي الحديث عن رسول الله ﷺ دون أن يقيده بالذي سمع منه ذلك الحديث، فأنا أقول: إن هذا الإسناد ضعيف؛ للانقطاع.
لكن عندنا نوع من المرسل أيضاً سأسميه حديثاً مرسلاً وإسناداً مرسلاً، لكنه موصول، وله حكم صحة السند إلى المرسِل.
فالمرسل نوعان: النوع الأول: أن يكون المرسل منقطعاً من بعد التابعي، كأن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ ، وفي هذه الحالة الإسناد هذا منقطع، وهذا أحد أنواع المرسل، وحكمه الضعف، ضعف بسبب الانقطاع والسقط من الإسناد؛ لأنه ليس هناك يقين بأن الساقط صحابي، مع أنه يمكن أن يكون الساقط صحابياً وأن يكون تابعياً، والتابعي هذا تجري عليه أحكام الجرح والتعديل، فيمكن أن يكون ثقة ويمكن أن يكون غير ثقة، ففي هذه الحالة الجهل بحال الساقط يجعلني أرد الحديث؛ لأن حكم الساقط لا أعرفه، هل هو ثقة أم غير ثقة؟ ولست متأكداً من أن الساقط صحابي فقط؛ لأنه يمكن أن تكون الرواية عن الأقران.
إذاً: التابعي يمكن أن يروي عن تابعي، ويمكن أن يروي عن صحابي، فإذا روى حديثاً وقال فيه: قال رسول الله ﷺ ؛ فأنا في هذه الحالة لا أدري: هل هو حمل هذا الحديث عن الصحابي أم عن تابعي مثله؟ وهل التابعي أخذه عن الصحابي، فأنا لا أعرف في هذه الحالة هل الساقط في هذا الإسناد صحابي وتابعي، أم صحابي فقط؟ فلو تأكدت أن الساقط صحابي فقط فالحديث صحيح؛ لأن الصحابة كلهم عدول، فإذا كان الساقط صحابياً يقيناً فيقبل هذا الحديث مطلقاً؛ للحكم العام على الصحابة بأنهم جميعاً عدول.
لكن أنا لست متأكداً أن هذا الساقط هو صحابي، فيمكن أن يكون صحابياً وبجانبه تابعي، والتابعي هذا يمكن أن يكون ثقة ويمكن أن يكون غير ثقة، وأنا في هذه الحالة لا أعرف حكم ذلك التابعي، ولا أعرف إذا كان الساقط تابعياً وصحابياً، أم صحابياً فقط، أم مجموعة تابعيين وصحابي، أم غير ذلك، فلما خفي علي عين الساقط توقفت في قبول الحديث؛ لجهالة عين الراوي الساقط من الإسناد، فلما خفي علي عين الراوي الذي سقط وأنا لست متأكداً من هو: هل هو صحابي أم تابعي، توقفت في الحديث؛ لأنه قد يكون تابعياً، ويمكن أن يكون تابعياً ضعيفاً، فأنا ابتداءً لم أعرف من الذي سقط، عين ذلك الشخص لا أعرفه؛ فبالتالي: الذي لا أعرف عينه لا أعرف حاله، توثيقاً أو تجريحاً أو تعديلاً.
فلما كان الأمر كذلك وجب رد هذه الرواية؛ لأنها أتتني من طريق منقطع أنا لا أعلم حال الساقط في هذا الإسناد.
هذا النوع الأول من الإرسال.
стр. 53
المرسل المتصل
النوع الثاني: نوع من الإرسال متصل، لكن كيف يكون مرسلاً ومتصلاً في الوقت نفسه؟ الصحابة كلهم عدول، فإذا سمع صحابي النبي ﷺ ثم بعد موت النبي ﵊ ارتد ذلك الصحابي، ثم رجع إلى الإسلام مرة ثانية، ففي حال ردته هو كافر، لا يجوز حمل حديثه، ولما رجع مرة ثانية إلى الإسلام قال العلماء: إن هذا يسمى تابعياً؛ لأنهم لما وضعوا حداً لتعريف الصحابي قالوا: الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، أي: لم تتخلل فترة إيمانه بالنبي ﵊ ردة، أما من ارتد فليس له صحبة، ولا ينال شرف الصحبة؛ تأديباً له على ردته، فذلك الصحابي الذي صحب النبي ﷺ وسمع منه الحديث نزل من رتبة الصحبة إلى رتبة التابعين؛ تأديباً له.
أما الحديث الذي رواه فله حكم الاتصال، وهو حديث موصول، ولكنه في التعريف والحد حديث مرسل، لكنه من باب المرسل الموصول؛ هذه صورة.
الصورة الثانية: رجل لم يؤمن بالنبي ﵊ في حياة النبي ﷺ ، ولكنه كان يجالسه ويسمع منه الحديث، كمشركي مكة ويهود المدينة وغيرهم، فهؤلاء لما سمعوا من النبي ﷺ أحاديث كثيرة وآمنوا بعد موت النبي ﵊ لا يحكم لهم بالصحبة، ويسمون مخضرمين، أدركوا العهدين: أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام، ففي هذه الحالة نسميهم تابعين، لكن حديثهم موصول، ونحن قلنا: إن الحديث الصحيح شرطه أن يكون الراوي مسلماً، فكيف يصحح حديث هؤلاء؟
و
الجواب
أنه لا يشترط أن يكون الراوي عندما يتحمل حديثاً مسلماً، ولو أدى ما سمعه حال كفره بعد إسلامه قبل، مثال ذلك: رجل مشرك سمع النبي ﷺ يتكلم بكلام، ولكنه لم يسلم إلا بعد موت النبي ﵊، ثم حدث بهذه الأحاديث التي سمعها في حال كفره، فتقبل منه وتعد موصولة وهو ليس بصحابي؛ لأن الصحابي هو من لقي النبي ﵊ -وهذا لقيه- مؤمناً به، وهذا لم يكن مؤمناً في حال حياة النبي ﵊، ونحن نقول في الصحابي: هو من لقي النبي ﵊ مؤمناً به ومات على ذلك.
стр. 54
شرح كتاب الباعث الحثيث - الحديث الحسن لذاته [١]
اختلف العلماء في تعريف الحديث الحسن؛ والأقرب من أقوالهم أنه ما توافرت فيه شروط الصحيح مع خفة ضبط الراوي، وسبب الاختلاف فيه وسطيته بين الصحيح والضعيف في نظر المجتهد.
