وبيَّن أخلاق النفاق، إذ يعاهدون الله لئن آتاهم من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به، وتولوا وهم معرضون، وبذلك زادوا نفاقا لأن نفوسهم تمرست به.
وإن أولئك المنافقين حياتهم سخرية بالمؤمنين، فالذين يطوعون أنفسهم في الجهاد والذين لَا يجدون إلا جهدهم يلومونهم، ويسخرون منهم، ولقد كان النبي ﷺ ككل رسول يطلب لهم الهداية، وككل قائد يستغفر لهم لكي يقربوا بدل أن تبعد نفوسهم. ولكن الله تعالى بين أنه لن يغفر الله لهم (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠).
وإذا خرج النبي لجهاد عام، كما في غزوة تبوك تخلفوا وفرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، (. . . وقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشدّ حَرًّا لَّوْ كَانوا يَفْقَهُونَ).
بعد ذلك كشف الله أمر النفاق وأمر الله تعالى نبيه أن يقول: (. . . لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤).
وإنهم كلما نزلت سورة تدعو إلى الجهاد (اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧).
وقد بين الله حال الرسول والذين معه يجاهدون بأموالهم وأنفسهم، وبيَّن حكم ذوي الأعذار فقال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى
стр. 4342
الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢).
وقد بيَّن بعد ذلك أن الذي يؤاخذ الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع الله على قلوبهم فهم لَا يعلمون (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤).
ومن مظاهر النفاق كثرة الحلف ولذا قال الله تعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦).
بعد ذلك بيَّن الله تعالى أحوال الأعراب، وهم الذين وجد المنافقون فيهم مرتعا خصبا، فذكر أنهم (. . . أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨).
وقد أنصف الله تعالى بعض الأعراب وهم الذين آمنوا، (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩).
وقد ذكر السابقين من المهاجرين والأنصار الذين كانوا دعامة الإسلامِ وقوته (. . . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠).
عاد إلى حديث المنافقين فذكر أن أكثرهم حول المدينة وفي المدينة الذين مردوا على النفاق وتربوا عليه، وعلىٍ رأسهم عبد الله بن أُبي (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ
стр. 4343
نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢).
وقد أمر الله تعالى بعد ذكر المنافقين أن تؤخذ الزكاة، فهي كاشفة النفاق، ونماء المؤمنين وطهارتهم. ثِم فتحِ باب التوبة للآثمين وحث على العمل: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥).
وبيَّن أن من الذين خوطبوا بالدعوة مرجون لأمر الله إما أن يعذبهم دماما أن يتوب عليهم والله عليم حكيم، وأن المنافقين الذين حول المدينة قد اتخذوا مسجدا يتلقون المعلومات من أعداء الله والرسولِ، والذي سمي مسجد الضرار، وقال الله تعالى فيه: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠).
وبعد هذه الآيات التي ذكرت المنافقين، ومن يدورون حول فلكهم، ومن يتقربون منهم - ذكر الله تعالى المؤمنين الصادقين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة (. . . يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١).
وقد ذكر الله بعد ذلك أوصافهم البرة، فقال سبحانه:
(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢).
стр. 4344
وقد ذكر الله تعالى أنه ما كان لنبي أن يستغفر للمشركين، ولو كانوا أُولي قربى، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، وإن الذين اهتدوا ما كان الله ليضلهم بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم.
وقد بيَّن سبحانه سلطانه في ملك السماوات والأرض، ثم بين سبحانه توبته على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمهاجرين الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم.
وكان من المؤمنين الصادقين من تخلفوا في غزوة تبوك من غير عذر من الأعذار التي ذكرها القرآن فرباهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو خير المربين - بالإعراض عنهم حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لَا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم.
وقد أمر الله المؤمنين الصادقين بأن يلتزِموا. وقد وضع مبدأ ثانيا مقررا فقال: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١).
وإن الله خفف على المؤمنين بألا ينفروا جميعا، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.
ثم أمر بجهاد الذين يلونهم من الكفار؛ لأنهم يحادونهم فقال: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).
(براءة)، مِن برئ منه إذا خلص في تبعته وعهدته، وبرئ براءة من عهده إذا تخلص من تبعاته و (بَرَاءَةٌ منَ اللَّهِ وَرَسولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكينَ)، أي لَا تبعة بالنسبة للذين عاهدتم، فعهودكم رد لَا يؤخذ بها.
وقالوا: نسبت العهود للذين آمنوا على أنهم هم الذين عاهدوا لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذي عاهد باسمهم، كما يتعهد رئيس الدولة باسم رعاياها والمنتمين إليها، إذ هم بمقتضى عهدة الحكم هم الذين فوضوا إليه، وأسند العهد إليهم، والبراءة من العهد إلى الله تعالى، لأن هذه البراءة حكم شرعي بنقض العهد مع المشركين الذين نقضوا عهودهم، واستمروا على شركهم، - وكانوا إلبًا على المسلمين، حتى غلبوا على أمرهم، وكان ذلك في حرب المؤمنين مع أهل الطائف، وكان قد قرب زمان الأشهر الحرم، فأنهاها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ومع أن العهود المطلقة غير المحدودة بمدة قد انتهت، وبرئ الله ورسوله منها، فإن لهم أربعة أشهر، الحرب فيها حرام لَا تُبتدأ فيها، وأن الأربعة الأشهر هي الحرم، بدليل أن الله جعل نهايتها انسلاخ الأشهر، فقال: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ. . .).
وقوله تعالى:
стр. 4348
(فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. . . (٢)
والفاء هنا لتفصيل ما يكون بعد البراءة من العهد، فذكر سبحانه أنهم في أمان من القتال لمدة أربعة أشهر هي الأشهر الحرم، وكلمة (فَسِيحُوا فِي الأَرضِ) أي سيروا فيها آمنين من القتل والقتال، ولمدة أربعة أشهر، ولكن اعلموا أنكم لَا تعجزون الله تعالى، فلا تحسبوا أنكم أمنتم إلى النهاية ولذا قال تعالى: (. . . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ)
стр. 4349
عن أن ينالكم عذابه في الدنيا والآخرة، فاطمئنوا فقط في أربعة الأشهر الحرم، وقد بينها النبي ﷺ فذكر أنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، وتلك الثلاثة الأولى أشهر الحج والذهاب إليه والأوبة منه ورجب الذي بين جمادى الآخر وشعبان (١) شهر عمرة فإذا كان الله ترككم تسيحون في الأرض فلستم بمعجزى الله و (. . . وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) أي منزل بهم الخزي بإنزال الهزيمة بهم، وإضعاف شوكتهم، وذهاب تطاولهم، وسيطرتهم على البلاد العربية.
