← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

تكون في سور تبتدئ بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وتختتم بابتداء سورة أخرى بهذه البسملة المباركة التي هي جزء من كتاب اللَّه. ويصح أن يراد بالسورة بعضها، وهو آي من السورة، وكله قرآن، فبعض القرآن قرآن. وقوله: (فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا) (الفاء) لتفصيل حال من يتلقونها ما بين مؤمن يتلقى قول الله تعالى بما يكون فيه الهدى، وبعضهم من مرضى القلوب الذين لَا يزيدهم الدليل إلا ضلالا وعنتا وكفرا. والضمير في (فَمِنْهُم)، قال الزمخشري: إنه يعود إلى المنافقين، أي من المنافقين الذين يستهزئون بالمؤمنين، ويسرفون على أنفسهم يقولون متهكمين أيكم أيها المستمعون للقرآن زادتهم هذه الآية أو السورة إيمانا، كأنهم يقولون، لعنهم اللَّه: إن هذه السورة أو الآية لَا فائدة منها، فمن اهتدى فقد آمن، ومن عصى فقد كفر. ولكن لَا نجد ذكرًا في الآية السابقة ولا ما قبلها للمنافقين إلا أن يدعى أنهم في الأذهان لما كان منهم من أفعال، وأنا أميل إلى أن الضمير يعود إلى المؤمنين يسأل بعضهم بعضا عن سر هذه الآيات التي تنزل وقتا بعد آخر، يتعرفون غايتها ومراميها، ولقد روى عثمان بن عفان ﵁ أنه كانت إذا نزلت آيات عشر أو دونها سألوا رسول اللَّه ﷺ عن معانيها، ومغازيها، ويقولون أيهم زادته هذه، وقد بين اللَّه تعالى موقعها في قلوب المؤمنين، وموقعها في قلوب الذين في قلوبهم مرض، فقال تعالت كلماته: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الفاء) لبيان تفصيل موقعها في القلوب، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، وزيادة الإيمان بزيادة ثثبيته في القلوب وزيادة العمل، فإن آيات القرآن الكريم يستأنس بها المؤمن، ويزداد رهبة من اللَّه وخوفا منه ورجاء في رضوانه، وهذا بلا ريب زيادة في الإيمان، ولقد قال تعالى: (اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كتَابًا

стр. 4727

مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣). وإن ازدياد إيمانهم بالآية تنزل (يَسْتَبْشِرُونَ) أي يجدون في الآية الجديدة بشرى لهم بأن الإيمان هداية اللَّه تعالى تتوالى عليهم، ويستبشرون لتوالي خطاب اللَّه تعالى لهم، وأي مؤمن يحب الله ورسوله ثم لَا يستبشر بكلام من يحبه ويطلب رضاه؟!. هذا شأن الذين آمنوا عندما تتلى عليهم آيات الله. وأما الذين في قلوبهم مرض فيقول اللَّه عز من قائل فيهم:

стр. 4728

(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) الرجس هو الشيء القذر الذي تستقذره النفوس وتعافه، كالميتة ولحم الخنزير، والخمر، فإن النفس، وإن لَا تعافها طبعا، فإن العقول تعافها؛ لأنها تنزل مشاربها من مرتبة العاقلين المدركين إلى دركة من لَا يعقل، ولذلك سماها الله تعالى رجسا، في قوله تعالى: (. . . إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، ويطلق الرجس مجازا على الكفر، لأن العقول السليمة تدرك أن عبادة غير الله أمر لَا تقره العقول السليمة ولا الطبائع المستقيمة، والمراد به هنا الكفر، لأن العقول تنفر منه، ولا تقره، وكيف تقر العقول رجلا يصنع حجرًا ويعبده، وكيف تقر العقول رجلا يرى آيات الله البينات ثم يكفر بها. والذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا). وإن ذلك وصف حكيم، فإن النفاق مرض يصيب القلوب، فيفسدها، والعقول فيمنعها من الإدراك السليم، ذلك أن المنافق منحرف

стр. 4729

التفكير دائما، لَا يرى الأمور كما يراها السليم، بل إنه غير مستقر، وتوالى نفاقه يفقده الإيمان بالحقائق، وبفقده الإدراك السليم، وقد أثبتت الدراسات الاجتماعية أن المنافق لَا ينافق لغرض من المال أو دنيا يصيبها، ولكن يضعف عن النطق بالحق، ولعله يبتدئ نفاقه بشيء من الغرض، ولكن يتوالى نفاقه ليصير مرضا، فينافق لغير غاية. وإن السورة أو الآيات التي تنزل تزيد المنافقين كفرًا إلى كفرهم، أي كفرا مضموما إلى كفرهم الأصيل وإنما زادتهم كفرا، لأنهم يعاندون الحق، والمعاند تزيده قوة الدليل عنادًا، لقد انحازوا إلى جانب الباطل، فكلما زاده الدليل في الحق زاد لجاجة في الباطل فزاد كفرًا ولا احتمال لتوبته وعودته إلى الحق، ولذا قال تعالى: (وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) أي استمروا معاندين للباطل، حتى حال موتهم، فيموتون وهم كافرون، وعبر بالماضي لتأكيد هذه الحال التي يموتون عليها، واللَّه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم قال تعالى موضحا حالهم: * * * (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) * * *

стр. 4730

كان المنافقون في المدينة ملتوية أفكارهم كما تلتوي العيون بحول يصيبها، فهم يرون النور، ولكن أعينهم يزيدها لمعان النور انحرافا عن التفكير السليم، كان المؤمنون يغزون ويجاهدون، وهؤلاء يشتد نفاقهم وكيدهم كلما رأوا عزة للمؤمنين بعد عزة، وتمكينا لهم في المدينة بعد تمكين، وعلوا في أرض العرب، وهم يعيشون في أمان، يرجون للمؤمنين الشر والانتكاس. فيقول سبحانه:

стр. 4731

(أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) (الواو) للاستئناف وهي مقدمة في المعنى على الاستفهام، ولكن قدمت همزة الاستفهام، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام للتوبيخ، والمعنى: أيستمرون على حالهم من النفاق، ولا يتدبرون، وهم يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وهم لا يذكرون، الفتنة اختبار النفوس بشدة كما يختبر الذهب ليخرج ما فيه من غش، والمعادن لإزالة الصدأ، وإن اللَّه يختبر الناس فيما يحبون، فيختبر سبحانه المحب للمال في ماله، والمحب للنساء والولد فيهما، ويختبر المؤمنين بالخوف، ويختبر المنافقين فيما يحبون من خذلان المؤمنين، وهو أن تخضد شوكتهم وتفل قوتهم، ويختبرهم الله بذلك مرة أو مرتين كل عام، ومرتين يقصد بها مرات، فيعطي اللَّه في الاختبار للمؤمنين نصرا مؤزرا، اختبرهم ببدر، فأنشأوا في أنفسهم النفاق واختبرهم في بني قينقاع، وقد أجلاهم الرسول عن المدينة لما حرضهم المنافقون على المؤمنين، واختبرهم في أُحُد إذ أجلى بعض اليهود، واختبرهم في الخندق بتحريضهم بني قريظة، فأباد نصراءهم، واختبرهم بالنصر للمسلمين في السرايا، واختبرهم بفتح مكة، ثم اختبرهم بالانتصار في الطائف على هوازن وثقيف، ثم اختبرهم في تبوك، وهكذا توالى الاختبار بالمحن تنزل بهم من فرط غيظهم من الإيمان والمؤمنين. هذا بعض ما يدل عليه قوله تعالى: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) أي مرات، ولو كانت نفوسهم غير ملتوية وعقولهم غير منحرفة، لكان

стр. 4732

توالى هذا النصر رادعا، وحاملا لهم على ترك غيهم، ولذا قال تعالى: (وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي رجاء أن يتذكروا أنهم على الباطل، وأن في قلوبهم أمراضا عليهم أن يعالجوها، وأن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق الذي لَا ريب فيه، وأن اللَّه ناصره غير خاذله، وأن العاقبة للمتقين، فإذا تذكروا واعتبروا واتخذوا مما وقع دليلا على ما يقع فاستقاموا، ولكنهم لم يتذكروا واستمروا في غيهم؛ لأنهم انفصلوا بأحاسيسهم عن الناس، فعاشوا في محيطهم المنافق، فلم يعتبروا وإذا جاءتهم التذكرة أعرضوا عنها، ولذا قال تعالى:

стр. 4733

(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) وإذا ما أنزلت سورة هادية مرشدة مبينة الحق وذاكرة أحوال المؤمنين ومن يعاديهم لم يطيقوا سماعها من النبي ﷺ ؛ لأن القلب المريض لَا يطيق سماع الحق الذي يكون فيه شفاء له وللناس، ولا يستسيغ الأخذ به، فإذا تلا النبي ﷺ الآية أو السورة النازلة نظر بعضهم إلى بعض نظرات لها معان عندهم، وهي أنهم ضاقوا بها ذرعا ويريدون أن يخرجوا من المسجد تبرمًا بسماعها، وبغضا فيها، أو تنافرًا عليها، واستهزاء بها، وبعد هذه النظرات الغامزة، أو المنكرة للحق ينصرفون، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) التعبير بـ (ثم) هنا في موضعه؛ لأنه تفاوت بعيد بين حالين، حال الاستماع، وهو يقتضي الإنصاف والإيمان، وحال الانصراف عن الاستماع إلى الحق والقول الذي هو شفاء للناس. وقوله: (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) جملة معترضة بمعنى الدعاء عليهم بأن يكونوا منغمرين دائما في الباطل لأنهم اختاروه وأرادوه، واللَّه لَا يهدي القوم الفاسقين. ويصح أن نقول إنها بيان لانصرفوا، أي أنهم انصرفوا لأن اللَّه تعالى صرف قلوبهم عن الحق، فصارت قلوبهم معرضة؛ لأن نفوسهم الملتوية جعلتهم لا يقبلون على الحقائق.

стр. 4734

وإن قوله تعالى عنهم أنهم يقول بعضهم بلمح النظر: (هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ) فيه إشارة إلى أنهم يريدون أن يتسللوا من المسجد لواذًا لَا يحس بهم أحد حتى لا يعرف نفاقهم، ويتميز أمرهم، وهم لفرط انغمارهم في النفاق يحسبون أنهم لا يعلم بهم أحد، مع أن أعمالهم تكشف عن سرائرهم ولا يخفى أمرهم على أحد، فإن لم يكن ظهوره بأقوالهم، فظهوره بأفعالهم وتقاصر هممهم عن أي خير، و (مِّنْ) في قوله تعالى: (هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ) لاستغراق النفي، أي هل يراكم أي أحد، و (هَلْ) للاستفهام الإنكاري بمعنى إنكار الوقوع أي لَا يراكم من أحد فاخرجوا. ثم بين سبحانه السبب في أنهم لَا يذكرون ولا يرجعون عن غيهم، مع توالى المنكرات المنهيات فقال تعالت كمماتلى: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الباء) للسببية أي أن انصرافهم عن الاستماع للقرآن وتدبر معانية، وعن الاختبارات المتوالية بسبب أنهم لَا يتدبرون الآيات ولا الأحداث، ولا يعتبرون بالعبر، وذلك كله من عدم فقه الأمور، والآيات، وإدراك غاياتها ومراميها، وقد ختم اللَّه تعالى السورة التي كثر فيها ذكر القتال وانبثاق النفاق بما يدل على أن محمدًا ﷺ نبي الرحمة فإذا كان قد قاتل، وكشف النفاق وأهله فذلك من باب الرحمة بعباده والرأفة بهم؛ لأن قتال المفسدين وكف فسادهم رحمة بالأبرار المتقين، فليس من الرحمة بالناس أن يترك الشر يستشري، والرذائل تتحكم، والاعتداء يسيطر، فإن الضعفاء فريسة المستضعفين، والفساد يتضمن ظلم الذين لَا يستطيعون دفعه، وكشف النفاق رد لمكايد المنافقين، ولقد قال تعالى: (. . . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهََ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). ولأن محمدًا ﷺ نبي الرحمة قال - تعالى - مخاطبا العرب أجمعين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)