стр. 55
اختلاف المحدثين في الحديث الحسن
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فقد تعرضنا من قبل إلى تقسيم الحديث إلى مقبول ومردود، وقلنا: إن المردود هو الضعيف بجميع أنواعه، والمقبول هو الصحيح والحسن.
وقلنا: إن الصحيح ينقسم إلى قسمين: صحيح لذاته وصحيح لغيره، والحسن كذلك ينقسم إلى: حسن لذاته وحسن لغيره.
ولما فرغنا من الحديث الصحيح لذاته، وأنه هو الذي استجمع شروط الصحة في نفسه، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وانتفاء الشذوذ، وانتفاء العلة، وتكلمنا عن كل واحد من هذه الشروط بما فيه غنية وكفاية ننتقل اليوم -بإذن الله تعالى- إلى الحديث الحسن.
والحديث الحسن كما سبق معنا هو نوع من أنواع المقبول، ومعنى أن الحديث مقبول: أنه يلزم الاحتجاج به؛ وبذاته تقوم به الحجة؛ لأنه مقبول، وما دام كذلك فإنه محل تشريع.
والحديث الحسن اختلف فيه أهل العلم اختلافاً عظيماً جداً أعظم من اختلافهم في الحديث الصحيح، وكنا قد ذكرنا من قبل في شروط الصحيح، وقلنا: إن هذه الشروط الخمسة هي الشروط المتفق عليها عند المحدثين جميعاً، وهناك شروط مختلف فيها، وشروط غير معتبرة، كما شرطت المعتزلة: أن يوافق العقل، وهذا شرط في غاية البطلان والفساد.
أما الحديث الحسن فإذا كنا سنحدد من الآن أننا نريد أن نضع حداً للحسن لذاته أو لغيره فسيوفر علينا كثيراً من التعب والمشقة، ونحن الآن نريد أن نعرف الحديث الحسن لذاته، وهذا يتناسب مع تعريف الصحيح لذاته.
أقول: إن تعريف الحسن قد اختلف فيه أهل العلم اختلافاً كثيراً جداً، فـ للترمذي تعريف، وللخطابي تعريف، ولـ ابن الصلاح تعريف، وللحافظ ابن حجر تعريف، ولـ ابن جماعة تعريف، وللسيوطي تعريف، وللسخاوي تعريف، تعريفات كثيرة جداً للحديث الحسن؛ لأن الحديث الحسن هو حلقة وسط بين الصحيح الذي لا خلاف على صحته، وبين الضعيف الذي يمكن أن يرتقي أو لا يرتقي.
وأريد أن أقول: إنه هو المنزلق الصعب الذي تعرض المحدثون لوضع حد له، فبعضهم وضع حداً لا يصلح إلا مع الحديث الحسن لذاته، وبعضهم وضع حداً لا يصلح إلا مع الحديث الحسن لغيره، بمعنى أنه كان ضعيفاً في الأصل، ولكن بشروط وتوافر عوامل أخرى خارجية ارتقى الحديث عند قوم ولم يرتق عند آخرين؛ ولذلك وقع الخلاف فيه.
لكن على أية حال: نحن نريد الآن في هذه العجالة أن نخلُص من أمرين: الحديث الصحيح لغيره، والحسن لذاته.
فالحديث الحسن لذاته عرفه الحافظ ابن حجر، وهو أعظم تعريف للحديث الحسن لذاته، ويشترط في كل حد أن يكون جامعاً مانعاً، فأي حد وأي تعريف لابد أن يكون جامعاً لأوصاف المحدود، مانعاً من دخول أوصاف غيره معه، فعندما أقول: الحديث الحسن؛ يلزمني أن أعرف الحسن تعريفاً دقيقاً، بحيث لا أُدخِل معه غيره، ولا أُخرِجه عن أصله الذي وضع له.
بمعنى آخر: عندما أعرف الحديث الحسن أضع له تعريفاً، هذا التعريف لا يسمح بدخول غير الحسن في هذا التعريف، كما أن هذا التعريف ينبغي أن يكون جامعاً للأوصاف التي يجب توافرها في الحسن؛ حتى لا أدع للآخرين مجالاً للنقض، ولا لطرح أسئلة أخرى موجهة لهذا الحديث.
والحافظ ابن حجر في النزهة قبل أن يعرف الحسن لذاته عرف الصحيح فقال: هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط من غير شذوذ ولا علة.
ثم قال: (فإن خف الضبط فالحسن لذاته).
والحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده بنقل العدل، والعدل هو الثقة، والتوثيق لا يصدر للراوي ولا يحكم له به إلا إذا كان تاماً في عدالته وديانته وورعه وتقواه، وتاماً في ضبطه، يعني: يضبط ضبطاً جيداً متيناً؛ حتى يشهد له أئمة النقد بأنه ضابط ولم يخالف أحداً ممن روى حديثه؛ لأنه لو خالف حتى علم منه ذلك فإنه يستحق أن يترك؛ لأنه يكون سيئ الحفظ جداً.
فالحافظ ابن حجر يقول: (فإن خف الضبط)، يعني: فإن اختل شرط من شروط هذا الحديث الصحيح في ناحية الضبط فالحسن لذاته، وليس معنى: (فإن خف الضبط) أنه صار يخرف، لا، بل المعنى أنه لا يكون في كمال الضبط، ولا في تمامه، ولكن ينزل درجة ومرتبة، ولذلك قال الحافظ: هو ما اتصل سنده بنقل العدل، ولم يقل: العدل الضابط، وإنما قال: العدل تام الضبط، يعني: الذي عنده ضبط كامل، ومتقن جيداً، فإن خف الضبط شيئاً يسيراً فهو ينزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق؛ لأن حديث الثقة حديث صحيح لذاته، وحديث الصدوق حديث حسن لذاته، ومعنى حسن لذاته: أنه اجتمعت أسباب الحسن فيه هو، ولم يكتسبها من عوامل خارجية، مثال ذلك: رجل قوي متين جداً، أقول: هذا إنسان قوي، أو هذا إنسان صحيح، أو مهيب، أو مخيف، والذي يراه يخاف منه، فنقول: إنه مخيف لذاته؛ لأنه قوي وصاحب عضلات وفتوة،
стр. 56
الاحتجاج بالحديث الحسن
يقول: الحديث الحسن وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور.