وإنه لكي تتجلى هذه الآيات نقتبس كلمة من الصحاح، والسورة تبين نزول هذه الآيات ومواقيت نزولها - فتح النبي ﷺ مكة سنة ثمان، وأناب عنه في الحج هذا العام عتاب بن أسيد، وفي سنة تسع امتنع عن أن يحج بنفسه، لأن المشركين كانوا يحجون، وكانت قريش يحجون عرايا، فلم يرد أن يراهم كذلك في الحج، وأناب أبا بكر عنه في الحج هذا العام، وقد نزلت سورة براءة في شهر شوال من هذه السنة، فأمر النبي ﷺ عليا أن يبلغهم أربعين آية من أولها، وقيل أقل من ذلك، فأتبع أبا بكر عليا بها، فلما دنا عليّ من أبي بكر وهو راكب العضباء ناقة رسول الله ﷺ سمع رغاءها فوقف وقال: هذه ناقة رسول الله ﷺ فلما لحق به عليّ قال أبو بكر: أمير أم مأمور، قال عليّ: بل مأمور، فلما كان يوم التروية اليوم الثامن من ذي الحجة خطب أبو بكر، وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي ﵁ وقال: إني رسول رسول الله إليكم، فقالوا: بماذا، فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية. وعن مجاهد ثلاث عشرة آية، ثم قال أمرت بأربع: ألا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتمم إلى كل ذي عهد عهده.
стр. 4350
عندئذ قال من حضر من المشركين: يا عليّ، أبلغ ابن عمك أنَّا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف.
وإن هذا يدل على أنهم ابتدأوا بنبذ العهد، وأن الله ورسوله عندما برأنا من العهد كانوا هم المبتدئين بالنبذ، فكانت البراءة من عهودهم مجاوبة لهم في نبذها، وأباح الله تعالى أن سيحوا في الأرض أربعة أشهر.
стр. 4351
(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)
قوله تعالى: (وَأَذَان مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الواو عاطفة (أذان) على (براءة)، وبراءة هي براءة الله من الذين عاهدهم النبي ﷺ والمؤمنون من المشركين لنكثهم عهدهم، كما أعلنوا ذلك لعليّ رسول رسول الله ﷺ ، ولأنهم لَا أيمان لهم، ولا عهد لهم.
أما الأذان فهو الإعلام، وهو بمعنى الإيذان، كالعطاء بمعنى الإعطاء وهو إعلام الناس جميعا مع من كان معاهدا ونكث، ومن لم يكن عاهد من المسلمين، وهو إعلام بالبراءة من المشركين، ولذا كان موضوع الإعلام أن الله بريء من المشركين وَرَسُولُهُ، فلا عهود لهم إن نكثوها ولا عهود لمن لَا عهد له من قبل، إلا إن استقاموا عليه ولم يظاهروا على المؤمنين.
(أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ منَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ) بالفتح على تقدير الباء، والمعنى إيذان بأن الله بريء من المشركين، وحذف الباء قبل أن. وهذا كثيرا في كلام العرب، وقرى بكسر (إن) (١) لأن الإيذان يتضمن معنى القول و (إن) تكسر بعد القول.
(وَرَسُولُهُ) بالرفع معطوفة على اسم، وهو لفظ الجلالة، وإن ذلك جائز إذ يعطف على اسم بالرفع إذا كان الخبر قد تم، ويقول الزمخشري: إنه يعطف على الضمير المقدر في (بريء)، وهو اختلاف لفظي لَا جدوى فيه من حيث المعنى.
стр. 4352
وإن الإعلام الذي أعلمه اللَّه ورسوله للمشركين هو ما روي عن علي ﵁: " فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة - فقال: ما كنتم تنادون به؛ قال: كنا ننادي أنه لَا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف بالبيت عريان، وما كان بينه وبين رسول الله عهد فإن أجله أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين، ورسوله، ولا يحج إلى هذا البيت بعد العام مشرك " (١) والرواية الراجحة التي تتفق مع المعنى القرآني هي أن يتم لكل ذي عهد عهده، لا أن يكون أربعة أشهر لَا يزيد عليها، كما ستبين ذلك الآية الآتية.
ويوم الحج الأكبر قيل هو يوم عرفة، ورجح الأكثرون أنه يوم النحر (٢)؛ لأنه وإن كان الحج عرفة لَا يتم به الحج، دمانما يتم الحج بالطواف الركن، وهو طواف الإفاضة، ويوم النحر يتوسط بين عرفة وهذا الطواف، ولأن الروايات تضافرت على أن عليا آذن يوم النحر، وقال ذلك عند العقبة.
وسمى الحج الأكبر في مقام العمرة؛ لأنهم يسمونها الحج الأصغر، ولأنه في يوم النحر تكون أكثر أعمال الحج قد أديت، وقال الحسن البصري: إنه اجتمع في الحج في السنة التاسعة المشركون والمؤمنون، وقال: وقد وافق عبادة أهل الكتاب ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده.
ونسبة هذا القول إلى التابعي المؤمن الحسن البصري وجدته في الكشاف للزمخشري وأنا أشك في نسبته إليه أو نسبة ما قاله عن اتفاق الحج مع عبادة أهل الكتاب، وتسميته بالحج الأكبر لذلك؛ لأن عبادة أهل الكتاب لَا عبرة بها عند أهل الإيمان ولا عند الله، فإنه بعد بعثة النبي ﷺ وجب عليهم اتباعه فيما أتى به من عبادة كما قال ﷺ : " لو كان موسى بن عمران حيًّا ما وسعه إلا اتباعي " (٣).
