← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بلوغ الأجل هنا هو بلوغ أقصى العدة، فالبلوغ هنا غير البلوغ في الآية السابقة، إذ الأول كان للمقارنة والمشارفة، وهنا للانتهاء والسياق هو الذي عيَّن معنى البلوغ في الأول كما بينا، وهو الذي عيَّن معنى البلوغ الثاني، إذ إن العقد المعبر عنه بقوله تعالى: (أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) يدل على أن المراد هو انتهاء العدة؛ إذ لا يتصور النكاح وهو العقد الذي يكون من طرفين إلا بعد انتهاء العدة؛ ولذا قال الشافعي ﵁ في هذه الآية والتي سبقتها: (دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين). والعَضْل معناه هنا المنع الظالم، وأصله بمعنى الحبس والتضييق مع الألم، ومنه: عضلت الدجاجة إذا تعلقت بها بيضتها فلم تخرج منها، وعضل المرأة يمنعها من الزواج من غير مبرر فيه حبس لها وتضييق عليها، وإرهاق لنفسها ولحسها. وإن النساء اللائي يطلقن يتعرضن لظلم المطلقين، فيحاول المطلقون أن يرهقوهن من أمرهنَّ عسرًا، بأن يمنع كل مطلق من طلقها من أن تتزوج من غيره، خصوصًا إذا كان صاحب سطوة باغية، أو كان ذا جبروت طاغية؛ وتلك نزعة جاهلية، لَا يقرها عرف ولا شرع ولا عقل، ويتعرض أولئك المطلقات لظلم ذويهن، فقد يردن العودة إلى أزواجهن، ويتراضين معهم على ذلك، ولكن يقف الولي محاجزًا، حاسبًا أن ذلك مهانة له ولها، كما فعل بعض الناس في عصر النبي ﷺ ؛ وقد ترتضي المطلقة رجلا زوجا لها، عِفا في عرضه، تقيًا في دينه فيملأ نفسها؛ ولكن لَا يرتضيه أولياؤها لأمر لَا ينقص من قدره، كفقر أو نحوه، فيمنعونها من ذلك الزواج!

стр. 1017

في كل هذه الصور يكون عضل المرأة، وحبسها والتضييق عليها في ذات نفسها؛ فنهى الله عن ذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهن فَلا تَعْضلُوهُن أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُن). وقد قال بعض العلماء: إن الخطاب للمطلقين ليمتنعوا عن تلك العنجهية الجاهلية؛ وقال بعضهم الخطاب للأولياء لكيلا يحولوا بين النساء وبين الزواج ممن يردن من غير سبب ومبرر، سواء أكان الزوج الذي ارتضته هو المطلق السابق أم كان غيره. ونحن نرى أن الخطاب عام لكل المؤمنين ممن يقع في دائرتهم ذلك، فهو يعم المطلقين، ويعم الأولياء، ويعم غيرهم ممن يتصلون بهم، ويعم أولياء الأمر الذين بيدهم الهيمنة على الأمور، والتعميم بهذا الشكل يدل على التكافل بين آحاد الأمة، ووجوب التعاون بينهم في منع كل ظلم، وخصوصًا ما يقع على الضعفاء، وما يمس الحرية الشخصية في أدق ما تتجه إليه، ولا شيء يهم المرأة أكثر من اختيار زوجها، ولا عقد أمس بالوجدان من عقد الزواج، ولا اتفاق أكبر خطرًا في الحياة من ذلك الاتفاق؛ فالظلم فيه خطير بمقدار ماله من خطر وشأن. غير أن المرأة ليست لها الحرية المطلقة في اختيار من تشاء من الأزواج، بل إن رضاها مقيد بالمعقول والمشروع؛ ولذا قيد التراضي بقوله: (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ) أي بالأمر الذي تسير عليه العقول، ويجري به العرف، ويقره العقل، ولم يكن ثمة سبب للاعتراض، فليس من المعقول أن يطلق اختيارها ويحترم إذا اختارت لمجرد الهوى العارض، سواء أكان كفئا لها أم لم يكن كفئا؛ ولذلك سوغ أبو حنيفة للولي أن يعترض إن تزوجت بغير كفء، فهو قد أطلق حريتها، ولكن إن أساءت الاختيار كان للولي الاعتراض، وغير أبي حنيفة أشركوا الولي معها في الاختيار حتى لَا تضل، ولكن نهاهم القرآن عن أن يمتنعوا من غير سبب معقول، وإلا كان ذلك عضلًا، ولها أن ترفع الأمر إلى القاضي صاحب الشأن ليرفع ظلم الأولياء.

стр. 1018

وهنا نكتة بلاغية نشير إليها؛ ذلك أن الله عبر عن الذين يختارهم النساء ويمنعن عنهم ظلمًا بالأزواج مع أن الزواج لم يتم، للإشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة، وهو أن من يقع اختيارها عليه، ويتراضيان عليه بالمعروف، ولم يكن الزواج بينهما فيه ما يشينها أو يشين أسرتها هو الذي ينبغي أن يكون ازدواجها به، وهو في حكم الفطرة زوجها، وعلى الأولياء ألا يعاندوا حكم الفطرة، بل عليهم أن ينفذوه ويقروه، ولا يصح لأحد أن يعارضه. (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) ذلك القول الحكيم، والأمر الكريم يذكِّر الله به تذكيرًا يرق معه قلب المؤمن وتخشع نفسه، ويوجل قلبه إذا كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ ذلك لأن الإيمان بالله، والإحساس بعظمته وكبريائه، يمنع الظالم من أن يظلم، ولا يظلم الظالم إلا وهو في غفلة عن الله، ولو أحس بأن الله محاسبه، وأنه يأخذ الظالم بظلمه، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ما استمر في ظلمه، ولا استرسل في غيه، ولكنه يكون حال ظلمه في غفوة عن الإيمان، ونسيان للواحد الديان وهو القاهر فوق كل شيء. والإيمان باليوم الآخر من شأنه أن يحس معه المؤمن بالحساب والعقاب الذي يرتقبه، ومن شأنه أن يجعل المؤمن يستهين بالدنيا وما فيها، ويعلم أنها ظل زائل، وعرض حائل، وأن الآخرة هي الباقية وإذا كان كذلك قلل من الرغبات، وإذا قلت الرغبات ضعفت الدوافع إلى الظلم، وخمدت نوازع الشر. (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ذلكم أيها المؤمنون أجمعون من غير تخصيص طائفة بالخطاب، وهو ما شرعه الله سبحانه من أحكام خاصة بسلطان الأزواج والأولياء، أزكى وأطهر، والزكاة النماء، أما أنه أزكى وأنمى؛ فلأن قيام الأسرة على العدل والمودة والتراحم يؤيد في عدد الأمة فيكثر النسل؛ ويزيد من قوتها؛ لأن الجماعات القوية هي التي تقوم على أسرة قوية، ولا شيء يقوي الأسرة أكثر من المودة والعدل والرحمة؛ وأما أنه أطهر فلأن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة بالحق والعدل وأطلقت حريتها في دائرة المعروف المعقول

стр. 1019

ولم تظلم في رغباتها العادلة، أدى ذلك إلى الطهر والعفاف؛ فإن احترام النفس صون وعفاف، وامتهانها نقيض ذلك؛ لأن النفس إذا أكرهت جمحت، وإذا جمحت لم ترتبط برباط من الحكمة والصون والعفاف، بل إنها إذا جمحت عميت، فلا تدرك خيرًا ولا شرًّا. ولقد روى أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إن للقلوب شهوات، وإقبالا وإدبارًا، فأتوها من قبل شهواتها وإقبالها، فإن القلب إذا أكره عمى) ولا عفة ولا طهر عند عماية القلوب. ولقد قال سبحانه: (ذَلِكُمْ) بضمير الجمع، وغيَّر النسق؛ للإشارة إلى أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها في اختيار زوجها، إن كان الاختيار في دائرة المعقول - حق على الجميع، وفائدته للجميع. ولقد ذيل سبحانه الآية الكريمة بقوله: (وَاللَّه يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) للإشارة إلى أن شرع الله تعالى فيه النفع الدائم، والمصلحة الحقيقية، والنتائج المرضية؛ لأنه شرع من يعلم كل شيء ولا يجهل شيئا، وليس للناس أن يتمردوا عليه، أو يخالفوه، أو يهونوا مخالفته في أنفسهم بدعوى أنهم يرونه في الظاهر مخالفًا للظاهر من مصلحتهم؛ فإن ما يدركونه مصلحة ليس بمصلحة في ذاته إذا جاء نص الشرع القاطع على خلافه؛ لأن علم الإنسان قاصر، وعلم الله وحده هو الكامل؛ فلنتبع شرع الله، ولا نُحكِّم الهوى في نصوص الكتاب، ولنَحْثُ التراب في وجوه الذين يحاولون مخالفة النصوص الصريحة القاطعة بدعوى أن المصلحة في خلافها؛ لأنه لَا توجد مصلحة قاطعة تخالف نصًا قاطعًا؛ إنما هي أوهام، وعقول خاضعة لأزمان محكومة بالشر المتكاثف، حتى حجب النور؛ ولنقل لهم إن شرع الله هو المصلحة: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). * * *

стр. 1020

(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) * * * بين الله حقوق الزوجين، وما لكل واحد منهما على صاحبه، ثم أحكام الافتراق إن لم تكن المودة سائدة؛ وبهذا بين العشرة الحسنة والتسريح بإحسان، أو الفراق الجميل. وبعد بيان حقوق الزوجين في الاجتماع والافتراق، أخذ يبين حقوف من كانوا ثمرة لهذا الزواج، في حالي الاجتماعي والافتراق أيضًا، وهذه الآية تبين ذلك؛ وقد ذكرت أول حق يتقرر للطفل فور ولادته؛ وهو حق التغذية الأولى التي تناسب سنه، وتكوِّن لحمه، وتنشز عظمه؛ ولذا قال : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ). الوالدات: هن الأمهات، سواء أكنَّ أزواجا لآباء (١) الأولاد أم كن مطلقات منهم؛ والتعبير عن الأمهات بالوالدات فيه إشارة إلى أمرين:

стр. 1021

أحدهما - أنهن اللائي ولدنهم وكن الوعاء الذي برزوا منه إلى الوجود، وقد تربوا فيه ومنه تغذوا، فكان من الحق أن يتغذوا منه حتى يستغنوا عنه؛ وفي هذا إيماء إلى وجوب الإرضاع على الأمهات. وثانيهما - أن الغذاء الذي يناسب الطفل في مهده هو الغذاء الذي يكون من نوع ماكان يتغذى منه في بطن أمه؛ وكان في التعبير بالوالدات إشارة إلى ذلك؛ لأن الولادة انفصال الحمل عن أمه وبروزه إلى الوجود؛ فهي تشير إلى الصلة بين المكان الذي خرج منه، وحياته التي يستقبلها؛ وذلك إيماء إلى وجوب التناسب بين الحالين، والتناسب بينهما من حيث الغذاء، يوجب التجانس بين حالي الغذاء، وذلك يوحي من جهة ثانية إلى وجوب إرضاع الأم ولدها، وهو ما سيقت له الجملة السامية. وقوله تعالى: (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهنَّ) هو أمر جاء على صيغة الخبر؛ فمعنى (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) ليرضعن؛ أي عليهن إرضاع أولادهن؛ وعبر عن الطلب بصيغة الخبر؛ للإشارة إلى أن ذلك الوجوب تنادي به الفطرة، ويتفق مع طبيعة الأمومة، وأن الأمهات يلبين الطلب فيه بداع من نفوسهن؛ فلذلك عبر بالخبر، كان الإرضاع وقع من غير طلب خارجي، فكان ذلك التعبير مفيدًا للأمر التكليفي، ومقررًا للأمر الفطري. والفقهاء يقررون أنه مطلوب من المرأة أن ترضع ولدها، ولكنهم يختلفون في مدى هذا الطلب؛ فالحنفية يرون أن هذا الطلب للندب في جملته، فليس على الأم إرضاع ولدها، إلا في حال الضرورة، بأن لم يوجد من يرضعه سواها، أو لَا يلقم الولد إلا ثديها، أو كان الأب عاجزا عن استرضاع ولده عند ظئر؛ إذ لَا يملك أجرتها؛ وينافي هذا الرأي قوله تعالى: (وَانْ أَرَدْتّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكمْ فَلا جنَاحَ

стр. 1022

عَلَيْكُمْ) لأن هذا يفيد أن الأب غير ملزم بالاسترضاع، بينما رأي الحنفية يفيد بأنه الملزم، والأم غير ملزمة ولما رأوا ذلك قالوا: إن الأم عليها الإرضاع ديانة لا قضاء. والمالكية يرون أن المرأة عليها إرضاع ولدها إلا لعذر، واعتبر من الأعذار أن تكون من الطبقة التي لَا ترضع أولادها عادة. وقوله تعالى: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) يفيد أن الإرضاع اللازم للغذاء لَا يتجاوز حولين كاملين، ووصف الحولين بأنهما كاملان، للإشارة إلى النهاية الكاملة التي لَا يدخلها تجاوز ولا تسامح، وليتناسب مع قوله: (لِمَنْ أَرَادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وإن بيان الحدود من حيث الابتداء والانتهاء يجب أن يكون دقيقًا، وإن الناس قد يعدون ما دون الحولين إذا كان قليلا كشهر أو نحوه غير ناقص للمدة، فذكر وصف الكمال، لينفي مثل هذا الاحتمال). وفى التعبير عن السنة بالحول في هذا المقال، إشارة إلى معنى دقيق، يبين أنه في انتهاء السنتين يكون الطفل قد بلغ حد الاستغناء؛ ذلك أن كلمة حول تدل على التحول من حال إلى حال، فيكون التعبير بها مشيرًا إلى تحول في مدارج نموه من وقت ظهوره في الوجود، ورؤيته شمسه، فإنه ينتقل شهرًا بعد آخر في التغذية، تبعًا لنمو قواه، وحاجة جسمه، فهو يبتدئ ضعيفا لَا يستطيع أن يتناول غذاءه إلا من ثدي أمه، ثم يتناولى غيره قليلا، ثم يزاد حتى إذا أتى على الحولين حالت الحال، واستغني تمامًا عن الرضاعة؛ ولذا قال سبحانه: (لِمَنْ أَرَادَ أَن يتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وهذه الجملة السامية تشير إلى أنه قد يستغني الطفل عن أمه قبل الحولين، وأن من أراد التمام إن وجدت أسبابه يصل إلى نهاية الحولين، سواء أكان المريد الأب أو - الأم. وهذه المدة هي حد لثلاثة أمور عند جمهور الفقهاء: أولها - أجرة الرضاعة التي تستحقها الأم، والتي دل عليها قوله تعالى من بعد (وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

стр. 1023

وثانيها - على نهاية الوجوب الذي أوجبه الشارع على الأم عند القائلين بأنه يجب عليها قضاءًا إرضاع ولدها؛ وعلى نهاية الوجوب الديني عند الذين لا يفرضون عليها إلا الوجوب الديني دون القضائي. وثالثها - أن الرضاع المحرِّم الذي يكون موجبًا لصلة تكون الأنثى فيها حرامًا كالنسب تماما في كل أحوال التحريم لَا يكون إلا في هذين الحولين؛ أما بعد ذلك فالرضاع لَا يحرم (١)، وعلى ذلك الرأي جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة: الرضاع المحرم مدته ثلاثون شهرًا، وأما الرضاع من حيث الأجرة، ومن حيث الوجوب على الأم ديانة أو قضاء فمدته حولان كنص الآية الكريمة. وإن هذا الوجوب الذي أوجبه القرآن الكريم على الوالدة يدل على مقدار عناية الإسلام بالرضاعة، ومقدار عنايته بتربية الأطفال، وتغذيتهم، وعنايته بأجسامهم، وسلامة دمهم، فإن لبن الأم هو الغذاء الطبيعي لولدها، ينمو بنموه، ويسير من حيث كم الغذاء مع تقدم سن الطفل شهرًا بعد شهر، وهو غذاؤه في بطن أمه، فيكون هو غذاءه بعد ولادته وإن تعرض الطفل للمراضع يعرضه للأدواء الوراثية تنتقل إليه، بل يعرضه للأدواء النفسية والعقلية تؤثر فيه، فإن المرضع تحمل إليه مع اللبن ما في جسمها من عيوب وراثية، وما في نفسها وعقلها من عيوب أيضًا، وقد أثبتت التجربة أن العيوب النفسية في المرضع تسري إلى من أرضعته، وتتشربها نفسه، بل تتكون منها طباعه، كما تكون من لبنها جسمه. ومن عناية الشارع بالرضاعة جعلها من أسباب التحريم، فيوجد الرضاعة بين الطفل ومن أرضعته وذويها وكل من تلقوا من ثديها صلة تشبه صلة النسب، ولكي يتحرى الآباء من يرضعن أولادهن، وتتحرى الأمهات من تقمن مقامهن، أو من يشركنهن في الأمومة الفطرية التي أوجدتها الولادة.

стр. 1024

(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) في الجملة السامية السابقة نص على واجب الأمهات المشتق من كونهن والدات؛ وفي النص واجب يقابله على الآباء لكونهم قد ولد لهم، فالتعبير عن الأب بقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَولودِ لَهُ) هو في مقابل التعبير عن الأمهات بالوالدات؛ وكما أن الأول أوجب عليهن الرضاعة، فالثاني أوجب على الآباء النفقة؛ لأن الولادة لهم، فالنسب لهم، والولد تابع تبعية مطلقة لهم؛ وكأنه كسب كسبوه، وغنم غنموه، فحق عليهم القيام على شئونه ورعايته، والإنفاق على من خصصت نفسها وخصصتها الفطرة لخدمته ورعايته وتغذيته بلبنها الذي هو دَرّ من دمها. ويلاحظ هنا عندما أوجب الله على الآباء الإنفاق على الأمهات اللائي يرضعن أولادهن، أمران: أولهما: أنه قيد الإنفاق بالمعروف، وهو الأمر الذي يتعارفه العقلاء، فلا تستنكره العقول ولا يجفوه الذوق السليم بأن يليق بحالها ويكفيها شئونها، ولا يخرج عن طاقة الأب، ولا يكلفه شططا، ويسهل لها الأب ذلك الإنفاق؛ فيجيء إليها من غير جهد منها، ولا إعنات لها. ثاني الأمرين: أن الله ذكر أن الإنفاق يكون في وضع الرجل فلا يرهقه، ولا يشق عليه؛ ولذا قال: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)، وهي قضية عامة، وقاعدة كلية في كل تكليفات الشارع الإسلامي، يلاحظ فيها أن تكون في وسع المكلف، وليس معنى الوُسع هو الطاقة، فإن الفرق بينهما كبير؛ لأن الطاقة هي أقصى قدرة المكلف بحيث لَا يستطيع الأمر إلا بمشقة وجهد؛ أما الوسع فهو قدرة المكلف على الأمر، مع بقاء فضل من جهده، بحيث لَا يستغرق العمل أقصى قدرته؛ وقد وضح ذلك المعنى في إيجاز بليغ فجعل مناط التكليف ما تسعه قدرة المكلف؛ قال تعالى: (لا يُكَلِّف اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسعَهَا. . .)، تنبيها إلى أنه لَا يكلف دون ما تنوء به قدرته.

