← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وإن الله قد ذكر كفر الكافرين مؤكدا بـ " إن "، وذكر الموصول للإشارة إلى أن الكفر الثابت المؤكد الذي لم يقترن بالتوبة والانخلاع منه بإيمان يجب الكفر هو سبب لعذاب وهول يوم القيامة صوره الله بقوله: (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) والافتداء تخليص النفس، والعمل على الحفاظ عليها بمال أو أي نفيس يبذل في سبيل ذلك الخلاص، والمعنى الجملي: لو ثبت أن الذين كفروا يقدمون كل ما في الأرض تخليصا لأنفسهم ومثله معه في قيمته وكمه ما قبله الله تعالى منهم؛ لأن الجزاء الذي ادخره الله تعالى لهم من عذأب أليم يتكافأ مع ما في الدنيا مضافا إليه مثله، وهم لو ملكوا كل ذلك لقبلوا أن يقدموه، فكيف وهم لا يملكون إلا قدرا ضئيلا لَا يساوي ذرة صغيرة في هذه الدنيا، والله لَا يتقبل ذلك الفداء مهما يكن قدره؛ لأنه قرر العذاب المؤلم المؤكد، وقد أكد نفي القبول بقوله تعالى: (مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) أي ما قبل منهم بأي قدر ولو كان ضئيلا، وكان من تأكيد النفي بصيغة التقبل، والمراد هنا من التفبل تكلف القبول، أي أنه لَا يمكن القبول، ولو بطريق المحاولة والمعاناة. وقد أكد العذاب بقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي أن الذين يملكونه في الآخرة بدلا في مقابل ما كانوا يملكون في الدنيا عذاب مؤلم مستمر لَا يزول ولا يفارقهم، وهم يريدون أن يخرجوا منه، وهو ملازمهم لا يفارقهم؛ ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 2802

(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ... (٣٧) * * * صور الله حالهم بهذا النص الكريم، وهو أنهم اجتمع لهم العذاب الشديد المؤلم، والرغبة في الخروج منه، ولكنه أمر لازم غير قابل للانفصال عنهم، فهم يريدون راغبين ملحفين أن يخرجوا من النار وعذابها الشديد، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله تعالى جلودا غيرها، وهم يريدون

стр. 2803

الخروج منها ولو بالموت والفناء، ولكنهم ليسوا بخارجين منها، وقد عبر عن رغبتهم بالفعل، فقال سبحانه: (يرِيدُونَ أَن يخْرُجُوا مِنَ النَّارِ). أي أنهم يريدون أن يقع الخروج على أي صورة كان، فهم يطلبون الخروج من العذاب، ولو كان بعده الموت، وقد نفَى الله تعالى الخروج بنفي الوصف، لا بنفي الفعل فقال: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ) أي أنه ليس من شأنهم أن يخرجوا، ولا يصح أن نثبت لهم وصف الخروج، لأن العذاب هو الجزاء الحق الوفاق لما ارتكبوا، فلا يسوغ أن يقع الخروج منه أبدا، وقد أكد سبحانه بقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مقِيمٌ). هذا النص الكريم يفيد دوام ذلك العقاب من غير زمن محدود، بل هو دائم ملازم ثابت، وهنا نصان كريمان متقابلان: أولهما - قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) قد وصف فيه العذاب صراحة بأنه مؤلم، وجاء الثبات من صيغة اللفظ بوزن فعيل، ثانيهما - هذا النص وقد وصف بالإقامة والاستمرار والدوام صراحة، وفُهِم الإيلام من التعبير بكلمة " عذاب ". ولا شك أن العذاب المؤلم الدائم هو الجزاء لمن فرط في أمر دنياه، وجعلها رجسا وفسوقا، فقد اشترى هذه الحياة الفانية، بالحياة الباقية، فكان حقا أن يجعل الله تعالى جزاءه أن يحرمه من كل ما في الحياة الآخرة من الخير، ويذيقه وبال أمره جزاء وفاقا لما قدمت يداه، واجترح من سيئات. . اللهم اكتب التوبة لنا، ولا تؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم. * * * (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ

стр. 2804

عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) * * * بين الله مقدار الإثم في الاعتداء على أنفس الآحاد، وذكر أن من قتل نفسا، فقد اعتدى على حق الحياة عند كل الناس، (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). ومن أحياها بالقصاص لها، فكأنما أحيا الناس جميعا؛ لأنه يمكن للناس من حياة رافهة هادئة، فيها أمن وفيها استقرار واطمئنان، كما قال سبحانه في آية أخرى، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ. . .)، ثم ذكر ، الجريمة الكبرى في الاعتداء على الجماعة وخرق حرمات النظام، والانتقاض على الحكام الذين يقيمون الحق والعدل والشرع، وارتكاب القتل والسرقة والاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض، وانتهاك الحرمات من غير أي حريجة دينية، وبين أنهم ينالون أقسى العقاب، لأنهم يرتكبون أفحش الجرائم وأفجرها. وقد ذكر أن العقوبات لَا تكفي وحدها لإيجاد مجتمع فاضل، بل لَا بد من تهذيب الأرواح بالتقوى وطلب الوسائل الفاضلة، والغايات العالية، وأن يعرفوا أن عقاب الدنيا يهون بجوار عقاب الآخرة، وقد بين بعد ذلك العقوبة المقررة للاعتداء على الأموال، بعد أن ذكر عقوبة الاعتداء على الأنفس منفردة، ثم اجتماع الجرائم بالاعتداء على الأنفس والمال، والخروج على النظام. وقد توسطت بين هذين النوعين من العقوبة آية الأمر بالتقوى وتذكر الآخرة وما فيها، الأن في ذلك بيانا بأن الصلاح الأول للمجتمع هو اجتثاث الجريمة من

стр. 2805

النفس بزرع التقوى، ولأن القرآن ليس كتاب قانون تسرد فيه العقوبات سردا، بل هو كتاب هداية وتهذيب وإرشاد وتوجيه إلى الطريق المستقيم، تذكر فيه العقوبة على أنها علاج للجريمة في المجتمع، ثم يذكر مع العقوبة المادية العلاج النفسي والروحي، وهو أجدى وأقوى وأبعد أثرا، وقد ذكر عقوبة المال في أغلظ جرائمه وهو السرقة، فقال تعالى:

стр. 2806

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) الواو هنا في معنى الواو العاطفة، إذ هي عطفت حكما مقررا لازما، وهو قطع أيدي السارقين، على جزاء المحاربين، وكان ما بينهما من طلب المؤمنين بالتقوى وطلب القربى إلى الله تعالى في معنى الجملة المعترضة بين معطوف ومعطوف عليه، ولها معناها السامي، وهو بيان العلاج النفسي التهذيبي بجوار العلاج المادي الجزائي. والمعنى فرض عليكم، فيما فرض، حكم السارق والسارقة، كما فرض عليكم من قبل حكم الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا، وقد ذكر ذلك الحكم بقوله تعالت كلماته: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا). والفاء هنا للربط بين الكلام، وهي في معنى بيان السببية الرابطة بين الجريمة والعقوبة، فهي تبين أن سبب قطع الأيدي هو السرقة وكونهم قد اتصفوا بها، وكان ثمة تجانس بين الجريمة والعقوبة فاليد التي امتدت بالأخذ سرقة هي التي تصير موضعا للعقاب، وهو القطع. وقد بين الباعث على ذلك العقاب، كما ذكر السبب، فالسبب المباشر هو السرقة، والحكمة أو الوصف المناسب هو ما اشتمل عليه قوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ) أي أن ذلك العقاب هو كفاء لما كسبا من فعل شيء له آثار سيئة، وإن ذلك العقاب نكال أي زجر من الله تعالى لمنع هذه الجريمة وتقييد الأيدي، حتى لَا ترتكبها. وظاهر الأمر أن قطع اليد لَا يمكن أن يكون كفاء لليد المقطوعة، ولكن عند النظر الدقيق يتبين أن المقابله ليست بين ذات القدار المسروف، وبين اليد

стр. 2807

المقطوعة، إنما المقابلة بين الأثر الذي يكون للفعل الذي يفعله السارق وبين العقاب، فإن السرقة في حي أو قرية تفزع أهل القرية أجمعين، فيندفعون إلى جلب الحراس ووضع المغالق وإحكام الأبواب، فوق ما يكون بين الناس من اضطراب؛ إذ يفقدون الأمن والاطمئنان، وتستيقظ أعين الحكام، ويزداد عدد القائمين على الأمن، فالمقابلة ليست بين ذات الفعل والعقاب، بل المقابلة بين أثر الفعل، وما يعقبه من انزعاج، وليست العقوبة مقصودة فقط لذلك الجزاء، بل هي مقصودة لما يعقبها من خوف الفاسدين، وفزع الجرمين، فيقل الإقدام عليها، بل لا يكون، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: (نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ). فالعقاب عادل في ذاته؛ لأنه مناسب لأثر الجريمة، وإصلاح لأنه يؤدي إلى ذهاب الجريمة أو تقليلها. ونريد أن نقف للكلام في أمرين في معنى نكال، وفي السرقة التي تعد جريمة توجب قطع اليد. ونقول: إن معنى كلمة نكال الزجر والمنع، فهو منع للغير من الارتكاب، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في أصل معنى كلمة نكال واشتقاقها: يقال نكل عن الشيء ضعف عنه وعجز، ونكلته قيدته، والنكل قيد الدابة. وحديدة اللجام لكونهما مانعين، والجمع الأنكال، قال تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا). ونكلت به إذا فعلت ما ينكل به غيره (أي يمنع غيره من أن يفعل فعله) قال تعالى: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لّمَا بيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا. . .). وقال: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ الَلَّهِ). وقال ﷺ : " إن الله يحب النكل على النكل أي الرجل القوي على الرجل القوي " (١).