стр. 4735

أكثر العلماء على أن هذه الآية الكريمة والتي تليها نزلتا بمكة، ومعانيها تعين على ذلك، وقد يسأل سائل: لماذا كانت في سورة كلها مدنية، وهي من أواخر السور نزولا؛ نقول إن اللَّه كان ينزل القرآن الكريم على نبيه تنزيلا وكان عند نزول الآية يكتبها من في حضرته ممن يقرأون ويكتبون وينشرها بين المؤمنين آمرا بوضعها في موضعها من السورة الذي قرر النبي ﷺ وضعها فيها، والأمر لله تعالى يأمر نبيه بأن يضعها حيث يأمره جبريل، فالترتيب توقيفي، وليس للنبي ﷺ . وقد اختار الله أن يكون وضعها في آخر سورة براءة؛ ولذلك حكمة نتلمسها، وقد تلمسناها فقلنا إنها جاءت في ختام سورة كلها في النفاق والمنافقين؛ ليتنبه القارئ للقرآن الكريم إلى أن القتال وكشف النفاق رحمة للعالمين. قال تعالى:

стр. 4736

(لَقَدْ جَاءَكمْ رَسئولٌ منْ أَنفُسِكُمْ) هذه منَّة من اللَّه تعالى مَنَّ بها على العرب إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، ولقد أكد ذلك بـ (اللام) وبـ (قد)، قال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ منْ أَنفسِكمْ) وهنا قراءتان إحداهما بضم الفاء والثانية بفتحها (١) والمعنى على الأول منكم لَا من غيركم، والمعنى على الثانية (من أنفَسكم) أي من أعلاكم نسبًا. وبمجموع الآيتين، وكل آية منهما قرآن بذاتها، أنه بعث فيكم رسولا منكم، لَا من غيركم، وهذه منَّة، ومن أعلاكم نسبا وشرفا وهذا شرف للرسالة، والنبيون يبعثون من أعلى الأوساط. ومهما تكن القراءة التي يقرأ بها، فإن محمدا ﷺ دعوة إبراهيم إذ قال اللَّه تعالى عنه في دعائه لربه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو. . .)، وقد مَنَّ اللَّه تعالى على المؤمنين إذ قال: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ. . .).

стр. 4737

ولقد ذكر الحافظ ابن كثير المؤرخ المحدث أن جعفر بن أبي طالب، والمغيرة ابن شعبة قالا لرسول كسرى: " إن اللَّه بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته ". وإنه إذا كان النبي ﷺ من العرب، ومن أنفسهم، ودعوة إبراهيم، فإن الأثر الذي يترتب على ذلك، ويكون من جنس الأخوة المحبة - أن يكون رءوفًا بهم محبا لهم ورحيما، ولذا قال تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) العنت الشدة، ويقول ابن الأنباري أصل العنت الشديد. فإذا قالت العرب فلان يتعنت فلانا ويعنته فمعناه يشدد عليه ويلزمه يما يصعب عليه أداؤه. والمعنى يعز على النبي ﷺ وقد بعث إليكم بالملة بالسمحة السهلة ملة إبراهيم أن يكون في شريعته ما يعنتكم ويصعب عليكم. فدينه دين الفطرة يساوقها، ولا يعنتها، وقوله: (مَا عَنِتُّمْ) أي عنتكم، فـ (ما) مصدرية هي وما بعدها مصدر وقد وصف النبي ﷺ بثلاثة أوصاف للمؤمنين من العرب وغيرهم؛ لأنه بعث للناس كافة. أولها - أنه عزيز عليه عنتهم، فالشريعة التي جاء بها من عند اللَّه سهلة لا مشقة فيها تعلو على الطاعة وفيها الاعتدال الكامل، وليس فيها إرهاق للنفوس، ولا للأجسام، والعقول تدركها وتعرفها. الصفة الثانية - وهي من أعلى صفات البشر أنه رءوف والرأفة انفعال النفس بالمحبة والرفق بالناس، وهي صفة ضد الفظاظة والغلظ، وهما ينفران ولا يقربان، ولقد قال تعالى: (. . . وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. . .).

стр. 4738

الصفة الثالثة - الرحمة، وهي أوسع شمولا من الرأفة، إذ إن الرحمة النبوية تكون بالكافة، وقد يكون العقاب منافيا للرأفة، وهو من مقتضيات الرحمة، ألا ترى أن اللَّه يقول في حد الزاني: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢). ونرى أن الرأفة قد تجافي العقاب أما الرحمة فإن العقاب ينبعث منها؛ لأنه رحمة بالكافة، وقد قال بعض الصحابة للنبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: أكثرت من ذكر الرحمة، ونحن نرحم نساءنا وأبناءنا، فقال: ما هذا أريد، إنما أريد الرحمة بالكافة. كانت هذه الآية إخبارا بمقام الرسول من قومه، وتنويه بالشريعة التي جاء بها، ودعوة إلى اتباعه، فمن اتبعه، فقد اهتدى، ومن لم يتبعه فقد تعرض للغواية وبعد عن الهداية، ولذا قال تعالى:

стр. 4739

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) (الفاء) هنا لربط هذه الآية بسابقتها، ترتيب أمر على أمر، يعد نقيضا له، فإن كون الرسول من أوسطهم نسبا، وأنه عزيز عليه عنتهم، وأنه رءوف رحيم بهم كان يوجب عليهم أن يطيعوه، فهو لَا يمكن أن يكون في دعوته ما يضيرهم أو يشق عليهم، بل فيه تنزيه لقلوبهم عن الشرك والضلال، مع هذا إن تولوا - أي انصرفوا، وهم معرضون، وقد شبهت حال الإعراض الفكري، بحال التولي الحسي، لكمال معارضتهم للشرع، (فَإِن تَوَلَّوْا) فعل شرط جوابه: (فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي إن لم يجيبوك فقل حسبي، أي يكفيني أن يكون اللَّه معي، وهو صاحب الملك كله، لَا إله إلا هو، فلا أعبد سواه.