стр. 1025

وإذا كان الأمر كذلك فكل التكليفات الشرعية يكون في الوسع القيام بها، بمعنى أنها تؤدى بيسر وسهولة ولا مشقة فيها لمن ذاق طعم الطاعة، وفهم معناها؛ ولذا قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. . .). ولا شك أن الإنفاق على الأم بالمعروف، هو تكليف بما في الوسع الذي يقوم به المرء بيسر وسهولة؛ لأن أساس المعروف ألا يكون فيه غضاضة على المرأة، وألا يكون شطط على الرجل؛ فلا يكلف أحدهما إلا وسعه وما يكون يسرا من أمره. ولقد عبر الله في هذه الآية الكريمة عن الإنفاق بالرزق والكسوة، أي بالإطعام والإيواء والكسوة، وعبر في آية الطلاق بالأجرة، فقد قال الله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهنَّ أُجُورَهُنَّ. . .)، فالأجرة هنالك هي الكسوة والرزق هنا؛ وتخالف التعبيران؛ لأن كل واحد فيما يناسبه؛ فالتعبير بالأجرة؛ لأن الكلام في المطلقات، وما يفرض لهن من نفقة وأمدها؛ ثم بين ما يستحق في مقابل الإرضاع إن أرضعن وقد خرجن من بيت الرجل وسلطانه. أما في هذه الآية فالكلام في أصل وجوب الإرضاع على الأمهات، وبيان توزيع التكليفات؛ والآية هنا عبر القرآن فيها عن الأم بوصف كونها والدة، وعلى الأب بوصف كونه مولودًا له، فناسب أن يعبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة لأن مؤدى التعبير الكريم أن الواجبات للطفل موزعة، والحقوق فيه متقابلة؛ فالأم لأنها تفرغت لخدمته، وقامت على حياطته، وغذته من لبنها بعد أن غذته من دمها، وأوجب عليها الشارع ذلك الغذاء - كان على الأب في نظير ذلك أن يكدح ويعمل ليوفر لها رزقها وكسوتها بالمعروف من غير غضاضة ولا شطط. (لا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَولودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) هذه الجملة السامية في مقام التعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الوالد والوالدة، والتي أساسها القيام بحق ذلك المخلوق الذي كان كل واحد منهما طريقا لخروجه إلى هذا الوجود الإنساني. والمعنى أنه لا يصح أن يقع ضرر على الأم بسبب ولدها لما لها من حنو وعطف، فيستغل ذلك الحنو وذلك العطف لإنزال الأذى بها وإعناتها وتكليفها ما ليس في وسعها، وما

стр. 1026

ليس متفقا مع فطرتها؛ وكذلك لَا يصح أن يقع ضرر بالأب بسبب ولد لأنه يعني بإنباته نباتًا حسنًا وتنشئته على أكمل وجه، فيرهق بالمطالب المالية، ويكلف ما ليس في وسعه أو لَا تتسع له قدرته عليه إلا بمشقة وجهد شديد. وفى هذه الجملة السامية بحثان لفظيان نقولهما بإيجاز: أولهما - أن كلمة (لَا تُضَارَّ) من مادة المفاعلة من الضرر، وقد قرئت مرفوعة على معنى نفي الضرر، ونفي الضرر يقتضي النهي عنه؛ وقرئت مجزومة، وعند الوصل خفف السكون بالفتح على أصل التخلص من التقاء الساكنين، وإن لم يكن هنا ساكنان؛ ولذا قرئ بالسكون، وقراءة السكون تدل على النهي الصريح. ولأن كلمة (لَا تُضَارَّ) من المفاعلة تصلح أن تكون مبنية للمفعول؛ والمعنى في الفرضين واحد، وهو أنه لَا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه، أو يُضَر مِن صاحبه بسبب عطفه على ولده وحنوه عليه. البحث الثاني - في التعبير بقوله سبحانه، (وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَولودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) وتقديم الأم على الأب؛ فإن ذلك التعبير يشير إلى منزلة الولد من قلب كل منهما، وأنه قطعة من قلوبهما؛ ولا يصح أن يكون مزيد العطف الوالدي سببًا في أن يتخذه كل منهما ذريعة لإيذاء الآخر والعبث بحقوقه، ولإشعارهما بأن الإيذاء باسم الحنو قد يؤدي إلى نقص العطف على الولد، ولكي يعرف كل منهما أن الولد ولدهما معًا ومزيج من جسمهما معًا، فلا يصح أن يتخذ سبيلا للكيد والإعنات والإرهاق؛ وقدمت الأم لأن حنوها أشد، ولأن مظنة إنزال الأذى بها أقرب، (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) هذه الجملة الكريمة سيقت لبيان من ينفق على الولد إن لم يكن له أب، أو كان له أب عاجز عن الإنفاق عليه؛ فإن الإنفاق في هذه الحال يكون على الوارث الذي يرث الولد إذا مات؛ لأن الغُنم بالغُرم، فما دام يرثه عند الوفاة إن كان له مال، فإنه ينفق عليه إذا كان محتاجًا عاجزًا. وفى التعبير بكلمة (الْوَارِثِ) بدل كلمة قريب، إشارة إلى أن الوراثة هي السبب في وجوب تقديم الرزق والكسوة، لَا مجرد القرابة، أو القرابة المحرمية؛

стр. 1027

وعلى ذلك يكون الوجوب تابعا لمقدار الميراث، ولدرجة التوريث؛ لأن الميراث هو السبب في الوجوب، فيكون الوجوب مشتقًا من درجته ومقداره وقوته. وفى هذا الكلام الحكيم تنظيم للعلاقات المالية بين الأسرة أو إشارة إليه؛ فإنه يوضح أن الحقوق المالية في الأسرة متقابلة، فمن كان له حق الميراث عليه واجب الإنفاق؛ وكأن مال الأسرة شركة بين آحادها يتوارثون المال فيما بينهم؛ ويتعاونون في الإنفاق فيما بينهم؛ فالقادر ينفق على العاجز، والغني يمد الفقير بحاجته في موضع الحاجة. ولقد فهم الإمام أحمد بن حنبل من هذه الآية أن نفقة القرابة تسير مع الميراث وجودًا وعدمًا، وقوة في الوجوب، وتقديرا له؛ لأن الميراث جعل أساس الإنفاق بمقتضى نص الآية الكريمة (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ). وقبل أن نترك الكلام في هذا نشير إلى معنى لفظي أشار إليه النص، وهو قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) فإنه أشار إلى أن الوجوب على الوارث هو وجوب بدلي، أي أن الوارث قام فيه مقام الأب، والوجوب الأصلي على الأب؛ فقد قال في الوجوب على الوارث: (مِثْلُ ذَلِكَ) فالتعبير بالمثل يشير إلى أن أصل الوجوب على الأب؛ ولذلك قرر أن الأب لَا يشاركه أحد في الإنفاق على ولده، ولو كان يشارك الأب في الميراث من الولد غيره، فلا تشارك الأبَ القادر غير العاجز الأمُّ في الإنفاق إذا كانت غنية. (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ منْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) تبين في سابق النص الكريم أن الحد بالحولين من حيث وجوب الإرضاع ووجوب الإنفاق ليس حدًّا لازمًا بل هو حد للكمال لمن أراد أن يتم الرضاعة كما صرح النص الحكيم؛ ولذلك كان للأب والأم مجتمعين غير منفرد أحدهما ولا مستبد أن يفطما الطفل قبل هذه المدة؛ ولذا سيقت الجملة السامية، (فَإنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ منْهمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي لَا إثم عليهما إن فعلا ذلك، والفصال هنا هو الفطام؛ لأن الفطام يفصل الولد عن ثدي أمه، ويفصله تدريجيا عن ملازمتها. وإن الفصال لابد فيه من أمرين:

стр. 1028

أحدهما - التشاور فيه بأن يفحصحا حال الطفل من حيث قوته وقدرته على الاستغناء عن لبن الأم، وسلامة جسمه ونموه، ولا مانع من أن يستعينا في ذلك برأى خبير رشيد وقد أوجب التشاور عند الفطام، لأن ذلك سيؤثر في صحته في قابل حياته، بل ربما أثر في أعصابه؛ وإن لذلك خطره وشأنه فوجب التشاور فيه، والشورى واجبة في كل أمر ذي شأن وخطر. وثاني الأمرين اللذين لابد من وجودهما عند الفطام: أن يكون الفطام بإرادة حرة صريحة واضحة ورضا كامل من كل منهما؛ ولذلك أكد الرضا من كل منهما بالذكر مرتين: أولهما أنه قال: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا) فأوجب تحقق إرادتهما، وثانيهما أنه قال: (عَن تَرَاضٍ) أي إرادة حرة صريحة صادرة عن تراض صحيح ليس فيه شائبة إكراه. وفى ذلك فوق ما فيه من رعاية مصلحة الطفل احترام لإرادة المرأة فيما يتعلق بطفلها، وأنها ليست كمًّا مهملا في البيت، بل لها الرأي بجوار رأي الرجل في أخطر الأمور وأشدها أثرًا. وإن العناية بأمر الفطام على ذلك النحو تدل على عناية الشارع الإسلامي بالناشئة وتربيتها تربية جسمية وخلقية وعقلية، فإن العناية بالطفل عناية بجيل كامل من الأمة، وعلى حسب العناية بالتربية الأولى يكون الجيل من الأجيال. (وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ) ما تقدم كان في إرضاع الأم ولدها، وفيه بيان وجوبه عليها، وما يقابل ذلك من حق لها على الأب، وفي هذا الكلام يبين الله الحكم في استرضاع الأب غير الأم، فبيَّن أن ذلك يكون برضا الأم وقد قال سبحانه: (وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي إن اجتمع رأي الأب ورأي الأم على أن يسترضعوا لولدهما ظئرا، فلا إثم عليهما في ذلك، ولكن على الآباء أن يلاحظوا حق ذلك المرضع من الأجرة؛ ولذا قال سبحانه: (إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ) أي سلمتم ما وجب عليكم إعطاؤه بالمعروف أي يكون تقديره بالمعروف بين الناس

