← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خلاف في أن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا في أن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، ولكن الاختلاف في معنى القرابة أحيانا، وأحيانا نجد النص القرآني يقرب، ولا يبعد. ومسلكنا في آيات الأحكام أن نذكر الأحكام الثابتة بالقرآن بإجمال مستعينين بالسنة القولية والعملية في العبادات، وفي الأنكحة، وغيرها. نذكر الأحكام بإجمال تفسير الآيات القرآنية مبينين ما يحتاج إلى بيان بالسنة النبوية، مرجحين ما يتفق مع السنة، أو ما نراه أقرب إلى النص، كمعنى قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... )، فإنا في هذه نأخذ بما يُفهم من السنة. وهكذا لَا نتعرض للخلاف الفقهي إلا في أضيق دائرة، وما يوجبه علينا ذكر معاني القرآن واضحة نيرة كشأنها دائما، ولا نخضع هذه المعاني لآراء الفقهاء، إنما نخضع آراء الفقهاء لها؛ لأنها الحكم الذي لَا ترد حكومته، والقرآن هو الحاكم بالصحة لآراء الفقهاء وليس محكوما بها. * * * (النسخ في القرآن الكريم) لابد قبل أن نبدي رأينا في النسخ في القرآن الكريم أن نقرر حقائق ثلاثا لابد من بيانها أو الإشارة إليها، نكتفي هنا بالإشارة إليها: الحقيقة الأولى: أن القرآن الكريم نسخ من الشرائع السابقة التي أتى بها الوحي وهي الشرائع السماوية، فما بقي منها أبقاه القرآن الكريم، ونص على بقائها كبعض أحكام القصاص، وكتحريم الربا، وكتحريم المحرمات وغير ذلك، وكان النص عليه في القرآن الكريم دليلًا على بقائه من غير نسخ. الحقيقة الثانية أن النسخ جرى في السنة، ذلك أن السنة كما تتولى بيان الأحكام تتولى علاج المسائل الوقتية، ويختلف الحكم الوقتي في بعض الأوقات عنه في بعضها؛ ولذا جرى النسخ في السنة.

стр. 37

الحقيقة الثالثة: أن القرآن الكريم سجل هذه الشريعة الخالدة، بل سجل الشرائع السماوية، ومعجزات النبيين جميعا، وما نسخ منها أشار إلى نسخه، وما بقي منها صرح ببقائه، كالقصاص، وخصوصا في الأطراف، كما جاء في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥). ولذا نحن نرى ما رآه من قبل أبو مسلم الأصفهاني، وهو أنه لَا نسخ في القرآن قط؛ لأنه شريعة الله تعالى الباقية إلى يوم القيامة، ولأن النسخ لم يثبت بنص عن النبي ﷺ ، وأنه لم يصرح النبي ﷺ بنسخ آية من القرآن، وما جاء من عبارات النسخ في القرآن إنما في نسخ المعجزات الحسية بالقرآن الكريم، وقد بينا ذلك في موضعه من معاني الذكر الحكيم. ولأن النسخ يقتضي أن تكون آيتان في القرآن موضعهما واحد، وإحداهما مُثْبِتَة والأخرى نافية، ولا يمكن الجمع بين النفي والإثبات، وما ادُّعِيَ النسخ فيه التوفيق بينهما سهل ممكن، وما أمكن التوفيق فلا نسخ، وقد اشتركنا في كتابة التفسير مع بعض العلماء ولم نجد آيتين متعارضتين لم يمكن التوفيق بينهما، وقد طبع ذلك التفسير وسمي بـ " المنتخب " طبعته إحدى الجامعات الإسلامية، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 38

(سُورَةُ الْفَاتِحَةِ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) * * * ابتدأ كلام الله تعالى بـ

стр. 39

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وهي مقدمة لتلاوة كل سورة من سور القرآن، وروي عن بعض الصحابة: " إننا كنا نعرف نهاية سورة وابتداء سورة بنزول قوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) وروي عن جعفر الصادق بن محمد ﵄، أنه قال: " البسملة تيجان السور "، وقد قال عبد الله بن المبارك: " إنها جزء من كل سورة؛ ولذلك يجب ابتداء السورة بقراءتها.

стр. 40

على أنها جزء منها، وقال الشافعي: " إنها جزء من الفاتحة "، وتَردَّد في عدها جزءًا من كل سورة، ولكنها مهما تكن ليست جزءا من غير الفاتحة، وهي لازمة للفصل بين سورة وسورة من السور التي ابتدأت بذكرها. ولأن ثمة كلامًا في كون سورة براءة ليست مستقلة عن سورة الأنفال، وعدها الأكثرون جزءا منها - لم تكن مبتدأة بالبسملة، وينسب إلى الإمام مالك رضي الله ﵎ عنه أنها ليست جزءا من سورة الفاتحة أو غيرها، ومؤدى هذا القول أنها ليست من القرآن ككلمة " آمين " في آخر الفاتحة؛ إذ إن الفاتحة ضراعة إلى الله تعالى، فناسب أن تذكر بعدها " آمين "، وعدَّ القرطبي في كتابه " أحكام القرآن " أن في مذهب مالك أن البسملة ليست من القرآن هو الصحيح، وذكر أن القرآن كله متواتر، والبسملة ليست متواترة، فلا تعد من القرآن، ولكن تكون علامة على انتهاء سورة، وابتداء سورة أخرى. ومع أنه قرر ذلك - يقرر أن مالكا يرى أنها يُبتدأ بها في الفرض والنافلة، كما رواه ابن نافع، وفي الحق أن ذلك القول غريب عن القرآن، وذلك لأن البسملة متواترة تواتر كل أجزاء القرآن، فلم تثبت بحديث آحاد، بل ثبتت بالقرآن نفسه، فقد كتبت في مصحف عثمان وما قبله، ولا تواتر أبلغ من هذا، وما كان للشيخين أبي بكر وعمر، وذي النورين وجميع الصحابة أن يدوِّنوا في المصحف ما ليس من القرآن، و " آمين " هي التي أمر النبي ﷺ بالنطق بها في عقب قراءة الفاتحة. إن ادعاء أنها ثبتت بخبر آحاد يقتضي ذكر ذلك الخبر، ورواته، ومقدار قوتهم، وضعفهم، وعددهم، وليس كذلك، بل هي ثبتت مقترنة بسور القرآن على أنها ثابتة بين كل سورة وسورة.

стр. 41

والسورة التي لم تصدر بها، ثبت عدم تقدمها لهذه السورة بالتواتر، فهي متواترة بالذكر في كل السور، ومتواترة بالسلب في سورة واحدة. ولهذا نرى أن نسبة ذلك القول إلى إمام دار الهجرة مالك هو في ذاته موضع نظر، وقد اقترن ذلك بادعاء أنه لم يقرأها أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقول القرطبي عفا الله عنه: " فى مسجد النبي ﷺ بالمدينة انقرضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لدن رسول الله ﷺ إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) اتباعًا لسنة رسول الله ﷺ . وإن لنا أن نرد ذلك القول، ونأخذ ذلك من كلامه هو، فهو قد روى أن عمر، وعليًّا، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، كانوا يقرأونها ويسرون بها. وروى هو أيضا عن النبي ﷺ أنه كان يسر بها ولا يجهر، فقد روي عن أنس ابن مالك ﵁ أنه قال: " كان يصلي بنا رسول الله ﷺ فلم يُسمعنا قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " (١) وروي عنه أيضا: صليت خلف رسول الله ﷺ ، وخلف أبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ " بسم الله الرحمن الرحيم " (٢). فالأمر أمر الجهر بها، لَا أمر تركها، وفرق كبير بين الترك لها أصلا، وترك الجهر بها. وبذلك ينتفي ما ادعاه من أن أحدا لم يقرأها، اتباعا للسنة إن كانت سنة، وذلك لأنهم قرأوها خفية وفي سر، آخذين ذلك من سنة النبي ﷺ .