стр. 2808

وإن هذا التحليل اللغوي يفيد أن معنى قوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ). أن هذا العقاب فيه جزاء للجريمة وكفاء لها، وقد أشرنا إلى معنى ذلك، ويفيد أن هذا العقاب منع من الارتكاب، فإنه ينكل بالجاني، لكيلا يقع في الفعل غيره، أي لكي يكون ذلك التنكيل سببا في أن ينكل الغير عن الفعل. والآن نتكلم عن معنى السرقة التي توجب قطع اليد، وهنا ننتقل من المعنى اللغوي للكلمة، إلى المعنى الشرعي المستمد من أقوال النبي ﷺ ومن المأثور عن صحابته، ومما فهمه السلف من فقهائنا الأمجاد، رضي الله ﵎ عنهم. لقد اتفق علماء الشريعة على أن السرقة أخذ المال على سبيل الاستخفاء، وهذا معنى فقهي يلتقي مع المعنى اللغوي، ولكن الفقهاء زادوا قيدا في هذا المعنى، وهو أن يكون الأخذ من حرز مثله، أي يكون المال محرزا مصونا محفوظا معنيا بحفظه العناية التي تليق، وقد قال الفقهاء ﵃: إن الأخذ على سبيل الاستخفاء هو ركن السرقة، وكون الأخذ لمال محزر محفوظ حفظا يليق بمثله شرط لاستحقاق العقوبة المحدودة التي ذكرها الشارع الحكيم. وإذا كانت السرقة لَا يتحقق ذكرها إلا إذا كان الأخذ على سبيل الاستخفاء، فإنه لَا يكون المغتصب سارقا، ولا يكون المختلس سارقا، وقد فرقوا بين المختلس والسارق فقالوا: إن السارق يكون مختفيا غير معلوم للمسروق منه، أما المختلس فإنه لَا يكون مختفيا، بل يكون ظاهرا ولكن يأخذ في غفلة من صاحب المال، والجمهور على أن الاختلاس لَا يعد من السرقة فلا تقطع فيه اليد، ولقد خالف الجمهور إياس بن معاوية القاضي، وأوجب القطع على اعتبار أن فيه نوع استخفاء، وإن كان في العمل، ولم يكن في الشخص، وأن لذلك الرأي وجاهته من ناحية العمل، ومن ناحية المعنى.

стр. 2809

ولقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل: أنه عد من السرقات جحود العواري (١) والودائع؛ لأنه ثبت أن المخزومية التي قطع النبي ﷺ يدها، كانت تجحد ما تستعيره من الناس (٢). وإن ذلك غير الرواية الراجحة عن الإمام، بل إن الرواية الراجحة مع الجمهور، والحق هو أنها لَا تعتبر سرقة وإلا اعتبر جحود الحقوق سرقة موجبة للقطع، لأنه لَا فرق بين جحود العواري والودائع، وجحود الديون وسائر الحقوق المالية. وإن الفارق بين السرقة وجحود العواري كبير، فإن السرقة أخذ، وهذه منع للحقوق، والفرق بين المنع والأخذ كبير، وهذه أخذت بتمكين من المالك، والسرقة أخذ بغير تمكين من المالك. هذا هو أصل معنى السرقة في ذاته، وهذا القدر قد اتفق عليه العلماء في الجملة، وقد اختلف العلماء من بعد في الشروط الواجبة للحد، ولنذكر بعض هذا الاختلاف: * فقد اشترط أكثر أهل العلم لتحقق السرقة الوجبة للقطع أن يأخذ المسروق ويخرج به من مكان حرزه، ومقتضى تحقق السرقة مع هذا الشرط، أن يدخل ويأخذ مستخفيا، ويخرج من المكان الذي فيه المال إلى خارجه فإن ضبط قبل أن يخرج به لَا يقام عليه الحد. وقد خالف في اشتراط الخروج بالشيء من حرز - إبراهيم النخعي التابعي، وفقهاء أهل الظاهر. في وقد اشترط الحنفية وبعض الفقهاء أن يكون الدخول إلى مكان الحرز بغير إذن صاحبه، فلو كان بإذنه وسرق لَا تقطع يده، فالضيف إذا سرق من مضيفه لا تقطع يده؛ لأنه دخل بإذنه، فلم يحدث هتك حمى الحرز وكأن هؤلاء يشترطون

стр. 2810

مع الشرطين السابقين أن يتحقق معنى هتك حمى الحرز، وهو موضع الأمانة التي تنتهك حرماتها. * ويظهر أن الكثيرين من الفقهاء يشترطون مع ذلك أن يكون المكان المسروق منه في وسط الأحياء العامرة في المدائن أو القرى، ليتحقق معنى الحرز والمحافظة، وكذلك قرروا أن البيوت التي تكون في البساتين أو الطرق أو الصحراء وليست في العمران إذا لم يكن بها أحد وسرقت مع اتخاذ المغاليق، وضبط الأبواب، لَا يكون ثمة قطع يد؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران لَا يعد حافظا له، وإن أغلق بابه وأحكم الإغلاق. بينا في هذا معنى السرقة الموجبة للقطع من حيث ذات الفعل، وبقي أن نتكلم في محل السرقة،، وهو المال المسروق، فليس كل مال يؤخذ ولو كان محرزا ومحفوظا، وبين الناس، يعد أخذه موجبا للقطع، وقد قالوا: إن المسروق يجب أن يكون مالا متقوما، لَا شبهة فيه، ولا قصور في ماليته بأن يكون مما يتموله الناس، ويعدونه لأغراضهم المختلفة، ويتنافسون في طلبه، وعلى ذلك لا يصح أن يكون المال من توافه الأموال كالتراب والطين وما يشبههما مهما تبلغ قيمته. ولا بد أن يكون المال المسروق مملوكا لمن سرق منه ملكية قطعية لَا شبهة فيها، فلا قطع في أخذ مال مباح، ولا في المال الذي كان أصله مباحا، وامتلك بالإحراز كالماء والصيد (١). وهناك نوعان من المال قرر الفقهاء أنه لَا يقطع من أخذهما استخفاء من حرز مثلهما:

стр. 2811

أولهما - أموال بيت المال، فقد قرر الأكثرون أنه لو أخذ مسلم من بيت المال لا يقطع، ولنترك الكلمة لابن جرير في هذا الموضوع فهو يقول: " لا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلما، ويروى ذلك عن عمر وعلي ﵄، وبه قال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي، وقال مالك وحماد يقطع بظاهر الكتاب (أي النص وهو (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) ولنا ما روى ابن ماجه بإسناده أن عبدا من رقيق الخمس (أي الخمس المخصص لبيت المال من الغنائم) سرق من الخمس، فدفع إلى النبي ﷺ فلم يقطعه، وقال: " مال الله سرق بعضه بعضا " (١)، ولأن له في المال حقا، فيكون شبهة تمنع وجوب القطع، كما لو سرق من مال له فيه شركة. ونرى أن الذين أقاموا الحد طبقوا النص باعتبار أن السرقة قد تحققت، فوجب تحقيق العقاب، وأن هذا المال مال الله ومال الله تعالى أوجب أن تراعى حرمته، ولأن إهمال الحد فيه معنى إباحته، وذلك لَا يجوز. والذين لم يقيموا الحد، وهم الأكثر عددا بنوه على أساس أن لكل مسلم حقا فيه، فهو مال الجماعة كلها، وإذا كان كذلك فللآخذ حق أو شبهة حق، والحدود تسقط بالشبهات. وإن الرأي الذي يوجب الحد أحرى بالقبول، حتى لَا تكون أموال الأمة نهبا للناس ينالونها من غير أي حريجة دينية، ويحسبون أنهم يأخذون حقا لهم، وإن لم يكن مقسوما، فالأولى بالحماية مال الله حتى لَا تمتد إليه الأيدي الآثمة، ولعل النبي ﷺ لم يقم الحد على الرقيق الذي كان غنيمة إذ أخذ منها؛ لأن الحرز لم يكن ثابتا بالنسبة له، وللرفق بالرقيق الذي لم يكن على علم بالشرع وما يجب عليه، ولأن حماية مال الدولة أوجب رعايته، لأن ما سرقه من حيثما القيمة دون ما ينقص من قيمته بقطع يده، وفوق ذلك نتلف جزءا من بيت المال بإتلاف برء