إذاً: بعض أهل العلم قالوا: إن الحديث الحسن ليس بحجة، ولكنهم لما تكلموا عن هذا تكلموا عن الحديث الحسن لغيره، لا الحسن لذاته.
قال: (وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر)، والجملة هذه قد تكلمنا عنها وبيناها لما جئنا للحديث الصحيح، وقلنا: إن مسألة التصحيح والتضعيف محل اجتهاد، فالمجتهد ينظر في الشرط، وينظر في الراوي، فيقول: الشرط الفلاني ينطبق هنا، وغيره يقول: لا ينطبق، فالمسألة محل اجتهاد.
ولذلك تجد غالباً أن أئمة النقد يختلفون في راوٍ واحد، فبعضهم يوثقه، وبعضهم يضعفه.
بل الناقد الواحد تجد له قولين أو ثلاثة في الراوي الواحد، يقول عنه مرة: ثقة، ومرة: صدوق، ومرة: ضعيف، وهذا ناقد واحد يصدر منه على راوٍ واحد هذه الأحكام الثلاثة.
فربما كان ثقة فتغير واختلط حتى خرف؛ فقال عنه أولاً قبل الاختلاط: ثقة، وقال بعد الاختلاط: ضعيف، وربما كان ضعيفاً أو صاحب بدعة فتاب الله عليه فاستقام على مرويات أهل السنة والجماعة.
وربما ظن الناقد أن هذا الراوي أخطأ في هذا الحديث؛ فحكم عليه، فلما تبين له أنه هو الذي وهم رجع عن حكمه بتعديله مرة ثانية وغير ذلك، وهذا محله البحث في علم الجرح والتعديل، وليس في علم المصطلح.
فهو هنا يقول: لما كان الحديث الحسن وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر، يعني: في محل اجتهاده، لا في نفس الأمر، يعني: ليس بلازم أن يكون اجتهاد المجتهد يوافق الواقع.
بمعنى أننا الآن نقول: إن الشيخ الألباني مثلاً ضعَّف حديثاً، فهل ضعفه لأنه عرف حقيقة هذا الحديث، أم أنه طبق القواعد المعروفة في علم الحديث؟ يعني: هل الشيخ الألباني رأى النبي ﵊ وسمعه أو علم أنه لم يقل هذا الكلام؟
الجواب
لا، وإنما طبق قواعد علم الحديث المعروفة.
والحقيقة أن هناك مجموعة من القواعد اصطلح عليها المحدثون، واتفقوا على أن هذه القواعد لازمة لأن يكون الحديث صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً، فإذا توافرت هذه الشروط صح الحديث، وإذا لم تتوافر واختل واحد منها كان الحديث ضعيفاً أو حسناً.
والقواعد هذه موجودة لدى الأولين، ولا تحتاج إلى اجتهاد المعاصرين، وإنما اجتهاد المعاصرين يكون في إنزال هذه القواعد على الواقع الموجود أمامنا، وعلى الإسناد الموجود أمامنا، وأنا عندما أنزل هذه القواعد على الإسناد الموجود أمامي أحياناً أصيب، وأحياناً أخطئ، فليس بلازم من إطلاق المحدث: هذا حديث صحيح، أو هذا إسناد صحيح أن يكون صحيحاً في نفس الأمر، بمعنى: أن يكون ثابتاً يقيناً عن النبي ﵊، وهل يقسم المرء أو يحلف بالطلاق أن هذا الحديث قاله النبي ﵊؟ وإذا طلق لم يحنث؟ المسألة مخيفة.
فإذاًَ: الأمر يتوقف فقط عند حد الاجتهاد في تطبيق القواعد، فإذا انطبقت صح، وإذا لم تنطبق أو اختل واحد منها رد هذا الخبر، أو أتينا له بوصف آخر.
ولا يعني هذا الاجتهاد أن النتيجة النهائية التي سنخرج بها لابد وأن تكون حتمية؛ لأنه يمكن أن أحكم على حديث بأنه صحيح وهو في الحقيقة ضعيف، ويمكن أن أحكم عليه أنه ضعيف وهو في الحقيقة صحيح؛ لأنه أتى من غير وجه، وأنا لم أقف على هذه الأوجه، أو لأنني أخطأت في تطبيق هذه القواعد على الإسناد الموجود أمامي.
وعكس ذلك ما لو حكمت على إسناد بأنه إسناد صحيح، وخفي علي أن هذا الراوي بعينه مدلس، وقد عنعن، وأنا لم أنتبه إلى هذه المسألة، فحكمت بأن هذا الإسناد صحيح؛ لأني نظرت في كتب التخريج فوجدت أن جميع الرواة ثقات.
ومثلاً: الزهري إمام ثقة جبل من جبال الحفظ، إلا في فلان فإنه ضعيف فيه، فهذا التفصيل ليس موجوداً في كتاب التقريب، فأنا عندما أرى في السند أجد أن رواية الزهري التي أمامي من نفس الطريق التي ضعف فيها عن شيخه، ولكني لم أنتبه، فـ الزهري إمام، والقضية كلها عن الزهري، وأنا أعرف أن الزهري من الشهرة والمكانة المرموقة في العلم في الدرجة الأسمى، ففي هذه الحالة عيب أن أبحث عن الزهري، مثلما لا أبحث عن أحمد بن حنبل، أو سعيد بن المسيب، أو غيرهم؛ لأنه من العيب بمكان أن أكون طالب علم حديث وأبحث عن البخاري أهو ثقة أم لا؟ لأن هناك أموراً كالمسلمات.
وأحياناً تخفى نقطة خفية دقيقة جداً على الباحث أو على العالم؛ فيحكم لأول وهلة بأن هذا إسناد صحيح.