стр. 42

ومن كتاب الله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥). وننتهي من هذا إلى أن البسملة جزء من القرآن الكريم، وهي فاصلة بين السور تدل على الانتهاء من سورة والابتداء بسورة أخرى. وإن الشافعي يعُدها جزءا من الفاتحة، ومهما يكن فإنه لابد من البدء بقراءتها، وغيره يوجب البدء بها لَا على أنها جزء من الفاتحة، ولكن على أنها قرآن يبدأ به في أول كل سورة. والأكثرون عدوها على أنها يبتدأ بها سرا لَا جهرًا أو تضرعًا في خفية، ودون الجهر من القول، والله أعلم. * * * (التعوذ في ابتداء التلاوة) قال الله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، فُهِم من هذا النص الكريم أنه عند التلاوة لابد أن يقدمها بقوله: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "، ثم تكون بعدها " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وقد حكي ذلك عن عطاء وغيره، فقالوا: " إن الاستعاذة واجبة عند كل تلاوة في غير الصلاة "، وإنما في الصلاة فلا وجوب، ويظهر أن ذلك بالاتفاق؛ لأنه يكون زيادة واجب في الصلاة لم يثبت عن النبي ﷺ ، وكل وجوب في عبادة من غير إيجاب من صاحب الشرع يُرَد ولا يؤخذ به. وكان النخعي، ومعه قوم يتعوذون استحبابًا في كل ركعة في الصلاة، فحيث كانت قراءة قرآن تعوذوا استحبابًا، وروي عن أبي حنيفة التعوذ في قراءة الركعة الأولى فقط.

стр. 43

ومن المتفق عليه أمران: أحدهما: أن الاستعاذة ليست جزءا من الصلاة، ولا شرطا لقراءة الفاتحة، كما هو مقرر عند الشافعي، لَا سرا ولا جهرا؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه التزم بها لَا جهرا ولا خفية. الثاني: أن كلمة " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ليست قرآنا، وإنما استجابة لقول الله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، وكلمة " أعوذ بالله " هي الكلمة التي يرددها الناس عند الاستعاذة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في الاستعاذة: " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم "، وروى ابن مسعود أنه تعوَّذ بها أمام النبي ﷺ فقال له: " يا ابْنَ أمِّ عَبْدٍ، أعوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرجيمِ هكلذ أقْرَانِي جِبْرِيلُ عَنِ اللوح عَنِ القَلَم " (١)، وإن هذا النص يستفاد منه أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هي المروية عن النبي ﷺ . وننتهي من هذا إلى أنها مستحبة وليست واجبة، ولكن إذا قالها أيُسِرُّ أم يجهر؟ الجمهور على أنه يجهر عند الصلاة بها، وقال حمزة: يسرُّ بها، ومن قال إن الاستعاذة تكون بعد القراءة لأن الله يقول: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. . .، فالقراءة تسبق الاستعاذة امتثالا لأمر الله تعالى؛ ولكيلا يكون القارئ متغنيا، ولا متلقيا، وليكون في حضرة الله في قراءته وبعدها، ويكون طائعا لله تعالى في كل أحواله.

стр. 44

الفاتحة أو فاتحة الكتاب قال جار الله الزمخشري في كتابه الكشاف: إنها مكية؛ لأنها أنزلت بمكة، وذلك هو المشهور، وقيل إنها أنزلت بمكة مرة، والمدينة مرة أخرى عند تحويل القبلة إلى الكعبة، والظاهر أنها مكية، نزلت عند فرض الصلاة بمكة، وكونها نزلت بعد ذلك بالمدينة تكرار للنزول، ولا نحسب ثمة حاجة للتكرار فإنها متى نزلت كانت واجبة التلاوة على أنها جزء من القرآن ولاحاجة إلى تكرار نزولها. وتسمى أم القرآن، لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى، بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد، وتسمى أيضا سورة الكنز، وسورة الوافية لذلك الشمول الإجمالي الذي اشتملت عليه فيما ذكرنا، وتسمى المثاني لأنها تثنى في كل ركعة ولأنها السبع المثاني. وتسمى سورة الصلاة، لأنها مأمور بقراءتها فيها، وتسمى الشفاء والشافية وهي سبع آيات بالاتفاق (١). وكلها أسماء سميت بها لمعان فيها، ولاحظَها من جوانبها من سماها، فكل اسم يمثل جانبا من جوانبها. ابتدئت الفاتحة كما ابتدئت كل سورة ما عدا براءة بـ " بسم الله الرحمن الرحيم "، وعدها الشافعي وفقهاء مكة جزءا من الفاتحة، لأن النبي ﷺ عدَّ الفاتحة سبع آيات، ولا تكون سبع آيات إلا إذا عدت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ جزءا منها، وعند أهل المدينة ومالك ليست جزءا من الفاتحة، وقد علمت القول المختلف في ذلك، وقد قررنا أنها جزء من القرآن وابتداء لكل سورة، وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: " ما بين دفتي المصحف قرآن "، وقد كانت

стр. 45

مكتوبة في مصحف عثمان ﵁ والمصحفين من قبله، وتواتر المصحف بتواتر القرآن، والإجماع انعقد على ذلك، ولم تنقل بخبر آحاد كما ادعى بعض المالكية. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (بِسْمِ) الباء هنا هي حرف جر يدل على السببية، وهي مبنية على الكسر كـ " لام " الأمر، والمعنى: بسبب اسم الله الذي لَا. يعبد سواه وأنه الرحمن الرحيم أبتدئ، فهي متعلقة بمحذوف يُذكر بعدها، لبيان اختصاص الابتداء أو التبرك باسم الله تعالى، فالتأخير يفيد الاهتمام بمتعلّق الباء ومزيد الاختصاص بالاستعانة والتيمن والتبرك به. والبسملة يبدأ بها في كل أمر ذي بال، كما قال ﷺ : " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم فَهُو أَبْتَر " والفعل الذي تعلقت به الباء محذوف، وكما ذكرنا يقدر مؤخرا، لأن المقدم يكون محل التخصيص. ولأن البسملة يبدأ بها كل أمر ذي بال، فإنه يقدر الفعل على حسب ما نبتدئ البسملة، ويرى بعض المفسرين أن يقدر الفعل المحذوف " أبتدئ "، لأنه يكون صالحا، لكل أمر ذي بال وشأن، والآخرون قالوا: إنه يقدر في القرآن أتلو أو أقرأ أو أرتل أو نحو ذلك، وبعض العلماء قال: إنها في القرآن الكريم في معنى القسم بأن القرآن حق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكون على هذا للقسم، ويقدر الفعل بـ " أُقسم ". والمعنى على ذلك في أول كل سورة اجعل قسمك بالله الرحمن الرحيم أن ما تتلو هو الحق الذي لاريب فيه، فهو الكتاب لَا ريب فيه هدى للمتقين.