стр. 1029

الذي يتعارفونه أجرًا، ويكون عطاؤه من غير ممانعة، ولا مماكسة، بل بالمعروف الذي لا يستنكره الناس وتقره العقول والأخلاق القويمة، وهنا بحث لفظي في موضعين: أولهما: في قوله تعالى: (أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) فإن استرضع كما قال الإمام الزمخشري منقول من أرضع، يقال أرضعت المرأة الصبي، واسترضعتها الصبي، فهي متعدية إلى مفعولين، كما يقال نجحت الحاجة، واستنجحته الحاجة؛ وفى الآية الكريمة قد حذف أحد المفعولين، إذ المعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم، وحذفه متسق مع السياق الكريم، لأن الحذف يدل على العموم وعدم تخصيص مرضع دون مرضع، فإنه عند إرادة الاسترضاع لَا يتقيد الأب بواحدة دون الأخرى ما توافرت السلامة فيهن، ولم ينل الطفل من إحداهن ضرر في جسمه أو خلقه أو أعصابه. الموضع الثاني: في قوله تعالى: (إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم) ففي قوله تعالى (آتَيْتُم) ثلاث قراءات: أولاها آتيتم بالمد، وثانيها من غير مد مع ضم الهمزة، وثالثتها (أوتيتم) والقراءات الثلاث تتلاقى في معنى واحد، وهو إعطاء الأجرة بالمعروف أي المتعارف كما نوهنا؛ وتخريجه على القراءة الأولى (مَّا آتَيْتُم) أي أردتم إيتاءه كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ. . .) أي أردتم القيام إلى الصلاة، وعلى القراءة الثانية " ما أتيتم " أي مما أعطيتم من مال، لأن أتى تستعمل بمعنى أحسن، فيقال أتى إليه إحسانا إذا فعله، وتكون متعدية، ومنه قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُة مَأتِيًّا -). وعلى القراءة الثالثة (أوتيتم) أي أعطيتم المعنى واضح صريح فيها. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ذَيَّلَ الله هذه الآية الكريمة التي تبيِّن واجب الآباء والأمهات نحو الأمانة التي سلمها الله لهم؛ ليقدموها للمجتمع الإسلامي غرسًا طيبًا وجيلا قويًا طاهرًا؛ ذيَّل تلك الآية الحكيمة بالأمر بتقواه، والتذكير بأنه علِم بكل شيء علْم المبصر الذي يرى؛ إذ خلجات القلوب في علمه الأزلي المحيط، كأنها المرئيات المبصرات.

стр. 1030

ولذلك التذييل الكريم فوائد ثلاث: أولاها: تربية المهابة في قلوب المؤمنين؛ ليتذكروا الله في كل أعمالهم الصغيرة والكبيرة، وليعلموا أن شئون الحياة كلها سواء كان منها ما يتعلق بالأسرة أو ما يتعلق بالمجتمع، وما يتعلق بالآحاد، لَا تستقيم إلا بمراقبة الله تعالى، والإحساس بتقواه، وأنه عليم بما تخفي الصدور وما تكنه القلوب، وأن من يعمل عملا يعمله كأنه يرى الله، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. وثانيها: بيان أن العلاقات بين الآباء وأولادهم وأمهاتهم لَا يغفل الله عنها، وسيجزي المحسن إحسانًا والمسيى سوءا، وإن استطاع الرجال أو النساء أن يستطيلوا ويظلموا في الدنيا، أو يخدعوا القضاء بزور من القول، فلن يخدعوا الله ، وهو على كل شيء رقيب، وسيجزي كلًّا بما صنع، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌ. والثالثة: التذكير بأن شئون الأسرة تقوم على التدين، لَا على الظواهر المادية، فإنه إذا صلحت القلوب استقامت العلاقة بين الرجل وأهله وأولاده، وإن تقطعت حبال المودة، وذهبت التقوى من القلوب، وأقفرت النفوس، فسيكون الظلم مهما تكن الأحكام، ومهما يكن القضاء. منحنا الله سبحانه رضوانه، ووهبنا عرفانه، وأصلح لنا في ذرياتنا، إنه سميع مجيب الدعاء. * * *

стр. 1031

(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) * * * في الآيات السابقات بيَّن سبحانه إنشاء الزواج، وما ينبغي أن يكون في الاختيار وما يجب، ثم بيَّن العشرة الزوجية، ثم بيَّن الفراق بين الزوجين والأحكام التي تتبع عند الافتراق، وأن الزواج إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأنه إذا لم يكن واحدًا منهما فهو الكفر في الإسلام، أو الجهل بأحكامه أو الزيغ عن قانونه، والخروج من ربقته ونظامه؛ ثم أشار سبحانه إلى حقوق ثمرة الزواج في حالي الوفاق والخلاف، وأنها حقوق مقررة في الحالين. وبعد ذلك بيَّن الحكم إذا فرَّق بين الزوجين الموت، فذكر القيود المعقولة التي تقيد بها المرأة، وبعدها تكون الحرية التي يكون من آثارها اختيار الزوج الكفء، فقال تعالى:

стр. 1032

(وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) في هذه الآية الكريمة يتبين عدة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر قمرية وعشرة

стр. 1033

أيام؛ وعبر سبحانه عن العشر بما يدل على أن المعدود مؤنث؛ إذ إنه حذف التاء، فدل على أن المراد عشر ليال والمؤدى واحد، ولكن التعبير بالليالي فيه فائدة أكبر من التعبير بالأيام؛ لأن فيه إشارة إلى أن تقدير الأشهر بالقمرية كما نوهنا؛ لأن الليالي هي التي تعرف فيها أحوال القمر وأدواره؛ فكان التعبير بها توجيها لما يكون فيها، وهو القمر بأطواره وأحواله. وقبل أن نخوض في حكمة تقدير عدة الوفاة ذلك التقدير، وما يعارض ظاهرها في سورة الطلاق؛ وما كان عليه العرب من عادات في حداد المرأة على زوجها؛ قبل ذلك نذكر بعض مباحث لفظية في تلك الجملة السامية. وأول تلك المباحث اللفظية، هو في كلمة (يُتَوَفَوْنَ) بالبناء للمجهول، ولم تقرأ غير ذلك؛ لأن الفعل توفى متعد؛ فالله يقول: (اللَّهُ يَتَوَفَى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. . .)، فإذا لم يذكر الفاعل بني للمفعول. وثانيها: في كلمة " يذرون " معناها يتركون؛ وقد ادعى علماء النحو أنه من الأفعال التي مات ماضيها، ولم يعرف إلا فعل المستقبل لها؛ مضارعا كان أو أمرًا؛ ولكن وجدنا في أساس البلاغة للزمخشري ما دل على أن ماضيها حي وليس بميت؛ فقد جاء فيه ما نصه: (ذره واحذره والعرب أماتت المصدر منه فيقولون: ذر تركا، وإذا قيل لهم ذروه قالوا وذرناه) (١). ونرى من هذا أن ذلك العالم اللغوي العظيم لم يعترف إلا بأن العرب أماتوا المصدر، أما الماضي فلم يميتوه، وذكر الاستعمال الذي يدل على حياته، فقال: (إنهم إذا قيل لهم: ذروه. قالوا: وذرناه). وثالث المباحث اللفظية: في كلمة " أزواج " وهي جمع لزوج، وهو كلمة تفيد بأصل معناها الدلالة على اثنين اتحدا في الخواص والصفات وكل المشخصات حتى صار كل واحد منهما صورة كاملة من الثاني، وكأنه هو في شخصه؛ ولذلك أطلق

стр. 1034

على كل واحد منهما بأنه زوج، وأطلق على كل واحد من الرجل والمرأة بعد ذلك العقد المقدس بأنه زوج؛ لأنه ثاني اثنين قد امتزجت حياتهما، وتلاءمت شخصياتهما حتى صار كل واحد منهما كأنه صورة من الآخر، وكأنَّه شخصه في كونه ووجوده لما ارتبطا به من حياة، ولكمال الخلطة بينهما، ولتماثل الحقوق والواجبات عليهما ولاتحاد شخصيتهما بذلك الزواج الموحِّد بينهما. ورابع المباحث اللفظية: في كلمة " يتربصن " والتربص معناه الانتظار؛ فقد قال تعالى: (فتَرَبَّصُوِا بِهِ حَتَّى حِينٍ)، وقال تعالى: (وَمِنَ الأَعْرَاب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ. . .)، وقال تعالى: (أَمْ يَقولُونَ شَاعِرٌ نتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)، وفي كل هذه الآيات الكريمة كان التربص معناه الانتظار مع الترقب؛ والتربص من المتوفى عنها زوجها في هذا المعنى تقريبا. و" يتربصن " هي خبر في معنى الطلب فالمعنى ليتربصن، كقوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ. . .)، وفي ذلك إشارة إلى أن التربص أمر نظري يتلاقى مع الأمر الشرعي؛ فإن الحرَّة الكريمة لَا ترضي لنفسها ولا ترضى معها أسرتها أن تتزوج فور وفاة زوجها، أو بعدها بمدة قليلة؛ فإن ذلك أمر مستهجن في الفطرة السليمة، وفي الشرع الحكيم، وفي عرف الناس، ولا ترضى العقول به والمدارك الصحيحة. وكان مع ذلك التعبير بقوله تعالى: (بِأنفُسِهِنَّ) فيه إشارة إلى أن ذلك التربص فيه صيانة لأنفسهن، وحفظ لكرامتهن، ودفع لمعنى الامتهان والعار الذي يلحق المرأة من أن يموت ضجيعها، فلا تلبث إلا قليلًا بعد أن يسجى ويدفن، حتى تعرض نفسها طالبة الأزواج، كأنه ليس المتوفى عشيرًا أليفًا يستحق الحداد. وقد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هي في جملتها أكثر من عدة المطلقات؛ لأن تلك ثلاثة قروء تجيء عادة في نحو ثلاثة أشهر - وهنا يرد سؤالان:

стр. 1035

أولهما: لماذا كانت العدة في المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض، فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاثة؟. . ولماذا كانت الزيادة؟ ولم نجد أحدًا تصدى لبيان الحكمة في جعلها بالأشهر، ويبدو لنا أن الحكمة التي تدركها عقولنا - وإن كانت الحكمة الشرعية السامية قد تعلو على مداركنا - هي أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها، وللصغيرة والكبيرة، والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذي انتهى بوفاة أحد ركنيه، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه الجميع ما دام السبب واحدًا في الجميع؛ وفوق ذلك إن العدة في الوفاة لو قدرت بالحيض، وهو أمر لَا يعلم إلا من جهة المرأة، فربما تدفعها الرغبة في الزواج إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع؛ وفي المطلقات العدة حق للمطلق فيستطيع أن ينكر عليها، أو يظهر كذبها، وهي تخشى صولته، فتبتعد ما أمكن عن المراء؛ أما في حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله خاصًا، فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى لَا يكون مساغًا للكذب وادعاء ما لم يحصل؛ لأنَّ الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب، وليست أمرًا يعرف من جهتها فقط. أما الجواب عن الأمر الثاني وهو: لماذا كانت العدة بالوفاة أكثر في الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؛ فيبدو بادي الرأي، من القرق بين حال الطلاق وحال الوفاة، أن الطلاق نتيجة شقاق؛ فالحداد على الزوج الذي ينشئه ليس قويًا، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح في معنى العدة، ويكفي لذلك نحو ثلاثة أشهر؛ أما حال الموت، فإن مرارة الفراق فيها أوضح وأشد، ومعنى الحداد يغلب فيها معنى براءة الرحم؛ ولذلك تجب على المدخول بها وغير المدخول بها، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق؛ وإن الشارع الحكيم قد خفف من حدة ما كانت تعمله النسوة الجاهلية، فقد كانت المرأة في الجاهلية تغلق على نفسها أضيق مكان في مسكنها وتقضي فيه سنة كاملة؛ حدادا على زوجها، فجاء الإسلام، وخفف عليها وجعلها أربعة أشهر وعشرًا، ولنذكر لك ما كان في الجاهلية وما كان في الإسلام، كما روي في صحاح السنة:

стр. 1036

فقد روى البخاري ومسلم عن زينب بنت أم مسلمة أنها قالت: " دخلت عليَّ أم حبيبة حين توفى أبو سفيان (أبوها) فدعت أم حبيبة بطيب فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا (١)، قالت زينب: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفى زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : (لا) مرتين أو ثلاثًا. ثم قال: " إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَحِدُّ السَّنَةَ، ثُمَّ تَرْمِي الْبَعْرَةَ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؛ " قال الراوى (٢) قلت لزينب: مَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةَ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فقالت زينب: " كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا (٣) ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمى بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره " (٤). وترى من هذا أن الإسلام قد ألغى تلك العادات الجاهلية، وقصر أمد الحداد على الوفاة، فجعله أربعة أشهر وعشرًا بدل سنة. وقد يرد سؤال آخر: لماذا حد العدد بأربعة أشهر وعشرًا؟ وإن تقدير الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توقيفي خالص لَا يجري فيه القياس؛ ولكن ليس معنى ذلك أنه لَا حكمة فيه؛ وإن الحكمة يقررها العلماء في أمرين: أولهما - أن الأشهر الأربعة هي التي يظهر فيها الحمل ويستبين، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط، وتعرّف أعراضه وظواهره؛ وذلك لأنه لما وكل أمر براءة الرحم إلى مدة، لوحظ فيه المدة التي فيها يعرف ويستبين وتظهر أعراضه.

стр. 1037

ثانيهما - أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال، ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر، بحيث إذا حلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر، ومضى في يمينه وانتهت المدة طلقت منه، فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج في حدود هذه المدة، ومقاربة لها في الجملة، وليس من المعقول أن يعاقب الشارع الرجل إذا أصر على هجر زوجه بالفراق إذا أصر عليه أربعة أشهر، وفي الوقت نفسه يلزمها بالحداد مدة أطول من ذلك، بل ينبغي أن تكون مدة الإحداد حول هذه المدة أيضًا. (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ) بيَّنت الجملة السامية السابقة مدة العدة للمتوفى عنهن أزواجهن، وفي هذه الجملة الكريمة يبين انتهاءها وما يترتب على الانتهاء، والمعنى: إذا انتهت المدة المقررة للتربص، فلا إثم على الناس فيما يفعلن في أنفسهن من زينة واستعداد للزواج والزواج بالفعل، ونرى في التعبير الفعل المباح منسوبًا لهن، ونَفى الإثم عن الناس المتصلين بهؤلاء المتوفى عنهن أزواجهن، وفي ذلك دلالة على أمرين: أحدهما: أن المرأة تباح لها الزينة بالمعروف، أي بالأمر المعقول الذي تقره العقول، وتدركه الأفهام، وتعرفه أهل المدارك السليمة والأذواق الدقيقة المحكومة بشكائم الأخلاق، ويدخل فيما يفعلن بأنفسهن الزواج، فلها اختيار الزوج، وتولي العقد، بشرط أن يكون ذلك في دائرة العرف والتقيد بالكفاءة، وألا تجلب عارًا على أسرتها وذويها. وثانيهما: أن نفي الإثم عن الجماعة فيما يفعلن بأنفسهن بالمعروف غير المستنكر، دليل على أن الجماعة الإسلامية متعاونة متآزرة متماسكة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن على كل امرئ أن يصلح من شأن أخيه، ويقوِّمه بالمعروف، ويبين له أوامر الشرع وحكم الله تعالى، ولا تذهب عنه هذه المسئولية حتى يكون عمل من يكون ذا صلة به في دائرة الشرع والخلق القويم.

стр. 1038

وقبل أن نترك الكلام في عدة المتوفى عنها زوجها، نشير إلى موضوع يتصل به، أو هو من لبه، وهو مقدار شمول هذا النص للمعتدات من وفاة: أيشمل الحامل وغير الحامل، أم يختص بغير الحامل فقط؛ لقد ورد في عدة الحامل قوله تعالى: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. . .)، وورد في عدة الوفاة هذه الآية الكريمة التي نتكلم في معناها، وهذان عمومان متعارضان، أو يبدو في الظاهر أنهما متعارضان. وقد قال جمهور الفقهاء: إن آية عدة الوفاة التي نتكلم فيها خاصة بغير الحوامل، فعدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل تكون بأربعة أشهر وعشرًا، وعدة الحامل بوضع الحمل عملًا بآية الحمل، فكانت آية الحمل شاملة لحال الطلاق وحال الوفاة؛ ويستدل على ذلك الرأي، بالحديث الشريف؛ فإنه روى أبو داود عن النبي ﷺ أنه أفتى سبيعة الأسلمية، بأنها حلت حين وضع حملها، وكانت قد ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر. هذا رأي جمهور الفقهاء، وذلك نظرهم؛ ولكن يروي عن علي، وابن عباس ﵄ أن المعتدة الحامل من وفاة تعتد بوضع الحمل، بشرط ألا تقل العدة عن أربعة أشهر وعشر؛ أي أنها تعتد بأبعد الأجلين: وضع الحمل، أو مضى أربعة أشهر وعشر. وذلك الرأي إعمالاً للآيتين الكريمتين وإمضاءً لعمومهما، وهو يتفق مع الحكمة من إطالة مدة العدة بالنسبة للمتوفى عنها زوجها؛ فإنه لَا يتفق مع ذلك أن تنتهي العدة بوضع الحمل بعد ساعة من الوفاة. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ذَيَّلَ الله الآية الكريمة بهذا التذييل؛ لبيان أنه عليم عِلْمَ الخبير الدقيق الذي لَا تخفى عليه خافية، بما يعملون من تنفيذهم لأوامره، أو إهمالهم؛ وأن من سنته في كتابه الكريم أنه بعد كل أمر أو نهي يذكر رقابته في التنفيذ، ليعلم من

стр. 1039

يهمل ومن يطيع، ولكل جزاؤه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر؛ وإذا كان المكلف يحس بأنه تحت رقابة الله دائمًا فإنه يراقب الله في عمله، ويكون منه الخير واجتناب الشر. * * *

стр. 1040

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ... (٢٣٥) الخطبة: من الخطاب، وهي مخاطبة المرأة أو ذويها في أمر زواجها؛ والتعريض ضد التصريح، وهو إفهام المراد لكلام يحتمل ما يريده المتكلم، ويحتمل غيره، وهو في ظاهره غير ما يريد، ولكن يبدو من لحن القول وإشاراته والمقام ما يريده، وهو من عَرْضِ الشيء وهو جانبه، كأنه يحوم به حول الشيء وعلى جوانبه ولا يظهر مراده. والنساء المراد بهن في الآية هن المتوفى عنهن أزواجهن في أثناء العدة. والإكنان في النفس أن يخفي إرادة الزواج والرغبة فيه مع الإصرار عليه، واعتزامه من غير إعلانه الأحد. ومعنى الجملة الكريمة: أنه لَا إثم في التعريض بخطبة المتوفى عنهن أزواجهن، كما أنه لَا إثم في الرغبة في الزواج منهن مع إكنان ذلك وستره من غير كشف وإعلان؛ لأن الكشف والإعلان قد يؤذي الميت، وهو فوق ذلك لَا يليق بأهل المروءة من الرجال. والتصريح بالخطبة لَا يجوز، حتى لَا يؤذي أهل الميت، وحتى لَا يدفعها إلى الامتناع عن الحداد على زواجها، فوق أن ذلك نقص في الخلق. وفساد في الذوق لا يصدر عن ذي إحساس كريم؛ فالتعريض فقط هو المباح في الخطبة في حال عدة الوفاة؛ وأساليب التعريض متباينة يبينها المقام؛ ومن ذلك ما يروى عن سكينة بنت حنظلة أنها قالت: " استأذن عليَّ محمد بن علي زين العابدين فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله ﷺ ، وقرابتي من علي، وموضعي في العرب. . فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، إنك رجل يؤخذ عنك؛ تخطبني في عدتي!! قال إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومن علي ".