نحن كنا نقول للشيخ الألباني مثلاً: حديث فلان -يا شيخ- صحيح أم ضعيف؟ فيقول: أين هو؟ فأقول: في مسند أحمد مثلاً، يقول لي: اقرأ السند، فنقرأ عليه السند: قال أحمد: حدثني فلان وفلان؛ فيقول: هذا إسناد صحيح، نقول: يا شيخ! مع أن فلاناً لم يصرح بالتحديث وهو مرمي بالتدليس؟ فيقول: لم يرم بالتدليس، فآتي بترجمته م
стр. 57
التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية
الأمر الثاني: أن اجتهاد المجتهد وإن لم يحالفه الحق والصواب فمن تمام حفظ الله تعالى لهذا الدين أن يقيض لهذا العالم من يرد عليه، سواء كان من علماء السنة أو من علماء البدعة، ولذلك نحن عندما نمر على قضية من القضايا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية أخطأ فيها، وشيخ الإسلام ابن تيمية شيخ الجميع، وشيخ الأمة إلى يوم القيامة، ومع هذا نقول: لا، ابن تيمية خالف في هذه المسألة، فلن نأخذ بكلامه؛ لأن ديننا يقول هذا، يقول: إن الاتباع لا يكون إلا في الحق لمن كان، فلا نتبعه فيما خالف فيه، ونثبت له الأجر الواحد؛ لأنه مجتهد، فهو ما أخطأ إلا بعد أن استفرغ الوسع والجهد في الوصول إلى الحق، ولكنه أخطأه، بخلاف رجل تعمد الباطل، فليس من تحرى الحق فأخطأه كمن تعمد الباطل، فالأول صاحب سنة، والثاني صاحب هوى.
ففي هذه الحالة أقول: إذا كان التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية فما المانع أن الحديث الذي حكم عليه بالصحة يكون ضعيفاً، وبالتالي تختل الثقة بكثير من السنة، وإن شئت فقل: بالسنة كلها.
وهذا باب عظيم جداً لا ينبغي أن يطرأ على ذهن واحد منا؛ لما ذكرته من الأسباب وغيرها.
فأهل العلم إذا قالوا عن حديث: صحيح؛ فالحجة في قولهم، وإذا أجمعوا على ضعف حديث؛ فالحجة كذلك في قولهم في عدم العمل بهذا الحديث الضعيف.
أما إذا اختلفت الأمة في إثبات حديث أو في رده، فإذا كنت طالب علم لك نظر وبصيرة وترجيح بين أقوال أهل العلم فإنما يلزمك أن تطلع على كلا القولين، ثم ما ترجح لديك في هذا الحديث من أحد القولين فهو دين الله الذي تدين به إليه.
وإذا لم تكن طالب علم وليست لديك ملكة الترجيح والبحث في أحوال الرواة فإنه يلزمك أن تتبع مفتيك الذي تثق فيه وفي دينه وورعه، وهذا كلام أقوله دائماً في قضايا الاجتهاد والتقليد.
مثال ذلك: الحافظ العراقي ضعَّف حديثاً الألباني حسنه، وأنت طالب علم ليس لك علاقة بالحديث، ولا تعرف كيف يكون صحيحاً ولا كيف يكون ضعيفاً، والعراقي رده والألباني قبله، فتقول: بقول من آخذ؟ هل آخذ بقول العراقي؟ العراقي لا أعرفه، ولا أعرف لا دينه ولا أخلاقه ولا سلوكه، وليس معنى ذلك أنك تتهمه، لكن أنت لم تسمع أن في الأمة واحداً اسمه العراقي، لكن الألباني عندك محل ثقة وقبول، وصاحب ديانة وصاحب ورع وصاحب سنة وغير ذلك، فتقول: هذا الرجل نعرفه ويعرفنا، ونحن نثق في دينه جداً، فلا بأس أن تأخذ بقول الألباني ونحوه.
خاصة إذا كان العالم الذي أصدر حكمه على الرواية من أهل الاجتهاد المعروفين بالتخصص فيه، وكذلك معروفاً بالاستقامة على السنة، ومعروفاً كذلك بعدم التساهل.
وربما يكون هذا العالم معروفاً بالتشدد، يتشدد في التعديل، يعني: لا يحكم على الحديث بالصحة أو الحسن إلا بعد جهد جهيد، ويهجم على الأحاديث الصحيحة، مثل ابن الجوزي، فـ ابن الجوزي لم تكن له صناعة قوية بعلم الحديث، وكان يهجم على الأحاديث الصحيحة فيضعفها، وكان متشدداً جداً في تجريح الرواة، فعند ابن الجوزي أن الراوي الثقة هو الذي يخطئ مرة، وهذه المرة عند المحدثين لا عبرة بها؛ لأن الأصل فيه العدالة والتوثيق، لكن إذا أخطأ مرة عند ابن الجوزي سقطت عدالته كلها، وتجده مباشرة يأتي بأحاديثه في كتاب الموضوعات أو في الأحاديث الواهية، بل إنه أورد في كتاب العلل المتناهية أحاديث في صحيح مسلم على أنها موضوعة.
فـ ابن الجوزي رحمه الله تعالى عنده المسألة إما صحيح في القمة، وإما موضوع تحت الأقدام.
فأنا عندما أعرف أن ابن الجوزي متشدد جداً في هذه القضية، ثم أرى عشرين أو ثلاثين عالماً من علماء المسلمين حكموا على حديث بأنه حسن، وابن الجوزي حكم عليه بأنه ضعيف، أقول: ابن الجوزي لن آخذ منه.
وعندما آتي وأجد مثلاً ابن حبان أو الحاكم متساهلين جداً في التوثيق، ومتسامحين في حق الرواة، فعندما أجد أن الأمة ضعفت حديثا وحكم عليه الحاكم وابن حبان بأنه حديث حسن، أقول: لا؛ لأن هؤلاء معروفون بالتساهل في التوثيق، مع أن الذين ضعفوه قد بينوا حجة الضعف، وهذه الحجة بالنسبة لي حجة مقنعة جداً، فإن الحديث بها لا يمكن أن يرتقي أبداً.
فلا بد من النظر إلى كلام الجارح أو كلام المعدل، وبالتالي نرجع إلى أصل كلامنا الذي استطردنا فيه، وهو أن مسألة التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية، والمرجع فيها والحجة في أدلة المعدلين وأدلة المجرحين، ولا يلزم من الحكم بضعف الحديث أنه في ذاته غير ثابت، بمعنى: لا يلزم أن يكون النبي ﷺ لم يقله، بل يمكن أن يكون قاله.
