← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

والوثنيين هؤلاء الذين أعلنوا الإسلام خوفا، وأبطنوا الكفر، غيظا وعداوة وبغضا، ومن النفاق ألا يستقر الإيمان في قلبه كأُولئك الأعراب الذين قالوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. ومن الأعراب منِ كانوِا يأخذون ظواهر القرآن ولا يطيعون، كما قال تعالى: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كفْرَا وَنِفَاقَا وَأَجْدرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ. . .)، وكل هؤلاء تشملهم كلمة المنافقين، ولذلك كان الحسن البصري يقول: إن مرتكب الكبيرة منافق؛ لأن عمله يناقض قوله، فكما أن من ينكر بقلبه ويؤمن بلسانه منافق، فكذلك من يعلن الإيمان، ويصدق بقلبه، ولكن يناقض عمله قوله، والإيمان كما يقول الجمهور من علماء العقائد، اعتقاد وعمل، وهو الإيمان الكامل عند جميع العلماء اتفقوا عليه. يعد هذا نتكلم في معنى النص الكريم:

стр. 4517

(وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) اللمز: العيب فالرجل الهُمَزَة أو المرأة الُلمَزَة العيَّاب والعيَّابة، واللمز يشمل العيب باللفظ الصرِيح، ويشمل العيب بالتعريض والتلميح، والوخز في الكلام: وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)، وقالوا إن اللمزة من يعيب في وجه من يعيبه ولو بلَحْن القول، والهمزة من يعيب في غيبه وفي غير محضره ولا يواجه من يعيبه. والضمير في (مِنْهُم) يعود إلى المنافقين، و (مِن) تدل على التبعيض، وإنه عمل بعضهم، ويظهر أنه ليس من الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، بل هو من الذين يعبدون الله على حرف، الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١). وكذلك هؤلاء المنافقون الذين عابوا النبي ﷺ ، وقال الله تعالى فيهم: (فإِنْ أُعْطُوا منْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ). (الفاء) تدل على أن ما بعدها بيان أو إشارة إلى نوع عينهم، وهو بيان لنفوسهم إن أعطوا من المال بحق رضوا واطمانوا، وقالوا إنها قسمة عادلة، واستقاموا على الطريقة، وإن لم يعطوا لعدم استحقاقهم سخطوا فهم طامعون في

стр. 4518

أن يأخذوا بغير حق. و (إِذَا) - تدل على أن سخطهم أمر لَا يرتبط بمنطق الأمور، فهم فاجئوا أهل الحق به، والدليل على المفاجأة (إِذَا) فهي تدل على المفاجأة. والمفاجأة تدل على أنه غير منطقي؛ لأن من يرضى بالحق عند العطاء، لا يصح أن يغضب إن منع بحق، ولكن النفس المنافقة تريد دائما أن تحتجز الخير لنفسها، ولا تلتفت إلى حق غيرها، فآية المؤمن أن يعرف حق غيره كما يعرف حق نفسه، ومن علامة المنافق النفسية ألا يفكر في حق غيره، فكل من لَا يلتفت إلى حق غيره فيه شعبة من نفاق. ومما روي في معنى هذه الآية، ممن كانوا يلمزون في الصدقات أن أبا الجواظ من المنافقين في أعلى درجات النفاق قال: ألا ترون إلى صاحبكم، إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل، وروى أن رسول الله ﷺ قال له وقد فهم أنه يعيب رعاة الغنم قال له: " لا أبا لك، أما كان موسى راعيا، أما كان داود ". فلما ذهب أبو الجواظ هذا قال ﷺ : " احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون " (١). وقد وصفهم رسول الله ﷺ بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لَا للدين وما فيه صلاح أهله. وروى في الصحيحين عن أبي سلمة أن ذا الخويصرة واسمه حرقوص اعترض على النبي ﷺ حين قسم غنائم حنين، فقال: اعدل فإنك لم تعدل فقال صلوات الله وسلامه عليه: " قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ "، ثم قال: " إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء " (٢).

стр. 4519

ولقد روى أن النبي ﷺ كان يقول: " والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكم، وانما أنا خازن " (١) هذا بعض ما روي عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في أولئك المنافقين الذين كانوا يلمزون أطهر من في الوجود - في الصدقات. ويجب أن ننبه هنا إلى أن الصدقات غير الغنائم، فالغنائم تقسيم أموال لمستحقيها بمعنى الغنم والفتح يأخذها الفاتحون بملكية تثبت لهم بمقتضى الجهاد، أما الصدقات فإنها تكون معونات تعطى لمصارف معينة يحتاج إليها أهلها. وقد بين الله تعالى صفات المؤمنين بجوار ما يفعله الذين في قلوبهم نفاق، فقال تعالى مبينا من في قلوبهم نفاق:

стр. 4520

(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) (لَوْ) في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنًّهمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) هي شو طية، وجوابها محذوف تقديره مثلا: (لكان خيرا لهم)، وإني أظن أن حذف الجواب لتضمن (لَوْ) معنى الحض والرجاء بأن يكونوا كذلك إن خلعوا رداء النفاق من أنفسهم. وقوله تعالى: (رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) هي نواح نشير إلى بعضها أولاها: أن (رَضِيَ) تتعدى بالباء فيقال رضيت بالأمر، وتتعدى بنفسها، فيقال رضيت الأمْر، وهنا متعدية بنفسها، وأشعر بأنها إذ تتعدى بنفسها تتضمن معنى الرغبة والاقتناع، وهذا ما يليق بالمؤمن عند العطاء من الله ورسوله. الثانية: أن الله تعالى قال: (آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) وذكر الله ، مع أنهم لمزوا ما فعله الرسول، للإشارة إلى عظم الجرم الذي ارتكبوه، لأنهم إذ عابوا رسول الله ﷺ ، فكأنهم يعيبون الله تعالى؛ لأن الرسول لَا يعمل بالهوى،

стр. 4521

ولأن الرسول ينفذ، وإنهم إذا عصوه ﵇ فقد تجرءوا؛ لأن الله تعالى يقول: (من يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ). الثالثة: ما أشرنا إليه من قبل، إلى أن ذلك الرضاء أمر يحبه الله ورسوله، ويرجوه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لهم، ليكونوا من المؤمنين حقا. وقد صور الله تعالى النفس المؤمنة بأنها قانعة غير طامعة، ونفس المنافق غير قانعة بل هي طامعة دائما وتريد من الدنيا المزيد؛ لأنها لَا تؤمن إلا بالدنيا ومتعها وموادها، فيبتغون المزيد منها، وبئس ما يبغون، فقال سبحانه في تصوير النفس المؤمنة بعد رضاها (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ) أي كافينا الله، ولم يقل الله تعالى عنهم أنهم يقولون حسبنا ما أتانا الله، بل إنه يقول عنهم: (حَسْبُنَا اللَّه) أي إن الله كافينا، أعطانا هذا ما رضينا به، وسيعطينا إن احتجنا، وما أخذناه يكفينا. وقوله تعالى عنهم: (حَسْبُنَا اللَّهُ) فيه من معاني التفويض والتوكل على الله ورجاء ما عنده ما لَا يدركه إلا القلوب المؤمنة المتبتلة الضارعة له وحده. وإن قوله تعالى: (سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) فيه تصوير معنى الاتكال على الله تعالى، ورجاء ما عنده. على أنه فضله فيستحق الشكر ولا يجوز أن ينتقص ما يأمر بإعطائه، وينتقص باللمز، والسير في طريق الكفر، وهو الضلال البعيد. ولقد قال الله حاكيا عن أقوال المؤمنين (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) هذه غاية الضراعة، أن يرغبوا إلى الله تعالى وحده ولا يرغبون فيما لَا يقتنونه، ولا عرضا من أعراض الدنيا ولا غاية من غاياتها، وتقديم الجار والمجرور (إِلَى اللَّهِ) تعالى على (رَاغِبُونَ) يفيد الاختصاص، أي لَا يرغبون إلا إليه . وإن الله تعالى بين بعد ذلك مصارف الصدقات، ولم يتركها لنبيه، بل تولاها سبحانه وحده، لكيلا يتطاول بعض من بقلبه مرض من ضعف إيمان أو