стр. 2812

آخر، فيكون الإتلاف مضاعفا، وليس هذا متفقا مع ما عرف عن النبي ﷺ من حكمة، ولعل قوله ﷺ : " مال الله سرق بعضه بعضا " (١) يشير إلى هذا المعنى إشارة واضحة. ويجب التنبيه هنا إلى أنه إذا لم يقم الحد عند من لَا يقيمونه تجب عقوبة شديدة، وإن لم تكن قطع اليد، ولتكن الجلد أو الحبس، أو النفي من الأرض، أو ما يراه ولي الأمر عقابا رادعا، ونكالا مانعا. ثاني الفرعين من المال الذي لَا يكون فيه قطع - كل مال يكون للسارق نوع شركة فيه أو يكون بين السارق والمسروق منه صلة تجعل لكل واحد منهما حقا في مال الآخر، وذلك يشمل ما يأتي: (أ) سرقة أحد الاصول من الفروع، فإنه لَا قطع فيها، لأن للأب أو للأم أو الأصول نوع شركة في مال الفرع، كما قال ﷺ : " أنت ومالك لأبيك " (٢) وكما ورد عنه: " الولد كسب أبيه " (٣) وكل أصل أب أو أم. (ب) إذا سرق أحد الزوجين من الآخر لَا قطع؛ لأن ثمة شركة أدبية بين الزوجين توجد ما يشبه الشركة المالية؛ ولأن مال أحد الزوجين غير محرز بالنسبة للآخر، وفي هذا الموضع خلاف كثير، ذلك القول في عمومه أرجحها وأقواها. (جـ) لَا يقطع الفروع إذا سرقوا من مال أصولهم لمعنى الشركة الذي بيناه فهو من الجانبين، وقانون التساوي في المعاملة يوجب ألا يقطع الفرع إن سرق من الأصل، كما لَا يقطع الأصل إن سرق من الفرع.

стр. 2813

(د) سرقة الأرحام المحارم بعضهم من بعض فإنها عند الأكثرين من الفقهاء فيها شركة أوجبتها القرابة، وجعلت المحرمية مقياسا بهذه القرابة التي توجد الشركة المالية من بعض نواحيها. وهكذا نجد الحد يضيق تطبيقه إذا كان للسارق نوع حق في المال المسروق، ولو كان ضعيفا، وأنه كلما اتسع نطاق الموانع لإقامة الحد ضاق تطبيقه، وإننا لو أردنا أن نقيم حد السرقة في حال أجمع الفقهاء على وجوب إقامته فيها لوجدنا العدد يضؤل ويضيق النطاق، حتى إننا نجد أنه في كل عشرة آلاف حالة سرقة لا تقطع يد واحدة، وإنها كافية للرح والزجر في ألوف الألوف، وقد ثبت أن ما دونها لَا يزجر مثلها، ولو في هذا النطاق الضيق، والله عزيز حكيم يضع العقاب في موضع الداء، فيحسمه القليل، ولا يحتاج فيه إلى الكثير، إنه خبير بما يعملون. وإن الفقهاء الذين قرروا أن السرقة لَا بد أن تكون من حرز، وأن يخرج بها السارق من الحرز، وألا يكون قد دخل ذلك بإذن أهله بأن يكون منتهكا للحرمات، قد قرروا كما رأيت إعفاء السارقين من العقاب إذا كانت الأموال لهم شبه حق فيها، وذلك كأموال بيت المال عند الأكثرين وأموال الآباء والأبناء، وأموال الأقارب بعضهم مع بعض والزوجة مع زوجها. كذلك قرروا أن بعض الأموال لَا يجري فيها قطع اليد، كالأموال التي تكون مباحة، ونالها بالاستيلاء مالكها، فقد قال الأكثرون: إنه لَا قطع فيها، وأجمعوا على أن مال المحوز إذا سرق لَا قطع فيه، وذلك لأن الشركة الطبيعية لا تزال قائمة ولو بطريق الشبهة ما دام المالك هو المستولي. ولقد قال بعض الفقهاء: إنه لَا قطع في الأموال غير القابلة للادخار أي التي يتسارع إليها الفساد، كاللحم والفاكهة الرطبة واللبن والخضر غير القابلة للادخار؛ وهكذا، فقد قال أبو حنيفة ومالك والثوري: لَا قطع في هذه الأموال، والشافعي وأحمد ومن تبعهم أجازوا القطع في هذه الأمور.

стр. 2814

وهكذا يجري الخلاف في بعض الشروط وفي بعض أنواع الأموال، وقد اتفقوا على أن سرقة ما يحرم تناوله أو استعماله لَا توجب قطع اليد، فسرقة الخمر أو الخنزيز، ولو كان يملكها غير مسلم لَا توجب القطع باتفاق علماء المسلمين، وسرقة أدوات اللهو والمجون وما لَا يتخذ في حلال خالص لَا توجب القطع. وإنك إذا تلمست الصور التي اتفق الفقهاء على وجوب القطع فيها بالنسبة للشروط الواجبة للاستيفاء في الفعل، وفي الأموال تجد تلك الصور نادرة، لَا تقع في كل خمسمائة سرقة واحدة متفق على وجوب القطع فيها، ويزيد ندرة الصورة المتفق عليها اختلاف الفقهاء في نصاب السرقة. وقد اتفق الفقهاء في الجملة على أن اليد لَا تقطع إلا إذا بلغ المسروق قدرا من المال، فقد اتفق الرواة على أن النبي ﷺ قطع يد السارق فيما قيمته مجنّ، (وهو ما يتقي به المقاتل ضربات العدو) فقد روت السيدة عائشة ﵂ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قطع في ثمن مجَنٍّ وقد قدرته ﵂ بربع دينار (١). واختلف العلماء من بعدها في قيمته، والأكثرون على أن قيمته ربع دينار، فأقل مقدار تقطع فيه يد السارق ما قيمته ربع دينار، ولكن الحنفية قدروا النصاب بعشرة دراهم، كما روي عن ابن مسعود: أنه لَا قطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، ولأنه قد اختلف في تقدير المجن، فقيل قيمته أربعة دراهم، وقيل قيمته ربع دينار، وقيل قيمته دينار، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر وتقدير أم المؤمنين عائشة اجتهاد منها يعارضه اجتهاد عبد الله بن مسعود، فيؤخذ به؛ لأنه أكثر احتياطا،

стр. 2815

هذا وهناك ملاحظة لفظية يجب اعتبارها، والوقوف عندها وقد وقف بعض الباحثين عندها، وهو أن الله عبر عن الذي يستحق القطع بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا). فقد قرر بعض الباحثين أن كلمة " السارق "، و " السارقة " وصفان وليسا فعلين، والوصف لَا يتحقق في الشخص إلا بالتكرار، فلا يقال لمن ظهر منه الجود مرة أنه جواد، ولا لمن وقع منه الكذب مرة ولم يتكرر كذاب، ولا للفاسق الذي لا يقول الحق، والمنافق الذي يخفي ما لَا يبريه إذا صدق مرة أنه صادق أو صدوق، إنما تقال هذه الأوصاف لمن يتكرر منه فعلها، حتى تكون اسما له وعنوانا يعرف به. وبتطبيق هذا القول على من تقع منه السرقة لَا يكون مستحقا للقطع إلا من تكررت منه السرقة، وعلى حد تعبير القانونيين يكون ذلك العقاب للسارق العائد. ويزكي هؤلاء الباحثون نظرهم - أولا - بأنه ثبت في أخبار المخزومية التي سرقت وأمر النبي ﷺ بقطع يدها (١) أنها كانت معتادة السرقة، لأنها كانت معروفة بأنها لَا ترد الودائع التي تودعها، ولا العواري التي تستعيرها، فكان الأمر بالقطع من النبي ﷺ واقعا على امرأة قد اعتادت الاعتداء على الأموال بجحود الودائع والعواري والسرقات. وثانيا - أنه روي عن عمر بن الخطاب ﵁. . لما أراد قطع يد شاب سرق قالت له أمه: اعف عنه يا أمير المؤمنين، فإن هذه أول مرة، فقال عمر