ولذلك أنت أحياناً تجد بعض الناس يجلس يفكر ثم يقول: هل
стр. 58
صعوبة معرفة الحديث الحسن
يقول: (وهذا النوع الذي هو حسن لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر)، يعني: في اجتهاد المجتهد، (لا في نفس الأمر)، يعني: لما يقول المحدث: هذا حديث حسن، لا يلزم منه أن يكون حسناً في ذاته، وإنما هو حسن في نظره واجتهاده، (عسر التعبير عنه)، يعني: عسر وضع حد له وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، يعني: كان صعباً جداً؛ لأنه بيت القصيد، قال: (وذلك لأنه أمر نسبي؛ شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه).
مسألة الحسن بالذات مسألة عويصة وشاقة جداً؛ لأنها ما هي إلا عبارة عن نظر المجتهد في الإسناد الذي أمامه، وفي الحديث الذي أمامه، وتطبيق قواعد وأصول متفق عليها هنا، فربما هذا المجتهد يخطئ أو يصيب، لكنه لا يحكم إلا بعد تيقنه أنه مصيب، ولذلك لما قالوا لـ شريح القاضي: أتعجب بحكمك؟ قال: لو لم أكن معجباً به ما حكمت، فهل يلزم أن يكون حكم شريح في نفسه صحيحاً موافقاً للشرع؟! هو اجتهد، والنبي ﵊ قال: (وإن الخصمين منكما ليختصمان إلي، فلعلَّ أحدهما يكون ألحن بحجته من صاحبه؛ فأقضي له، فإذا قضيت لأحدكم بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها)، معنى ذلك: أن النبي ﷺ في نفسه لا يعلم أين الحق الذي هو الحق الغيبي، الذي لم يطلعه الله تعالى عليه، فلما يأتي اثنان إلى النبي ﵊ أحدهما أخذ من الآخر مالاً أو متاعاً، وهذا المأخوذ منه المتاع لا يستطيع أبداً أن يقيم بينة على أن المتاع له، ولا يعرف كيف يفعل، والثاني يقول: هذا لي، بدليل كيت وكيت، ويأتي بقرائن وبينات وأدلة، وهو في ذاته كاذب، فالنبي ﵊ سيحكم له؛ لأنه يحكم بالظاهر، فهل حكم النبي ﵊ له يجعل هذا الشيء عند الله له فعلاً؟
الجواب
لا، فهو لصاحبه، وحكم النبي ﷺ بها له لأنه مأمور بأن يحكم بأدلة وقواعد وأصول فرضها ربنا عليه: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولا شيء غير هذا، وهذا هو ما فرضه الله ﵎ على النبي ﵊ وعلى الأمة كلها.
فهذا الرجل الآخذ كذاب، لكن من أين لك أن تثبت أنه كذاب ولديه قرائن وأدلة؟ والثاني صاحب الحق الأصلي عاجز عن إثبات شيء من هذا.
وليس مطلوباً منه أن يحلف اليمين؛ لأن الذي يدعي إثبات الشيء له يكفيه القرينة، فالبينة على المدعي، فالمدعي عندما يأتي ويقول: هذه ساعتي بقرينة كيت وكيت أمام صاحبها، والثاني يقول: أحلف ألف يمين، نقول: لا تحلف، وحتى لو حلفت ما دام جاء المدعي بالقرائن والبينة فأنت لا تطالب باليمين إلا عندما يعجز عن إثبات هذا الحق لنفسه؛ فتحلف اليمين، فإذا حلفت اليمين سنحكم لك بهذا.
فالمدعي ليس عليه يمين، إنما اليمين على المدعى عليه إن عجز المدعي عن إثبات القرائن والبينات.
قال: (وقد تجشم كثير منهم حده)، يعني: وقد تعرض كثير من أهل العلم لوضع حد وتعريف للحديث الحسن.
(فقال الخطابي: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء).
نقف عند تعريف الخطابي، ونكمل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد
стр. 59
شرح كتاب الباعث الحثيث - الحديث الحسن لذاته [٢]
اختلفت أقوال العلماء في حد الحديث الحسن، فقد عرفه الخطابي بتعريف، والترمذي بتعريف، وابن حجر بتعريف، وغيرهم، وحاصل أقوالهم مرده إلى تعريف الحسن لذاته والحسن لغيره.
стр. 60
تعريف الحديث الحسن لذاته
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: من قبل قسَّمنا الحديث من حيث وروده إلينا -أي: بعدد طرقه- إلى متواتر وآحاد، وما كان منه مروياً بطرق غير محصورة فهو المتواتر، وما كان منه محصوراً بطرق محددة فهو الآحاد؛ فإن كان مروياً بطريق فهو الغريب، وهو الفرد، وإن كان بطريقين فهو العزيز، وإن كان بثلاث طرق فهو المشهور؛ هذا التقسيم الأول.
ثم قسمنا بعد ذلك الآحاد من حيث القبول والرد إلى مقبول ومردود، وقلنا: إن المقبول هو الصحيح والحسن، والمردود هو الضعيف بجميع أنواعه.
وقسمنا هناك الصحيح إلى نوعين: صحيح لذاته ولغيره، وكذا الحسن: حسن لذاته ولغيره، وقد فرغنا -بحمد الله تعالى- من الكلام عن الصحيح لذاته، وقد فرغنا من الحديث الصحيح لذاته، فكان من الطبيعي أن نتعرض -بعد أن فرغنا منه- للحديث الصحيح لغيره، ولكننا نرجئ هذا النوع إلى ما بعد بيان ومعرفة ما هو الحسن لذاته، وإذا تبين لنا الحديث الحسن لذاته علمنا الصحيح لغيره من تلقاء أنفسنا.
أما الحسن لذاته فاختلف فيه أهل العلم اختلافاً عظيماً إلى أكثر من عشرين قولاً، كلهم جعلوا حداً وتعريفاً لمعنى الحسن، هذه التعريفات إما أنها جامعة غير مانعة، وإما أنها مانعة غير جامعة، ومرد هذه التعريفات المختلفة لأهل العلم في بيان حد الحديث الحسن وتعريفه إلى أمرين، ومن هذه التعريفات:
стр. 61
تعريف الإمام الخطابي للحديث الحسن والتعقيب عليه
تعريف الإمام الخطابي الذي يقول فيه: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.