стр. 4522

نفاق أو من تتعلق نفوسهم بظواهر الأمور دون لبابها وغاياتها، فقال تعالت كلماته:

стр. 4523

(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) جاءت آية الصدقات بعد ما جاء عن المنافقين في أحوال كثيرة، وأن منهم من عاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في توزيع الصدقات، فجاءت الآية تبين أن التوزيع من الله ، فلم يتركها لنبي ولا لغيره، تولاها هو سبحانه بالبيان فمن عاب التقسيم، فإنما يعيب تقسيم الله تعالى، فليعلم مكانه في الإيمان، روي عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " (١). فكانت هذه الآية ردا على هذا الفريق من المنافقين بأنهم يلمزون النبي صلوات الله وسلامه عليه، إنما يتهجمون على مقام الألوهية، ولبيان أنهم إذ لم يأخذوا منها، فلأنهم لم يدخلوا في صنف من هذه الأصناف الثمانية، ومن دخل في صنف منها فما مُنِع، بل أخذ. وقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكينِ. . .) (إِنَّمَا) أداة قصر، أي أن الصدقات قد اختصت بها هذه الأصناف دون غيرهم، فليست لأحد غير هؤلاء من الأغنياء والأقوياء الذين يكسبون ما يكفيهم وأهلهم بالمعروف، ولذا قال ﵇ " لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سوي " (٢). فالذين يلمزون الرسول ﷺ أغنياء أو أقوياء.

стр. 4524

قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) لَا تفرق اللغة بين الفقراء والمساكين في الجملة، فكلاهما لَا مال له يكفيه وأهله بالمعروف ولكنهما اجتمعا في هذه الآية على أنهما صنفان مختلفان، يتميز كل واحد منهما عن الآخر، وعن الاجتماع بين لفظين معناهما متقارب يخص كل واحد منهما بمعنى ينفرد به عن الآخر، وقد اختلف الفقهاء في تعريف الفقير ليتميز عن المسكين، واختلافهم بلا ريب أدى إلى اختلافهم في معنى المسكين. فقال الأكثرون الفقير ضد الغني، وهو من لَا يملك نصابا، وهو ما تكون قيمته عشرين مثقالا من ذهب، أو مائتي درهم من فضة، والمسكين من أسكنته الحاجة وأذلته، أي أنه دون الفقير حالا، وقيل العكس، ولكن الأكثرين على الأول، وروي عن عمر ﵁ أنه فسر المسكين بأنه المريض بمرض مزمن من أهل الذمة. وروي أن المسكين هو المتجمل الذي لَا يسأل الناس، ولا يلتفت الناس إليه، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ ، فقد روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: " ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان "، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: " الذي لَا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا " (١). وقد اتقق الفقهاء على أنهما يعطيان من الصدقات، وإن كنت أرى أن المسكين أسوأ حالا من الفقير، فإن لم يكف ما يعطى لهما معا، فإن المسكين يكون أولى بالعطاء. ثم قال تعالى في الصنف الثالث، وهم العاملون عليها، أي الذين يجمعونها من أرباب الأموال كما عين النبي ﷺ ولاة لجمع الصدقات، كما عين الأمراء من بعده، وقرر الفقهاء أن أولئك يأخذون ولو كانوا ذوي مال، وقرر الحنفية والمالكية أن ما يأخذونه أجرة، ويكون قدرها بمقدار ما يراه ولي الأمر عليهم، على أنه أجرة عمل تكون متناسبة مع الأجرة في مثل هذا العمل.

стр. 4525

وقال آخرون ليس لهم من العطاء إلا ما يكفيهم لأهلهم بالمعروف يأخذونه جزاء احتباسهم وتفرغهم لهذا، ولو كانت لهم أموال، كما تأخذ الزوجة نفقتها من زوجها جزاء احتباسها، ولوكانت ذات مال، وهكذا أجر العامل لمصلحة الكافة، وإن هؤلاء يأخذون من الزكاة، وإن هذا يدل على أمرين: أولهما - أن الزكاة لَا تترك لأربابها يؤدونها، بل يجمعها ولي أمر المؤمنين أو من يوليه لذلك، وقد كان الأمر كذلك في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر، وفى عهد ذي النورين كان يجمع زكاة الأموال الظاهرة، وهي زكاة النعم والإبل والبقر والغنم، وزكاة الزروع والثمار، وزكاة الأموال التي تنتقل من مصر إلى مصر التي يجمعها العاشر، وأناب ذوي الأموال في أن يؤدوا زكاة الأموال الباطنة، وهي زكاة النقدين " الذهب والفضة "، وعروض التجارة في أن يؤدوا هذه الزكاة، ولو بلغ الأمر أنهم لم يؤدوها، جمعها منهم كما يجمع غيرها. ثانيهما - أن الزكاة يجب أن تكون لها حصيلة قائمة بذاتها، والقائمون عليها يكونون منفصلين عن بقية العاملين في الدولة، ولذا عندما دونت الدواوين كان هناك ديوان هو ديوان الصدقات، أو كما سمي في كتب الفقه بيت مال الصدقات. والصنف الرابع: ذكره الله تعالى بقوله: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) والمعنى اللفظي للنص القرآني السامي الذين تؤلف قلوبهم بأن يقرب الإسلام إلى نفوسهم، بعد أن كانوا ينفرون منه. وهؤلاء الذين كان فيهم هذا الوصف، كانوا على طوائف مختلفة فمنهم الكبراء الذين يتزعمون قبائل فيعطى لهم من الصدقات، ما يؤلفون به الضعفاء ليقربوا، ويأتلفوا الإسلام ويهجروا الوثنية. ومنهم من آمن وخلع الوثنية، ودخل في الإسلام ممن قال بلسانه ولم يؤمن قلبه، ومنهم من خضعوا للغلب، وطيبت قلوبهم لكي يؤمنوا، ويعتنقوا الإسلام. وليس هذا رشوة لهم فقد أخضعوا واتبعوا، ويريد النبي ﷺ أن يجعل منهم مؤمنين بدل أن يكونوا خاضعين.