стр. 2816

لها: (إن الله أرحم من أن يكشف ستر عبده لأول مرة) ويظهر أن الإمام عمر ﵁ يرى أن القبض على السارق متلبسا ووجود شهود يشهدون يدل على التكرار. وثالثا - بأن كثيرين من الفقهاء اعتبر توبة السارق قبل إقامة الحد عليه تسقط الحد، فلا يقام عليه، ولا تكون التوبة عند التكرار، بل يكون موضعها عند الارتكاب الأول، ولنتكلم في موضوع التوبة فقد قال تعالى: * * *

стр. 2817

(فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) * * * الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، والمعنى إذا كان قطع اليد هو العقوبة الرادعة، فإن التوبة تجبها وتقطعها في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط، فمن أقلع عن الذنب وأحس بالندم على ما ارتكبه، واعتزم على ألا يعود إليه، فإن الله يقبل توبته، وعبر عن قبوله توبته بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ). أي أنه جلت قدرته، وتعالت عظمته يقابل عمله القلبي في التوبة، والعمل الخارجي بالإصلاح ومنع الإفساد، بعمل من جانبه سبحانه وهو أنه يتوب عليه، أي يعينه على التوبة ويقبلها، فقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) يتضمن ثلاثة معان - أولها - المعاونة على التوبة إذا أخلص العبد، وخلص العمل له سبحانه، وأصلح في الأرض بعد الإفساد فيها. وثانيهما - قبول التوبة، وثالثها - تطمين التائب بتأكيد القبول. وذكر سبحانه أن التوبة الخالصة لَا بد أن تقترن بالإصلاح؛ لأن الإذعان القلبي لَا يكون كاملا وناميا إلا إذا اقترن به العمل الصالح، لأنه يزكيه ويسقيه. والتعبير بقوله تعالى: (مِنْ بَعْد ظُلْمه) إشارة إلى أن السرقة خاصة وارتكاب الذنوب عامة ظلم كبير، وقوله تعالي: (وَأَصْلَحَ). فيه إشارة إلى أن السرقة إفساد في الأرض والأمانة إصلاح أي إصلاح. وقد ختم الله الآية بإثبات رحمته، وأنه سبحانه من صفاته الثابتة الغفران فقال: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ). أي أن الله يتوب على عبده إذا أذنب؛

стр. 2818

لأن من صفاته أنه غفور كثير الغفران يتجاوز عن السيئات، ويكافئ على الحسنات؛ لأن ذلك مقتضى رحمته، وهو الرحيم الدائم الرحمة، وقد أكد سبحانه ذلك فضل تأكيدب " إنَّ "، وبإعادة لفظ الجلالة. وقد أشرنا من قبل إلى أن كثيرين من الفقهاء يقولون: إن التوبة تسقط الحد، وكانت هذه الآية الكريمة: (فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) من شواهد ذلك. والقول الجلي في هذا أن التوبة قبل الترافع إلى السلطان إذا صحبها رد المسروق إلى مالكه تمنع إقامة الحد بالاتفاق، ولكن الخلاف القائم بين الفقهاء في التوبة إذا كانت بعد الترافع وإثبات السرقة، فقد قال أبو حنيفة ومالك: إن التوبة لا تسقط الحد؛ لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها في هذه الآية هي ما يكون بعد إقامة الحد وقطع اليد، فقد قال النبي ﷺ : " إذا قطعت يد السارق فتاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار " وفوق ذلك فإن التوبة في السرقة كالتوبة في الزنى لا تسقط (الحد) (١)، ولقد أقام النبي ﷺ حد الزنى، وقال في امرأة أقام عليها الحد: " لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " (٢). وفوق هذا وذاك الحد كفارة للذنوب في الدنيا والكفارات تجب مع التوبة.

стр. 2819

وقال أكثر الشافعية والحنابلة: التوبة تمنع إقامة الحد وأقاموا على ذلك الأدلة الآتية: أ - قوله تعالى: (فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمه وَأَصْلَحَ). وهذا النص مقترن بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا). فكان مخصصا للعموم في الأمر بالقطع، وإلا ما اقترن به. بـ - أن الله تعالى اعتبر التوبة مانعة من إقامة حد الحرابة (١)، والحرابة فيها جرائم سرقة وقتل وسرقاتها كبيرة، فكيف تقبل التوبة في السرقات الكبرى، ولا تقبل في الصغرى. د - ما ورد في الآثار الصحاح مما يثبت أن التوبة تجب ما قبلها، وقد قال ﷺ : " التائب من الذنب كمن لَا ذنب له ". د - أن التوبة السريعة تدل على أن النفس لم تدنس بالرجس، وقد قال تعالى في تحقيق هذا المعنى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه للَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بجَهَالَةِ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبً. . .). والذي نراه في هذا الموضوع أننا نأخذ برأى الإمامين أبي حنيفة ومالك في الذين يعدون عائدين، فإن هؤلاء لَا تقبل منهم توبة. ولا تأخذ العدالة فيهم رأفة، أما الذين لم يكونوا عائدين، فإن التوبة تعفيهم من العقاب إقالة لعثرتهم، ونأخذ في أمرهم برأي أكثر الشافعية والحنابلة. وإذا كان لنا أن نطالب بإقامة حدود الله، وهو واجب علينا، فإننا إذا طالبنا بإقامة حد السرقة نطالب به في الحدود الآتية:

стр. 2820

أولها - أن يقام الحد على السراق العائدين ليكونوا عبرة المعتبرين. الثاني - ألا يقام الحد إلا في الحال التي اتفق الأئمة على إقامتها فيه، فلا يقام الحد، وبعض الأئمة لَا يرى إقامته. الثالث - ألا توجد أي شبهة في الإثبات أو في غيره، والله سبحانه بكل شيء عليم، ولقد قال سبحانه: * * *

стр. 2821

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٤٠) * * * بعد أن بين العقاب الذي ينزل بالمفسدين في الأرض محاربين أحكام الله تعالى والنظام الذي يقرره الإسلام، وبين أن باب التوبة مفتوح، لن يريد الإصلاح، ويقلع عن الإفساد - ذكر أن تلك هي أحكام العليم الحكيم، صاحب السلطان القاهر الذي هو فوق كل سلطان، وأن كل ذي سلطان مهما يكن اتساعه وسطوته، فهو في ملك الله تعالى، وأن ما يكون من عقاب أو غفران فهو من واسع حكمته، ومن شمول رحمته؛ ولذلك قال سبحانه مبينا سلطانه مخاطبا كل أهل للخطاب، أو مخاطبا النبي ﷺ ابتداء، ومخاطبا غيره اتباعا، وهذا ما نرجحه؛ ولذلك أردف هذا النص الكريم بقوله تعالى: (. . . لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ. . .)، كما سنتكلم في الآيات الآتية بمعونته تعالى ومشيئته. وقوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ). هذا التعبير السامي من قبيل الاستفهام الإنكاري الذي يؤكد ما في مضمونه ويبعده عن كل احتمال، ويقال إنه للنفي، فهو نفي للجهل، ونفي الجهل تأكيد للعلم، والمعنى أبحثت الأدلة، ودرست الكون وما فيه، والخلائق ومبدعها فعلمت أن أحدا له ملك السماوات والأرض غير الله، وإذا كان بحثك وتنقيبك واستدلالك قد أدى بك إلى نفي العلم بأحد له ملك في السماوات والأرض غيره فالدليل نفسه هو الذي يؤكد علمك بأنه وحده صاحب السلطان المطلق في السماوات والأرض. وإذا كان هو صاحب الملك المطلق، والحكم الذي لَا معقب له في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، فهو وحده المنفرد ببيان العقاب الرادع، والتجاوز السمح حسب ما يرى بحكمته؛ ولذلك قال سبحانه:

стр. 2822

(يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) وإذا كان هو صاحب السلطان المطلق، فإنه لَا يسأل عما يفعل وليس وراء ما يأمر به معقب من أحد، فهو يعذب من يشاء عقابا رادعا في الدنيا، ليمنع غيره من أن يقع في الشر، كما وقع هو، ويغفر لمن يسلك طريق التوبة، والأمر في كل ذلك إلى مشيئته هو وحده، وهو العليم الخبير اللطيف بعباده، الذي لَا يكون معه إلا ما فيه خيرهم، وإن علا على إدراكهم، وعسر على فهمهم، فمشيئته مطلقة تعلو حكمة ما يفعل - على عقولنا ومداركنا. ولقد كانت مشيئة الله تعالى مقترنة بقدرته، ولذلك قال سبحانه: (وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو سبحانه قادر على كل شيء، فكل ما في هذا الوجود خاضع لإرادته وقدرته وسلطانه، لَا يخرج عنه شيء، ولا يعجز عن شيء؛ اللهم أظلنا برحمتك وعفوك وغفرانك، إنك على كل شيء قدير. * * *

стр. 2823

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) * * *

стр. 2824

بعد بين الله حسد أحد ابني آدم لأخيه وكيف أدى الحسد والحقد إلى أن يقتل الأخ أخاه، بين ما هو نتيجة للحقد، من قتل النفوس، وقيام المجرمين بالشر فرادى وجماعات، وآثار هذه الجرائم في الجتمع، وبين أشد أنواع جرائم الفتك والاعتداء في الجماعة وهي الحرابة، ثم ذكر السرقة، وهي في معنى الحرابة؛ لأنها سطو على الأمن، وإزعاج للناس، وجعلهم في اضطراب مستمر وبلبال دائم، وهمّ مقيم، وذكر عقوبتها الزاجرة، وآثارها الملقية بالأمن والاستقرار في النفوس. وبعد هذا البيان من آثار الحقد، والحسد في الجرائم الحسية ونشرها، ذكر سبحانه أثر الحقد والحسد في الجرائم المعنوية والاعتقادية، وهي التي يجمعها جحود الحق حسدا وحقدا واستكبارا، كحسد أحد ابني آدم على أخيه إذ حقد واستكبر، وذكر حقد اليهود والمنافقين على النبي ﷺ -وحسدهم له ولقومه على ما آتاهم الله من فضله، فأرسل في العرب رسولا يدعو إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وقد كان سياق قصة ابني آدم مبيت، استمكان الحقد والحسد في نفوس الأشرار، وإذا علم ذلك النبي ﷺ فلا ينبغي له أن يحزن على ما يصيبه نتيجة للحقد والحسد؛ ولذلك قال : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ) النداء إلى النبي ﷺ والنداء له ﵇ بـ (يَا أَيُّهَا) - التي تدل على نداء البعيد مع أنه من الله قريب وهو له مجيب؛ لبيان الشأن العظيم لما يدعوه إليه ويناديه لأجله، وللموضوع الذي ينبهه إليه، وهو حال الذين يخاطبهم وتدبير الدعوة على مقتضى حالهم، وتوقع ما يقع منهم. وقد قال فخر الدين الرازي: إن نداء الله تعالى له ﵇ يكون بـ " يا أيها النبي " ما عدا موضعين: أحدهما - هذا الموضع، والثاني - في قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الرسول بلغ ما أنزل اليك). وقال إن النداء: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) فيه زيادة تشريف للنبي ﷺ ؛ لأن الرسالة أخص من النبوة، والحق أن النداء بالنبوة

стр. 2825

وبالرسالة كلاهما فيه تشريف للنبي ﷺ بدرجة واحدة، لأن في كليهما بيان صلته بالله تعالى بها، ولكنا نرى أن النداء بـ " يا أيها الرسول " ونهيه، ويبلغ رسالته التي شرفه الله تعالى بها ولكنا نرى أن النداء " يا أيها الرسول " يناسب ما يطلبه الله تعالى منه، وهو تبليغ الرسالة؛ إذ يقتضي أن يلاقي الأخيار والأشرار، وأن يتوقع من الأشرار ما قد يثير النفس فإن لج به الألم ذهبت نفسه حسرات، ولا يتفق ذلك مع العزمة الواجبة لأداء الرسالة. وقد كان النهي منصبا لَا على ذات الحزن، بل قال سبحانه: (لا يَحْزُنكَ) أي لَا تجعلهم يدخلون الحزن على نفسك باستعظام ما يفعلون، وبذلك يندفع الاعتراض القائل أن الحزن ألم نفسي يدخل على النفس إجبارا من غير استئذان، والنهي عنه ليس نهيا عن أمر للنفس فيه اختيار، بل هو نهي عن أمر للإرادة فيه سسلطان بالصبر وضبط النفس، وتوقع الأمور قبل وقوعها فمن توقع النائبات قبل وقوعها يخف وقعها، ويسهل احتمالها، وأولئك الذين يسارعون في الكفر يتوقع منهم الشر فلا يحزن الرسول عند وقوعه، فمعنى النهي في قوله تعالى: (لا يَحْزُنكَ) يتضمن أمرين: أولهما - قبل وقوع شر أولئك المنافقين يتوقعه، فلا يحزن إذا وقع، وثانيهما - ألا يبقى أي أثر من ألم لوقوع الشر، والمعنى الضمني لهذا النص: لَا تعبأ بما يصنع هؤلاء مما من شأنه أن يحزن، فلا ينبغي أن تحزن. وقوله: (الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) معناه: الذين يتنقلون بحركات سريعة في دركات الكفر فينحدرون من دركة إلى دركة ويوغلون فيه إيغالا من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر، وهذا سر التعدية بـ " في " دون " إلى "، لأن التعدية بـ " إلى " تفيد الدخول فيه بعد أن لم يكن، أما التعدية بـ " في " فإنها لَا تفيد الدخول بعد أن لم يكن، بل تفيد الانتقال في مداخله من حال إلى أسوأ منها في سرعة من غير تفكير.

стр. 2826

وهذا يزكي معنى النهي عن أن يكون منهم ما يحزن النبي ﷺ ؛ لأنه لا يتوقع من الكفار الذين مردوا على النفاق إلا الإيغال فيه، والازدياد في الشر. وقد بين سبحانه نوع هؤلاء الناس، فقال تعالت كلماته: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ). (مِنَ) هنا بيانية، فهي تدل على أن ما بعدها بيان للذين يسارعون في الكفر متنقلين في دركاته موغلين في الجحود، وقد كان أول وصف يدل على جحودهم الشديد، وإمعانهم في الضلال والتضليل هو أنهم يقولون: " آمَنَّا " بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وقوله تعالى بأفواههم متعلق بقوله تعالى: (قَالُوا). وقدم قوله تعالى (آمَنَّا) على قوله تعالى (بِأفْواهِهِمْ) للإشارة إلى مسارعتهم بقول الإيمان وإعلانه وذكره، إمعانا في التضليل والنفاق، ولأن قول الله تعالى (بِأَفْواهِهِمْ)، ولو أنه متعلق بكلمة (قَالُوا) فيه حكم على ادعائهم الإيمان والحكم يتأخر دائما عن واقعة الحكم، فالواقعة قولهم (آمَنَّا)، والحكم من الله تعالى بأنه إيمان بالأفواه، لَا بالقلوب فهو إعلان عن الإذعان، ولقد أكد ذلك الحكم بقوله تعالى: (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) أي لم تذعن للحق وتسلم به وتخضع له قلوبهم، وليس المعنى لم تصدق قلوبهم؛ لأنَّ الإيمان ليس هو المعرفة الجردة، بل إنه إذعان وخضوع لما تقتضيه المعرفة ويقينها، فإن من أولئك يهودا كانوا يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، ولكن معرفتهم هذه صحبها تمرد على الحقائق، وعبث، وسير في الجحود، فلا يمكن أن يتحقق الإيمان منهم، وإن كانت لديهم المعرفة بالحقائق، إذ لم يذعنوا لها، والتعبير بالأفواه بدل الألسنة - إشارة إلى تزيين كلامهم فقط حتى صار الفَم كله يشترك في ادعاء الإيمان لَا طرف اللسان فقط. (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) هي داخلة في البيان الذي دلت عليه " من " الأولى، وعلى ذلك يكون هؤلاء داخلين في الذين يسارعون في الكفر، فإنهم فريقان، فريق المنافقين، وفريق اليهود الذين