стр. 46

و (اللَّهِ) هو لفظ الجلالة الدال على أنه وحده له كمال العبودية، واسم الله - قال بعض العلماء إنه المراد فيه الذات العلية فهو اسم يعني المسمى. والمعنى هو القسم بالذات العلية، وقرر بعض العلماء أن الاسم الأعلى هو المقصود بالافتتاح تبركا وتيمنا باسم الذات العلية، ولها المكان الأقدس من العباد تبارك الله، والاسم ذاته يتيمن به ويتبرك، فليس المراد بالاسم الذات؛ لأنها مذكورة، كما قال تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، وقوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، وهذا ما نميل إليه؛ لأنه لَا يحتاج إلى تحول من المعنى الأصلي لكلمة الاسم إلى غيره، ولأن إطلاق الاسم على المسمى من قبيل المجاز، ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، ولأن قصد الاسم الأسمى ابتداءً يفيد معنيين، وهو تقديس الاسم في كلمة بسم الله، وتقديس المسمى وهو الله سبحانه. ولو أطلق الاسم على المسمى، لكان تقديسا للذات العلية من غير إعالاء للاسم في ذاته، ولا شك أن الأول أبلغ تسبيح لله تعالى لقاء التبرك بذكره، والتيمن به علوا كبيرا. وكلمة (اللَّهِ) تعالى لَا تطلق إلا على الذات العلية خالق الكون، ومنشئ الوجود على غير مثال سبق، بديع السماوات والأرض. وقالوا: إن أصل كلمة الله: الإله، ثم كان حذف الهمزة، مع تقدير أنها مطوية في الكلام مقدرة فيه. والإله تطلق على المعبود، وتعم المعبود بحق وبغير حق، ولكن كلمة (اللَّهِ) تعالى لا تطلق إلا على المعبود بحق، فيُقال: آلهة المشركين، وآلهة الرومان، وآلهة المصريين، ولا يقال: " الله " إلا في مقام أنه الخالق المدبر المنشئ المستحق للعبادة؛ ولذلك كانت ألفاظ القرآن الكثيرة في مخاطبة المشركين، على أن الله تعالى معروف بأنه المنشئ، وأنه غير آلهتهم، فكانوا يقولون: الآلهة هبل، واللات، والعزى، ومناة الثالثة؛ يقولون عنها إله وآلهة ولا يقولون عن واحدة منها إنه " الله "، لقد قال تعالى

стр. 47

عنهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وكان يحتج عليهم بأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، وجدل القرآن الكريم لهم لإلزامهم بالتوحيد بأنهم يعترفون بأن الله تعالى خالق السماوات والأرض فهو الجدير وحده بالعبادة، اقرأ قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) ونرى من هذا أن العرب كانوا يعرفون الله ، وأنه الخالق لكل شيء وما كانوا يطلقون كلمة " الله " إلا على الخالق المدبر المنفرد بالإيجاد والإبداع، وما كانوا يطلقون على آلهتهم كلمة الله، وهذا عُرْف لغتهم ودلالتها. (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هذان وصفان لله تعالى قُرنا في البسملة، وكلاهما يدل على كمال رحمة الله تعالى في ذاته وعلى خلقه، والرحمة رقة في القلب، والله تعالى لَا يتصف بذلك؛ لأن هذا من صفات الحوادث، والله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما يراد من الأوصاف التي يتصف بمثلها العباد غايتها، وثمرتها، وثمرة الرحمة الإنعام الكامل، والنفع ودفع الضر، والرزق، وغفران الذنوب، وكلاءة الله تعالى لهم، والقيام على كل ما يمدهم به بالخير والنعمة.

стр. 48

والوصفان اقترنا واجتمعا في البسملة، كما اجتمعا في بسملة كتاب سليمان ﵇ لبلقيس، إذ قال تعالى: (إِنَّه مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّه بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهذه بسملة كبسملة أوائل السور، كما اجتمع الوصفان في آيتين أخريين من آيات القرآن، ففي أول سورة فصلت ذكر للقرآن الكريم، وقال سبحانه عن الذكر (تَنزِيلٌ منَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) وجاء في سورة الحشر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ). ولا شك أن الوصفين من أسماء الله الحسنى وصفاته، ولا شك أن لكل منهما معنًى قائمًا بذاته، منفردًا به عن الآخر. يقول الزمخشري (نقلا عن الزجاج): إن صيغة فَعْلان من الصيغ التي تدل على الامتلاء، كغضبان، وشبعان، وسكران، وجوعان، فإنها تدل على الامتلاء من الفعل الذي اشتُقت منه، فكذلك الرحمن معناها الممتلئ رحمة، ورحيم تدل على الاتصاف بالرحمة التي تليق بذاته العلية من غير امتلاء. ولذلك يقول الزمخشري ومن تبعه في دراساته البيانية للقرآن الكريم: إن " الرحمن " أبلغ من " الرحيم "، وإن كان كلامه تعالى كله فوق الكلام البشرى وما ترى فيه من تفاوت، وإن كان كله في أعلى درجات البيان لَا يساويه بيان للإنسان. وبدراسة اللفظين في القرآن يتبين لنا الفرق بينهما في الاستعمال القرآني السامي في بلاغته إلى ما لَا يتسامى إليه كلام بشر، ولا يدانيه شيءٌ من الكلام الإنساني. وعند الاتجاه إلى استقراء الآيات القرآنية نجد القرآن الكريم جمع بين الوصفين في آيتين غير البسملة وقد ذكرتا، وذكر وصف الرحمن منفردا في نحو ستين

стр. 49

موضعًا من كتاب الله العزيز، وكان يذكر ذلك الوصف السامي غير مضاف إلى فعل من الأفعال، ولا واقع على أحد كقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى. . .)، وكقوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)، وقوله تعالى: (الرَّحْمَن عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، ومثل قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). وهكذا في نحو ستين آية يذكر وصف الرحمن مجردا من الإضافة إلى شيء أو شخص أو فعل كما يذكر " الله " تعالى، وذكر وصف الرحيم منفردًا عن الرحمن في أكثر من ثلاثين ومائة آية، ونجد أنها مضافة إلى رحمته بالعباد مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ)، ومثل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ)، ومثل قوله تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). ومن هذه الموازنات بين استعمال القرآن لكلمة " رحمن "، واستعماله لكلمة " رحيم " ننتهي إلى ما يأتي: أولا: أن وصف الرحمن وصف ذاتي للذات العلية لَا يتعلق بفعل ولا بشخص يذكر، ولكنه وصف لله أو اسم له كلفظ الجلالة، ولكنه يشعرنا بالرحمة، كما أنه لفظ يشعر بالألوهية واستحقاق العبادة؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن كلمة " الرحمن " اسم لله تعالى، وأما " الرحيم " فهو وصف لله تعالى يتعلق برحمته بالعباد المكلفين المخاطبين بشريعته، والذين طلب منهم أن يقوموا بحق الله تعالى في إجابة أوامره، واجتناب نواهيه؛ ولذلك يقترن كثيرا بالتوبة والمغفرة.

стр. 50

ثانيا: أن الرحمة في " الرحمن " أكثر من " الرحيم "، ولذلك قالوا: إن رحمة الرحمن، هي الرحمة بالوجود كله، فبرحمة الرحمن يرزق الله من في السماوات والأرض، وبرحمته الواسعة ينزل الغيث، ويرسل الرياح، ومهَّد الأرض، وجعل الجبال، وبرحمة الرحمن بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وبرحمة الرحمن جازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). وهكذا كانت رحمة الرحمن شاملة الوجود كله، والرحيم متعلق في رحمته بالمكلفين. ثالثا: أن " الرحمن " أكثر رحمة لما في الوصف بالرحمة فيه من شمول يشمل الوجود الإنساني كله، ووصف " الرحيم " خاص بالمكلفين، كما يدل على ذلك سياق اللفظ في القرآن الكريم. ومن هذا الاستقراء والتتبع، واستنباط المعاني لألفاظ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من استعمال القرآن ننتهي إلى أن بيان معاني (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) أن الله يأمرنا أن نتلو القرآن مبتدئين تالين لآياته باسمه الأقدس. نتبرك به ونتيمن ونسبح باسمه، وهو الله الإله المتفرد بالخلق والتكوين والتدبير والمتفرد بالعبودية وحده ﷻ لأنه بديع السماوات والأرض والوجود كله، وهو " الرحمن " ذو الرحمة الواسعة التي تعم الوجود كله في السماوات والأرض، والدنيا والآخرة، المدبر للوجود برحمته، وهو " الرحيم " بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم، ويشرع لهم من الشرائع ما يكون خيرًا لهم في معادهم ومعاشهم، وهو بكل شيء عليم.