لو نظرنا إلى هذا التعريف لوجدنا أنه يمثل اتجاهاًَ للتعريفات، ومعنى ذلك: أن كثيراً من التعريفات العشرين التي ذكرناها إنما تدخل وتنحصر في هذا التعريف، فهذا التعريف كالرائد لكثير من التعريفات في حد الحديث الحسن؛ ولذلك اخترنا في هذا الاتجاه التعريف الذي يشمل كثيراً من التعريفات، وهو تعريف الإمام أبي سليمان الخطابي ﵀.
قوله: (هو ما عرف مخرجه) هذا الكلام غير مانع؛ لأن الحديث الصحيح معروف المخرج أيضاً، بل وكذلك الحديث الضعيف معروف المخرج، ولكن شتان ما بين المعرفتين، فالحديث الصحيح معروف مخرجه من حيث توثيق رجاله وحفظهم وإتقانهم وسلامة رواية كل راو عن شيخه، واشتهاره بذلك الشيخ، فهذا أيضاً معروف المخرج، والحديث الضعيف معروف المخرج.
فإذا روى راوٍ معين عن شيخ، وهذا الراوي معلوم معروف بأنه ضعيف عن ذلك الشيخ على وجه الخصوص فيكون معروف الخرج، لكنه ضعيف، كمن يروي من غير عبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب المصري عن ابن لهيعة؛ فإن هؤلاء الثلاثة معروف أن روايتهم عن ابن لهيعة مستقيمة، وما عداهم روايتهم فيها نظر، فإذا كان الراوي عن ابن لهيعة من غير هؤلاء الثلاثة قيل: إنه معروف المخرج بالضعف، وأما إذا كان أحد الثلاثة العبادلة الذين ذكرناهم فإنه يقال: إنه معروف المخرج بالصحة والاستقامة.
وقتادة بن دعامة البصري إذا كان يروي عن أهل البصرة فمعروف أن حديثه على استقامة، وإن كان عن غيرهم فمعروف أن روايته فيها نظر؛ لأجل التدليس، لا لغيره.
مثال آخر في حديث قتادة: إذا كان الراوي عن قتادة شعبة فيستوي بعد ذلك أن يقول قتادة: (عن) أو (حدثنا)؛ لأن شعبة قال: أكفيكم تدليس قتادة، فما أتاكم من حديث قتادة عن طريقي فإنما هو من صحيح حديثه؛ لأن قتادة لم يكن يدلس في حضرة شعبة، فإذا ذهب شعبة بدأ يدلس على الموجودين، والتدليس أنواع.
وكذلك هشيم بن بشير كان يدلس أمام الناس جميعاً، لا يضره بعد ذلك أن يكون هناك طالب من الطلبة يختبر حديثه أم لا؟ وكان يدلس نوعاً من التدليس اسمه تدليس العطف، والتدليس حوالي ثمانية أنواع، فتدليس العطف اشتهر به هشيم بن بشير، فكان يحدث وهم ألوف مؤلفة بأحاديث كثيرة وعظيمة وهم لا يعترضونه، ففي آخر المجلس قال: فرغنا، هل دلست عليكم اليوم؟ قالوا: لا، ولا حديثاً واحداً، قال: والله! ما من حديث إلا وقد دلست فيه، قالوا: كيف؟ قال: إنما حدثتكم اليوم من أول المجلس إلى آخره بأن قلت: حدثنا فلان وفلان، حدثنا فلان وفلان، حدثنا فلان وفلان، فما قلت فيه: حدثنا فلان فهو حدثني، وما قلت فيه: وفلان، فلم يحدثني، أي: أنه عطف الرواية عن شيخه الثاني عليه هو، لا على لفظة (حدثنا).
يعني: الآن عندما أقول لك: حدثني فلان وفلان، فقولي: حدثني فلان، لا يحتمل إلا التحديث، إنما قولي: وفلان، يحتمل التدليس؛ ولذلك أهل العلم قالوا: من ألفاظ التدليس (وعن) في تدليس العطف بالذات، على اعتبار ما فعله هشيم، فـ هشيم قال: الواو لفظ من ألفاظ التدليس، وهو كقولك: حدثني فلان وفلان، فأنت لا تعطف الشيخ الثاني على الشيخ الأول الذي حدثك.
وهشيم فعل هذا ليثبت لطلبته أنهم لا يقدرون على التفريق بين ألفاظ التدليس، وليعلمهم، وإلا لو كان يريد أن يمرر حديثه لما بين لهم.
فقوله: (هو ما عرف مخرجه)، أي: الطريقة التي يروي بها الرواة بعضهم عن بعض، فإن كان هذا المخرج معروف الصحة فهو حديث صحيح لصحة المخرج، وأما إذا كان معروف المخرج بالضعف فهو ضعيف.
فقول الإمام الخطابي: الحديث الحسن: هو ما عرف مخرجه، هذا كلام غير مانع؛ لأن الصحيح كذلك معروف المخرج، والضعيف أيضاً معروف المخرج، فأنا عندما أقول لك: حدثنا فلان عن فلان، تقول لي: يا أخي هذا غريب جداً؛ ففلان هذا شيخك لا يروي عن ذلك الشيخ الذي يروى عنه، ولا هو معروف ولا مشهور بالرواية عنه، ففي هذه الحالة سأسميه: رواية غير معروفة المخرج.
أما إذا كان هناك شيخ ثقة يروي عنه تلميذ عرف بالملازمة والرواية عنه، فعندما أقول لك: حدثني فلان عن فلان؛ تقول لي: هذه رواية مقبولة؛ لأنه معروف عندك أن ذلك التلميذ إنما أخذ العلم عن ذلك الشيخ الثقة، فهذا معنى قولنا: حديث معروف المخرج.
وقوله: (واشتُهر رجاله)، وهذا الشرط الثاني، وهذا الكلام يرد عليه بما رد سابقاً على قوله: (ما عرف مخرجه)؛ لأن الرجل قد يكون مشهوراً إما بالصحة، أي:
стр. 62
تعريف الإمام الترمذي للحديث الحسن والتعقيب عليه
يقول الإمام الترمذي في تعريف الحديث الحسن: هو الذي لم يتهم راويه بالكذب، ولا يكون حديثاً شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك.