стр. 2827

تميزوا بهذا الاسم، وإن اشتركوا معهم في معنى النفاق، ويكون قوله تعالى (مِنَ) بعد (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ) وصفا للفريقين معا، لأنه يجمعهم المسارعة في الكفر، هذا أحد مخرجين للآية الكريمة، وهو يتفق مع إحدى القراءتين (١)، وهي التي لَا يكون فيها الوقف عند قوله تعالى: (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) بل تكون القراءة متصلة. والقراءة الثانية أن يكون الوقف عند قوله تعالى: (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) ويكون قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا). استئنافا لفريق آخر، ويكون قوله تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)، وصفا لليهود، ويكون المعنى أن الذين يعاندون النبي ﷺ فريقان: أحدهما - منافق يعلن الإيمان، ويبطن الكفر وسبب جحودهم أنهم مردوا على النفاق، وضعفت نفوسهم، وانحل موضع اليقين في قلوبهم لسماع الباطل من القول، والزور من الدعاوى، حتى اختلط عندهم الحق بالباطل، وفقدوا التمييز بينهما بسوء ما يصنعون، وكلا الفريقين يلتقي عند مصب الجحود والنكران، والمسارعة في الكفر، وإن كان قوله تعالى: (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ). غير متجه إلى اليهود من حيث النسق البياني على القراءة الثانية فإنه من حيث التضمن والواقع ينطبق عليهم وصف المسارعة على الكفر، والتنقل في دركاته. وفى الحق، إن القراءتين (٢) مقصودتان من حيث المعنى، والقراءة الأولى معناها مقصود بالنص، والقراءة الثانية (كذلك) وكلتاهما قرآن يتلى ويفهم، ويراد معنى، كُلا ومنفردا. وقوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ). هو وصف للفريقين على إحدى القراءتين، أو على مجموع القراءتين، وسمَّاع صيغة مبالغة من سامع، أي من صفاتهم التي صارت فيهم خصلة من خصالهم أنهم كثيرو سماع الكذب، قد استمرأته قلوبهم وأسماعهم، يجدون لذاذة في الاستماع، ويصل إلى قلوبهم

стр. 2828

فيفسد موضع التفكير والتدبر، كأولئك الذين يلقون بأسماعهم في الخرافات، فيتقبلونها كأنها حقائق ثابتة لَا مجال للريب فيها عندهم، فهم بهذا ضالون، وتكون اللام في قوله تعالى: (لِلْكَذِبِ)، للتعدية، أو لتقوية التعدية، وأن السماع منصب على الكذب، وقال بعض اللغويين: إن اللام للتعليل أي سماعون لأجل أن يكذبوا، وأحسب أن التخريج الأول أقرب إلى القبول؛ لأن ذلك وصف لهم، فهو غير معلل، وهو يدل على فساد قلوبهم من داخلها، لَا من أمر خارج فقط، وقد بين سبحانه الذين يستمعون إليهم، والذين يغذون قلوبهم المملوءة بالصديد والدم، فقال : (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأتُوكَ) أي أنهم يكثرون سماع الباطل ويكثرون من سماع قوم آخرين لم يأتوك لهم تأثير فيهم، فاجتمع فيهم فساد الباطن الذي جعلهم لَا يستمرئون إلا سماع الشر، ووجود من يستغلون فيهم ذلك الضعف القلبي، فيعملون على استهوائهم إلى الباطل، والتعبير بـ " قوم آخرين "، فيه إشارة إلى أن أولئك الذين يستمعون إليهم بعيدون عن سلطان الدعوة الإسلامية، إذا كان البعد حسيا، أو بعيدون عن قبول قوله إذا كان البعد معنويا، وكلاهما يشمله القول. وفى الجملة: إن في هذا تسلية للنبي ﷺ من حيث إن الذين يسارعون الكفر من المنافقين واليهود إذا كانوا يتنقلون في دركات الجحود، ولا يستمعون إليك، فلأنهم يجيئون إليك وقلوبهم مملوءة بالباطل، والإيمان الصافي يحتاج إلى آنية صافية من كدرة الهوى، وأخباث الشر، وإذا كان فيها شيء من ذلك فإشراق الإيمان قد يذهب به إذا لم يكن ثمة تغذية له من كلام الآخرين، واستمراء الباطل. وقد وصف الله الذين يمرقون عن الحق مروق السهم من الرمية ويدعون إليه بقوله تعالت كلماته: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) الكلم اسم جنسي جمعي لكلمة، فهو معناه كلام، والتحريف أصله من

стр. 2829

الحرف، وهو طرف الشيء، ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن أطرافه وحدوده، والتحريف يكون على ضروب شتى فيكون بتغيير الألفاظ والزيادة فيها والنقص منها، وذلك تحريف في اللفظ والمعنى، وإما أن يكون التحريف بتفسير الكلام بغير ما تدل عليه الألفاظ، وتوجيه المعاني إلى غير مقاصدها، ويكون التحريف بإدخال احتمالات في الألفاظ، وهي غير قابلة لها، وقد قال الأصفهاني في هذا المعنى: " وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن على الوجهين " وقد خرج على هذا المعنى النص الكريم الذي نتكلم في معناه. واليهود حرفوا التوراة بكل أنواع التحريفات، فزادوا فيها كلمات ليغيروا المراد فيها، ففي تحريم الربا زادوا كلمة " أخاك الإسرائيلى " ليجعلوه محرما بين الإسرائيليين فقط. وحذفوا منها عبارات، وأتوا بقصص مكذوبة كقصص ابنتي لوط، وحملوا ما بقي من عبارات من غير زيادة فيها أو نقص على غير معانيها، أو جعلوها محتملة لغيرها، ورجحوا غير الظاهر على الظاهر، وحذفوا منها ما كان فيه التبشير بمحمد ﷺ . وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ). أي من بعد استقرار مواضعه، وبيان حلالها وحرامها، وفي آيات كثيرة كان التعبير القرآني، يحرفون الكلم عن مواضعه، أي يصرفونه عن مواضعه بزيادة أو نقص، والتعبير هنا هو قوله تعالمت كلماته: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ). أي من بعد استقرار أحكامه وهو مناسب للمقام هنا؛ لأن الموضوع، كما تدل الآيات التالية مسوقة لتغييرهم في الأحكام، ومحاولتهم العبث بها. وقد أشار إلى ما كان يقوله القوم الآخرون الذين يسمعون لهم؛ فهم يعطونهم معلومات محرفة باطلة عن التوراة وما فيها، ويقولون للسامعين لهم: إن أوتيتم هذا فخذوه، أي إن آتاكم النبي ﷺ بمثل هذا الذي هم عليهم فإن لهم أن يقبلوه، وأن هذا كقول الله تعالى فيهم حاكيا عنهم قوله:

стр. 2830

(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ. . .)، وإن هذه الحال هي أبلغ الضلال الذي ينال العقول، وهو الفتنة التي تعتريها، ولذلك قال سبحانه: (وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). الفتنه هنا: الضلال واستهواء النفوس إليه، وذلك أن الفتنه تطلق بمعنى الاختبار الشديد، والوقوع في البلايا والشدائد والنوازل، وأن هؤلاء قد اختبرت نفوسهم بما سلط عليهم من باطل ودعوات إليه، وسقطوا في الاستجابة لهذا الشر، فكانت هذه هي الفتنة التي وقعوا فيها باختيارهم، واستهوتهم الأهواء الردية، ووقعت بهم البلايا الشديدة، وقد أراد الله تعالى أن يقعوا فيها باختيارهم، فالضلال باختيارهم وسلوكهم سبيله، وتجانفهم عن طريق الحق، والله تعالى أراد لهم ما اختاروا. وقد بيَّن الله تعالى أن النبي ﷺ لَا يملك أن يزيل عنهم ذلك الضلال لأن من يرد الله فتنته وضلاله بكتابة ذلك عليه، وتسجيله في لوحه المحفوظ، فلن يملك أحد دون الله شيئا في ذلك، فلا يستطيع تغييره، وأنت يا نبي الله لا تستطيع التغيير فلا تحزن لضلالهم، ولا تهتم لما يقعون فيه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدي مَن يَشَاءُ. . .). (أولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّه أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ). إن هؤلاء الذين أركست نفوسهم في الشر والضلال، حتى صار النفاق دأبهم، وتحريف القول بعد استقرار مواضعه طريقهم، واستمراؤهم للكذب يستمعون إليه وصفهم - أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يرد الله تعالى أن يطهر قلوبهم، ذلك أن قلوبهم اكتسبت سيئات تراكمت وتكاثفت، حتى أربدت، وخالطها الشر وأصبح ملاصقا لها كأنه جزء من كيانها، والله سبحانه يأخذ بيد من يرتكب الشر عن جهالة، أما من اكتسبت نفسه الخطايا وأحاطت به، فإنه يتركه، لينال جزاء ما كسبت يداه؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 2831