стр. 51

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) وسورة الفاتحة كما ذكرنا مكية، وقد أجمع العلماء على ذلك، بل إن بعض العلماء يدعي أنها أول سورة نزلت من القرآن، ولكن يخالفهم الأكثرون في ذلك، ويقررون أن أوَّل ما نزل من القرآن: (اقْرأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، وقد روى البيهقي في ذلك خبرا عن النبي ﷺ . وقد وفق العلماء بين ما رواه البيهقي وما هو مقرر من أن أول ما نزل (اقْرأْ بِاسْم رَبِّكَ) بأن الفاتحة هي الأولى نزولا، وهي سورة نزلت دفعة واحدة، أما الثانية فآية، وهي قد أخبرت عن الأولى - أي عن الفاتحة - الأمر بالقراءة، فالأمر بالقراءة يقتضي مقروءا. والذي أميل إليه أن الفاتحة ليست أول ما نزل من القرآن، ويرجح عندي أنها نزلت عندما فرضت الصلاة في الإسراء والمعراج. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الحمد هو الثناء الكامل على الأفعال الاختيارية، وعلى من تصدر عنه هذه الأفعال الاختيارية فيعم نفعها وهي مصدر الخير لهذا الوجود الكوني والإنساني. وهناك كلمات ثلاث تتلاقى معانيها في جملتها، وتختلف في دقتها، وهي كلمة " حمد "، وهي تكون كما ذكرنا الثناء الجميل على من يعمل أعمالا اختيارية عامة النفع، ودافعة للضرر للوجود كله بحكمة من يفعلها، والكلمة الثانية " المدح "، وهي الثناء على الصفات الذاتية، والشخصية الطيبة، فيقال: مدحت الصفات الطيبة في فلان، ولا يقال: حمدتها، إنما يقال: حمدت الله تعالى ومدحت خصال فلان، وقيل: إن الحمد والمدح مترادفان، ولعل قائل هذا القول

стр. 52

نظر إلى معنى الثناء فيهما من غير أن ينظر إلى الباعث، فإن الباعث في الحمد أعمال الإنعام والخير، والباعث على المدح الشخص والذات، فيقال: مدحت الجميل في صفاته الحسنة، وخلاله الكريمة، ولا يقال حمدته، ومن العلماء من قال إن المدح أعم، ومن قال العكس، ونميل إلى التفرقة بينهما باختلاف الموضوع. و" الشكر " امتلاء النفس بالإحساس بالنعمة، واندفاع النفس إلى الطاعة والخضوع، والقيام بحق المنعم ومقابلة الفضل والنعمة بالإحسان في الطاعة والواجبات، وقد قال تعالى في ذلك: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. . .)، ويقول ابن جرير الطبري: إن الحمد والشكر بمعنى واحد، والحق أنهما يتلاقيان ويختلفان، فيتلاقيان في معنى الإحساس بالنعمة والقيام بحقها، وما يجب بالنسبة للمنعم، ولكنهما يختلفان في القيام بحق المنعم، فالقيام بحق المنعم في الشكر الطاعة والعمل وجعل الجوارح كلها في طاعة الله تعالى، والخضوع المطلق لله تعالى في كل شأن من شئونه، وحال من أحواله. والقيام بحق المنعم في الحمد الثناء على الله تعالى ثناء مطلقا كاملا مع تذكر نعمائه، وتذكر ما يحيطه من الوجود كله، لَا في ناحية من نواحي شخصه؛ ولذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الحمد رأس الشكر " (١) والحمد ذاته عبادة والشكر يكون على النعمة وبالمثابرة على الطاعة والعبادة. ومهما يكن فالألفاظ الثلاثة متقاربة في مؤداها - وإن تخالفت في مدلولاتها و " ال " في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) للاستغراق والكمال، أي الحمد كله وبكماله لله تعالى وحده، فلا يستحق أحد من خلقه حمدا؛ لأن الحمد كما ذكرنا عبادة، والعبادة لله تعالى، وحده وحمد غيره عبادة لغيره، وشرك بالله تعالى، وأصل

стр. 53

الضلال يبتدئ من حمد غير الله، والثناء عليه، ثم ينقاد من بعد ذلك إلى ما يخرجه عن طاعة الله، فلا حمد إلا لله ولا ثناء إلا لله. وإن الحمد إنما هو ابتداءً على ما أنعم الله تعالى على الوجود الكوني والإنساني من غير وجود فيكون الحمد له وحده، وتُقرأ كلمة " الحمد لله " برفع الدال. والمعنى: الحمد الثابت الكامل المستغرق لكل صنوف الحمد هو لله وحده، ولا يحمد سواه؛ لأن كل نعم هذا الوجود الكوني والإنساني لله تعالى، فكل خير الوجود منه وإليه. وهناك قراءة بفتح الدال على أنه مصدر، ومنصوب بفعل محذوف، ويكون المؤدَّى للقول: احمَدِ الحمدَ كلَّه لله تعالى، فلا تحمدْ سواه، وإن حمد سواه شرك لما ذكرنا من أن الحمد ذاته عبادة، وهذه القراءة تفيد تجدد الحمد آنًا بعد آنٍٍ بالتذكير بنعم الله تعالى وآلائه، والقراءة السابقة تفيد دوام الحمد، كما تدل على ذلك الجملة الاسمية؛ لأنها تفيد الاستمرار. وإني أرى أن القراءات المتواترة كلها لَا تتباين، ولا تتضارب، بل تتلاقى، وتكمل واحدة معنًى في الأخرى، فبالجمع بين القراءتين يكون معنى النص السامي: اجعل الحمد دائما مستمرا ومتجددا؛ ليكون القلب دائما عامرا بذكر الله تعالى. (رَبِّ الْعَالَمِينَ) في هذا الوصف للذات العلية إشارة إلى سبب الحمد الكامل، الدائم المستمر المتجدد؛ لأنه هو المالك والسيد، والمربي لهم والرقيب عليهم، الذي ميزهم بالنعم المستمرة، والآلاء المتكررة التي لَا تنقطع أبدا. فالرب هو المالك وهو السيد، وهو المصلح والمدبر، والجابر والقائم على كل شيء، الذي يسير الوجود كله بحكمته وبقدره وإرادته.

стр. 54

و " الرب " وصف لله تعالى مأخوذ من ربَّ الشيء يَرُبُّهُ بمعنى قام بإصلاحه وتقويمه، وتتبَّعه بالإصلاح والتنمية في كل أدواره، وروي أن النبي ﷺ قال: " هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ تَرُبُّها " (١) أي تصلحها وتنميها، ثم أطلقت كلمة " رب " على الله ، وهذا المعنى يتلاقى مع " رَبَي "، فإن التربية هي الإصلاح والتغذية، والعمل على الإنماء، ولقد جاء في الصحاح للجوهري: " رَبَّ فُلانٌ ولده يَرُبُّهُ رَبًّا، وتَربِيَةً بمعنى: ربَّاهُ، والمربوب المُرَبَى ". وعلى ذلك يصح أن تقول إن الرب من رَبَّه، بمعنى نماه، أو من التربية بمعنى الإصلاح والإنماء، والمعنى في الحالين أن الله رب العالمين بمعنى مغذيهم ومنميهم والقائم عليهم، والمصلح لهم، والمدبر لأمورهم، وهو مربيهم لأنه القائم عليهم والمهذب لهم بما خلق فيهم من عقول مدركة تدرك الخير والشر، وتختار ما تفعل وتحاسَب على ما تقدم من خير فتنال به الثواب، وما تكسب من شر فينالها العقاب. وكلمة (الْعَالَمِينَ) يريد بها العقلاء من الملائكة والإنس والجن، فهو رب هؤلاء جميعا، هو الذي رباهم وأصلحهم، ودبر أمورهم، والعالَمون جمع لعالَم، وهو كل موجود غير الله تعالى، ولكن إذا جاءت " عالَمون " بجمع المذكر العاقل، أريد بها العقلاء ممن خلق الله تعالى، وقد أيد ذلك القول بقول ابن عباس ﵄: " العالَمون الجن والإنس "، ودليله قوله تعالى: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، فلا ينذر إلا الجن والإنس؛ لَا تنذر الجبال ولا الأرضون، وإنما ينذر العقلاء الذين يتصور الشر منهم، أو لَا يتصور كالملائكة، وقد قلنا إن لفظ العالمين يعمهم.