قوله: (إن الحديث الحسن هو الذي لم يكن في إسناده راوٍ متهم بالكذب) هناك فرق بين راوٍ كذاب وراوٍ متهم بالكذب، وهناك فرق بين سارق ومتهم بالسرقة، فقوله: متهم بالسرقة، أي: لم تثبت عليه السرقة يقيناً، وإنما تدور الظنون والشوك حول أنه سارق، فكذلك الكذاب الذي يكذب في الحديث، فإن كان معلوم الكذب ومعلوم الرواية من جهة الوضع والكذب فهو كذاب، مثل ميسرة بن عبد ربه التراس الأكول، ذكره الإمام الذهبي في كتاب ميزان الاعتدال في الجزء الرابع، وذكر من أخباره العجب العجاب، فإنه كان رجلاً أكولاً، وكان يكذب ويستمرئ الكذب، لا يستحله، وإنما يستمرئه، وكانت غايته وهمه أن يأكل ويضع الحديث، وكان يزوق أسقف البيوت، فقيل: إنه ذهب يزوق سقف بيت، وكان يعمل في المطبخ فنظر فإذا به يجد طعاماً، وكان صاحب البيت قد صنعه لثلاثين، فنزل وأكله، ثم صعد ليكمل عمله وكأن شيئاً لم يكن، فدخل صاحب البيت وقال: ما هذا؟ لابد وأنه من عمل الجن، فكثر الكلام حتى عرفه واحد من هؤلاء الثلاثين، فقال: هل عندكم ميسرة؟! قالوا: نعم، قال: والله! إنه هو الذي أكل طعامكم، فقيل له: يا ميسرة! قال: نعم، قيل: أنت الذي أكلت الطعام؟ قال: نعم، فلم يصدق صاحب البيت، ما زال يظنه من باب الهزل، ففصل ميسرة النزاع فقال: أنا الذي أكلته، وإن لم تصدقوا فاتركوه ثانياً وجربوا، يعني: أنا مستعد أن تعيدوا الكرة وأعيد أنا ذلك.
ونذرت امرأة أن تشبع ميسرة، فأتت إليه تلك المرأة وقالت له: يا ميسرة! أنا نذرت أن أشبعك فاتق الله فينا، تقول تلك المرأة: فكان ما يكفي ميسرة يكفي سبعين نفساً.
وقوله: وإن لم تصدقوا فجربوا، يبين أنه يمكن أن يأكل أكل ثلاثين آخرين.
وألقى له رجل مائة رغيف فأكلها، ثم ألقى للفيل مائة رغيف فأكلها إلا واحداً، فهو بهذا يأكل أكثر من الفيل.
ونزل ميسرة عند قوم، فأخذوا حماره وذبحوه وشووه وقدموه له فأكله، فلما أراد الانصراف أعطوه ثمنه، وغير ذلك من قصصه، حتى إنه قيل له: يا ميسرة! كم يكفيك من الطعام؟ قال: من بيتي أم من بيت غيري؟ قال: من بيتك، قال: رغيف أو رغيفان، قال: فمن بيت غيرك؟ قال: اخبز واطرح.
ميسرة هذا وضع أحاديث في فضل سور القرآن سورة سورة، يعني: أنه وضع مائة وأربعة عشر حديثاً في فضل سور القرآن، فقيل له: يا ميسرة! ما الذي حملك على ذلك؟ قال: وجدت الناس انصرفوا عن كتاب الله إلى موطأ مالك، فأردت أن أصرفهم إلى كتاب الله، وهذه نية سليمة، لكنها لا تنفع؛ لأنه لا بد من استقامة العمل على المتابعة واقتفاء أثر الرسول ﷺ .
وهكذا كثير من أصحاب الفرق كالشيعة وغيرهم؛ فإن الشيعة وضعوا أحاديث عظيمة وكثيرة في فضل أهل البيت، وكل أسانيد الشيعة ممتلئة بالكذب والدجل وغير ذلك؛ ولذلك أهل السنة لم يعتمدوا أسانيد الشيعة مطلقاً؛ لأنهم يغلب عليهم الكذب.
المهم: هناك فرق بين الكذب الصريح والاتهام بالكذب، فهذا عندما يأتي ويقول: أنا وضعت، فهذا إقرار منه بالكذب، والإقرار سيد الأدلة، فإما أن يعرف الكذب بإقرار الكاذب، أو بالقرائن والشواهد التي تدل على أنه كذاب.
وإذا لم تكن هناك قرينة ولا شاهد يدل دلالة صريحة على أن هذا الرجل كذاب، ولكن الناس لا تطمئن إلى قبول روايته، فإن هذا يكون في حيز الاتهام، وعلامة الاتهام أنني لا أطمئن أبداً لحديثه ولا أرويه، وفي الوقت نفسه لا أثبت عليه الكذب صراحة، إذاً: هو يظل في دائرة الاتهام.
فهناك فرق بين الراوي الكذاب، والراوي المتهم بالكذب، فالكذاب حديثه موضوع، فإذا كان هناك إسناد فيه راوٍ حكم عليه أهل العلم بأنه كذاب أو وضاع -أي: يضع الحديث، ويختلقه، ويصطنعه على رسول الله ﷺ فهذا الحديث حديث موضوع، وهو شر أنواع الأحاديث؛ لأن الكذاب شر أنواع التهم، أما إذا لم يثبت الكذب على الراوي فيبقى في مرحلة الاتهام، وهذا المتهم بالكذب لا أقول: إن حديثه موضوع، ولكني أقول: إن حديثه منكر، أو حديثه باطل، ففي كتب الرجال إذا قال الإمام الذهبي عن راوٍ: متهم؛ فإنما يتناسب هذا الحكم وهذا المصطلح أن تكون روايته باطلة أو منكرة، ولو أنك قلت: موضوع فقد غلوت؛ لأنه متهم فقط، وليس كذاباً.
فالإمام الترمذي يقول: الحديث الحسن: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ومغزى كلمة الإمام الترمذي يعني: لا يكون كذاباً ولا متهماً، يعني: ممكن أن يكون سيئ الحفظ، ممكن أن يكون اختلط، ممكن أن يكون عنده غفلة أو نسيان أو وهم، أو يكون مستوراً أو مجهول الحال؛ كل هذه العلل تقصر وتقل عن مرتبة الاتهام، ولو كانت هذه العلل في الإسناد وأتى
стр. 63
تعريف الإمام ابن حجر للحديث الحسن والتعقيب عليه
فما هو تعريف الحديث الحسن لذاته؟ الحافظ ابن حجر في النزهة يعرف الحديث الصحيح فيقول: هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
فإن قال قائل: نحن في الحديث الحسن ولسنا في الصحيح، فأقول: أنا عرفت الصحيح حتى يتضح به الحسن.