стр. 4353
وبراءة الله ورسوله من المشركين تتناول عهودهم التي نكثوا فيها، وتتناول شركهم، وتتناول طريقة حجهم وفيها إيماء بمنعهِم، ولقد صرحت به - الآية الكريمة من بعد، إذ قال تعالى: (. . . إِنَّمَا الْمُشْرِكونَ نجسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. . .) وقد فتح الله تعالى باب التوبة والرجوع إلى الله تعالى.
ولذا قال تعالى: (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْر لكُمْ) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان الالتفات لأنه فيه انتقل من البراءة منهم إلى تقربهم إليه بفتح باب التوبة لهم بخطاب الله تعالى لهم مبشرا إن تابوا منذرا إن استمروا في غيهم، فإن تبتم عن الشرك وعن الطواف عرايا وعن عداوة الرسول فهو خير لكم، أي فالرجوع إلى الله تعالى هو خير لكم إذ تطهرون عقولكم ونفوسكم، ومجتمعكم، وما ورثتم عن جدكم إبراهيم.
(وِإن تَوَليْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) أي إن أعرضتم عن سماع الحق والاستجابة له، والإذعان، وإسلام الوجه فيجب أن تضعوا في علمكم أنكم تحادون الله تعالى، وأن الله تعالى غالب ولا يمكن أن تعجزوه فهو مالك السماوات والأرض، وهو القاهر فوق عباده، فلن تعجزوه في الدنيا والآخرة، وقد كان الالتفات بالخطاب فيه تربية المهابة، وهي تزيد الإنذار قوة.
ثم قال في بيان عذابهم في الدنيا والآخرة: (. . . وَبَشرِ الَّذِينَ كفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم) أي مؤلم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بالهزائم المتوالية وفي الآخرة بالجحيم.
وفى الكلام إشارتان بيانيتان:
أولاهما: أن التبشير يكون بالخبر السار، فإذا ذكرت في الأخبار المفزعة المؤسفة، فذلك لَا يخلو من تهكم واستهزاء، ومن هذا قوله تعالى:
(وَبَشِرِ. . . بِعَذَابٍ أَلِيم).
стр. 4354
الثانية: في التعبير بالموصول في قوله تعالى: (الَّذِينَ كفَروا) فإنه يشير إلى أن العلة في عذابهم الأليم هي كفرهم، فإن تابوا فنعيم مقيم.
وإن الله العادل الحكيم قد استثنى من المشركين من لهم عهوِد راعوها حق رعايتها فقال:
стр. 4355
(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)
الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عًاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكينَ)، قال الزمخشري: الاستثناء من (فَسيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهر). وأرى أن الاستثناء منِ الذين تبرأ الله تعالى من عهدهم ونبذه إليهم في قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ منَ اللَّهِ وَرسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتم مِنَ الْمًشْرِكينَ)، فكان الاستثناء من هؤلاء أي أن الله بريء من عهد هؤلاء؛ لأنهم خاضوا في عهدهم ونقضوه، وقد رأيت أنهم بادروا بالنقض عندما أخبرهم عليّ كرم الله وجهه أنه لَا يدخل البيت الحرام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. . . فبادروا بنقض عهودهم، وقالوا ليس بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن بالرماح، والضرب بالسيوف.
أما الذين وفوا بعهودهم ولم ينقضوا شيئا منها، ولم يظاهروا عليكم أحدا فعهدهم باق مستمر، وليس الكفر وحده؛ فقد كان التعاقد وهم كفار وهذا قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا) والتعبير بـ (ثُمَّ) للدلالة على دوام وفائهم، وأنهم مع كونهم عرضة للنكث والنقض كإخوانهم المشركين ضبطوا أنفسهم ولم ينكثوا في عهدهم، ولم ينقصوا المسلمين - مع بغضهم لأهل الإيمان - شيئا من شروط العهد، بل وفوا به حق الوفاء، والوفاء جدير بالوفاء من أهل الإيمان كما قال تعالى: (. . . وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)، وكما وصفهم الله تعالى بأنهم لم ينقصوكم شينا مما عاهدوا عليه - ذكر وصفا دالا على الوفاء والمبالغة فيه، فقال تعالى: (وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا) أي لم يعاونوا أحدا من أعدائكم بأن يكونوا في ظهره يدفعونه إلى اللجاجة في عهدكم كما فعل بنو النضير وقريظة، وغيرهم من أعداء
стр. 4356
الله الذين عاهدوا النبي ﷺ ثم ظاهروا المشركين، وعاونوهم، وأظهروا عورات المؤمنين.
وهناك في قوله تعالى: (لَمْ يَنقُصُوكُمْ) بالصاد المهملة قراءة أخرى بالضاد المعجمة (١)، أي لم ينقضوكم شيئا من النقض، ولو في جزئية من جزئيات العهد أي وفوا وفاء كاملا لَا نقض فيه.
وقال تعالى: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنهم إن وفوا ولم ينقصوا ولم يظاهروا عليكم فأوفوا لهم، وأتموا عهدهم إلى مدتهم. وأضاف العهد إليهم باعتبار أن متعة الانتفاع بالعهد لهم، وأضاف المدة إليهم لأنهم الذين ينتفعون بهذه المدة كما انتفعوا بالعهد ذاته، ثم ختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) أي الذين يتقون الله تعالى بأن يجعلوا بينهم وبين عذاب النار وقاية، ومن التقوى الوفاء بالعهد، فهي تعليل للاستثناء، وتمام العهد أن الوفاء في العهد من تمام التقوى، ومن فضل الأقوياء.
هذا شأن الذين وفوا بعهودهم، أما الذين لم يوفوا بعهودهم فإنهم يسيحون أربعة أشهر يحرم فيها القتال، وبعد ذلك يكون القتال.
* * *
قال تعالى:
(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)
(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) يقال: سلخت الشهر إذا صرت في آخر أيامه، أي إذا مضت الأشهر الحرم وانتهت، والأشهر الحرم يقول الزمخشري: إنها التي حرم فيها القتال من وقت الحج الأكبر وهي من عشرة ذي الحجة، وهي أربعة تنتهي بعشرة من ربيع الأول، ولم يذكر أنها الأشهر الحرم الأربعة المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ. . .) وقد بينها النبي ﷺ بأنها ثلاثة سرد، وواحد فرد، الثلاثة ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، والواحد الفرد رجب الذي بين جمادى وشعبان.