стр. 4740

والآية الكريمة تومئ إلى أنه كان بمقتضى ما تتضمنه الآية السابقة من معاني يكون نصراؤه منهم، وناشرو دعوة اللَّه إلى الحق منهم، بل إنه كان يرجى منهم حتى بمقتضى عادة العرب أن يؤيدوه، ولا يخذلوه. ولكنهم إن خذلوه، فاللَّه معه، وهو كافيه عن الحاجة إلى غيره، ولذا قال سبحانه: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، أي توكلت عليه وحده، لَا أعتمد على أحد غيره ، وتقديم الجار والمجرور (عليه) على الفعل (توكلت) يفيد القصر، أي أنه لَا يتوكل أحد من العباد، ما دام اللَّه تعالى كافله وعاصمه من الناس، كما قال تعالى: (. . . وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِن النَّاسِ. . .). وقد وصف اللَّه ما يدل على سعة سلطانه، وعزة من يعتمد عليه، فقال تعالت كلماته: (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) الضمير يعود على لفظ الجلالة، ورب معناها مالك، والعرش هنا تفسره بالسلطان، أو ما يشبه كرسي الملك، والمعنى: واللَّه هو مالك السلطان الكامل في هذا الوجود، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعلي من يشاء ويخفض من يشاء، وهو الحكيم الخبير، فمن يلتجئ إلى اللَّه فقد التجأ إلى من يدفع كل شر، وكل سوء، ومن يعلي الحق. وقوله: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم)، في (العظيم) قراءتان: إحداهما بضم الميم، في العظيم، والثانية - بكسرها - فالقراءة بالضم تكون وصفا لرب العرش، أي تكون وصفا لله، وهو العظيم الذي لَا يقدر قدره؛ لأنه فوق التقدير، وعلى قراءة الكسر تكون وصفا للعرش، وهو يثبت أن سلطان اللَّه تعالى عظيم، والله أعلم. * * *

стр. 4741

(سُورَةُ يُونُسَ) سورة مكية عدد آياتها ١٠٩، استثنى منها علماء القراءات أربع آيات قالوا إنها مدنية، هي الآيات ٤٠ - ٩٤ - ٩٥ - ٩٦. ابتدئت بحروف مفردة للتنبيه على إعجاز القرآن، ووصف الكتاب بأنه الحكيم، وذكرت أن الناس كانوا في عجب أن يوحى إلى رجل منهم، فذهبوا إلى تكذيبه وقالوا بسبب كفرهم: إنه ساحر مبين، وكان عليهم ألا يعجبوا ويغتروا، لأن الوحي من عند اللَّه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر، وأنه وحده له الملك، وأنه لَا شفيع عنده إلا من بعد إذنه. (. . . ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكرونَ إِلَيْهِ مَرْجِعكمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا. . .). فأنتم سترجعون إليه فيحاسبكم، ولا عجب في رجوعكم فهو سبحانه يبدأ الخلق ثم يعيده (. . . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ. . .). (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) ويبين آياته في اختلاف الليل والنهار، ثم أشار إلى أولئك الذين ينكرون البعث ولا يرجون لقاء ربهم، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وغفلوا عن آيات اللَّه ، وبين أن مأواهم النار بما كسبوا من سيِّئ الأعمال، وفي مقابل

стр. 4742

ذلك ذكر سبحانه الذين آمنوا باللَّه وآياته وعملوا الصالحات وجزاءهم من النعيم المقيم والسلام. (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) وإن من سنة اللَّه تعالى ألا يعجل الشر لمن أساء. (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) ويبين اللَّه تعالى طبيعة الإنسان أنه إذا ضعف اتجه إلى اللَّه ولجأ إليه. (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢). وبين حال الذين بعث لهم النبي ﷺ فقال: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ. . .). فأمره اللَّه تعالى أن يقول: (. . . مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦). وقد ذكر حالهم في شركهم بأنهم يعبدون ما لَا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا فيأمر اللَّه نبيه ﷺ فيقول لهم: (. . . قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨). وبين اللَّه تعالى بعد ذلك أن الناس في أصل التكوين أمة واحدة، (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩).

стр. 4743

جاءهم النبي ﷺ بالقرآن وهو أعظم آية إلد بها النبيون، ولكنهم لتعنتهم يريدون آية أخرى: (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠). ولقد بين اللَّه النفس الإنسانية المنحرفة عن الحق أنها إذا مسها اللَّه تعالى بالخير بعد الشدة تصورت أن الخير لها ولم يكنِ لفضل اللَّه ودبرت أمورها على ذلك، وذكر اللَّه تعالى مثلا فقال: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣). ثم مثل الحياة الدنيا في زوال متاعها فقال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤). دعوة الحق بعد ذلك بين اللَّه تعالى مآل دعوة الحق إلى دار السلام والهداية إلى الصراط المستقيم يوم القيامة (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦). وإنه في البعث يحشرهم اللَّه جميعا ويفر الذين سول لهم الشيطان أن يعبدوهم - من الذين اتبعوهم.

стр. 4744

ويسأل الذين أشركوا أين شركاؤكم: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠). بعد ذلك يبين اللَّه تعالى إنعامه على عباده وآياته في خلقه. (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣). أخذ يبين عجز الأوثان أن تبدأ الخلق ثم تعيده، بل إنها تُخلق، ثم إن أوثانهم لَا تهدي ضالا وإن اللَّه هو الهادي إلى الحق، وإن الذين يعبدون الأوثان لَا إيمان لهم فهم لَا يؤمنون بها. (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦). وإن القرآن حجة الله البالغة (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧). ثم يتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله. (. . . وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). وإن الأمر بالنسبة لهم ليس آخر دليل يطلبونه بل إنهم يكذبون قبل أن يطلبوا الدليل؛ أي بادروا بالتكذيب (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩).

стр. 4745

وأنه بعد مجيء القرآن فإن منهم (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١). ولا تأبه لهم، ومنهم منِ يستمع إليك وقلوبهم معرضة (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) كما أن منهم من ينظر إليك غير مبصر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣). ثم أشار إلى ما أعده للكافرين، وأنه أرسلِ إلى كل أمة رسولا يقضى بينهم بالقسط ولكنهم يقولون متى وعد اللَّه (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. . .). ويبين أن له ما في السماوات والأرض وأن وعده حق (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥). كما يبين أن شرع اللَّه تعالى فيه الموعظة وفيه شفاء لما في الصدور: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) كما يبين فضله على الخليقة فيقول تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩). أي تنزل النعمة حلالا طيبا ويفترون فيحرمون من غير بينة: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠). كما يبين اللَّه علمه بكل شئون الرسول ودعوته: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١).