стр. 4526

ومنهم ناس كان للنبي ﷺ معهم حروب، وكان فيهم مقاتل في الحرب المحمدية، وكان لابد من أن تطيب نفوسهم، وترضى قلوبهم وتحل المودة محل الخصام والنفرة فأعطاهم النبي ﷺ ، ومنهم أبو سفيان وأولاده وعلى رأسهم معاوية ابنه، ولعل هذا العطاء لهؤلاء فيه معنى الديات. وهل هذا الصنف بقي بعد النبي ﷺ ؛ نقول إنه باق ما بقي الإسلام إذا احتاج إليه المؤمنون، بل نقول إن الحاجة إلى تأليف القلوب باق ما بقي الإسلام، وإنه لباق إلى يوم الدين. وإن عمر لم يلغه أو ينسخه كما ادعى الكتَّاب، وإنما فِعْلُ عمر أنه منع استمرار العطاء لبعض الناس؛ لأنه لم يكن ذلك حقا مكتسبا لهم. وإنه ممن ينطبق عليهم لفظ المؤلفة قلوبهم أولئك الذين يسلمون، فيخرجون من أهليهم أو قومهم، ولا يجدون ما يستطيعون أن يقيموا لأنفسهم أسرة أو يحرمون من مناصبهم، فإنه يجب أن تؤلف قلوبهم بتعويضهم عما خسروا بإسلامهم، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، وإنه يجب أن ينفق على الدعوة الإسلامية من سهم المؤلفة قلوبهم؛ لأن المقصد الأصلي من المؤلفة قلوبهم هو تثبيت الإسلام في قلوبِ لم يستقر فيها الإيمان، والله هو الموفق للحق. الصنف الخامس: ذكره الله تعالى بقوله: (وَفِي الرِّقَابِ) أي الإنفاق لفك الرقاب؛ لأن دين الحرية لَا يرضى بالرق، وقد عمل على الحد من أسباب الرقيق فألغاها كلها إلا الرق في الحروب فقد تركه؛ لأن الأعداء يسترقون من أسرانا، وقد أمرنا الله تعالى أن نرد الاعتداء بمثله فقال تعالى: (. . . فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. . .). ومع أن الرق قد بقي في هذه الحدود الضيقة، فقد حث على العتق، وجعل له في الزكاة نصيبا مفروضًا، يعان به المكاتب لفك رقبته، والمكاتب هو الذي اتفق

стр. 4527

مع مالكه على أن يعتقه إذا أدى له ثمنه أو قيمته أو ما يتفقان عليه، ويسعى عاملا مجدا، حتى يجمع ثمنه، وقال تعالى: (. . . فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ. . .)، فيعطى من سهمه في الصدقات ما يعينه على فك رقبته، وكذلك يُشترى من هذا السهم عبيد ويعتقون، وكذلك تدفع منه فدية الأسارى من المؤمنين، حتى لَا يسترقُّوا، وهكذا كل ما يعرض المؤمنين للرق يمنع بدفع مال من هذا السهم. والصنف السادس: ذكره الله بقوله: (وَالْغَارِمِينَ) والغارم هو المدين الذي عليه غرامة وهي الدَّين، والغرم هو الدين الذي يلزم الشخص من غير جباية ولا خيانة كانت منه، وغرم أي وجب عليه غرم، والغارم من وجب عليه هذا الغرم، والدائن يقال له غريم، لأنه يلازم المدين ولا يفارقه. ويجب أداء دين الغارم أي المدين من الصدقات إذا كان قد استدان في غير سفه، وعجز عن السداد من غير سفه، والتجار الذين يستدينون لجلب البضائع من الأقطار في حكمة وعناية بمتجرهم، ولكن تجارتهم تبور أو تغرق مركبها، أو تذهب أموالهم بأي سبب من أسباب الضياع، وكذلك الذين تحملوا ديات للصلح بين الناس، فإنه يؤدي ما تحمَّلوه من مال الصدقات. وإنما أديت ديون الغارمين من الصدقات للتعاون، ولإقالة العثرة، وازن بين هذا التعاون الباني والتكافل الذي بين المؤمنين، وازن بين هذا وبين القانون الروماني الذي كان قد عاصر نزول القرآن الكريم، وقد كان يجعل للدائن الحق في أن يملك رقبة المدين، وازن بين هذا القانون وقانون القرآن معجزة الله الكبرى، إذ يفرض من الصدقات سداد الدين عن المدينين. وإن هذا القرآن يتحدى الأجيال كلها أن يأتوا بنظام بشري في أي بقعة من الأرض، أي بمثل ما أتى به من تكافل اجتماعي. ونذكر هنا قصة صادقة حدثت في عهد الحاكم العادل حاكم بني أمية عمر بن عبد العزيز، إنه ببركة العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه فاض الخير وعم، ومن مظاهر ذلك أن والي الصدقات

стр. 4528

في أفريقية (تونس وليبيا والجزائر) شكا من تكدس أموال الصدقات في بيت المال فأرسل بذلك إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، فأرسل إليه: سدد الدَّين عن المدينين، فسددها، ولكن مد الصدقات لم ينقطع، فأرسل يشكو امتلاء بيت المال، فأرسل إليه اشتر عبيدا وأعتقها، فأخذ يشتري من عبيد المؤمنين ويعتقهم. والصنف السابع: ذكره الله تعالى بقوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) فسر هذا بعضهم بالإنفاق على المجاهدين إذا كانوا فقراء، وكانوا لَا يجدون ما يحملهم، فيعطون من الصدقات ما يحملهم، وفسر بعضهم بالإنفاق على الجهاد بإعداد العدة للجيش وإمداده بكل ما يحتاج إليه جيش الإسلام من أدوات الحرب، والإنفاق على المجاهدين. وبعض العلماء أدخل في سبيل الله - الحج، وأجازوا أن ينفق الشخص من صدقاته ما ينفق في الحج، وأرى ألا ينفق عليه من مال الزكاة؛ لأنه لَا يجب الحج إلا على من يستطيع إليه سبيلا، فهو شرط لوجوب أدائه، والزكاة فرض قائم بذاته، والقفال الشاشي قرر أن (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تشمل كل وجوه البر. (وَابْنِ السَّبِيلِ) هو الذي انقطع عن ماله وكان في مكان لَا مال فيه، وهو في حاجة إلى القوت والمأوى، وسمي ابن السبيل لأنه صار لَا مأوى له، وكان السبيل أبوه الذي يؤويه ويحميه. وإيتاؤه أن يعطى ما يحفظ أمره، ويؤويه من غائلة الطريق، ويوصله إلى بلده حيث ماله، ويصح أن يكون عطاؤه عارية مستردَّة إن كان قادرا على الأداء، ويصح أن يكون عطاء غير مسترد، على حسب ما يرى أمير الصدقات. وختم الله تعالى الآية بقوله تالت كلماته: (فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) قال الزمخشري: إن (فَرِيضَةً) بمعنى المصدر أي فرضا من الله. ولماذا لَا تكون فريضة وصفا للصدقات وتوزيعها الحكم، أي أن هذا كله موصوف لفريضة، كفريضة الصلاة والصوم والحج، وأنها لازمة لزوم كل الفرائض