стр. 55

ويسأل سائل: لماذا جمع هنا، والأقرب الإفراد، ونقول ما قاله العلماء: إن المفرد هنا (وهو عالَم) أعم من الجمع، ولكن يبقى السؤال لم ذكر الجمع؟ أجابوا بأن في ذلك إشارة إلى أن كل عاقل، أو العاقلين بشكل عام فيهم العوالم كلها، ففيهم دقة التكوين وجمال التصوير وروعة الخلق، من عقل يدبر، ولسان وجوارح تتحرك، فجمع الله تعالى في عالم العقلاء كل العوالم الأخرى في إحكام الصنع وبديع التكوين كما قال تعالى في تقديم العلم بالنفس، وجلائل الخلق والتكوين: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، ففي الإنسان أكمل صورة للخلق والتكوين. * * *

стр. 56

(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) هذان وصفان من أوصاف الله تعالى، أو اسمان من أسمائه ذُكِرَا في مقام السببية لاستحقاق الله تعالى الحمد وحده، وقد ذكرنا هذين الوصفين في الكلام في البسملة، فلا نعيده، ولكن نذكر هنا مقامهما من النسق بعد قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فنقول إن " الرحمن والرحيم " يدلان على الرحمة التي يصلح بها الكون ويدبر أمره بحكمته وقدرته، فهو سبحانه يرب العالمين ويصلحهم رحيمًا بهم، ويصلح الكون والوجود كله برحمته الشاملة لاسمه الأعلى الرحمن. * * *

стр. 57

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) يوم الدين هو يوم الجزاء، وقيل يوم الطاعة، وقيل يوم الشريعة الحاكم على كل عقيدة باطلة، ومهما يكن من اختلاف هذه الألفاظ في مدلولاتها الخاصة، فإن النهاية تتجه إلى أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يجازى فيه المحسن بإحسانه، والمسيء

стр. 58

بإساءته، وهو الذي تجد فيه كل نفس ما عملت محضرا، يُعلِنُ ما تستحق من عقاب أو ثواب. و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فيه قراءات تختلف في أشكالها، ولا تختلف في مضمونها فقرئ هكذا: مالك يوم الدين، وقرئ: مليكِ يوم الدين، وقرئ: مَلِكِ يوم الدين، وقرأ أبو حنيفة ﵁: مَلَكَ يومَ الدين، وقرئ: مالكًا يومَ الدين، وقرئ: مالكٌ. والقراءات كلها تنتهي إلى معنى واحد، وإن كانت تختلف في أعاريبها، والنص العثماني يشملها جميعا، ولا تخالف في النسخ المتواتر، بيد أن قراءة النصب " مالكًا " تكون حالا من الذات العلية، أي أنه الرب للوجود كله والمنعم عليه بجلائل النعم؛ جليها وخفيها، حال كونه مالكًا من بعد ذلك ليوم الجزاء، الذي يجزي كل نفس ما كسبت، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، و " يوم الدين " تكون ظرفا غير مضاف إليه، وكذلك في قراءة الرفع مع التنوين يكون يوم الدين ظرفا للملك وكمال السلطان. وقراءة " مالك " تفيد أن كل شيء مملوك لله تعالى في ذلك اليوم، فالنفوس في مآلها وفي نهايتها ملك لله، ومستقبلها القريب والبعيد لله لَا تملك من أمرها شيئا، بل كما قال تعالى: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ)، وإذا كان يملك كل شيء في هذا اليوم، فالسلطان، والتدبير له، وحده الذي يملك الجزاء، والمغفرة إذا أراد، ولا إرادة لسواه، إنه الحكم العدل اللطيف الخبير. و" مَلْك "، و " مَلِك "، الفرق بينهما وبين قراءة " مالِك " كالفرق بين المصدرين، المِلْكِ، والمُلْك، فالمِلْك استيلاء على الأشياء يكون مردها إليه، والمُلْك السلطان

стр. 59

بالأمر والنهي وتنفيذ ما يريد، وألا يكون معه آمر ولا ناه ولا حاكم سواه، ولا إرادة فوق إرادته، ولا حكم فوق حكمه. ويلاحظ أن معنى المُلك يتضمنه بالاقتضاء معنى المِلْكِ، لأن من ملك شيئا ملك السلطان فيه، والسيطرة عليه، فالمِلْكَ يقتضي المُلْكَ والسلطان، والمُلْكُ لا يقتضي المِلك والسلطان، ولذلك يقال سبحان مالِك الملك، ولا يقال مَلِكُ الملك. ورأينا أن كل قراءة متواترة قرآن، وأن القرآن لَا يخالف بعضه بعضا، بل قد يُتِمُّ بعضه بعضا، وليس لنا أن نراجح بين قراءة وقراءة، لأن كلتيهما تتمم الأخرى. وخلاصة القول في القراءتين أن قراءة (مَلِك يوم الدين) موضِّحة لما تضمنته (مالك يوم الدين)، ولا نتصور أن تتعارض قراءتان متواتران؛ لأن القرآن لَا يضرب بعضه بعضا. وفي الإعراب " مالك " أو " مَلِكَ " مضاف إلى يوم الدين على أنه هو المسيطر المتصرف المالك لأحداث ذلك اليوم من جَزاء: ثواب أو عقاب أو مغفرة، وأنه واقع لَا محالة، وأن ما فيه في ملكه وتحت سلطانه وحده. وإن اسم الفاعل يدل على الاستقبال، فلا يقال إنه مالك لليوم واليوم لم يجئ، وإن الأزمان الماضي والحاضر والمستقبل كلها بالنسبة لله تعالى واحدة. هذا، ويلاحظ أن الأسماء أو الصفات هي كما أشرنا من قبل من قبيل السبب لانفراد الله تعالى بالحمد الكامل، فالربوبية الكاملة بالإنشاء لهذا الوجود وما فيه ومن فيه، وتعهده بالإنماء والتربية والتهذيب والتكميل، والرعاية لكل شيء، (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)، ثم رحمته الظاهرة والباطنة، والعاجلة والآجلة التي تعم الوجود كله من سماء

стр. 60

وأرضين، وشموس ونجوم، ورحمته الخاصة بعباده العاقلين المكلفين من قبول للتوبة، وغفران، وثواب. ثم كونه بعد ذلك مالكًا وحده ليوم الجزاء، كل هذه الأسماء والصفات من شأنها أن تجعله مستحقًّا للحمد الكامل بكل ضروبه، وفي كل الأحوال، وذلك بربوبيته الشاملة، ورحمته الكاملة، وامتلاكه وحده ليوم الجزاء. وإن الأسماء أو الصفات كما أنها سبب لانفراده باستحقاق الحمد، هي أيضا سبب لانفراده بالعبادة والاستعانة، وطلب الهداية، وقد التفت الكلام الحكيم من بعد ذلك من الإخبار باستحقاق الحمد لله تعالى وحده، وبيان جليل أسمائه إلى ذكر ما ينبغي للمؤمن من إفراده بالعبادة والاستعانة به دون غيره، والضراعة إليه في طلب الهداية، لذا قال سبحانه: * * *

стр. 61

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) كان الكلام السامي يسير على نهج الغيبة بذكر مقام الربوبية وأسماء الذات العلية التي هي أوصافها من شمول الرحمة في كل الأحوال ولكل الوجود إلى تخصيصها بالمكلفين من عباده. وبعد ذلك انتقل القول من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الانتقال من باب إلى باب في البيان يعطي للكلام روعة تليق بأبلغ من في الوجود، فالانتقال في القول من غيبة إلى خطاب يجدد في النفس الإقبال على الاستمتاع بالتلاوة، والاستمتاع بالسماع، والاعتبار بما في الكتاب، والإقبال الذي يتولد عنه التدبر والتفكر في آيات الله تعالى.