والأكثرون على أن الأشهر الحرم في هذه الآية هي هذه الأربعة التي بينها النبي ﷺ ، وانسلاخها أي يكون القتال فيما عداها، سواء أكانت بعد انتهاء الثلاثة السرد أم بعد انتهاء رجب، أي لَا قتال في الثلاثة، ويجوز القتال بعدها إلى رجب، ثم يستأنف بعد رجب؛ وذلك ليكون الطريق إلى الحج مأمونا، ولتكون بين المتقاتلين هدنة ترجع فيها القضب إلى أجفانها، وتستيقظ العقول، ولقد قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. . .).
стр. 4359
ويقول تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكينَ حَيثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) لأنه قد أصبح دمهم مباحا، فقد نقضوا العهد، ولم يدخلوا في الإسلام، وقد تحدوا الله ورسوله، وأشركوا، والعلاقة في أصلها كانت حربا انتهت بالعهد فنقضوه، وقد أعطاهم مهلة ساحوا فيها في الأرض آمنين، ولم يحدثوا توبة ورجوعا إلى الحق، فلم يبق إلا القتال. وقوله تعالى: (حيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ) يشمل الحل والحرم؛ لأنهم ممنوعون من المسجد الحرام، وهم مقاتلون، والله تعالى يقول: (. . . وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ. . .).
(وَخُذُوهُمْ) أي شدوا الوثاق، فقد أثخنتموهم، وغلبتم عليهم فلكم أن تأسروا منهم من تشاءون، (وَاحْصُرُوهُمْ) أي امنعوهم من التقلب في البلاد، وعن ابن عباس: أي امنعوهم من المسجد الحرام لَا يدخلوه؛ لأن النبي ﷺ بأمر ربه قرر ألا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.
ثم قال تعالى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) أي في كل ممر، يعني اتخذوا القتل والتتبع المستمر لهم في كل ممر، وكل مرصد " ظرف " أي اقعدوا لهم في كل مكان مترصدين لهم، لَا ينجون منكم ما داموا على كفرهم، والله تعالى يفتح باب التوبة دائما، ولذا قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) التوبة هنا ترك الشرك، وذكر الله التوبة، وذكر بعدها إقامة الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ لأن هذا - يجعل الإيمان صادقا من غير نفاق وفيه خضوع لأوامر الله تعالى واتباع لأوامره، ونواهيه، ولأنه لابد للإيمان من شواهد. وقال في جواب الشرط (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) أي افتحوا الطريق أمامهم، ولا ترهقوهم بقتل ولا أسر، ولا منع من البيت، وعن ابن عباس: دعوهم وإتيان المسجد الحرام.
وختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رحِيمٌ) أي إن الله تعالى كثير المغفرة وكثير الرحمة، وقد أكد الله غفرانه ورحمته بـ " إنَّ " الدالة على التأكيد، وبالجملة الاسمية، وبصيغ الصفة المشبهة الدالة على الدوام والاستمرار لغفرانه ورحمته.
стр. 4360
(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)
لقد أرسل محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - داعيا إلى الحق وصراط مستقيم، ولم يرسل للقتال والغلب، وما كان القتال إلا لمنع الفتنة في الدين، وتأمين الدعوة، ولذلك فتح الباب للدعوة في كل الميادين، في الحرب وفي السلم، في العهد وفي نكث العهد على سواء، فأولئك الذين نكثوا عهودهم وأبيحت دماؤهم - يقتلون حيثما كانوا، وإذا جاء أحدهم يطلب جوار التجارة أو رسالة، أو لمجرد الأمان فإنه يجاب، ويكون في أمن المؤمنين، حتى يسمع كلام الله ويفهمه ويتدبره، ثم يبلغ مأمنه، ولذا قال سبحانه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ) ولقد قال النحويون إن كلمة (أحد) فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعد (أحد)، ولأن (إنْ) لَا تدخل على الاسم، فيقدر لها فعل، ويكون نسق القول، وإن استجارك أحد من المشركين، وهنا يسأل السائل لِمَ قُدِم أحد، واحتجنا لسياق النحو إلى هذا التأويل؟ والجواب عن ذلك، أن الاهتمام لهذا الترك أولا لا للاستجارة في ذاتها؛ لأنه المقصود إذ هدايته مطلوبة أولا وبالذات، وليست الاستجارة هي المطلوبة، والاستجارة طلب الجوار بأن يعيش في أمن دولة، والجوار هذا أمان مؤقت حتى يسمع كلام الله ويتفهمه ويتعرف معنى الوحدانية، وبطلان الشرك، ويسمعه النبي ﷺ تعاليم الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأعمال الخير والوفاء بالعهد والتراحم وغير ذلك من مبادئ الإسلام، وكلام الله تعالى إما أن نفسره بالمعنى الخاص، وهو القرآن الكريم، وسماع تلاوته وتفهم معانيه ومراميه، وذلك خير في ذاته، وهو سجل الإسلام في كلياته، وإما أن نفسره بمعناه العام وهو الإسلام؛ لأن أوامر الإسلام ونواهيه كلها ترجع إلى كلام الله تعالى لأنها منه، وما كان محمد ينطق عن الهوى. . (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥).
стр. 4361
وبعد أن يسمع كلام الله تعالى، إما أن يؤمن وذلك خير، ويكون من المؤمنين، وإما أن يستمر على ما هو عليه، وهنا سيتبين الخلق المحمدي الإسلامي بأمر الله، ولذا قال تعالى آمرا نبيه (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) والعطف بـ (ثم) هنا في موضعه إذ إن معناه أن يسمع ويتفهم ويتدبر ويعلم، ويعطي فرصة من الوقت يراجع نفسه فيها بين خير يرتجى، والبقاء على ما هو عليه، فإن اختار الخير، فقد اختار لنفسه، وإن اختار الأخرى فلا إكراه في الدين، والمأمن هو مكان الأمن له حيث داره وأهله، وقوله تعالى: (أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) معناه توصيله إلى حيث أمنه؛ بأن يصحبه أحد من المؤمنين حتى لَا يدركه أحد فيقتله بمقتضى قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ).