стр. 4529

المشروعة، ونسبها سبحانه إلى الله منزلها، فقال: (فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ) وذلك لبيان لزومها ومنع تغييرها وإجمالها وضرورة إعطائها، وتعود على الذين لمزوا النبي ﷺ في الصدقات ببيان أن التقسيم من الله تعالى، وأن من يعيبه إنما يعيب الله . وختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللًهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وفيه إشارة إلى أن هذا التعاون بين الأغنياء والمحاويج يربي العزة، وهو تشريع من العزيز مانح العزة، الحكيم الذي يعلم الأشياء كلها، ويدبر الأمور بمقتضى حكمته وينظمها بمقتضى علمه. وقبل أن ننهي الكلام في آية الصدقات نشير إلى أمرين أحدهما فقهي والآخر لغوي، ونبتدئ باللغوي وذلك أن الزمخشري رحمه الله تعالى بين السبب في التعدية باللام في الأربعة الأولى وهي الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، وذلك لأن العطاء لهؤلاء لَا يكون إلا بالتمليك والاختصاص فالفقراء والمساكين يأخذون بالتمليك ما يعطون، وكذلك العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، والأربعة الأخرى كانت التعدية بـ (في) فقال تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، فإن هؤلاء لَا يأخذون، فالرقاب لا يأخذون، بل الذي يأخذ مالك الرقبة، وكذلك الغارمون لَا يأخذون، إنما الذي يأخذ هو الدائن الغريم، وابن السبيل لَا يملك، ولكن يطعم ويؤوى، والله أعلم. أما الأمر الفقهي فهو أن الفقهاء قد اختلفوا أهذا الإحصاء للاستيعاب واختصاص العطاء في هؤلاء أم الصدقات تقسم ثمانية أقسام. فيكون لكل قسم ثُمن الصدقات، قال الشافعي بذلك، وقال جمهور الفقهاء: إنه يقسم على مجموع الأقسام الثمانية، لَا على كل قسم بحظه المعلوم، وولي الأمر ينفق لكل بما يراه أصلح وأعدل، والله أعلم. * * *

стр. 4530

من أعمال المنافقين قال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِم سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) * * * ذكر سبحانه مقالة بعض المنافقين في لمز النبي ﷺ في الصدقات، وقد رد تعالى قولهم، وبين سبحانه أن أمر الزكاة وسائر الصدقات ليس فُرُطا، بل إن الله نظمه، وأن من يعيب توزيعها إنما يتهجم على الله ، لأنه لم يتركها له ليوزعها كما يشاء، بل ذكر أصناف مستحقيها. ولكنهم يستمرون في إيذائه ولذا قال تعالى:

стр. 4531

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ). ولكنهم استمروا على إيذاء النبي ﷺ بأقوال كاذبة، ويفتُّون في عضد الجماعة الإسلامية ويشيعون فيها بما يفرقها ويرجعون بالقول، فإذا تسامع الناس بها، وعلموا أنها وصلت إلى مسامع النبي ﷺ لَا يبالون، (وَيَقُولُونَ هُو أُذُنٌ)،

стр. 4532

ولذا قال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) وليس قولهم: هو أذن - هو الإيذاء، بل الإيذاء بالقول منهم متنوع مختلف لَا يتوانى عن الكذب على النبي ﷺ والافتراء عليه كما كانوا يلجون في إشاعة الافتراء على أم المومنين عائشة ﵂ وعن أبيها، فإذا رأوا كبر ما يفعلون سهلوه، (وَيَقُولُونَ هُو أُذُنٌ)، ومعنى (أُذُنٌ) أنه يأخذ العلم من مسمعه من غير أن يفحصه، بل يقبله مصدقا له، فما عليهم إلا أن يحلفوا أنهم ما قالوه حتى يصدق أيمانهم من غير أن يفحص كذب ما قالوا، ونسوا أن اللَّه يعلمه بما تبلبل به ألسنتهم، ويجيش في صدورهم، وكلمة (هُوَ أُذُنٌ) كما قلنا أنه يعلم من أذنه، فإذا صدق ما قيل عنهم، فإنه مصدق أيمانهم النافية الكاذبة ولا عليهم شيء من بعد ذلك، وهكذا المنافق يظن أو يتوهم أنه يخدع الناس بقوله وهو المخدوع، وإنما يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون. وعبر عن المستمع بأنه أذن لأنه في زعمهم علمه كله من أذنه، وذلك مجاز مرسل علاقته الجزئية، فعبر عن الكل باسم الجزء؛ لأن هذا الجزء له مزية خاصة في الموضوع، كما يعبر عن الجاسوس بالعين؛ لأن العين لها المزية الأولى في عمله، ورد الله تعالى عليهم بقوله: (قُلْ أُذنُ خَيْرٍ لَكُمْ) كقولنا أذن صدق، ورجل بِر، ورجل حق، فقد سلَّم بأنه أذن، يستمع إلى الأقوال التي تصل إليه، ولكن لَا يقبلها بإِطلاقها كما يتقولون، ولكن يفحصها، ويعالج نفوسكم على مقتضاها، ويتدبر الأمر لهدايتكم، ولا يبادركم بشر يناسبكم، ولا يفضحكم؛ لان الله تعالى أمره بذلك، ولأنه يقصد إلى خيركم، ولا عيب إذا سمع وصدق، ولقد قال بعض المفسرين كلمة طيبة: كلما كانت النفس ألين عريكة، وأسلم قلبا وأسهل قبولا كانت أقبل وأشد استعدادًا له، وليس هذا اللين من باب الضعف، والتأثر من كل ما يرد عليه، ويراه حتى الكذب والشرور. فهم زعموا أن النبي ﷺ إذ لم يجابههم بشرهم يقبل كل كذبهم وافترائهم، ولو كانت موثقة بالأيمان المغلظة، ونسوا أنه يعرفهم، ولكن لَا يريد أن يُنْزِل بهم أي عقاب، حتى لَا يقال إن محمدا يعاقب أصحابه وينزل بهم سوء العذاب.

стр. 4533

وبين الله ما يقوي أنه أذن خير، فقال: (يُؤْمِن بِاللَّهِ) وهذا تعريض بهم بأنهم لَا يؤمنون بالله، فهو يؤمن باللَّه حق الإيمان، ويذعن لله حق الإذعان، لَا أن يفتري ويوثق افتراءه بإيمان تدل على ما يدينهم ولا تبرئهم، ويقول تعالى: (وَيؤْمِن لِلْمُؤْمِنِينَ) أي يسلم للمؤمنين ويصدقهم، وهذا أيضا تعريض بهم، فهو يسلم للمؤمنين ويصدقهم لأنهم مؤمنون، ولا يؤمن لكم ولا يصدقكم لأنكم منافقون، فلا تحسبوا سماحته لكم تصديقا، وإنما سماحته لكم رفق في الدعوة، وتلطف بكم عسى الله أن يجعل منكم من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويخلع نفسه من النفاق وأهله، وقد عدى البيان القرآني بالباء في قوله تعالى (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ)، لأن الإيمان بالله معناه التصديق والإذعان، والتصديق يتعدى بالباء. وتعدى باللام في قوله تعالى: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)؛ لأن الإيمان فيما يتعلق بالمؤمنين معناه التسليم لهم، وقبول قولهم، مثل قوله تعالى في الإخبار عن كلام إخوة يوسف: (. . . وَمَا أَنتَ بِمؤْمِن لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، وقوله تعالى: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذرِّيَّةٌ من قَوْمِهِ. . .)، وقول الكفار لنوحٍ: (. . . أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَبَعَكَ الأَرْذَلُونَ). وقوله: (وَيُؤْمِن لِلْمُؤْمِنِينَ) فيه تعريض لهم بأنه ﵇ لَا يقبل قولهم، لأنهم ليسوا بمؤمنين، وإن رفق بهم وتلطف في القول، فالرفق شأنه، ولكن لَا يدل على ما ظنوه من أنه يقبل كل كلام ولو كان كلامهم. ثم يقول تعالى: (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا) بالعطف على (أُذن خَيْرٍ) وقرئ بالجر (١)، أي رحمة للذين آمنوا منكم. والمعنى على قراءة الجر، هو أذن خير لكم، وأذن رحمة للذين آمنوا منكم.