стр. 62

وإن الأوصاف السابقة لذات الله تعالى توجب على العبد التفكر في أمر الله تعالى وعبادته سبحانه، فكان من بعد ذلك ذكر أحوال العباد الواجبة، خاطبهم الله تعالى بكماله، فخاطبوه بما يليق بهم أن يفعلوه، وهو إفراده بالعبادة والاستعانة، وأن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم. وإن العباد إذ يتدبرون صفات الذات العلية، ويستحضرون جلالها، وإفضالها، وإنعامها وسلطانها يصلون في مداركهم إلى مرتبة المشاهدة الروحية لله تعالى؛ ويرتفعون إلى إدراك ملكوت الله تعالى ليخاطبوه قائلين: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). ولقد قال في هذا المقام العلامة أبو السعود في تفسيره: " إن حق التالي بعدما تأمل فيما سلف من تفرده تعالى بذاته الأقدس المستوجب العبودية بامتياز ذاته عما سواه بالكُلِّية، واستبداده بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميزة له سبحانه عن العالمين، وافتقار الكل إليه في الذات والوجود ابتداء وبقاء منه، أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان، وينتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهود، ويلاحظ نفسه حاضرا في محاضر الأنس كأنه واقف لدى مولاه، ماثل بين يديه، وهو يدعو بالخضوع والإخبات، ويقرع بالضراعة باب المناجاة قائلا: يا من هذه شئون ذاته وصفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، فإن كل ما سواك كائنا ما كان بمعزل عن الوجود فضلا عن استحقاقما أن يعبد أو يستعان " (١). وإن الارتفاع إلى مقام المشاهدة، ومخاطبة الله تعالى هو الذي من أجله كانت - أي الفاتحة - واجبة التلاوة في كل ركعة من ركعات الصلاة؛ لأن الصلاة وقوف بين يدي الديان، واتجاه إلى حضرته العلية، ومشاهدة روحية.

стр. 63

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) " إيَّا " ضمير منفصل أصله بمقتضى السياق العادي " نعبدك " فلما قدم الضمير انفصل، و " الكاف " حرف للدلالة على الخطاب، كما أن " الهاء " للدلالة على الغيبة في قوله: " إياه "، و " الياء " دلالة على المتكلم، و " إيانا " دلالة على المتكلمين، وهكذا. وقيل إن " الكاف " وأخواتها أجزاء من الضمير، وهو اختلاف إعرابي لَا جدوى فيه في مقامنا هذا. والعبادة أكمل أنواع الخضوغ، والتذلل لله تعالى، ولا تكون لغير الله تعالى، فهو وحده المعبود بحق، فلا يعبد سواه، وإن دوام العبادة والاستمرار عليها مع القيام بحقها من خشوع وخضوع لله وتذكر مقام الله العلي الأعلى، وحضور لذاته العلية كأنه يرى الله تعالى، مع الإحساس بأنه - سبحانه - يراه. إن دوام العبادة على هذا النحو تولِّد في نفسه صدق العبودية، فيحس في كل أحواله بأنه لله، ويحب الشيء لَا يحبه إلا لله، ويكون ربانيا، مستجيبا لأمر الله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ. . .). والاستعانة طلبُ العون من الله تعالى، مستحضرا ما في الذات العلية من صفات الربوبية، والرحمة، والسلطان المطلق يوم الجزاء؛ إذ لَا سلطان في يوم الدين لأحد سواه، وقد جاء (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) قبل (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ لأن العبادة حق الله تعالى، والتقدم إليه بالخضوع الذي لَا خضوع مثله، والاستعانة حق العبد أو طلبه العون له، فما هو حق أوثق وأولى بالتقديم، ولكن يجب أن نلاحظ أن الاستعانة والضراعة إلى الله تعالى، وإفراده سبحانه بطلب العون منه سبحانه هو عبادة أيضا، كما هو طلب من الله؛ لأن الدعاء المخلص لله تعالى هو عبادة في حد ذاته، حتى رُوى: " الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ " (١)، وكما قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضرُّعًا

стр. 64

وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ)، وإطلاق الاستعانة من غير متعلّق بذكر المستعان عليه من الأمور دال على أنه يستعين الله تعالى في كل أمور حياته. والاستعانة هي نوع من استصغار حاله بجوار عظمة الله تعالى، وافتقاره إليه تعالى، وأنه محتاج إليه دائما، ولا يركبه غرور الحياة والضلال في أن يُقِرَّ بنفسه الغرور، وهو استجابة وفهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). وإن من أعلى أبواب الاستعانة، الاستعانة بالله تعالى على أداء الواجبات والقيام بفروض الله تعالى، فهو يستعين بالله تعالى على أداء واجب العبادة ليصل إلى درجة العبودية، ويكون ربانيا. وتقديم (إِيَّاكَ) على (نَعْبُدُ) و (نَسْتَعِينُ) لتعظيم الله تعالى بذكره أولا، ولأن التقديم للاهتمام بالمعبود والمستعان؛ وللدلالة على أنه هو المختص بالعبادة وحده، وأنه لَا يستعان بغيره، وفي ذلك كمال التوحيد والخضوع له وحده ، ولقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): معناه نعبدك ولا نعبد غيرك. فتقديم إياك كما في قوله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)، وقوله سبحانه: (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)، وتكرار (وإِيَّاكَ) في (نَعْبُدُ) و (نَسْتَعِينُ)، لبيان التباين بينهما، وأن ذلك حق الله، وأن هذا طلب من العباد، ولتكرار النص على تخصيص ذلك بالله الواحد الأحد الفرد الصمد. وأول الاستعانة طلب الهداية؛ ولذلك قال تعالى: * * * (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦))

стр. 65

بعد أن ذكر دعاء العباد لربهم باختصاصه بالعبادة، طلبَ الاستعانة بالله تعالى في كل شيء مرغوب فيه محمود غير مذموم، وذكرت الاستعانة متجهة إلى الله تعالى من غير الباء، إذ هي تتعدى بها، فيقال استعان به، وتركت الباء للتوجه إلى الله تعالى من غير توسط، ولو كان توسطًا لفظيًّا بحرف الباء، والتوجه إلى الله وحده بحيث يواجه الذات العلية بإشراف النفس من غير رؤية ولا حسٍّ إلا أن يكون روحيا. وقد ذكر أعلى مراتب الاستعانة، وهي التي لَا تكون لأمور تتعلق بالرغبات الدنيوية ولو كانت في حلال، بل أعلاها ما يتعلق بالنفس وهدايتها، فقال سبحانه على لسان المتقين: (اهْدِنَا) ومجيء ذلك في كتاب الله تعالى وبقوله الحكيم تعليم وتربية للنفس المؤمنة أن تكون استعانتها بالله تعالى تكون أولا بطلب الهداية من الله، وقوله تعالى على ألسنة عباده المتقين: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو دعاء من العباد لربهم بأمره سبحانه، وذلك تجلٍّ من الله العلي الأعلى بالإرشاد والتعليم فقوله تعالى: (اهْدِنَا) والدعاء ذاته عبادة كما روينا عن رسول الله ﷺ : " ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء " (١). دعاؤهم بطلب الهداية، والهداية ذات مراتب يعلو بعضها فوق بعض. . المرتبة الأولى: أن يملأ نفوسهم وقلوبهم بالحق يميلون نحوه، ويتجهون إليه، وأن يكونوا ممن كتبت عليهم التقوى، وأن تكون هدايتها إلى نجد الخير، وقد قال، وقوله الحق: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، وقال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، وذلك ليكونوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 66