стр. 1041

وقد أخرج الدارقطني أن رسول الله ﷺ دخل على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة، فقال: " لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي ". وكانت تلك خطبة (١). (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا) في هذه الجملة الكريمة يشير إلى طبائع النفس البشرية فيمنعها من الانسياق فيما يردي ويفسد، ويبيح لها ما لَا ضرر فيه، وقد يكون فيه ما تطيب به نفوس، وتطمئن إليه قلوب. فالله علم أن العارفين لأخبار المتوفى عنها زوجها وأحوالها وحقيقتها، من جمال أو نحوه، ومن حسن عشرة ولطف مودة، أنهم سيذكرونها في نفوسهم ويقرنون الذكر بالرغب والاتجاه إلى طلبها، وإعلان الرغبة والتحبب إليها وإمالة قلبها، ولقد علم الله حال النفوس هذه فأباح للناس ما تكون مغبته حسنة، ومنع غيره، فأباح إكنان الرغبة في الأنفس وحديث النفس بها، فإن حديث النفس ليس موضع مؤاخذة؛ وأباح التعريض بالخطبة، ونهى عن أمرين: أولهما: المواعدة السرية، سواء أكانت تلك المواعدة على الزواج أو غيره. وقد تكلم العلماء في معنى كلمة " سرًّا " فقيل: إن معناها ما يكون بين الرجل وزوجه من متعة جسدية. وقيل: إن معناها عقد الزواج. وقيل إنَّ سرًّا، معناها زنا. وروي أن ابن عباس وابن جبير والشعبي ومجاهدًا وعكرمة والسدي، فسروا " سرًّا " بألا يأخذ عليها ميثاقا بألا تتزوج غيره في استسرار وخفية. وإن الذي نميل إليه أن " سرًّا " وصف لمحذوف أي لَا تواعدوهن وعدًا سريا بأي شكل من الأشكال، وفي أي موضوع من الموضوعات؛ لأن الإسرار يدفع إلى الخلوة فتكون الحال في مكان النهي حيثما قال النبي ﷺ : " لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما " (٢) والمعنى على هذا: لَا تندفعوا وراء رغباتكم فتلتقوا بهن سرًّا

стр. 1042

وتقولوا معهن ما تستحيون من قوله جهرًا؛ إما لأنه قبيح لَا يعلن، وإما لأنه فى غير وقته فيستنكر القول فيه فور الوفاة؛ وذلك فوق قبح الخلوة في ذاتها. ولقد استثنى سبحانه استثناء منقطعا في قوله تعالى: (إِلَّا أَن تَقولُوا قَوْلًا مًعْرُوفًا) والمعنى لكن المباح لكم أن تقولوا قولا معروفا لَا تستنكره العقول، وتقره الأخلاق، ولا يقبح إعلانه، بل يقال في غير استسرار؛ وبهذا الاستثناء يحد الله سبحانه فرق ما بين الحلال والحرام في هذا المقام؛ فالسرية ممنوعة أيا كان موضوعها، لما يكون معها من ملابسات محرمة، والقول المعروف الذي يكون بالتعريض، وإظهار المودة بشكل لَا يؤدي إلى محرم، ولا تستهجنه العادات الفاضلة والأخلاق الكريمة، هذا حلال لَا ريب فيه. وقبل أن نترك الكلام في هذا الأمر المنهي عنه، نذكر تحقيقًا لفظيًا ذكره الزمخشري، وهو مقام " لكن " في قوله تعالى: (وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)، مما قبلها؛ فقد قرر ﵀ أن المعنى: علم الله أنكم ستذكرون النساء فاذكروهن، ولكن لَا تواعدوهن سرًا، ويكون المؤدى اذكروهن ذكرًا حسنا معروفًا معلنًا غير منكر، لَا تمجه الأذواق، ولا تنبو عنه الأخلاق. الأمر الثاني الذي هو في موضع النهي ما اشتمل عليه قوله تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) العزم: القطع، وهو يتعدى بعلى، وبنفسه، فيقال: عزم الأمر وعزم عليه، وعقدة النكاح: الارتباط به. والكتاب: هو الأمر المكتوب المفروض، وهو هنا العدة. والأجل: هو انتهاء المدة المقررة للعدة والمعنى: لَا تعقدوا العزم نهائيًا في أثناء العدة على أن تتموا الزواج بعدها، بأن تقطعوا في أمر الخطبة فتجعلوها تصريحًا بدل أن تكون تعريضًا؛ فإن العزم القاطع لا يكون بالتعريض، بل يكون بالتصريح؛ لأن عبارة التعريض كيفما كانت يدخلها الاحتمال، فلا تنبئ عن القطع أو الجزم؛ وعلى ذلك يكون هذا الكلام السامي ذكرًا لما فهم عند نفي الإثم عن التعريض من منع التصريح؛ وفوق ذلك فيه دلالة على منع العزم مطلقًا ولو بإصرار النية، وإكنان النفس؛ لأن العاقل لَا يسوغ له أن يعزم

стр. 1043

أمرًا ولو في نفسه قبل أن يجيء وقته؛ لأن المستقبل بيد الله ولا تدري نفس ماذا تكسب غدًا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) في هذا الكلام الكريم الحكيم تحذير وتقريب، وتخويف ورحمة؛ إذ بيَّن سبحانه أنه يعلم خلجات القلوب، وخطرات النفوس، وما تخفي الصدور وما يستكن فيها، وما يعلن؛ وإن للنفس هواجس وخواطر، فإذا همت النفس أو جالت فيها أمور تستهجن ولا تستحسن، كأن يجول بخاطره أن يكلم المعتدة من وفاة في أمر منكر لا يسوغ في الدين، ولا في العرف، ولا في الأخلاق، فليعلم أن الله عليه رقيب يعلم تلك الخواطر؛ فليحذره؛ لكيلا يبرزها إلى الوجود، فيندفع وراءها، وإنه إذا قمعها وقدع نفسه عنها، وجعلها في محيط قلبه لَا تخرج منه، فإن ذلك يكون في عفو الله تعالى؛ ولذا قال سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غفُورٌ حَلِيمٌ) يغفر الله فلا يأخذ العبد إلا بما يفعل ولا يأخذه بما يجول بخاطره، ولا بما تحدثه به نفسه، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب عليه شيء، تبارك الله سبحانه هو المنتقم الجبار العفو القدير، الغفور الرحيم. * * * (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) * * *

стр. 1044

بين سبحانه آثار الفراق بين الزوجين بالطلاق أو الموت؛ فقد بين العدة، وهي في معناها حق الزواج وحق الزوج وحق الولد؛ وقد ذكر بعد ذلك حق المرأة الخالص، وهو المهر أو المتعة، وقد أمر الله بإيتاء المهر في قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً. . .)، ووجوبه كاملا في حال الطلاق بعد الدخول في قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُّم اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مكَانَ زَوْجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَأخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا). وفى هذه الآية يبين سبحانه المهر الواجب أو ما يقوم مقامه في الصورة التي قد يتوهَّم الناس أنه لَا مهر فيها، لأنه لم يفض أحدهما إلى صاحبه؛ إذ لم يحصل مساس بينهما؛ فقال تعالى:

стр. 1045

(لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) الجناح معناه الإثم، ومعنى تمسوهن هنا أي لم تباشروهن ولم تدخلوا بهن، وهو كناية جميلة من كنايات القرآن الكريم التي هذبت الألفاظ العربية، وعلمت الناس الأدب في التعبير، ليتهذب الذوق الخلقي، والبياني، والاجتماعي. والمس في أصل معناه اللغوي: اللمس، فهو يطلق على كل ما يكون فيه إدراك بحاسة اللمس، ثم أطلق على سبيل الكناية على كل ما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية ولها مظهر حسي، ولذا كنى به القرآن الكريم عما يكون بين المرء وزوجه، كما في هذه الآية الكريمة، وكما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ. . .)، وقوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ. . .). وكنى بالمس عما يصيب العقل أو الجسم من مرض أو أذى؛ فقد قال تعالى: (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. . .)، وقال تعالى: (مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضرَّّاءُ. . .)، وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضرَُّ دَعَانَا لجَنْبِه أَوْ قَاعِدَا أَوْ قَائمًا. . .)، وقال تعالى: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مًّعْدُودَةً. . .). . وهكذا.

стр. 1046

والفريضة معناها المهر المقدر، وأصل الفرض معناه التقدير؛ فمعنى لم تفرضوا لهن فريضة: لم تقدروا لهن تقديرًا. ومعنى الآية الكريمة بعد ذلك التفسير اللفظي، أنه لَا إثم على من يطلق قبل الدخول إذا لم يكن ثمة فريضة مقدرة. ونفي الجناح أو الإثم عن الطلاق قبل المسيس لَا عن مطلق طلاق؛ ولقد فهم بعض العلماء أن نفي الإثم هو عن مجرد الطلاق، لَا عن الطلاق المقيد، واستنبط من هذا أن الطلاق مباح في ذاته من غير نظر إلى دواعيه؛ وذلك النظر لَا نحسب أنه الصواب، لسببين: أحدهما: أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله (١)، وأن الله ما أحل شيئًا أبغضه كالطلاق (٢). فلا يمكن أن يكون الأصل فيه الحل من غير نظر إلى دواعيه وبواعثه؛ لأنه شرع للحاجة النفسية إليه، وذلك إذا تعذر قيام المودة في الحياة الزوجية؛ ولذا قال سبحانه بعد محاولة الإصلاح بين الزوجين بكل الطرق وتعذر الإصلاح: (وَإِن يَتَفَرقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتهِ. . .). ثانيهما: إن من المقررات اللغوية أن أداة النفي إذا دخلت على شيء مقيد بوصف أو حال، فإن النفي لَا يكون منصبا عليه مقيدًا بذلك القيد، ويكون القيد هو موضع النفي، لَا أصل الشيء في ذاته؛ وكذلك هنا؛ فالنفي منصب على الطلاق المقيد بأنه قبل الدخول وقبل فرض فريضة، أو بالأحرى هو منصب على الطلاق قبل المسيس، سواء أكان ثمة فريضة أم لم تكن، ولكنه في حال الفرض للمهر قدر مخصوص، وفي حال عدم الفرض للمرأة حق آخر معلوم.