وإن ذلك لتقريب المشركين وتأليف قلوبهم، فلا يقرب إلى الإيمان شيء إلا تأليف القلوب بالمودة والحسنى، وليتمكن كل مشرك من أن يتعلم الإسلام ومبادئه، فالنبي هاد، ولم يجئ بالحرب إلا لمنع الشر من أن يستشري ويفسد، ولذا قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) الإشارة إلى الأمان وسماع القرآن سماع وعي وتدبر واتباع للأحسن، وكله حسن، بسبب أنهم جماعة جاهلة، والجاهل يُعَلَّم فلا يسأل عن جهله حتى يعُلَّم، والتعبير بـ (قوم) إشارة إلى أنهم جماعة جمعهم الجهل فكانوا كالقوم.
ولا شك أن هذا الجوار أمان مؤقت أعطاه الله تعالى نبيه ﵇ باعتباره إمام المسلمين، فيُعطاه كل إمام من بعده، وقد أعطاه النبي ﷺ لكل واحد من المؤمنين، فقد قال ﷺ : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعي بذمتهم أدناهم " (١)
أي إن أقل المؤمنين شأنا يستطيع أن يؤمَن من يشاء من المشركين، فكل بالغ عاقل ذكرا كان أو أنثى له أن يعقد عقد الأمان، والعبد له ذلك، وكان أبو حنيفة لا يجيز أمان العبد؛ لأنه يجوز عنده أن يؤسر شخص ويسلم فيؤمن من كان معه،
стр. 4362
ولكنه بلغه من بعد عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن عبدا أمَّن أهل حصن فأجاز أمانه، فكان من بعد ذلك يجيز أمان العبد إذا خرج للقتال مع مالكه، والله نعم المعين، ولقد روي عن سعيد بن جبير أنه جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: " وإن أراد الرجل بعد انقضاء الأجل أن يأتي محمدا ليسمع كلامه أو يأتيه لحاجة قتل؛ قال: لَا؛ لأن الله تعالى يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ).
قال تعالى في عهود المشركين:
стр. 4363
(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)
بين الله سبحاثه وتعالى في هذه الآية استبعاد أن يوفي المشركون بعهودهم، أو على الأقل بيّن أنه لَا يصح للنبي ﷺ ومن معه أن ينتظروا الوفاء من المشركين؛ لأنهم خانوا الله ورسوله، ومن يخُن الله ورسوله فهو قد استمرأ النفاق، والنفاق والوفاء بالعهد نقيضان لَا يجتمعان، ومن أمارة المنافق أنه إذا وعد أخلف.
(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ) الاستفهام للتعجب والاستنكار بمعنى النفي، فهذا إنكار للوقوع، أي كيف يتوقع عند الله ورسوله أن يفوا بعهدهم لهما، واذا كانوا كذلك فليس من المعقول أن يوفي الله تعالى لهم بعهد؛ لأن العهود توجب حقوقا وواجبات متبادلة، فمن توقع عدم الوفاء وتأكد له النكث في العهد، فليس عليه وفاء.
وقد نفَى الله بهذا أن يكون عند المشركين وفاء بعهد لله ولرسوله، وبالمثل لا يتوقعون الوفاء بعهد نكثوا فيه من جانبهم، ولكن كان من المعاهدين من المشركين من يتوقع الوفاء، فهؤلاء لَا يرد إليهم عهدهم، ولذلك استثناهم الله ، وهو العادل في قوله وحكمه فقال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وهم عند ابن كثير أهل الحديبية، وقد وفَّى النبي ﷺ حتى
стр. 4364
نقضوا العهد فأعانوا بني بكر، وكانوا في حلفهم على خزاعة، وكانوا في حلف النبي ﷺ ، واستغاثوا بالنبي ﷺ فأغاثهم وفتح، ولكن يلاحظ أن وقائع العهود كانت بعد فتح مكة، ولذا يجب أن يكون هؤلاء غير أهل الحديبية، ويجب أن تكون عهودهم بعد الفتح، وقد ذكر الزمخشري أن منهم بني كنانة وبني ضمرة.
الاستثناء هنا في معنى المنقطع، لأنهم مغايرون للأولين الذين كان منهم النكث، ولذلك ذكر الزمخشري أن الاستثناء هنا بمعنى (لكن)، فهو استدراك وليس استثناء متصلا، وقد بين الله تعالى طريق معاملتهم فقال : (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) و " ما " هنا شرطية دالة على دوام الاستقامة في الوفاء بالعهد إذا أقاموه على وجهه من غير خيسٍ (١) فيه، ولا نقض لأي جزء من أجزائه، (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) أي فاقيموا العهد، والعهود كما قلنا حقوق وواجبات متبادلة.
وإن الوفاء بالعهد من التقوى، إذ هو يُرضي الله، ويقوي الأمة، وهو من أفضل الأخلاق، ولذا ختم الله تعالى الآية بقوله خالى: (إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْمتَّقِينَ).
وهنا إشارة بيانية، وهي قوله تعالى: (كَيْفَ يَكُون لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ) فلماذا تكررت العندية مع أن ما يكون عهدا عند الله يكون عهدا عند النبي ﷺ . ونقول: إن تكرار العندية للإشارة إلى مقدار نكثهم للعهد، فهم نكثوا عهد الرسول، وتلك جريمة، ونكثوا عهد الله وهو العليم بذات الصدور، العليم بكل شيء.
стр. 4365
ويقول تعالى في إثبات أنهم لَا يصدقون في عهد ما داموا ينكثون:
стр. 4366
(كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)
(كيف) هنا للاستفهام الإنكاري مع التعجب، وهي داخلة على ما دخلت عليه (كيف) السابقة. أي كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله والحال أنهم (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً). . .
يقال ظهر عليه إذا غلبه وانتصر عليه، وظَهَر الحائط أعلاه، وكقوله تعالى في السَّد في سورة الكهف: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧).
و (الإل) يطلق بمعنى الحلف والعهد، ويطلق بمعنى الرحم والقرابة، ومعنى قوله تعالى: (وَإن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) بأن ينتصروا عليكم لَا يراعوا رحما ولا قرابة، ولا جامعة بينكم وبينهم، (وَلا ذِمَّةً)، أي عقدا تربطون به دينكم، فهم يرضونكم بأفواههم لَا بقلوبهم.