والمرتبة الثانية: بعد أن تصغي قلوبهم إلى الحق وتنفتح بقوله والنظر في بيناته وهي إقامة الدلائل على الحق ليتبعوه عن بينة، أو تنفتح نفوسهم وعقولهم لقبول ما تدل عليه آيات الكون وأدلة الحق وهي أماراته، بل بيناته من سماء ذات أبراج، وأرض ذات جبال كالأوتاد، وزروع وثمار، ذات بهجة للناظرين، وأن يتدبروا في ملكوت الله تعالى وخلقه فينظروا نظرة الإدراك والاعتبار كما قال تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦). هذه هي المرتبة الثانية من الهداية: وهي أن يهديهم سبحانه إلى مواضع العبر والاستدلال في آياته الكبرى في خلق السماء والأرض وما بينهما، وفي آياته الكونية، ما دقَّ منها وما جلَّ، فهو خالق كل شيء. أما المرتبة الثالثة: فهي إرسال الرسل هداة مبشرين ومنذرين، (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)، وإن إرسال الرسل للهداية والإرشاد، وتبليغ رسالته، إنما هو لكيلا يكون على الله حجة بعد الرسل، فهو بعد أن يخلق الخلق على الفطرة المستقيمة، والاستعداد للعلم بالوجود، وما فيه من أدلة على منشئ الوجود، ثم يؤيد العلم الفطري بعلم كسبي وهو علم النبوة الذي يجيء به رسول مبين يدعو إلى الهدى بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم. والمرتبة الرابعة: مرتبة الوحي والكشف وتعليم الله تعالى لخلقه، وهو ما يكون للرسل الكرام دعاة الحق والهداة إليه، فهداية الله تعالى بالوحي، أو إرسال رسول أو أن يكلمه الله تعالى من وراء شيء من خلقه، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .).

стр. 67

وهكذا هداية الله تعالى تبتدئ من هداية النفس والعقل إلى الحق وطلبه، ثم الإدراك للآيات البينات الدالة على واجب الوجود، ثم هداية الله تعالى بالرسل يرسلهم ليكونوا للعالمين نذيرا، ثم هداية الله تعالى بما يكون لرسله المصطفين الأخيار. (اهْدِنَا الصِّرَاطَ) إن هَدَى تتعدى بإلى وباللام كقوله تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)، وكقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ)، وقوله تعالى: (هدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، وقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. . .). ولكن هنا لم يتعلَّق قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) بـ " اللام " ولا بـ " إلى "، ولذلك حكمة بيانية، وذلك أنها تضمنت معنى الهداية باختيار خير عاقبة، فتضمنت الهداية معنى الاختيار، ويكون المعنى اهدنا مختارًا لنا في هدايتك الصراط المستقيم. و " اختار " تتعدى بنفسها من غير أداة جر كما قال: (وَاخْتَارَ موسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا). والصراط معناه الطريق الجدد أو الجادة، وقالوا إنه " السراط " بالسين، وبذلك قرئت في بعض القراءات المتواترة، وقالوا: إن الأصل في السراط الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يبتلع من يسلكه لاتساعه، وأنه جادة متسعة، لَا يبين سالكها، وقد وصف بأنه المستقيم لأن المستقيم أقرب خط بين نقطتين، فهو أقرب موصل للغاية المرجوة. والمعنى على هذا: اختر لنا يا رب العالمين أقرب طريق متسع يوصل إلى ما يرضيك، وهو غايتنا، ومطمعنا ورجاؤنا، والصراط المستقيم هو طريق الله الذي أمر

стр. 68

باتباعه، فقد قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .)، فهم يطلبون أن يهديهم الله تعالى إلى هذا الطريق المستقيم وهو صراط الذين أنعمت عليهم من عبادك الصالحين. * * *

стр. 69

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) هذا بيان للصراط المستقيم، أي المستوي الذي لَا اعوجاج فيه، وهو معبَّد لا يقف السائر فيه بعثرة يعثرها ولا بحجارة تدعثره، فإعراب (صراط الذين أنعمت عليهم) بدل من (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، يعمل فيها عامله (اهْدِنَا) فمعنى النص الكريم اهدنا طريق الذين أنعمت عليهم. وأصل النعمة ما يستلذه الإنسان أو يستطيبه، ولكنها هنا تفسر بأنها المنفعة التي تدوم، ويستطيبها القلب، سواء أكانت عاجلة أم آجلة، وسواء أكانت دنيوية أم كانت أخروية، وسواء أكانت مادية أم كانت روحية، وإن نعم الله تعالى على عباده لا يحصيها العدُّ ولا يحيط بها الحصر، كما قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)، فهناك نعمة الخلق الإنساني القويم والتكوين الجسمي السليم الذي يوجد أحيانا الغرور عند غير المؤمنين، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم الَّذِي خلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شَاءَ رَكَّبَكَ). ومن النعم أن يمكِّنه من زخارف الحياة من لباس حسن يلبسه، وزخرفة باهرة يزخرف بها مسكنه، وطيب رائحة يطيب بها نفسه، ويقبل بها على جمعه، فهذه نعم ظاهرة وباطنة، فإن آمن بالنعم وشكر له، فإنها نعمة، وإن غره الغرور، وفاخر بها، واستطال على الناس فإنها عند الله النقمة.

стр. 70

ومن النعم أن يحس بإشراق النفس وإخلاص القلب، والاتجاه إلى الله تعالى، وأن يكون مستقيم الفكر، نير المدارك، ولا يضل، بل يهتدي بما أنعم، ومن النعم نعمة الإخلاص في القول والصدق فيه، وأن يعمل العمل، لَا يعمله إلا لله، وأن يراقب الله في سره وجهره وعمله، حتى يصدق عليه قول النبي ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (١). إذا كان المؤمن كذلك يكون ممن هداه الله إلى صراط الذين أنعم عليهم، كما قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا). (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) المغضوب عليهم هم الذين ينزل عليهم غضب الله، ووراء غضبه عذابه إلا أن يتغمدهم الله برحمته فيتوبوا، والتوبة تجبُّ ما قبلها، وبذلك لَا يكونون من المغضوب عليهم، بل ينخلعون منهم، وإنما الأعمال بخواتيمها، وإنما المغضوب عليهم هم من انتهوا إلى ألا يتوبوا، وألا ينتهوا عما يوجب غضب الله تعالى. والذين ينطبق عليهم غضب الله تعالى لدوام شرهم، وبقاء فسادهم حتى يلقوا ربهم، وهم على هذه الحال - الكافرون سواء أكانوا وثنيين، وكثير ما هم في الماضي والحاضر، أم كانوا من الذين أوتوا الكتاب كاليهود - لعنهم الله - ونصارى بولس الذين يعبدون المسيح، وهو بريء منهم، هؤلاء هم المغضوب عليهم ولا ريب في نزول غضب الله تعالى بهم إلى يوم القيامة (غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم. . .). والضالون قال بعض العلماء إنهم النصارى لقوله تعالى: (قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)، وإنه لينطبق عليهم بلا ريب