стр. 1047

وننتهي من ذلك إلى أن موضوع الآية الكريمة هو حق المرأة في حال الطلاق قبل الدخول، سواء أكان ثمة فرض أم لم يكن فرض، وإذا كان ثمة نفي للإثم فهو عن الطلاق في هذه الحال، وإن نفي الإثم عن الطلاق في هذه الحال، لَا يقتضي نفي الإثم في غيرها، وإن الفرق بين الحالين واضح، فإن الفرقة قبل الدخول يكون الضرر الواقع فيها على المرأة أقل، ولم يستوف فيها شيء من أحكام الزواج، ولم توثق الصلة فيها بأولاد، وإقامة بيت، يتهدم بالطلاق، أما الطلاق بعد الدخول، فإن جُل أو كل أحكام الزواج فيها تكون قد استوفيت، والضرر فيها أشد، وقد يتعدى الضرر إلى ثمرات الزواج؛ فنفي الإثم في الحال الأفل ضررًا، أو التي لَا ضرر فيها لا يستلزم نفي الإثم في الحال الأشد ضررًا. وقد يقول قائل: إن الطلاق قبل المسيس قد يسيء إلى سمعة المرأة، ويقول الناس إنه ما طلقها إلا من شيء، وقد يكون اختياره لها مفوتًا لزوج كفء ربما لا يمكن تداركه، وذلك حق في بعض الأحوال. ويجاب عنه بأن حسن سمعة الأسرة التي تنتمي إليها الزوجة، وكرم محتدها قد يرد كل إيهام أو اتهام، وإن ما يعروها من ألم بسبب ذلك الفراق المعجل يخففه التمتيع، وهو إعطاء المتعة، وفوق كل هذا إن الاختلاف الذي أدّى إلى الافتراق قبل الدخول يدل على أن الاختيار في الزواج لم يكن موفقًا، فكان إنهاؤه قبل الدخول من المصلحة الحقيقية للزوج، ويهون بجواره كل ألم في سبيل تلك المصلحة؛ لأنه يكون الأمر بعد ذلك عيشة كلها مضارة، أو افتراق في غير الوقت المناسب، وإذا كانت المرأة قد تألمت فالرجل قد أصابه غرم مالي. (وَمَتِّعُوهُن عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) هذا بيان لما تعوض به المرأة إذا حصلت فرقة قبل الدخول وقبل أن يُقدَّر لها شيء من المهر؛ فذكر الله سبحانه أن الواجب هو المتعة؛ ولذا قال سبحانه: (وَمَتِعُوهُنَّ)، والمعنى أعطوهن متعة ينتفعن بها ويكون فيها تسرية عن أنفسهن، وبعض التعويض عما نالهن، وما فاتهن في هذا الزواج، فتطيب نفوسهن. والتمتيع

стр. 1048

مأخوذ من المتاع، وأصل المتاع الامتداد في الارتفاع، يقال متع النهار إذا ارتفع؛ ثم انتقل إلى الانتفاع الممتد، ثم إلى الشيء المنتفع به انتفاعًا ممتدًا يعلو به الشخص في الحياة الدنيا، ثم أطلق على كل ما ينتفع به؛ ومنه المتعة في الزواج، وهو ما يعطي للمطلقة لتنتفع به مدة عدتها؛ ويلاحظ أن يكون الانتفاع مما يمتد زمنًا، ومما يعلو به الشخص؛ ولذا عرَّفها الشافعي بأنها: شيء نفيس يعطيه المطلق للمرأة لتنتفع به أمدًا. وقد جعل الله سبحانه المتعة تابعة لحال الرجل، فقال: (عَلَى الْمُوسِع قَدَرهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ). المُوسِع: القادر المطيق للإنفاق عن سعة، فهو ذو السعة أي القدرة الكبيرة، كما قال تعالى في الإنفاق: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْينفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ. . .)، والمقتر هو من كان قليل المال، مأخوذ من أقتر الرجل بمعنى قلَّ ماله؛ والقدَر: الطاقة، أو المقدار؛ والمعنى؛ على الموسع قدر طاقته، وعلى المقل قدر طاقته؛ وقرئ (قَدَرهُ)، وهما بمعنى واحد. وبعض العلماء يفرق بينهما فيجعل " القدَر " بالتحريك المقدار، و " القدْر " بالتسكين الطاقة، والمؤدى واحد بلا ريب؛ إذ المراد والله أعلم: أن ذلك المال الكثير يكون عطاؤه متناسبا مع ما آتاه الله من بسطة في الرزق؛ وذو المال القليل يكون عطاؤه بقدر طاقته. ولكن مع هذه الرخصة التي أعطيت للمقتر يجب أن يكون ما يعطيه مقدارًا يكون الانتفاع به ممتدًا زمنا؛ ولذا قال سبحانه: (مَتَاعًا بِالْمَعْروفِ) أي يكون شيئًا ينتفع به انتفاعا ممتدًا في الزمان بالقدر المتعارف بين الناس، الذي لَا يستنكره عرفهم، ولا الطبقة التي يكون فيها الزوجان بين الناس. والناس أصناف وألوان، وكل بقدر ما يتعارفه. ولقد أكد الطلب في قوله: (وَمَتِّعُوهُن) أكده بصيغة تفيد أن التمتيع لازم لَا مساغ من التخلص من لزومه، فقال سبحانه عز من قائل: (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)، أي أن التمتيع هو حق أي أمر ثابت لازم واجب على المحسنين

стр. 1049

الذين يتحرون الإحسان إلى معاشريهم ومخالطيهم والمتصلين بهم؛ فالتعبير بالمحسنين؛ للإشارة إلى أن ذلك الواجب هو من قبيل الإحسان في المودة، والإشعار بالقربى في وقت الانفصال، ومنع الغضاضة والألم، وتطييب القلوب؛ وذلك لا ينافي الوجوب واللؤوم. ولقد قال بعض العلماء: إن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير واجبة، وذلك لاعتقاده أن الإحسان تبرع غير واجب، وكان ذلك حقا علي المحسنين الذين يُلزمون أنفسهم بما لَا يلتزم به الناس. ولكن الظاهر غير ذلك القول؛ لأن الإحسان لا ينافي الوجوب الذي دلَّ عليه الأمر في قوله تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ) وثأكد ذلك الأمر بقوله: (حَقا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)؛ لأن الإحسان في ذاته: الإجادة والإتقان وتحري الحق وأداؤه على الوجه الأكمل، وذلك يتلاقى مع معنى الوجوب؛ وقد ورد الإحسان في القرآن شيء معنى الواجب فقد قال تعالى عن نفوس الكافرين يوم القيامة: (أَوْ تَقولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، أي يكون ممن يؤدون الواجبات كلها فيكون من المحسنين، وذلك لَا يتصور فيه معنى التبرع، بل وفوق ذلك فإن قوله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)، يؤكد معنى الوجوب؛ إذ فيه التعبير بعلى التي تفيد اللزوم؛ وفيه أن المقل والمكثر عليهما أداء بطاقتهما؛ ولو كانت المتعة تبرعا لأعفى منه المقل، واستحسنت من المكثر، ومع أن المتعة واجبة إذا لم يكن ثمة مهر مسمى في العقد، ولم يكن دخول؛ فإن الشارع قد ترك تقديرها إلى نظر المطلق، وتقديره وطاقته، ولم يكن لها حد معلوم؛ وقد قدرها الحنفية بكسوة كاملة للمرأة وهي لباس الخروج، فإن المرأة تلبس عادة عند خروجها أكمل ثيابها، وتركوا نوع الثياب إلى طاقة الرجل وتقديره، واشترطوا ألا تقل عن خمسة دراهم، وهي نصف الحد الأدنى للمهر عندهم، وإذا اختلف الرجل والمرأة في تقديرها، كان الحكم في ترجيح قول أحدهما على الآخر نصف مهر مثلها؛ فإن كان أَقل مما ادعى الزوج كان القول قوله، وإن كان أكثر مما تدعي الزوجة كان القول قولها.

стр. 1050

والمتعة عند الشافعي شيء نفيس يقدمه المطلق لمن طلقها قبل الدخول، ويكون في طاقته (١). وأحمد بن حنبل يتبع ما روي عن ابن عباس من أنه يرى أن المتعة تكون على حسب حال الرجل من يسار وإعسار؛ ونوعها يختلف باختلاف اليسر والعسر، وقد قال ابن عباس: أرفع المتعة الخادم (أي عبد أو أمة يعطيها إياها) وأوسط المتعة الكسوة، وأدناها النفقة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الوَرِق (أي الدراهم تعطاها) ودون ذلك الكسوة. وقد كان الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم والتابعون من بعدهم يبالغون في العطاء على قدر طاقتهم ليقوموا بالتسريح بإحسان، وتطيب نفس مطلقاتهم، حتى إن الحسن بن علي ﵄ قد متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم، فقالت المرأة: متاع قليل من حبيب مفارق.