(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) هؤلاء هم الذين فتنوا في دنياهم بوقوعهم مختارين في بلائهم، فأولئك المنافقون والذين هادوا لهم - بسبب ما وصفوا - خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة، يبلغ من الإيلام والأذى ما لا يدرك كنهه ولا يعرف حقيقته إلا رب العالمين، وما أعطانا من علم في كتابه الحكيم، وعلى لسان رسوله الأمين. وأما الخزي في الدنيا، فهو الذل الدائم المقيم مهما يكن من مظاهر القوة، ذلك أن النفاق وحده ضعف في النفس واضطراب في العقل، وكشف لحاله مهما يكن عنده من قدرة على الإخفاء والتستر، فإن ثوب النفاق شفاف دائما، وذلك فوق ما يتسم به من جبن وخور إن لم يكن معلوما لكل الناس فإنه يكون معلوما بينه وبين نفسه، وهم يحسبون أنهم يستهزئون بالناس، والناس يعلمونهم، والله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون. واليهود لَا يعيشون إلا في كنف غيرهم من الناس أو على خداع الناس، وحسبهم ذلك خزيا وعارا. وقانا الله تعالى شر هذا الخزي، ووقَى المسلمين من شر النفاق والمنافقين، وحمى الأمة الإسلامية منه، وهو العليم بذات الصدور. * * * (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) * * *

стр. 2832

الكلام مستمر في بيان أوصاف الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، والذين غلبت عليهم الشقوة والضلالة، حتى صاروا لَا يخضعون إلا لأهواء قوم لم يشرق في قلوبهم نور الإيمان، ولم تطمئن قلوبهم ببرد اليقين للإذعان للحقيقة بعد أن يعرفوها. وقد انتقلت الآيات من التعميم إلى التخصيص، فخصت اليهود بوصف آخر غير أنهم سماعون للكذب بأنهم أكالون للسحت.

стр. 2833

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) هذا وصف للذين يسارعون في الكفر عامة وفي اليهود خاصة، وهم مرنوا على سماع الباطل واستمرءوه وأضافوا إلى ذلك وصفا من بابه، وهو أنهم يستمرئون المال الخبيث الذي ينبت من باطل، وإذا كانت آذانهم تستمرئ باطل القول وزوره، فأفواههم وذممهم تستمرئ أكل أموال الناس بالباطل، والسحت كما يفهم من مصادر اللغة وآثار التابعين والصحابة، كل كسب يكون بطريق آثم، ومن ذلك الرشوة والربا، وأخذ الأجور في الشفاعات، وقد سئل عبد الله بن مسعود عن السحت، فقال: الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها فيهدي إليه هدية فيقبلها (١)، وإذا كانت الهدية في مقابل قضاء الحاجات سحتا، فماذا يكون كسب الجاه والمال والمناصب، وما تدر عليه من مال بطريق النفاق والفتاوى الباطلة في الدين، ولقد قال النبي ﷺ : " كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به " (٢). وذكر الطبري الأصل اللغوي لكلمة سحت، فقال: " وأصل السحت (٣) كَلَبُ الجوع، يقال: فلان مسحوت المعدة، إذا كان أكولا، لَا يلفى أبدا إلا جائعا،

стр. 2834

وإنما قيل للرشوة السحت تشبيها بذلك، كأن بالمسترشي من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك - مثل الذي بالمسحوت - المعدة من الشره إلى الطعام، يقال منه: سحته، وأسحته لغتان محكيتان عن العرب. . . ومنه قوله تعالى: (. . . فَيُسْحِتَكم بِعَذَابٍ ... ). وتقول العرب للحالق: " اسحت الشعر، أي استأصله ". ونرى أن ابن جرير ذكر الرشوة فقط هنا، وإن كان السحت يشمل أكل مال الناس بالباطل، ولو كان هدية في نظير مسعى حميد كما ذكرنا عن ابن مسعود، وقد روي عن مسروق التابعي أنه شفع لرجل في حاجة، فأهدى إليه جارية فغضب غضبا شديدا، وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك، ولا أكلم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: " من شفع شفاعة ليرد بها حقا، ويرفع بها ظلما فأهدى له فقبل فهو سحت ". وإن هذا الكلام المروي يبدو منه أمران: أحدهما أن كل أكل لمال الغير بالباطل يعد سحتا سواء أكان برضاه أم كان بغير رضاه. وثانيهما - أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا لفرط إيمانهم بالحق ووجوب نصرته يرون أن نصرة الحق ودفع الباطل يجب أن تكون لله، وأنه لَا يصح أخذ أجر في نظيرها، ولو كان هدية تعطى في مسمحة ومحبة، حتى لَا يرنق قول الحق بغرض من أغراض الدنيا، وحتى لَا يستغل الجاه، ولكي تعلو معنويات الأمور، ولا تسيطر مادياتها. وإن اليهود قد اشتهروا بالسحت، وخصوصا في الحكم، وقد أرادوا من النبي ﷺ أن يحكم بينهم بشرعته رجاء أن يكون في حكمه ما هو أخف من حكم ما عندهم، لَا طاعة لحكمه، وخصوصا للحق عنده، ولذا قال سبحانه: (. . . فإن جَاءوكَ فَاحْكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) يومئ هذا النص الكريم إلى أنهم سيتحاكمون إليه، وقد تحاكموا إليه بالفعل لَا طلبا للحق والعدل، ولكن رجاء التخفيف عمن أرادوا التخفيف عنه، وروى في موضوع التحاكم الذي ذهبوا إلى النبي ﷺ ليحكم فيه عدة روايات تنتهي إلى خبرين:

стр. 2835

أولهما - أنهم كانوا يقيمون حد الزنى، إلى أن زنى منهم شاب ذو شرف، فقال بعضهم لبعض؛ لَا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه، فجلدوه، وحملوه على إكاف حمار؛ (برذعة) وجعلوا وجهه قبل ذنب الحمار، ثم زنى بعد ذلك وَضِيعٌ ليس له شرف وليس له من يحامي عليه، فقالوا: ارجموه، ثم وجد من بينهم من استنكر تلك التفرقة، فقالوا: كيف لم ترجموا الذي قبله، ولكن اصنعوا بهذا مثل ما صنعتم بسابقه، ثم قالوا: سلوه لعلكم تجدون عنده رخصة. وكأنهم استثقلوا إقامة الحد، وأرادوا أن يترخصوا، ويقبلوا حكم النبي ﷺ فبين لهم النبي ﷺ أنه حكم توراتهم يجب أن ينفذ، وأنه لَا يصح الفرار من هذا الحكم، وإن ذل الأمم يكون إذا غيرت الأحكام فيها لأجل الأقوياء، وبدلت على حسب الأهواء. ثانيها - أن اليهود ما كانوا يعدلون فيما بينهم، ولا تتكافأ دماؤهم في نظرهم، فكانت قريظة إذا قتلت قتيلا من بني النضير كانت تَجِب الدية كاملة في حال وجوب الدية، وإذا قتلت النضير من قريظة كانت نصف الدية لشرف في الأولى ونقص في الثانية، ويروى أنهم كانوا إذا قتل رجل من بني النضير قرظيا لا يقتل به ووجبت الدية، وإذا كان المقتول نضيريا قتل به، فكانت في عصر النبي ﷺ وهو بينهم دماءٌ، فتحاكموا، فحكم بالتسوية، لأن ذلك هو العدل، وهو حكم التوراة. وقد خير الله تعالى نبيه في أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم، ولماذا كان ذلك التخيير، وإقامة العدل واجبة، وقد مكن من إقامته بتحكيمهم؟ والحقيقة أن النبي ﷺ كان مخيرا ذلك التخيير، ليتعرف أمرهم، فإن كانوا يريدون الحق ويطلبونه ويذعنون له استجاب للأمر وحكم، وإن كان يعلم أنهم جاءوا مغرضين في قلوبهم مرض، لَا ينفذون إلا ما يتفق مع أهوائهم وليسوا خاضعين لسلطانه - ينفذ فيهم الحق الذي يراه، أما الذين يكونون تحت سلطانه وينفذ الحق فيهم، فإنه لا تخيير بل يقضى بينهم، وكذلك الأمر من بعده ﷺ ، ولذلك قرر الفقهاء أن