стр. 4534

وعلى قراءة الرفع، وهي قراءة يكون العطف فيها على (أُذُنُ)، أي هو أذن خير لكم، وأذن رحمة للذين آمنوا منكم، والضمير في (لَكُمْ) و (مِنكُمْ) يخاطب به المنافقين. ووجه الخيرية لهم أنه يتستر عليهم بقبول كلامهم، وذلك خير لهم من أن يتجهم لهم فيفضحهم، ويكشف سوءة نفاقهم، وقوله: (للذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ) أي من أهليكم وذوي قرابتكم، ومن كانوا في الأصل منكم وهداهم الله تعالى فلا يكشف عن نفاقكم بإِظهار القبول لكلامكم، وإن كان يعلم أنكم لكاذبون لكيلا يضار هؤلاء، وعندما ظهر أمر المنافقين ولم يعد خفيا ذهب ابن عبد الله بن أبي رأس المنافقين إلى رسول الله ﷺ وقال له: إن كنت قاتلا فدعني أقتله، حتى لا أحمل ضغنا لمؤمن، فكان كتمان أمرهم، وعدم مجابهتهم بالتكذيب رحمة بهؤلاء الذين آمنوا منهم. ثم ختم الله سبحانه الآية بذكر العذاب الأليم لمن يؤذي رسول الله ﷺ ، فقال: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). أظهر في موضع الإضمار لأن صدر الآية يبين أن موضوع الآية المنافقون الذين يؤذون رسول الله، فكان يصح أن يعود الضمير إليهم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار، ليبين سبحانه أن سبب العذاب المؤلم هو إيذاء رسول الله ﷺ ، ولذا قال جمهور الفقهاء: من سب رسول الله ﷺ ، فقد كفر وعُدَّ مرتدا، وحلَّ قتله إلا أن يتوب، ولهم العذاب الأليم أي لكل من يؤذي رسول الله. ولقد ذكر محاولتهم تكذيب ما يقال عنهم بالحلف، والحلف الكاذب شارة المهانة، كما قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ)، فقال عنهم: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)

стр. 4535

إن هؤلاء المنافقين حاولوا الكذب على النبي، وأيدوا كذبهم بإيمان غموس غير صادقة، وحسبوا أن ذلك يخدع رسول اللَّه ﷺ ، وظنوا أنهم قادرون على ذلك بإيمانهم لأنه أُذُن، وقد بين فساد زعمهم في الآية السابقة، وفى هذه الآية حاولوا أن يخدعوا المؤمنين بإيمانهم الكاذبة؛ لأنهم يعيشون في أوساطهم ويساكنونهم ويجاورونهم فحاولوا أن ينفوا عنهم نفاقهم بالأداة التي يملكونها ويملكها كل فاجر كافر فأخذوا يحلفون، وقال الله تعالى في ذلك:

стр. 4536

(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) لقد تخلفوا عن الجهاد في وقت النفير إلى بني الأصفر المتكاثف عددهم، فكانوا بذلك جبناء، وكانوا كاذبين في ادعائهم الكاذب، وثبت بدليل قاطع نفاقهم، والمنافق في وسط عربي صريح يعلن القوة، ولا يتقبل المعاذر - مشنوء مهين، فكانوا يحاولون تبرئة أنفسهم بالأيمان، وقوله (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ) التعبير بالمضارع لأنهم يحلفون في الحال لَا في الماضي وفيه إشارة إلى أن الحلف شأنهم وهو متجدد، وكلما كذبوا حلفوا، وكلما تخلفوا بأعذار غير صادقة حلفوا، فالحلف ديدنهم. وقوله تعالى: (لَكُمْ) إشارة إلى أن من معهم من العشراء والجيران من المؤمنين هم المقصودون، وقد صرح بذلك فقال: (لِيُرْضُوكُمْ) أي أن الباعث لهم على هذا الحلف الكذب إرضاؤكم، وإزالة الوحشة بينكم وبينهم، وزوال النفرة التي تحسونها منهم. وإن هذا الإرضاء مع أنهم يطلبونه يريدونه لغاية في أنفسهم؛ لأن دوام النفرة منهم يمنعهم من الثقة فيهم، وذلك لَا يمكنهم من الدس الخسيس فيهم إذ لا يثقون فيهم، والدس يحتاج إلى الثقة ممن يدسون لهم، ويلقون بالفتنة فيهم، وقد بين الله سبحانه الغش في محاولة الإرضاء، فقال تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ) أي أن العيب فيكم ليس في اعتذار أو تخلف أو كذب، إنما العيب الأصيل هو النفاق، فالنفاق هو الذي جعلكم تتخلفون عن

стр. 4537

الجهاد، وهو الذي جعلكم تعتذرون عنه بأعذار مكذوبة، وهو الذي جعلكم تحلفون ممتهنين الأيمان المغلظة. فهم حاولوا إرضاء المؤمنين ولم يحاولوا إرضاء الله ورسوله لأنهم يعلمون أن ذلك غير ممكن، ولذا قال تعالى فيما تلونا (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ) أي لو كانوا مؤمنين ولا يريدون التخلف، وإن تخلفوا فبأعذار صادقة - لآمنوا أن الله ورسوله أحق بالإرضاء، وإرضاء الله ورسوله ليس يالأيمان الكاذبة، إنما هو بأن يخلعوا أنفسهم من النفاق، ويؤمنوا بالله ورسوله حق الإيمان. وفى قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) إشارة بيانية، وهي أن الله تعالى ورسوله ذكر أنهما أحق بالإرضاء، ولكنه عند عود الضمير أعاده مفردا (يُرْضُوهُ)، وذلك للإشارة إلى أن إرضاء أحدهما إرضاء لهما، فإرضاء الله تعالى إرضاء للنبي ﷺ ، وإرضاء النبي ﷺ إرضاء لله تعالى، كما قال: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. .)، وفي ذلك إشارة إلى أن الذين يؤذون النبي ﷺ ، إنما يتهجمون على مقام الألوهية ويتحدون الله ورسوله، ولقد قال تعالى:

стр. 4538

(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) لقد كان هؤلاء المنافقون مع ما يظهرون من محاولة إرضاء المؤمنين ليبثوا فيهم الخور، وضعف العزيمة، حتى إنه في غزوة " أُحُد " بتأثيرهم - همَّت طائفتان أن تفشلا بعمل كيدهم. كانوا مع ذلك يستهزءون بالمؤمنين والنبي ﷺ وقد وضعوا أنفسهم في حيز، محادين الله ورسوله، فقال تعالى فيهم: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الاستفهام هنا للنفي والتوبيخ، ولم نافية، ونفي النفي إثبات كما يقول أهل العلم بالعربية، فالمعنى لقد علموا أنه من

стр. 4539

يحادد الله ورسوله، فأن لهم جهنم، وكان الإثبات بهذه الطريقة البيانية لتأكيد علمهم وتأكيد شرهم، كأنهم أقدموا على هذا الشر عالمين، ووجه التأكيد في التقرير بهذه الطريقة مؤداه أنه سئل عنهم: يعلمون أم لَا يعلمون، فأجيب عنهم بأنهم يعلمون، فكان في ذلك فضل تأكيد. وحاده كـ (شاقَّه)، أي جعل بينه وبين الحق حدا، لَا يصل الحق إليه، ولا يحاول هو أن يصل إلى الحق، ومن يكون في جانب، والله تعالى في جانب آخر، كأنه يناوئه ويقاومه، ولقد قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْما يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .). وقوله تعالى: (فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) فيها قراءتان قراءة حفص بفتح (أن)، وتخريج القول على هذه القراءة أن النار واقعة في جواب الشرط، وأن والمصدر المنسبك منها وما بعدها، فاعل لفعل محذوف تقديره (فقد ثبت أن لهم جهنم خالدين فيها أبدا)، وهناك قراءة بكسر (إن) (١)، وتكون هي وما بعدها جملة مبتدأة، واقعة في جواب الشرط، أو دالة على جواب الشرط، وذلك على تقدير أن الشرط محذوف، ويكون المحذوف تقديره (هالك). قوله تعالى: (ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)، أي أنهم إذا كانوا في الدنيا يتسترون بنفاقهم، ويخفون حقيقة أمرهم، فإن ذلك مكشوف يوم القيامة، إذ ينكشف أمرهم ويتبين حالهم، ويكون خزيهم وهم خالدون فيها المنافق دائما حذِر من أن ينكشف أمره، وقد رأوا النبي ﷺ ينزل عليه الوحي ويخبره بكشف أمر المنافقين، فكانوا يخشون إذا نزلت سورة أن يكون فيها كشف لأمر من أمورهم، فقال تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِم سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)