стр. 4746

ثم يذكر أولياء اللَّه (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤). وينهى اللَّه النبي ﷺ عن الحزن (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥). إن اللَّه مالك العزة يعز من يشاء، لأن له ملك السماوات والأرض، وأن الذين يعبدون الأوثان لَا يستيقنون لها قدرة، وإن يتبعون إلا الظن: (. . . إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). ثم يبين سبحانه كمال ملكه وتصريفه للكون وبطلان من اتخذ له ولدا وبطلان قول الذين يعبدون الأوثان وأن جميعهم لَا يفلحون، لأنهم يفترون على اللَّه الكذب. (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠). بعد ذلك يذكر الأنبياء الذين لقوا من أقوامهم مثل ما لقي النبي ﷺ فبدأ بذكر نوح الأب الثاني للبشرية، وما قاله لقومه وقد كبر عليهم مقامه فيهم وتذكيرهم بآيات اللَّه وتوكله عليه وما رأى منهم من عنت وقد أخذهم بالحسنى (. . . فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢). فكذبه قومه وصدقه الضعفاء - كما كان لمحمد ﷺ ثم نجاه اللَّه ومن معه في الفلك المشحون. وبعث اللَّه - كما تدل الآيات رسلا من بعده فكذبوا ثم بعث موسى وأخاه هارون إلى فرعون، وأيده بآيات اللَّه التي تثبت رسالته فاستكبروا وكانوا قوما

стр. 4747

مجرمين، ثم جاء لهم موسى وأتاهم بتسع آيات بينات وكانت إحدى الحجج المنزلة من بينها عصا موسى. (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧). وقد آمن السحرة وذرية من قومه (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣). ثم أخذ موسى من آمن ودعاهم إلى التوكل على اللَّه الذي آمنوا به وأن يقولوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦). (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧). ودعا موسى على فرعون وملئه الذين لم يؤمنوا: (. . . رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩). ولقد جاوز موسى بأمر اللَّه البحر حيث انشق فكان كل فرق كالطود العظيم واتبعهم فرعون في اجتيازهم البحر فانطبق عليه هو وجنده حتى إذا أدركه الغرق قال: (. . . آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠). وبعد ذلك بين ما أنعم به على بني إسرائيل مبوأ لهم مبوأ صدق ورزقهم من الطيبات ولكن اختلفوا لما جاءهم العلم. بعد هذه العبرة من أخبار الرسل وأولي العزم بين سبحانه لنبيه وجوب الاطمئنان إلى ما يدعو إليه من الحق.

стр. 4748

(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥). وبعد ذلك ذكر نبي اللَّه يونس ﵇ (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨). ثم أشار إلى مقتضى إرادته أن يؤمن منِ اهتدى ويكفر من طغى؛ ولذا قال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠). وبيَّن اللَّه تعالى أنه لَا تغني الآيات والنذر عن قوم لَا يؤمنون، وأن اللَّه تعالى ينجي رسله من العذاب الذي ينزل بالأقوام الذين يكفرون (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣). ثم يخاطب اللَّه الناس خطابا عاما يدعو إلى عبادة اللَّه وحده ويأمر نبيه ﷺ بإقامة الدين الحق. (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩). * * *

стр. 4749

معاني السورة الكريمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) * * *

стр. 4750

ابتدأ اللَّه تعالى السورة الكريمة بالحروف الصوتية المفردة، وهي من المتشابه الذي اختصه اللَّه تعالى بعلمه، وإن تفسيرنا لها رجم بالغيب إذ لم يرد عن النبي ﷺ فيها برواية صحيحة بينة، فليس لنا أن نتعرف معناها ما دامت قد أبهمت علينا، وتركها اللَّه تعالى من غير بيان ولكن علينا أن نؤمن بحقيقتين: أولاهما - أن اللَّه تعالى لم يضع هذه الحروف إلا لغاية أرادها وحكمة، وعلينا أن نتحراها. ثانيتهما - أن نتلمس الحكمة وقد تلمسها المفسرون فوجدوها في أمرين:

стр. 4751

* إن كبار المشركين لما رأوا أن من يسمع منهم القرآن يؤثر فيه ويصغي إليه فؤاده فدفعهم العناد والمكابرة إلى أن قالوا كما أخبر تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ). وكان النبي ﷺ يفجَؤُهم بتلاوة القرآن بهذه الحروف الصوتية فينقضون اتفاقهم ويحنون إليه تباعا، وروي أنهم في ليلة اتفقوا على هذا الموقف السلبي ولكن كل واحد منهم نقض ما اتفق عليه وذهب إلى المكان الذي يستمع منه إلى النبي ﷺ فإذا هم يلتقون حيث كانوا يتفقون على البعد عن الاستماع. * الأمر الثاني أن النبي ﷺ كان أميا لَا يقرأ ولا يكتب، والأُميّ يعرف الكلمات ولا يعرف الحروف فمجيء هذه الحروف على لسان أمي لَا يقرأ ولا يكتب فيه غرابة، وفوق ذلك فإن هذا من التحدي كأنه يقال لهم: هذا الكلام الحكيم مركب من الحروف التي ركب منها كلامكم فكيف تعجزون عن أن تأتوا بمثله، وفي ذلك دليل على أنه ليس بنوع كلامكم ولا هو مما في إمكانكم أو طاقتكم، واللَّه هو وحده الذي نزَّله على نبيه تنزيلًا وهو العزيز الحكيم. وقد يبدو أن هذه الحروف مساقة في أكثر الآيات المبتدأة بهذه الحروف للإشارة إلى القرآن الكريم وآياته، لذا قال: (تِلْكَ آيَاتُ الْكتَابِ الْحَكِيمِ) إشارة إلى هذه الحروف أو إشارة إلى ما يأتي بعد ذلك من الذكر الحَكيم. والإضافة هنا بمعنى (من) أي تلك الآيات التي تتلى عليك من آيات الكتاب الحكيم وهي بذاتها تدل على قدرة اللَّه تعالى الذي أنزلها وعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وإنه (الْكتَابِ) الكامل الجدير بأن يسمى كتابا، و (الْحَكيمِ) لاشتماله على الحكمة إذ إنه جمع التكليفات كلها والشرائع المصلحة للبشَرية والمنظمة للعلاقات الإنسانية، ثم إنها نزلت كلها على لسان أمي لَا يقرأ ولا يكتب؛ لم يجلس إلى معلم ولم يكن ببلد تدرس فيه العلوم الإنسانية أو الكونية فقد كان أميا من بلد أمي، وجاء بكتاب فيه أصول وفروع الشريعة وهي إحدى دلائل إعجازه بين الكتب حقا وصدقا.

стр. 4752

وكان خليقا بالمشركين أن يؤمنوا إذ تحداهم وأعجزهم، ولكن لم يدفعهم العجز إلى الإيمان بل دفعهم إلى الجحود والعناد، ليس لحجة عندهم بل لأنه كان غريبا لم يألفوه أو يعرفوه، ولذا قال تعالى:

стр. 4753

(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ... (٢) والاستفهام هنا لإنكار الواقع وهو بمعنى التعجب من عجبهم، والتوبيخ على أنهم اتخذوا إرسال رجل منهم موضعا للعجب، فالرسول لَا يمكن أن يكون إلا رجلا منهم فلا يصح أن يكون ملكا من الملائكة كما قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ). وقد كان تَعَجُّبهم لأمور ثلاثة: أولها - أنه أوحى إلى رجل، وما كانوا يفهمون أن الرسالات تكون لرجال منهم. ثانيها - أنه يتيم فقير، كان يسمى يتيم أبي طالب، وأنه ليس من الأغنياء وكانوا هم العظماء (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم). ثالثها - أنه فوق هذا جاء للإنذار بالبعث فكان قولهم: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). وفى هذا أشد العجب من أمرهم كما يقول تعالى: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كنَّا ترَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .). هذا تعجبهم، والإنكار التعجبي من عجبهم لتلك الحقائق الثابتة، والإرسال لا يكون إلا لرجل كما تلونا ولقوله تعالى:

стр. 4754

(قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا). وأنكروا أنه يتيم فقير وهم يعلمون أنه من بيت الذروة من قريش، وإذا كان يتيم أبي طالب، فأبو طالب كان شيخ البطحاء وتدين قريش كلها له، كما كانت تدين لأبيه عبد المطلب ولجده هاشم، وأن النبوة لَا تُختار بالغنى ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكان محمد ﷺ قبل الرسالة تدين له قريش كلها بالخلق الكريم والصدق والأمانة حتى سُمي بالأمين ولا يمكن أن يكون المال والولد مقومات النبوة إنما الصدق والأمانة، والله هو الذي يختار كقوله تعالى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكم بِالَتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى. . .). ولا ينبغي أن يعجبوا من الإنذار بالبعث والحساب والجزاء فإن هذه الدنيا متاعها قليل والعاقبة عند ربك للمتقين، وإن الله تعالى لم يخلق الإنسان سدى بل جعل حياته في الدنيا عاملا للخير أو عاملا لغيره، وفي الآخرة يكون الجزاء الأوفى. ولننظر بعض نظرات إلى النسق السامي. ١ - قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ منْهمْ) أكان للناس - ولهم عقول ومدارك - أن يتعجبوا من هذه الأمور. ٢ - (أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ) (أن) تفسيرية، وأنذر الناس هي لإيحاء الذي أوحاه الله تعالى لنبيه، والإنذار هو بيان ما يكون للكافرين من عذاب أليم، والبشرى بما يكون للمؤمنين من نعيم مقيم. وقوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا) يقول الزمخشري عن معنى (اللام): (وما الفرق أن تقول " أكان عند الناس عجبا ": أنهم جعلوه أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه علما يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم) ولعل المعنى الذي يريده

стр. 4755

الزمخشري أن اللام تفيد هنا أن كان للناس عجبا أن يعجبوا من أنه أوحى إلى رجل منهم، وأن اللام تفيد الملك، أو الاختصاص أو الحق أي متى حق أن يتخذوا الرسول بالحق موضع تعجب واستغراب ثم استهزاء، وقال في بشارة المؤمنين وهو الجزء الأكبر من عمل النبي المبعوث (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) وقد بينا معنى البشارة والنذارة، ولم تذكر الجنان ولا النعيم المقيم كما ذي سبحانه في آيات كثيرة، ولكن ذكر ما يوجبه ويتادى إليه لَا محالة وهو أن لهم قدم صدقٍ عند ربهم وهي سبقهم إلى الإيمان والتصديق بما جاء به النبي ﷺ . وهنا أمران بيانيان يجب أن نشير إليهما بمقدار ما ندرك. أولهما - عبر عن السبق إلى الإيمان بقوله تعالى: (قَدَمَ صِدْقٍ) ونقول: إن هذا مجاز عبر فيه باسم الجزء، وأريد الكل وذلك لأن المراد أن لهم السبق بالصدق، ولكن لأن السبق يكون بالقدم فهي التي بها يكون السير السريع أو البطيء فقد عبر عن ذلك بـ (قَدَمَ)، كما يقال في النعم: " لفلان أيادٍ عليَّ "؛ لأن الإعطاء يكون باليد عادة ". الأمر الثاني - قوله تعالى: (صِدْقٍ) نقول أنه وعد، ووعد اللَّه صدق دائما ولكن المؤمنين أيضا قدموا بالصدق وهو الإيمان بالحق، فصدقوا الرسول وصدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه. يقول الزمخشري: (فإن قلت لم سمي السابقة قدمًا؟ قلت لما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد). وإضافة القدم إلى (صِدْقٍ) دلالة على زيادة فضل وإنه من السوابق العظيمة.

стр. 4756

هذا ما قاله تعالى بالنسبة للمؤمنين وهو يدل على أنهم بقلوبهم الطاهرة سبقوا إلى التصديق والصدق، أما الكافرون فقالوا تحت تأثير استغرابهم وتعجبهم إن هذا لساحر مبين، هذا صوت الاستغراب، من غير موجبه، وبدل أن يقولوا آمنا (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مبِينٌ)، أي بين واضح. حكموا بأنه ساحر مسترسلين في استغرابهم وأكدوا أنه ساحر بالجملة الاسمية، وبإن المؤكدة وباللام، والإشارة في هذا إلى النبي ﷺ وهو مسوغ لاستغرابهم، وعجبوا من إرسال رسول منهم ومن قدرة اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى:

стр. 4757

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ... (٣) والأيام الستة ليست هي الأيام التي نعرفها؛ لأن ذلك مستحيل؛ لأن هذه الأيام التي نعرفها من دوران الأرض حول الشمس وما كانت الأرض ولا السماوات بما فيهما من شمس وقمر وسائر الكواكب والنجوم، ولذلك نقول إن الأيام الستة هي أدوار التكوين الذي أنشأ اللَّه به السماوات والأرض، ذكرها اللَّه في سورة أخرى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢). ونرى من هذا النص السامي أن الأرض أخذت ستة أدوار ومثلها السماوات حتى كانت الأرض بطبقاتها وتكوينها، وكانت السماء بأبراجها ومصابيحها، وكانت الشمس ضياء والقمر نورا وقَدَّرَه منازل لنعْلَم عدَدَ السنين والحساب.