стр. 71

وصف الضالين؛ لأنهم عند تخلِّيهم عن مبادئ المسيح أضلهم بولس وأشباهه، فضلوا، ثم أضلوا غيرهم من بعدهم، وكفروا بما جاء به المسيح، وضلوا ضلالا بعيدا، وكفروا، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم، كما توهموا وأوهموا فيما سموه رؤية العذراء، وكذبوا وافتروا، وحاولوا الإضلال كثيرا. ومع انطباق الضلال والتضليل عليهم أولى بهم ثم أولى أن يكونوا ممن غضب الله تعالى عليهم، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه، ويصح أن نقول: إن فيهم الأمرين، فهم مغضوب عليهم وهم يَضِلُّون، ويُضِلُّون كثيرا إلى اليوم كما رأيتَ في أمر العذراء. والضالون كما تدل الآية الكريمة هم الذين في حيرة من أمر اعتقادهم، لا يهتدون إلى عقيدة يطمئنون إليها ويسشقرون عليها، وليسوا مع هؤلاء ولا هؤلاء. . ولقد قيل إنهم المنافقون الذين ينطبق عليهم ذلك الوصف، وتلك الحال المضطربة. ولقد يكون ذلك من ناحية حالهم قريبا في ذاته؛ لأن النبي ﷺ وصفهم بالاضطراب والحيرة، فقال ﷺ " مَثَلُ المُنَافِقِ كمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرَةِ بَيْنَ غَنَمَيْنِ، إلَى أئهِمَا تَذْهب " (١)، فالمنافق ضال حائر، لايستقر على قرار، ولا يطمئن إلى إيمان أو كفر، والمنافقون كما وصفهم الله بقوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلا إِلَى هَؤُلَاءِ. . .). - وهم أيضا موضع غضب الله تعالى؛ لأنهم كفار كإخوانهم المغضوب عليهم، ولكنهم اختصوا بأنهم ليس لهم اعتقاد، فالمشركون لهم اعتقاد باطل، وكذلك النصارى واليهود يعتقدون اعتقادًا باطلا ليس لهم سلطان ولا حجة في اعتقادهم.

стр. 72

وقراءة الفاتحة مطلوبة في الصلاة بحيث لَا تكمل الصلاة إلا بها بيد أنها فرضٌ عند الشافعي لَا تصح الصلاة إلا بها، وكذلك عند الجمهور لقوله ﷺ : " لا صَلاةَ لمن لم يقرأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ " (١)، ولذلك سميت الصلاة، كما ذكرنا من قبل، لأن الصلاة ملازمة لها، ومن المجاز المرسل أن يسمى اللازم باسم الملزوم؛ ولأن النبي ﷺ ما عُرف أنه ترك قراءة الفاتحة. وعند أبي حنيفة ﵁ الفاتحة واجبة، والواجب عند الحنفية دون الفرض؛ لأن الفرض ما ثبت طلبه حتما بدليل قطعي لَا شبهة فيه. والواجب ما ثبت طلبه الحتمي بدليل ظني فيه شبهة، والفرض في الصلاة بالنسبة للقراءة قراءة ما تيسر من القرآن لقوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. . .)؛ ولذلك لو ترك الفاتحة وقرأ أي قدر من القرآن تصح صلاته، وإن كانت غير كاملة؛ لأن الفاتحة تعينت للوجوب بدليل ظني فيه شبهة، وهو حديث الآحاد. * * * و (آمين) يجب النطق بها عقب قراءة الفاتحة لقول النبي ﷺ : " وعلمني جبريل آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة "، وقال: " إنه كالختم على الكتاب " (٢)، فقد روي أن عليا كرم الله تعالى وجهه قال: (آمين خاتم رب العالمين) (٣) روي عن وَائِلِ ابنِ حُجْرٍ أن النبي ﷺ قال: " ولا الضالين آمين " (٤)، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين " (٥)

стр. 73

وهكذا جاءت الأخبار عن النبي ﷺ ، بذكر آمين من المأمومين عندما يقرأ الإمام (وَلَا الضَّالِّينَ)، والمنفرد ينطق بها، وبذلك قال جمهور الفقهاء وروى أن أبا حنيفة لم يلتزم ولم يلزم بقولها، وروي عنه أنه يخفت بها ولا يجهر عند قول الإمام ولا الضالين، ومهما يكن ما روي بالنسبة لها من أخبار فإن المجمع عليه أنها ليست من القرآن فهي زيادة بطلب إجابة الدعاء الذي اشتملت عليه فاتحة الكتاب من الضراعة والاستعانة وطلب الهداية، فهي اسم فعل بمعنى استجب. وإنما أجمع على أنها ليست من القرآن لأنها ليست بين دفتي المصحف كالبسملة، ولأن النبي ﷺ مع طلبها لم يذكر أنها قرآن ولا من القرآن. ورد أنه ﵊ قال لأبيٍّ بن كعمب: " ألا أخبرك بسورة لم تنزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها، قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: " إنها الفاتحة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " (١). تم - بحمد الله - تفسير سورة الفاتحة * * *

стр. 74

(سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (بين يدي السورة) سورة البقرة مدنية نزلت في المدينة في مُدد، وقيل إنها أول سورة نزلت بالمدينة، وقد ادعى بعض العلماء أن بعض هذه السورة كان آخر آية نزلت من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. . .)، نزلت في حجة الوداع بمنى، وهي على هذا باعتبار نزولها في مكة تكون مكية. وإن الذي نراه أن فيصل التفرقة بين المكي والمدني، ليس هو مكان النزول، إنما هو كونه بعد الهجرة أو قبلها، فإن كان قبلها، فهو مكي، وإن كان بعدها فهو مدني ولو نزل بمكة، إذ إن الفارق بين المكي والمدني موضوعي، لَا مكاني إذ إن أكثر الموضوعات التي تتصدى لها السور والآيات المكية: بيان أصل العقيدة الإسلامية، ومجادلة المشركين حولها، وسوق الأدلة لبطلان الوثنية، وتأكيد الوحدانية، والتعرض لأحوال المشركين، ومعاداتهم للنبي ﷺ ومن آمن معه، وأخبار المبادرة بالدعوة وإنذار العشيرة، كما قال تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وهكذا أكثر القرآن المكي يتعرض لإثبات العقيدة، ومجادلة من ينكرونها من عبدة الأوثان. أما السور المدنية وآياتها، فإنها تبين الأحكام الفرعية، وأحوال أهل الكتاب مع أهل الإيمان، وتنظيم الدولة الإسلامية، وسن النظم لتكوينها، وتكوين

стр. 75

المجتمع الفاضل الذي تقوم عليه، وما يحل وما يحرم في هذا المجتمع، وفيها قيام الأسرة الإسلامية التي تقوم على تقوى من الله تعالى، ورضوان من الله ورحمة. وإذا كانت السور المكية فيها الإشارات لإيذاء المؤمنين، واستضعافهم، مع رجاء القوة كقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضعِفوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثينَ). إذا كانت السور المكية فيها إشارة إلى الاستضعاف فالسور المدنية فيها الإذن بالقتال، وتنظيمه، والسير به في طريق الحق والعدل، وبيان الغاية من القتال ونهايته، وهي منع الفتنة في الدين. وسورة البقرة أطول سور القرآن، وسميت البقرة لأظهر الحوادث التي ذكرتها، وأغربها، وهي بقرة بني إسرائيل التي لجوا في السؤال عنها، وما تدل على أخلاقهم من اللجاجة في القول، وإرادة التلبيس في الأمر الواضح البين، فقد كانوا كلما زادت لجاجتهم زاد الأمر تعقيدا عليهم، وتلبيسا على أنفسهم. * * * (موضوعات السورة) وبمقدار ما في السورة من طول، كان فيها القدر الأكبر من الموضوعات، فهو طول في كثرة الآيات، وليس طولا مما يمجه علماء البلاغة، فهو كثرة موضوعات وليس بطول ممل، وها نحن أولاء نشير إلى موضوعاتها قبل الخوض في تفسيرها. ابتُدِئت السورة الكريمة بذكر شأن الكتاب الكريم، وشرف الذين يؤمنون به، وأنهم الذين يؤمنون بالغيب. ثم ذكر القسم المقابل لأهل الإيمان وهم الكافرون الذين لَا تجدي فيهم الآيات والنُذُر سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يؤمنون، وأنهم صم بكم لَا يعقلون. ثم ذكر أمر الحائرين الذين يترددون بين الإيمان والكفر، وهو يحيط بهم، وهم المنافقون الذين يحسبون أنفسهم أنهم المصلحون في الأرض، وهم المفسدون.
следующие страницы →