والمعنى الجملي، كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله وحالهم أن ذلك عهد لكم وأنتم أقوياء غالبون ظاهرون عليهم، فإن يظهروا عليكم لَا يرقبوا فيكم رحما واصلة، ولا عهدا عاهدوه، فإن ذلك العهد كان لإرضائكم لَا للوفاء، وهم ينقضون ذلك العهد عند أول فرصة يفترصونها، ويحسون فيها القوة، ولا عهد لذليل، وهذا عهد الأذلاء يعقدونه للإرضاء لَا للوفاء، ولذا ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى، وتعالت كلماته (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) فما أعدل الله تعالى في كلماته، نسب الفسق وعدم انضباط النفس وانحلالها بحيث لَا تصبر على العهد - إلى أكثرهم لَا إلى كلهم، ولكن هذا أثر هو الغالب فيهم الذي أفسدهم وجعل فيهم رأيا عاما فاسدا، لَا وفاء فيه ولا إيمان بحق ولا بعهد.
ولقد وصف الله تعالى عهدهم بوصف يدل على أنه عهد لَا يبعث عليه إلا النفاق، فيقول عز من قائل: (يُرْضُونَكُم بِأفْوَاهِهِمْ وَتَأبَى قُلُوبُهُمْ) وهذا معنى
стр. 4367
مصور لما انبعث به عهدهم، فهو عهد للإرضاء بالقول الذي ينقصه القلب ولا يؤيده، فهم يحاولون فيه الإرضاء بالأفواه فقط، وتأبى قلوبهم أي تمتنع عن الموافقة على ما تنطق ألسنتهم، وكيف يكون هذا عهدا عند الله علام الغيوب، وعند رسوله الذي يعرف قلوبهم من لحن القول، ولقد وصفهم تميم بن مقبل في شعره، فقال:
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحم
وقال حسان بن ثابت ﵁:
وجدناهمو كاذبا إلُّهُم ... وذو الإل والعهد لَا يكذب
* * *
أوصاف المشركين في عهودهم
قال تعالى:
(اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)
* * *
إن الصفة العامة في المشركين أنهم غرتهم الحياة الدنيا والأماني فيها، والأهواء ومتاع الحياة الدنيا، فكان الوصف العام أنهم اشتروا بآيات الله ثمنا
стр. 4368
قليلًا، وآيات الله تعالى الدلائل الدالة على وحدانيته، إذ هو الذي خلق كل شيء بديع السماوات والأرض، وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، وأنه وحده الجدير بأن يعبد ولا معبود بحق سواه، وقد بعث الله تعالى محمدا رسولا، مبشرا ونذيرا، ومعه القرآن الحجة الكبرى القائمة إلى يوم القيامة، كانت هذه الآيات كونية ومتلوة تدعوهم للإيمان، وعدم الشرك، ولكنهم تركوها، ولم يلتفتوا إليها، واستبدلوا بها هواءهم، ومتعهم من سلطان غرَّهم، وذلك ثمن بخس قليل لَا يساوي شيئا بجوار ما تركوه من حق خالد.
وهذا معنى قوله تعالى:
стр. 4369
(اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)، أي باعوها بثمن هو عرض من أعراض الدنيا وهو قليل بجوار الحقائق الخالدة التي فيها الصلاح في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ)، أي إنهم بسبب اختيارهم ذلك الثمن القليل، وتركهم ذلك الحظ الوفير من الحق وسلامة الفكر، والهداية والرشاد، قد عدلوا عن الطريق، وصدوا أنفسهم عنه، وصرفوا غيرهم منه، فصدوا عن السبيل القويم والهدى المستقيم.
ولقد بين الحكم الصادق عليهم، فقال تعالت كلماته:
(إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) أي إنهم بهذا العمل الذي تركوا فيه الآيات التي تلوح بالحق وتبينه قد ساء فعلهم الذي استمروا عليه، وهو يتجدد آنًا بعد آنٍ فهو فعل مستمر. ونلاحظ هنا ثلاثة أمور.
أولها: أن قوله تعالى: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) فيه استعارة تمثيلية إذ شبه حالهم في تركهم الحق الواضح البين الذي يأتي بأطيب النتائج والثمرات، بمن يترك بضائع قيمة في مقابل ثمن بخس لَا يجدي ولا يغني.
ثانيها: بيان أن ترك الوفاء بالعهد لاتباع الهوى والخيانة وهو خسارة لا كسب فيها.
стр. 4370
ثالثها: أن قوله تعالى: (سَاءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) فيه معنى التعجب، أي ما أسوأ ما كانوا يعملون، وأن الفعل المضارع يدل على تجدد حالهم الفاسدة، و (كَانُوا) دالة على دوام هذه الحال فيهم.
ثمِ بين سبحانه حالا عامة مستمرة فيهم فقال تعالى:
стр. 4371
(لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)
وهنا نجد النص السامي التفت من الخطاب إلى الغيبة؛ إذ كان في الآيات (لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً)، وهذا النص السامي (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) وذلك الوصف يؤذن بالعلة، أي أن السبب في أنهم لَا يرعون رحما، ولا عهدا، هو الإيمان، فالإيمان الحق والإذعان لله تعالى وتوحيده هو السبب في أنهم لَا يراعون فيكم رحما واصلة، ولا مودة راحمة، ولا عهدا يعاهدونكم فيه، إنه إيمانكم هو الذي صرفهم إلى النكث في العهود.
وإنه إذا كان الحق هو الذي جعلهم ينكثون في عهودهم (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ).
الإشارة في (أولئك) إلى أوصافهم في أنهم لَا يراعون قرابة ولا عهدا، يقطعون القرابة وينقضون الميثاق، والإشارة إلى هذه الأوصاف تومئ إلى أنها علة الحكم، وهو الحكم عليهم بالاعتداء، فقد اعتدوا على الحق في ذاته، واعتدوا على القرابة التي لم يراعوها حق رعايتها، ونكثوا في أيمانهم، وذلك أعظم اعتداء.
وقوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) فيه تأكيد الاعتداء من وجوه:
أولها - في التعبير بالإشارة المتضمن لصفاتهم التي هي سبب الحكم.
ثانيها - ضمير الفصل الذي يؤكد الحكم.
ثالثها - القصر بالحكم بأنهم المعتدون وحدهم؛ لأن تعريف الطرفين يدل على الاختصاص، أي أنهم اختصوا بالاعتداء، وليس بمعتد عليهم من لَا يأخذ بعهدهم.
стр. 4372
ومع هذا الاعتداء فإن باب التوبة مفتوح لم يغلق، ولذا قال تعالى:
стр. 4373
(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)
(الفاء) هنا لترتيب نسق القرآن. وقوله تعالى: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ) وقد قرن إقامة الصلاة وأداء الزكاة؛ لأنها أمارات الإيمان العملية، ولكي يخرج الكافر مما كان عليه لَا بد من مظهر عملي دال على الخروج مما كان عليه، فإنه كان يسجد للأوثان، ويتصدق على سدنتها، فكان حقا أن يكون منه نقيض ذلك بأن يسجد لله، قام الصلاة، وأن يتصدق على الفقراء، ولذلك اشترط أبو حنيفة للإيمان ألا يكون منه ما يدل على بقائه على دينه الجديد.
فكانت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة دليلا على انخلاعه من دينه القديم، وأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تثبت الإيمان، وبيان الإذعان الكامل لما أمر الله تعالى به، ونهى عنه.
وعندما كانت الردة عقب انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى كان أبو بكر لا يقبل من المرتدين مجرد التوبة والإنابة إلى الله تعالى، لَا يقبل التوبة إلا إذا كان معها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان منهم من أقام الصلاة، ولم يعط الزكاة، فلم يقبل منهم أبو بكر واعتبرهم لَا يزالون على ردتهم، وذلك أولا: لأنه قرن كل توبة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وثانيا لأن إعطاء الزكاة أمارة الخضوع للدولة الإسلامية، وعدم التمرد عليها، ولذا قال ﵁ ردا على من لم يعط الزكاة " سلم مخزية أو حرب مجلية ". وذلك حق لكي تقوم الدولة الإسلامية موطدة الأركان ثابتة الدعائم غير مضطربة ولا مزلزلة، وجواب الشرط (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) هو قوله تعالى: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) أي فقد دخلوا في الإسلام، وصاروا إخوانكم، وعبَر بقوله تعالى: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) للإشارة إلى أنهم دخلوا في الأخوة الإسلامية، وهي عهد الله الجامع الذي لَا تفرق فيه، ولا تتجافى القلوب بل تتواد وتتراحم بعرى الإيمان الوثيقة.
стр. 4374
ولقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من فرق بين ثلاث فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة: من قال: أطيع الله ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول:
(. . . أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. . .)، ومن أقام الصلاة ولم يؤد الزكاة والله تعالى يقول: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. . .) ومن فرق بين شكر الله وشكر والديه والله تعالى يقول: (. . . أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ. . .) ألقمان، (١).
وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لَا يشرك به شيئا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة فارقها والله عنه راضٍ، وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم " (٢).
وقد ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)، أي نبين آيات الله لقوم يعلمون، أي من شأنهم أن يعلموا الحقائق، ويدركوا مراميها وغاياتها.
وبعد أن بين الله سبحانه حال الذين ينخلعون من عبادة الأوثان، ويتوبون لله ويرجعون إليه ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، بين ما يعامل به الذين يستمرون في غيهم، وينقضون عهودهم ويطعنون في الدين وما يعاملون به، فقال تعالى:
стр. 4375
(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)
النكث: النقض للشيء المفتول بفكه بعد أن أحكم فتله، وقوله:
(أَيْمَانَهُمْ) أي عهودهم، وذكرت الأيمان وهي جمع يمين بدل العهود؛ لأنها تقوى وتوثق بالأيمان، ولأن نقض يمين أشد شناعة وأدل على انحلال النفس والذمة، وبُعد الثقة فيهم، وقال تعالى: (مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) الذي عاهدوه ووثقوه بأيمان الله. ولم يكتفوا بنكث الأيمان ونقض العهود، بل طعنوا في دينكم وبسب النبي ﷺ بالطعن في عقيدة التوحيد التي هي من الدين.
وإن موضوع الآية فيه تخريجان أحدهما: أن موضوعها الذين دخلوا في الإسلام، وارتدوا ونقضوا أيمانهم. ويقول الزمخشري في ذلك: صاروا إخوانا في الدين ثم رجعوا فارتدوا عنه ونكثوا ما بايعوا عليه من الأيمان، والوفاء بالعهود وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمد بشيء فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدير فيه.
وعلى ذلك يكون الذين نكثوا هم الذين كانوا قد أعلنوا التوبة ثم ارتدوا بعد إسلام.
وإنا نرى أن هؤلاء غير الذين تابوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وكانوا إخوانا للمؤمنين، وإنما موضوع الآية قوم آخرون نكثوا عهودهم التي وثقوها بالأيمان، ولم يكتفوا بذلك، بل أخذوا يطعنون في الدين، ويفترون عليه الافتراءات المختلفة.
وإن هؤلاء يقاتلون، ولذا قال تعالى: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) وأظهر في موضع الإضمار، ولم يقل فقاتلوهم، وكان ذلك الإظهار لبيان أن هؤلاء أئمة الكفر وقادته ودعاته، والمحاربون للدعوة الإسلامية، وإن ذلك يسوغ قتالهم لمنعهم من أن يفتنوا المؤمنين في دينهم.
стр. 4376
وبين السبب في قتالهم فقال: (إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ)، أي إنهم لَا عهود لهم، ولو وثقوا بالأيمان فلا أيمان لهم، وقرئ بكسر الهمزة (لا إيمان لهم) (١)، أي أن نفوسهم منحلة لَا يجزمون بشيء ولا يذعنون لشيء، لا بعهد قطعوه على أنفسهم، ولا غيره، بل هم جائرون بائرون ليس عندهم شرف الوفاء العربي، والاحتفاظ بالكلمة.