стр. 4758

أنشأ اللَّه تعالى السماوات والأرض في هذه الأدوار التكوينية بتدبيره سبحانه وبإحكامه وإرادته وهو الفاعل المختار، وليس كل دور انتقالا من الدور الذي سبق فيتوهم أن كل دور خلق ما بعده بل إن ذلك بإرادة المنشئ المختار؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) والمعنى استولى على السلطان والعرش كناية عن كمال السلطان فهو صاحب الملك قد استوى على كرسي ملكه الذي خلقه وأنشأه على غير مثال سبق، وأنه يدبر شئون ذلك الكون الذي أبدعه (بَدِيع السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ. . .)، ويدبر أي يتحكم فيه ويقدر ويضع كل شيء في موضعه الذي يلتئم مع ما يناسبه فخلق الماء في الأرض وجعل منه كل شيء حي وخلق المطر الذي يكون غيثا وينبت منه كل شيء وجعل الأرض فراشا والسماء بناء. وأصل التدبير معرفة أدبار الأمور، والمدبر يعرف حاضر الأمور ويعلم القابل والحاضر والدابر منها والعواقب، لَا يغيب عن علمه شيء وقد أحاط بكل شيء علما وفي قوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ) الأمر هو أمر الخلق والتكوين ومن يعيش في السماوات والأرض وحالهما - تبارك اللَّه. (مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) هذا إنذار للذين يعصون من خلقه بأنهم عند العذاب لَا تنفعهم شفاعة الشافعين وما لهم من شفيع يشفع ولا قربة يفتدون بها أنفسهم فإنه لَا شفيع إلا من بعد إذنه، والتعبير بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) إشارة إلى أنه محكوم بسلطان اللَّه تعالى غير خارج عن ملكه لَا يفرض عليه. وهنا إشارتان بيانيتان: الأولى - قوله تعالى: (يُدَبِّر الأَمْرَ) جملة مستأنفة لبيان كمال السلطان، وهي أثر للخلق والتكوين، لأنه إذا كان الخالق كان المدبر وتدل على أنه فاعل مختار.

стр. 4759

الثانية - قوله تعالى: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) تدل على كمال السلطان، وأنه لا يخرج عن سلطانه شيء في الأرض ولا في السماء، فالأرض باتساعها من جبال ووهاد ويابس وماء وأحياء وزرع وغراس كلها بتدبيره وسلطانه. ثم قال سبحانه: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) إشارة إلى خالق السماء والأرض وما فيهن ومدبر أمرهما وذو السلطان المستولي على كل شيء، والخطاب للإنسانية كلها لأنه رب العالمين. ويلاحظ المتتبع لآيات اللَّه تعالى أن الإشارة تقترن بحرف الكاف ويكون الخطاب للنبي ﷺ ولأمته بالتبع، وضمير الجمع كما في هذا النص (ذَلِكُمُ) يكون إما للناس أجمعين، وإما للنبي ﷺ وأمته ابتداء. وهذا الخطاب للناس أجمعين، وذكر لفظ الجلالة فيه إشارة إلى أنه المستحق وحده بلا شريك وأنه المنشئ والمشرف على كونكم وقد رئكم ورباكم وتعهدكم (فَاعْبُدُوهُ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه يعبد لأنه اللَّه المنشئ ﷻ ؛ ولأنه رب الوجود ولا يُعبد إلا وحده فاعبدوه عبادة تقتضي بطلان الشريك. (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) الاستفهام للتعزيز وطلب التذكر، و (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقديم، لأن الاستفهام له الصدارة دائما، وهمزة الاستفهام داخلة على (لا) والاستفهام لإنكار الوقوع بمعنى النفي ونفي النفي إثبات، والمعنى حض على التذكر، والتذكر أدنى التفكير، والمعنى تفكروا بأدنى التفكير فإنكم حينئذ تجدون اللَّه هو الذي يعبد وحده ولا يعبد سواه. ثم بشر اللَّه بعد ذلك المؤمنين وأنذر الكافرين، فقال تعالت كلماته:

стр. 4760

(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) بعد أن بين اللَّه تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومن فيهن ذكر أنه لم يخلقهم عبثا، بل إنه خلقهم ليعمروا الأرض ويقوموا فيها بالأعمال

стр. 4761

الصالحة وأنه سيعيدهم إليه ويجزيهم بالإحسان إحسانا، ومن كفر فله عذاب أليم، وقوِله تعالى: (إِلَيْهِ مرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) قدم الجار والمجرور على المبتدأ (مرْجِعُكُمْ) لإفادة القصر، أي إليه وحده المرجع والمآب كما أنه وحده الخالق المنشئ فالمرجع إليه وحده، ثم ذكر إمكان ذلك وتقريب قدرته تعالى على رجعهم إليه وحده فقال: (يَبْدَأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) فهذه الجملة في مقام التعليل لقوله - سبحانه -: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) وتقريب وقوع ذلك وقدرته على الإعادة كما بدأ كما قال تعالى: (. . . كمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، وكقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. . .). وقد بين اللَّه تعالى أن ذلك هو النظام الذي سنه واختاره لخلقه فقال: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) أي إن ذلك وعد وعده الله تعالى عندما خلق الإنسان الأول وعاداه إبليس اللعين وأنزله من جنته. وقال سبحانه: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩). وقوله تعالى: (جَمِيعًا) ذكرت لبيان عموم من يعيدهم سبحانه، فسيعود إليه البر والفاجر والمطيع والعاصي والمفسد والمصلح، ثم ذكر غاية ذلك (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمنوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ): اللام للتعليل، أي لتعليل الرجوع إليه والإعادة بعد البدء، وفي التعليل بيان الغاية والمآب ويتحقق وعد اللَّه تعالى الحق الثابت الذي لَا يتغير ولا يتبدل، وقد ذكر الإيمان والأعمال الصالحة كشأن بيان اللَّه تعالى عند ذكر الثواب ولم يذكر الجنة والنعيم المقيم، ولكن ذكر ما يتضمنها وزيادة فقال تعالى: (بِالْقِسْطِ) أي الجزاء بالقسط فهو عدل من اللَّه تعالى، وعدله وفضله يوجبان الجنة وما فيها. والرضوان والسعادة التي يتضمنهما أداء الواجب هو الثواب العدل للمؤمنين الصالحين، فهم شكروا النعمة ولم يكفروها وقابلوا فضل اللَّه بالقيام بالواجب

стр. 4762

واعتدال النفوس وحالهم هي العدل والقسط، ويقول البيضاوي في تفسيره (بِالْقِسْطِ) أي بعدله أو عدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم، ونرى أن هذا كله تشمله كلمة (القسط) وليس ثمة ترديد بين واحد منها. وبعد أن ذكر سبحانه جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكر جزاء الذين يكفرون فقال سبحانه: (وَالَّذِينَ كفَروا لَهُمْ شَرَابٌ منْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ) - ذكر القسط في جزاء الذين آمنوا على أنه مقابلة بين عمل صالح قويم مستقيم وجزاء عدل قويم، وذكر ما يستحقه المنحرفون من غير أن يذكر ما يدل على أنه جزاء، وذلك للدلالة على أن الجزاء مع عدله تفضل من اللَّه، وأن الكافرين حرموا من هذا الفضل ونالهم ما يستحقون، ولبيان أن الرجوع إلى اللَّه تعالى يقترن بالجزاء الذي هو عدل، وأن الناس خلقوا ليقوموا بالإصلاح، وإن الإعادة ليجازوا على هذا الإصلاح، أما المنحرفون المفسدون فإنهم ينالون ما يستحقون بسبب انحرافهم عن الفطرة التي فطر عليها الناس. وابتدأ سبحانه بالجملة الاسمية (وَالَّذِين كَفَروا) وذلك فيه أمور ثلاثة مؤكدة لشدة العقاب: الأولى - الجملة الاسمية المؤكدة للحميم. الثانية - التعبير بالموصول الذي يعتبر أن الكفر علة الحكم. الثمالثة - اللام في قوله تعالى: (لَهُمْ شَرَابٌ) فإن اللام تفيد أنه أمر مختص بهم وليس لهم غيره. والحميم: الحار الشديد الذي يقطع الأمعاء، فيقال: حممت الماء أي أحمه فهو حميم أي محموم، بمعنى مفعول إذا كان حارا حرارة شديدة تزيد عما يطيقه الجسم؛ ولذا قال اللَّه تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)، وقال: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤).

стр. 4763

وذكر سبحانه سبب هذا الذي ينالهم فقال: (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) جمع هنا بين الماضي والمستقبل، ودل هذا على استمرارهم في الكفر الذي فعلوه أولا ثم استمروا مجددين للكفر آن بعد آن، وقانا اللَّه تعالى شر الضلال وانحراف العقول. قال تعالى: * * * (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) * * *

стр. 4764

يبين أنه خالق السماوات والأرض وأنه ما خلقهما عبثا، بل سخرهما للإنسان ليشكر أو يكفر، وأن المرجع إليه يحاسب كل امرئٍ بما كسب، وأنه الحكَمُ العدل الذي يجزى به كل نفس بما كسبت.

стр. 4765

وفى هذه الآيات فصل نعمته على مخلوقاته وكيف هي مسخرة لهم، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا، جعل الشمس ذاتها ضياء، فكتلة كلها ضوء، ويقول بعض المفسرين: ذات ضياء، ونحن نقول: إن الشمس ذاتها ضياء، والقمر نور، أي ذا نور، وقلنا في القمر ذو نور، لأن ضياءه ليس من ذاته إنما هو من توسطه بين الأرض والشمس، ونوره عرضي وليس ذاته نورا كالشمس في أن ذاتها ضياء، ولقد أدرك هذا بعض المفسرين الأقدمين الذين لم يعنوا بدراسة الأجرام السماوية. فقد قال البيضاوي: أنه سُمي " نورا " للقمر للمبالغة، فهو أعم من الضوء، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، وقد بينه بذلك أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيرا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها، وهذا ما يقرره علماء الكون، وفي الواقع أن ضياء الشمس حقيقي، فهي كالمصباح والنور ينبثق منه، والقمر لَا ضياء فيه وإنما نوره نسبي في انعكاس ضوء الشمس عليه، ولذا كان له منازل، وقد ينطمس على الأرض قال تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) فهو يبتدئ هلالا يكبر شيئا فشيئا حتى يصير بدرا ثم يعود يصغر شيئا فشيئا حتى يكون المحاق. ولذا قال تعالى: (وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) وقال بعض المفسرين: إن ما قدر منازل ليس هو القمر وحده بل الشمس والقمر، والمعنى: قدرهما منازل، فالشمس منازل كالقمر، ولكن منازل القمر سريعة يومية ومنازل الشمس ليست كذلك، وإن كان لها أثرها فالتقدير نسب إلى القمِر ابتداءً والمراد هما، كعِود الضمير على التجارة في قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تجَارَةَ أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَركوكَ قَائِمًا. . .)، ونحن نرى أن المنازل للقمر؛ لأنها الظاهرة ولأنها التي نعلم بها الأيام والأشهر والسنين القمرية، وبعض المفسرين يقول: منازل أي ذا منازل، ونحن نرى أنه لَا حاجة إلى تقدير (ذا)، لأن المنازل في ذات رؤية القمر يبدو صغيرا ثم يكبر وبعد أن يصير بدرا يعود صغيرا كما بدأ (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتَّى عَادَ كَالْعرْجُونِ الْقَديم)، ويبين سبحانه أن الحكمة في هذا أن تعلموا عدد السنين والحسَاب، أي عدد السنين بعدد الأشهر والأيام والحساب، وقالوا إن العدد في السنين والحساب في الأوقات، فيعلم عدد السنين بدوران القمر وابتداء كل شهر والأيام برؤية القمر ليلا، والعربي كان يعرف
следующие страницы →