يقول الإمام ابن حجر: (فإن خف الضبط فالحس لذاته)، أي: مع استكمال بقية الشروط.
إذاً: الفرق بين الحديث الصحيح الذي عرفه الحافظ ابن حجر وبين الحديث الحسن لذاته: الضبط، فإن كان الضبط تاماً في القمة فذلك الحديث صحيح، وإن خف الضبط -ولم ينعدم- فهو الحسن لذاته، والعلماء يعبرون عن كلمة (خف الضبط) بأن الراوي ينزل عن درجة (ثقة) إلى درجة: صدوق لا بأس به ليس في حديثه بأس، أو ليس فيه بأس، أو يعتبر بحديثه، أو صالح للاعتبار أو غير ذلك من الألفاظ التي ذكرها أهل العلم لبيان أن هذا الراوي نزل من أعلى الضبط إلى مستوى أقل قليلاً، ولم ينزل إلى الضعف ولم ينزل إلى سوء الحفظ والغفلة والاختلاط وغير ذلك، وإنما نزل درجة؛ لأن الضبط ثلاثة أنواع: ضبط أعلى، وضبط أدنى، وضبط وسط.
فالضبط الأعلى هو للحديث الصحيح.
والضبط الأدنى هو للحديث الضعيف.
والضبط الوسط هو للحديث الحسن، أي: الحديث الحسن لذاته.
فعندما يأتي إسناد كل رواته ثقات إلا راوياً واحداً صدوقاً، فالحديث حسن لذاته، فإذا كان الإسناد مكوناً من خمسة رواة، وكل منهم يروي عن شيخه، وأربعة منهم ثقات وواحد صدوق؛ ففي هذه الحالة سأقول عن هذا الحديث: إنه حسن لذاته، أي: أنه في أصله ليس ضعيفاً، ولا يحتاج أن يأتي من طرق أخرى؛ لأنه توافرت فيه شروط الحديث الصحيح إلا شرط الضبط؛ فإنه نزل عن درجة التوثيق إلى درجة الصدق والأمانة، فأقول عن راويه: هو صادق في الرواية، لا ثقة في الرواية، لم يكن عنده ضبط كامل وإنما خف الضبط قليلاً.
فالإمام الترمذي عرف الحديث تعريفاً يتناسب مع الحديث الحسن لغيره.
والإمام ابن حجر عرَّف الحسن لذاته.
والإمام ابن كثير ينكر أن هذا تعريف الترمذي، ويقول: إذا كان هذا تعريف الترمذي ففي أي كتاب؟ وبأي إسناد؟ وسبحان الله! كم ترك الأول للآخر؟ يأتي من بعد ابن كثير فيقولون: إن هذا في آخر كتاب العلل الذي في سننه، يعني: العراقي رد عليه وقال له: كيف لا تعرف هذا الكلام؟ هذا الكلام موجود في كتاب العلل للإمام الترمذي، صنفه الإمام الترمذي في آخر كتابه السنن، في آخر مجلد من كتاب السنن.
ثم يأتي الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله قبل خمسين سنة ويقول: هذا الكلام ليس موجود في العلل فقط، بل موجود في السنن نفسها، فبعد حديث معين قال الترمذي: والحديث الحسن عندنا هو كيت وكيت، وذكر هذا التعريف، فكم ترك الأول للآخر؟
стр. 64
تعريف الإمام ابن الجوزي للحديث الحسن والتعقيب عليه
تعريفات أخرى للحسن: تعريف ابن الجوزي: ابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية وفي كتاب الموضوعات قال: الحديث الحسن: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل.
فقوله: (قريب محتمل) مسألة نسبية، فما كان قريباً محتملاً عندك ليس بقريب محتمل عندي؛ لأن العلماء اختلفوا في مسألة الحكم على الرجال، فقد تجد راوياً يقول عنه عالم: ثقة، وفي نفس الوقت يقول عنه غيره: ضعيف، والذي يقول: ضعيف يقول أيضاً: لا يرتقي، وغيره يقول: ضعيف يرتقي وغير ذلك.
فتعريف ابن الجوزي للحديث الحسن بقوله: هو ما كان فيه ضعف قريب محتمل، هذا الكلام يتنزل على تعريف الترمذي.
لأنه يقول: الحديث الحسن: هو ما كان فيه ضعف قريب محتمل، ونحن قلنا قبل هذا: إن من الضعف ما لا يحتمل، ومنه ما يحتمل، فما كان يحتمل فيرتقي إلى الحسن لغيره، وما كان لا يحتمل يلحق بالبواطيل والمناكير والموضوعات.
أما الحافظ ابن حجر فهو كان يعرف الحديث الحسن لذاته الذي ينزل عن مرتبة الصحيح بقليل.
أما ابن الجوزي فهو يعرف الحسن لغيره، مثل الترمذي تماماً، فإن الترمذي قال: الحديث الحسن عندي: هو ما لم يكن في إسناده راوٍ متهم بالكذب، ولا يكون شاذاً ولا معللاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك أو مثله.
فكلمة: (ويروى من غير وجه نحو ذلك أو مثله) يدل على أنه يعرف الحسن لغيره.
وكذلك الإمام ابن الجوزي يعرف الحديث الحسن لغيره لا لذاته.
إذاً: فالحديث الحسن لذاته: هو ما نزلت فيه رتبة الراوي عن مرتبة التوثيق إلى مرتبة الصدق والأمانة.
والحديث الحسن لغيره: هو الذي يأتيه الحسن لا من ذاته ومن ذات الإسناد، وإنما بمجموع الأسانيد والطرق التي روي بها ذلك الحديث.
وسيأتي بعد ذلك الحافظ ابن الصلاح يلم شعث هذه التعريفات، ويقول: (وأنا نظرت فإذا بهذه التعريفات كلها إنما تدل على قسمين: قسم يتنزل على الحسن لذاته.
وقسم يتنزل على الحسن لغيره).
وسنأخذ هذا إن شاء الله تعالى في محاضرة قادمة.