стр. 2836

الذميين في المعاملات المالية والزواجر الاجتماعية خاضعون للأحكام الشرعية، ولا يجيز الحاكم في الحكم بينهم بشرع الله تعالى؛ لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، أما رعايا الدول الأخرى الذين يقيمون في ديارهم ويربطهم بالمسلمين الجوار وميثاق عدم الاعتداء، كما كان الشأن في يهود المدينة في أول أمرهم، قبل أن تظهر خيانتهم، ويضطر النبي ﷺ إلى إجلائهم. وهنا ملاحظة لفظية، وهي في قوله تعالى: (فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ). لماذا كان التعبير بـ " إن " الدالة على الشك ولم يكن التعبير بـ " إذا " الدالة على التحقيق، مع أنهم جاءوا إليه فعلا؟ والجواب عن ذلك أن الشك كان بالنسبة لحالهم، فهم كانوا مترددين في التحاكم إلى النبي ﷺ ، وهم بعد الحكم لم ينفذوا، فحالهم حال شك ابتداء وحال شك انتهاء، وعدم إذعان في الحالين؛ لأن في قلوبهم، كما قال تعالى في أشباههم: (أَفِي قلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ. . .). ولقد زعم بعض العلماء أن الحكم الشرعي كان هو التخيير عند تحاكم غير المسلمين ثم نسخ، وصار الحكم لازما، والحق أن التخيير لَا يزال قائما بالنسبة لغير المسلمين الذين يطلبون حكم الإسلام من الحاكم المسلم لينفذوه في ديارهم، والتخيير ليتعرف الحاكم حالهم، فيحكم حتما إن كانوا طلاب حق، وله أن يرفض إن كان في قلوبهم مرض، ولا ضرر من الإعراض، ولذلك قال سبحانه: (وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا). وإنه في حال الإعراض يصاب أولئك الذين يريدون الحكم لهواهم لَا للحق في ذاف - بخيبة أمل قد تحرك فيهم عناصر الضغينة والمقاومة، وإشاعة قالة السوء عن النبي ﷺ فبين الله في ذكره الحكيم أنه لَا تضره هذه الأفعال، وقد نفَى الضرر نفيا مؤكدا بـ " لن " " لبيان أنهم لَا طاقة عندهم في أن يضروه، وكان نفي الضرر في هذا المقام له مغزاه، لأنَّ احتكامهم إليه ﷺ فيه نوع من المسالمة والإذعان في الظاهر لما جاء به النبي ﷺ ، وهو إعلان للتصديق،

стр. 2837

فإذا أعرض، فقد يكون ثمة احتمال الضرر الذي ينال الدعوة الإسلامية، وشدة لجاجتهم في الباطل، فنفَى الله ذلك الضرر؛ لأن الإعراض يكون حيث يدرك النبي ﵊ أنه لَا مجال لأن ينفذوا ما يحكم به، وأنهم يريدون أن يطوعوا أحكامه لأهوائهم، أو يتأولوها بغير المقصود منها، فيكون أكرم للدعوة، وأكرم لمقامه ﵊ أن يذرهم في غيهم يعمهون، والله غالب على أمرهم. (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) القِسط هو: النصيب بالعدل الذي لَا وكس فيه ولا شطط، وتوصف به الأعمال الطيبة، فقد قال تعالى: (. . . لِيَجْزِيَ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ. . .). وقال تعالى؛ (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ. . .). والقَسْطُ أخذ نصيب غيره، والإقساط إعطاء غيره نصيبه غير منقوص؛ ولذلك قال العلماء: إن القاسط هو الظالم، ولذا قال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا). والمقسط هو العادل، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). والمعنى الجملي للنص الكريم: إن اخترت أن تحكم بينهم لرجاء أن ينفذوا الحكم ويذعنوا له، فلا تتبع أهواءهم واحكم بالعدل والقسطاس المستقيم، وذلك العدل بين الله تعالى حكمه، وشرع لزومه في كتبه المقدسة فإذا كان هناك زنى فالقسط أن يحكم بالحد، لَا فرق بين شريف وضعيف، وقادر وغير قادر، بل الجميع أمام الحق على سواء، فالقسط هو إعطاء كل ذي حق حقه، وتنفيذ حدود الله تعالى بالمساواة، فلا يعفى منها شريف دون ضعيف، فإن في هذا هلاك الأمم، وذل الشعوب. وقد ذيل النص الكريم بقضية عامة شاملة، وهي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). وفي ذلك تزكية للعدل وتأكيد لطلبه، فقد أكد الكلام بالجملة الاسمية، وبـ " إنَ " المؤكِّدة، وبتصدير الكلام بلفظ الجلالة، وببيان أن محبة الله تعالى لَا تكون إلا للعادلين المقسطين الذين لَا يجورون، وكان التعبير بـ " إنْ " في

стр. 2838

قوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم). وهي تفيد الشك في اختياره ﵊ الحكم بينهم لأنهم ليسوا طلاب حق وإنصاف بل يريدون الحكم كما يهوون، والدليل على أن اليهود ليسوا طلاب حق أن التوراة التي بأيديهم فيها الحكم صريح في الموضوع الذي تحاكموا فيه. * * *

стр. 2839

(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ... (٤٣) * * * الاستفهام هنا للتعجب واستنكار حالهم، أي أن حالهم حال مستنكرة. عندهم النص الصريح في القضية التي يتحاكمون فيها، ومع ذلك يلتمسون الحكم في غير ما عندهم رجاء أن يكون على ما يهوون ويبتغون، وإن كان غير ما يؤمنون فهم ممن اتخذ إلهه هواه، وممن يريدون أن يتبع الحق أهواءهم، لَا أن تكون أهواؤهم تابعة للحق تسير في مداره، ولا تخرج عن إطاره، والتعجب والاستنكار يتجهان إلى أمرين: أولهما - أنهم يتحاكمون إلى النبي ﷺ مع أن الحكم عندهم في التوراة صريح لَا مجال للريب، فلماذا يعدلون عن تنفيذ ما عندهم إلى طلب شيء عند النبي ﵊، إلا أن يكونوا مؤمنين بصدق ما جاء به، وذلك لم يكن منهم. والأمر التالي - الذي هو موضوع الاستنكار والعجب أنهم يطلبون من النبي ﵊، ثم يعرضون من بعد بيانه لهم. فهم متناقضون في جملة أحوالهم يطلبون الحكم ممن لَا يؤمنون بدعوته، مع أن الحكم صريح فيما يؤمنون ثم يعرضون عن الحكم الذي يتلاءم مع ما عندهم. ويلاحظ أن القرآن الكريم يقرر أن التوراة فيها حكم الله في المسألة التي يختصمون إلى النبي ﵊ في أمرها، فهي تصديق للتوراة في تلك الجزئية، وهي إقامة حد الزنى دون غيرها، فليس لأحد أن يحتج بأن القرآن يقر أحكام التوراة اقى كانت بأيدي اليهود في عصر النبي ﵊ والتي بأيديهم في هذه الأيام، فإن تصديق ما بأيديهم في جزئية من الجزئيات لَا يقتضي

стр. 2840

تصديقها في كل ما جاء بها مما في أيديهم، فقد نسوا حظا مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه ولا شك أن التحريف لم يتناول الجميع، بل لَا تزال فيها أثارة مما نزل على موسى. ومن المباحث اللفظية في النصِ الكريم التعبير بـ " ثم "، وبقوله تعالى " من بعد ذلك "، في قوله سبحانه: (ثُمَّ يَتَولَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ). فإن الئعبير بـ " ثم "، والبَعدية والإشارة للبعيد للتفاوت النفسي المنطقي الكبير والتراخي المعنوي بعد الاحتكام إلى النبي ﵊ والإعراض عن قوله بعد أن بين حكم التوراة فيما يحتكمون، ولكن المنافق المبطل في مفارقات مستمرة بينه وبين الحق، والمنطق السليم، والعقل المستقيم. (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) في هذا النص الكريم نفي لصفة الإيمان المطلق عن اليهود وأشباههم ممن يجعلون الحق تبعا لأهوائهم، والله ينفي صفة الإيمان بأي عقيدة أو مذهب؛ لأن الإيمان يقتضي طلب الحق وإدراكه والإذعان له وهذه ليست صفات هؤلاء، فهم لَا يطلبون حكم الحي بل يطلبون حكم الهوى، وأركسوا في الأهواء فلا يدركون، وبعدوا عن المنهاج المستقيم فلا يذعنون، فهم لا يؤمنون بالتوراة وإلا أذعنوا لحكمها، ولا يؤمنون بما جاء به النبي ﵊ لأنهم جحدوا قوله وناوءوه، وناصبوه العداء فهم لَا يؤمنون بشيء. والإشارة في فوله تعالى: (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) إليهم بأوصافهم كلها من أنهم لا تستمرئ أسماعهم إلا الكذب، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويتميلون بالحق، ويفرقون في الحكم بين القوي والضعيف ومن كان هذا شأنهم لَا يمكن أن يدخل شيء من الإيمان قلوبهم. . اللهم احفظ الناس من شرهم، وهبنا الإيمان الصادق والإذعان للحق. * * *
следующие страницы →