стр. 1051

(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ... (٢٣٧) بيَّن سبحانه في الآية السابقة، ما يجب عند الطلاق قبل الدخول إن لم يكن قد سُمِّي مهر وقت العقد، وفي هذه الآية يبين المطلوب إذا سُمِّي مهر، وكان الطلاق قبل الدخول أيضا، وقد قدم حكم الحال الأولى؛ لأن عدم ذكر المهر مظنة ألا تعطى شيئا إذا كان الطلاق قبل الدخول، فسيقت الآية الكريمة ببيان هذا الوجوب ليزول من الأفهام ما يسبق إليها. وقد بيَّنا معنى الفرض فيما سبق، ومعنى الآية الكريمة: إن طلق أحدكم المرأة وقد قدر لها مهرًا وقت العقد، فالواجب عليه هو نصف المهر الذي تراضيا عليه وقت العقد. وقد صرحت الآية بوجوب النصف، ولم تصرح بوجوب دفعه، لأنه

стр. 1052

عسى أن يكون قد قدم لها المهر كله أو بعضه، بل إن ظاهر الحال أنه يكون قد قدم المهر كله، أو نصفه، أو أكثر منه؛ فكان التعبير بالوجوب ليبين حق المطلق في استرداد ما دفعه أكثر من النصف، وليشمل وجوب الأداء ومقداره إن لم يكن قد أدى شيئا أو أدى أقل من النصف. (إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) هذا استثناء من الوجوب الذي قدره الله بالنصف، وهذا الاستثناء يبين الله فيه أن وجوب المهر إنما هو لحق العاقدين، وأن العفو عنه بابه متسع لمن يريد أن يصل إلى رحابه الفسيح، والعفو معناه: الإبراء والتنزل عن المطالبة سماحا؛ فإن كان الزوج أدى المهر كله فقد فتح له الشارع باب العفو بأن يترك لها حقه مبالغة في مرضاتها، وقد أرمض نفسها (١) بالطلاق؛ وإن كان الزوج لم يقدم لها مهرًا، وحدث الطلاق برغبة منها فإنه يحسن العفو منها وترك المطالبة، حتى لَا تصيبه الخسارة في عقد لم ينل منه مأربا؛ وقد يكون مظهر العفو بالعطاء بأن يقدم الرجل كل صداقها إن لم يكن قد أعطاها شيئا منه، وفي الجملة إن العفو مستحسن من كل منهما في موضعه، فيستحسن منها إن كانت راغبة في الطلاق غير راضية بالبقاء، ويحسن منه إن كان الطلاق بغير طلبها. وقوله (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) معناه: إلا أن يعفو النساء عن صداقهن، أو عن حقهن، فالنون هنا نون النسوة، ووزن يعفون يفعلن. ومعنى قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح) أي يعفو الزوج الذي بيده عقدة النكاح؛ فيستطيع فكها بالطلاق إن شاء، وإبقاءها إن شاء. وقيل: إن المراد به الولي الذي عقد الزواج؛ وذلك لأن الولي على مقتضى مذهب جمهور الفقهاء هو الذي تولى عقد الزواج، فهو الذي بيده عقدته. وإن الذي نختاره هو أن المراد الزوج لَا الولي؛ وذلك لأمور ثلاثة:

стр. 1053

أولها: إن العقدة ليس معناها العقد؛ لأن العقد هو الربط الذي يتم به الاتفاق بين الرجل والمرأة ويكون به النكاح، وهو الزواج؛ أما العقدة، فهي الرابطة التي تكون بعد العقد أو الأثر الذي ينتجه العقد. ولا شك أن العقدة بهذا المعنى يملكها الزوج، ولا يملكها الولي. ثانيها: إن مقتضى الآية أن من بيده عقدة النكاح أي الزواج يستطيع أن يعفو عن مقدار من المهر؛ ومن المقررات الفقهية أن الولي على النفس ليس له أن يسقط حقًا ماليًّا، خصوصًا إذا كان في وقت الطلاق. ثالثها: إن العفو من جانب النساء يثبت بقوله: (يَعْفونَ) والعفو مستحسن من الرجل، كما هو مستحسن من المرأة، وكل له موضع، فإذا ذكر الله سبحانه عفوهن، فمقتضى السياق أن يذكر عفو الرجل، ولو فسر قوله: (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) بولي الزوجة لكان معنى هذا أن العفو هو المستحسن من النساء دائما، مع أن الله يقول مخاطبا الجميع: (وَأَن تَعْفُوا أَقْرَب لِلتَّقْوَى). والتعبير بقوله تعالى عن الزوج بأنه بيده عقدة النكاح يشير إلى أن الزوج هو الذي يملك فك الزواج بالطلاق، فكان العفو من جانبه أحق وألزم. (وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) في هذه الجملة الكريمة إشارة إلى وجوب التسامح والتعاطف في وقت ذلك الافتراق القاطع، وإلى أنه تجب الرحمة في وقت الانفصال؛ ولذلك صرح سبحانه بأن العفو: أي ترك بعض الحقوق في ذلك الوقت، أقرب لتقوى الله سبحانه، وأدنى إلى رضاه، لكي يكون الافتراق بمفرده، ولا تكون مشاحة تدفع إلى المشادة، ثم إلى الخصومات التي تورث العداوات، وتستمر الأحقاد بين الأسرتين، وتكون الإحن ومن ورائها المحن. ولقد ذكر سبحانه أهل الفضل بفضلهم فقال: (وَلا تَنسَوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) أي لا يذهب بكم الغضب والمكايدة إلى درجة لَا تتذكرون فيها ما يكون عندكم من شمم وإباء، وإرادة للتفضل والعطاء.

стр. 1054

والفضل في أصل معناه الزيادة في كل شيء، وأكثر ما يكون في الزيادة في الأشياء المحمودة؛ ولذا صار يطلق بمعنى العلو، فيقال: فضل هذا على ذاك كذا. ومنه الفضيلة؛ لما فيها من خير زائد، ولما فيها من علو نفسي وكمال وسمو. فالله ، حين ذكَّر المطلقين بالفضل الذي أنساهم إياه الغضب، صرفهم إلى الاتجاه إلى الكمال، والتعالي عن سفساف المشاحنات والمنازعات؛ ليكونوا هم الأعلين دائما. ولقد كان أصحاب النبي ﷺ يتجهون ذلك الاتجاه السامي؛ فيروى أن بعض الصحابة تزوج امرأة، وطلقها قبل أن يدخل بها، فأعطاها الصداق كاملا، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أحق بالعفو منها. ويروى أن جبير بن مطعم تزوج ابنة سعد بن أبي وقاص، ثم طلقها قبل الدخول وبعث لها المهر كاملا؛ فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها عليَّ فكرهت رده، قيل: فلم بعثت بالصداق؟ فقال: وأين الفضل؟. ولقد ذيل الله سبجانه وتعالى أوامره الحاسمة، وإرشاده الحكيم بقوله عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) للإشارة إلى أنه مطلع على حركات الجوارح، وخلجات النفوس، ونيات القلوب، وما تخفي الصدور؛ فليعلموا ذلك، فإن العلم به يربي فيهم المهابة منه ؛ إذ يشعرون برقابته، فيكَفْكِفُون (١) من غضبهم، ويُنَهْنِهُون (٢) من حدتهم وقتا الطلاق، حتى لَا يذهب بهم فرط الغضب إلى نسيان المعروف، وتجاهل الفضل؛ فلا يسرِّحوا لإحسان بعد أن فات الإمساك بمعروف. وقبل أن ننهي الكلام في معاني هذا النص الكريم لابد من الإشارة إلى أمرين:

стр. 1055

أولهما: لماذا كان المهر في الزواج من جانب الزوج؟ والثاني: ولماذا وجب النصف أو ما في معناه، وهو المتعة إن حصل الطلاق قبل الدخول؟ والجواب عن السؤال الأول: أن المهر شرع في الزواج على أنه ثمرة من ثمرات العقد، وأثر من آثاره، وليس ركنا من أركانه، وليس شرطاً من شروطه، فليس هو كالثمن في البيع كما فهم بعض الذين لَا يفقهون المعاني الشرعية على وجهها، وشرعيته على أنه هدية واجبة من الرجل لزوجته، لأن المرأة إذ تنتقل من بيت أبيها إلى بيت زوجها، تستقبل حياة جديدة، وهي تحتاج في سبيلها إلى ثياب، وزينة وعطر وغيرها بالقدر الذي يليق بحالها، فكان من اللازم أن يقوم لها الزوج ببعض ما يعينها على ذلك، ولذا أوجب الله لها المهر، وأوجب العرف أن يقدم بعضه على الزفاف إليه. وقد جرى عرف الناس على أن المرأة هي التي تعد أثاث البيت، وما يحتاج إليه من فراش، فكان من الواجب أن يعينها الزوج على ذلك ببعض المال يقدمه، فكان هو المهر، أو بعبارة أدق معجلة. وإن تقديم المهر من جانب الرجل هو النظام الفطري، لأن الرجل هو الكادح العامل الكاسب للمال. وقد خالفت أوربا ذلك النظام الفطري، فجعلت المرأة تقدم مالاً، هي، فكانت الفتاة تسعى إليه، فتتعثر فطرتها، وتنحرف عن الفضيلة، وتقع في حمأة الرذيلة قبل أن تصل إلى المال الذي تعده لخطيبها، فكان ذلك جزاء كل جماعة خالفت فطرة الله التي فطر الناس عليها. هذا هو الجواب عن السؤال الأول، أما الجواب عن السؤال الثاني، وهو يتعلق بالسبب في وجوب النصف بدل الجميع عند الطلاق قبل الدخول، فنقول: إن إعطاء نصف المهر أو المتعة من قبيلِ التسريح بإحسان كما أشرنا من قبل، وقد قال تعالى (وَسَرِحوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)، وإن التفرقة قبل الدخول تجرح
следующие страницы →