стр. 4540

(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ) إخبار عن المنافقين بأنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة، والحذر يكون دائما من شأن من يستر شيئا؛ لأنه يخشى أن يكشف، وإذا كشف ضاع الغرض الذي ستره من أجله، والسورة الجزء من القرآن المفصول عن غيره كأنه سوِّر بسور يحدُّه، والتنزيل من الله تعالى على نبيه الكريم، فلا تنزل على المنافقين، إنما تنزل على قلب محمد الأمين، فكيف تنزل عليهم، ولكن المراد أنها تنزل في شأنهم، وكانت التعدية بـ (على) للإشارة إلى أنها تنزل عليهم كالصاعقة يفاجئون بها، وعلى ذلك يكون الضمير في (عَلَيْهمْ) يعود إلى المنافقين، وكذلك الضمير في (تُنبِّئُهم)، وقوله تعالى: (بِمَا فِي قلُوبِهِمْ) ويصح أن يكون قوله تعالى: (يَحْذَر الْمُنَافِقون) في معنى الأمر، وكثيرا ما تجيء الصيغة الخبرية بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ. . .)، وكما في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قًرُوء. . .)، فإن الخبر في كل هذه الصيغ يدل على الطلب. ولكن تخريجها بمعنى الخبر أولى؛ لأنه يناسبه قوله تعالى في الآية (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ). والزمخشري يرى أن الضمير في (عَلَيْهِمْ)، و (تنَبِّئُهُم) يعود على المؤمنين والنبي ﷺ ، لأن الشأن في النزول القرآني أن ينزل على النبي ﷺ ، ومن معه من المؤمنين، وأما الضمير في قوله تعالى: (بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) فإنه يعود على المنافقين؛ لأنهم الذين يخفون ما لَا يبدون، فالأنسب أن يعود إليهم، والقرائن تعين عودة الضمائر على هذا النحو. كان المنافقون يستهزئون في مجالسهم بالنبي ﷺ وبالمسلمين وبالجهاد، حتى أنهم كانوا في غزوة تبوك التي كانت ذاهبة إلى الشام يتهكمون على المؤمنين، ويستهزئون بهم، ولا يكتفون بالقعود عنهم، ولقد روي أنهم كانوا يقولون مستهزئين: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات. وكانوا يريدون ألا يطلع على ذلك أحد من المؤمنين، ولذا قال تعالى:

стр. 4541

(قُلِ اسْتَهْزِئُوا) هذا أمر للتهديد، كقولك للمجرم الذي بدا إجرامه افعل ما شئت، وكقول النبي ﷺ : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (١). (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ) أي إن الله تعالى كاشف ما تأتمرون به، وما تستهزئون به من قول يكشف عن نفاقكم، وفي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ) أي أن يخرج، تأكيد لإخراج هذا الأمر الذي يحذرون خروجه، أولا بالجملة الاسمية، و (إِنَّ)، الدالة على توكيد الخبر، وفي التعبير بلفظ الجلالة الذي يربي الرهبة والخوف في النفس، وقوله (مُخْرِجٌ) فيه إشارة إلى مبالغتهم في الحذر، كأنهم دفنوه فأخرج من دفين نفوسهم. ولقد جاء في تفسير أبي مسلم أن قوله تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ. . .) من قبيل على القرآن، فقال هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزإء حين رأوا رسول الله ﷺ يذكر كلامهم ويدعي أنه من الوحي، وكان المنافقون يكذبون ذلك فيما بينهم، فأخبر الله وسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا إظهاره، ولذلك قال تعالى: (قُلِ اسْتَهْزِئُوا)، أي بالله وآياته ورسوله، أو افعلوا الاستهزاء، وهو أمر تهديد (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) أي مظهر بالوحي ما تحذرون خروجه. ويقول إن هذا احتمال، ولكن السياق القرآني يدل على استهزاء أظهره الله تعالى، وإن هذه الآية تدل على أنهم يكثرون من الاستهزاء والله مخرج أمورهم، حتى لَا يخدع فيهم مؤمن قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠). * * *

стр. 4542

قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) * * * كان المنافقون في المدينة يثبطون المؤمنين عن الجهاد ببث التخاذل فيهم، ووضع ما يؤدي إلى الفشل والعجز فيما بينهم لَا يبالون، ما يمنعهم من غرضهم عشيرة أو جوار، أو أنه إذا نزلت بالمدينة كارثة لَا ينجون منها. فكانوا يستهزئون بالمؤمنين في مجالسهم، ويتهكمون عليهم، إذا خرجوا إلى الجهاد حاولوا تثبيطهم عنه ببث روح الفشل، أو بالتهكم اللاذع، واستصغار شأن المؤمنين، ومما جاء في مقالتهم من نفاقهم " أنه بينا رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك كان ركب من المنافقين وبعضهم يقول لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض، والله لكأنَّا بهم مقرنين في الحبال. قالوا ذلك ترهيبًا للمؤمنين، وقال رجل من المنافقين طعنا في المؤمنين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء.

стр. 4543

علم النبي ﷺ بهذه الأقوال، وراجت وشاعت بين المؤمنين، وكانت تشتد شيوعًا كلما كان قتال؛ لأنه يلهج ألسنتهم بفساد القول كلما كانت حرب أو شدة لتكون السخرية، ويكون التثبيط. وإذا سألهم النبي ﷺ عن هذه الأقوال أقروا بها، وبمقصدهم منها، وهو العبث، وهذا قوله تعالى:

стр. 4544

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). والخوض هو الدخول في الماء والانغمار فيه، ثم أطلق على الدخول في الكلام الذي يسمرون به، والقصص من الأساطير، واللعب من الفعل أو القول الذي لَا يكون لغاية، بل لمجرد العبث، أو الاستهزاء والسخرية. وقد أكد الله سؤال النبي ﷺ بقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ) بالقسم وفيه اللام الممهدة للقسم، وحذف المفعول؛ لأن أقوالهم كثيرة، وكان جوابهم مؤكدا تبعا لتأكد القسم، فهم أكدوا أنهم كانوا يخوضون ويلعبون، ومعنى ذلك أنهم كانوا يستهزئون، ولذلك أمر الله تعالى نبيه بأن يقول لهم: (قلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ). بين الله خطر استهزائهم بالخوض في الكلام العابث، واللعب الجاحد، بين لهم أن ذلك يتضمن الاستهزاء بالله خالق كل شيء، والآيات التي ترشد العقلاء إلى الحق، والرسول الصادق الأمين الذي قامت الأدلة من القرآن ومن شخصه على الرسالة، فكفروا بالله وكذبوا الآيات. وتقديم (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسولِهِ) على الفعل يستهزئون فيه إشارة إلى تخصيص هؤلاء بالاستهزاء، فأي ضلال أشد من هذا، وأي كفر وجحود أشد. والاستفهام هنا للاستنكار، إنكار الواقع أي التوبيخ على ما فعلوا. ولهذا الفجور الذي يبدر من ألسنتهم ويدل على قلوبهم، قال الله تعالى: (لَا تَعْتَذِرُوا)؛ لأن كل اعتذار يلقون فيه أنفسهم بهاوية من الكفر أشد مما هم فيه، فقال تعالى:

стр. 4545

(لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ... (٦٦) والنهي هنا على حقيقته، فالله تعالى ينهاهم عن الاعتذار؛ لأن الاعتذار يؤدي إلى أن يقعوا في ذنب أشد مما يعتذرون عنه لحميتهم، وجهالتهم بسبب النفاق الذي أركس نفوسهم في الشر، أو نقول النهي للتهكم باعتذارهم الذي يجعلهم يعترفون بأفحش ذنوبهم. والاعتذار محو أثر الذنب، وأصله القطع، واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة، فهم يحاولون إزالة ما أوجده كلامهم من بهفر، فيزيدون الذنوب. والاستهزاء استخفاف، فإذا كان بالله وآياته ورسوله فهو كفر، ولذا قال تعالى في اعتذارهم وإقرارهم بالاستهزاء (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) وقد أكد الله تعالى كفرهم بـ (قَدْ) الدالة على التحقيق فأكد الله تعالى كفرهم، وقوله تعالى: (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) والنفاق ليس فيه إيمان، والمنافق ليس بمؤمن، ولكنه يظهر الإيمان، ويكون بعد إيمانكم أي بعد إظهار إيمانكم، فكشفتم كفركم بعد ستره، فافتضح أمركم بعد أن سترتموه، أو نقول: إنه كان فيهبم ضعفاء الإيمان، فكان اشتراكهم معهم في الاستهزاء والسخرية بالله تعالى وآياته ورسوله كفرا لهم بعد إيمان كان فيهم، وإن كان ناقصا، وإني أختار هذا، والله تعالى أعلم. ثم يقول سبحانه: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً)، إن عفو الله منوط بالتوبة، الطائفة التي يعفو الله عنها هي التائبة، فالتوبة تجبُّ ما قبلها، وقد كان في هؤلاء الذين خاضوا ولعبوا وتعابثوا، من تاب وأناب. وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره نقلًا عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس: وكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أن أُعنى بها (أي لأنه كان ممن خاضوا بها) تقشعر منها الجلود، وتوجل منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لَا يقول أحد أنا غَسَّلتُ، أنا كَفَّنت، أنا دفنت. فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره.

стр. 4546

هؤلاء هم الذين عفا الله عنهم، وهذا أحدهم لقد تاب فعفا الله عنه وصار من الشهداء الصديقين، وأسند سبحانه العفو والعذاب إليه سبحانه تعظيما لمقام العفو، وتهديدًا بأهل العذاب، ولقد بين سبحانه العذاب، بقوله تعالى: (بِأَنَّهُم كانُوا مُجْرِمِينَ) الإجرام الذنب الكبير الذي يكون له جِرم، وتفعله الجوارح، وتكتسبه النفس، وقد أشار سبحانه إلى أنهم مستمرون على إجرامهم ولم يتوبوا، ولذلك يتأكد إجرامهم واستمرارهم عليه، وعدم انخلاعهم منه، فقد أكد الإجرام بالجملة الاسمية، و (أن) الدالة على تأكيد ما بعدها، و (كان) التي تؤكد القول، وتدل على استمراره. أحوال المنافقين وصفاتهم وقد بين سبحانه صفات المنافقين الذين لَا يرجى إيمانهم، فقال تعالت كلماته:

стр. 4547

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) إن المنافقين ينعزلون عن الجماعة المؤمنة، فهم في نفرة عنهم، ويكونون أنفسهم جماعة موحدة يجمعها فكر عام موحد يناقض الجماعة العامة التي يعيشون فيها، فلا يرضيهم ما يُرضي الجماعة بل يخالفونها، ويناقضونها فيما تفكر وفيما تعمل، فقد عزلوا أنفسهم عنها، فإذا كانت الجماعة العامة متضافرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهم عكسوا، معروفهم منكر عند جماعة المؤمنين، ومنكرهم هو المعروف، ولذا قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضُهُمْ مِّنْ بَعْضٍ) أي أنهم كل متصل الأجزاء، ولايتهم واحدة وتناصرهم واحد، وفي هذا تكذيب ليمينهم الكاذب فيما نقله سبحانه عنهم (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ. . .)، وهو تأكيد لما قاله سبحانه في نفي أنهم منكم.

стр. 4548

وقد أشار إلى أنهم متضافرون في أسرهم، فأسرهم في الجملة منافقة، ولذا ذكر المنافقات مع المنافقين، وقال تعالى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، أي أنهم لُحْمة متصلة يتغذى بعضهم بلبان النفاق من بعض، فهم بيئة واحدة يغذيها لبن النفاق، أو بالأحرى سُمُّه. وقد ذكر سبحانه أحوالهم: أولاها: أنهم ينشرون الفساد في الفكر والعمل، فلهم رأى عام يخصهم يسوده الفساد في النفوس والأخلاق، يشجع الرذيلة ويتهكم على الفضيلة، وعبر عن ذلك بقوله: (يَأمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) يشجعون كل ما هو شر، ويمنعون كل ما هو خير، معروفهم منكر، ومنكرهم هو المعروف، وهكذا يقضى الله على بعض الجماعات الإنسانية بالشر، كما نرى الآن من منافقي عصرنا، فعدلهم ظلم وحريتهم اعتداء، وشوراهم استبداد. الثانية: أنهم غير متعاونين في ذات أنفسهم، وفي جماعتهم فلا ينفقون في خير قط، والشح يستولي على نفوسهم، ولا يجعلون أنفسهم في وقاية منه، بين تعالى في ذلك الوصف بقوله تعالى: (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) القبض ضد البسط، وقبض اليد غلها عن الإنفاق، فعبر عن عدم الإنفاق في موضعه بقبض اليد، كما عبر عن الإنفاق في موضعه ببسط اليد، كما قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. . .). الثالثة: أنهم ينسون الخير نسيانا، فإذا ذكر لهم الخير تهكموا بصاحبه، وقالوا مستهزئين متهكمين بمن يتكلم في الفضيلة، وهذا عبر الله عنه بقوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) أي نسوا الله تعالى فلا تذكره قلوبهم، ولا تطمئن به، إن القلوب إذا نسيت الله لَا تطيع أمره، ولا تجتنب نواهيه، ونسيان الله تعالى ألا يوفقهم لخير، وأن يجعلهم منغمسين في الشر الذي اختاروه والضلال الذي أحيط بهم.