ثم قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) أي رجاء أن ينتهوا عن غيهم، ويقمعهم إرهاب السيف، ومن لم تقنعه الحجة والبرهان والآيات تتلوها الآيات، فالحديد فيه باس شديد ومنافع للناس.
هذا وقد استنبط الفقهاء من هذه الآية بأن الذمي أو الحربي إذا طعن في الإسلام يقتل، فليعتبِر الذين حماهم الإسلام من ذل الرومان، وقد دأبوا على الطعن في النبي ﷺ ، والقرآن والإسلام حتى صار الإسلام غريبا في بلاده، اللهم هب للمسلمين حاكما ينفذ القرآن، وقد كان الصحابة يقتلون من يسب النبي ﷺ ولو بالتعريض.
يروى في ذلك أن رجلا في مجلس على كرم الله وجهه قال: ما قتل كعب ابن الأشرف إلا غدرا، وكان النبي ﷺ أوصى بقتله فأمر عليا بضرب عنق قائل ذلك القول.
وقاله آخر في مجلس معاوية فما فعل شيئا، فقام محمد بن مسلمة فقال:
أيقال هذا في مجلسك وتسكت!!، والله لَا أساكنك تحت سقف أبدا.
ولا عجب، فعلي فارس الإسلام، وقامع الكفر، ومعاوية الطليق ابن الطليق، وقد ابتدأت غربة الإسلام في عهده، اللهم أعز الإسلام وآوه بعد غربته.
* * *
стр. 4377
قتال المشرك عبادة
قال تعالى:
(أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)
* * *
هذه الآيات الكريمة تحريض على قتال المشركين الذين لم يوفوا بعهودهم، وآذوا النبي وأصحابه بمكة وأرادوا إخراج الرسول، وبدءوهم بالقتال.
فقال تعالى:
стр. 4378
(أَلا تُقَاتِلُونَ) و (ألا) أداة تحريض، وأصلها همزة الاستفهام دخلت على (لا) النافية، والاستفهام إنكاري بمعنى نفي الواقع، فالمعنى قاتلوا قوما كانت منهم هذه الأفعال، قال الزمخشري في معنى (ألا) دخلت الهمزة على (لا تقاتلون) تقريرا بانتفاء المقاتلة، ومعناه: الحض عليها على سبيل المبالغة.
وقد بين الله تعالى أسباب الحض على القتال من أعمال المشركين الذين قاموا بها، فذكر هذه الأعمال على أنها مبررة لوجوب القتال، ووبخهم على السكوت مع هذه الأعمال، وهي النكث في العهد فقال: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) نقضوا عهودهم، ويشير سبحانه إلى نقضهم معاهدة الحديبية، فقد نقضوها بمعاونة بني بكر الذين كانوا في عهدهم مع خزاعة الذين كانوا في حلف
стр. 4379
النبي ﷺ ، فكان ذلك نقضا للعهد، ونقض العهود مفسد للعلاقات، وقاطع للمودة التي أنشاها العهد، ومن ينقض العهد لَا حرمة له بهذا العهد، ومن يرضى بأن ينقض عهده في حليفه، فهو يرضى بالذلة ولا يرضى بالمذلة عزيز كريم.
وهموا بإِخراج الرسول فهم في مكة آذوا المسلمين وعذبوا الضعفاء، وسخروا من الشرفاء، حتى خرجوا مهاجرين إلى الحبشة مرتين، وقد كان هذا الإيذاء المتوالي إخراجا للمؤمنين، ولقد قال تعالى: (. . . يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبكمْ. . .)، وإن هذا الاستفزاز الشديد الذي لقيه النبي وأصحابه كان لإخراجهم من مكة، كما قال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا. . .). ثم كانت إرادة الخروج واضحة على أنها إحدى الخصال التي عرضوها في ندوتهم إذ يقول الله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠).
والحال الثالثة التي كانوا عليها وكانت، أنهم الذين بدأوا أول مرة، أي بدءوا بالمنابذة والمحاربة أول مرة من الاعتداء، ولم يذكر أنهم بدءوا بالقتال؛ لأنهم بدءوا العداوة التي كان القتال من صورها. لقد ابتدءوا بالعداوة عندما جاءهم الرسول بالقرآن نور الله تعالى وبرهانه، فبدل أن يجادلوه بالتي هي أحسن صدوه، وآذوه، وفتنوا المؤمنين في دينهم، والفتنة أشد من القتل، ثم أغروا به سفهاءهم، وحالوا بينه وبين الدعوة، وبين إقامة دولة إسلامية، وبدأوا بالقتال في غزوة بدر الكبرى، فبعد أن نجا عيرهم صمموا على القتال، وأن يجيئوا إلى بدر بالخمور والقيان، والقتال.
ثم هم الذين بدأوا بالقتال ونقضوا صلح الحديبية بإِعانتهم لبني بكر على خزاعة وقتلهم في البيت الحرام، كان منهم كل هذا: نكث للعهد، وإيذاء شديد في الماضي وفتنة، وقتال ابتدأوه في عدة مرات، فهل يسكتون عليهم ألا يقاتلونهم، ثم حرضهم الله تعالى أبلغ تحريض، فقال (أَتَخْشَوْنَهُمْ) أي أيمنعكم
стр. 4380
من قتالهم أنكم تخشونهم، أي تخافونهم فزعين من قتالهم. (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) والله أحق أن تخافوه وتفزعوا من غضبه، (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي إن كان الإيمان شانا من شئونكم، وصفة من صفاتكم، فإن المؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يقدر في أموره كلها إلا رضا الله والخوف من غضبه وعذابه.
وقد صرح من بعد ذلك التحريض الذي يثير الهمم، ويثبت أن قتالهم حق على كل مؤمن - بالأمر بالقتال وذلك بعد أن بين أنه حق كامل.
(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)
بعد أن بين الله تعالى بواعث القتال من نكث العهد، وإخراج النبي والمؤمنين، وبدئهم بالفتنة، والفتنة أشد من القتل، وبدئهم بالقتال، إذ هاجموا في بدر من غير ضرورة تلجئهم، ولا حاجة تدفعهم إلا أن تكون كراهة لدينكم، وبدئهم بمعاونة بني بكر على خزاعة.
بعد هذا بين ثمرات القتال: فقال تعالت كلماته: