← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) فالأمر في معنى بيان الياس، كما قال الله تعالى لنوح ﵇: (. . . لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ. . .)، ومحط الخبر في قوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) وعدد السبعين يراد به الكثرة، وكان العرب يستعملونه في الكثرة التي لَا يحصيها عد. وهذا المعنى الذي اختاره ابن كثير، فقد قال (يخبر الله تعالى نبيه) بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، وقد قيل إن السبعين مرة ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها) فهذه الآية فيها بيان أنه لَا يرجى إيمانهم، فيرجى الغفران لهم؛ لأن الله تعالى قد غضب عليهم، فقال تعالى: (اسْتغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) وعلل ذلك بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ولا رجاء في أن يؤمنوا كما يدل آخر الآية. ولقد قال بعض المفسرين إن (أو) للتخيير، وإن الأمر للإباحة، فأباح الله تعالى للنبي أن يستغفر أو لَا يستغفر، ورد ذلك المعنى عن ابن عباس ﵄ وأنه ﷺ قال: " لأزيدن على السبعين " (١) ولكن يقول القشيري: لم يثبت ما روي أنه قال لأزيدن على السبعين. وقد ذكر في ختام الآية الكريمة ما يدل على أنهم مردوا على النفاق، وأوغلوا في الكفر فقال ﵎: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

стр. 4587

الْفَاسِقِينَ) وهذا بيان لليأس من أن يهديهم، والقوم الفاسقون هم الجماعة التي تمردت على الحق وفسقوا عن أمر ربهم، وتحالفوا على الضلال، وكلما بزغ بينهم داعي هدى أسكتوه، وكلما ظهر لهم نور الحق أطفأوه، فهم تعاونوا على الإثم والعدوان. ولا يهديهم الله ، لأنهم مسلوبو الإدراك، وأصبحوا سادرين في طريق الغواية، وإن أولئك المنافقين كانوا يفرون من الجهاد، ويفرحون بتخلفهم عنه، ولقد قال تعالى في ذلك:

стр. 4588

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) (الْمُخَلَّفُونَ) هم الذين خطفوا عن الجهاد في غزوة تبوك وكانت في أشد الحر وفي وقت جني الثمار والاستنامة إلى الراحة في ظلال الأشجار. وهم تخلفوا مختارين، ولم يتخلفوا مجبرين، ولكن عبر عنهم باسم المفعول للإشارة إلى أن الله تعالى لم يرد انبعاثهم كما قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦). ولذا قال تعالى في النظم السامي (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ)، ولم يقل سبحانه (المتخلفون). ولكن مع أنهم ثبطهم الله فخلفوا لم يكن ذلك بإرادة النبي ﷺ الظاهرة، بل إنه ﵇ دعاهم كما دعا غيرهم، ولذا قال تعالى: (بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسولِ اللَّهِ) المقعد مصدر ميمي معناه القعود، أي بقعودهم مخالفين رسول الله ﷺ " فخلاف " مصدر بمعنى مخالفين، وقيل إن (خلاف) معناها خلف رسول الله ﷺ والمعنى على الحالين، أنهم فرحوا بقعودهم وراء رسول الله ﷺ مؤثرين أن

стр. 4589

يكونوا من النظارة الذين لَا يخوضون الحروب، وأن يكونوا كالنساء قاعدات في أخدارهن، وقال تعالى في الباعث الذي بعثهم على هذه الحال المزرية بالرجال فقال تعالت كلماته: (وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كرهوا أن يخرجوا مجاهدين بإنفاق أموالهم؛ لأنهم بخلاء في كل ما هو خير، وكرهوا أن يجاهدوا بأنفسهم؛ لأنهم جبناء أولا، ولأنهم لَا يؤمنون بالله، ولا يجاهدون في سبيله ثانيا، وقال سبحانه: (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا) ولم يقل كرهوا أن يخرجوا، مع أن الكراهة ابتدأت بالتثاقل في الحزوج، بل قال: (وَكرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا) للإشارة إلى سبب عدم الخروج أولا، وللإشارة إلى حال المؤمنين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، فهو تعريض بالمؤمنين فيه مقابلة بينهم، فالمؤمنون يتحملون المشاق، والمنافقون يتخاذلون. وقد اتخذوا لعدم خروجهم تعلة أخرى، وهي الحر الشديد (وَقَالوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ) أي قالوا فيما بينهم مجمعين على هذه التعلة، فقالوا فيما بينهم، ووصلت إلى مسامع المؤمنين ليخذلوهم، راجين أن يبثوا الفزع بينهم، ويثبطوهم عن الجهاد، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرد هذا القول ببيان أنهم مخيرون: جهاد في الحر، أو لقاء جهنم، ولا مناص من أحدهما، فقال عز من قائل: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا) أي أنهم إن كانوا عقلاء يدركون أن هذا الحر الشديد موقوت، ومربوط به العزة والكرامة، وإرضاء الله، وإن تركوه استقبلهم عذاب الأبد، وهو نار أشد حرارة، بل لَا يوازيها حر الدنيا، وإن الحر الموقوت بأجل الذي يترتب عليه خير عظيم، أولى بالترك والإهمال من الحر الدائم بنار جهنم، وذلك يكون لأهل الإدراك والموازنة بين تعب عاجل قليل، ونار دائمة، ولذا قال تعالى: (لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) الفقه الإدراك النافذ إلى لباب الأمور، فلو كانوا يفقهون الأمور لوازنوا بين ما يستقبلهم في تخلفهم، واتقاء حر الدنيا، وبين ما يلقونه بعد البعث، وإنه لآت لَا ريب فيه، وجواب (لو) محذوف للإشارة إلى أنهم يرون هولا عظيما.

стр. 4590

إنهم يختارون المتعة العاجلة القليلة، ويختارونها ويتركون المتعة الدائمة، ويقبلون العذاب الأليم، ولذا قال تعالى:

стр. 4591

(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) ويقول الزمخشري في قوله تعالى: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) استمهال لهم؛ لأن من تصوَّن عن مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل ولبعضهم: مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم أرْيُها شبه الصاب فكيف بأن أتلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب والمعنى أن مسرة أحقاب يعقبها مساءة يوم يكون عسلها مرا كالصاب، وهو شجر شديد المرارة، فكيف يرضى العاقل بأن يلقى مسرة ساعة، وراءها مساءة أحقاب، أي أزمان. وإن الآيتين متصلتان، (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا) وكنى بالضحك عن السرور والفرح بالقعود عن الجهاد اتقاء للحرارة، فإن الضحك يلازم السرور عادة، وهو مظهر من مظاهره، كما أن البكاء كناية عن الألم الدائم؛ لأن البكاء ظاهرة من مظاهر الألم الشديد. والفاء في قوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا. . .) للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ لأن المعنى العام، إذا كانوا قد فروا من الغزوة اتقاءً للحر في الوقت القصير، وأهملوا ما يستقبلهم من حر جهنم الأشد الذي يكون جزاء التخلف، فقد استبدلوا البكاء الطويل بضحك قليل. والأمر للتهكم على أولئك الذين لَا يفقهون، وتهديد لهم، وجاء التهكم بصيغة الأمر لما في معنى الأمو من الحتم واللزوم، وأنه واقع لَا محالة، فهم بلا ريب سيكونون في سرور وقت قصير في الدنيا، ثم يكون من بعده ألم طويل في

стр. 4592

الآخرة، وإنه يدل على أن ذلك البكاء الطويل من نار جهنم حتم لازم، وقوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ) أي أن الله تعالى يجازيهم ذلك الجزاء، ونصب جزاء على أنه مفعول لأجله. أي أن ذلك البكاء الطويل يكون جزاءً مقابلا للضحك القليل، والرضا بالعذاب الطويل في مقابل الراحة القليلة، أو اللذة العاجلة في مقابل المنفعة الدائمة الخالدة، ويستحق ذلك الجزاء، وقال تعالى: (بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ) أي بسبب وفي مقابل ما كسبوه من راحة مؤقتة، وترك للواجب، والكسب ما يصير عادة للنفس، وتستمر عليه في حياتها. فهذا العذاب للمنافقين ليس لأجل هذا القعود فقط، وإن كان إثما كبيرا فهو عقاب على ما كسبوه في أنفسهم، وصار حالا مستمرة لهم كانوا يفعلون بموجبه دائما مع المؤمنين. والتعبير بـ (كان) مع الفعل المضارع في قوله تعالى: (بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ) يدل على استمرار هذا الذي كانوا يكسبونه، وتجدده آنًا بعد آنٍٍ كلما كان أمر جامع، وكلما بدا نفاقهم المستمر. كانت تبوك غزوة اختبر الله بها المؤمنين فبانَ من استخذى وندم، ومن نافق وأصر، وما كان استئذان المنافقين لسبب يوجب قعودهم، بل كان خدعا للنبي ﷺ ومن معه، فلكي يعرفوا أن أمرهم صار مكشوفا، ولكيلا يحاولوا خدعه ﷺ نهى الله تعالى نبيه عن أن يأذن لهم، فقال تعالى:

стр. 4593

(فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) رجعك الله إلى المدينة سالما غانما، فالرجوع إلى الجميع مؤمنين ومنافقين، فلما خص الرجوع إلى طائفة منهم، والضمير في منهم يعود إلى

стр. 4594

المنافقين؛ لأنهم موضع حديث الله تعالى في كتابه سبحانه إذ الكلام في أحوالهم النفسية وتخذيلهم للمؤمنين وخدعهم لهم، ونقول خص سبحانه الرجوع إلى طائفة من المنافقين؛ لأن هذه الطائفة هي التي اعتادت التثبيط، وبث روح التردد والهزيمة، وهي تعاود الاستئذان كلما اشتدت الشديدة وجد الجد، لَا ليقعدوا فقط، بل ليكونوا أسوة لغيرهم، فيقتدى بهم من ضعفاء الإيمان والجبناء من يصيبهم هلع عند الحرب، وفزع عند اللقاء. هذا هو الذي بدا لنا. من التعبير في قوله: (فَإِن رَّجَعَكَ اللَّه إِلَى طَائِفَة مِّنْهُمْ) إذ هي التي اعتادت التخذيل والتثبيط، وبث روح التردد والهزيمة، وقوله تعالى: (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) الفاء هنا للترتيب والتعقيب، أي أنه بمجرد أن ترجع إليهم يفاجئونك بالاستئذان كعادتهم، وقد يكررون في هذه الحال معاذيرهم الكاذبة، وهذا يدل على أن هذه الطائفة منهم هي ذات المعاذير المتكررة المثبطة. ولقد أمر الله تعالى نبيه بأن يسجل عدم الثقة معهم، وأنه لَا يعدهم في جماعته المؤمنة المجاهدة فقال تعالى: (فَقل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدَا وَلَن تُقَاتلُوا مَعِيَ عَدُوًّا). وأمر الله تعالى نبيه بأن يقول لهم: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) بالنفي المؤكد بـ (لنْ)، لأن لن لتأكيد النفي، ولقد قال الزمخشري في تفسير قوله: (لَنْ تَخْرُجُوا) إن لن لتأكيد النفي، وسواء أكان القول ما قال الزمخشري أم لم يكن، فإن النفي هنا للتأكيد بقوله تعالى أبدا. وكان قرار منع الخروج الأبدي؛ لأنهم خرجوا في أحد، فهمت طائفتان أن تفشلا بتخذيل المنافقين ثم تركوا هم الغزوة، ليسلك غيرهم مسلكهم، وأفسدوا ما بين المؤمنين في غزوة بني المصطلق، وقال قائلهم: (. . . لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. . .)، وهكذا فهم إذا خرجوا مع المؤمنين كان منهم السعي بالشر بينهم، وقال تعالى: (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) وإن هذا

стр. 4595

النفي المؤكد هو تقرير للواقع، فهم لَا يقاتلون أعداء النبي ﷺ بل هم يوالونهم، ولا يعدونهم أعداء. وإن الله تعالى العليم الخبير أعلم نبيه ﷺ بأمرهم، ولكن أمر نبيه بأن يأخذ من ماضيهم دليلا على حاضرهم فكان أمر بقوله لهم: (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أكد رضاهم بالقعود أول مرة بـ (أن)، وخاطبهم بهذا القول، وقالوا: إنما أول مرة، هي عندما دعاهم للقتال وتثاقلوا، ونقول: ليست هذه أول مرة، بل كانت أول مرة هو رجوعهم في غزوة أحد، وتثبيطهم للمؤمنين حتى همت طائفتان أن تفشلا، كما تلونا. وإنهم إن خرجوا لَا يخرجون للجهاد والقتال، بل يخرجون للغنيمة كما قال تعالى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥). ويقول الله تعالى آمرًا نبيه بذلك القول: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (الفاء) للسببية، والأمر هنا للتهكم عليهم والنذير بهم، و (المخالف) اسم فاعل من خلف، أي كان وراء المجاهدين متخلفا عنهم مع القاعدين من النساء والضعفاء الذين لا قدرة لهم على قتال، وقيل إن معنى المخالفين الفاسدين في ذات أنفسهم وضمائرهم، ولقد قال ذلك القرطبي في كتابه أحكام القرآن، فقد قال: (قيل المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسدًا فيهم من خلوف فم الصائم، ومن قولك خلف اللين إذا فسد) وهذا يدل على أن استصحاب المخذل في الحرب لَا يجوز، والله أعلم. * * *

стр. 4596

اجتناب المنافقين قال تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) * * * إن الآية الكريمة

стр. 4597

(وَلا تصَلِّ عَلَى أَحَد مِّنْهم مَّاتَ أَبَدًا وَلا تَقمْ عَلَى قَبْرِهِ) قاطعة في النهي عن الصلاة على المنافقين؛ لأن الصلاة على الميت دعاء له بالخير يناله يوم القيامة، ولأنها استغفار، والاستغفار للمنافق منهي عنه كما تلونا قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) وقوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. . .)، (١) ولأنه يجب أن يتميز المؤمن عن الكافر، والصلاة عليه فارق بين المؤمن والمنافق. والنهي ثابت ناه على وجه التأكيد، ولذلك قال: (أَبَدًا)، فلا مثنوية فيه ولا تجوز، (وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) داعيا بعد دفنه أو قبل دفنه، فمعنى قوله تعالى: (وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، يتضمن الدفن، والدعاء له عند الدفن أو بعده؛ لأنه نهى عن الصلاة، وما في معناها من الدعاء. هذا معنى الآية، ولكن روى في الصحاح وغيره أن النبي ﷺ صلى على عبد الله بن أبي رأس النفاق، والمفرق بين المؤمنين، والذي كان يوالي الكفار، من

стр. 4598

مشركين وأهل كتاب، وقد خاضت في ذلك خوضا كثيرا كتب السيرة النبوية والمفسرون بالرواية. وإننا من مجموعها نستخلص أمرين - أولهما - أن النبي ﷺ صلى عليه، ويظهر أن ذلك كان قبل نزول هذه الآية. وثانيهما - أن النبي ﷺ كفنه في قميصه (١)، وكان ذلك أيضا قبل نزول هذه الآية الناهية، وإن الصلاة عليه، لأن النبي ﷺ كان رفيقا بأصحابه، وقد كان ابن هذا المنافق صحابيا جليلا فكان ﷺ يكرم الحي، بالسكوت عن إيذاء الميت، ولقد قال النبي ﷺ عندما أسلم عكرمة بن أبي جهل لأصحابه: " لقد جاءكم عكرمة مسلما، فلا تسبوا أباه، فإن السب يؤذي الحي ولا يضر الميت ". ويروى في ذلك أنه لما مرض عبد الله بن أبي بعث إلى الرسول ﷺ ليأتيه، فلما دخل عليه قال ﷺ : " أهلكك حب اليهود "، فقال: يا رسول الله بعثت إليك لتستغفر لي لَا لتؤنبني، وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ويصلي عليه، فلما مات دعاه ابنه إلى جنازته (٢). وأما أنه ﷺ قد كفنه في قميصه فقد قال الرواة: إنه عند أسر العباس، كان قميصه قد فُقد، فلما رآه النبي ﷺ من غير قميص رق له، وقد ناصره بعد أبي طالب، فطلب صحابته أن يأتوا بقميص، فلما يوجد قميص على تفصيله إلا قميص عبد الله بن أبي؛ لأنه كان ضخما. والنبي ﷺ -أحق من أوفى بالمعروف معروفا ولو كان من رأس النفاق (٣). ولقد قال تعالى بعد ذلك: (إِنَّهمْ كَفَروا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) هذه الجملة في مقام

стр. 4599

التعليل لما قبلها، ولذا كان بينهما فصل، فكمال الاتصال بالعلة (إِنَّهُمْ كفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وأكد سبحانه كفرهم بأن، وأنهم يحملون أوصافا تقتضي تحقق الكفر بالله وبرسوله، إذ يحاولون أن يخدعوا الله ورسوَله، وقد استمروا على ذلك حتى ماتوا ولذا قال تعالى: (وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) أي ماتوا على حال الفسق والتمرد على الحقائق، وأشد من التعبير بالفسق في حالهم بأنه أشد الكفر؛ لأنهم كافرون، ومخادعون، وغشاشون، فهم تمردوا على الله وتمردوا على كل خلق كريم، والله أعلم بهم. وهم لَا يفاخرون إلا بما آتاهم الله من مال وولد، ولا يستطيعون المفاخرة بمكارم، وِلذا قال تعالى:

стр. 4600

(وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) . تقدمت هذه الآية في هذه السورة عند الكلام على ما يتمناه المنافقون للمؤمنين، ومنع النبي ﷺ من أن يقبل منهم نفقاتهم، فقد قال تعالى في ذلك: (ومَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كفَرُوا باللَّه وَبِرَسُوله وَلا يَأتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهونَ). ونرى الآيتين متلاقيتين فِى المعنى والألفاظ، إلا في حرفين: أولهما - أنه هنا عبر (بالواو) فقال تعالى: (ولا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُم) وفي الآية السابقة صر (بالفاء) ولها مناسبتها، والثاني - أنه في هذه الآية لم تذكر (لا) بعد (أَمْوَالُهُمْ)، وفى الآية السابقة ذكرت لَا وأيضا فالنص السابق " إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا " وفي هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا). وإن هذا الاختلاف في الألفاظ هو تصريف القول الذي هو من أسباب الإعجاز البياني، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ. . .)، فهل يعد هذا من التكرار؟ نقول إنه يكون من التكرار إذا كانت المناسبة التي ذكرت فيها الآيتان واحدة، أما إذا اختلفت المناسبة، فإنها تغير المقصود، وإذا تغير المقصود لَا يكون المعنى واحدًا من كل الوجوه.

стр. 4601

وقد كانت المناسبة في الآية السابقة أن الله منع رسوله من أن يقبل منهم نفقات في الحروب، ومعاونات فيها، مهما تكن أموالهم كثيرة، وأنهم أعز نفرا، فالله هو الغني الحميد. وأما المناسبة هنا فهي النهي عن الصلاة عليهم بسبب كفرهم، وتأكيد ذلك النهي، وكان قبل ذلك النهي عن الاستغفار لهم، وحلفهم الدائم، وقد كان يظن أن يكون مالهم وأولادهم توجب العطف، فبين الله تعالى أن ذلك كله لَا يسوغ العطف عليهم، ولا رجاء الخير منهم. ولقد قال الزمخشري في تكرار يعض الآيات: وقد أعيد قوله تعالى: (وَلا تُعْجِبْكَ)؛ لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزَّل الله تعالى وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال المخاطب لَا ينساه، ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية، ولا سيما إذا تراخي ما بين النزولين فأصبح الشيء الذي أهم صاحبه فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه. وإن المنافقين قد استمروا على فرارهم من الجهاد، ولذا قال تعالى:

стр. 4602

(وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) كان المنافقون كلما نزلت آية جهاد، قبعوا قبوع القواقع في أصدافها، ورضوا بأن يكونوا من المتخلفين لَا يتقدمون إلى الجهاد، وإن كانت فيه العزة؛ لأن أسباب العزة من جهاد ومقاومة للباطل ثقل عليهم، ولذا قال تعالى فيهم: (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ) السورة في عرف القرآن الكريم هي الجزء من القرآن الكريم المسورة المحدودة المبدوءة بـ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " إلا سورة براءة، فقد بينا أنها ليست مبدوءة بها، ويصح أن يراد به هنا بعضها، وهي آية من الآيات، ويكون قد عبر

стр. 4603

عنها بسورة لبيان كمالها، وأحكامها، وأن غايتها ثابتة قائمة، وهي الجهاد فالجهاد ماض إلى يوم القيامة (١). وإن أريد بها سورة كاملة، فأوضح سور الجهاد سورة براءة؛ لأنها ابتدأت به، وتنظيمه مع العهود والمواثيق، وآياتها داعية إليه كاشفة تخاذل المنافقين عنه. وقوله: (أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ) أن تفسيرية، وهي تبين أن ما بعد هو السورة، فتكون بمعنى جزء السورة، ويصح أن تكون مصدرية، والمصدر في مقام الجار والمجرور، أي نزلت السورة بـ (أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ)، ولم يذكر الإيمان بالرسول لأن الإيمان بالله حق الإيمان إيمان برسله؛ لأنهم جاءوا بمعجزات أيدهم الله بها، ولأن الإيمان بالرسول مذكور مطلوب في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ). فالمطلوب بالسورة أمران: أحدهما - الإيمان بالله حق الإيمان بأن يذعنوا لكل ما يكلفهم إياه، وأن يعلموا مؤمنين بأنه القادر القاهر، الناصر المعز المذل العليم الخبير، أي يؤمنون بأنه واحد في ذاته وصفاته التي هي الكمال المطلق، وأنه لا يعبد غيره. والثاني - الجهاد مع رسول الهدى ودين الحق؛ لأن الجهاد معه سبيل العزة، ورفع الحق، وخفض الباطل، هذا هو الدين الحق، ولكن المنافقين يفرون من الجهاد، ولا يحتملونه في ذات أنفسهم، وينفرون منه ولو كانوا ذوي قدرة، ولذا قال تعالى نيهم: (اسْتَئْذَنَكَ أُولُوا الطوْلِ مِنْهُمْ). الخطاب للنبي ﷺ -مّ، و (اسْتَئْذَنَكَ) أي طلبوا إذنك في أن يتخلفوا وحالهم تنافى طلبهم، لأنهم (أُولو الطَّوْلِ) أي أصحاب الطَول والسَّعة والفضل في المال، والطاقة البدنية التي تتحمل الجهاد بالنفس والمال (مِنْهُمْ)، والضمير في منهم يعود على المنافقين، استأذنوك (وقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَعَ الْقَاعِدِينَ) أي اتركنا مع

стр. 4604

القاعدين من النساء والأطفال والضعفاء، أي رضوا بالمنزل الدون والمكان الهون، وذلك لأنهم بخلاء جبناء، وبهم تفنى الأمم والجماعات. وقد بين هوان هذه النفوس فقال تعالت كلماته:

стр. 4605

(رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) وِإذا كان أولو الطول والسعة والقوة في أبدانهم قد قالوا (ذَرْنَا نَكن مَّعَ الْقَاعدين)، ولا تستنفرنا في جهادك الذي بعدت فيه الشقة، وعظمت فيه المشقة، فقدَ (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)، والخوالف جمع خالفة، وهي المرأة المتخلفة عن الجهاد، ويطلق على ما لَا خير فيه، أي أنهم رضوا أن يكونوا كالنساء القاعدات في البيوت، والأشياء التي لَا خير فيها ولا منفعة، أي رضوا بحياة الدعة والاسترخاء ولو كان معها الذلة، وتركوا حياة الكد والتعب ولو كان فيها العزة. وقال تعالى: (وَطبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي أنه بهذه الحال وأخواتها، مما فروا فيها من الجهاد فرار الجبناء، فسدت نفوسهم، وأغلقت قلوبهم عن حب الخير والعيش الكريم، وبني للمجهول للإشارة إلى الأسباب المتراكمة التي توالت على نفوسهم، وطبعتها على النفاق، فطبع مع النفاق الذلة والاستهزاء والكذب، وإخلاف الوعد، وإن مدوا أعناقهم للذلة. إن النفاق يولد الجبن، والجبن يولد المذلة والكذب وكل قبائح النفس، ولذا قال تعالى: (فَهُمْ لَا يَفْقَهونَ) و (الفاء) تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن طبع القلب على النفاق يفسد الفكر، فلا ينظر إلى عواقب الأمور، ولا ما تنتهي إليه، وأعيد الضمير في قوله تعالى: (فَهُمْ) لتأكيد وصفهم، وثبوت حالهم، والفقه كما ذكرنا هو العلم بلباب الأمور وغايتها، فهم لم يعرفوا أن موقفهم لو سلك المؤمنون مسلكه لذلوا، ولذهبت ربحهم، ولم يدركوا أنهم بما يفعلون يقون أنفسهم من شقة الجهاد، ولكن يكونون مهينين في الدنيا، وتنالهم جهنم وبئس المصير.

стр. 4606

وبعد أن بين حالهم في فرار من الجهاد، وإبداء المعاذير الكاذبة، ورضاهم بأن يكونوا مع النساء والضعفاء وبأن يكونوا أشياء لَا خير فيها ولا فائدة - ذكر بعد ذلك الذين يريدون الحياة الحق، حياة الجهاد ومفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وهم الرسول والذين اتبعوه، فقال:

стр. 4607

(لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) الاستدراك هنا للانتقال ممن ارتضوا المنزل الهون إلى الذين لم يريدوا إلا العزة والكرامة والرفعة، ومن امتلأت قلوبهم بحب الله تعالى، فآثروه على كل الوجود، ورضوا بالمشقة وإن اشتدت؛ مرضاة له ، فالاستدراك لبيان الرفعة التي وصل إليها المؤمنون في مقابل الذلة التي ارتضاها الآخرون، كقوله تعالى: (. . . فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكلْنَا بِهَا قَوْمَا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)، وكقوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأمُونَ) والمعنى فإن استرخى هؤلاء عن الجهاد، ورضوا بالقعود مع الضعفاء والنساء فالرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وقوله: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. . .) التعبير بالرسول في هذا المقام للإشارة إلى أن مقام الرسول يوجب الجهاد؛ لأنه تبليغ للدعوة، وحماية لها، ودفع للذين يعاندونها، وذكر بجوار مقام الرسالة من معه، أي من آمنوا، وصاروا معه في جهاده الذي حمل عبئه بحمله عبء الرسالة، والرسول وما عطف عليه مبتدأ خبره ما جاء بعد ذلك، وهو قوله تعالى: (جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) أي قدموا النفس والنفيس، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، مع أن النفس أغلى وأعز، والجود بها أقصى غاية الجود، قدم المال مع ذلك؛ لأن الإنفاق في سبيل الله هو عدة الجهاد ابتداء، وامتشاق السيوف هو نهايتها، ولأن ذلك يشير إلى أنهم باعوا أنفسهم لله تعالى واطرحوا الدنيا اطراحا، فالمال يطلب لغايات الدنيا، وقد اشترى الله من المؤمنين أنفسهم فلا حياة لهم إلا مع الله.

стр. 4608

قوله تعالى: (وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ) الإشارات إلى الموصوفين بالأوصاف السابقة، أي أولئك الذين كانوا مع الرسول، ولزموه في جهاده، ولم يتخلفوا عنه، وأحبوا الله تعالى وبذلوا أموالهم وأنفسهم، ولم يريدوا شيئا إلا إرضاء الله، لهم الخيرات، الخيرات جمع خير، وعبر بالجمع للدلالة على كثرة ما يمنحهم الله من خير وتنوعه، فخير في الرزق، وخير في نيل المطالب، وخير في النصرة، وخير في العزة، وخير في منع تحكم الأعداء، وخير في رضا الله تعالى، وخير في صلاح الولد، وخير في الهداية. . . إلى آخره من الخيرات في الدنيا، والخير الأكبر في الآخرة. ثم قال: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي المشار إليهم المتصفون بهذه الصفات هم الفائزون بنعيم الآخرة، ورضوان الله تعالى والقرب منه، وقد قصرا الله تعالى الفلاح عليهم بتعريف الطرفين، لأن تعريف الطرفين؛ يفيد القصر، وبضمير الفصل، أي أن الفلاح لهم، وليس لغيرهم. وقد بين الله تعالى بعض ما فازوا به، وهو الجنة، فقال تعالى:

стр. 4609

(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) هذا بعض الفلاح الذي ذكره الله، وهو أنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، أي أن الله تعالى أعطاهم نعيمًا فيه ثلاث خواص كلها يزكي بعضها بعضا. أولها: أنها جنات، وهي جمع جنة فيها الأشجار التي تظل من الحرور، وتتمتع النفس برؤيتها، وبهجتها، وفيها الثمار اليانعة، وفيها من كل فاكهة ما يشتهون، وفيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ففيها متعة النفس والجسم والروح. الثاني أن الأنهار تجري من تحتها تدفع الحرور، وتسقى النفوس والأجسام، ويكون التمتع ببهجتها ومنظرها.

стр. 4610

الثالث: أنها خالدة، ففي كل نعيم غير باق يكون الألم. بفنائه وانتهائه، أما نعيم الجنة، فهو للبقاء. ختم الله تعالى الآية بقوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الإشارة إلى هذا النعيم المقيم، وقصر الفوز عليه، أي فلا فوز غيره، فما يحسبه في الدنيا من أسباب الفوز إنما هو باطل لَا يجوز. ودل على القصر تعريف الطرفين، وضمير الفصل، والله تعالى أعلم بما يجزي به عباده المتقين. * * * اعتذار الأعراب قال تعالى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) * * * كان الكلام في المنافقين الذين نبتت نابتتهم في المدينة عندما انتصر المؤمنون بدر الكبرى، وصارت لهم القوة والسلطان فيها، واستقر الأمر فيها

стр. 4611

للتوحيد، والإيمان بمحمد ﷺ ، وحيث كانت القوة العادلة، اختفت العداوة الظاهرة، واستمرت عداوة النفوس مستكنة فيها فيكون النفاق الذي يكل القلوب، ويملؤها حقدا، ورغبة دانية في الكيد. ولما صارت القوة للإسلام في الجزيرة العربية، وصارت الكلمة العليا لله ولرسوله، وجد سبب النفاق في داخل الجزيرة وحول المدينة كما قال سبحانه: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ. .). وعندما يكون النفير العام، أو الخاص يظهر من الأعراب اعتذارات بعضها صادق، وبعضها كاذب، ويقعد بعضهم عن الجهاد كفرا ونفاقا، ولذا قال تعالى:

стр. 4612

(وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُم). في الآية قراءتان إحداهما بتشديد الذال مع كسرها، والثانية بتخفيفها مع كسرها أيضا (١)، فقراءة التعذير في الأولى، يكون معناها التقصير وعدم الاهتمام، من قولهم عَذَر في الأمر إذا قصَّر فيه وتوانى، وذلك مقصور في الأعراب الذين هم أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله تعالى، ولا فرق عندهم بين دعوة إلى الجهاد في سبيله، ودعوة إلى عادات كانت تجري بينهم للمنازعة على الكلأ، أو مواطن الماء، أو للعصبية الجاهلية. ويصح أن يكون المعذِّرون هم المعتذرون، ويكون في الكلام إعلالا صرفيا، فأصل " المعذرون " المعتذرون من اعتذر، فقلبت التاء ذالا، وأدغمت الذال، ونقلت حركة التاء إلى العين، ويكون المعنى جاء المعتذرون الذين شددوا في اعتذارهم؛ لأن الادعاء ينبئ عن شدة الاعتذار، وإن معنى ذلك أنهم يعتذرون بأعذار مقبولة، ويدل على ذلك المقابلة، وقوله تعالى بعد ذلك: (وَقَعَدَ الَّذِينَ كذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)

стр. 4613

فإن المقابلة تقتضي التغاير بين القاعدين الذين لم يصدقوا الله ورسوله وكذِّبوا، وبين المعذرين، ولكن المقابلة لَا تكون إلا إذا كان اعتذار الأولين حقا وصدقا. وقراءة " المُعْذِرون " بالتخفيف من الإعذار، وهو إبداء العذر الذي يكون مظنة القبول. وإننا نجد أن الآية من قراءاتها المختلفة تفيد إبداء العذر، وإن المقابلة بين القاعدين الذين كذبوا الله ورسوله، والمعتذرين تفيد أن العذر مقبول اقتضى الأمر لهم. وقد جاء بذلك التفسير المأثور، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في المعذرين: هم الذين تخلفوا لعذر فأذن لهم النبي ﷺ ، وروي عنه غير ذلك، والله أعلم، وقيل إنها نزلت في عامر بن الطفيل ورهطه، فإن رهطه قالوا عندما دعاهم ﷺ إلى الغزو قالوا: لو غزونا معك أغارت أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فعذرهم النبي ﷺ (١). وقوله تعالى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) يفيد أولا أن الذين جاءوا هم المعذرون ولم يذكر الذين جاءوا مجاهدين؛ لأن منهم من جاء مجاهدا، وخصوصا أولئك الذين كانوا مع الرومان في مؤتة، وتخلفوا عنهم في تبوك وخذلوهم، ولكن ذكر المعتذرين فقط؛ لأن الكلام في المستأذنين في التخلف بأعذار غير صادقة وهم المنافقون، فناسب ذلك ذكر المعتذرين من الأعراب. وتفيد ثانيا أنهم جاءوا للاعتذار وليؤذن لهم، ولو كانوا يعتذرون كذبا ما جاءوا بل قعدوا كما قعد غيرهم، وقال تعالى: (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي قعد وتوانى الذين كذبوا الله ورسوله، وكذبوا بالتخفيف تتضمن معنى التكذيب لله ولرسوله، ولآياته البينات، ومعنى

стр. 4614

الكذب على الله ورسوله والناس بإظهارهم الإسلام، وإبطانهم الكفر، وإظهار أعذار غير صادقة. وبين الله تعالى عاقبتهم فقال تعالى: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهنا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن المؤدى أنه سيصيب هؤلاء القاعدين الذين كذبوا الله ورسوله عذاب أليم، وكان الإظهار لأمرين: أولهما - بيان أن منهم كافرين، وبسبب الكفر سينالهم عذاب أليم، وثانيهما - أن منهم من لا يصرون على الكفر فيتوبون، فهذا العقاب للذين يصرون ولا يتوبون. و (السين) في قوله تعالى: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْهُمْ) لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل. وقد ذكر الله تعالى بعد ذلك أصحاب الأعذار المقبولة فقال:

стр. 4615

(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ... (٩١) في هذه الآية وما بعدها بيان الأعذار التي تبيح التخلف عن الخروج، ولم يذكرها القرآن الكريم بعنوان أنها أعذار، ولكن النص يفيد أنه لَا إثم إذا تخلفوا، وذلك للإشارة إلى أن الجهاد غير واجب على هؤلاء، والاعتذار إنما يكون عند الوجوب والتخلف، وإذا لم يكن وجوب فالتخلف حينئذ له رخصة، وهؤلاء عاجزون عن القيام بهذا، والله لَا يكلف العاجزين؛ لأنه تعالى يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسْعَهَا. . .)، فالجهاد غير واجب عليهم، وذكر النبي ﷺ أن لهم فضل المجاهدين إذا نصحوا لله ورسوله، والنصح إخلاص القلب واللسان والعمل لله تعالى فالقلب لَا يحدث إلا بالله، واللسان لَا ينطق إلا مخلصًا، والعمل لَا يكون إلا لله تعالى، ويقال نصح له القول إذا أخلص له في قوله، ونصح له في العمل إذا أخلص له، ولقد روى مسلم في صحيحه عن تميم

стр. 4616

الداري أن رسول الله ﷺ قال: " الدين النصيحة. ثلاثا، قلنا: لمن؟ قال: لِلَّهِ ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " (١). وجاء في تفسير القرطبي: قال العلماء: النصيحة لِلَّهِ إخلاص الاعتقاد في الوحدانية ووصفه بصفات الألوهية وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابه، والبعد عن مساخطه، والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبة آل بيته (أي الذين اتبعوا هديه) وتعظيمه، وتعظيم سنته، واحياؤها بعد موته بالبحث عنها والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها والتخلق بأخلاقه الكريمة ﷺ . والنصح لكتاب الله قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه، وإكرامه والتخلق به. والنصح لأئمة المسلمين بترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغلوه من أجور المسلمين، ولزوم طاعتهم في الحق والفيام بواجب حقهم. والنصح للعامة ترك معاداتهم، وإرشادهم، وحب الصالحين والدعاء لجميعهم، وإرادة الخير لكافتهم. والمراد أنه لَا إثم في التخلف على من سقط عنه واجب الجهاد إذا نصحوا لله ورسوله، إن استقامت قلوبهم وألسنتهم، وقاموا بحق الإرشاد والتنبيه، وإن كان لهم رأى في الجهاد وجهوه، وكأنَّهم إذا سقط واجب الجهاد بالسيف، والاعتراك في المعركة، فإنهم يحملون واجبا آخر هو الإرشاد والتوجيه، والمعاونة بكل ما يستطيعون، وإنهم إذا كانوا كذلك فإن لهم فضل الجهاد.

стр. 4617

وروى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: " لقد تركتم أقواما ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه "، قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة!! فقال: " حبسهم العذر " (١). وهؤلاء الذين سقط عنهم واجب الجهاد بالسيف، والاشتراك في المعركة، ذكرهم الله تعالى فقال: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) أي إثم أو أن يكلفوا أنفسهم العنت والضيق. والضعفاء هم الشيوخ الذي أثقلتهم السن، والنساء والصبيان، وغيرهم من الذين لَا تتحمل أجسامهم لضعف بنيتهم، وخور مُنَّتِهم (٢)، والأعمى والأعرج، كما قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧). والضعفاء الذين عذرهم، وفيهم الأعمى والأعرج وعذرهم ثابت دائم، وهناك أمر ليس بدائم، وهو عارض، ولكنه يسقط الوجوب في مدة وجوده، وهو المرض الشديد الذي يقعد عن القيام بالواجب أو يزيده الجهاد مرضا. وهناك عجز ليس في ذات الجسم دائما، أو عارض قابل للزوال، وهو ألا يجد ما ينفق منه على نفسه في رحلته، وقال تعالى فيه: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ). وكل لَا يجب عليهم الجهاد، ولكن يجب عليهم أن ينصحوا لله ورسوله، وقد بينا ما قال العلماء في ذلك، وإنهم بإخلاصهم ونصيحتهم، والقيام بالواجب الذي يقدرون قد أحسنوا في جنب الله، ولذا قال تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ).

стр. 4618

وهذا النص السامي من جوامع الكلم. . وهو يفيد أن هؤلاء الذين قعدوا بأعذار حقيقية إذا نصحوا لله ورسوله محسنون، أي قاموا بالواجب وزيادة، ومن أحسن لَا عقاب عليه، ومعنى قوله تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل) أي طريق لتأثيم، أو لوم أو عتاب، أو تعييب لموقفهم؛ إذ إن موقفهم أنهم قاموا بالواجب على قدر طاقتهم. وهناك صنف غير من ذكرنا ليسوا ضعفاء، ولا مرضى، ويجدون ما ينفقون، ولكن لَا يجدون ما يحملهم في هذه الشقة البعيدة، وهم يسقط الوجوب عليهم، وقد قال تعالى فيهم:

стр. 4619

(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) (الواو) هنا عاطفة عطفت ما بعدها على قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى. . .) وتكرار لَا لتأكيد نفي القدرة، وتحقق العذر وثبوته. فهؤلاء الأصناف أربعة: الضعفاء، والمرضى، والذين لَا يجدون ما ينفقونه من زاد، والصنف الرابع الذين لَا يجدون ما يحملون عليه، وكان الرجل كما قال ابن عباس يحتاج إلى بعيرين، بعير يركبه، وبعير يحمل الزاد والماء في هذه الرحلة الشاقة. وقد قال في هؤلاء مبينا حالهم: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) وهذا يدل على أنهم لَا يجدون ما يحملهم، ويدل على أنهم شكوا حالهم لرسول الله ﷺ ، وأن الرسول لم يجد ما يحملهم، وذلك صريح، وهذا الكلام فيه من إيجاز الحذف ما لَا يمكن أن يكون إلا في أبلغ كلام وهو كلام رب العالمين، وما في قوله تعالى: (إِذَا مَا أَتَوْكَ) لتأكيد فعل الشرط، وهو مجيئهم للنبي ﷺ وعرض حالهم، ومحاولة النبي ﷺ علاج

стр. 4620

أمرهم، والبحث عما يحملهم عليه، وجواب الشرط هو قوله تعالى: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) (تولوا) معناها انصرفوا، وحالهم مؤلمة باكية، وعبر عنه بقوله: (وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع حَزَنًا)، وقوله تعالى: (قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ) جملة معترضة بين فعل الشرط وجوابه، أو حال الكاف في (أَتَوْكَ)، وهذا ما اختاره الزمخشري. وقوله تعالى: (تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع حَزَنًا). (الواو) واو الحال، و (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع حَزَنًا) فيه مجاز في إسناد الفيض إلى العين؛ لأن معناه أن العين ذاتها تفيض كأنها صارت دمعا، لامتلائها، واغروراقها، و (مِنَ) بيانية، أي أن تفيض العين من الدمع، والجار والمجرور في مقام التمييز، كما تقول فاضت العين دمعا، وقوله: (حزنًا) حال، أي فاضت العين دمعا لأجل الحزن الذي استولى بسبب الحرمان من الجهاد، وهو متعة نفوسهم، وغاية ما يبتغون عند ربهم. (أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) وألا يجدوا، المصدر المؤول، ويكون المعنى هم في حال حزن شديد، (أَلَّا يَجِدُوا) أي لأنهم لَا يجدون ما ينفقون، ولا يجدون ما يحملهم، ففيه تقدير حرف محذوف. وهذا يتضمن أنهم لَا يجدون مركبا يركبونه، ولا نفقة ينفقونها. وإنه يجب أن ننبه أن بعض الضعفاء الذين رفع عنهم الحرج بسبب ضعفهم، لم يرضوا بأن يكونوا قاعدين، وإخوانهم يجاهدون، بل ذهبوا وجاهدوا، وتقدم أحدهم وهو أعرج، قال لابد أن أكون بعرجي في الجنة، ولم يتراخ ولم يرض بالقعود، وذهب بعضهم وهو يهادَى بين رجلين، حتى وصل إلى الصف ليموت مجاهدا، ﵃. * * *

стр. 4621

المؤاخدون في التخلف قال تعالى: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) * * * كان آخر الآيات السابقة التي بينت ذوي الأعذار أنهم لَا يجدون ما ينفقون على أنفسهم، وأنهم لَا يجدون ما يحملهم من إبل أو خيل، ولا يجدون من يمكنهم من الركوب بإعارة أو تبرع أو نحو ذلك. فكان المناسب أن يذكر المقابل لهم الأغنياء الذين يجدون النفقة، ويجدون ما يحملهم، ومع ذلك يعتذرون عن الخروج بمعاذير كاذبة، ولذا قال تعالى:

стр. 4622

(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ) (إنما) أداة قصر، أي لا سبيل للعتاب أو اللوم أو العقاب إلا على الذين يبادرون بالاستئذان، وهم أغنياء

стр. 4623

يستطيعون الإنفاق ويجدون ما يركبون ويقطعون به الفيافي والقفار، وكلمة (السبيل) في البيان القرآني تطلق على الطريق للمؤاخذة، ثم العقاب من بعدها كما تقدم في قوله تعالى: (مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سبِيل) وأن مؤدى هذا التعبير بيان أن ما يرتكبون سينتهي بهم لَا محالة إلى عقاب شديد. والقصر هنا إضافي؛ لأنه في مقابل أنه لَا سبيل على الضعفاء، الذين سبق بيانهم، فالسبيل خاص بالذين يستأذنون وهم أغنياء. وقوله تعالى: (رَضُوا بِأن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) هذه جملة مستأنفة لبيان سبب تخلفهم، وهو رضاهم بالمهانة والمذلة والاحتقار، إذ رضوا بأن يكونوا من الخوالف، وهن القواعد من النساء اللاتي لَا يقاتلن، اللائي يعبر عنهن بربات الخدور، والخوالف أيضا الأشياء الفاسدة التي ترسب في الإناء بعد تفريغه. وقد ذكر السبب في هذا الرضا الذي لَا يرضى به عربي سليم في إدراكه لمعنى المروءة والكرامة، فقال تعالى: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي أنه بتوالي نفاقهم، وسيطرة الأحقاد على قلوبهم، ونسيانهم ما توجبه المروءة والأخلاق والكرامة والعزة، قد طبع الله تعالى على قلوبهم، وختمها على ما فيها من مفاسد نفسية وفكرية، فهم لَا يعلمون الخير من الشر وما تكون عاقبته وبالاً وما لَا تكون، لَا يعرفون أنه إذا نزلت نازلة الهزيمة أمام الرومان تكون على العرب وفيهم المنافقون، لَا فاصل بين البريء والسقيم. وإن دأب هؤلاء الذين يعتذرون عن مواقف الشدة بغير عذر أو بعذر كاذب أن يحسبوا أن كل كلام يقبل، سواء أكان مقبولا أم كان غير مقبول، فكانوا يفعلون ما يفعلون، ويحسبون أن النبي ﷺ يقبل معاذيرهم الكاذبة، وإن فساد قلوبهم وعقولهم يجعلهم يتصورون أن طيِّب القلب يقبل كل ما يُدلون به، ولذلك أكثروا من الاعتذار عما يفعلون، كما يكثرون من الاعتذار عن النفور إلى الجهاد،

стр. 4624

ولذا قال تعالى عنهم:

стр. 4625

(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) ما كانوا يتوقعون أن يعود النبي ﷺ موفورا منصورا، بل كانوا يتوقعون أن ينال منه الرومان هو ومن معه من المؤمنين، حتى لقد كانوا يقولون في مجالسهم، إن الرومان سيكبلون العرب، والمنافق مسرف في القول دائما، ولكنهم رأوهم قد جاءوا منتصرين، وتخاذل الرومان عن لقائهم، وقد راعهم ذلك، فبدءوا يعتذرون كاذبين، كما اعتذروا في التخلف كاذبين، ولذا قال تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) سالمين أقوياء مسيطرين على أنفسكم أحرازا غير مكبلين، والاعتذارات كاذبة كقولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فيأمر الله تعالى نبيه بقوله تعالت كلماته: (قُل لَا تَعْتَذِرُوا) فكان النهي عن الاعتذار؛ لأنه كذب، والتمادي في الاعتذار الكاذب تماد في الكذب، والتمادي في الكذب فجور وهو غير مقبول، ولذا بين السبب فقال: (لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ)، أي لن نسلم لكم بما تقولون من أكاذيب، ونحن نكذبها لأن النبأ اليقين قد جاءنا عن الله، ولذا قال تعالى في سبب التكذيب وعدم التسليم لهم (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) النبأ: الخبر الخطير، و (مِنْ) هنا للتبعيض، أي قد نبأنا الله تعالى ببعض أخباركم وهو ما يتصل بنياتكم وبقلوبكم، وبالأفعال التي تقصدون بها إفساد عزائم المؤمنين، وتخذيلهم عن المجاهدين، وحقيقة ما تقصدون باعتذاراتكم وأنها كاذبة. ثم قال تعالى؛ (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) (السين) لتأكيد وقوع أل في المستقبل، أي أنه ليس لكم أن تتكلموا في الماضي، فالله تعالى قد علمه من قبل، ونبأنا به، وإنما الأمر الحاضر، (وَسَيَرى) أي سيشاهد، أو سيعلم علم المشاهدة أو الواقع الله ورسوله.
следующие страницы →