стр. 4549

وإن المنافقين قد ينفقون في حالين: إحداهما أن يستروا نفاقهم، كما كان المعتذرون المتخلفون عن الجهاد يعتذرون عن الخروج، ويقولون هذه أموالنا خذوا منها ما شئتم. والحال الرابعة - أن ينفقوا في الشر لتأييد الفاسدين، وقد نسوا رقابة الله، فنسيهم أي فتركهم يرتعون ويعبثون حتى يوم الحساب. ولقد قال تعالى حاكما عليهم: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقونَ) الفسق هو الخروج والتمرد على الحقائق، وهو هنا أشد من الكفر، فهم كافرون بنفاقهم إذ يسترون الكفر، ويظهرون الإسلام، وبهذه المساوئ التي أشار إليها الكتاب العزيز، فيتمردون على الله، ويعاندونه، ويحادونه إذ يحادون الحق. وقد قال الزمخشري: إن فسقهم هو الفسق الكامل، ونقول إن الله تعالى أكد فسفهم، بالجملة الاسمية، وبـ (إِنَّ)، وقصرهم على الفسق بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل (هم)، أي أنهم مقصورون على الفسق لَا يخرجون من دائرته فهو محيط بهم، إحاطة الدائرة بقطرها. وقد ذكر الله تعالى عذابهم، فقال تعالى في كتابه العزيز:

стр. 4550

(وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) هذا وعيد الله تعالى للمنافقين والمنافقات، ويلاحظ هنا أنه أظهر في موضع الإضمار، فذكرهم بأوصافهم للدلالة على أن النفاق هو السبب في هذا العقاب الشديد، ونص على النساء المنافقات؛ لأنهن يكوِّنَّ الأسرة التي يُعشش فيها، ويشتركن في إيجاد البيئة المنافقة التي يسودها الفساد ويحكمها الشر، وقد ذكر الكفار بعد المنافقين، وهم والمنافقون داخلون في الكفر؛ لأنهم كفار يزيدون النفاق، ولذا قدموا لأنهم أوغلوا في الكفر، والكافر الضال مظنة التوبة كما تاب الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأما المنافق فإنه ملتوي النفس ملتوي الفكر، وقد يكون

стр. 4551

الكفار سبب كفرهم عصبية جاهلية، أما المنافقون فسبب كفرهم مع هذا الانحياز الذي يشبه الانحياز العصبي فإنه يوجد في رءوسهم ضلال في الفكر والتواء في القصد. وذكر سبحانه الموعود فقال: (نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا). ذي ثلاثة أولها نار جهنم، يلقون فيها وهي تتسع لهم جهنم (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)، وهي مراتب ودركات، (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. . .)، فهم أشد الكفار عقابا، وأعظمهم عذابا. ويقول سبحانه: (هِيَ حَسْبُهُمْ)، هي الكافية، وهذا يدل على هولها، وشدتها، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، وهي عقاب مادي. والنوع الثاني: عقاب معنوي، وهو الطرد والإبعاد المعنوي، وعبر عنه بقوله: (وَلَعَنَهُمُ) أي طردهم من رحمته، وأبعدهم عنه سبحانه لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم. الثالث: عبر عنه بقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مقِيمٌ) أي مستمر دائم، وعطفه على هذين السابقين دليل على أنه غيرهما؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، ولم يعين سبحانه نوعه، ولكنه أخبر به فيجب علينا أن نصدقه. * * * قال تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ

стр. 4552

نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) * * * بين الله تعالى في الآية السابقة العقاب الشديد الذي يستقبل الكافرين، وخص المنافقين بالذكر، لأنهم كفار أخساء لؤماء، مفسدون، ثم بين أن ذلك العذاب قريب وليس ببعيد، وأنه أصاب الذين من قبلكم، فقال مقربا لعذابهم ممثلا له بعذاب من سبقوهم، فقال:

стр. 4553

(كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) الذين سبقوكم بالكفر والطغيان، والخطاب للكفار والمنافقين، وإن ذكرهم وقد فَنوا يومئ إلى أنهم سيكونون مثلهم في فناء، وأن الحياة الدنيا التي آثروا متعها فانية، وقوى ذلك المعنى المشار إليه بقوله تعالت كلماته: (كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا) كانوا في قوة غزت الأقاليم وفتحت البلاد ودانت لهم رقاب العباد، وسيطروا على الأرض، كان عدد الملأ من قوم فرعون كثيرا، والأموال من الزرع والثمار والسائمة، تجري في أيديهم، فأنى يكون عددكم بجوار عددهم، وأموالكم وأنتم بواد غير ذي زرع بجوار أموالهم، ومع ذلك حسبوا الحياة كل شيء ففنوا مع فناء حياتهم الدنيوية. قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) أي بنصيبهم الذي خلقه الله تعالى لهم، استمتعوا بهذا النصيب، وحسبوه الحياة، ولا حياة بعدها، وتحكموا واستكبروا، وقال الطاغوت الأكبر فرعون - ومن شابهه -: (. . . أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي. . .)، وسرتم سيرهم، فحسبتم أن الدنيا هي الحياة، ولا حياة بعدها. ولذا قال تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ). استمتع معناها طلب المتعة، ونالها، فالأقدمون استمتعوا بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وجعلوها متعتهم، وقصروا متع حياتهم عليها لَا يطلبون غيرها من متع

стр. 4554

الآخرة، ولا يريدونها، والفاء في قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، ترتب محاكاة واتباع، فطلبتم ما طلبوا، وحاكيتموهم فيما فعلوا، ولذا قال: (كَمَا اسْتَمعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلاقِهِمْ) ثم قال تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) قلنا: إن الخوض معناه دخول الماء، واختفاء الأرجل والسير فيه، وأطلق على الخوض في الباطل والإثم، وفيه مجاز، من حيث تشبيه الخوض في الباطل بالخوض في الماء من غير تعرف لما فيه، وقد يكون فيه صخور، أو أشياء تجرح وتضر. (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) أي خضتم في الباطل كالذي خاضوا فيه. والمعنى تشابهت أحوالكم مع أحوال من سبقوكم فاستمتعتم بحياة لاهية رخيصة، من غير نظر إلى عاقبة أموركم وأمورهم وحسبتم أن خلاقكم في الدنيا هو الحظ الأوفر، فلم تفكروا في الآخرة، ولم تعملوا على صلاح أموركم فيها، بل إنكم أنتم وهم حسبتم أن حياتكم هي الدنيا، وظننتم أنكم خلقتم عبثا من غير غاية، وأنه ليس هناك يوم تجازون فيه، وإن الصيغة الكريمة تومئ إلى أن قصر الحياة على حظوظ الدنيا استهانة بأنفسهم، وقد قال الزمخشري في بيان السبب في تكرار التشبيه لحالهم بحال من سبقوهم من الفجرة الآثمين العاتين، وفائدته أن يَذُم الأولين بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتها الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الصلاح في الآخرة، وأن يصغر أمر الاستمتاع بها، ويهين أمر الراضي بها، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله، فتقول: أنت مثل فرعون؛ كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله. فهو يشير إلى سوء حال من سبقوهم، ويبين أنهم مثلهم. ثم قال تعالى: (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) الإشارة إلى أوصافهم من أنهم حسبوا الحياة لهوًا ولعبًا، فاستمتعوا بحظهم فيها، واستمتعتم أنتم مثلهم، هذا سبب أن حبطت أعمالكم، أي بطلت؛ لأنها تحمل في نفسها أسباب فسادها،

стр. 4555

وأولئك هم الخاسرون، وقد تأكدت خسارتهم، وفي الكلام قصر، واختصاص أنهم مقصورون على الخسران، فلا فلاح لهم في الدنيا إذ تكون حياتهم يأكلون ويمرحون، ولا فلاح لهم في الآخرة إذ يستقبلهم العذاب المهين. وقد أشار سبحانه إلى الهلاك الذي نال من سبقوهم فقال تعالى:
следующие страницы →